Полный текст (902 стр.). Показаны 876–902 · переход к 881.
стр. 876
وقوله: الشرط أملك منك؟ أي ملكه وتصرفه أقوى من تصرفك، فلا ينبغي أنَّ يخالف. وقوله: على أبن أمك، أي عليك. وإنّما عدل عن التصريح إلى ما ذكر، كراهية موجهته بالحكم عليه، لمّا جلبت عليه النفوس من كراهية ذلك. ومثل هذا ما يحكى عن شريح أيضاً من إنَّ رجلا أقر عنده بشيء ثم أنكر، فلما قال له: أعط الحق! قال: من يشهد علي؟ قال: شهد عليك أبن أختك خالتك. فعدل عن التصريح ستر عليه وكراهية أنَّ ينسبه إلى الحمق بالإنكار بعد الإقرار.
شرعك ما بلغك المحل .
يقال: هذا الشيء شرعك، أي حسبك، ومررت برجل شرعك من رجلٍ! أي حسبك. ومعنى إنّه من النحو الذي يشرع فيه؛ والتبليغ معروف؛ والمحل: الموضع الذي تريده.
والمعنى أنَّ ما بلغك المحل المراد فهو حسبك. فيضرب في التبليغ باليسير.
وقال أبو عبيد: من أمثالهم في جود الرجل بما فضل عن حاجته بماله قولهم:
يكفيك ما بلغك المحل .
قال البكري: المشهور في هذا: شرعك ما بلغك المحل، أي حسبك. وقال: آخر في هذا المعنى:
حسب الفتى من دهره ... زاد يبلغه المحلا
خبر وماء بارد ... والظل حين يريد ظلا
قال: والمحل هو الدار الباقية.
شرق ما بين القوم بشر .
يقال: شرق بالماء بالكسر إذا غص به. قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
стр. 877
ويقال في هذا المثل إذا نشب الشر بين الناس.
والمعنى إنّه امتلأ ما بينهم بالشر، فكأنه غص. وهكذا كما تقول: غص المجلس بأهله، أي امتلأ، على طريق التمثيل.
اشتر لنفسك وللسوق !
هذا مثل يضرب في الاحتياط. ومثله قولهم: إذا اشتريت فأذكر السوق! وقد تقدم في الباب الأول. ومثله ما حكى البكري أنَّ عمر بن الخطاب ﵁، كان يقول: إذا اشتريت بعيرا فاجعله ضخما، فإنَّ أخطئك خيراً لم يخطئك سوقا.
شغلت شعابي جدواي .
الشغل بالضم وبضمتين، وبالفتح وبفتحتين ضد الفراغ شغله شغلا بالفتح، وأشغله أيضا؛ والشعاب جمع شعب بالكسر من الأرض؛ والجدوى: المطر العام والعطية أيضاً.
ويضرب هذا المثل فيما إذا لم يكن لمالك أو عطائك أو علمك أو نحو ذلك فضل عن نفسك أو عن من يتعلق بك، كالمطر تشغله شعابك، فلا يصل إلى موضع آخر.
ومعنى ذلك إنّه إذا قل المطر الواقع في الشعاب أو النازل إليها من التلاع، شربته وشغلته بذلك عن إنَّ يخلص إلى ما بعدها من الأودية والبقاع.
أشغل من ذات النحيين .
الشغل مر؛ والنحي بكسر النون وسكون الحاء المهملة: الزل. وقيل مخصوص بما كان للسمن؛ وذات النحيين امرأة من تيم الله بن ثعلبة، كانت خرجت في الجاهلية تبيع السمن فأتاها خوات بن جبير الأنصاري ﵁ فسألوها فحلت نحيا مملوءاً فنظر إليه ثم قال: امسكيه حتى أنظر إلى الآخر! ثم حل نحيا آخر فقال: امسكيه حتى انظر إلى خيره! فلما شغل يدها معا وقع عليها حتى قضى
стр. 878
أربه منها فهرب. فضربت العرب بشغلها المثل وقالوا: اشغل من ذات النحيين، وبنو أشغل من شغل بالبناء لمّا لم يسم فاعله، على وجه الشذوذ. وتقدم نظيره وتوجيهه.
وقال خوات في ذلك
وذات عيال واثقين بعقلها ... خلجت لها جار أستها خلجات
وشدت يداها إذ أردت خلاطها ... بنحيين من سمن ذوي عرجات
فكان لها الويلات من ترك سمنها ... ورجعت صفراً بغير بتات
فشدت على النحيين كفا شحيحة ... على سمنها والفتك من فعلاتي
قال في الصحاح: ثم اسلم خوات وشهد بدرا، فقال له الرسول ﷺ : يا خوات، كيف شراؤك؟ وتبسم ﷺ . فقال: يا رسول الله، قد رزق الله خيراً، واعوذ بالله من الحور وهجا رجل تيم الله فقال:
أناس ربه النحيين منهم ... فعدوها إذا عد الصميم
شغلهم الصفق بالأسواق .
يتمثل له وهو كلام عمرو بن أبي هريرة ﵄ لمّا ذكر لعمر حديث عن النبي ﷺ لم يروه. قال: اخفي علي هذا من أمر رسول الله ﷺ شغلني الصفق بالأسواق، أي بالبيع والشراء، لأن المشتري والبائع يضرب أحدهما بيده على يد صاحبه وهو الصفق.
وقال أبو هريرة: إنَّ إخواني من المهاجرين والأنصار شغلهم الصفق بالأسواق، وكانت ألزم رسول الله ﷺ على شبع بطني، كما في الصحيح.
شق العصا .
الشق: الصدع والعصا بالقصر العود يضرب به. والعصا أيضاً: اللسان وعظم الساق وجماعة الإسلام. وقولهم: شق فلان العصا أي فارق الجماعة ويقال
стр. 879
في الخوارج: شقوا عصا المسلمين، أي فارقوا جماعتهم.
وقال الشاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحبسك والضحاك سيف المهند!
أشكر من بروقةٍ .
