Полный текст (902 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
ما لي مقر بأرض ... ولا قرار لعنسي
يوما بنجد ويوما ... بالشام أضحي وأمسي
أزجي الزمان بقوت ... منغص مسخس
فلا أبيت وعندي ... فلس ومن لي بفلس؟
ومن يعش مثل عيشي ... باع الحياة ببخس!
غيره:
لا يصعبن عليك في طلب العلا ... طول التنقل أو فراق المكنس
فالبدر لو لم ينتقل عن برجه ... ما كان يعرف نوره في الحندس
والخمر يحجب نورها في دنها ... وتروق مهما نقلت للأكؤس
وقال أبن المرزبان:
كم ليلةٍ أحييتها ومؤانسي ... طرف الحديث وطيب حث الأكؤس
شبهت بدر سمائها لمّا دنت ... منه الثريا في ملاءة سندس
ملكا مهيبا قاعدا في روضةٍ ... حياه بعض الزائرين بنرجس
غيره:
ولم أدخل الحمام يوم فراقهم ... لأجل نعيم قد رضيت ببوسي
ولكم لتجري عبرة مطمئنة ... فأبكي ولا يدري بذلك جليسي
غيره:
تذكر أخي إنَّ فرق الدهر بيننا ... أخا في هواك الآن أصبح أو أمسى
ولا تنس بعد البعد حق مودتي ... فمثلي لا يَنسى ومثلك لا يُنسى!
غيره:
أدرها على أمن ولا تخش من باس ... وإنَّ خددت آذانها ورق الآسي
وما هي إلاّ ضاحكات غمائم ... لواعب من ومض البروق بمقباس
ووفد رياح زعزع النهر مرة ... كما وطئت درعا سنابك أفراس
غيره:
بلد أغارته الحمامة طوقها ... وكساه ريش جناحه الطاووس
стр. 842
فكأنما الأنهار فيه مدامة ... وكأنَّ ساحات الديار كؤوس
غيره:
أكره إنَّ أدنو من داركم ... لأنني أخشى على نفسي
ضرسي طحون وعلى خبزكم ... من أكل مثلي آية الكرسي
هو الذي أقعدني عنكم ... فكيف أمشي ومعي ضرسي؟
غيره:
أفرط نسياني إلى غاية ... لم يدع النسيان لي حسا
فصؤت مهما عرضت حاجة ... مهمة ضمنتها الطرسا
وصرت أنسى الطرس في راحتي ... وصرت أنسى إنني أنسى!
غيره:
علي ثياب دون قيمتها الفلس ... وفيهن نفس دون فيمتها الأنس
فثوبك مثل الشمس من دونها الدجا ... وثوبي مثل من تحته الشمس!
وقال أبو الطيب:
ألذ من المذام الخندريس ... وأحلى من معطاة الكؤوس
معاطاة الصفائح والعوالي ... وأقحامي خميسا في خميس
فموت في الوغى عيشي لأني ... رأيت العيش في أرب النفوس!
وقال أيضاً يخاطب محمّد بن زريق الطروسي:
إني نثرت عليك درا فانتقد ... كثر المدلس فأحذر التدليسا!
ومنها:
خير الطيور على القصور وشرها ... يأوي الخراب ويسكن الناووسا
لو جادت الدنيا فدتك بنفيسها ... أو جاهدت كتبت عليك حبيسا
وقال أيضاً:
أنوك من عبد ومن عرسه ... من حكم العبد على نفسه
وإنّما يظهر تحكيمه ... تحكم الإفساد في حسه
стр. 843
ما من يرى انك في وعده ... كمن يرى انك في حبسه
العبد لا تفضل أخلاقه ... عن فرجه المنتن أو ضرسه
لا ينجز الميعاد في يومه ... ولا يعي ما قال في أمسه
وإنّما تحتال في جذبه ... كأنك الملاح في قلسه
فلا ترج الخير عند امرئٍ ... جالت يد النخاس في رأسه
وإنَّ عراك الشك في نفسه ... بحال فأنظر إلى جنسه!
وقال أبو العلاء المعري:
لا يوهمك أنَّ الشعر لي خلق ... وإنني بالقوافي دائم الأنس
فإنما كان إلمامي بساحتها ... في الدهر إلمام طير الماء بالعلس
العلس: حب معروف وطير الماء لا تأكل الحبوب، وإنّما تصطاد السمك الصغار. وأراد بذلك التبرئة من قول الشعر.
وقال أسقف نجران:
منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها حمراء صافيه ... وغروبها صفراء كالورس
تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت في النفس
لطيفة: حدث بعض الأدباء عن الأصمعي قال: حضرت مجلس الرشيد، وعند مسلم بن الوليد إذ دخل أبو نواس فقال له: ما أحدثت بعدنا؟ يا أبا نواس! فقال: يا أمير المؤمنين، ولو في الخمر؟ فقال: قاتلك الله، ولو في الخمر! فأنشده:
يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم أنم!
وفيها قوله:
فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم
حتى أتى على أخرها. فقال: أحسنت يا غلام، أعطه عشرة آلاف وعشر خلع! فأخذها وخرج. فلما خرجنا من عنده قال مسلم بن الوليد: ألم تريا أبا سعيد إلى الحسن بن هانئ كيف سرق من شعري وأخذ به مالا وخلعا؟ فقالت: وأي معنى سرق؟ قال: قوله:
стр. 844
فتمشت في مفاصلهم. . " البيت ". فقلت: وأي شيء قلت؟ قال: قلت:
غراء في فرعها ليل على قمرٍ ... على قضيب على غصن النقا الدهس
أذكى من المسك أنفاساً وبهجتها ... أرق ديباجة ًمن رقة النفسِ
كأنَّ قلبي وشاحها إذا خطرت ... وقلبها قلبها في الصمت والخرسِ
تجري محبتها في قلبِ وامقها ... جري السلافة في أعضاء منتكسِ
فقلت: ممن سرقت أنت هذا المعنى؟ فقال: لا أعلم أنني أخذته من أحد. فقالت: بلى! من عمر بن أبي ربيعة حيث يقول:
أما والراقصات بذات عرقٍ ... وربَّ البيت والركن العتيقِ
وزمزم والطواف ومشعريها ... ومشتاقٍ يحن إلى مشوقِ
لقد دب الهوى لك في فؤادي ... دبيب دم الحياة إلى العروقِ
قال: ممن سرق عمر بن أبي ربيعة؟ قلت: من بعض العذريين حيث يقول:
واشرب قلبي حبها ومشى به ... كمشي حميم الكأس في عقل شاربِ
ودب هواها في عظامي وحبها ... كما دب في الملسوع سم العقاربِ
فقال لي: من أخذ هذا العذاري؟ قلت: من أسقف نجران يعني السابق.
وقال أبو الفتح البستي:
يا أكثر الناس إحسانا إلى الناس ... وأكرم الناس إغضاء عن الناس
نسيت عهدك والنسيان مغتفر ... فاغفر فأول ناس أوّل الناس!
