Полный текст (902 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
إذا أنت عاديت أمرءاً فاطفر له ... على عثرة إنَّ امكنتك عواثره
فان أنت لن تقدر على إنَّ تهينه ... فذره إلى يوم الذي أنت قادره
وقارب إذا ما لم تك لك حيلة ... وصمم إذا أيقنت انك عاقره
وقال جميل بن عبد الله:
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء صدق يلقهم حيث سيرا
أرى كل عود نابتا في أرومة ... أبى منبت العيدان إنَّ يتغيروا
وكل كسير يعلم الناس إنّه ... سوى عظم سوء لا ترى فيه مجبرا
فلا تأمن النوكى وإنَّ كان أهلهم ... وراء عدولات وكنت بقيصر!
وقوله: يعلم الناس إنّه، أي إنّه لا ينجبر سوى عظم سوء، بحذف خبر إنَّ للعلم به.
وقال التميمي يرثي منصور بن زياد:
يثني عليك لسان من لم توله ... خيرا لأنك بالثناء جدير
وقال سلمة الجعدي يرثي أخاه:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
وقال مسافع العبسي:
وليس وراء الشيء شيء يرده ... عليك إذا ولى سوى الصبر فاصبر
وقال منقذ الكلابي:
الدهر لاءم بين ألفتنا ... وكذلك فرق بيننا الدهر
وكذاك يفعل في تصرفه ... والدهر ليس يناله وتر
كنت الضنين بمن فجعت به ... وسلوت حين تقادم الأمر
ولخير حظك في المصيبة إنَّ ... يلقاك عند نزولها الصبر
غيره:
إياك والأمر الذي إنَّ توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر
فما حسن إنَّ يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر!
стр. 772
وقال أبن البرصاء المري:
تبين أعقاب الأمور إذا مضت ... وتقبل أشبها عليك صدورها
وقال الآخر:
رأيت أخا الدنيا وإنَّ كان خافضا ... على سفر يسري به وهو لا يدري
مقيمين في دار نروح ونغتدي ... بلا أهبة الثاوي المقيم ولا سفر
وقال الرقاشي:
إلاّ ليقل من شاء ما شاء إنّما ... يلام الفتى فيما استطاع من الأمر!
وقال الآخر، من الحماسيين:
فإنك واستبضاعك الشعر نحوها ... كمستبضع تمرا إلى أرض خيبرا
وتقدم إنشاده، على غير هذا الوجه، لغير هذا الحماسي.
غيره:
وجاءت للقتال بنو هليكٍ ... فسحي يا أسماء بغير قطر!
وهذا الشاعر استعظم مجيء هؤلاء للقتال، لصغر شأنهم وهوانهم وحقارتهم عنده، فقال: سحي يا أسماء بغير قطر، أي بدم لا يقطر، استهزاء بهم وسخرية.
غيره:
ومن عجب إنَّ الصوارم في الوغى ... تحيض بأيدي القوم وهي ذكور
وأعجب منه إنّها بأكفهم ... تسعر ناراً والأكف بحور!
وقال يزيد بن مفرع الحميري
سقى الله دارا لي وأرضا تركتها ... إلى جنب دار معقل بن يسار
أبو ملك جار لها وأبن برثن ... فيالك جاري ذلة وصغار!
وذكر أبو العباس المربرد في الكامل أن سليمان بن على سأل خالد بن صفوان عن ابنيه جعفر ومحمد فقال: كيف إحمادك جوارهما يا أبا صفوان؟ فقال خالد متمثلا بهذا البيت:
أبو ملك جار لها وأبن برثن ... فيالك جاري ذلة وصغار!
قال: فأعرض عنه سليمان. وكان هذا من احلم الناس وأكرمهم وهو في ذلك
стр. 773
الوقت والي البصرة وعم الخليفة المنصور. قال: وكان خالد بن صفوان ممن إذا عرض له القول قال: وكان الحسن رحمه الله تعالى يقال: لسان العاقل من وراء قلبه فإن عرض له القول نظر فإن كان له أن يقول قال وإن كان عليه القول أمسك. ولسان الأحمق إمام قلبه فإذا عرض له القول فال عليه أو له.
وقال الآخر:
نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عيناً لغيرك دمعها مدرارُ
من ذا يعيرك عينه تبكي بها ... أرأيت عيناً للبكاء تعار؟
وقال حجية بن مضر يمدح يعفر بن زرعة أحد الملوك، ملوك ردمان:
شكرت لكم آلاءكم وبلاءكم ... وما ضاع معروف يكافئه شكرُ
وقبله:
إذا كنت سئَّالاً عن المجد والعلا ... وأين العطاء الجزل والنائل الغمرُ
فنقب عن الملوك وأهتف بيعفر ... وعش جار ظل لا يغالبه الدهرُ
أولئك قومٌ شيد الله فخرهم ... فما فوقه فخرٌ وإن عظم الفخرُ
أناس إذا ما الدهر أظلم وجهه ... فأيديهم بيض وأوجههم زهرُ
يصونون أحساباً ومجداً مؤثلاً ... ببذل أكف دونها المزن والبحرُ
سموا في المعاليرتبة فوق رتبةٍ ... أحلتهم حيث النعائم والنسرُ
أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت ... لنورهم الشمس المضيئة والبدرُ
فلو لامس الصخر الأصم أكفهم ... لفاضت ينابيع الندى ذلك الصخرُ
ولو كان في الأرض البسيطة منهم ... لمختبط عافٍ لمّا عرف الفقرُ
شكرت لكم. . " البيت " وقلت أنا معرضاً بقوم يغشون طغاما ليصيبوا منهم طعاما:
إنَّا أناس لست تبصرنا ... نتحين الطعام التي تزري
يعري الفتى ويجوع وهو يرى ... متجملاً بالصبر والبشرِ
стр. 774
والحرة الشماء ربما ... جاعت ولم ترضع على أجرِ
والمورد العذب الفرات إذا ... راثته حمرٌ سيم بالهجرِ
وإذا ترى طيراً بمزبلةٍ ... فالطير غير الباز والصقرِ
وإذا رأيت المرء محتسياً ... كأس الهوان فليس بالحرِ
ووقف عليها جماعة من فضلاء العصر فاستحسنوها غاية فحاولت أن أزيد عليها شيئا من هذا النمط يتم به الغرض فانجر الأمر بها حتى كانت قصيدة رأيت أن أثبتها هنا على طولها لأنها كلها أمثال وحكم وهي:
والحر حياته بسوى ... عز الجناب ورفعة القدر
لا بالطعام ولا الشرب ولا ... استلقائه بأرائك وثر
وإذا تزايلك الحياة فما ... من عيشة تبقى ولا عمر
وسؤال ذي لؤم وذي بخل ... ورجاء نعشته من العثر
أنكى لقلب أخي المروءة من ... إصلائه بلوافح الجمر
وأشد من عد الرمال ومن ... نقل الجبال ومحمل الصخر
واضر من كل النوائب إن ... عظمت عليك وكل ما شر
وتقلد للمن من يده ... غل على هاديك في الأسر
بل وخزة في القلب ناكئة ... بل طعنة في لبة النحر
وغناك عنه بالقناعة في ... حاليك من يسر ومن عسر
أجدى من الملك الذي جمعت ... أبناء هرمز غابر الهر
وألذ من سنة الشباب على ... جدة ومن وثرٍ على وثر
ولباس صونك عن تملقه ... أبهى من الأستبرق الخضر
وحلى الوقار عليك أجمل من ... أن تحتلي بقلائد النصر
وصبابة من ماء وجهك أنفس ... من رحيق سلسل غمر
стр. 775
فإذا عرتك الحادثات فثق ... بمليكها ذي الخلق والأمر
واصبر لروح الله مرتجياً ... فلتحمدن عواقب الصبر
إنَّ اصطبار المرء مفتتح ... متغلق البأساء والعسر
ومنفس عنه الكروب إذا ... ضاقت بهن جوانح الصدر
كم من حزين بات مكتئباً ... متسعر الأحشاء ذا أفر
لا يرتجي جلباب ليلته ... أن ينثني طرفاه بالسفر
فأتته ألطاف منفسة ... لفؤاده من حيث لا يدري
ولكم بعيد الضيق من سعة ... ولكم بعيد العسر من يسر
هل بعد معترك الظلام سوى ... بلج الصباح وطلعة الفجر
أو بعد ظمأة هجمة وردت ... غير ارتواء جانب الغدرِ
أو بعد خانقة التلاع سوى ... فيح الفجاج وفسحة البهر
وإذا تحاول نيل مكرمة ... فانهض إليها نهضة الشمر
وأركب جواد الجد مكتفيا ... ذيل الملالة منك والفتر
فلربَّ ذي أمل على ملل ... ومهدر في العنة الحجر
والربَّ ذي رعد على صلف ... فتراه يخلق ثم لا يفري
ومخاطراً بالنفس فيه فما ... يرجى الخطير بغير ذي خطر
وأعلم بأنَّ الغوص في لجج ... خضر يخف لجالب الدر
وتعسف القنن الصعاب علي ... خصب يخف لحالب الدَّر
ولدى الرياح الكثر بحمد ما ... جاب المفاوز صاحب التجر
ولدى الصباح يكون مغتبطا ... وينال بغيته الذي يسري
وتسنمن ذرى الأمور ولا ... تخلد إلى سفسافها الخضر