الشكر بالضم أنَّ تعرف الإحسان وتشكره: والشكر من الله تعالى: المجازاة والثناء الجميل؛ والبروقة بكون الراء واحدة البروق، وهو شجر ضعيف، إذا غامت السماء أخضر، فوصف لذلك الشكر.
أشكر من كلبٍ .
الشكر مر، والكلب معروف، وشكره رضاه بالموجود وحياطته لصاحبه وقيامة عليه واتباعه له مع ذلك. ومما يحكى في هذا عن بعضهم قال: دخلت على العتابي، فوجدته جالسا على حصير وبين يديه شراب في إناء، وكلب رابض حوله يشرب كأسا ويولغه أخرى. فقلت له: ما أردت بهذا؟ قال: إنّه يكف عني أذاه ويكفيني أذى من سواه، ويشكر قليلي، ويحفظ مبيني ومقيلي، فهو من الحيوان خليلي.
قال الراوي: فتمنين والله أنَّ أكون كلابا لأحوز هذا النعت منه! ويقال إنَّ الحارث بن صعصعة كان له ندماء لا يفارقهم، وكان شديد المحبة لهم فخرج في بعض متنزهاته ومعه ندماؤه. فتخلف منهم واحد، فدخل على زوجته فأكلا وشربا ثم اضطجعا. فوثب الكلب عليهما فقتلهما. فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما ميتين وعرف الأمر. فأنشأ يقول:
فيا عجبا للخل يهتك حرمتي ... ويا عجبا للكلب كيف يصون
стр. 880
ما زال يرعى ذمتي ويحوطني ... ويحفظ عرسي والخليل يخون!
ويوثر في الحديث إنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلا مقتولا فقال: ما شأنه؟ قالوا: إنّه وثب على غنم بني زهرة فأخذ منها شاة، فوثب عليه كلب الماشية فقتله. فقال ﷺ ؛ قتل نفسه وأضاع دينه وعصى ربه وخان أخاه وكان الكلب خير منه.
ويحكى عن أبن عباس ﵁: كلب أمين خير من صاحب خؤونٍ وقد ألف بعض العلماء تأليفا في فضل الكلاب على كثير من لبس الثياب.
شاكه أبا فلانٍ .
المشاكهة: المشابهة.
وأصله أنَّ رجلا عرض فرسا له في السوق، فقال له رجل: أهذه فرسك التي كنت تصيد عليها الوحش؟ فقال: رُبَّ الفرس: شاكه، أي قارب في المدح ولا تفرط. فيضرب في الأمر بالقصد في المدح.
ويحكى أيضاً في هذا القصة إنَّ الأعرابي أقام فرسه للبيع فقال صاحبه: إنّها لتصاد عليها الوحش وهي رابضة. فقال له: رُبَّ الفرس، لا أبالك، كذب كذبا مؤاما به الدهر! أي موفقا به الدهر في تقلباته وأحواله الجائزة الوقوع.
وقيل إنَّ رجلا أدخل حمارا له في السوق، فجعل يقال له أبو اليسار يمدحه ويقول: إنَّ حافره جلمود، وإنَّ ظهره حديد. فقال صاحب الحمار: شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار! وتقدم هذا في الدال.
شكا إلى غير مصمتٍ .
الشكوى أنَّ تذكر الغير بسوء فعله بك، تقول: شكوت فلانا أشكوه شكوى وشاكية وشكية، فهو مشكو ومشكي؛ واشتكيه: فعلت به ما يشكوه، أو أعتبته وأزلت شكواه. فهو من الأضداد. قال الراجز:
стр. 881
تمد بالأعناق أو تلويها ... وتشتكي لو أننا نشكيها
وصمت يصمت صموتا وصمتا، وأصمت إصماتا وصمت تصميتا: سكت؛ وأصمته أنا وصمته تصميتا: أسكته، لا زمان متعديان. فيقال: شكا فلان إلى غير مصمت، أي إلى من لا يبالي به، فلا يصمته لأن من شكا إلى من يعنى بحاجته ويهتبل بأمره ويقوم بحقه ويقضي أربه ويزيل شكواه ويشفي ما في صدره فيصمت عن الشكوى حينئذ.
قال الراجز:
انك لا تشكوا إلى مصمت ... فاصبر على الحمل الثقيل أو مت!
ونحوه المثل الآتي: هان على الأملس ما لقي الدبر.
الشماتة لؤم .
الشماتة: الفرح بمصيبة العدو، ويقال: شمت به بالكسر يشمت شماتا وشماتة، فهو شامت. قال أبو صخر الهذلي:
وتجلدي للشامتين أريهم ... إني لريب الدهر لا أتضعضع
واللؤم بضم اللام وسكون الهمزة ضد الكرم، ولؤم بالضم لؤما فهو لئيم وهو لؤماء. وهذا الكلام يعزي لأكثم بن صيفي، حكيم العرب.
والمعنى إنّه لا يتشمت بالغير ولا يفرح ببليته إلاّ من لوم أصله. وقال أبن أبي عيينة
كل المصائب قد تمر على الفتى ... تهون غير شماتة الحساد
وقال الآخر:
إذا ما الدهر جر على أناسٍ ... كلاكله أنام بآخرينا
فقل للشامتين بنا: أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا!
أشم من نعامةٍ .
الشم حاسة الأنف، تقول: شممت بالكسر والفتح، أشم مفتوحا ومضموما
стр. 882
شما وشميما وشميمي؛ وتشممته؛ والنعام تقدم. يقال إنّه لا سمع له، ومن ثم يقال إنّه أصم. فأعطي قوة الشم بأنفه ما ينوب عن السماع، حتى إنّه يشم رائحة القناص عن بعيد.
شنشنه أعرفها من أخزم
الشنشنة بالكسر: الطبيعة والخلق: وأخزم بالزاي رجل من طيء، وهو أبن أبي أخزم جد حاتم، أو جد جده. مات أخزم هذا وترك بنين، فوثبوا يوما على جدهم فأدموه فقال:
إنَّ نبي زملوني بالدم ... من يلق أساد الرجال يكلم
ومن يكن ذا أود يقوم ... شنشنة أعرفها من أخزم
لأنه كان عاقا كذلك.
