← Адаб

Адаб · id 7414

زهر الأكم في الأمثال والحكم

الحسن اليوسي

Полный текст (902 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وإذا تسرك من تميم خصلةٌ ... فلما يسوءك من تميم أكثرُ وقد كنت أحسبهم أسود خفية ... فإذا لصاف تبيض فيها الحمر أكلت أسيد والهجيم ودارم ... أير الحمار وخصيته العنبر ذهبت فشيشة بالأباعر حولنا ... سرقا فصب على فشيشة أبجر والقنان، بفتح القاف، جبل لبني أسد، وهو الواقع في قول زهير: جعلن القنان عن يمين وحزنه ... ومن بالقنان من محل ومحرم ولصاف، بكسر اللام وبفتحها، معربا ومبنياً على الكسر، جبل لتميم، وهو الواقع في قول النابغة: بمصطبحات من لصاف وثبرة ... يزرن إلالاً يسرهن التدافع ونحوه ما حكى الجاحظ قال: دخل رجل من محارب على عبد الله بن يزيد الهلالي، وهو عامل على أرمينية، وقد بات بقرب غدير فيه ضفادع. فقال عبد الله: ما تركتنا أشياخ محارب ننام في هذه الليلة لشدة أصواتها. فقال المحاربي: اصلح الله الأمير! إنّها أضلت برقع لها، فهي بغائه. أراد الهلالي قول الأخطل: تنق بلا شيء شيوخ محاربٍ ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري ضفادع في الظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر وأراد المحاربي قول الشاعر: لكل هلالي من اللؤم برقع ... ولأبن هلال برقع وقميص ومما شبه هذا في الذكاء والفطنة ما حكي عن بعض الناس إنّه قال: قعدت على جسر بغداد، فمرت امرأة بارعة الجمال، فائقة الكمال، من الرصافة إلى الجانب الغربي. فاستقبلها شاب ذهب نحو الرصافة، فقال الشاب: رحم الله علي بن الجهم. فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري: ولم يقف واحد منهما، بل مر كلٌ لحاجته،

стр. 107

مشرقاً ومغرباً قال: فتبعت المرأة، فقلت لها: إنَّ لم تقولي ما قلتما. فضحكت فقالت: أراد الشاب قول علي بن الجهم: عيون المهى بين الرصافة والجسر ... جلب الهوى من حيث ادري ولا ادري وأردت أنا قول أبي العلاء المعري: فيا دارها بالحزن إنَّ مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال فانصرفت وتركتها. وبعضهم ينكر في قصة عمرو بن هند التحريق، ويقول إنّه قتل تسعة وتسعين وإكمال العدة بوافد البراجم، وينشد قول الجرير: أين الذين بنار عمرو قتلوا؟ وفي القصة اختلاف وطرق، وسنعيدها في الباء إنَّ شاء الله تعالى على وجه آخر للحاجة إليها هناك. إنَّ العصا قرعت لذي الحلم . العصا معروفة. والقرع: الضرب. والحلم: العقل. ومعنى المثل إنَّ الحليم إذا نبه انتبه. واختلف في أوّل من قرعت له العصا: فقيل عامر بن حممة، وقيل عمرو بن مالك، وقيل قيس بن خالد، وقيل عامر بن الظرب العدواني وهو الأشهر، وكان حكماً من حكام العرب. فلما كبر، قيل وأتى عليه ثلاثمائة سنة أنكر من عقلة شيئاً، وكانت له بنت حكيمة، فكان إذا قعد للناس وصاها إنَّ تقرع له المجن بالعصا إذا زل في كلامة ليرجع. قال الملتمس: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلاّ ليعلما وأراد بذي الحلم عامراً، وهو كنينه فيما يزعمون. وقال الحماسي الحرث بن وعلة

стр. 108

الجرمي: قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي فلئن عفوت لأعفون جللاً ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي لا تأمنن قوماً ظلمتهم ... وبدأتهم بالشتم والرغم إنَّ يأبروا نخلاً لغيرهم ... والشيء تحقره وقد ينمي وزعمتم أنَّ لأحلوم لنا ... إنَّ العصا قرعت لذي الحلم ووطئتنا وطئا على حنقٍ ... وطء المقيد نابت الهرم وتركنا لحما على وضمٍ ... لو كنت تسبقني من اللحم قيل: وعامر هذا أوّل من جلس على المنبر وتكلم. وفيه يقول الأسود بن يعفر: ولقد علمت لو إنَّ علمي نافعٌ ... أنَّ السبيل سبيل ذي الأعداد وإليه اشار ذو الإصبع العدواني بقوله: عذير الحي من عدوان ... كانوا حية الأرض بغي بعضهم ظلما فلم ... يرع على بعض ومنهم كانت السادات ... والموفون بالقرض ومنهم من يجيز الناس ... بالسنة والفرض ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي يعني عامر بن الظرب، وسيأتي له مزيد من الخبر.

стр. 109

إنَّ فلاناً باقعة . الباقعة: الرجل الداهية؛ وأصله البقع في الأرض وهو الذهاب فيها وحوله بقاعها. يقال: ما أدري أين بقع أي ذهب. فالباقعة هو الذي جال بقاع الأرض وعرف خيرها وشرها فاستعمل في الداهية الذكي الذي لا يفوته شيء. ويقال الباقعة هو الطائر يرد البقاع وهي الأمكنة فيها ماء ويحيد عن المشارع والمياه المحصورة خوف أنَّ يحتال عليه فيصاد. فضرب مثلا للرجل الحذر المحتال. إنّه لحبل من أحبالها الحبل بكسر الحاء وتفتح الداهية من الدواهي جمعه حبول. قال كثير: فلا تعجلي يا عز أنَّ تتبيني ... بنصحي أتى الواشون أم بحبولِ ويقال للرجل هو حبل من أحبالها إذا كان داهية كالمثل الذي قبله أو كان قائما على المال رفيقا بسياسته. إنّه لذو بزلاء . البزلاء: الرأي الجيد؛ وهو إما مأخوذ من البزول يقال بزل ناب البعير إذا انشق وطلع؛ وبزلت الشيء: شققته فتبزل. فالبزلاء: الرأي الذي ينشق عن الصواب. ويقال: رجل بازل إذا احتنك، تشبيها بالبازل من الإبل. وقال الراعي: من أمر ذي بدوات لا يزال له ... بزلاء يعي بها الجثامة اللبدُ وأما من البزلاء وهي الداهية العظيمة. ومنه قولهم: فلان نهاض ببزلاء إذا كان مطيقا للشدائد. إنّه ليسر حسوا في لرتغاء . السرار ضد الإعلان؛ والحسو: الشرب؛ يقال: حسا اللبن والماء والمرق وغير ذلك إذا شربه؛ واسم ما يحسى: الحسو، مقصورا وممدودا، والحسو على

стр. 110

مثال عدو، والحسية. ورغوة اللبن، مثلثة الراء، ورغاوته، ورغايته، بضم الراءين، ويكسران: زبدة الطافي فوقه. قال نضلة السلمي في يوم غول، وكان حقيرا دميما، وكان ذا بأس ونجدة: ألم تسل الفوارس يوم غول ... بنضلة وهو موتور مشيح؟ رأوه فازدروه وهو حر ... وينفع أهله الرجل القبيحُ فشد عليهم بالسيف صلتا ... كما عض الشبا الفرس الجموحُ فاطلقت غل صاحبه وأردى ... قتيلا منهم ونجا جريحُ ولم يخشوا مصاليه عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الصريحُ والصريح: الخالص ويسمى المحض كما قال طرفة: ويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... وإن أعطيته أترك لقلبي مجثما وكما قال الآخر: فقل جعل يستق في لبن محض. ويقال: ارتغى الرغوة إذا أخذها بفيه واحتساها. ومعنى المثل إنّه يحسو اللبن وهو يظهر إنّه يزيل الرغوة بفيه ليصلحه لك. وضرب لمن يريك إنّه يعينك وهو يجر النفع لنفسه. وكذا من يريد أمرا وهو يظهر غيره. وقيل للشعبي: إنَّ رجلا قبَّل أمَّ امرأته. فقال: يسر حسواً في ارتغاء، وقد حرمت عليه امرأته. إنّه لساكن الريح . مثل لرجل الوادع، وهو في الأصل إما مشبه بزمن قد سكنت ريحه

стр. 111

وهدأت زعازعه، فورد مورد التمثيل؛ وإما مشبه بالريح الساكنة عن الاضطراب، وهو ضرب من التجريد. إنّه لشرَّابٌ بأنقع . الشرَّاب: الشارب بكثرة؛ والأنقع: جمع نقع بفتح فسكون وهو يطلق على الغابر ويطلق على محبس الماء المستنقع، وعلى الأرض الحرة الطين، يستنقع فيها الماء. فيضرب هذا لمن جرب المور وعاود خيرها وشرها أو للداهي المنكر. قيل: واصله في الدليل وهو إنّه إذا كان بصيرا بالفلوات حذف في الطريق وعلم أين يسلك إلى الأنقع حتى يردها. والأنقع هنا: المياه المستنقعة أو محالها بحسب ما فيها من الماء. فصار مثلا لكل بصير بالأمور يصل منها إلى موارخ. وقيل أصله أنَّ الطائر إذا كان حذرا منكرا لم يرد المياه التي يردها الناس مخافة الأشراك التي تنصب بحضرتها وإنّما يرد الأنقاع التي في الفلوات أي المياه المستنقعة. وحكى البكري بسنده عن رياح بن زيد قال: سألت أبن جرير عن آية وقلت إنَّ معمرا أخبرني بكذا فقال: إنَّ معمرا شرب العلم بأنقع. قال عبد الرزاق: الأنقع: الصفا الذي يصيبه الغيث فيكون هاهنا ماء وهاهنا ماء. إنّه لصل أصلال . الصل، بكسر الصاد المهملة: الحية الخبيثة لا تنفع فيها الرقى ولا يبل سليمها. قال الشاعر: والحية الصل لا تغررك هداته ... فكم سليم وموقوذ لنكرته! وقال صاحب تأبط شراً يرثيه: مطرق يرشح موتا كما أطرق ... أفعى ينفث السم صلُّ وجمعه أصلال فضرب للرجل الداهي في الخصومات وغيرها، كأنه لحية الحيات. قال الشاعر:

стр. 112

ماذا رزئنا به من حيةٍ ذكرٍ ... نضناضةٍ بالرزايا صلِّ أصلالِ إنّه لضعيف العصا . مثل لقليل الضرب للإبل. قال الراعي: ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما اجدب الناس إصبعا إنّه لضل إضلال . مثل للداهي على نحو ما مر أنفا في الصاد، إلاّ إنّه يقال هناك: صل أصلال، بالصاد المهملة وبكسرها لا غير؛ ويقال هنا: ضل إضلال، بالضاد المعجمة المكسورة والمضمومة. ومعناه إنّه يضل خصمه وقرنه فلا يهتدي ولا يعرف من حيث يأتيه ولا يتجه معه إلى وجه يخلصه منه. والضلال ضد الرشاد. قيل: وأصله قولهم: أرض ضل، إذا كانت تضلل أصحابها. وأما قولهم: إنّه ضل بن ضل. بكسر الضادين وضمهما، فمعناه إنّه منهمك في الضلال، أو إنّه لا يعرف له اصل، أو إنّه لا خير فيه. ويقال للباطل: ضل بتضلال. قال عمر بن شاس الأسدي: تذكرت ليلى لات حين أذكارها ... وقد حني الأصلاب ضل بتضلال وقيل في قول امرئ القيس: نواعم يتبعن الهوى سبل الردى ... يقلن لأهل الحلم ضل بتضلال إنّه دعاء بالضلال، أي إذا رأين أهل الحلم قل لهن: أضلكم الله، ودعون عليهم إذ لا يتبعون اللهو، وهو البين. قيل: وأنكر أبو عبيد ضم الضاد في قولهم: ضلا بتضلال، وقال: لم اسمع الضم إلاّ في ضل بن ضل.

стр. 113

إنّه لعض . العض بكسر العين المهملة وبضاد معجمة، يضرب للرجل الداهي المنكر البليغ. قال القطامي: أحاديث من أنباء عاد وجرهم ... يثورها العضان زيد ودغفل ويروي: أحاديث من عاد وجرهم ضلة. ومعنى ضلة: لا يهتدي إليها، كما قالت السلكة أم السليك: ليت شعري ضلة ... أي شيء قتلك ومعنى يثورها: يحركها من مكانها، ويثيرها من مظانها. ويروي: ينورها بالنون، أي يكشفها ويبين ما استتر منها من النور الكاشف للظلمة. وزيد المذكور أحد بني هلال أبن ربيعة، وكان من اعلم الناس. ودغفل من بني ذهل بن ثعلبة نسابة. قيل: وأصل المثل من العض على النواجذ. يقال: عض الرجل على نواجذه إذا صبر على الأمر. قال علي كرم الله وجهه يحرض الناس يوم صفين: عضوا على النواجذ من الأضراس! فإنه أنبى للسيوف على الهام. وقال الحارث بن وعلة: الآن لمّا ابيض مسربتي ... وعضضت من نابي عجذم والنواجذ بالذال المعجمة: أواخر الأضراس، وأحدها ناجذ. والعرب تسمي الناجذ ضرس الحلم، لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل. قال النمر بن تولب: على إنّها قالت عشية زرتها ... المثل ينبت لذا حلمه بعدي ورجل منجذ، أي مجرب أحكمته الأمور. قال سحيم بن وثيل: أخو خمسين مجتمع اشدي ... ونجذني مداورة الشؤون وقيل: إنه لعض المال، أي شديد القيام عليه، وعض سفر، أي قوي عليه، وعضاض عيش، أي صبور على الشدة، وغلق عض: لا يكاد ينفتح. والعض أيضاً: مال صغر من شجرة الشوك، كالشبرق والقتاد الأصغر؛ يقال: بلد ذو عض، وإبل عاضة: ترعاها؛ وأهلها معضون. فيصح إنَّ يكون أصل المثل من هذا أيضاً.

стр. 114

إنّه للين العصا . مثل لرقيق الحس السياسة لمّا ولي. قال الشاعر: عليه شريب وادع لين العصا ... يساجلها جماته وتساجله إنّه لنقاب . مثل للرجل العالم الفهم الخبير بغوامض الأمور. قال أوس بن حجر: كريم جواد أخو مأقط ... نقاب يحدث بالغائب قيل: واصله من التنقيب في البلاد وتجريب الأمور. ونحوه قولهم في مثل آخر لمجرب الأمور: فلان قد ركب ظهر البر والبحر، وعرف حالتي الخير والشر، وذاق طعمي الحلو والمر. وقال الحكماء: لا ينال أحد الحكمة حتى ينسى الشهوات، ويجرب الفلوات، ويحالف الأسفار، وينتاب القفار، ويصل الليل باليوم، ويعتاض السهر من النوم. قالوا: النظر كالسيف، والتجارب كالمسن. وقالوا: مرآة العواقب، في يد ذي التجارب. وقال أبو تمام يصف بالتنقيب والتجريب: سلي هل عمرت القفر وهي سباسب ... وغادرت ركبي من ركابي سباسبا وغربت حتى لم أجد ذكر مشرق ... وشرقت حتى قد نسيت المغاربا وقال أيضاً: خليفة الخضر من يربع على وطن ... في بلدة فظهور العيس أواني بالشام قومي وبغداد المنى وأنا ... بالرقمتين وبالفسطاط إخواني أحبة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإنَّ فرقوا في الأرض جيراني وقول أوس المذكور يحدث بالغائب هو من شأن النقاب. والمعنى إنّه ذو ذكاء قوي وفراسة وضن مصيب، كما قالوا: فلان المعي وقول الشاعر:

стр. 115

الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا وقال الآخر: بصير بأعقاب الأمور إذا التوت ... كأن له في اليوم عين على غد وقال ابن الرومي: كمال وإفضال وبأس ونجدة ... وظن يريه الغيب لارجم راجم وقال آخر: تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى ... إلى قول قوم أنت بالغيب عالم وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من لم ينتفع بظنه، لم ينتفع بيقينه. وقال عبد الملك بن مروان: ما فرق بين عمر وعثمان إلاّ اختلاف الضن: ظن عمر فأصاب فتحفظ، وظن عثمان فأخطأ فأمهل. إنّه لنكد الحظيرة . النكد: لشدة والقلة؛ يقال: نكد عيش القوم إذا اشتد، ونكد ماء البئر إذا قل، وناقة نكود قليلة الدر، ورجل نكد: عسير؛ والحظيرة والحظار بالظاء المشالة: ما يجعل للماشية ويحاط بالشجر ونحوه للتأويل إليه ويمنعها من الحر والبرد، لأنها من الحظر وهو المنع. يضرب هذا المثل للرجل القليل الخير وللبخيل مع السعة، فكأن ضيق حضيرته كناية عن ضيق خيره وقلة فضله، كما يقال في المثل الآخر من هذا المعنى: فلان ضيق العطن، وإنّما العطن مبركة الإبل عند الماء؛ لكن جعل كناية عما مر. ويقال في ضده: فلان رحب الفناء، وسابغ الذيل، وغمر الرداء، ونحو ذلك. وقال أبو القاسم بن سلام: أراه سمى أمواله حظيرة لأنّه حظرها عنده ومنعها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. وهو بعيد عن صنيع الكلام وأسلوب العرب في هذا النحو كما قررناه. إنّه لهتر اهتار . الهتر بكسر الهاء وسكون المثناة الفوقية: العجب والداهية، فيقال: فلان هتر اهتار

стр. 116

ويضرب مثلا للرجل الداهي، كما تقدم في قولهم: صل اصلال. قال أوس بن حجر في الهتر بمعنى العجب: المَّ خيال موهنا من تُماضِرا ... هُدُوَّا ولم يطرق من الليل باكرا وكان إذا ما التمَّ منها بحاجةٍ ... يراجع هترا من تماضر هاترا وعن أبن الأعرابي: الهُتر والهِتر، " بالضم والكسر: ذهاب العقل. وفي الصحاح: الهِتر: العجب والداهية، والهِتر " السقط من الكلام، يقال: هتر هاتر، وهو توكيد. ومنه بيت أوس المذكور عنده. إنّه لواقع الطائرِ . مثل للرجل الساكن الأمور. وهو في الأصل أما مشبه بالبعير يقع غليه الطائر وينزع ما عليه من القراد، فيسكن البعير استلذاذاً لذلك ولا يتحرك لئلا ينفر الطائر فيطير عنه، كما يقال في المثل الآتي: كأن على رأسه الطير؛ وأما مشبه بالطائر الواقع في سكونه على ضرب من التجريد، كما مر في ساكن الريح. انك لا تجني من الشوك العنب . يقال: جنى الثمرة، واجتناها، وتجناها، وكل ما يجنى من الثمر فهو جنى بالفتح والقصر وجناة؛ والشوك، بفتح الشين المعجمة، معروف؛ الواحدة: شوكة؛ وشجرة شاكة وشوكة وشائكة: ذات شوك: والعنب معروف. ومعنى المثل أنّ الشر لا تستحصل منه خيرا، والفساد لا تكتسب منه صلاحا، كما إنَّ العنب ليس بخارج من الشوك. فإذا أوقعت شرا أو ظلمت أحدا فقد غرست شوكا، ولا تحصده إلاّ شوكا. وفي الحكمة: من يزرع خير يحصد غبطة، ومن يزرع الشر يحصد الندامة. وما أحسن قول صالح بن عبد القدوس ناطما لهذا المثل بعينه: إذا وترت أمرءا فأحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا

стр. 117

إنّما العدو وإنَّ أبداً مجاملة ... إذا رأى منك فرصة وثبا والمثل لأكثم بن صيفي حكيم العرب. إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع . هو كلام النبي ﷺ ، قاله للأنصار يصفهم بذلك. والفزع يكون على وجهين: أحدهما الذعر والجزع، وهو كثير الاستعمال، والأخر الاستنجاد والاستصراخ، ومنه قول سلامة بن جندل: كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له فرع الظنابيب أي: إذا أتى مستغيث كانت إغاثته الجد في نصرته. يقال: قرع ظنبوبه في هذا الأمر إذا جد فيه. والظنبوب: مقدم عظم الساق. ويشق من هذا المعنى أنَّ يكون فزع بمعنى أغاث. قال هبيرة اليربوعي، المقلب بالكلحبة: فقلت لكاس الجهيما فإنما ... حللت الكثيب من زرود لأفزعا أي لأغيث. وكأس اسم جاريته. والطمع معروف. ومعنى الكلام المذكور وصف الأنصار ﵃ بالشجاعة والإقدام، وبذل النفوس في نصرة الإسلام، وتجشم المضائق في ذلك والعظائم، والتسارع إلى المكارم مع الزهد التام، ورفع الهمة عن الحطام. وهو معنى قوله: وتقلون عند الطمع، أي عند وجود الطمع في الناس لسبب من أسبابه، ويصح أنَّ يراد بالطمع المال المطموع فيه، أي: تقلون عند حضور الأموال واقتسامها وانتهابها، والقلة على بابها، أو للنفي وهو ابلغ. وناهيك بهذا الكلام مدحا وثناء، وبالأنصار رفعة وسناءً! ومثل هذا المعنى قول عنترة: يخبركم من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المطعم ومن هذا المعنى قول المهاجرين في الأنصار: انهم يكفوننا المؤونة، ويشاركوننا في المهنا. ومن باب المشاركة في الشدة قول أبي بكر الخوارزمي: أراك إذا أيسرت خيمت عندنا ... لزاما وإنَّ أعسرت زرت لماما فما أنت إلاّ البدر إنَّ قل ضوءه ... أغب وإنَّ زاد الضياء أقاما

стр. 118

وأصله قول الأول: فتى كان يدينه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى، ويبعده الفقر وتمثل بهذا البيت علي كرم الله وجهه في طلحة حين رآه مقتولاً يوم الجمل. وورد في ضد هذه الصفة، وهو المشاركة في الرفاهية والخذلان في الشدائد أمثال كثيرة من الشعر كقول الشاعر: إذا ما علوا قالوا: أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أب وقول الآخر: موالين إذا افتقروا إلينا ... وإنَّ اثروا فليس لنا موالي وقول الآخر: أبو راشد مولاي ماطل حقه ... فإن كانت الأخرى فمولى بني سهم إنَّ لله جنوداً مِنْهَا

стр. 119

العسل. الجنود جمع جند، بضم فسكون، وهو العسكر. ويطلق ﵇ الأعوان وعلى المدينة، يقال الشام خمسة أجناد، ويراد مدنها الخمس؛ وعلى الصنف من الخلق على حدة. والعسل معروف. وهذا الكلام وقع لمعاوية، ﵀، لمّا بعث عمرو بن العاصي أميراً على مصر، وفيها محمد بن أبي بكر أمير عن علي، كرم الله وجهه. فاقتتلا، فقتل محمّد بن أبي بكر واستولى عمرو على مصر. فبلغ ذلك أمير المؤمنين علياً، كرم الله وجهه، فأنفذ إلى مصر الأشتر النخعي في جيش، فزعموا إنّه لمّا سمعه معاوية دس إلى دهقان كان بالعريش أنَّ يقتل الأشتر، وجعل للدهقان أنَّ يترك له الخراج عشرين سنة. فسأل الدهقان أي الشراب احب إلى الأشتر، فقيل له العسل، فأتاه بعسل مسموم. فما استقر في جوفه إلاّ وقد تلف. فبلغ معاوية ذلك فقال: إنَّ لله جنوداً منها العسل. " ولا ادري اهو أبو عذره أم كان مسبوقا. وظاهر كلام صاحب القاموس أنَّ الجند في هذا المثل أريد به المعنى الأخير من معانيه السابقة، وليس بظاهر، إذ لا معنى لأن يقال هذا أريد به المعنى الأخير من معانيه السابقة، والقصة أنَّ لله أصنافا من الخلق منها العسل " وإنّما إنّه أعوان، ولا سيما كلامه يحكى تارة بلفظ: إن لله جندا في العسل، وبهذه العبارة رأيته في تاريخ المسعودي، والله اعلم. إنَّ في المرنعة لكل قوم مقنعة . يقال: رنع لون الرجل رنوعا إذا تغير وذبل؛ ورنعت الدابة الذباب: طردته؛ ورنع بالكسر يرنع: إذا لعب. والمرنعة على وزن مرحلة: السعة والدعة، وتطلق أيضاً على الروضة، وعلى الأصوات في اللعب، وعلى القطعة من الطعام ومن الشراب ومن الصيد. ويقال للحمقاء إذا أثرت: وقعت في مرنعة فعيشي، أي: وقعت في خضب. والمقنعة: الغنى، وهي من القناعة، أي: في المرنعة لكل أحد ما يقنع به ويستكفي. والمعنى ظاهر. إنَّ في مض لمطمعا . مض بكسر الميم وكسر الضاد المعجمة المثقلة: كلمة تستعمل بمعنى لا. قال: سألت هل وصل، فقالت: مض، وهي حكاية صوت الشفتين يكون معه نوع استهزاء، وهي مع ذلك مطمعة في الإجابة. ومن ثم قالوا: إنَّ في مض لمطمعا. ويشبه أنَّ يضرب عند التحريض على طلب الشيء وترجيه ما دامت مخائل بلوغه وإن ضعفت. إنَّ الله ليؤيد هذا الدين بالرَّجل الفَاجِر . هو كلام النبي ﷺ قاله في شأن قزمان بن الحارث لمّا أعجب المسلمين قتاله وغناؤه، ثم جرح وآلمته الجراحة، فاستعجل وقتل نفسه. وقد كان ﷺ اخبرهم قبل ذلك إنّه من أهل النار: وهو معنى ما في خبر آخر: إنَّ الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم. وإنّما ذلك لآن كل من دخل في

стр. 120

سواد المسلمين فهو قد يجاهد العدو ويدافع عن المسلمين ويقصم ظهور الكافرين، حتى يتأيد بتعزز المؤمنين، ويضعف الكفر بذل الكافرين، طلبا لإعلاء كلمة الله تعالى، وابتغاء لمرضاته، فنفع " وانتفع. وقد يفعل ذلك لغير إعلاء كلمة الله أو يحبط العمل بوجه من الوجوه، فنفع " ولم ينتفع ولم، عياذاً بالله تعالى! وما ذكره الشارع، صلوات الله وسلامه عليه، غير مختص بالجهاد، بل في كل وجه من وجوه التأييد كسياسة الأمة، والحكم بين الناس، وتعليم العلم، وقبض الأموال وتفريقها وبناء المساجد والأسوار والقناطر، ونحو ذلك مما لا ينحصر. وذلك واقع لا محالة، كما أخبر به ﷺ . وسيأتي تشبيه العالم غير العامل بالمصباح يضيء للناس وهو يحترق، نسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أنَّ يقينا شر هذه الورطة، ويقينا شر أنفسنا وشر كل ذي شر! إنَّ الله لن يرفع شيئاً من الدنيا إلاّ وضعه . هو كلام النبي ﷺ أيضاً قاله في شأن ناقته، وكانت لا تسبق. فجاء أعرابي على قعود فسبقها. فشق ذلك على المسلمين، فقال النبي ﷺ ما ذكر. ز كل ذلك في الصحيح. إنَّ الُّلهَي تفتح الَّلهي . اللهي الأول بضم اللام جمع لهوة بضم اللام، وتفتح أيضاً، وهي العطية أو افضل العطايا؛ وكذا اللهية، وتطلق على الألف من الدنانير والدراهم. قال النابغة: عظام اللهي أولاد عذرة إنهم ... لها ميم يستلهونها بالحناجر وقال الحماسي: لعمري لئن أعمرتم السجن خالداً ... وأوطأتموه وطأه المتثاقل لقد كان يروي المشرفي بكفه ... ويعطي اللهي في كل حق وباطل واللهوة أيضاً ما يرمية الطاحن بيده في فم الرحى، وكان هذا هو الأصل. واللهي الثاني بفتح اللام جمع لهاة، على مثل قناة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق، والجمع بإسقاط الهاء، وقد مده الشاعر ضرورة في قوله:

стр. 121

يأكل من تمر ومن شيشاء ... ينشب في المعسل واللهاء! والمعنى المثل أنَّ الإحسان، وتوارد العطايا الحسان، يلطف اللسان، بالثناء والشكران. وهذا المثل وقع في كلام الكميت، وقيل له: لم صارت أشعارك في بني امية أطيب منها من بني هاشم؟ فقال: إنَّ اللهى تفتح اللهى! ومن أظرف ما أتفق في هذا ما حكي شمس الدين بن خلكان أنَّ المعتمد بن عباد الأندلسي ذكر يوما قول أبي الطيب: إذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معيي المعطي ورازمه فجعل يردده استحساناً له وفي الخضرة عبد الجليل بن وهبون، فقال ارتجلا: لئن جاد شعر أبن الحسين فإنما ... تجيد العطايا ز اللهى تفتح اللهى تنبأ عجبا بالقريض ولو درى ... بأنك تروي شعره لتألها إنّما يجزي الفتى ليس الجمل . يضرب هذا المثل في المكافأة وهو للبيد بن ربيعة في شعره يقول فيه: فإذا اقترضت قرضاً فأنجزه ... إنّما يجزى الفتى ليس الجمل وإذا زمت رحيلا فأرتحل ... واعص ما يأمر توخيهم الكسل واكذب النفس إذا حدثتها ... إنَّ صدق النفس يزري بالأمل وهذه كلها أمثال. إنّما سميت هانئاً لتهنأ . التسمية معروفة. وهانئ اسم رجل، والهنأ: الإعطاء؛ يقال هنأته هنئاً إذا أعطيته ورفدته، والاسم الهنئ بالكسر، قيل: وبالفتح أيضاً، وهو العطاء ويقال: هنأه شهراً أو شهرين إذا عاله هنئا وهناءة. قال الشاعر: هنأتهم حتى أعان عليهم ... سوامي السماك ذي السلاح السواجه يضرب هذا المثل في الحضّ على بذل الافضال. وعن الكسائي: وسمعت إعرابياً يقول: إنّما سميت هانئا لتهنأ، أي لتعول وتكفي. قلت: وينبغي أنَّ يضرب عند التحريض كل ذي وصف، أو لقب أو حرفة على فعل ما