واعلم بأنك ما استطبت جنى ... إلاّ لطيب الجذر والبذر
стр. 776
والكرم يجدي المجتني عنباً ... والشوك لا يجدي سوى الشصر
ولكم ترى مرعى ولست ترى ... كرعاية السعدان والثغر
والناس كالغوغاء هائمة ... لو كان يبلو الناس ذو خبر
والمرء كل المرء بينهم ... ذو الملبس الزاهي وذو الوفر
لا ينظرون إلى الوفاء ولا ... فصل الذكاء وثاقب الفكر
لو أقبلت دغة لهش لها ... كل إذا راحت إلى دثر
أو جاء قيس يستغيث صدى ... لم يسق إن أمسى أخا فقر
لم يدروا أنَّ الكمال لذي ... فضل الندى والحلم والحجر
لا ذي الحلى المسبور مائله ... أعطافه بالزهو والكبر
فالعجب بالملبوس من سخف ... في اللب وهو لربة الخدر
والسيف ليس يشينه خلق ... في الجفن وهو العضب ذو الأثر
وكذا ذبول المتن ليس يرى ... عيبا على الخطية السمر
والطرف ليس يعاب من ضمر ... يعشاه بعد تداول الحصر
ولكم ترى نبتاً يلد على ... شحبٍ وكم من ناعم مر
ولكم ترى دمناً تعاف إذا ... تشتم وهي أنيقة الزهر
فتوخ في الناس الوفى إذا ... عاشرتهم وحذار ذا الغدر
واسبرهم قبل الإخاء ولا ... تغتر في الأخوان بالسبر
كم من أخ مذق الوداد على ... ما فيه من إحن ومن سبر
إن تلقه فالشهد مقوله ... وإذا تغيب يكون كالصبر
سيمى بوجهك تستميل وأن ... أدبرت عنه فكية الظهر
وإذا الزمان دعاك نائبه ... العاري إليه ترجى البر
فسيحتبيك بوعد غانيةٍ ... أو وعد عرقوب جنى التمر
стр. 777
وإذا تعود يظل مكتلحاً ... متغيظاً ينزو ويستشري
وإذا تصادف ذا الصفاء فكن ... منه ولو صافاك ذا حذر
وأسم سوائم سرحه طرراً ... مطروقةً من مسرح السر
وصن السرارة واللباب ولا ... تبذل له منه سوى القشر
فلربما يلوي الزمان به ... فيكون أبصر فيك بالضر
وإذا تصاحب أو تجالس أو ... تستب فالتمس ذوي القدر
فصداقة النبهاء مفخرة ... وكذا نواؤهم من الفخر
وصداقة اللؤماء معقبةٌ ... لؤما كمثل حكاك ذي العر
والساقط الداني مشاتمه ... كالبائع العقيان بالصفر
والحظ والمقدار ما حصرا ... في ذي الذكاء يبيت يستمري
بل قسمة أزلية نشأت ... بيدي مدبرها على قدر
وإذا نظرت وجدت في قرنٍ ... غمر الغنى وجهالة الغمر
وترى اللبيب يبيت في ضففٍ ... بهمومه متقسم الفكر
ليكون فضل حجى الفتى عوضاً ... عن فضل مال الأنوك الكثر
وتكون أحكام الإله جرت ... في الخلق عن غلبٍ وعن قسر
والمرء ممدودٌ له أجلٌ ... فسح مداه نصائب القبر
يسدي ويلحم في مزاولة ... ما ليس يدركه مدى العمر
ويبيع بالآل المعين وبالخزف ... الكسير نضائد التبر
وأمن تبدل زائلا صدرا ... من دائم قد باء بالخسر
فأعد لليوم الذي خضعت ... فيه الطلا لرواجف الذعر
وتحولت فيه الذين هم ... قنن الذرى شمما إلى الذر
وتدوسهم أقدام طائفةٍ ... كانت لديهم موقع السخر
وازمم ركابك للرحيل غداً ... إنَّ الخليط غدوا على ظهر
стр. 778
وتسل عن ليلى فقد أزفت ... عنها النوى ومضاضة الهجر!
وتخل عن كل الآلاف إلى ... ألفا ألف واصل بر!
وتسوغن بجميل صبرك ما ... تسقى بغيرهم من الصبر
وف بالعهود ولا تكن ألفا ... نقضا ولو قبضا على جمر!
واعلم بان الوجه ذو شحط ... ومخاوف ومجاهل غبر!
فارتد خفير إنابة ولجا ... والعلم خريتا إذا تسري!
وتزودن وخير زادك من ... تقوى المهيمين سامع الأمر!
وأجعل مزاد الصدق محكمة ... وتخيرين نجائب الصبر!
وتخير الرفقاء مجتنبا ... قرب الددان وصحبة المزري
وإذا ارتحلت فلا تشذ وسر ... وسط الخليط ومعظم السفر!
وحذار رحلك يقتفي سبلا ... عن نهجهم فيضل في القفر!
وارع البطاح إذا مرعن ولا ... تترقين بحالق وعر!
وإذا الرياح عصفن في شرفٍ ... فلتسهلن أو غل في جحر!
وإذا ظمئت ففي الأصيل فرد ... فردا عن الضوضاء والكدر!
وإذا رأيت سفينة خرقت ... فتأن لا تجعل إلى النكر!
وإذا تكون نزيل ذي كرم س ... رحب الذرى متفضل غمر
لا يعدم العافي نداه ولا ... يعتل عن ذهل ولا فقر
فأرح فؤادك أنَّ يكون به ... هم إلى زاد على ذكر!
وحذار أنَّ يلقاك مرتجيا ... ما يجتنيه سواه من جبر
وكن الخلي وأنت ضائفه ... عار النزيل على الذي يقري!
وإذا الهوى ناواك محتفلا ... ومجمعا بمعسكر مجر
فلتعددن ما استطعت من وجل ... وضارعة فتدال بالنصر
стр. 779
واستمددن من واهب رؤوفٍ ... نورا يقيك مداحض الحكر
وكل الأمور إليه ملتجئا ... متبريا ملحول والارز!
وإذا حللت بساطه فغدا ... يسقيك صرف عتيقة الخمر
فلترعين أدب الجليس ولا ... تغتل حجاك غوائل السكر!
وإذا مليك الدار في طرفٍ ... منها أناخ مطاك أو عقر
فالزم مناخك أو يحوله ... برضى الجنان وغاية السكر
ولتعتزز بحماه معتصما ... ناهيك من سند ومن حظر!
وثقن بما أولاك من عدة ... فالنقد موعد مفضل مثري!
وتجلى في ثوبي عبودته ... ناهيك من شمم ومن ذكر!
وتحل بالخلق الجميل على ... لقيا الورى وحوادث العصر!
ولتلقهم وحشاك مشربه ... صاف من الشحناء والغمر!
وبليغ نصحك للقصي وللأدنى ... سوي السر والهجر
واجعل معاقرة المنون على ... بالٍ فيا ناهيك من ذخر!
وقال الآخر:
إلى كم يكون الصد في كل ساعةٍ ... وكم لا تملين القطيعة والهجرا؟
رويدك إنَّ الدهر فيه كفاية ... لتفريق ذات البين فأنظر الدهرا!
وقال الآخر:
هب النسيم فأهدى نشرهم سحرا ... وأزهر الروض من أنفاسهم عطرا
إني وإنَّ أبعدت عني منازلهم ... فلا أزال أروي عنهم الخبرا
قل للسعيد الذي يحظى برؤيتهم: ... أني لتحسد عيني فيكم النظرا
غيره:
وحقكم مالي على فقدكم صبر ... وما طاب لي عيش ولم يصف لي سر
стр. 780
وكيف يسر القلب يوما بلذةٍ ... ومنزلكم يا سادتي منزل قفر
فما الدار دار مذ نأيتم ولا الكرى ... لذيذ وحلو العيش بعدكم مر
غيره:
لو كان لي مسعد بالراح يسعدني ... لمّا انتظرت بشرب الراح إفطارا
الراح أشرف شيء أنت شاربه ... فاشرب ولو حملتك الراح أوزارا
يا من يلوم على صهباء صافيةٍ ... دع الجنان ودعني أسكن النارا!
وفي لطائف المنن للتاج أبن عطاء الله أنَّ هذا الشعر أنشده منشد بين يدي الشيخ. فأنكر عنك هذا. فإنه محجوب! انتهى بالمعنى وهو بين، فإنَّ الخمر خمران، والنار ناران، والجنان جنانان. فكل يشرب بحسب ذوقه، ويقهم بمقتضى قصده.
وقال الآخر:
هلا رأيت وقائع الدهر ... أفلا تسئ الظن بالعمر؟
بينا الفتى كالطرود تمنعه ... هضباته والعضب ذو الأثر
يأبى الدنية في عشيرته ... ويجاذب الأيدي على الفخر
زل الزمان بوطء أخمصه ... ومواطئ الأقدام للعثر
غيره:
أين الملوك وما بنوه وشيدوا؟ ... ماتوا جميعا في التراب وساروا
آثارهم تنبيك عن أخبارهم ... هذي هي الأطلال والأخبار
إنَّ سلت عنهم قل لنفسك بعدهم ... لم يبق إلاّ الواحد القهار!
غيره:
يا راقد الليل مسرور بأوله ... إنَّ الحوادث قد يطرقن إسحارا
! وله:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء أعتصار
غيره:
стр. 781
الناس شتى إذا ما أنت ذقتهم ... لا يستوون كما لا يستوي الشجر
هذا له ثمر حلو مذاقته ... وذاك ليس له طعم ولا ثمر
وقال النمر بن تولب:
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
سلم الخاسر:
من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور
أبن المعتز:
لا تأمنوا من بعد خير شرا ... كم غصن أخضر صار جمرا!