ويحكى إنَّ عقيل بن علفة بضم العين المهملة وفتح اللام المشددة بعدها فاء على وزن قبرة بن الحارث المري، خرج هو وأبناه، جثامة وعملس، وأختهما الحوراء حتى أتوه ابنة أخ ناكحا في بني مروان بالشام. ثم قفلوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال عقيل:
قضت وطرا من دير سعد وكالما ... على عرض نطحنه بالجماجم
ثم قال: أجز، يا جثامة! فقال:
وأصبحن بالهومات يحملن فتية ... نشاوي من الإدلاج هيل العمائم
ثم قال: أجز يا علمس! فقال:
стр. 883
إذا علم غادرنه بنتوفة ... تذارعن بالأيدي لآخر طاسم
ثم قال: يا حوراء، أجيزي! فقالت:
كأنَّ الكرى ساقهم صرخ يده ... تدب دبيبا في المطا والقوائم
فقال عقيل: شربتها، وربَّ الكعبة! ثم شد عليها بالسيف، فقال أخوها: ما ذنبنا؟ إنّما اجازت شعرا! فشد عليه أحدهم فخدشه بسهم يتمعك في دمه ويقول:
إنَّ بني ضرجوني بالدم ... من يلق أبطال الرجال يكلم
شنشنة أعرفها من أخزم
ثم توجه ولده للطريق. فلما مروا ببني القين قالوا لهم: هل لكم في الجزور انكسرت! قالوا: نعم! قالوا: الزموا هذه ارواحل! فذهب القوم حتى انتهوا إلى عقيل، فحملوه وعالجوه حتى برئ ولحق بهم. فقال أبو عبيد القاسم بن سلام: من أمثالهم في التشبيه الرجل بأبيه: شنشنة اعرفها من أخزم. قال: وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب ﵁. قاله في أبن عباس، ﵄، شبهه في رأيه بابيه. قال البكري: أخزم هذا هو جد حاتم بن عبد الله الطائي، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن أبي أخزم بن أبي أخزم. وقيل هو جد عقيل بن علفة. الشنشنة: النطفة، من شنشنت إذا أرقت. ويراد ما أراق من النطفة في الرحم.
قال أبو بكر: وقال قوم: شنشنة: الغريزة والطبيعة. فمن جعل أصل المثل لأخزم الطائي قال: كان أخزم جوادا. فلما نشأ حاتم وعرف جوده قال: الناس: شنشنة من أخزم، أي قطرة من نطفة أخزم. قال: وذكر علي بن الحسن إنَّ عقيل بن علفة أبن الحارث المري أتى منزله فإذا بنوه مع بناته وأزواجه مجتمعون. فشد على عملس منهم، فحاد عنه وتغنى ابنه علفة:
قفي يا ابنه المري أسألك ما الذي ... تريدين فيما كنت منيتا قبل
فإنَّ شئت كان الصرم ما هبت الصبا ... وإنَّ شئت لا يفنى التكارم والبذل!
فقال عقيل: يا أبن اللخناء متى منتك نفسك هذا؟ وشد عليه بالسيف. فحال
стр. 884
علمس بينه وبينه، وكان أخاه لأمه وأبيه. فشد على علمس بالسيف وترك علفة ولم يلتفت إليه فرماه علمس بسهم وأصاب ركبته. فسقط عقيل يتمكع بالدم وهو يقول:
إنَّ بني سربلوني بالدم ... من يلق أبطال الرجال يكلم
ومن يكن ذا أود يقوم ... شنشنة أعرفها من أخزم
قال المدائني: شنشنة أعفها من أخزم مثل ضربه، وأخزم فحل كان لرجل من العرب وكان منجبا، فضرب في ابل رجل آخر ولم يعلم صاحبه فرأى بعد ذلك من نسله جملا فقال شنشنة أعرفها من أخزم. انتهى كلام البكري.
وقال أبن ظفر في شرح المقامات: هذا المثل ضربه جد حاتم حين نشأ حاتم وتقيل أخلاقه جده أخزم في الجود، فقال: شنشنة. . الخ. وتمثل عقيل بن علفة به حين قال: إنَّ بني. . الخ. ومن أدعى إنَّ المثل فقد سها فيه. انتهى.
شاهد البعض اللحظ .
مثله قولهم أيضاً: رب لحظ انم من لفظ كما مر من قول زهير:
فإنَّ تك في عدو أو صديقٍ ... تخبرك العيون عن القلوب
وقول أبن أبي حاتم:
خذ من العيش ما كفى ... ومن الدهر ما صفا
عين من لا يحب وص ... لك تبدي لك الجفا
وقول الآخر:
تخفي العداوة وهي غير خفية: ... نظر العدو بما أسر يبوح
وقالوا: يعبر عن الإنسان اللسان، وعن المودة والبغض العيان.
يشوب ويروب .
الشوب: الخلط تقول: شبت اللبن وغيره بالماء، وأشوبه شوبا والروب الرائب وهو اللبن الخاثر قبل أن يحمض. ولا يزال يمسك بذلك حتى يمخض وينزع زبده. ثم يبق ذلك الاسم على بعد. قال الشاعر:
стр. 885
سقاك أبو ماعز رائبا ... ومن لك بالرائب الخاثر؟
يقول: سقاك الممخوض، ومن لك بالذي لم يمخض. وهذا قول أبي عبيد.
ورابت اللبن وروبته وراب هو يروب روبا. والمروب: السقاء الذي يروب فيه.
ويقال: ما له شوبٌ ولا روبٌ أي مرق ولا لبن.
وقيل الشوب العسل والروب اللبن وفلان يشوب ويروب: يخلط ويصفي ويمزج الهزل بالجد.
يضرب من إصابته مرة وأخطائه أخرى. ويقال: يشوب ولا يروب أي يخلط ولا يخلص.
وأصل يروب في المثالين يريب وإنّما قيل يروب للازدواج.