وقال مسلم بن الوليد في تفضيل الورد:
كم من يد للورد مشهورة ... عندي وليس كيد النرجس
الورد يأتي ووجوه الربى ... تضحك عن ذي برد أملس
وقد تحلق بعقود الندى ... ثابتة في الأرض لم تغرس
ولن ترى النرجس حتى ترى ... روض الخزامى رثة الملبس
وتخلف النكباء ما جددت ... أيدي الغوادي في سنا السندس
وهناك يأتيك غريبا على ... شوقٍ من الأعين والأنفس
غيره:
стр. 845
من أحسن الظن بأعدائه ... تجرع الهم بلا كاس
قال الصفدي: ولو كنت ناظم هذا البيت لقلت: من احسن الظن بأحبابه، ولم اقل: بأعدائه.
ولله در القائل:
جزى الله خيرا كل من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا متعرف
فلا نالني ضيم ولا مسني أذى ... من الناس إلاّ من فتى كنت أعرف!
وقال: يقال إنَّ رجلا كان على عهد كسرى يقول: من يشري ثلاث كلمات بألف؟ ولا يجد، إلى أن اتصل بكسرى، فأحضره وسأله عنها فقال: ليس في الناس كلهم خير. قال: صدقت! ثم ماذا؟ فقال: ولا بد منهم! قال: صدقت! ثم ماذا؟ قال: فألبسهم على حذر! فقال قد استوجبت المال، فخذه! قال: لا حاجة لي به، وإنّما أردت أن أرى من يشتري الحكمة! وقال أبو فراس:
مالي أعاتب دهري أين يذهب بي؟ ... قد صرح الدهر لي بالمنع والياس
أبغي الوفاء بدهر لا وفاء به ... كأنني جاهل بالدهر والناس
ونحوه في المعنى قوله أيضاً:
أين الخليل الذي يرضيك باطنه ... مع الخطوب كما يرضيك ظاهره؟
وقول أبن الساعاتي:
لا يغرنك لتودد من قوم ... فإنَّ الوداد منهم نفاق
والقلوب الغلاظ لا ينزع الأحقاد ... منها إلاّ السيوف الرقاق
وقول آخر:
لا تثق من آدمي ... في وداد بصفاء!
كيف ترجو منه صفواً ... وهو من طين وماء؟
وقول الآخر:
ومن يك اصله ماء وطينا ... بعيد من جلبته الصفاء
وقال أبن قلاقس:
стр. 846
غاض الوفاء وفاض ماء ... الغدر أنهارا وغدرا
وتطابق الأقوام في ... أقوالهم سراً وجهرا
فأنظر بعينيك هل ترى ... عرفا وليس تراه نكرا!
وهو من قول الطغرائي:
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفجرت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
وما أعدل قول محي الدين بن تميم في هذا:
لك الخير كم صاحبت في الناس صحبا ... فما نالني منهم سوى الهم والعنا
وجربت أبناء الزمان فلم أجد ... فتى منهم عند المضيق ولا أنا!
ومثله لبعضهم:
طفت زمانا على من ينصفني فلما أنصفت خنته أنا
وتتميم هذا الغرض في موضع آخر، إن شاء الله تعالى.
غيره:
لم يكفني في الرأي خيبة منظري ... حتى حرمت لذاذة الإيناس
كالأعور المسكين أعدم عينه ... وأعتاض منها بغضة في الناس
ووقال الآخر: محي الدين محمّد بن تميم في مليح ينسى كثيرا:
بروحي الذي نسيانه صار عادة ... وأفرط حتى كاد يعدمه الحشا
فلو إنّه بالهجر أضحى مهددي ... لمّا ساءني علما به إنّه ينسى
وقال الآخر:
والله ما طلعت شمس ولا غربت ... إلاّ وأنت مني وقلبي ووسواسي
ولا جلست إلى قوم أحدثهم ... إلاّ وأنت حديثي بين جلاسي
ولا هممت بشرب الماء من ظمأ ... إلاّ رأيتن خيالاً منك في الكأس!
وقال الآخر:
إنَّ صحبنا الملوك تاهوا علينا ... واستخفوا جهلا بحق الجليس
أو صحبنا التجار عدنا إلى البؤس ... وصرنا إلى عديد الفلوس
فلزمنا البيوت نستعمل الحبر ... ونملا به وجوه الطروس
стр. 847
وقعنا بما رزقنا فصرنا ... أمراء على الملوك الرؤوس!
فقال آخر، مذيلاً لهذا الشعر:
لو تركنا وذاك كنا ظفرنا ... من أمانينا بعلق نفيس
غير أنَّ الزمان أعني بنيه ... حسودا على حياة النفوس
وقلت أنا:
إني امرؤ لا أنثني غبنا ... يوم المصاع بصفقة الوكس
وإذا استطان البون من فرق ... لا ينزوي خلدي على رجس
وإذا الزمان أحال نائبه ... حالي عففته فلم يحل نفسي
وإذا تطاول لم
وإذا استطاب الهون محتسبا ... نذل فلست تراه في كأسي
أرعى الهبيد على القنان ولا ... أرعى بوهد أطيب الخلس
وألذ آنية المياه إذا ... كان الفرات يشاب بالكرس
وإذا استينت الخسف في بلدٍ ... يوما ومت لغيره عنسي
إنَّ البلاد لذي الحجى وطن ... والناس كلهم بنو جنس
ويحكى إنَّ أبن سكرة في آخر أمره، لمّا مات الوزير المهلبي، سأل: ما أعددت للشتوة؟ فقال:
قيل: ما أعددت للبرد ... فقد جاء بشده؟
قلت: دراعة عري ... تحتها جبة رعده!
стр. 848
وقلت أنا فيها، وجعلتها ثمانيا:
إذا أومض البرق اليماني وأظنبت ... على الأرض من جنون الولي قباب
فلد بثمان هن في الدهر للفتى ... وقاء إذا ما نالها وحجاب:
كباب وكانون وكن وكاعب ... وكأس وكيس وكسوة وكتاب!
وجمع بعضهم للصيق راآت ثمانية قابل بها كافات الشتاء، فقال:
عندي فديتك راآت ثمانية ... ألقى بها الحر إنَّ وافى وردا:
رب وروح وريحان وريق رشا ... ورفرف ورياض ناعم وردا
وقد فتن الأدباء في هذا الغرض، فجمعوا هذا النمط أعداد، كقول بعضهم:
رمتنا يد الأيام عن قوس خطبها ... بسبع وهل ناج من السبع سالم:
غلاء وغارات وغزوة وغربة ... وغم وغدر ثم غبن ملازم!
وكقول أبن التعاويذي:
إذا اجتمعت في مجلس الشرب سبعة ... فبادر فما التأخير عنه صواب:
شواء وشمام وشهد وشادن ... وشمع وشاد مطرب وشراب!