الصنوبري:
محن الفتى يخبرن عن فضل الفتى ... كالنار تخبرنا بفض العنبر
غيره:
كم كافر بالله أمواله ... تزداد أضعافا على كفره
والمؤمن ليس له درهم ... يزداد أيمانا على فقره!
غيره:
يا صاح إنَّ من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر
فطنا بكل مصيبة حاله ... وإذا أصيب بدينه لم يشعر!
وقال الآخر:
عتبت على الدنيا لتقيد جاهل ... وتأخير ذي علم فقالت خذ العذرا
بنو الجهل أبنائي وكل فضيلة ... فأبناؤها أبناء ضرتي والأخرى
وقال الآخر:
غائظ صديقك تكشف عن ضمائره ... وتهتك السر عن محجوب أستار
فالعود يبنيك عن مكنون باطنه ... دخانه حين تدنيه من النار!
стр. 782
وهكذا كقول الحكيم: إذا أردت إنَّ تعرف صديقك فأغضبه! وذلك لأن الرضى يصلح معه كل أحد، ولا يصلح على الغضب إلاّ الأصفياء الصادقون، وقليل ما هم.
غيره:
سقى الله أياما لنا لسن رجعا ... وسقيا لعصر العامرية من عصر
ليالي أعطيت البطالة مقودي ... تمر الليالي والشهور وما ندري!
حكى أبو علي البغدادي في نوادره عن أبي بكر بن دريد عن حاتم قال: كان فتى من أهل البصرة يختلف معنا إلى الأصمعي فافتقده، فلقيت أباه فسألته عنه فقال: سألني عن بيتين كان الأصمعي يرددهما:
سقى الله أياما " البيتين "
فقلت له: يا بني، انك لست بعاشق، ولولا ذلك لعرفت ما يفعله الذكر بصاحبه! قال: فبعثته عشق لجاجا.
ولنكتف بهذا القدر من الباب مخافة السآمة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
стр. 783
باب الزاي الموحدة
زبيب وأنت حصرم .
هذا مثل مشهور، غير إنّه مولد. وهو من كلام أبي علي الفارسي، قاله لأبي الفتح عثمان بن جني لمّا مر به وهو في حلقته. فلما قال له ذلك قام أبو فتح فترك حلقته وتبعه حتى تمهر. ذكر ذلك شمس الدين بن خلكان، رحمه الله تعالى. ويضرب فيمن يتعاطى رتبة قبل إنَّ يصل إليها.
ومنه قول أبن النقيب:
إذا صرصر البازي فلا ديك يصرخ ... ولا فاخت في أيكة يترنم
وما الموت إلاّ طيب طعمه إذا ... تدايك فروج وزبب حصرم
زاحم بعودٍ أو دع !
المزاحمة معروفة. يقال زحمته على كذا، زحمته، وزاحمته، وازدحم القوم على هذا الأمر وتزاحموا عليه، ازدحاما وزحاما ومزاحمة. والعود بفتح العين المهملة وسكون الواو: المسن من الذي جاور البازل والمخلف سنا. قال امرؤ القيس:
على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
والجمع عودة كزوجة، والأنثى عودة، والجمع عود البعير تعويدا: بلغ ذلك. والعود أيضا: الطريق القديم. قال الراجز:
عود على عود لأقوام أوّل ... يموت بالترك ويحيا بالعمل
أي جمل مسن على طريق قديم. وفي الصحاح: وبما قالوا: سؤدد عود أي قديم وانشد للطرماح:
стр. 784
هل المجد إلاّ العود والندى ... ورأب الثأي والصبر عند المواطن؟
والمراد من المثل المعنى الأول، وهو التمثيل والتشبيه. والمعنى انك إذا حاولت أمرا أو زاولت حربا، ينبغي لك أنَّ تستعين عليه بأهل السن والمعرفة والتجريب. فإنَّ رأي المشايخ كثيرا ما كان أنفع من مشاهد الشباب، على إنَّ مشهد الشيوخ وأهل البصيرة والصدق أيضاً هو المشهد، كما قال أبو الطيب:
سأطلب حقي بالقنى ومشايخٍ ... كأنهم من طول ما ألتثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا
وعلى أسلوب هذا المثل ما يقال: قائل بسعد أو بجد وإلاّ فلا!
زعموا مطية الكذب .
الزعم: الظن، يقال: زعم كذا وكذا واقعا، يزعمه. قال: زعمتني شيخا وليس بشيخ. .
وقال كثير
وقد زعمت إني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير؟
ولها معان أخرى مراده هنا. والمطية: الناقة التي يركب مطاها أي ظهرها. قال امرؤ القيس:
ويوم عقرب للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من رحلها المتحمل!
ويحك إنَّ أبن عمر، ﵄، قال: رأيت رجلا يطوف بالبيت حاملا أمه على ظهره وهو يقول:
إني لها مطية لا تذعر ... إذا الركاب نفرت لا تنفر
ما حملت وأرضعتني أكثر ... الله ربي ذو الجلال أكبر!
وذكر في الصحاح أنَّ المطية تؤنث وتذكر، وانشد على التذكير لربيعة بن مقروم الضبي جاهلي
стр. 785
ومطية ملث الظلام بعثته ... يشكو الكلال إلي دامي الأظلل
وكان المطية على هذا هو المركوب، جملا كان أو ناقة. وجمع المطية مطي ومطايا. قال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يفدن بأرسان
وفي الحديث رواية يشكو إنَّ يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالما من عالم المدينة.
وقال جرير:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمبن بطون راح؟
ومنه قول إلي نؤاس:
وإذا المطي بنا بلغن محمّداً ... فظهورهن على الرجال حرام
ومنه قول أبي دلامة:
إنَّ المطايا تشكيك إذا أراد إنَّ يتحدث قال: زعموا كذا وكذا، وزعموا إنَّ الأمر كذا وإنَّ كذا واقع. فلما كان هذا اللفظ يقدمه إمام كلامه ويتوصل به إلى حاجته، جعل مطية تشبيها بالمطية المركوبة، بالجمع التواصل بهما إلى الغرض. ثم انهم قالوا: إنّما يقال هكذا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه، وإنّما يجري على الألسن، وأكثر ما يكون ذلك كذب.
وفي الحديث: حسب الرجل من الكذب أنَّ يتحدث بكل ما سمع. فجعل زعموا مطية للكذب، أي للتحديث به من اجل هذا. وقد يعتبر به من يعتمد الكذب لسهولته إذ ذاك وتستره حيث لم يتعين المكذوب عليه ولا المنقول عنه حتى يفتضح الناقل عند سؤاله.
فائدتان. الأولى قال الجلال السيوطي في كتابه الهمع: قولهم زعموا مطية الكذب لم أقف عليه شيء من كتب الأمثال. وذكر بعضهم إنّه روى: مظنة الكذب بالظاء المعجمة والنون. وإخراج أبن أبي حاتم في تفيسره، عن صفوان بن عمرو
стр. 786
الكلابي، قال: بئس مطية المسلم زعموا مطية الشيطان. واخرج أبن سعد في الطبقات، من طريق الأعمش عن شريح القاضي قال: زعموا كنية الكذب. انتهى.
وذكر بعضهم: زعموا مطية الكذب حديثا عن النبي ﷺ .
وقال بعضهم: لا يوجد زعم فصيح الكلام إلاّ عبارة عن الكذب، أو قول انفرد به قائله، أو تبقى عهدته على الزاعم. ففي ذلك ما ينجوا إلى تضعيف وقول سيبويه: زعم الخليل كذا، وإنّما يجيء فيما تفرد الخليل به. انتهى.
قلت: ولم يكن يأتي به سيبويه على إنَّ ذلك كذب، بل من اجل ذلك التفرد وبقاء العهدة فقط. وقد يأتي زعم مع القطع بصدق الزاعم، كما في السير من قول سعد، ﵁، للقريشي بمكة إنَّ محمّد يزعم إنّه قاتلك، ولم يكن المخبر يش في صدق محمّد ﷺ ، بل أيقن القريشي مع كفره بذلك فقال: أنا لا نكذب محمّد في خبره. والقصة مشهورة.
الثانية: قول جرير السابق. قالوا: هو امدح بيت قالته العرب. وكان امتدح به عبد الملك بن مروان من قصيدة، وكان أولها أنَّ قال: أتصحو أم فؤادك غير صاح فقال عبد الملك: بل فؤادك! ثم تمادى في الإنشاد إلى إنَّ قال:
تعزت أم حزرة ثم قالت: ... رأيت الواردين ذوي امتياح
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالجناح
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح؟
فطرب الملك وأخذته الأريحية وكان متكئا فجلس وقال: من مدحنا فليمدحنا بمثل هذا أو ليسكت! ثم قال: يا جرير، أترى أم حزرة ترويها مائة ناقة سود الحدق؟
стр. 787
فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ الإبل إباق ونحن مشايخ ليس بأحدنا فضل على راحلته. فلو أمرت بالرعاة؟ فأمر له بثمانية أعبد وكنت بين يدي عبد الملك صحاف فضة يقرعها بقضيب بيده. فقال جرير: والمحالب، يا أمير المؤمنين؟ وأشار إلى صفحة منها. فنبذها إليه بالقضيب. وفي ذلك قال جرير:
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم منٌّ ولا سرف!