شب شوباً لك روبته !
الشوب تقدم؛ والروبة بضم الراء روبة اللبن وهي خميرة تلقى فيه من الحامض يروب.
وهذا كما يقال: أحلب حلبا لك تنظره! كذا في الصباح. وهو يناسب أن تكون الأم في لك للملك والاستحقاق فيما يستقبل؛ ويحتمل أن يكون الملحوظ فيها المضي فيقال لمن شب نار فتنة أو تسبب في أمر من الأمور كأنه قيل له: اجر في فتنة أنت مثيرها أو منك كان أقوى أسبابها والإعانة فيها.
شاورهن وخالفوهن !
أي النساء. يتمثل به وهو حديث.
شالت نعامته .
يقال: شالت الناقة بذنبها تشول شولاً وشولانا وأشالته: رفعته
стр. 886
وشال الذنب نفسه: ارتفع لازمٌ متعد: وشال بالحجر أيضاً وأشاله: رفعه؛ والنعامة الحيوان المعروف. والنعامة اسضا: جماعة القوم وباطن القدم يقال للقوم: شالت نعامتهم إذا خفت منازلهم أو تفرقت كلمتهم أو ذهب عزهم. وشالت نعامة فلان إذا خف وغضب ثم سكن. هكذا قال بعض العلماء. وقال آخرون: يقال شالت نعامة فلان إذا هلك. ومن هذا قول الشاعر:
يا ليتنا أمنا شالت نعامتها ... أيما أبى جنةٍ أيما إلى نارِ!
قيل وذلك لأنَّ النعامة باطن القدم وشالت: ارتفعت ومن شأن من هلك أن ترتفع رجلاه وينكسر رأسه فتظهر نعامة قدمه. ومن ثم يقال: تنعم فلان إذا مشى حافياً على نعامته كقوله:
تنعمن لمّا جاءني سوء فعلهم ... إلاّ إنّما البأساء للمتنعم!
واختلف في قول عنترة:
فيكون مركبك القعود ورحله ... وأبن النعامة عند ذلك مركبي
فقيل: أبن النعامة: الطريق وقيل: باطن القدم. وسمي الطريق بذلك لأنّه مركب لها.
شوى حتى إذا نضج رمد .
شيُّ اللحم معروف؛ والنضج كما الطبخ؛ والترميد: جعله في الرماد وتعفينه به. فيقال لكل من أفسد الشيء بعدما صلح.
شيئاً ما يطلب السوط إلى الشقراء !
السوط معروف؛ والشقراء فرس لبعض العرب ركبها فجعل كلما ضربها زادته جرياً.
يضرب لمن طلب حاجة وجعل يدنو من قضائها والفراغ منها. كذا في القاموس. ومما يلتحق بهذا الباب قولهم:
أشربتني ما لم أشرب .
стр. 887
أي ادعيت علي ما لم افعل. وقولهم:
الشعر أحد الوجهين .
أي النظر إليه كالنظر إلى الوجه.
وقول النبي ﷺ .
شاهت الوجوهُ .
فانه كثيرا ما يتمثل به. وقول الحريري:
شوى في الحريق سمكته .
والحريق اسم من الاحتراق؛ والسمكة: الحوتة وهي إنّما تشوى في النار القوية وفي اللهب ما دام؛ فإذا سكن تعب في شيها.
فيضرب ذلك مثلا لقضاء الحاجة من القاضي ما دام غضبه للكرام بتحريكه للنوال بالشعر وانتهاز الفرصة منه قبل سكون غضبه فقد لا يوجد إذ ذاك.
وإذ فرغنا من الأمثال المنثورة فلنذكر ما تسمى من الشعرية.
قال الشاعر:
لقد كثر الظباء على خداشٍ
وهذا المثل مشهور ويمام البيت:
فما يدري خداشٌ ما يصيدُ
غير أنه إذا تمم خروج عن هذا الباب.
وقال بعض الوعاظ مضمنا لهذا المثل في ذم الدنيا:
يا راكضاً في طلاب دنيا ... ليس لمن تصرعُ انتعاشُ
تنح يا عرضة لرامٍ ... أسهمه بالردي تراشُ
لا تغش ناراً " " لظاها ... بمن له نحوها انحياشُ!
стр. 888
أعذر منك الفراش حالاً ... علمت ما يجهل الفراشُ
تطلبها لا تنام عينٌ ... عنها ولا يستقر جاشُ
من كل بالري من شرابٍ ... يشتد من شربه العطاشُ؟
دعها فطلابها رعاعٌ ... طاشت بألبابهم فطاشوا
وأظمأ لتروى وكن كقومٍ ... ماتوا بها عفةً فعاشوا!
لم يردوها فهم رواءٌ ... وواردوها هم العطاشُ
كأنَّ المنايا ظباءٌ ... وأنت من حيرةٍ خداشُ
إنَّ لأيامنا انبساطاً ... به لأعمارنا انكماشُ
كأنَّ آجالنا صقورٌ ... ونحن من تحتها خشاشُ
وقال الآخر:
ما لقوي عن ضعيفٍ غنى ... لا بد للسهم من الريش!
وقال أبو الطيب:
ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش
وقال الآخر:
وقد كنت مركبكم في الصدور ... فصرت بها ملحقاً في الحواش
وقال سابق البربري:
فلا تخبر بسرك كل سرٍّ ... إذا ما جاوز الاثنين جاشا!
والاثنتين هنا الشفتين.
ومثله عند عضهم قول الآخر:
إذا جاوز الاثنين سرٌ فانه ... ببثٍّ وإفشاء الحديث قمينُ
وقال القائم بأمر الله أحد ملوك بني العباس:
القلب من خمر التصابي منتشٍ ... هل لي غديرٌ من شرابٍ معطشِ؟
والنفس من برح الهوى مقتلةٌ ... ولكم قتيلٍ في الهوى لم ينعشِ!