وقول الآخر:
عجل إلي فعندي سبعة كملت ... وليس فيها اللذات أعوان:
طار وطبل وطنبور وطاس طلا ... وطفلة وطباهيج وطنان
وقوله:
جاء الخريف وعندي من حوائجه ... سبع بهن قوام السمع والبصر:
موز ومن ومحبوب ومائدة ... ة مسمع ومدام طيب ومري
وقول الصفدي:
إذا تبين لي في مصر واجتمعت ... سبع فإني في اللذات سلطان:
خدر وخمر وخاتون وخادمها ... وخلسة وخلاعات وخلان
وقوله:
ثمانية إنَّ يسمح الدهر لي بها ... فليس عليها بعد ذلك مطلوب:
مقام ومشروب ومزح ومأكل ... ومله ومشموم ومال ومحبوب
стр. 849
وقوله:
إلى متى أنا لا انفك في بلدٍ ... ورهن جيمات جورٍ كلها عطب:
الجوع والجري والجريان والجدري ... والجهل والجبن والجرذان والجرب؟
وقول الآخر:
إذا كان في اسم المرء شين هوت به ... إلى الشر فليحذر أذاه المحاذر:
شريف وشيعي وشيخ وشاهد ... وشمر وشريب وشرح وشاعر
سوى الشافعي أو شاهد راق حسنه ... كذا الشهداء المتقون وشاكر
وهذه الأشعار، كما ترى، الكثير من أصحابها يقصد إلى إحراز غرض يفوته أغراض، فتجده إذا وفى بذلك الغرض تعلل به ولم يتحرز عن اللفظ الخسيس، ولا عن المقصد السقيم، ولا عن التركيب المختل، والسبك الركيك والحشو، وغير ذلك مما ينبئ إنَّ قائله متكلف رازم العارضة لين الجلدة، غير مطبوع.
وقال أعرابي يهجو قوما من طيء:
ولمّا أن رأيت بني خريقٍ ... جلوسا ليس بينهم جليس
يئست من التي أقبلت أبغي ... لديهم إنني رجل يؤوس
إذا ما قلت: أيهم لأي ... تشابهت المناكب والرؤوس!
قوله: ليس بينهم جليس، أي لا ينتجع الناس معروفهم فليس فيهم غيرهم وهذا من أقبح الهجو.
وقال أبو بكر الخوارزمي:
يا من يحاول صرف الراح يشربها ... ولا يفك لمّا يلقاه قرطاس
الكأس والكيس لم يقض امتلاؤهما ... ففرغ الكيس حتى تملأ الكاسا!
وقال عمرو بن معدي كرب:
أتوعدني كأنك ذو رعين ... بأنعم عيشة أو ذو نواس؟
فلا تفخر بملكك، كل ملك ... يصير لذلةٍ بعد الشماس!
ولنكتف بهذا القدر من هذا الباب! والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
стр. 850
باب الشين المعجمة
أشأم من البسوس .
الشؤم ضد اليمن، الشؤم الرجل بالضم على قومه وشئم عليهم بالبناء للمجهول: صار شؤما عليهم، وهو مشؤوم ومشوم والجمع مشائيم. قال الشاعر:
مشائيم ليسوا مصالحين عشيرة ... ولا ناعب إلاّ ببين غرابها
وشأمهم وشأم عليهم بالفتحح فيهما فهو شائم؛ والبسوس بالفتح الناقة لا تدر إلاّ بالابساس أي التلطف بها بأن يقال لها: بس، بس! كما مر. والبسوس أيضاً امرأة مشومة، وهي المضروب بها المثل.
وكانت هذه المرأة أعطي زوجها ثلاث دعوات مستجابات، فقالت له: اجعل لي واحدة منهم! قال:: نعم فما تريدين؟ قالت: أدع الله أن يجعلني اجمل امرأة في بني إسرائيل! ففعل فرغبت عنه وهت بسيئ فدعا الله إنَّ يجعلها كلبة نباحة. فجاءه بنوها وقالوا: ما لنا على هذا من قرار يعيرنا بها الناس، فادع الله إنَّ يعدها إلى حالها! فدعا لها فهبت الدعوات كلها بشؤمها.
أشأم من بني بسوس .
ويقال أشام من البسوس. والبسوس أيضاً اسم امرأة من العرب، وهي خالة جساس بن مرة. وكان لمرة هذا عشرة من الولد، منهم جساس، ونضلة والحارث وهمام بنو مرة وهم من بني بكر بن وائل. وكان كليب بن ربيعة التغلبي من العزة والشرف في وائل بالمحل الذي لم يدرك وكان تحت كليب جليلة بنت مرة أخت جساس وكان لكليب حمى حماه لا يقربه أحد. ثم إنَّ جساس جاءته خالته البسوس فنزلت عليه،
стр. 851
وكان لها أبن، وناقة يقال لها سراب بفصيلها. فدخلت سراب حمى كليب، فوجدها فيه وقد كسرت بيض حمر قد أجارها. فرماها بسهم فأصاب ضرعها. ويقال إنّه سأل عن الناقة فقيل له إنّها لخالة جساس، فقال: أو يبلغ من قدره إنَّ يجير دون إذني؟ وكان لا يجير أحد إلاّ بإذن كليب. فقال: يا غلام، ارم ضرعها! فرماه بسهم وقتل فصيلها، ونفى ابل جساس عن المياه وطردها على شبيث والاحص، وهما ماءان، حتى بلغ غدير الذئاب، فجاء جساس فقال: نفيت عن المياه مالي حتى تهلكه! فقال كليب: أنا للمياه شاغلون فقال استحللت تلك الإبل! فعطف عليه جساس فرسه فطعنه. فلما أحس بالموت قال: يا جساس، اسقني ماء! فقال: تجاوزت شبيبا والأحص! وآحتز رأسه وجاء مسرعا. فقالت أخته لأبيه: إنَّ جساس جاء خارجة ركبتها. فقال: والله وا خرجتا إلاّ لأمر! فلما بلغه قال: ما وراءك؟ قال: طعنت طعنت لتشغلن شيوخ وائل رقصا! قال: فتلت كليباً؟ قال: نعم! قال: وددت انك وأخوتك متم قبل هذا! ما بنا إلاّ أنَّ تتشاءمنا وائل! ثم لقيه أخوه نضلة فقال:
وإني قد جنيت عليك حربا ... تغيض الشيخ بالماء القراح
فأجابه نضلة:
فإنَّ تك قد جنيت علي حربا ... فلا وانٍ ولا رث السلاح
وكان أخوه همام قد آخى مهلهلا، أخا كليب، وعاهده إلاّ يكتمه شيئاً. فجاءته أمه له وعنده مهلهل، فأسرت إليه الخبر. فقال الملهل: ما قالت؟ فلم يخبره، فذكر العهد فقال أخبرت أنَّ جساسا قتل أخاك كليبا. فقال: أست أخيك أضيق من ذلك! فقال مهلهل في ثأر أخيه، واجتمعت أشراف تغلي وأتوا مرة فتكلموا في القصاص من جساس وإخوانه. فذهب مرة إلى الدية فغضبت تغلب ووقعت الحرب بينهم أربعين سنه حتى ضربت بها العرب المثل الشؤم والشدة. وهي التي يقال لها حرب البسوس. ومن جملة ما وقع بينهم خمس وقائع عظام، أولاها يوم عنيزة، وهو المذكور في قصيدة مهلهل الرائية المشهورة، حيث قال:
كأنا غدوة وبني أبينا ... ببطن عنيزة رحيا مدير
стр. 852
وآخرها قتل جساس بن مرة. وكان سبب قتله أنَّ نساء تغلب لمّا اجتمعن للمأتم على كليب، قلن لأخت كليب: رحلي جليلة عن مأتمك، فإنَّ قيامها عار علينا وشماتة بنا! فقالت لها: اخرجي يا هذه عن مأتمنا، فإنك شقيقة قاتلنا! فرحلت وهي حامل. فولدت غلاما وسمته هرجسا، ورباه جساس، فكان لا يعرف أبا غيره، فزوجه ابنته. فوقع يوما بينه وبين بكري كلام، فقال البكري: ما أنت بمنته حتى الحقك بأبيك فأمسك عنه ودخل إلى أمه فسألها الخبر. فلما أوى إلى فراشه وضع أنفه بين ثديي زوجته وتنفس تنفسة نفط ما بين ثدييها من حرارتها. فقامت الجارية فزعة ودخلت إلى أبيها فأخبرته فقال: ثائر ورب الكعبة! فلما أصبح أرسل إلى الهجرس فأتاه فقال: إنما لأنت ولدي ومعي وقد كانت الحرب في أبيك زمنا طويلا حتى تفانيا وقد اصطلحنا الآن. فانطلق معي حتى نأخذ عليك ما أخذ علينا! فقال: نعم ولكن مثلي لا يأتي قومه إلاّ بسلاح! فأتيا جماعة من قومهما فقص عليهم جساس ما كانوا فيه من البلاء وما صاروا إليه من العافية ثم قال: هذا أبن أختي قد جاء ليدخل فيما دخلتم فيه. فلما قربوا الدم أخذ بوسط رمحه وقال: وفرسي وأذنيه ورمحي ونصليه وسيفي وغراريه ودرعي وزريه! لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه. ثم طعن جساسا فقتله ولحق بقومه. فكان آخر قتيل نتهم.