قلت: وما ذكر في بيت جرير هو بحسب ما فيه من شمول بذكر العالمين، وإلاّ فلزهير أبيات هي الغرر في جبهات المديح، كقوله:
بل اذكرن خير قيس كلها حسبا ... وخيرها نائلا وخيرها خلقا
فانه يجمع أوصافا من المديح مع السبك العجيب والاتساق البديع. إلاّ إنّه خصصه بقيس وهو لا يوجب كبير قصور، لأنَّ العناية بتفضيل الممدوح وتعليته إنّما هي بحسب أقرانه ومزاحميه في الشرف، مع إنَّ هذا اقرب إلى الصدق، وليس الكذب البشع بممدوح في الشعر. إلاّ إنَّ يريد جرير رهط الممدوح جميعا حتى يدخل النبي ﷺ فيكون كلامة صدقا. وقوله:
إنَّ تلق يوما على علاته هرما ... تلق السماحة منه والندى خلقا
فإنَّه ترك إثبات السماحة والندى للممدوح إلى إثبات كونهما من سجايا وخلائقه، إيهاما لكون ثبوتهما ليس متوقف العقول، لاتضاحه كالنهار، واشتهاره غاية الاشتهار. ووقع لزهير غير هذا ولغيره أيضاً مما يطول تتبعه.
قالوا: وأهجى بيت قالته العرب قول الأخطل يهجو جريرا:
قوم إذا أستنبح الضيفان كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار!
وبعده:
فتمسك البول بخلا إنَّ تجود به ... فما تبول لهم إلاّ بمقدار!
وتقدم هذا: واحكم بيت قالته العرب قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار ما لم تزود
стр. 788
وأحمق بيت قول أبي محجن:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ ... تروي عظامي عند عروقها!
ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا مت ألا أذوقها
وأغزل بيت قالته العرب قول جرير:
إنَّ العيون التي في طرفها حورٌ ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
وبعده:
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن اضعف خلق الله أركانا
قلت: وأصدق بيت قالته العرب قبل النبي ﷺ قول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وبعده قول الآخر:
وما حملت من ناقةٍ فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمدِ
عجيبة. أبو العتاهية في شعره السابق امتدح عمر بن علاء فأمر له بسبعين ألف درهم وأمر من حضره من خدمه وغلمانه أن يخلعوا عليه حتى لم يقدر على القيام لمّا عليه من الثياب. ثم إنَّ جماعة من الشعراء كانوا بباب عمر فقال بعضهم: يا عجبا للأمير! يعطي أبا العتاهية سبعين ألفا. فبلغ ذلك عمر فقال: غليَّ بهم! فأدخلوا عليه. فقال: ما أحسد بعضكم لبعض يا معشر الشعراء! إنَّ أحدكم يأتينا يريد مدحنا فيشبب بصديقه في قصيدته بخمسين بيتا فما يبلغنا حتى يذهب لذاذة مدحه ورونق شعره. وقد أتانا أبو العتاهية فشبب ببيتين ثم قال:
إني أمنت من الزمان وريبته ... لمّا علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له حر الوجوه نعلا
ما كان هذا الجود حتى كنت يا ... عمراً ولو يوماً تزول لزالا
إنَّ المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسباً ورمالا
стр. 789
فإذا أتيت بنا أتيت مخفة ... وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا
ويذكر إنّه لمّا امتدحه قال له: أقم حتى أنظر في أمرك! فأقام أياما فلم ير شيئا. وكان عمر ينتظر مالا من وجه فأبطأ عليه. فكتب إليه أبو العتاهية:
يا أبن العلاء ويا أبن القرم مرداس ... إني امتدحتك في صحبي وجلاسي
أثنيت عليك ولي حال تكذبني ... فيما أقول فاستحيي من الناس
حتى إذا قيل ما أعطاك من صفدٍ ... طأطأت من سوء حالٍ عندها رأسي
فقال عمر لحاجبه: اكفيه أياما! فقال له الحاجب كلاما دفعه به وقال: تنتظر! فكتب إليه:
أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر
أصابتك عين في سخائك صلبةٌ ... ويا رُبَّ عين صلبة تفلق الحجر
سنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم تفق منها رقيناك بالسور
فضحك عمر وقال لصاحب بيت ماله: كم عندك؟ قال: سبعون ألف درهم. فقال: ادفعها إليه! ويقال إنّه قال له: اعذرني عنده ولا تدخله عليَّ فإني أستحي منه!
زندان في وعاءٍ .
الزند بفتح الأول العود الذي يقدح به. والوعاء معروف. يضرب هذا في تساوي الرجلين فيقال: هما زندان في وعاء وكزندين في وعاء.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ولا يكاد يوضع في المدح. إنما هو في موضع الخساسة والدناءة.
فقال البكري: لا أعلم لم جعل في موضع الدناءة إلا أن يتناولوا فيه قولهم اللئيم مزند والتزنيد: التضييق.
قلت: ولا يخفى بعده. والمزند بصيغة اسم المفعول وهو البخل الضيق. قال الحماسي:
ومن الرجال أسنة مثال ذروبة ... ومزندون شهودهم كالغائب
وقد أتى الحريري في مقامته البغدادية بهذا المثل في مطلق الاستواء أو في الاستواء في
стр. 790
المدح بالحذق والذكاء. فقال أبن ظفر: المشهور استعماله يعني هذا المثل في الحقارة والخساسة.
أزكن من إياسٍ .
الزكن: العلم تقول: زكنته بالكسر أزكنته زكنا إذا علمته. قال أبن أم صاحب: ويروى: زنكنت منهم على مثل الذي علموا.
والزكن أيضاً: التفرس وهو علم خاص. وإياس هو أبن معاوية قاضي البصرة. وضرب به المثل في الفراسة والذكاء وله في ذلك أخبار كثيرة تقدمت جملة منها في ذكائه من حرف الذال. وكان يحكى أنه قال: تعلمت الزكن من أمي وكانت خرسانية وأهل بيتها يزكنون أي يتفرسون. قيل: وقد ألف في أخباره كتاب يسمى " زكن إياس ".
أزنى من قرد .
الزنى بالزاي المكسورة والنون معروف يمد ويقصر. قيل: والقصر لغة الحجاز لقوله تعالى:) ولا تقربوا الزنى (والمد لغة نجد كقول الفرزدق:
أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكر
وزنى الرجل بالفتح يزني زنى وزاني مزاناة وزناء. وفي عد الكبائر: وأن تزاني حليلة جارك. والقرد بكسر القاف معروف وتقدم في الحاء وهو يوصف بالزنى. وقد وقع في السيرة إنّه زنى قرد في الجاهلية فرجمته القردة. وزعموا أنَّ القرد أزنى الحيوان.
وقيل إنَّ المعنى في هذا المثل ليس القرد المعروف بل رجلا من هذيل يقال له قرد بن معاوية وبه ضرب المثل والله تعالى أعلم!
стр. 791
أزهى من طاووس .
الزهو: الإعجاب والتكبر. يقال: زهي بالبناء للمفعول يزهى فهو مزهو. ويقال أيضاً: زهى بالفتح يزهو زهوا. وهي لغة حكمها أبن دريد. والطاووس: الطائر المعروف وتقدم في الحاء. وإنّما وصف بالزهو لمّا مر من أنَّ طبعه حب الزهو لنفسه والخيلاء والإعجاب بريشه: ثم إنهم بنوا اسم التفضيل هنا من فعل المفعول وعلى الشذوذ كما قالوا: أشغل من ذات النحويين وأجن من دغة وأولع من قرد. وتعجبوا منه أيضاً فقالوا: ما أزهاه! وما أشغله! وما أجنه! وهو مسموع في هذه الألفاظ ونحوها. ولا يقال في المضروب والمجروح ونحوهما: أضرب من كذا ولا أجرح ولا: ما اضربه! وأجرحه! ومن الشاذ قول سبويه رحمه الله تعالى: واعلم أنَّ العرب يقدمون ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى وهو من عناهم وعنوا به فهم معنيين به.
قال الإمام السهيلي رحمه الله تعالى: وسبب جوازه يعني في الأفعال المذكورة دون غيرها أنَّ المفعول فيها فاعل في المعنى: فالمزهو متكبر في المعنى. وكذلك المنحو والمشغول مشتغل وفاعل لشغله والمعني بالأمر كذلك والمجنون كالأحمق فيقال: ما أجنه! كما يقال ما أحمقه! وليس كذلك وضروب ولا مركوب ولا مشتوم ولا ممدوح فلا يقال في شيء منه: ما أفعله ولا: هو أفعل من كذا.
قال: فإنَّ قلت: فعلى هذا القياس كان ينبغي أيضاً أن يؤمر فيه بغير اللام كمأمور الفاعل إذ قلتم إنه فاعل في المعنى يعني وليس الأمر كذلك لأنك إنما تقول في أمر المخاطب من عني وزهي وشغل: لتعن ولتزه ولتشغل! كما يؤمر الغائب في سائر الأفعال.