جمعت عليَّ من الغرام عجائبٌ ... خلفن قلبي في إسارٍ موحشِ
خلٌ يصد وعاذلٌ متنصحٌ ... ومنازعٌ يغري ونمامٌ يشي
стр. 889
غيره:
إذا الواشي بغى يوماً صديقاً ... فلا تدع الصديق لقول واشِ!
وقلت أنا:
ولائمةٍ هبت بليلٍ تلومني ... وثوب الدجى ما للصبح به نقشُ
وليس لديباجِ السماء الذي سما ... علينا سوى ترقيش أنعمه رقشُ
وقد جبت آفاقها فكأنها ... من السندس الخضر السرادق والعرشُ
كأنَّ النجوم الزهر في جنباتها ... وجوهٌ زهتهن الملاحة والبشُ
تلوم على أن لم تر الدهر مسعداً ... مناي وصرف الدهر ليس له حفشُ
وأشجى حشاها أن تبدى بعاتقي ... لأنيابه عضٌ وفي عضدي نهشُ
وأن تفضي من رزاياه طارفي ... وأن قد جرى منه على أعضمي محشُ
فباتت يناجيها الأسى ويجيشها ... إليَّ تناجيني ويغلبها الجهشُ
وتمحضني منها تخالُ نصيحةً ... ولم تدر أنَّ النصح آونةً غشُ
تقول: التجئ للمترفين فإنه ... إلى نارهم من نابه دهره يعشو
فقالت لها إذ كان زوراً مقالها ... مقالة شهمٍ ليس في قيله رفشُ
هو الدهر ما يبقى على متخشعٍ ... جزوعٍ ولا يرثي لشاكٍ إذا يشطو
وأحداثه تجري فمن ذي هوادةٍ ... أليفٍ وذي شحناء أخذته بطشُ
وما الدهر إلاّ واديان فمعشٌ ... أنيس لمرادٍ وذو جردٍ وحشُ
وداران دارٌ ذات نعمى هنيئةٍ ... وفرشٍ وأخرى لا نعيمٌ ولا فرشُ
ويومان يومٌ أنت فيه متوجٌ ... على العرش أو يومٌ به حسبك الفرشُ
وما المال إلاّ مزن صيفٍ وقلما ... يدوم ويجدي للصدى ذلك الطشُ
وليلة سارٍ بينما هو مقمرٌ ... بصحراء غاب البدر فاستوسق الغبشُ
وليس الفتى من ليس يبرح ضارعاً ... هلوعاً إذا يرمه من دهره خدشُ
كئيبٌ بئيسٌ إن عرته ملمةٌ ... وتغشاه إن أثرى الشراسة والفحشُ
стр. 890
سؤولٌ لما وافى منوعٌ لمّا حوى ... ودودٌ لمن أثرى بغيضٌ لمن يغشو
عزيزٌ على المولى ذليلٌ على العدا ... عبوسٌ إذا يسمو طليقٌ إذا يلشو
ولكن من إن ناله لا شباته ... تفل ولا في حزمه يدرك النفشُ
ضنينٌ بماء الوجه لا يستثيره ... إلى مطمعٍ في غير خالقه حرشُ
صبورٌ على علاته متجرعٌ ... دوين الهوان ما تهرعه الرقشُ
عليمٌ بأن النائبات إذا عرت ... فملجؤها السامي بسلطانه العرشُ
هو المرتجى في فتح ما كان مرتجا ... وتنوير ما أمسى به أظلم الغطشُ
وثيقٌ بهذا لا تلين صفاته ... إذا قرعت أحشاءه النوب المحشُ
قريبٌ من المولى صفيٌ إذا اعتنى ... ومبتعدٌ عنه إذا مسه خيشُ
فلا عرضه يبلى ولا حزمه يهي ... ولا وهنه يبدو ولا سره يفشو
فذلك ما عاش السميُّ مكانه ... وأخلق بأن يسمو إذا حفه النعشُ
قوله: السرادق والعرش، السرادق: البيت من الكرسف والذي يمد فوق صحن الدار؛ والعرش: الخيمة وسقف البيت وما يستظل به.
والبش والبشاشة: طلاقة الوجه.
والنقربات: الخيل تقرب مرابطها.
والبرش في شعر الفرس نكت صغار تخالف سائر لونه.
والخفش: الطرد والمحش: قشر الجلد من اللحم وشدة الأكل.
والجهش: الفزع يقال: جهش إليه جهشاً إذا فزع. وهو يريد البكاء كالصبي.
والرفش: الضعف والوهن أو الخلط من قوله: رفشت الشيء إذا دققته وهرسته مجازاً.
стр. 891
والكشو: العض.
والغبش: ظلمة آخر الليل وأثرى الرجل: كثر ماله وغشاه يغشوه وغشيه يغشاه: أتاه.
ولشا الرجل: خس بعد رفعة.
والحرش: التحرك والاصطياد.
ولنكتف بهذا القدر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
стр. 892
باب الصاد
أصبر من حمارٍ .
الصبر خلاف الجزع صبر بالفتح صبرا فهو صابر وصبور وتصبر واصطبر. والصبر أيضاً: الحبس واللزوم؛ والحمار معروف وطبعه الصبر على الأثقال والأحمال.
أصبر من ذي الضاغط .
الصبر مر وذو الضاغط: البعير والضاغط انفتاق في إبطه.
وفي عبارة بعضهم هو البعير الذي حز مرفقه جنبه.
أصبر من عودٍ بدفيه الجلب .
العود: المسن من الإبل كما مر؛ والدفان: الجنبان؛ والجلب جمع جلبةٍ على مثال غرفةٍ، وهو أثر الدبر.
والمثل الأول من هذين. قال البكري: هو لسعيد بن أبان بن عيينة بن حصن؛ والثاني لحلحلة بن قيس بن أشيم وكلاهما فزاريان.