وفي هذه القصة اضطراب كغيرها من الحكايات الجاهلية.
أشأم من خوتعة .
خوتعة بالتاء المثناة على مثل جوهرة هو رجل من بني عقيلة ذل كنيف بن عمر التغلبي وأصحابه على بني الزبان الذهلي لترةً كانت لهم في عمرو بن الزبان فقتلهم. وتقدم شرح القصة وما يعرف به وجه الشؤم في حرف الهمزة.
أشأم من الأخيل .
الأخيل هو الشقراق وقيل طائر آخر وهو مشؤوم وجمعه خيلٌ بكسر الخاء.
стр. 853
أشأم من داحس .
داحس بوزن فاعل فرس لقيس بن زهير وعليه وقعت المسابقة بينه وبين أبني حذيفة حتى هاجت الحرب بذلك بين عبس وذبيان أربعين سنة. ويقال لهذه الحرب حرب داحس. وتقدم تفسير القصة في حرف التاء.
أشأم من الدهيم .
الدهيم بوزن الزبير الداهية؛ والدهيم أيضاً: الأحمق؛ والدهيم أيضاً: ناقة عمرو بن الزبان الذهلي قتل هو واخوته وحملت رؤوسهم عليها وقالوا: أشأم من الدهيم. وتقدم أنَّ خوتعة هو الذي ذل عليهم. والقصة في حرف الهمزة.
وذكر أبو عبيد أنَّ هذا هو الأصل في إطلاق الدهيم على الداهية.
وذكر البكري أيضاً هذه القصة فقال: كان من خبر الدهيم أنَّ مالك بن كرمة الشيباني لقي كنيف بن عمرو وكان مالك نحيفا وكان كنيف ضخما. فلما أراد مالك أسر كنيف اقتحم كنيف عن فرسه لينزل إليه مالك فيبطش به. فأوجره مالك السنان وقال: والله لتستاسرن أو لأقتلنك. فأدركهما عمرو بن الزبان فاختصما فيه هو ومالك فقالا: قد حكمنا كنيفا. فقال: من اسرك يا كنيف؟ فقال: والله لولا مالك لكنت في أهلي! فلطمه عمرو بن الزبان فغضب مالك وقال: أتلطم أسيري؟ ثم قال: إنَّ فاءك يا كنيف مائة ناقة وقد وهبتها لك بلطمة عمرو وجهك! فجز ناصيته وأطلقه. ولم يزل كنيف يطلب عمرو بن الزبان باللطمة حتى دله عليه رجل من عقيلة وقد ند لهم إبل. فخرج عمرو واخوته في طلبها وأدركها وذبحوا حوارا واشتووه وجعلوا يأكلون. فغشيهم كنيف في ضعف عددهم. فلما كشف كنيف عن وجهه قال له عمرو: يا كنيف إنَّ في خدي وفاء من خدك وما في بكر بن وائل أكرم من خدي. فلا تشب الحرب بيننا وبينك! فقال: كلا! أو أقتلك وأقتل اخوتك. فقتلهم وجعل رؤوسهم في مخال وعلقها على ناقة لهم يقال لها الدهيم فجاءت الناقة إلى الحي على نحو ما ذكرنا في الهمزة. فضرب حمل الدهيم مثلا في البلايا العظام.
стр. 854
أشأم من سراب .
سراب بوزن قطام هي ناقة البسوس خالة جساس بن مرة قاتل كليب وبسببها وقعت حرب البسوس. فتشاءمت العرب بها وتقدم آنفا شرح القصة. وهذا المثل هو المحفوظ في هذه القصة.
وأما قولنا أوّلاً: أشأم من بني بسوس فهو على ما وقع في كلام بعض الأدباء وليس بجيد لأن المتشاءم به هو إما البسوس نفسها لا بنوها وأما ناقتها سراب كما هنا. ولو قيل: أشأم من بني مرة وهم جساس وإخوته لكن أيضاً صحيحا كما قال مرة لجساس حين قتل كليبا: ما بنا إلاّ أن تتشاءم منا أشياخ وائل! وقدم هذا كله.
أشأم من الشقراء .
الشقراء مؤنث أشقر وهي هنا علم فرس شيطان بن لاطم قتلت وقتل صاحبها فقالوا: أشأم من الشقراء. وفيها كلام تقدم في الهمزة.
أشأم من طويس .
طويس على مثل زبير مخنث كان بالمدينة وكان اسمه طاووسا. فلما تخنث سمي طويسا وهو مصغره بحذف الزوائد ويكنى أبا عبد المنعم. ويقال إنه أول من غنى في الإسلام. وكان يقول: إنَّ أمي كانت تمشي بالنمائم بين النساء الأنصار فولدتني في الليلة التي توفي رسول الله ﷺ وفطمتني يوم مات أبو بكر وبلغت الحلم يوم مات عمر وتزوجت يوم قتل عثمان وولد لي يوم قتل علي. فمن مثلي؟ ويقال إنه قال: يا أهل المدينة توقوا الدجال ما دمت بين أظهركم فإذا مت فقد أمنتم لأني ولدت في الليلة التي توفي رسول الله ﷺ الخ ما مر. وكان يقول في نفسه: أنا أبو عبد المنعم أنا طاووس الجحيم أنا أشأم من يمشي على ظهر الحطيم إلى غير ذلك مما لا نطول به من أخباره.