قال: فالجواب أنَّ الأمر إنّما هو بلفظ المستقبل وهو: تضرب وتخرج. فإذا أمرت حذفت حرف المضارعة وبقيت حروف الفعل على بنيتها. وليس كذلك زهيت فأنت تزهى ولا شغلت فأنت تشغل. لأنك لو حذفت منه حرف المضارع لبقي لفظ الفعل على بنية لست للغائب ولا للمخاطب لأنَّ بنية الأمر للمخاطب: أفعل وبنيته للغائب:
стр. 792
فليفعل. والبنية التي قدرناها لا تصلح لواحد منها لأنك كنت تقول: أزه من زهت ومنت تقول من شغلت: أشغلت فتخرج من باب شغلت فأنت مشغول إلى باب شغلت غيرك فلم يستقم فيه الأمر بالام. انتهى. وهو حسن وهذا في زهي إنّما هو على أنَّ التفضيل جاء فيه على اللغة المشهورة. وإنّما على أنه على اللغة الثانية التي ذكرها أبن دريد فلا شذوذ فيه.
قال الجوهي بعد ذكره هذه اللغة: ومنه قولهم ما أزهاه وليس هذا من زهي لأنَّ اسم المفعول لا يتعجب منه. انتهى.
أزهى من ديكٍ .
تقدم الزهو. والديك بكسر الدال المهملة معروف جمعه ديكة وديوك. وهو موصوف بالزهو والتبختر والتمايل في مشيته وذلك معروف فيه.
أزهى من غرابٍ .
الزهو مر وكذا الغراب وهو أيضاً موصوف بالزهو. قال الشاعر:
لذا صاحبٌ مولع بالخلاف ... كثير الخطاء قليل الصواب
ألج لجاجاً من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب
زوجٌ من عود، خيرٌ من قعود .
الزوج ضد الفرد. والزوج أيضاً بعل المرأة وهي أيضاً زوجة. فالزوج للذكر والأنثى هذا هو الفصيح. قال تعالى:) أسكن أنتَ وزوجكَ الجنة (وقد يقال زوجة. قال الفرزدق:
وإنَّ الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساعٍ إلى أسد الشرا يستبيلها!
وتقدم هذا. والعود بضم العين المهملة: معروف جمعه عيدان وأعواد والقعود: الجلوس وقد يفرق بينهما فيقال: القعود ضد القيام. فإذا كان أحد واقفا قيل له: أقعد! ولا يقال: اجلس! وإذا كان مضطجعا ثم استوى جالسا قيل: إنّه قد جلس.
стр. 793
ومعنى المثل أنَّ التزوج ولو بأدنى زوج خير من البقاء بلا زوج. قالته بنت همام بن مرة الوائلي البكري. وكان له فيما زعموا أربع بنات. فكان يخطبن إليه فيستأمرهن فيمنعهن الحياء أن يأذن فلا يزوجن. وكانت أمهن تأمره بتزويجهن فلا يفعل. فخرج ذات ليلة إلى متحدث لهن فجعل يستمع حديثهن وهن لا يعلمن. فقلن: تعالين نتمن ولنصدق! فقالت الكبرى:
إلاّ ليت زوجي من أناس ذوي غنى ... حديث الشباب طيب النشر والعطرِ
طبيبٌ بأدواء النساء كأنه ... خليفة جانٍ لا يبيت على وترِ!
فقلن لها: انك تحبين رجلا ليس في قومك. وقالت الثانية:
ألا هل أرها مرة وضجيعها ... أشم كماضي الشفرتين مهندِ
لصوقٌ بأكباد النساء واصله ... إذا ما انتهى من أهل سري ومحتدي؟
وقالت الثالثة:
ألا ليته على الجفان مدلب ... له جفنةٌ تشفى بها النيب والجزرُ
به محكمات الشيب من غير كبرةٍ ... تشين فلا العاني ولا الضرع الغمرُ!
فقلن لها: تحبين رجلا شريفا. فقلن للصغرى: تمني أنت! فقالت: ما أريد شيئا. فقلن: والله لا تبرحين حتى نعلم ما في نفسك! فقالت: زوجٌ من عودٍ خيرٌ من قعودٍ. فلما سمع أبوهن ذلك زوجهن.
وهكذا حكي عن بعضهم هذه القصة. والذي ذكر صاحب القاموس في اللغة أنَّ همام بن مرة له ثلاث بنات وآلا على نفسه ألا يزوجهن. فلما عنسن قالت إحداهن بيتا وأسمعته إياه متجاهلة. فقالت:
أهمام بن مرة إنَّ همي ... لفي الآئي يكون مع الرجالِ
فأعطاها سيفا وقال: هذا يكون مع الرجال! فقالت أخرى: ما صنعت شيئا ولكني أقول:
أهمام بن مرة إنَّ همي ... لفي قنفاء مشرفة القذال
والقنفاء تطلق عند العرب على الغليظة من آذان المعزى كأنها نعل مخصوف. وتطلق
стр. 794
على الكمرة العظيمة وهو مراد القافية. فقال أبوها: وما قنفاء؟ تريدين معزى. فقالت الصغرى: ما صنعتما شيئا ولكني أقول:
أهمام بن مرة إنَّ همي ... لفي عردٍ أسد به مبالي
فقال: أخزاكن الله! وزوجهن. والعرد بفتح العين وسكون الراء: الذكر.
ويحكى أيضاً في نحو هذه القصة أنَّ رجلا من العرب كان له ثلاث بنات قد عضلهن ومنعهن الأكفاء. فقالت إحداهن: إن أقام أبونا على هذا الرأي فارقنا وقد ذهب حظ الرجال منا فينبغي لنا أن نعرض له بما في نفوسنا وكان يدخل إلى كل واحدة منهن يوما. فلما دخل على الكبرى تحادثا ساعة. فلما أراد الانصراف أنشدت:
أيزجر لاهينا ويحلى على الصبا ... وما نحن والفتيان إلاّ شقائقُ؟
يؤبن حييَّاتٍ مراراً كثيرةً ... وتنباق أحياناً بهن البوائقُ
فلما سمع الشعر ساءه. ثم دخل على الوسطى فتحادثا. فلما أراد الانصراف أنشدت:
ألا أيها افتيان إنَّ فتاتكم ... دهاها سماع العاشقين فخنت
فدونكم أبغوها فتى غير زملٍ ... وإلاّ صبت تلك الفتاة وجنت!
فلما سمع الشعر ساءه. ثم دخل على الصغرى في يومها. فلما أراد الانصراف أنشدت:
أما كان في ثنتين ما يزع الفتى ... ويعقل هذا الشيخ إن كان يعقلُ
فما هو إلاّ الحل أو طلب الصبا ... ولابد منه فائتمر كيف تفعلُ!
زر غباً، تزدد حباً !
الزيارة معروفه والغب في الماء أن ترد الإبل يوما وتدع يوما. فهي إبل غابة وغواب وغب كل شيء: عاقبته.
وأما في الزيارة فقال الجوهري: قال الحسن: الغب في الزيارة كل أسبوع. يقال: زر غبا تزدد حبا. انتهى. وهذا الكلام قد يروى حديثا مرفوعا وهو أمر بأوسط الأمور وأفضلها في الزيارة المحبة للمحبة ودوام الوصل. ووراء ذلك طرفان كلاهما مذموم:
стр. 795
أحدهما الإكثار من الزيارة والإفراط فيها وهو يوجب السأم والملل والضجر. والثاني الإقلال منها جدا والإفراط في الغيبة والقطيعة. وهو يوجب الوحشة والتقاطع والتباعد. ونظم بعض الشعراء الكلام المذكور فقال:
إذا شئت أن تلقى فزر متتابعاً ... وإن شئت أن تزدد حباً فزر غبا
وقال الثعالبي:
عليك بإقلال الزيارة إنما ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
فإني رأيت القطر يسأم دائماً ... ويطلب بالأيدي إذا هو أمسكا!
وقال أبو العتاهية:
أقلل زيارتك الصديق ولا تطل ... إتيانه فيلح في هجرانه!
إنَّ الصديق يلج في غشيانه ... لصديقه فيمل في غشيانه
حتى تراه بعد طول سروره ... وكأنه متبرم بمكانه
وإذا تولى عن صيانة نفسه ... رجلٌ تنقص واستخف بشانه
وقالوا: قلة الزيارة أمان من الملالة. وقالوا في الطرف الآخر يرك الزيارة سبب القطيعة. وينسب لعلي كرم الله وجهه:
الصبر من كرم الطبيعة ... والمن مفسدة الصنيعة
ترك التعاهد للصديق ... يكون داعية القطيعة
زيادة الأمل تقتضي نقصان العمل .
هذا مثل مصنوع فيما أظن وهو ظاهر المعنى.
زدهم عنزاً
الزيد والزيادة معروف. يقال: زدته الشيء أزيده زيادة وزيدا وأزددت كذا
стр. 796
أزديادا. والعنز بفتح العين وسكون النون الأنثى من المعز ومن الظباء والأوعال. والعنز أيضاً اسم فرس وهي التي في قول الشاعر:
دلفت له بصدر العنز لمّا ... تحامته الفوارس والجالُ
والعنز أيضاً اسم قبيلة من هوازن وهي التي في قول الآخر:
وقاتلت العنز نصف النهار ... ثم تولت مع الصادر
والعنز أيضاً الأكمة السوداء وهي في قول رؤبة: وارم أخرس فوق عنزٍ وأراد بالإرم العلم المبني من حجارة وبكونه أخرس أنه بناء أصم. وقوله: فوق عنز أي أكمة.