قال: وخبر ذلك أنَّ كلبا أوقعت ببني فزارة وقتلوا منهم نيفا وخمسين رجلا. فتلافى عبد الملك أمرهم وتحمل لبني فزارة نصف الحمالات وأداها إليهم وضمن النصف الآخر إلى العام المقبل. ثم إنَّ فزارة أخفرت ذلك وغزت كلبا. فلقوهم ببنات قين فتعدوا عليهم في القتل فغضب عبد الملك لإخفارهم ذمته فكتب إلى الحجاج يأمره إذا فرغ من أبن الزبير أن يوقع ببني فزارة. فلما فرغ الحجاج من شأن أبن الزبير نزل ببني فزارة. فأتاه سعيد وحلحلة المذكوران، فأوثقهما وبعث بهما إلى عبد الملك. فلما مثلا بين يديه
стр. 893
قال عبد الملك: من كان عنده دين وتر فليقم إليها! فقام أبن سويد الكلبي وكان أبوه ممن قتل ببنات قين فقال: يا حلحلة هل أحسمت سويدا؟ فقال: عهدي به يوم بنات قين وقد انقطع خروه في بطنه. فقال: أما والله لأقتلنك! قال: كذبت ما أنت تقتلني وإنّما أبن الزرقاء! والزرقاء إحدى امهات مروان بن الحكم يعابون بها. فنادى بشر بن مروان وأمه فزارية فقال: صبرا حلحل! فقال حلحلة:
أصبر من عودٍ بدفيه الجلب ... قد أثر الباطن فيه والحقب
ثم التفت إلى أبن سويد فقال: يا أبن أستها أجد الضربة! فقد وقعت بأبيك مني ضربة أسلحته. فضرب أبن سويد عنقه.
ثم قدم سعيد بن أبان ليضرب عنقه فناداه بشر: صبرا يا سعيد! فقال:
أصبر من ذي ضاغطٍ عركرك ... ألقى بواني زوره للمبرك
فضرب عنقه وألحقه بصاحبه.
والعركرك: البعير الغليظ؛ والزور: الصدر.
أصبر من قضيبٍ .
قضيب بالقاف والضاد المعجمة على مثال أمير رجل من ضبة.
صاحب الدابة أولى بمقدمها .
يتمثل به وهو يروى أثرا أو حديثا. ومعناه ظاهر.
صادف بطنه بطن تربة .
يقال: صادفه إذا لقيه ووجده؛ والبطن خلاف الظهر، من الحيوان ومن الأرض أيضاً؛ وتربة على مثال همزة وادٍ معروف يصب في بستان أبن عامر. فيقال هذا عند مصادفة الخصب وسعة العيش كأنه صادف هذا الوادي.
стр. 894
صاحب السلطان كراكب الأسد يهابه الناس وهو لمركوبه أهيب
هذا المثل من الأمثال الحكيمة، وهو قول الشاعر:
لا تصاحبن السلطان في حالةٍ ... صاحبه ليث الشرى يركب
يهابه الناس لمركوبه ... وهو لمّا يركبه أهيب
وسيأتي استيفاء هذا المعنى في الحكمة، إن شاء الله تعالى.
اصح من عير أبي سيارة .
الصحة ضد السقم، والعير بالفتح الحمار الوحشي. قال امرؤ القيس:
كأني ورفد والقراب ونمرقي ... على ظهر عير وارد الخيرات
وقد يطلق على الأهلي، كما قال الآخر:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلاّ الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد!
وأبو سيارة بفتح السين وتشديد الياء عميلة بن خالد العداوني. وكان له حمار اسود جاز عليه من مزدلفة إلى منى أربعين سنة. وقيل: ولا يعرف حمار أهلي عاش أكثر من هذا الحمار. وضرب به المثل في الصحة وقال السهلي: هي أتان عوراء سوداء خطامها ليف. وكان أبو سيارة يقول:
لا يهم لي في الحمار الأسود ... أصبحت بين العالمين أحسد
بت أبا سيارة المحسد ... من شر كل حاسد يحسد!
وهو الذي يقول: أشرق ثبير كي ما نغير! وكان يقول في دعائه: اللهم بغض بين رعائنا، وحبب بين نسائنا، واجعل المال في سمحائنا!
стр. 895
وفيه يقول الشاعر:
خل الطريق عن أبي سياره ... وعن مواليه بني فزاره
حتى يجيز سالما حماره ... مستقبل القبلة يدعو جاره!
وقد أجار الله من أجاره
صرح حجير !
التصريح خلاف التعريض؛ وحجير رجل من اليمامة كان مؤذنا لمسيلمة الكذاب لعنه الله! وكان أوّل ما أمر أنَّ يذكر مسيلمة في الأذان توقف. فقال له محكم بن الطفيل: صرح حجير! فذهبت مثلا.
صرح الحق عن محضه .
التصريح خلاف التعريض، وصرح فلان بما في نفسه: كشفه؛ والمحض الخالص، وصرح الحق عن محضه انكشف واتضح.
وأورده أبو عبيد القاسم بن سلام، لإعلان السر وإبدائه بعد كتمانه باللفظ السابق. فقال البكري: جميع العلماء إنّما أوردوه: صرح الحقين. قال. وتقدم ذكر الحقين وتفسيره؛ ومحضه: خالصه. انتهى.
قلت: وهذا اللفظ أحسن وأبين تمثيلا، وأنسب لذكر المحض. وقد تقدم لنا نحن أيضاً تفسير الحقين من اللبن والمحض: الخالص منه؛ قال طرفة:
ويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... وإنَّ أعطه اترك لقلبي مجثما
فإذا انكشف الأمر عن ستره وظهر بعد التباسه، كان كاللبن المنكشف رغوته عن محضه.
صدقني سن بكره .
الصدق خلاف الكذب، وصدقت الرجل: أخبرته بصدق، فهو مصدوق؛ والسن بالكسر واحدة أسنان الفم، ومقدار لعمر أيضا؛ والبكر بالفتح: الفتي من الإبل، جمعه بكار وبكارة بكسرهما.
стр. 896
وهذا المثل يضرب لمن يخبرك بسره، وما انطوت عليه ضاوعه.