стр. 855
أشأم من عطر منشمٍ .
العطر بالكسر معروف وتقدم في حرف الباء؛ ومنشم على مثل مجلس امرأة كانت بمكة عطارة وهي بنت المجية. وكانت خزاعة وجرهم إذا اقتتلوا تطيبوا من عطرها. فكانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فقالوا:
أشأم من عطر منشم.
وقال زهير بن أبي سلمى:
تداركتما عبساً وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشمِ
والمنشم أيضاً بكسر الشين وفتحها عطر صعب القرآن وقيل هو قرون السنبل سم ساعة وحمل عليه بيت زهير المذكور.
أشأم من غراب البين .
غراب البين قيل هو الحمر النقار والرجلين وقيل الأبقع منها وهو الذي في صدره بياض. قال عنترة:
ضعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى بينهم الغراب الأبقعُ
وإنّما قال ذلك لأنه سمع نعيبه قبل رحيلهم فتشاءم به والعرب تتشاءم به. وسموه غراب بين لأنه بان عن نوح ﵇ لمّا وجهه لتنظر إلى الماء فذهب ولم يرجع ولذلك تشاءموا به. وقيل لأنّه ينعب في منازلهم إذا بانو عنها وينزل في مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا منها. فلما كان يوجد عند بينونتهم اشتقوا له اسما من البينونه وتشاءموا به لإنذاره بالبين وإعلامه بالفراق من كلام عنترة. وعلى هذا كل غراب فهو غراب البين. وقد قيل إنّما اشتقت الغربة والاغتراب والغريب من الغراب وأهل الزجر يلمحون ذلك ويتطيرون به كما قال قائلهم:
وصاح غرابٌ فوق أعواد بانةٍ ... بأخبار أحبابي فقسمني الفكر
فقلت: غراب لاغترابٍ وبانةٌ ... ببين النوى تلك العيافة والزجرُ
وهبت جنوبٌ باجتنابي منهم ... وهاجت صباً قلت: الصبابةُ والهجر!
وقال الإمام المقدسي في وصف غراب البين: هو غراب أسود ينوح نوح الحزين
стр. 856
المصاب وينعق بين الخلان والأحباب إن رأى شملا مجتمعا أنذر بشتاته ربعاً عامرا أنذر بخرابه ودروس عرصاته يعرف النازل والساكن بخراب الدور والمساكن ويحذر الآكل غصة المأكل ويبشر الراحل بقرب المراحل ينعق بصوت فيه تحزين كما يصيح بالتأذين. وأنشد على لسان حاله:
أنوح على ذهاب العم مني ... وحق أن أنوح وأن أنادي
وأندب كلما عاينت ربعاً ... حدا بهم أوشك البين حادي
وتقدم تمام هذه القصيدة في الدال.
أشأم من قدارٍ .
قدار بالقاف والدال المهملة على مثل غراب هو قدار بن سالف عاقر الناقة والقدار: الجزار. وقد قيل إنَّ قدارا هذا كان جزارا.
وقد يقال في المثل: أشأم من أحمر ثمود وهو قدار المذكور. قال زهير:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطمِ
قيل: أراد " أحمر ثمود " فغلط. وقيل ثمود من عاد وكان من خبره في عقر الناقة على اختصار أنَّ ثمودا كانت تبني على طول أعمارها. فاتخذوا من الجبال بيوتا يسكنوها في الشتاء كما قال الله تعالى وبنو قصرا يسكنونها في الصيف. فلما بعث الله إليهم صالحا على نبينا وعليه الصلاة والسلام قال له زعيمهم: إن كنت صادقا فأظفر لنا من هذه الصخرة ناقة على صفة كيت وكيت! فأتى الصخرة فتمخضت كالحامل وانشقت عن الناقة ثم تلاها سقبها. فآمن به كثير منهم. فكان شربها يوما وشربهم يوما. فإذا كان يوم شربها حلبوها فملؤوا من لبنها كل إناء ووعاء. فلما امتنعت إياهم من الماء في يوم شربها استثقلوها. وكان فيهم امرأتان: عنزة وصدوق بذلنا أنفسهما لقدار على أن يعقر الناقة. وكان قدار أشقر أزرق قصيرا. وكان له صديق يعينه على الفساد في الأرض وكانا في تسعة من أهل الفساد. فضرب قدار عرقوبها بسيفه وضرب صاحبه العرقوب الآخر والتهموا لحمها. فخرجت ثمود إلى صالح وتزعم أنها لا ذنب لها.
стр. 857
فقال: انظروا هل تدركون فصيلها، فعسى أنَّ يرفع العذاب! فالتمسوه، فصعد إلى جبل يقال له الغارة، وطال الجبل به السماء حتى ما تناله الطير وبكى، ثم أستقبلهم ورغا ثلاثا صالح: دعوة أجهلها ذاك تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. ذلك وعد غير مكذوب! وآية ذلك أنَّ تصبح وجوههم في اليوم الأول مصفرة، وفي الثاني محمرة، وفي الثالث مسودة. فلما رأوا صدقه في أوّل يوم أرادوا قتله، فمنع منهم. فلما رأوا صدقه في الثالث تجملوا وتكفنوا وبكوا وضجوا، وجعلوا ينظرون من أين يأتيهم في ديارهم جاثمين. فعقروها يوم الأربعاء وأصيبوا يوم الأحد.
قيل: وإنّما أصيبوا والمذنب بعضهم، لأنهم رضوا فعله، أي فصاروا كلهم مذنبين بذلك. وبلدهم بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الجبشي. وقد مر النبي ﷺ بقريتهم ونهى الناس عن دخولها، ولمّا رأى صالح إنّها دار سخط ارتحل بمن معه إلى مكة. فلم يزالوا بها حتى توفاهم الله تعالى. قيل: قبورهم في غربي البيت بين دار الندوة والحجر. وقال الشاعر:
كانت ثمود ذوي عز ومكرمةٍ ... ما إنَّ يضام لهم في الناس من جار
فأهلكوا ناقة كانت لربهم ... قد أنذروها فكانوا غير أبرار
وقال الآخر في المثل المذكور:
وكان أضر فيهم من سهيل ... إذا أوفى وأشأم من قدار
ومراد هذا الشاعر،، بصدر البيت، ما يزعمون من إنَّ أكثر موت البهائم يكون عند طلوع سهيل. قال أبو الطيب:
وتنكر موتهم وأنا سهيل ... طلعت بموت أولاد الزناء
وقال أبو العلاء:
لا تحسبي إبلي سهلا طالعا ... بالشام فالمرئي شعلة قابس
بل وغير البهائم أيضا، كما قال الأول: بال سهيل في الفضيخ ففسد
стр. 858
أشأم من قاشرٍ .