وعنز أيضاً امرأة من طسم سبيت فحملوها في هودج وألطفوها بالقول والفعل فقالت: هذا شر يومي! أي: حين صرت أكرم للسباء. وقال الشاعر:
شر يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدجٍ جملا
وسيأتي. والمراد هنا العنز من المعز وقائله هبنقة القيسي الأحمق ذو الوداعات. وكان أخوه اشترى له بقرة بأربع أعنز فركبها وركضها. فلما أعجبه عدوها التفت إلى أخيه فقال: زدهم عنزاً! فصار مثلا يضرب في الإعطاء بعد إمضاء البيع.
ويحكى إنّه سار بها فرأى أرنبا تحت شجرة ففزع منها وركض البقرة وقال:
الله نجاني ونجى البقرة ... من جاحظ العينين تحت الشجرة!
وأخباره في الحمق كثيرة تقدم بعضها في الحاء.
زين في عين واله ولده .
يضرب في عجب الرجل برهطه وعترته ونحو ذلك. وهو في قول الشاعر:
نعمَ ضجيع الفتى إذا برد ... الليل سحيراً قرقف الصرد
زينها الله في الفؤاد كما ... زين في عين والدٍ ولد!
ومثله في أمثلة العامة قولهم:
стр. 797
كل خنفس عند أمه غزالٌ
ومن قمل العرب:
كل فتاةٍ بأبيها معجبةٌ .
وسيأتي.
ولنذكر بعض الشعر في هذا الباب. قال أبن الرومي:
خير ما استعصمت به الكف عضبٌ ... ذكرٌ حده أنبث المهزِّ
ما تأملته بعينيك إلا ... أرعت صفحاته من غير هزِّ
مثله أفزع الشجاع إلى الدرع ... فغالى بها على كل بزِّ
ما يبالي أصممت شفرتاه ... في محزٍّ أم حارتاً عن محزِّ
وقال أبو الطيب يمدح علي بن صالح الروذباري:
ليس كل السراة بالروذ باري ... ولا كل من يطير ببازِ
وقال الآخر:
إذا ما اعتز ذو علم بعلمٍ ... فعلم الفقه أشرف في اعتزاز
فكم طيب يفوح ولا كمسكٍ ... وكم طير يطير ولا كباز
وقال بعض السادة:
رجال الله قد سعدوا وفازو ... ونالوا رحمة المولى وحازوا
رجالٌ طلقوا لادنيا بتاتا ... ولو جاز الرجوع لمّا استجازوا
بدا علم النجاة فميزوه ... يحركهم بدار وانحفازُ
فبعضٌ تشرق الأمطار منه ... وبعضٌ تستنير به النفازُ
تميز كل ذي دنيا بدنيا ... وهم لهم بدينهم امتيازُ
وما عزوا بمخلوق ولكن ... لهم بالخالق الأحد اعتزازُ
أردت لحاقهم فعجزت عنهم ... وحدت عن الإجازة إذ أجازوا
أتطمع في اللحاق ولا نهوضٌ ... وتفرح بالرحيل ولا حفازُ؟
стр. 798
وأنت أخوهم نسباً ولكن ... طرازٌ فوقه ذاك الطرازُ
دع الدنيا فلست لهم بندٍّ ... وهل تخفى الحقيقة والمجازُ؟
وقال الآخر:
لي صديق هو عندي عوزٌ ... من سداد لا سداد من عوز
وجهه يذكرني دار البلا ... كلما أقبل نحوي وغمز
وإذا جالسني جر عني ... عصص الموت بكربٍ وعلز
يصف الود إذا شاهدني ... فإذا غاب وشى بي وهمز
كحمار السوء يبدي مرحاً ... وإذا سيق إلى الحمل غمز
ليتني أعطيت منه بدلاً ... بنصيبي شر أولاد المعز
قد رضينا بيضةً فاسدةً ... عوضاً منه إذا البيع نجز
العوز بفتحتين: الحاجة. تقول: عوز الشيء بالكسر أي لم يوجد. وسداد الشيء: ما يسد به. تقول: هو سداد من عوز ووجدت سدادا من عيش أي ما تسد به الخلة وهو بكسر السين والفتح ضعيف أو لحن. والسداد بالفتح: الصواب. والعلز بفتحتين: القلق والضيق. تقول: علز بالكسر علزا في مرضه.
وقال الآخر:
أرضنا اللت آوت ذوي الفقر والذل ... فاضوا ذوي غنى واعتزاز
قوله: اللت بسكون التاء لغة في التي الموصول.
وقال أبن الرومي:
وحديثهما السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ود المحدث إنما لم توجز
شرك العقول ونزهةٌ ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز
ونحوه في ذكر الحديث قول الآخر:
وحديثها كالقطر يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حياً ... ويقول من فرحٍ هيا ربَّا!
وقول الآخر:
стр. 799
فبتنا على رغم الحسود وبيننا ... حديثٌ كمثل المسك شيبت به الخمرُ
حديثٌ لو أنَّ الميت نودي ببعصه ... لأصبح حياً بعدما ضمه القبرُ
وقول الآخر:
منعمةٌ يحار الطرف فيها ... كأنَّ حديثها سكر الشرابِ
من المتصديات لغير سوءٍ ... تسيل إذا مشت سيل الحبابِ
وقول الآخر:
وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها ... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثةٌ لو تعيدها
وتقدمت قصة هذا الشعر. وقول بشار:
وكأنَّ رفض حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا
وكأنَّ تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا
وتخال ما جمعت عليه ... ثيابها ذهباً وعطرا
وكأنها برد الشراب ... صفا ووافق منك فطرا
وفي استكراه الحديث قول أبي علي البصير:
غنائك عندي يميت الطرب ... وضربك بالعود يحيي الكرب
ولم أر قبلك من قينةٍ ... تغني فأحسبها تنتحب
ولا شاهد الناس أنسية ... سواك لها بدن من خشب
ووجهٌ رقيبٌ على نفسه ... ينفر عنه عيون الريب
ولو مازج النار في حرها ... حديثك أخمد منه اللهب
فكيف تصدين عن عاشقٍ ... يودك لو كان كلباً كلب
وقال الآخر:
أويت في الدهليز مذ أربعٍ ... ولم أكن آوي الدهاليزا
خبزي من السوق وشعري لكم ... تلك لعمري قسمةٌ ضيزا
وقالت أنا:
إذا كنت مرتاداً أخاً ذا صداقةٍ ... فلا تصحبن إلا البقال أنت رائزُ
стр. 800
فعيب الفتى غيبٌ إذا تركته ... وعند احتكاك الجدل تبدو الغرائزُ
وإنَّ إخلاء الرفاهة جمةٌ ... ولكن إخوان الكروب معاوزُ
وقلت على وجه التلميح والمطايبة لبعضهم:
أتهمز يا أبن الأسود اسمي آفكاً ... فهل حسن لولا الضلالةُ يهمزُ؟
نعم تهمز الأنذال مثلك كلما ... تعاورها نظم القريض وتلمزُ
فهل أنت عن تلك السفاهة مقصرٌ ... فتنجو من سيل له أنت مركزُ؟
وإلا فبحري لا تدركه الدلا ... ومتن قناتي لا يرى فيه مغمزُ
توافيك مني بكرة وعشية ... قوافي بها طمر الهجاء يطرزُ
على أنَّ هجو النذل مثلك شائنٌ ... وما الهجو إلاّ الهجو للكفء يبرزُ
وإذ لست بالكفء الكريم فلا يكن ... بقلبك مني أو لحائي معلزُ
ولعل هذا القدر يكفينا من هذا الباب. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
стр. 801
باب السين المهملة
المسألة أخر كسب المرء .
السؤال: الطلب والسؤل بالضم مهموزا ومخففا: ما تسأله؛ وسألته الشيء وعنه وبه سؤالا ومسأله وتسآلا. وقد يقال سال مخفف الهمز قال الشاعر:
ومرهقٍ سال إمتناعاً بأصدته ... لم يستعن وحوامي الموت تغشاه
الأصدة: قميص صغير يلبس تحت الثوب والكسب معروف.
وهذا من أمثال أكثم بن صيفي في استقباح مسألة الناس. قاله أبو عبيد القاسم بن سلام. وقال البكري: بل هو من كلام قيس بن عاصم قال لبنيه: إياكم ومسألة الناس فإنها أخر كسب الرجل! قال: وأخر على وزن فعل ومعناه أبعد من الخير وأرذله.
ومن حديث الزهري عن أبي سلمة وسعيد أنَّ رجلا من أسلم أتى النبي ﷺ فقال: إن الأخر زنى أي الأبعد. قال: ولا يحسن أن يقال هنا آخر بالمد الذي هو نقيض أول لأنَّ ذلك إباحة للمسألة وإن يكون من آخر ما يكسب به المرء والمسألة مكروهة منهي عنها في الجاهلية والإسلام وقد أمر النبي ﷺ بأن يحتطب المرء على ظهره ولا يسأل الناس. انتهى.
والذي في الصحاح: يقال في الشتم أبعد الله الأخر بقصر الهمزة وكسر الخاء وهو قريب مما مر ودليل على صحته.
أسائر اليوم وقد زال الظهر ؟
السائر: الباقي وقد يستعمل بمعنى الجميع وتقدم ما فيه. والظهر معروف والهمزة للاستفهام الإنكاري.
стр. 802
وسبب هذا قوما أغير عليهم فاستصرخوا ببني عمهم فأبطؤوا عنهم حتى أسروا وذهب بهم. فجاؤوا يسألون عنهم فقال لهم المسؤول: أسائر القوم وقد زال الظهر؟ أي كيف تطمعون فيما بعد وقد تبين لكم اليأس والفوات؟ وذلك أنَّ من كانت حاجته اليوم جميعه ثم زال الظهر وجب أن ييأس من الحاجة كما ييأس منها بغروب الشمس.