стр. 122

يوجب ذلك الوصف، أما حقيقة كان القاضي للقضاء بين الناس والمحتسب للاحتساب والمعلم للتعليم والصائغ للصياغة ونحو ذلك؛ وإما على الاشتقاق فقط كالافضال لمن اسمه فضل والحرث امن اسمه حارث والهنئ لمن اسمه هاني فإنَ ذلك هو أصل المثل. فيقال للذي تسمى بالقاضي وتأبى عن الحكم: إنّما سميت هانئا لتهنأ، أي قيل لكل قاض لتقضي بين الناس ونحو هذا. إنّما اشتريت الغنم حذار العازبة . الاشتراء والغنم معروف؛ والعزبة: الإبل، والعزوب بالزاي في الأصل: الذهاب والبعد. وعزبت الماشية، وعزب بها ربها: بعد بها في المرعى ولم ترح. ورجل عزيب: بعد عن أهله وماله. والعزيب من الإبل والشاة: ما يبعد عن أهله في المرعى. وكان لرجل إبل فباعها واشترى غنما لئلا تعزب ثم عزبت غنمه فقال: إنّما اشتريت الغنم حذار العازبة، فذهبت مثلا. ومضربه واضح من هذا. إنّما القرم من الأفيل القرم بالفتح: الفحل من الإبل وكذا الأقرم: والأفيل على مثل أمير: الفصيل وأبن المخاض فما فوقه؛ والجمع إفال، على مثل جبال. قال زهير: فاصبح يجري فيهم من تلادكم ... مغانم شتى من إفال مزنمٍ وقال آخر: فإني لا تبكي عليَّ إفالها ... إذا شبعت من روض أوطانها بقلا والمعذي إنَّ الجمل إنّما يكون قرما بعد ما يكون صغيرا أفيلا. فيضرب في أنَّ الأمر الكبير ينشأ عن الأمر الصغير، على نحو مر في أنَّ السقط يحرق الحرجة، وما يأتي في قولهم: العصا من العصية، ونحوه كثير. إنّما هو كبارح الأروى . البارح من الظباء والطير وغيرها: ما ولاَّك مياسرة، وهو أنَّ يمر من ميمنتك إلى ميسرتك. يقال: برح الظبي ونحوه بفتح الراء، بروحا، فهو بارح؛ وعكسه: السانح. والعرب تتيمن بالسانح، وتتشائم بالبارح. وسنذكر ما في ذلك بعده إن

стр. 123

شاء الله تعالى. والأروى بفتح الهمزة والواو مقصورا جمع أروية بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء أو اسم جمع لها والأروية: أنثى الأوعال. ويضرب هذا المثل للمر النادر القليل لأن الأروى مسكنها قمم الجبال. فلا يوجد منها بارح في الدهر إلاّ نادرا ولا سانح. إنَّ مع اليوم غدا . يضرب في تنقل الحالات وتبدل الساعات. وذلك لأن الخير والشر لمّا كانا متقاربين وكان زمانهما في علم الله تعالى مقسطين مقدرين علم أنَّ الشر متى حدث في زمن فللخير زمان يقابله يحدث فيه فعبر عن هذين الزمنين باليوم والغد لمّا بين اليوم والغد من التقابل بل كالذي بين الزمنين. فإذا وقع بك شر فذلك بوم الشر وللخير زمان يترقب هو عند ذلك اليوم فتقول تسليا: إنَّ مع اليو غدا. وكذا في العكس كما قيل: يا من يخاف أنَّ يكون ... ما يكون سرمدا أما سمعت قولهم ... إنَّ مع اليوم غدا؟ وقال علي بن الجهم لمّا حبسه المتوكل: صبراً فإن اليوم يتبعه غد ... ويد الخليفة لا تطاولها يدُ ولكل خير معقب ولربما ... أجلى لك المكروه عما يحمدُ لا يؤنسنك من تفرج كربتة ... خطبٌ رماك به الزمان الأنكدُ كم من عليل قد تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعوَّدُ وقال معن بن أوس المزني: وأني أخوك الدائم العهد لم أخن ... وإن زال خصمٌ أو نبا بك منزلُ وإن سؤتني يموا صبرت إلى غدٍ ... ليعقب يوما آخرٌ منك أولُ ولمّا خرج المتوكل العباسي إلى دمشق ركب يوما إلى رصافة هشام بن عبد الملك بن مروان فنظر إلى قصرها. ثم خرج فرأى ديرا هناك قديما حسن البناء بين مزارع وأشجار

стр. 124

ورياض وأنهار فدخله. فبينما هو يطوف به إذ رأى رقعة بصدره. فأمر بها فأزيلت وأتوتي بها فإذا فيها: يا منزلا بالدير أصبح خالياً ... يلاعب فيه شمأل ودبورُ كأنك لم يسكنك بيض نواعم ... ولم يتبختر في فنائك حورُ وأبناء أملاك غواشم سادةٌ ... صغيرهم عبد الأنام كبيرُ إذا لبسوا ادرارهم فعوابسٌ ... وإن لبسوا تيجانهم فبدورُ على أنهم يوم اللقاء ضراغمٌ ... وأيديهم يوم العطاء بحورُ ليالي هشام بالرصافة قاطنٌ ... وفيك ابنه يا دير وهو أميرُ إذ الدهر غض والأخلافة لدنٌ ... وعيش بني مروان فيك نضيرُ وروضك مرتاد ولونك مزهرٌ ... وعيش بني مروان فيك قريرُ بلى! فسقاك الله صوب غمامة ... عليك لها لعد الرواح بكورُ تذكرت قومي خالياً فبكيتهم ... بشجو ومثلي بالبكاء جديرُ فعزيت نفسي وهي نفسٌ إذا جرى ... لها ذكر قومي أنه وزفيرُ لعل زماناً جار عليهم فلم يكن ... لهم بالذي تهوى النفوس يدورُ فيفرح محزونٌ وينعم بائسٌ ... ويطلق من ضيق الوثاق اسيرُ رويدك إنَّ اليوم يتبعه غدٌ ... وإنَّ صروف الدائرات تدورُ فلما قرأها المتوكل ارتاع وتطير وقال: أعوذ بالله من شر أقداره! واستدعى صاحب الدير وسأله عن الرقعة فقال: لا علم لي بها! ويذكر إنّه رجع حينئذ إلى بغداد فلم يلبث إلاّ أياما قلائل حتى قتله ابنه المنتصر رحمه الله تعالى. وقال الحماسي: عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلاً أنَّ يكون له غدُ والشعر في هذا المعنى كثير. إنَّ من بالنجف من ذي قدرةٍ لقريبٌ . النجف، بفتحتين: الموضع المرتفع لا يعلوه الماء. والنجف هنا: موضع بقرب الكوفة، وكان قوم من أهل الكوفة فروا من الطاعون إلى هذا الموضع فقال شريح: إنَّ

стр. 125

من بالنجف من ذي قدرة لقريب. يضرب مثلا للأحداث والأقدار وأنَّ لا ملجأ منها لديار. إنَّ من البيان لسحراً . هذا من كلامه ﷺ وتقدم شرحه في فضل الشعر. وسببه أنَّ بني تميم وفدوا على النبي ﷺ الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم فسأل النبي ﷺ عمراً عن الزبرقان بحضوره فقال: مطاع في أدنيه شديد العارضة في قومه مانع لمّا وراء ظهره. فقال الزبرقان: يا رسول الله إنّه ليعلم مني اكثر من ذلك ولكنه حسدني. فقال عمرو: أما والله إنّه لزمن المرءة ضيق العطن ائيم الخال أحمق الولد. ثم قال: والله يا رسول الله ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى ولكني رجل رضيت فقلت أحسن ما علمت وغضبت فقلت أقبح ما علمت. فقال ﷺ : إنَّ من البيان لسحراً! وقد بين أبن الأهتم بكلامه المذكور وجه الأمر في باب المدح والذم: فإنَ العرب كثيرا ما يمدحون الشيء ثم يذمونه بعينه حتى يكاد العقل يحكم بتناقض كلامهم وتهافت مقالهم. وليس فيه مناقضة وإنّما ذلك لاختلاف النظر كما قال عمرو المذكور. وبيان ذلك أنَّ جميع الكائنات التي هي بصدد التغيرات والآفات لا تخلو عن صفة كمال يتجلى الله بها فيها بالوصف الجمالي وصفة نقصان يتجلى الله تعالى بها فيها بالوصف الجلالي. فكل مخلوق مشتمل على محاسن ومساوئ أما تحقيقها كرجل يكون جوادا وحكيما وهو جبان أو شرير أو قبيح المنظر؛ وأما بوجه واعتبار وذلك أيضاً: أما تحقيقا لاختلاف النظر بحسب تعدد الموجب وتباينه أما عادة وشرعا كسفك الدماء ظلما يمدح عادة ويذم شرعا؛ وكالصمت والتعفف يكون غالبا بالعكس أو عادة وعادة ككثير من أوصاف الخلقة وأنواع الزينة والملابس والمراكب ونحو ذلك مما تختلف فيه العادات استحسانا واستقباحا وقد يختلف الأمر بحسب المكان والزمان والأقران والأحوال وذلك أمر لا ينحصر. وإنّما تخيلا وذلك أما بحسب التشبيه كالورد يحسن عندما يشبه بالخدود النواضر، ويقبح عندما يشبه بسرم البغل؛ وأما بحسب النظر