قاشر بالقاف والشين على وزن صاحب قال الجوهري: وهو فحل كان لبني عوافة بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وكانت لقومه ابل تذكر. فاسطرقوه رجاء أنَّ تؤنث، فماتت الإبل والنسل. وقال الحريري: هو فحل كان في بعض قبائل سعد بن زيد أبن مناة، ما طرق إبلا إلاّ ماتت.
وقيل: المراد به العام المجدب. وسمي قاشر لقشرة وجه الأرض من النبات. انتهى. قلت: والمعروف في اللغة إنَّ العام المجدب يقال له القاشور. قال الراجز:
وابعث عليهم سنة قاشوره ... تحتلق المال أحتلاق النورة!
والقاشور أيضاً: المشؤوم. ويقال: قشرتم إذا شأمهم.
شب عمرو عن الطوق .
الشباب: الفتاء يقال شب الغلام يشيب شباباً؛ وعمرو هو أبن عدي بن نصر اللخمي، أبن أخت جذيمة، أوّل ملوك لخم بالحيرة، بعد خاله جذيمة، كما تقدم ذلك في قتله للزباء؛ والطوق بالفتح حلي يجعل للعنق، وكل ما أستدار بالشيء. وكان من خبر عمرو في الطوق إنَّ جذيمة بلغه أنَّ غلاما من لخم يقال له عدي بن نصر عند أخواله من أيادٍ غاية في الظرف والأدب. وكان جذيمة قد أغار على أياد، فسرقت أياد صنمين كانا لجذيمة مشهورين. ثم عاهدوا على أنَّ يردوا إليه صنمية وأنَّ لا يغزوهم أبدا في قصة مشهورة. فشرط عليهم أنَّ يبعثوا مع الصنمين بالغلام الموصوف. فلما انتهى إليه ولاه مجلسه وكأسه والقيام على رأسه. فتعشقته رقاش بنت مالك، أخت جذيمة فقالت له: يا عدي، إذا سقيتهم فأمزج لهم وعرق الملك! أي امزج له قليلا كالمعروق فإذا أخذت منه الخمر فأخطبني له وأشهد الجماعة؟ ففعل الغلام، وزوجه جذيمة وأشهد عليه. فانطلق إليها وعرفها. فعلمت إنّه سينكر إذا أفاق، فقالت له: أدخل لأهلك! فبات عدي معرسا بها، وأصبح في ثياب جدد. ودخل على جذيمة فقال:
стр. 859
ما هذه الآثار، يا عدي؟ قال: آثار العرس. قال: أي عرس؟ قال: عرس رقاش. فنخر جذيمة وأكب لوجهه غضبا. فهرب عدي ولحق بقومه، وبقي هناك حتى مات وقيل: بل أدركه جذيمة فقتله وبعث إلى أخته رقاش يقول:
حدثيني وأنت لا تكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين؟
أم بعبد فأنت أله لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون؟
فقالت له: زوجتني كفئاً كريما من أبناء الملوك! وقالت تجيبه:
أنت زوجتني وما كنت أدري ... وأتاني النساء للتزيين
ذاك من شربك المدامة صرفا ... وتماديك في الصبا والمجون!
ثم إنّه جعلها في قصره، فاشتملت على حمل، فولدت وسمته عمرا ورشحته، فلما ترعرع حلته وعطرته وألبسته كسوة وأزارته خاله. فأعجب به وألقيت عليه منه محبة وقيل تبناه، وكان لا يولد له. وخرج جذيمة في عام مخصب وبسط له في روضة، وخرج عمرو بن عدي في غلمة يجنتون الكمأ، فكان منهم من وجد طيبة أكلها، وعمرو إذا أصابها خبأها. ثم أقبلوا يسرعون، وعمرو يقدمهم وهو يقول:
هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه!
فالتزمه جذيمة وحباه.
ثم إنَّ الجن استهوت عمراً ففقد فطلبه جذيمة في آفاق الأرض، فلم يسمع له خبرا حتى أقبل رجلان من بلقين وهما مالك وعقيل، ابنا فالح من الشام يريدان الملك بهدية ومعهما قينة يقال لها أم عمرو. فبينما هما على ماء، وقد هيأت لهما القينة طعاما وجعلا يأكلان، إذ أقبل رجل أشعت الرأس قد طالت أظفاره وساءت حاله. فناولته القينة طعاما وسقت صاحبيها. فقال عمرو: اسقني! فقال: لا تطعم العبد الكراع، فيطمع في الذراع! وأوكت سقاءها. فقال عمرو:
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصحابك الذي لا تصحبينا!
فقالا له: من أنت يا فتى؟ قال أنا عمرو بن عدي. فأخذاه وغسلا رأسه وقلما أظفاره وأخذا من شعره وقالا: ما كنا لنهدي إلى الملك هدية هي عنده أنفس ولا هو عليها أكثر
стр. 860
صفدا من أبن أخته! وحملاه معهما حتى بلغاه جذيمة. فسر به سروراً شديداً وصرفه إلى أمه وقال: تمنيا علي! فقلا: منادمتك، ما بقيت وما بقينا. فنادمهما. ويقال انهما أقاما في منادمه أربعين سنة يحدثانه، فما أعادا عليه حديثا. وهما ندما جذيمة المشهوران المضروب بهما المثل في شدة الألفة والمصاحبة، في قول أبي خراش:
تقول: أراه بعد عروة لا هيا ... وذلك زرء لو علمت جليل
فلا تحسبني أنَّ قد تناسيت عهده ولكن صبري يا أميم جميل
ألم تعلمي أنَّ قد تفرق قبلنا ... نديما صفاء: مالك وعقيل؟
وفي قول متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا:
وكنا كندماني جذيمة حقبه ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا
فلما تفرقا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا!
وفي قول بعض المحدثين:
نحن كنا في التصافي ... مثل ندماني جذيمه
فأتى الصرم بيوم ... دونه يوم حليمه
تقدح الأيام حتى ... في المودات القديمه
وكان قبل ذلك جذيمة لا ينادم أحدا، زهوا وكبرا، ويقول: هو أعظم من أن ينادم إلاّ الفرقدين! فكان يشرب كأسا ويريق للفرقدين كأسا. ثم إنَّ رقاش أخذت ابنها عمرا وأدخلته الحمام. فلما خرج ألبسته من فاخر الثياب وجعلت في عنقه طوقا من ذهب كان له، وأمرته بزيارة خاله. فلما رأى جذيمة لحيته، والطوق في عنقه، قال: شب عمرو عن الطوق! وقيل إنّها لمّا أرادت أنَّ تعيد الطوق عن عنقه قال لها جذيمة: كبر عمرو عن الطوق! فذهبت مثلا يضرب للابس ما دون قدره.
أشبه من الغراب بالغراب .