تسألني برامتين سلجماً
السؤال تقدم ورامة اسم موضع. قال زهير:
لمن طلل برامتة لا يريم؟ ... عفا وخلا له حقبٌ قديمُ!
وثنوه في هذا المثل اتساعاً.
ومثله قول الآخر:
لمن الديار برامتين فعاقل؟ ... دست وغير أيّها القطرُ!
وهذه الثنية هكذا شائعة في أسماء المواضع عند العرب.
ومثله قول ورقة:
ببطن المكتين على رجائي ... حديثك أن أرى منه خروجا
وإنّما يريد مكة.
وقول الفرزدق: عشية سال المربدان كلاهما وإنّما يريد مربد البصرة.
وجعل السهيل من هذا قول زهير:
ودارٌ لها بالرقمتين كأنها ... مراجع وشم في نواشر معصم
وقول عنترة:
شربت بماء الدحر ضين فأصبحت ... زوراء تنقر عن حياض اليلمِ
في اصح القولين.
стр. 803
وقال أيضاً:
كيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغليم؟
وقولهم: صدنا بقنوين. ويقال: عنيزة اسم موضع وقنا اسم جبل وقال غيره: عنيزتان اسم موضع وأما الدحرضان فهو على التغليب لمائين: أحدهما يقال له دحرض والآخر: وسيع فثناهما الشاعر وغلب لفظ أحدهما على الآخر كالقمرين.
وحكى الجوهري أول كلامه أنَّ الدحرض اسم موضع وهو يوافق ما قال السهلي وأما الرقمان في قول زهير ففي شرح ديوان الشعراء هما موضعان: أحدهما قرب المدينة والآخر قرب البصرة. فأراد أنَّ الدارين بين الرقمتين كما تقول: فلان بمكة أي بين بيوت مكة.
وفي القاموس: الرقمتان روضتان بناحية الصمان. والرقمة أيضاً الوادي والروضة ومنه قول زهير عند الجوهري. ويحتمل أن يوافق ما قال السهلي أو يخالفه إذ لا مانع من أن يريد روضتين. فتجيء التثنية على بابها. ووجه تثنية الموضع الواحد في كل ما مر الإشارة إلى جانبيه.
قال السهلي وأحسن ما تكون هذه التثنية إذا كانت في ذكر جنة أو بستان فتسميتها جنتين في فصيح الكلام إشعاراً بأن لها وجهين وأنك كلما دخلتها ونظرت يمينا وشمالا رأيت من كلا الطرفين ما يملأ العين قرة والصدر مسرة.
وفي التنزيل: جنتان عن يمينٍ وشمالٍ إلى قوله: وبدلناهم بجنتهم جنتين. وفيه: جعلنا لأحدهما جنتينِ من أعناب وفي آخرها: ودخل جنته فأفر بعد ما ثنى وهي هي. قال: وقد حمل بعض الفقهاء على قوله سبحانه: ولمن خاف مقام ربه جنتان. انتهى.
ومن هذا والله أعلم أيضاً عمايتان في قول الآخر:
لو أنَّ عصم عمايتين ويذبلٍ ... سمعا حديثك أنزلا الأوعالا!
وإن وقع في كلام أبن مالك في شرح " التسهيل " وأتباعه أنهما جبلان فإنَّ الذي في متون اللغة المتداولة أنَّ عماية جبل من جبال هذيل وليس فيهما ذكر الجبلين. وكما
стр. 804
ثنت العرب البقاع للمعنى السابق كذلك جمعتهما أيضاً إشارة إلى جواب الذي إلا أنَّ الجمع أقل.
ومنه قول مطرود بن كعب الخزاعي:
وهاشمٍ في ضريح عند بلقعةٍ ... تسفي الرياح عليه وسط غزاتِ
يعني غزة وهو بلد بفلسطين مات به هاشم بن عبد الله مناف.
ومثله: بغاذين من بغذان كما وقع في شعر بعض المولدين. ولأبي الطيب معه قصة ذكرها صاحب العمدة. ويرد هنا سؤال هو أنَّ العلم إذا ثني سلب التعيين فجازت تحليته بال. وهذه التثنيات المذكورات في أعلام البقاع ليست على وجهها: فإنها في اللفظ تثنية وفي المعنى إفراد إلا على حال واعتبار. والظاهر أنَّ الوجه الذي به تسوغ التثنية وقد مر شرحه يسوغ به إدخال الألف واللام وبذلك الوجه كان اللفظ مثنى لفظا ومعنى. ويدل لهذا قول السابق المكتين. على أنا لو سلمنا أنه تثنية في اللفظ خاصة دون المعنى منعنا دخول الألف واللام إذ التثنية الملزومة كما تزاد في المفرد العلم نحو:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً ... شديداً بأعباء الخلافة كاهله
والسلجم نبت بوزن جعفر. والسلجم أيضاً: الطويل من الخيل أو الرجال.
والسلجم أيضاً: البئر العادية الكثيرة الماء.
وهذا المثل لم اقف له بعد على تفسير وكأنه شطر رجز. والظاهر أنَّ المراد بالسلجم فيه النبت أو البئر وإنّه استباقاً لسؤال ذلك وطلبه في هذا المكان الذي هو رامة لعدمه فيه. فيكون على معنى المثل الآتي: تسألني أبا الوليد جملا يمشي رويدا ويكون أولا في طلب ما لا يكون. ومثله قول العامة:
في دار البقر تصيب التبن .
стр. 805
أسأل من قرثع .
السؤال تقدم؛ وقرثع بثاء مثلثة على مثل جعفر رجل من تغلب ثم من أوس كان من أشد الناس سؤالا فضرب به المثل.
سبني واصدق .
السب: الشتم. والسب أيضاً: الطعن في السبة أي الاست. قال:
وما كان ذنب بني مالكٍ ... بأن سب منهم غلامٌ فسبَّ
أي شتم فعقر. وتساب الرجلان: تشاتما أو تقاطعا. والسبة بالضم: العار ومن يسبه الناس كثيرا؛ والسببة كهمزة من يسبهم؛ والسب بالكسر الكثرة وسبك من يسابك. قال حسان:
لا تسبنني فلست بسبي ... أنَّ سبي من الرجال الكريم
والصدق ضد الكذب. والمعنى أنك إذا ساببتني وجانبت الكذب فلا أبالي.
سبَّ من سبكَ يا هبَّارُ !
يتمثل به كثيرا وهو من كلام النبي ﷺ وكان هبار بن الأسود تبع زينب بنت رسول الله ﷺ حين خرجت من مكة مهاجرة فروعها وأسقطت ذا بطنها في قصة مشهورة في السير. ثم أسلم وصحب النبي ﷺ فكان المسلمون يسبونه بما فعل حتى شكا إلى النبي ﷺ فقال له: سبَّ من سبك يا هبار! فكف الناس عن سبه بعد.
سبق السيف العذل !
السبق معروف والسيف كذلك والعذل بالذال المعجمة: الملامة؛ والعذل بالتحريك الاسم منه. وهذا المثل يضرب في الأمر يفوت ولا يطمع في تداركه وتلافيه.
стр. 806
وأصله أنَّ الحارث بن ظالم ضرب رجلا بسيفه فقتله فأخبر بعذره فقال: سبق السيف العذل! وقيل إنَّ أصله إنَّ سعداً وسعيداً، أبني ضبة بن أد خرجا في طلب لهما، فرجع سعد وفقد سعيد. وكان ضبة إذا رأى شخصا مقبلا قال: أسعد أم سعيد؟ ثم إنّه في بعض مسائره أتى مكانا ومعه الحارث بن كعب في شهر الحرام، فقال: قتلت هنا فتى صفته كيت وكيت، وأخذت منه هذا السيف. فتناوله ضبة فعرفه فقال: إنَّ الحديث ذو شجون، ثم ضربه فقتله، فعذل فقال: سبق السيف العذل! وقال جرير:
يكلفني رد الغراب بعد ما ... سبقن كسبق السيف ما قال عاذله
وذكر البكري أبو عبيد إنَّ أوّل من قال: سبق السبق العذل، خريم بن نوفل الهمداني، وذلك أنَّ النعمان بن ثواب العبدي كان له بنون: سعد وسعيد وساعدة. فأما سعد فكان رجلا شجاعا بطلا؛ وأما سعيد فكان جوادا سمحا ذا إخوان وصنائع؛ وأما ساعدة فكان صاحب شراب وندمان. وكان أبوهم النعمان ذا شرف. وكان يوصيهم ويحملهم على أدبه. فقال لسعد، وكان صاحب حرب: إنَّ الصارم ينبو، والجواد يكبو، والأثر يعفو، والحليم يهفو. فإذا شهدت حربا فرأيت نارها تستعر، وبحرها يزخر، وبطلها يخط، وضعيفها يبصر فإياك أنَّ تكون صدي رماحها ونطيح نطاحها! وأعلم عند ذلك انهم ينصرون! ثم قال لسعيد، وكان جواداً: يا بني إنّه يبخل الجواد، ويصلد الزناد، ويحمد الثماد، وتحمل البلاد. فلا تدع إنَّ تجرب إخوانك وتبلوا أخدانك! ثم قال لساعدة: يا بني، إنَّ كثرة الشراب يفسد القلب ويقل الكسب، ويحدث اللغب. فأنظر نديمك واحم حريمك، وأعن غريمك. واعلم أن الظمأ القامح، خير من الري الفاضح. وعليك بالقصد، فإنَّ فيه بلاغا!