стр. 126

والاعتماد على شبهة كالعسل، بعد كونه حسنا يقبح من حيث إنّه قيء زنبور؛ وكبذل المال جودا وسخاءً بعد كونه حسنا يقبح من حيث إنّه إتلاف للأموال وإضلعة لها وإفقار محوج إلى التذلل بالسؤال. وهذا تخييل أدى قوما من البخلاء إلى التصريح بالثناء على البخل الذي أجمع العقلاء على ذمه. وألف سهل بن هارون منهم في ذلك تأليف وقال قائلهم: يا رب جودٍ فقر امرئ ... فقام في الناس مقام الدليل فاشدد على مالك واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل وقد عرفت بهذه الجملة إنّه يمكنك أنَّ تمدح الشيء وتذمه بحسب اختلاف اعتباراته من غير تهافت في الكلام ولا تناقض: فإنَ التناقض غير لازم إلاّ لو أردت حسنا وقبحا ومدحا وذما على محل واحد باعتبار واحد، لكن توارده على محلين؛ أو باعتبارين كما بينا. والتفطن لهذه المحال واستخراج هذه الاعتبارات الدقيقة هو مرمى البلغاء، ومجال فرسان الشعر والخطباء وهو محط البيان والسحر الحلال، كما وقع في القصة السابقة: فليس الكلام بمجرد الجمع والتلفيق، ولا الشعر بمجرد الوزن والتقفية كم قيل: إذا كنت لا تدري سوى الوزن وحده ... فقل أنا وزانٌ وما أنا شاعرُ وهذا كلام ليس من غرضنا ولكن الحديث شجون. وسنذكر بعد ما للشعراء في مدح الشيب والهرم وذمه ومدح طول الليل وذمه ونحو ذلك. ولنذكر الآن بعض ما ورد مما يدل على ما ذكرنا زيادة على القصة المذكورة. قال مسلمة بن عبد الملك لأخيه هشام: كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل وأنت جبان؟ فقال: لأني حليم وأني عفيف. وقالت للحصين بن المنذر امرأته: كيف سدت وأنت دميم بخيل؟ فقال: لأني سديد الرأي شديد الأقدام. وصعد خالد بن عبد الله القسري منبر مكة أميرا للوليد بن عبد الملك فأثنى على الحجاج خيرا. فلما كانت الجمعة التالية، وقد مات الوليد، ورد عليه كتاب سليمان يأمره بشتم الحجاج وذكر عيوبه وإظهار البراءة منه. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنَّ إبليس كان يظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له بها فضلا، وكان الله قد علم من غشه ما خفي عن ملائكته. فلما أراد فضحه ابتلاه بالسجود لآدم

стр. 127

فظهر لهم ما خفي عنهم فلعنوه. وإنَّ الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له بها فضلا وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين على غشه أو نحوه فالعنوه لعنه الله! ثم نزل. وكان العباس بن علي عم المنصور يأخذ الكأس بيده ثم يقول لها: أما المال فتتلفين وأما المروءة فتخلقين وأما الدين فتفسدين. ويسكت ساعة ثم يقول: أما النفس فتسحين وأما القلب فتشجعين وأما الهم فتطردين؛ أتراك مني تفلتين؟ ثم يشربها. ويحكى أنَّ عيسى ﵇ ما عاب شيئا قط فمر بكلب ميت فقال أصحابه: ما أنتن ريحه! فقال عيسى ﵇: ما أحسن بياض أسنانه! وكتب يزيد بن معاوية في كتاب إلى عبيد الله بن زياد حين ولاه محاربة الحسين ﵁ وأرضاه وأرغم أنوف واتريه، وكان قبل ذلك سيئ الاعتقاد فيه: أما بعد، فإنَ الممدوح مسبوب يوما وإنَّ المسبوب ممدوح يوما. وما ورد من هذا المعنى كثير فلنقتصر لئلا نطيل. إنَّ من الشعر لحكمة . تقدم هذا أيضاً في فضل الشعر مبينا. وقد حكي أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال لكعب الأحبار: يا كعب، هل تجد للشعر ذكرا في التوراة؟ فقال كعب: أجد في التوراة قوما من ولد إسماعيل أنا جيلهم في صدورهم ينطقون بالحكمة ويضربون الأمثال لا نعلمهم إلاّ العرب. إنَّ من الشر خيراً . يضرب عند تفاوت ما بين الشرين حتى يكون الأدنى خيرا بالقياس إلى الأعلى. وهو قريب من قولهم: بعض الشر أهون من بعض. وسيأتي. إنَّ منكم منفَّرين . قد يتمثل به. وهو من كلام النبي ﷺ حين شكي إليه تطويل أصحابه بالناس في الصلاة، فقيل له: ما كدنا ندرك الصلاة مما يطول بنا فلان، فغضب وقال ذلك وقال: فمن صلى منكم بالناس فليخفف، فإنَ فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة أو كما قال ﷺ والحديث في الصحيح.

стр. 128

إنَّ الهدايا على مقدار مهديها . وهو موجود في شعر وهو: جاءت سليمان يوم العرض هدهدةٌ ... أهدت إليه جراداً كان في فيها وأنشدت بلسان الحال قائلةً: ... إنَّ الهدايا على مقدار مهديها لو كان يهدي إلى الإنسان قيمته ... لكان يهدى لك الدنيا وما فيها وهذه القصة تذكر في حرف الميم إن شاء الله تعالى. والمثل ظاهر المعنى. أهل مكة أعرف بشعابها . مكة معروفة، زادها الله شرفا. والشعاب جمع شعب وهو من الأرض بكسر الشين، ومن الناس بفتحها. وهذا مثل مشهور شائع الاستعمال، يضرب للمباشر للشيء والمخالط له إنّه أخبر به وأبصر بحاله وأعرف كقول القائل: وصاحب البيت أدرى بالذي فيه. أينما أذهب ألق سعداً . قاله الأضبط بن قريع السعدي وكان غاضب قومه سعد بن مناة بن تميم فتجول في القبائل. فلما لم بجد منهم من يحمد عشرته، رجع وقال: أينما أذهب ألق سعداً، أي أينما ذهب من الأرض ألق قوما ألقى منهم مثل الذي لقيت من سعد. ومضرب المثل واضح وسيأتي أيضاً أيُّ داءٍ أدوى من البخلِ ؟ الداء: المرض. يقال: داء الرجل يداء دواء وداء واداواء، فهو داء ومديء وأدأته أيضاً: أصبته بمرض، لازم منعد والبخل معروف. وهذا من كلام النبي ﷺ قدم عليه نفر من الأنصار فقال: من سيدكم؟ قالوا الجد بن قيس على بخل فيه. فقال رسول الله ﷺ وأي داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم الأغر الأبيض عمرو بن الجموح. فقال شاعرهم في ذلك:

стр. 129

وقال رسول الله والحق قوله ... لمن قال منا من تعدون سيدا فقلنا له: جد بن قيس على التي ... نبخله فيها وإن كان أسودا فتى ما تخطى خطوة لدنيةٍ ... ولا مد في يوم إلى سوءةٍ يدا فسود عمرو بن الجموح لجوده ... وحق لعمرو بالندى أنَّ يسودا إذا جاءه السؤال أنهب ماله ... وقال خذوه إنه عائدٌ غدا فلو كنت باجد بن قيس على التي ... على مثلها عمر لكنت المسودا! إياك أعني واسمعي يا جارة ! هذا مثل مشهور الاستعمال عند التعريض بإضهارك شيئاً وأنت تريد شيئاً وهو لنهشل بن مالك الفزاري في شعر له. وسببه أنه خرج يريد النعمان بن المنذر فمر ببعض أحياء طيء فسأل من سيد الحي فدل على حارثة بن لأم الطائي فقصد رحله فلم يصبه حاضراً. فقالت له أخت حارثة: انزل على الرحب والسعة حتى يلحق حارثة. فأنزلته وأكرمت مثواه. ثم إنّه رأها وقد خرجت من خباء إلى خباء. فرأى جمالها باهرا، وحسنا فاتنا. وكانت عقيلة قومها وسيدة نساء حيها. فوقعت من قلبه كل موقع وجعل يقول: يا أخت خير البدو والحضاره ... كيف ترين في فتى فزارة؟ أصبح بهوى حرة معطاره ... إياك أعني واسمعي يا جارة! فعرفت أنه يريدها فقالت: ما هذا بقول ذي عقل أريب ولا مصيبي ولا أنف نجيب.

стр. 130

أقم ما أقمت مكرما وارتحل إذا ارتحلت مسلما! فاستحى وقال: واسوأتاه! فقالت: صدقت! وارتحل وأتى النعمان، فاكرمه وحياه فلما رجع نزل على أخيها حارثة وتبعت نفسه الجارية وكان جميلا محبوبا. فأرسلت إليه الجارية: إن كانت لك حاجة فاخطبني إلى أخي فإني سريعة إلى ذلك. فخطبها وتزوجها فسار بها إلى أهله. ومما ينسج على هذا النمط ويسلك في هذا السفط قولهم: أخذ فلان رمح أبي سعد إذا اتكأ على العصا هرما. وأبو سعد قيل هو لقمان الحكيم وقيل هو كنية الكبر والهرم. وقيل مرثد بن سعيد أحد وفد عاد، وقد تقدم. وقولهم: أخذ بلغب رقبته بفتحتين إذا أدركه. وقولهم: أخذ بحذافيره أي بأجمعه. ويقال بحذاميره، وبأجمعه وجراميزه وجذاميره وبربانه، بفتح الراء وضمها، وبصنابته وسنابته وبجلمته وجلمته وبزغبره ز بزوبره وأنشدوا: وإن قال غاو من تنوخ قصيدة ... بها حرب عدت عليَّ بزوبرا وبزابره وبصبرته وأصباره وبوأبجه وزأمجه وبأصيلته وبطليقته، وبأزمله. فهذه كلها معناها واحد. ويقال معنى: بربانه وبحداثته: بأوله وابتدائه. وقال: وإنما العيش بربانه ... وأنت من أفنانه مفتقر وقولهم: إذا وجدت الظباء الماء فلا عباب، وإن لم تجده فلا أباب، أي إن وجدته لم تعب فيه وإن لم تجده لم تؤب إليه أي لم تتهيأ لطلبه. وقولهم: إذا بلغ الرجل الستين، فإياه وأيا الشواب! وقولهم: أكل فلان روقه إذا أسن. والمعنى أنه أكل شبابه وأفناه. يقال: فعله في روق شبابه وريقه، أي أوله. وكأنه ماخوذ من روق البيت ورواقه وهي الشقة في المقدمة. وقولهم: أنك بمحش صدق فلا تبرحه! أي أنك بموضع الخير فالتزمه! والمحش، بالحاء المهملة والشين المعجمة على مثال مرد: الموضع الكثير الحشيش وقولهم:

стр. 131

إنه أحد الأحدين، وواحد الأحدين، وإحدى الأحد، أي لا مثل له، وهو ابلغ المدح. قولهم: إنه ابن إحداها أي كريم الأباء والأمهات. وقولهم: إن كذبت فحلبت قاعداً أي ذهبت إبلك، فحلبت الغنم. وقولهم: إن كذبت فشربت عبوقاً بارداً أي ذهبت الماشية فشربت الماء. وقولهم: إنَّ فلاناً لتدب عقاربه أي يتعرض أعراض الناس. وقولهم: إنّه لفي حور بور وبضم الحاء المهملة والباء الموحدة، أي في ضلال أو في غير صنعة قولهم: إنّه لوابصة سمع أي يثق بكل ما يسمع. وقولهم: إنّما فلان هامة اليوم أو غدٍ، إذا كان مسنا، أي يموت في يومه أو غده. والهامة: طائر يخرج من رأس الميت. يزعمون إنّه إذا قتل القتيل خرج من رأسه طائر، فلا يزال يصيح: اسقوني! حتى يقتل قاتله، كما قيل: يا عمرو، إلاّ تدع شيمتي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة: اسقوني! وقال دريد بن الصمة فيما نحن فيه: وهون وجدي إنّما هو فارط ... إمامي وإني هامة اليوم أو غد وقال كثير: فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد وكل خليل زارني فهو قائل ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد

стр. 132

وكأنه اعتبر هنا المعنى المقصود فقط دون السن. وتمثل بهذين البيتين يزيد حين ماتت جارية حُبابة في القصة المشهورة. ومن الأمثال العامية في هذا الباب قولهم: " إذا أراد الله إهلاك النملة جعل لها أجنحة تطير بها "، يضرب للمتسبب سببا يعطب به، لأن الطير يصيدها إذا طارت. وإلى هذا المثل أشار أبو العتاهية بقوله: وإذا استوت للنمل أجنحةٌ حتى يطير فقد دنا عطبه وكان الرشيد كثير ما يتمثل به عند نكبة البرامكة. وقولهم: إذا امتلأت القربة ترشحت . يضرب للرجل تكثر ذات يده، فلا بد أنَّ ينال شيء مما عنده. وقول أبي محمّد: أنا عربيد، وأنت رعديد، وبيننا بونٌ بعيد. والعربدة: سوء الخلق؛ والعربيد والمعربد: الموذي نديمة عند السكر. والرعديد، الجبان الفزاع. والبون: الفضل والمقدار. وقولهم: إنَّ لم تجدوا ناراً فاقلوا قلية! يضرب لمن استحمق فطلب أمراً حيت المظنة عدمه. وقولهم: الآن يمد أبو حنيفة رجله! زعموا إنَّ الأمام أبا حنيفة، ﵀، كان به ذات مرة ألم في رجله، فكان يمدها في المجلس بين يدي أصحابه. ثم إنّه يوماً حضر مجلسه رجل ذو هيئة كث اللحية لا يعرفه، فتوهمه فقيها وقبض رجله استحياء وصبر على ذلك مدة، والرجل لا يتكلم بشيء فبان له منه خلاف الظن، فمد رجله وقال ذلك. هذا ما تيسر إيراده في هذا الباب من منثور الأمثال، بحمد ذي المن والافضال. وقد كنت أردت إنَّ أقتبس الأمثال المضروبة في الشعر وأجلبها، وأودع كل باب من هذا الكتاب جملة وافرة منها، مشروحة مع التنبيه على شجرتها، واصل ثمرتها. ثم بدا لي أنَّ ذلك بحر لا يدرك غوره، ومنزع لا ينال طوره. فرأيت أنَّ اقتصر على إيراد الأمثال النثرية، وإردافها بالأمثال الشعرية، متضمنة لمّا ضرب فيها إلاّ أنَّ يكون شيء قد انتزع قبل فأذكره. ورأيت

стр. 133

أنَّ انبه في هذا الباب خصوصا على بعض ذلك ليقيس عليه من احب استعماله مستغنياً بذلك عن إعادة مثله في كل باب، فأقول: أبى منبت العيد اَنِ أنْ يتغير . أخذناه من قول جميل بن عبد الله بن معمر العذاري: بنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء صدق يلقهم حيث سيرا أرى كل عودٍ نابتا في أرومةٍ ... أبى منبت العيدان أنَّ يتغيرا وقبل هذين البيتين يخاطب الحجاج: أبوك حبابٌ سارق الضيف رحله ... وجدي يا حجاج فارس شمرا وشمر: اسم فرس أنثى، وآباء الصدق: آباء الخير ز الصلاح والكرم. ومعنى سير أكثر السير. والمعنى أنَّ من كان كريم الأصل، رفيع الحسب، جرى على ذلك حيثما ذهب، وكيفما انقلب. والأرومة، بفتح الهمز، وتضم، الأصل. قال زهير: صبحنا الخزرجية مرهفات ... أبار ذوي أرومتها ذووها والجمع أروم. قال أيضاً: له في الذاهبين أروم صدقٍ ... وكان لكل ذي حسب أروم وقوله: أبى منبت العيدان اَنِ الخ: يريد الناس أصول مختلفة، وأعراق متباينة، كما في حديث: الناس معادن، وكل أحد باق على أصله: فمن كان من أصل كرم لم يتحول منه، ومن كان من أصل لؤم لم ينحرف عنه وجعل الناس أعواداً وأعرقها منابت على طريق التمثيل. إنَّ المحب لمن يهواه زوار . طلع رجل من حجيج المغرب إلى عرفة، فلقي شيخا كبيراً، فقال له الشيخ: من أين أنت؟ قال: من المغرب. قال: كم بينكم وبين هذا البيت؟ قال: نحو ستّة أشهر فقال الشيخ: اتحجون كل عام؟ قال: ل. فقال: الشيخ لو كنا منكم لم يفتنا الحج أبداً. فقال له الرجل: وممن أنت؟ قال: من كذا بلد، بعيد بمسيرة عام أو نحوه وانشد: زر من تحب وإنَّ شطت بك الدار ... وحال من دونه سهل وأوعار لا يمنعنك بعد عن زيارته ... إنَّ المحب لمن يهواه زوار

стр. 134

والهوى: العشق في الخير والشر. يقال: هويته بالكسر يهواه هوى، مقصور. والزوار: الكثير الزيارة. وكان بشر بن مروان شديد على العصاة، وكان إذا ظفر بالعاصي أقامه على كرسي وسمر كفيه بالمسامير على الحائط، ثم نزع الكرسي من تحته، فيبقى معلقا يضطرب حتى يموت. وكان فتى من بني عجل مع المهلب بن صفرة في حروب الازارقة، وكان عاشقا لابنة عم له. فكتب إليه تستزيره فكتب إليها: لولا مخافة بشر أو عقوبته ... وأنَّ يشد على كفي مسمار إذا لعطت ثغري ثم زرتكم ... إنَّ المحب إذا ما اشتاق زوار فكتبت إليه: ليس المحب الذي يخشى العقاب ولو ... كانت عقوبته في إلفه النار بل المحب الذي لا شيء ينفعه ... أو يستقر ومن يهوى به الدار فلما كتبها عطل ثغره وجاءها وهو يقول: أستغفر الله إذ أخشى الأمير ولم ... اخش الذي أنا منه غير منتصر فشأن بشر بلحمي فليعذبه ... أو يعف عفو أمير خير مقتدر فما أبالي إذا أمسيت راضية ... يا هند ما نيل من شعري ومن بشري! فلم يلبث إنَّ وشي به إلى بشر فأتي به فقال: يا فاسق، عطلت ثغرك، هلم بالكرسي! فقال: عز الله الأمير! إنَّ لي عذراً فقال: وما عذرك؟ فأنشده الأبيات، فرق له وكتب إلى المهلب أنَّ يثبته في أصحابه. إنَّ الحر حر أخذناه من قول الشاعر: عرضت نصيحة مني ليحيى ... فقال غششتني والنصح مر ومالي أنَّ أكون أعيب يحيى ... ويحيى طاهر الأثواب بر ولكن قد أتانا أنَّ يحيى ... يقال عليه في نقعاء شر فقلت له: تجنب كل شيء ... يعاب عليك إنَّ الحر حر والشاعر هو مخيس بن أرطأة الأعرج يخاطب رجلا من بني حنيفة يسمى يحيى كان