أشبه بالكسر والشبه بفتحتين، والشبيه: المثل، وجمعه اشباه؛ وشابهه، وأشبهه: ماثله؛ واشتبها وتشابها: تماثلا؛ وشبهته إياه وبه تشبيها مثله؛ والغراب تقدم. ولمّا كانت الغرابان غالبا على صفة واحدة
стр. 861
ولون واحد، وحصل بينها تشابه مطرد وتساو متفق، فضربوا بتساويها المثل فقالوا: فلان أشبه بفلان من الغراب بالغراب: ومنه قول الغرابة، من المبتدعة، إنَّ عليا أشبه النبي ﷺ من الغراب بالغراب. وبدعتهم معروفة تحاشينا عن تلويث الكتاب بها، لعنهم الله وأخلى منهم الأرض!
أشبه شرج شرجا لو إنَّ أسميراً .
الشبه مر، والشرج بفتح الشين المعجمة وسكون الراء بعدها جيم واد باليمن والشرج مسيل الماء من الحرة إلى السهل مطلقا، وله معان أخر. وأما الشرج بفتحتين فهو مسيل الوادي، وأسمير تصغير اسمر بضم الميم والأسمر جمع سمرة وهو الشجر المعروف يقال سمرة والجمع سمر وسمرات وأسمر، وتصغيره أسيمر.
وهذا المثل يضرب في الشيئين يتشابهان ويفترقان. وكان أصله أنَّ لقمان بن عدا قال للقيم بن لقمان: أقم هاهنا حتى أنطلق إلى الإبل! فنحر لقيم جور فأكلها ولم يخبئ شيئاً للقمان، فخاف لومه فحرق ما حوله من السمر الذي بهذا الوادي، وهو شرج ليخفي ذلك المكان. فلما جاء لقمان: جعلت الإبل تثيل الجمر بأخفافها، فعرف لقمان ذلك المكان وأنكر ذهاب السمر منه، فال حينئذ: أشبه شرج شرجا لو إنّه أسيمرا!
شتى تؤوب الحلبة .
الشتى جمع شتيت، وهو المفترق. وقال رؤبه يصف إبلا:
جاءت معا وأطرقت شتيتا ... وهي تثير الساطع السختيتا
والأوب: الرجوع يقال: آب يؤوب أوبا وإيابا والحلبة جمع حالب وحلب الناقة والشاة معروف.
والمعنى انهم إذا ذهبوا اجتمعوا، وإذا قضوا مآربهم رجعوا متفرقين. ومضربه ظاهر.
стр. 862
أشجع من الديك .
الشجاعة معروفة، شجع الرجل بالضم فهو شجاع كغراب والديك معروف
يشج مرة ويأسو أخرى
الشج معروف، والأسو: المداواة، أساه، يأسوه أسوا: داواه، وآسى بين القوم أصلح، فمعنى المثل إنّه يفسد أحيانا ويصلح أحيانا، ويضرب لمن يصيب مرة ويخطئ أخرى، أو يضر مرة وينفع أخرى، ونحو ذلك ونظمه صالح بن عبد القدوس فقال:
قل للذي لست أدري من تلومه: ... أناصح أم على عيش يداجيني؟
إني لأكثر مما سمتني عجبا ... يد تشج وأخرى منك تأسوني
لو كنت أعلم منك الودهان له ... علي بعض الذي أصبحت توليني
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
أرضى عن المرء ما أصفى مودته ... وليس شيء من البغضاء يرضيني
لا أبتغي ود يبغي مقاطعتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
الشجاع موقى والجبان ملقى .
معناه إنَّ الشجاع مع إقدامه وتعطيه المهالك بنفسه، محفوظ غالبا والجبان مع مثرة حذره هالك قال البكري: وهذا كما روي عن أبي بكر وعن علي، ﵄: أحرص على الموت توهب لك الحياة! وقال الشاعر:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... انفسي حياة مثل أنَّ أتقدما
انتهى.
قلت: ومثله شاع اليوم في ألسنه العامة، يقولون: متى طلب الرجل إنَّ يموت لم يجد قاتلا؛ غير أنَّ ما ذكره البكري في البيت الحصين بن الحمام المذكور
стр. 863
محتمل وأظهر منه إنَّ يريد بالحياة عند التقدم ما يكتسبه من شرف الذكر الباقي بعده. فإنَّ بقاء الاسم والذكر والمآثر والمفاخر حياة انفع عند ذوي الهمم من حياة الجسم مع سبة الفرار واللوم. فكأنه يقول: تأخرت أستبقي حياة جسمي فبدالي الله تعالى الحياة الأخرى افضل لي. ولو كان على ما قاله البكري لم يكن لافتخاره محل لأنّه إنّما يطلب الحياة بإقدامه ولم يقدم شجاعة ولقاء بأس فإقدامه كالفرار ولا فضيلة له وهذا باطل. وقد قال بعد هذا البيت:
وليس على الإدبار تدمى كلومنا ... وكان على أقدامنا تقطر الدما
وقول أبي الطيب:
يرى الجبناء أنَّ الجبن حزمٌ ... وتلك خديعة الطبع اللئيمِ
وحتما.
شحمتي في قلعي .
الشحمة: القطعة من الشحم وهو معروف؛ والقلع بفتح القاف وسكون اللام وتحرك أيضاً شيء يجعل فيه الراعي زاده وأداته يشبه الكنف بكسر الكاف وهو وعاء أدوات الراعي. قال الراجز:
يا ليت أني وقشاماً نلتقي ... وهو على ظهر البعير الأورقِ
وأنا فوق ذات غربٍ خيفق ... ثم اتقي وأي عصر اتقي
بعلبةٍ وقلعه المعلقِِ
يضرب هذا المثل في الشيء يكون في ملكك وحوزك تتصرف فيه كيف شئت كما أنَّ الشحمة إذا كانت في قلعك كذلك.
شحيمةٌ في حلقي .
الشحيمة تصغير الشحمة وتقدم؛ والحلق بفتح الحاء المهملة الحلقوم. وهذا المثل مما وضع على لسان الذئب. يقولون: قيل للذئب: ما رأيك في غنيمة ترعاها جويرية؟ قال: شحيمةٌ في حلقي يعني إنّها حاصلة بلا تعب
стр. 864
وصغرها تقللا واستسهالا. قيل: فغنيمة يرعاها غليم. قال شعراء في إبطي أخشى حظواته. الشعراء ذباب أزرق له لدغ يقع على الإبل والدواب والحظوات سهام صغار من قصب لينة يتعلم بها الغلمان؛ وكذلك الجماح ولا نصل له.
قال الشاعر:
أصابت حبة القلب ... بسهم غير جماحِ
شحمة الرُكى .
شحمة الرُكى على وزن ربى وهو الذي يذوب سريعا. يضرب لمن يعينك في الحاجات.
اشد من الفرس .
الشدة بالكسر اسم من الاشتداد. واشتد الأمر فهو مشتد؛ والفرس معروف وتقدم.
أشد من الفيل .
الفيل بالكسر معروف.
أشد من الدَّلم .
الدَّلم بفتحتين والدال المهملة شيء يشبه الحية يكون بالحجاز. وقيل نوع من القرد.
اشتدي زيم !
الاشتداد هنا العدو؛ وزيم بكسر الزاي ز فتح الياء المثناة من تحت بوزن عنب اسم فرس. وهذا في شعر للحطم القيسي يقول:
стр. 865
هذا أوان الشد فاشتري زيم وتمثل به الحجاج في خطبته الكوفية.