ثم إنَّ النعمان توفي، فقال سعيد: آخذن بأدب أبي ولابلون أوثق أخوتي في نفسي! وعمد إلى كبش فذبحه، ثم أضجعه في قبته وغشاه ثوبا. ثم دعا رجلا كان
стр. 807
أوثق إخوانه في نفسه فقال: يا أبا فلان، إنّما أخوك من صديقك بعهده أحاطك برفده، وأقام معك بجهده، وسواك بولده. قال: صدقت! قال: فأني قتلت فلانا فما عندك؟ قال: فالسوأة السوأى وقعت فيها وانغمست. قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد أنَّ تعينني عليه حتى أغيبه. قال: لست لك في ذلك بصاحب! فتركه وانطلق. ثم دعا سعيد رجلا آخر من إخوانه يقال له خريم بن نوفل فقال: يا خريم، ما عندك؟ قال: ما يسرك. قال: فإني قتلت قلانا. قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد أنَّ تعينني حتى أغيبه. قال: لهان ما فزعت فيه إلى أخيك! ثم قال، وعبد لسعيد معهما: هل أطلع على هذا عبدك هذا؟ فقال: لا. فأهوى خريم بالسيف إلى العبد فقتله وقال: ليس عبد بأخ لك! ففزع لذلك سعيد وقال: ما صنعت إنما أردت تجربتك. فقال خريم: سبق السيف العذل! انتهى.
وقال الطغرائي:
إنَّ كان ينجع شيء في ثباتهم ... على العهود فسبق السيف للعذل
سبقك بها عكاشة .
يتمثل بها كثيرا، وهو من كلام النبي ﷺ . لمّا ذكر الدين يدخلون الجنة بغير حساب، قام إليه عكاشة بن محصن، ﵁، فقال: أمنهم أنا، يا رسول الله، أو أدع الله أنَّ يجعلني منهم؟ فقال: نعم! فقام رجل آخر فقال مثل ذلك، فقال ﷺ : سبقك عكاشة. والحديث مشهور معروف ما فيه من المعنى.
سحابة صيفٍ عن قليلٍ تقشع .
سد أبن بيضٍ الطريق .
السد ضد الفتح معروف، وإنَّ أبن بيض بكسر الباء، وقيل بالفتح رجل من عاد تاجر
стр. 808
عقر ناقته على ثنية فسد بها الطريق ومنع الناس من سلوكها. ويقال إنَّ أبن بيض لمّا حضرته الوفاة قال لابنه: لا تقارب لقمان في أرضه! فإذا مت فسر بأهلك ومالك حتى إذا كنت في ثنية كذا فاقطعها بأهلك واترك فيها للقمان حقه، فإنَّ له عندنا في كل عام حلة وجارية وراحلة. فإنَّ هو قبلة فهو حقه عرفناه له لا جارته وخفارته؛ وإنَّ هو لم يقبل وبغى، أخذه الله تعالى ببغيه. فلما مات، فعل الفتى ما أمره به. فأتى لقمان الثنية وأخذ ذلك وقال: سد أبن بيض الطريق! وقال عمر بن الابرد في ذلك:
سددنا كما سد أبن بيض سبيلها ... فلم يجدوا عند الثنية مطلعا
سداد في كفافٍ، أفضل من غنى مع إسرافٍ .
هذا مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى. وتقدم ضبط السداد.
يسدي ويلحم .
السداد من الثوب معروف. واسديت الثوب وسديته. واللحمة بضم اللام من الثوب: ما سوى السدا. وألحمت الثوب: نسجته. ثم جعل مثلا في الاشتغال بالشيء وإتمامه، كما قالوا في المثل الآخر: ألحم ما أسديت! أي تمم ما ابتدأت وقال أبو تمام في الأول: وقلت أنا من قصيدة تقدم إنشادها:
يسدي ويلحم في مزاولهٍ ... ما ليس يدركه مدى العمر
السراح، من النجاح .
السراح بالفتح اسم من التسريح وهو التطليق سرحت المرأة تسريحا والنجاح معروف. والمعنى انك إذا لم تقدر على قضاء حاجة إنسان فأيسته بمرة، كان ذلك بمنزلة ما لو قضيت مطلوبه.
стр. 809
سرك أسيرك، فإنَّ نطقت به كنت أسيره ،
هذا من الأمثال الحكيمة في حفظ السر.
ومثله ما روي أنَّ معاوية ﵁ أسر إلى الوليد بن عقبة حديثا فقال الوليد لأبيه: يا أبت إنَّ أمير المؤمنين أسر إلى حديثا وما أراه يطوي عنك ما بسط إلى غيرك. قال: فلا تحدثني به فإنَّ من كتم سره كان الخيار له ومن أفشاه كان الخيار عليه! قال: قلت: يا أبت وإن هذا لديك بين الجل وبين أبيه؟ قال: لا والله يا بني! ولكن أحب أن لا تلل لسانك بأحاديث. قال: فأتيت معاوية فحدثته فقال: يا وليد أعتقك أخي من رق الخطأ!.
وحكى الإمام الغزالي رحمه الله تعالى قال: اجتمع أربعة ملوك: ملك الهند والصين وكسرى وقيصر فقال أحدهم: أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل. وقال الآخر: إني إذا تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها وإذا لم أتكلم ملكتها ولم تملكني. وقال الثالث: عجبت للمتكلم إن رجعت عليه كلمته ضرته وإن لم ترجع لم تنفعه. وقال الرابع: أنا على رد ما لم أقل أقدر على رد ما قلت.
وسيأتي إتمام هذا المعنى في الحكم بأشبع من هذا إن شاء الله تعالى.
أسرع من نكاح أم خارجة .
السرعة بالضم والسرع بفتحتين والسرع بوزن عنب ضد البطء. سرع الرجل بالضم فهو سريع؛ وأسرع أيضاً فهو مسرع. قيل: وأصل الرباعي التعدي بنفسه أي أسرع نفسه أو مشيه كما في الحديث: فليسرع المشي! لكنه يحذف لظهوره.
والنكاح بالكسر: الوطء والعقد أيضاً. يقال: نكحها ينكح بالفتح والكسر؛ ونكحت هي أيضاً فهي ناكح أي ذات زوج قال تعالى: حتى تنكح زوجا غيره. وقال الشاعر:
لصلصلة اللجام برأس طرفٍ ... أحب إلي من أن تنكحيني
стр. 810
واستنكحها بمعنى نكحها؛ وأنكحها: زوجها والاسم منه النكح بالكسر والضم وهي كلمة كانت العرب تتزوج بها. يقول الخاطب: خطبٌ بكسر الخاء وضمها ويقول المخطوب: نكح بكسر النون أيضاً وضمها؛ وأم خارجة امرأة من بجيلة ولدت قبائل كثيرة من العرب واسمها عمرة بنت سعد وخارجة ابنها.
قال في الصحاح: ولا يعلم ممن هو ويقال هو خارجو بن بكر بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان. وكانت أم خارجة من الشهوة والشبق إلى الرجال في غاية. فكان يقال لها: خطبٌ فتقول: نكحٌ فقالوا: أسرع من نكاح إم خارجة.
ويحكى أنَّ السيد الحميري خرج يوما سكران، فلقي بنت فجاءة بن عمرو بن قطري الخارجية، وكانت حسناء. فأوقفها وانشد من شعره، فأعجب كل واحد منهما صاحبه ثم خطبها، فقالت: كيف يكون هذا ونحن على ظهر الطريق؟ قال: يكون كنكاح أم خارجة، قيل لها: خطب، قالت: نكح. فاستضحكت وقالت: ننظر في هذا، وعلى ذلك فمن أنت؟ فقال:
إنَّ تسأليني بقومي تسألي رجلاً ... في ذروة العز من أجواد ذي يمن
ثم الولاء الذي أرجو النجاة به ... من كبة النار للهادي أبي حسن
فقالت: لا شيء أعجب من هذا: يماني وتميمية، ورافضي وإباضية، فكيف يجتمعان؟ فقال: بحسن رأيك في تسخو نفسك، ولا يذكر أحدنا سلفا ولا مذهبا. قالت: أفليس التزويج إذا علم انكشف معه المستور؟ قال: إنّما أعرض عليك. قالت وما هي؟ قال: المتعة التي لا يعلم بها أحد. قالت: تلك أخت الزنى. قال: تلك أخت الزنى. قال: أعيذك بالله إنَّ تكفري بعد الإيمان! قالت: وكيف؟ قال لها:) فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة (. فقالت: استخير الله وأقلدك إذ كنت صاحب قياس وتفتيش. فانصرفت معه وبات معرسا بها. وبلغ أهلها من الخوارج أمرها، فتوعدوها بالقتل وقالوا: تزوجت بكافر. فجحدت وكانت تخلف إليه مرة وتواصله.
قلت: وأين هاتان المرأتان من أم حكيم الخارجية؟ وكانت اجمل نساء زمانها ومن أشجع الناس وأحسنهم بديهة. خطبها جماعة من أشراف الخوارج، فردتهم. وهي القائلة
ألا إنَّ وجها حسن الله خلقه ... لأجدر أنَّ تلقى به الحسن جامعا
следующие страницы →