وأصله أنَّ رجلا ساوم آخر في بكر فقال: ما سنه؟ قال: بازل. ثم نفر البكر. فدنا إليه صاحبه يسكنه وجعل يقول: هدع! هدع! وهي كلمة يسكن بها الصغار من الإبل. فلما سمعه المشتري قال: صدقني سن بكره. وهو أما أنَّ يكون برفع سن على إسناد الصدق إليه مجاز، وأما بنصبه على حذف المضاف أو الجار، أي: صدقني خبر سن بكره، أو في سن بكره، وهما وجهان في المثل، وفاعل الفعل على هذا البائع، وهو أما أنَّ يكون صدقه إياه بأخباره الأول إنّه بازل، ويكون خرج مخرج الهزء والسخرية أو بكلامه الثاني الذي يسكن به البعير وهو الأظهر.
أصدق من القطا .
الصدق مر؛ والقطا طائر معروف، وتقدم أيضاً، قيل: وسميت قطا لأنها تقول في صوتها: قطا! قطا! فسميت بحكاية صوتها. ومن ثم قالوا: أصدق من القطا وأنسب من القطا قال الكميت:
لا تكذب القول إنَّ قالت قطا صدقت ... إذ كل ذي نسبة لابد ينتحل
صدقك يبني عنك لا الوعيد .
الصدق مر؛ ويبني، من النبوة وهو الارتفاع. تقول: نبأ الشيء غير مهموز، ينبو، نبوة، أي أرتفع؛ ونبا الشيء عن الشيء: تجافى عنه ولم يعمل فيه أو لم يطمئن عليه. قال الشاعر:
إنَّ جنبي عن الفراش لنائب ... كتجافي الأسر فوق الظراب
والأسر: البعير يصيبه السرر داء في صدره يمنعه البروك والطمأنينة، وانبيته عني: جافيته ودافعته؛ والوعيد: الوعد بشر.
والمعنى أنَّ صدقك في لقائك عدوك ودفاعهم هو الذي يدفعهم عنك، لا وعيدك إياهم من غير فعل. وكذا كل أمر تزاوله إنّما يظفرك منه بما ترغب، وينجيك مما ترهب،
стр. 897
صدقك وجدك وسعيك جلباً ودفعاً، لا مجرد اللسان.
أصرد من عنزٍ جرباء .
الصرد: البرد بفتح فسكون، وصرد الرجل بالكسر صرداً فهو صرد: وجد البرد سريعا. قال الشاعر:
أصيح قلبي صردا ... لا يشتهي أنَّ يردا
والعنز معروف والجرب بفتحتين معروف جرب بالكسر فهو أجرب، وجربت فهي جرباء. والعنز الجرباء لا تستطيع ألم البرد، ولا تمسك نفسها عنده. فضرب بها المثل لمن يجد البرد سريعا.
أصرد من عين الجرباء .
الصرد مر؛ والحرباء: الحيوان المعروف، وتقدم ما فيه، وناه يستقبل عين الشمس أبداً ويدور معها حيثما دارت. ومن ثم أبن الرومي الرقيب بالحرباء حيث قال:
ما بالها قد حسنت ورقيبها ... أبداً قبيح قبح الرقباء!
ما ذاك إلاّ إنّها شمس الضحى ... أبداً يكون رقيبها الحرباء
فصارت الحرباء لذلك عن بعضهم أنَّ المثل الأول تصحف هذا.
صرفانية ربعية، تصرم بالصيف وتوكل بالشتية .
الصرفان بالفتح والتحريك: تمر رزين صلب يعده العبيد والأجراء وذوو العيال لعيشهم لكفايتهم ومنها قول الزباء:
ما للجمال مشيتها وئيداً ... أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثما قعودا؟
وفي الصحاح: قال أبو عبيدة: ولم يكن يهدي إليها شيء كان أحب إليها من التمر الصرفان. وانشد:
стр. 898
ولمّا أتاها العير قالت: أباردٌ ... من التمر أم هذا حديد وجندل؟
وثرم التمر قطعه؛ والشتية تصغير الشتاء.
والمثل ظاهر المعنى، ولم أقف بعد على أصله وسببه.
الصارم ينبو .
الصارم: السيق القاطع؛ ونبوه: تجافيه عن الضريبة، كما مر آنفا في تفسير النبوة.
وهذا من أمثال أوس بن حارثة. ومثله الجواد يكبو. والمراد من ذلك أنَّ الكريم تكون له الزلة والشريف تكون له السقطة، واللبيب تكون له هفوة والجواد تكون له الوقفة، ونحو ذلك.
أصغر القوم شفرتهم .
الصغر ضد الكبر، والشفرة بفتح فسكون السكين العظيم جمعه أشفار. والمعنى أصغر القوم خادمهم.
صفرت وطابه .
يقال: صفر الشيء بالكسر فهو أصفر، والصفرة لون معروف. وصفر البلد أيضاً والبيت ونحوه إذا خلا من سكانه. ومنه قولهم: نعوذ بالله من صفر الناء! أي خلوه بهلاك المواشي؛ والوطب بالفتح سقاء اللبن والجمع أوطب وأوطاب ووطاب.
ويقال صفرت وطابه أي مات فخلا وطبه من روحه. قال امرؤ القيس:
ألا يا لهف هند أثر قومٍ ... هذا كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالاشقين ما كان العقاب
وأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطب
أي: لو أدركنه لمات.
стр. 899
أصفى من عين الديك .