стр. 135

يأتي امرأة في قرية من قرى اليمامة، وهي التي سماها في الشعر. وقوله إنَّ الحر حر، أي إنَّ الحر باق على ما عهد في الأحرار من الهمم العلية، والأخلاق الزكية، ومجانبة الريب، والحذر من سوء المنقلب. ومثله قول أبي النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري، أي شعري هو ذلك المعروف بجزالته وفصاحته وسلاسته. وكذلك قولهم: الناس أي هم على ما عهد فيهم. ومثل ذلك قول العامة: الحر لا يكون إلاّ حراً، والرجل لا يكون إلاّ رجلاً والعبد لا يكون إلاّ عبداً. ونحو هذا يضربونه عند تقصير الإنسان عن بعض ما يحق له أو تعاطيه مالا ينبغي له. وقوله تجنب كل شيء يعاب عليك، هذا من حفظ المروءة. قيل الأحنف بن قيس: بم بلغت ما بلغت؟ فقال: لو عاب الناس الماء ما شربته. وقيل لعبد المالك بن مروان، وقد بالغ في الثناء على المصعب بن الزبير ﵁ يوم قتله: أكان المصعب يشرب الطلا؟ فقال: لو عيب ما شربه. ووصف عمرو بن العاصي بعض الأشراف فقال: إنّه أخذ بثلاث، تاركٌ لثلاث: آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، ويحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر الأمرين عليه إذا خولف؛ تاركٌ للمراء، تاركٌ لمقاربة اللئيم، تاركٌ لمّا يعتذر منه. وقال أعرابي يوصي صديقاً له: دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإنَّ كان عندك اعتذاره: فليس من حكى عندك نكراً، توسعه فيك عذراً. وهذا كما قال الأول: قد قيل ما قيل إنَّ صدقاً أو كذباً، ... فما اعتذارك من قولٍ إذا قيلا؟ إنَّ الحسان مظنة للحاسد . أخذناه من قول الحماسي: بيضاء آنسة الحديث كأنها ... قمر توسط جنح ليل مبرد موسومة بالحسن ذات حواسد ... إنَّ الحسان مظنة للحاسد الحسان جمع حسناء. يقال: جارية حسناء وحسنة وحسانة على مثال رمانة، فهم حسان وحسانات، ورجل حاسن وحسن. وحسين وحسان بضم الحاء مع

стр. 136

تشديد السين وتخفيفها، فهم حسان وحسانون. ومظنة الشيء بكسر الظاء: موضع يضن فيه وجوده. والحسد جنع حاسد وحاسدة. والمعنى أنَّ الحسناء مظنة لأن تحسد على حسنها. وكذا كل من له فضيلة ما مزية ما فهو مظنة لأن يحسد كما يقال: كل ذي نعمة محسود. ومن يمتدح بكثرة الحساد ويذم بقلتهم لأن وجود الحساد كناية عن وجود الفضل والنعمة كما قيل: حسدوا مروءتنا فضلل سعيهم ... ولكل بيت مروءة أعداءُ وقال آخر: إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجدُ أنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرا منها ولا أردُ وقال أبو الأسود أو غيره: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداءٌ له وخصومُ كضرائب الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغضاً إنّه لدميمُ وقال عمار بن عقيل بن بلال بن جرير: ما ضرني حسد اللئام ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو النقصان وقال بشار: لا عشت خلوا من الحساد إنهم ... أعز فقداً من الائي أحبوني أبقى لي الله حسادي برغمهم ... حتى يموتوا بداء غير مكنون وقال محمود: أعطيت كل الناس مني الرضى ... إلاّ الحسود فانه أعياني لا أنَّ لي ذنباً لديه علمته ... إلاّ تظاهر نعمة الرحمنِ وقال أبن أبي الطاهر: ولم يزل ذو النقص من نقصه ... يحسد ذا الفضل على فضله وقال الآخر: ونعمة الله مقرونٌ بها الحسدُ

стр. 137

وقال الآخر: ولن ترى للئام الناس حساداً إنَّ التخلق يأتي دونه الخلُقُ . أخذناه من قول الحماسي: عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إنَّ التخلق يأتي دونه الخلق والخلق بضم الخاء واللام وتسكن: السجية والطبع؛ وتخلق الرجل بغير خلقه: تكلف ذلك. والمعنى إنَّ السجايا لا تزول، والخلائق القديمة لا تحول كما قيل: يرام من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل ومن كلام العامة: تنتقل الجبال ولا تنتقل الطباع: فمتى تخلق الإنسان بغير خلقه وتكلف ما ليس في طوقه لقى العناء الشديد أو افتضح غير بعيد كما قال حسان: إنَّ لا خلائق فاعلم شرها البدع وسيأتي إتمام المعنى في قولهم: الطبع أملك في حرف الطاء إن شاء الله تعالى. إنَّ السم مشروب . أخذناه من قول الحماسي عبد الله بن عنمة الضبي: ما إن ترى السيد زيداً في نفوسهم ... كما تراه بنو زيد ومرهوبُ إن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرعُ محقبة والسيفُ مقروبُ وإن أبيتم فإنا معشرٌ أنفٌ ... لا نطعم الخسف إنَّ السم مشروبُ فازجر حمارك لا يرتع بروضتنا ... إذا يرد وقيد العير مكروبُ السيد بالكسر: قبيلة من ضبة؛ وزيد ومرهوب: حيان من ذهل بن شيبان. يقول: إنكم لا تعظمون في نفوسنا كما يعظم بعضكم في نفوس بعض؛ فإنَ طلبتم الحق أعطيناه وكان السلم بيننا حتى تكون الدرع محقبة أي مجعولة في الحقائب وهو مؤخر الرحال وتكون السيوف مقروبة أي مجعولة في قربها لعدم الحاجة إلى استلالها. وقوله:

стр. 138

أنف جمع أنوف. والخسف: الظلم والذل. والمعنى: إننا نمتنع أن تلمسنا يد الظالم ونعاف أن نطعم الهوان والضيم ويهون علينا في نيل العزة والارتفاع تجشم غمرات الدفاع واصطلاء جحيم القراع حتى نشرب سموم الموت المنقعة بأطراف الأسنة المشرعة. وضرب الطعم لنيل الهوان، وشرب السم للموت والألم مثلا. إنَّ الكريم إذا خادعته انخدع . هذا في شعر لم أثبته الآن. وقد تمثل بهذا المثل الرشيد وذلك إنّه سخط على حميد الطوسي فدعا له بالنطع والسيف لتضرب عنقه. فلما أخذ من بين يديه لتضرب عنقه بكى فقال له الرشيد: ما يبكيك؟ أجزعاً من الموت؟ قال: لا ولكن بكيت أن أخرج من الدنيا وأمير المؤمنين عليَّ ساخط. فضحك الرشيد وأنشد: إنَّ الكريم إذا خادعته انخدع ثم وهبه للحسن بن قحطبة. إنَّ ليتاً وإنَّ لوّاً عناءُ . أخذناه من قول الحماسي: إنّما مت غير أني حيّ ... يوم بانت بودها الحسناءُ من بني عامرٍ لها شطر قلبي ... قسمةٌ مثل ما يشقُ الرداءُ أشربت لون صفرة في بياضٍ ... وهي في ذاك لدنةٌ غيداءُ كل عينٍ متى تراها من ... الناس أليها مديمة حولاءُ ليت شعري وأين مني ليت ... إنَّ ليتا وإنَّ لوا عناءُ وأراد بالليت الضمني وجعله اسمه كقوله: ليت وهل ينفع شيئا ليت؟ ولو هنا هي التي تكون للتمني نحو: لو تأتينا فتحدثنا. وجعله اسما كقوله: ألامُ على لو ولو كنت عالما ... بأذناب لو لم تفتني أوائله والعناء: المشقة والتعب. يريد أنَّ ما ذكر بعيد المطلب فتمنيه مشقة وتعب. وللبيتين الأولين قصة ظريفة وهي إنّه فيما يزعمون لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ قاضٍ يميل إلى سماع الشعر فطرب لذلك طربا شديدا وقام من مجلسه وأخذ نعاله وعلقهما في أذنيه وجعل يقول: أهدوني فإني هدية! فبلغ ذلك عمر رضي الله

стр. 139

عنه فعزله. قال: لم عزلتني؟ امرأته طالق لو سمعها لقال: أركبوني فإني مطية! فلما بلغ خبره عمر أمر أن يؤتى به مع الجارية. فلما جلسا بين يديه قال له: مرها أن تغني بذلك الغناء! فلما غنت اضطرب عمر لذلك اضطرابا شديدا ودخلته الأريحية واستعاد الصوت منها مرارا وبكى وقال للقاضي: قد قاربت يمينك ورده إلى قضائه. أي الرجال المهذبُ ؟ أخذناها من قول النابغة يعتذر للنعمان: ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمهُ ... على شعثٍ أي الرجال المهذبُ؟ والتهذيب: التصفية والتنقيح؛ والرجل المهذب: المطهر الأخلاق. والاستفهام للنفي أي لا رجل يكون أبدا حسن الفعال طاهر الخلال محمود الخصال إلاّ من عصم كقول الآخر: من ذا الذي ما ساء قط؟ ... ومن له الحسنى فقط؟ وإذ بينا يقال هذا البيان على تيسر من الأمثال النثرية فلنلم بشيء من الأمثال الشعرية أو ما يكون جاريا على منهاجها وماضيا على أدراجها قال الحماسي أمية بن أبي الصلت الثقفي يمدح عبد الله بن جدعان القريشي التيمي: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك؟ إنَّ شيمتك الحياءُ وعلمك بالحقوق وأنت فرعٌ ... لك الحسب المهذب والسناءُ وأرضك كل مكرمةٍ بنتها ... بنو تيمٍ وأنت لها سماءُ خليلٌ لا يغيره صباحٌ عن الخلق الكريم ولا مساءُ إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناءُ تباري الريح مكرمة ومجداً ... إذا ما الكلب أجحره الشتاءُ والذي يتمثل به كثيرا منه قوله: أأذكر حاجتي. . البيت، وقوله خليل لا يغيره. . البيت، مع الذي بعده وقد يقرن بينهما. والمضرب واضح. وكثيرا ما

стр. 140

ينشد السادات الصوفية: كريم ما يغيره صباح، الخ، يتمثلون بذلك عند التنبيه على أنَّ التعرض لمواهب المولى جلة كلمته، ومزيد منحه الجميلة ومنه الجزيلة بطريق الثناء والشكر والذكر وكثرة التحميد والتبجيل والتعبد والمجاهدة، أبلغ من التعرض لذلك بمجرد الدعاء طلبا لنيل حاجة. وهذا ورد في كلام الشارع صلوات الله وسلامه عليه: أفضل الدعاء الحمد لله! وقال تعالى:) لئن شكرتم لأزيدنكم (. وهذا مقام يبين في محله. وقال أبو نواس الحسن بن هانئ: دع عنك لومي فإنَ اللوم إغراءُ ... وداوني بالتي كانت هي الداءُ صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجرٌ مسته سراءُ حتى قال: لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلةٍ ... كانت تحل بها هندٌ وأسماءُ فقل لمن يدعي في الحب معرفةً ... عرفت شيئاً وغابت عنك أشياءُ والذي يتمثل به منها كثيرا الشطر الأول والأخير. أما الأول فقد أخذه أبن قلاقس فقال: فدعي الملامة في التصابي واعلمي ... أنَّ الملامة ربما تغريني واكثر الشعراء في هذا النحو وكلهم مقتبسون منه حائمون عليه. فمن ذلك قول أبن شرف: قل للعذول: لو أطعت على الذي ... عاينته لعناك ما يعنيني أتصدني أم للغرام تردني ... وتلومني في الحب أم تغريني؟ دعني فلست معاقبا بجنايتي ... إذ ليس دينك لي ولا لك ديني وقول الآخر: وما عذولي ناهيا عنكم ... لكنه بالصبر أمارُ قال: اسلهم إن لم تطق هجرهم ... قلت له: النار ولا العارُ وقول الآخر:

стр. 141

يقول لي العاذل في لومه ... وقوله زورٌ وبهتانُ ما وجه من أحببته قبلةٌ ... قلت: ولا قولك قرآنُ وقول الآخر: يا عاذلي ليس مثلي من تفنده ... وليس مثلك مأمونا على عذلي ما دمت خلواً تنفك متهماً ... أعشق وقولك مقبولٌ عليَّ ولي وقوله: من منصفي من عاذل جاهل ... يخون باللوم لمن لا يخونُ إن قلت: ما نصحك إلاّ أذىً ... قال: وما عشقك إلاّ جنونُ وقوله: إنَّ قوما يلحون في حب سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثا سمعوا وصفها ولاموا عليها ... أخذوا طيبا وأعطوا خبيثا وقول الآخر: أسرفت في اللوم ولم تقتصر ... وزدت في لومك يا ذا العذول قد رضيت نفسي بمحبوبها ... وإنّما المولى كثير الفضول وقول الآخر: تعرض لي اللاحي وجاء يزورني ... وزجرف لي زور الكلام بمينهِ وقال: اسل عن هذا وعد عن غرامه ... فقلت له: هذا الفضول بعينهِ وقول الآخر: زعموا أنني هويت سواكم ... كذبوا ما عرفت إلاّ هواكم قد علمتم بصدق مرسل دمعي ... فسلوه إن كان قلبي سواكم قال لي عاذلي: متى تبصر الرشد ... وتسلو؟ فقالت: يوم عماكم وقول ابن سناء الملك: أيا عاذلي فيه لمّا رآه ... لئن كنت أعمى فإني أصم وهبك أبا ذر هذا الملام ... فأني أبو جهل ذاك الصمم

стр. 142

وقوله أيضاً: وصفتك واللاحي يعاند بالعذل ... فكنت أبا ذر وكان أبا جهلِ له شاهدا زور من النهي والنهى ... عليك ومن عينيك لي شاهدا عدلِ وقول آخر: وبي عاذلٌ يغري إلى الجهل لم يخل ... بأني في دعوى الغرام أبو ذرِّ والمراد بهذا الصدق في الهوى. ومن هذا النمط قول آخر: وشادنٍ مبتسمٍ عن حبب ... مورد الخد مليح الشنب يلومني العاذل في حبه ... وما درى شعبان أني رجب وذلك لأن شعبان عند العرب يسمى العاذل ورجب يسمى الأصم. ومما نحن فيه قول الآخر: إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصخت إلى الواشي فلج بها الهجرُ أشار بالشطر الأول إلى أن العذل يغريه. وقول البوصيري: محضتني النصح لكن ليس أسمعه ... إنَّ المحب عن العذال في صممِ ويقرب منه قول عفيف الدين التلمساني: ولي على عاذلي حقوق هوى ... عليه شكري ببعضما يجبُ لام فلما رآه هام به ... فكنت في عشقه أنا السببُ وقول الآخر: أبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قبلها رآهُ فقال لي: لو هويت هذا ... ما لامك الناس في هواهُ قل لي إلى من عدلت عنه ... فليس أهل الهوى سواهُ فظل من حيث ليس يدري ... يأمر بالحب من نهاهُ ومن ذلك قول حفص العليمي: أقول لحلمي لا تزعني عن الصبا ... وللشيب لا تذعر عليَّ الغوانيا طلبت الهوى العذري حتى وجدته ... وصيرت في نجدٍ به ما كفانيا وقول الخزاعي:

стр. 143

هددت بالسلطان فيك وإنّما ... أخشى صدودك لا من السلطانِ وقول أبي الشيص: أجد الملامة في هواك لذيذةٌ ... حبا لذكرك فليلمني اللومُ وأما بيته الأخير فينشده المتمثلون اليوم: قل للذي يدعي علما ومعرفة ... عرفت شيئا وغابت عنك اشياءُ عجيبة: حكي أنَّ المفضل الضبي قال له الرشيد - دلني على بيت أوّله أكثم أبن صيفي في أصالة الرأي وجودة الوعظة وآخرها بقراط في معرفة الدواء. فقال: يا أمير المؤمنين لقد هولت علي. فقال: هذا قول أبي نواس: دع عنك لومي. وسأل حامدبن العباس عليَّ بن عيسى الوزير فقال له: ما دواء الثمل وقد علق به؟ فأعرض عنه الوزير وقال: ما لنا وهذه المسألة؟ فخجل حامد وإذا بقاضي القضاة أبي عمر قد ورد عليهم فلما قعد سأله حامد عن ذلك فقال القاضي: قال الله تعالى:) وما آتاكمُ الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (. وقال رسول الله ﷺ : استعينوا على كل صنعة بصالحي أهلها والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية وقد فال في ذلك: وكاسٍ شربت على اذة ... وأخرى تداويت منه بها ثم تلاه أبو نواس فقال في ذلك: دع عنك لومي فإنَ اللوم إغراءُ ... وداوني بالتي كانت هي الداءُ فأشرق وجه حامد حينئذ وقال للوزير: ما ضرك يا بارد لو أجبت ببعض ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في الجواب بقول الله تعالى وبقول رسول الله ﷺ وبين الفتيا وأدى المعنى وتبرأ من العهدة؟ فكان خجل الوزير من حامد بهذا الكلام أكثر من حامد منه لمّا ابتدأه بالمسألة. قلت وهذا الكلام من القاضي كان على مجاراة أهل هذه الصنعة وتبيان ما ثبت في نفس الأمر من بعض منافع الخمر ولم يتعرض للحكم الشرعي من حرمة التداوي بها،

стр. 144

لعلمه إن السائل يعرف ذلك، وإلاّ فكان الواجب أن يستدرك عقب كلامه بما ذكر النبي ﷺ فيمن تداوى بالحرام، والله اعلم. واعلم أن التصامم عن العذال قد تقدم في كلام الشعراء كثيراً قبل أبي نواس، كقول زهير في الجود: وأبيض فياضٍ يداه غمامة ... على معتفيه ما تغلب نوافله بكرت عليه غدوة فرأيته ... قعوداً لديه بالصريم عواذله يفدينه طوراً وطوراً يلمنه ... وأعيى فما يدرين أين مخاتله فأقصرن منه عن كريم مرزءٍ ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله غير إنَّ أبا نواس لم يكتف العذل ضائعاً، حتى جعله ناجعاً، في عكس المطلوب، ونقيض المرغوب. ولم يحضرني الآن أسبق بهذا أم لا. وقال الشاعر: ألقاه في البحر مكتوفاً وقال له: ... إياك، إياك أن تبتل بالماء! وهو مثل مشهور يضرب عند إلزام الشخص ترك ما لا محيص له عنه عند وجود سببه، أو ارتكاب مالا قدرة عليه. ومنه التكاليف الشرعية عندنا معشر الاشاعرة عند النظر إلى التحقيق وباطن الأمر، إلاّ أنا نجوز في حق الملك الحق تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد من غير قبح في شيء من ذلك، بل حسن جار على وفق الاختيار، وتصرف من له الاقتدار، ولا سيما بحسب الظاهر. ويقرب من هذا المعنى قول بعض الشعراء في امرأة: سكت فقالت: قد سكت عن الحق ... ففهت فقالت ما دعاك إلى النطق؟ فأومأت هل من حالة بين ذا وذا؟ ... فقالت: وذا الإيماء أيضاً من الحمق فلم أرلي إذ حلت الغرب راحةً ... من الشر إلاّ في المسير إلى الشرق فلما أتيت الشرق ألفيتها به ... وقد قعدت بي منه في أضيق الطرق فيا قوم هل من حيلة تعرفونها؟ وقال الآخر: من غص داوى بشراب الماء غصته ... فكيف يصنع من قد غص بالماء؟

стр. 145

ومضربه واضح. وفي معناه قول الأول: لو بغير الماء حلقي قد شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري وقول الآخر: إلى الماء يسعى من يغص بأكله ... فقل: أين يسعى من يغص بالماء؟ وقول الآخر: فكيف نجيز غصتنا بشيءٍ ... ونحن نغص بالماء الشروب؟ وقول الآخر: فلو كان هذا الحكم في غير ملككم ... لبؤت به أو غص بالماء شاربه وقول الآخر: مصاحبة المنى خطر وجهلُ ... وكم شرقٍ تولد من زلالِ! وقول أبن حبوس: مضى الكرماء صانوا ماء وجهي ... بما بذلوه عن ذل السؤال وها أنا بعدكم في الناس ابغي ... كريماً يشتري شكري بمالِ أرى الاكدار يشرق شاربوها ... فوا شرقي من الماء الزلال! وقول الآخر: إني لأذكركم وقد بلغ الظمأ ... مني فأشرق بالزلال الباردِ وأقول ليت أحبتي عاينتهم ... قبل الممات ولو بيوم واحد! وقول الآخر: قد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي فرميت منك بضد ما أملته ... والمرء يشرق بالزلال الباردِ وقول الآخر: كنت من محنتي أفر إليهم ... فهم محنتي فأين الفرار؟ وقول أبن سناء الملك: أموت غراما حين احرم وصل من ... هويت وأحيا فرحة حين ارزق
следующие страницы →