الصفاء ضد الكدر، صفاء الشيء بالفتح يصفو صفاء، فهو صافٍ؛ والديك معروف؛ والعين تطلق على الباصرة وعلى ذات الشيء. والمراد هنا الأول. ضربوا المثل بعين الديك في صفائها. قال الأخطل:
وكأس مثل عين الديك صرف ... تنسي الشاربين لها العقولا
وسمعت أعرابية رجلا ينشد:
وكأس سلاف يحلف الديك إنّها ... لدى المزج من عينيه أصفى وأحسن
فقالت: بلغني أنَّ الديك من صالحي طيركم وما كان ليحالف كاذبا! ويحكى عن دعبل قال: كنا يوما عند سهل بن هارون، فأطلنا الحديث حتى أضر به الجوع. فدعا بغذائه، فإذا بصفحة فيها مرق ولحم ديك لا يؤثر فيه ضرس. فأخذ قطعة من خبزة فقلع بها جميع المرق ثم بقي مطرقا ساعة، فرفع رأسه إلى الغلام فقال له أين الرأس؟ قال: رميت به. قال: ولم؟ قال: ظننتك لا تأكله. قال: ولم ظننت ذلك؟ فو الله إني لأمقت من يرمي برجله، فضلا عن رأسه، والرأس رئيس، وفيه الحواس الخمس ومنه يصيح الديك، وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل فيقال: شراب مثل عين الديك، ودماغه عجيب لوجع الكلب. فإنَّ كان يبلغ من جهلك أني لا آكله فإنَّ عندنا من يأكله: انظر أين هو! قال: والله ما أدري أين رميت به! قال: أنا والله أدري: رميت به في بطنك! وسهل هذا ممن يضرب به المثل في البخل، وسنلم بشيء من أخباره بعد، إن شاء الله تعالى. وقال عدي بن زيد:
قدمته على عقار كعين الديك ... صفا سلافها على الراووق
ولهذا الشعر حكاية حسنة لحماد الراوية، وهي مشهورة، وعسى أنَّ نذكرها في موضع آخر.
صلاح رأي النساء فساد، ونفاقه كساد .
مثل مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى.
стр. 900
أصلح الغيث ما أفسد برده .
الصلاح ضد الفساد كالصلوح، صلح الشيء بالفتح والضم صلاحا فهو صلح بالكسر وصالح وصليح؛ والغيث: المطر وقد غاث المطر الأرض أي أصابها وغاثها الله يغيثها فهي أرض مغيثة ومغيوثه. والغيث أيضاً: النبات سمي بما نشأ عنه. قال امرؤ القيس:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... لغيث من الوسمي رائده خال
وقال:
وغيث من الوسم حول تلاعه ... تبطنه بشظيم صلتان
ويحتمل الآخر.
وهذا المثل يضرب للرجل يكون فاسدا ثم يصلح. والأنسب لمعناه إنّه للشيء يصلح من وجه بعد ما فسد من وجه آخر، كالجواد يجبه السائل بالشتم ثم يحسن إليه ويعتبه أو يماطل زمانا ثم يوسع برا ومعروفا فيكون إكثاره الخير جبرا لمّا في المطل من الإساءة، ونحو هذا من الاعتبار.
أصنع من دود القز .
الصناعة بالكسر حرفة الصانع؛ والصنعة بالفتح علمه صنع الشيء بالفتح يصنعه صنعا، ورجل اليدين بالكسر وبفتحتين، وصنيع اليدين وصناعهما: حاذق في الصنعة، وصنع اللسان، ولسان صنع أي بليغ؛ وامرأة صناع اليدين: حاذقة وتقدم هذا، ودود القز هي دود الحرير، وصناعتها فيه أمر عجيب. ولو قيل أيضاً أضيع من دود القز بالضاد والياء المثناة من تحت، كان حسناً لأنها تلف على نفسها حتى تموت. وبها يضرب الحكماء المثل لجامع المال الحريص عليه ثم يخزنه وبمنعه الحقوق حتى يهلك في جمعه، فيأخذه الوارث كما يؤخذ الحرير بعد موت الدودة.
стр. 901
أصنع من سرفة .
الصنع مر؛ والسرفة بضم السين ويكون الراء المهملتين وبالفاء دويبة، ويقال هي الأرضة، وهي تتخذ بيتا من دقاق العيدان، ثم تلزقه بعود بمثل نسيج العنكبوت إلاّ إنّه أصلب. ثم تلزقه بعودان من أعواد الشجر وقد غطت رأسها وجميعها فتكون فهي ويقال تدخل فيه فتموت.
أصنع من تنوطٍ .
التنوط بفتح التاء وضم الواو المشددة، وبضمها وكسر الواو: الطائر، والواحدة تنوطية، وهذا الطائر يدلي خيوطا من شجرة وينسج عشه كقارورة الدهن منوطاً بتلك الخيوط فيفرخ فيه. ولذلك سمي التنوط.
صابت بقر .
الصوب مجيء السماء بالمطر وصاب نزل قال:
فلست لأنسى ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب
وصابه المطر أي مطر والصوب أيضاً: القصد، تقول: صاب السهم أي قصد ولم يجر؛ والصوب أيضاً واصواب صد الخطأ والقر بضم القاف البرد وقر الرجل بالضم أصابه القر فهو مقرور ويوم قر بالفتح بارد قال: امرؤ القيس:
لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم إني افر
تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعا صبر
إذا ركبوا الخيل وأستلاموا ... تحقت الأرض واليوم قر
والقر أيضاً بالضم القرار ومنه قولهم: صابت بقر أي صارت الشدة في قرارها. قال: طرفة:
كنت فيكم كالمغطي رأسه ... فانجلى اليوم قناعي وخمر
стр. 902
سادراً أحسب غيي رشداً ... فتناهيت وقد صابت بقر
هذا تمام ما وجد من هذا التأليف العجيب، والأسلوب الغريب، بخط الشيخ المؤلف، رحمه الله تعالى ونفعنا به على يد كتابه وناسخه عبد السلام بن عبد الرحمن العدلوني، كان الله له وليا ونصيراً، وفي ثاني عشر من رجب الفرد الحرام، عام أربعة وثلاثين ومائة وألف.
الحمد لله! قوبلت هذه النسخة بأصلها، أصل المؤلف رحمه الله تعالى عليه بجد وجد في طرق تصحيحها بذلك منه بفقدها ما وجدته في حيز الضد. والحمد لله الذي هو سنى ذلك حق الحمد حمداً واري الزند سامي البند، ذاكي الرند وصلاة الله العديمة الند الفائحة الند، على من ليس لمن يرتجي شفاعة من الصلاة عليه من بد، وعلى آله ويلم تسليما.
قال هذا وكتبه بيده مصححها محمّد بن قاسم بن محمّد أبن زاكور الفاسي عامله الله!