قال أبو العباس المبرد في الكامل: حدثني الثوري في إسناد ذكره آخره عبد الملك أبن عمر الليثي قال: بينما نحن بالمسجد الجامع بالكوفة وأهل الكوفة إذ ذاك في حال حسنة يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه إذ أتانا آت فقال: هذا الحجاج قد قدم أميرا على العراق! فإذا به قد دخل المسجد معتماً بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه متقلدا سيفاً متنكباً قوساً يؤم المنبر فمكث ساعة لا يتكلم. فقال الناس بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق! حتى قال عمير بن ضابئ البرجمي: ألا أصبه لكم؟ فقالوا: أمهل حتى تنظر! فلما رأى عيون الناس أليه حسر اللثام عن فيه ونهض فقال:
أنا أبن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني!
ثم قال: يا أهل الكوفة أني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها كأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى! ثم تمثل فقال:
هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبلٍ ولا غنم ... ولا بجزارٍ على ظهر وضم
ثم قال:
قد لفا الليل بعصلبي ... أوزع خراجٍ من الدوي
مهاجرٍ ليس بأعرابي
وقال:
قد شمرت عن ساقها فشدوا ... وجدت الحرب بكم فجدوا
والقوس فيها وترعد ... مثل ذراع البكر أو اشد!
أي: والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان ولا يغمز جانبي كتغماز التين. ولق فررت عن ذكاء وفتشت عن تجربة. وإنَّ أمير المؤمنين نثر كنانته
стр. 866
فعجم عيدانها فوجدني أمرها عودا واصلبها مكسرا فرماكم بي لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال. والله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل! فإنكم كأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف. وإني والله ما أقول إلاّ وفيت ولا أهم إلاّ أمضيت ولا أخلق إلاّ فريت! وإنَّ أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وأن أوجهكم إلى محاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة وإني اقسم بالله لا أجد رجلا تخلف بعد أخذه عطاءه بثلاثة أيام إلاّ ضربت عنقه! يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين١ فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين. . فلم يقل أحدٌ منهم شيئا. فقال الحجاج: اكفف يا غلام! ثم أقبل على الناس فقال: أسلم عليكم أمير المؤمنين فلم تردوا عليه شيئا؟ هذا أدب أبن لهيعة! أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمن! اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين! فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم! لم يبق أحد في المسجد إلاّ وقال: على أمير المؤمنين السلام! ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم. فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبرا فقال: أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى ولي أبن هو أقوى مني على الأسفار أتقبله بدلا مني؟ فقال له الحجاج: نفعل أيّها الشيخ! فلما ولى قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا. قال: هذا عمير بن ضابئ البرجمي الذي يقول:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولا فوطئ بطنه فكسر ضلعين من أضلاعه. فقال: ردوه! فقال له الحجاج: أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين بدلا يوم الدار إنَّ في قتلك أيّها الشيخ لصلاحاً للمسلمين! يا حرس اضربا عنقه! فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيرتحل ويأمر وليه أن يلحقه بزاده. وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي:
تجهز فإما أن تزور أبن ضابئ ... عميراً وإما أن تزور المهلبا
стр. 867
هما خطتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشهبا
فأضحى ولو كانت خرسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي اقربا!
وفي هذه القصة ألفاظ تخفى. فقوله: أنا أبن جلا، أي المنكشف الأمر، وهو لسحيم بن واثلة وفيه كلام يأتي من حرف النون، إن شاء الله تعالى.
وقوله، أرى رؤوسا قد أينعت، أي أدركت، يقال: أينعت الثمرة إيناعا وينعت أيضاً ينعا. قال تعالى:) انظروا إلى ثمرة إذا أثمر وينعه (. وقال الشاعر في الفعل:
ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا
خرفه حتى إذا أرتبعت ... ذكرت من جلت بيعا
في قباب حول دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا
وقوله: هذا أوان الشد فاشتدي زيم! وهي فرس كما مر. وقال المبرد: يعني فرسا أو ناقة.
وقوله: بسواق حطم، الحطم: الذي لا يبقي من السير شيئاً، ويهلك المال بذلك. ومنه قيل النار التي لا تبقي حطمة.
وقوله: على ظهر وضم، والوضم بفتحتين كل ما يقطع عليه اللحم. وتقدم في التاء. قال الشاعر:
وفتيان صدق حسان الوجوه لا يجدون لشي ألم
من آل المغيرة لا يشهدون عند المجازر لحم الوضم
وقوله: بعصلبي، العصلب بالعين والصاد المهملتين، على مثال جحدب، والعصلبي بياء النسبة، والعصلوب: القوي الشديد الخلق، العظيم؛ وأروع أي ذكي.
وقوله: خراج من الدوي الدو بتشديد الواو؛ والدوى والداوية: الفلاة لا علم فيها ولا أمارة. قال الحطيئة:
وأنى اهتدت والدو بيني وبينها ... وما خلت ساري الليل بالدو يهتدي
يريد: بخروجه من الدو أنَّ يخرج من كل غماء وشدة على طريق التمثيل.
стр. 868
وقوله: وتر عرد، أي شديد. ويقال أيضاً عرند بالنون.
وقوله: ما يقعقع لي بالشان، واحدتها شن بالفتح، ويقال أيضاً شنة وهي قربة البالية اليابسة، فيقعقع بها فتنفر الإبل من صوتها. وضرب ذلك مثلا لنفسه في الثبات. قال النابغة:
كأنك من جمال بني أقيشٍ ... يقعقع بين رجليها بشن
وقوله: فررت عن ذكاء هنا تمام السن. ومنه قول أبن زهير: جري المذكيات غلاب.
ويطلق الذكاء أيضاً على حدة القلب. ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
يفضله إذا اجتهدا عليها ... تمام السن منه والذكاء
وقوله: عجم عيدانها، أي مضغها ليعرف الأصلب. قال النابغة:
فظل يعجم أعلى الروق منقبضا ... في حالك اللون صدق غير ذي أود
وقال علقمة:
سلاءه كعصل النهدي غل بها ... ذو فيئة من نوى قرآن معجوم
وقوله: طالما أوضعتم الأضياع: ضرب من السير.
وقول الأسدي: فأضحى ولو كانت خرسان دونه أي دون سفره فإنه يراها قريبة لخوفه وطاعته. وأما قول ضابئ بن الحارث: هممت ولم أفعل. . " البيت "، فكان من قصته إنّه وجب عليه حبس وأدب عند عثمان ﵁، فعثر عليه، فأحسن أدبه، فقال في ذلك:
وقائلة: إنَّ مات في السجن ضابئ ... لنعم الفتى تخلو به وتواصله!
وقائلة: لا يبعدن ذلك الفتى ... ولا تبعدن أخلاقه وشمائله
وقائلة: لا يبعدن الله ضابئا ... إذا الخصم لم يوجد له من يقاوله!
فلا تتبعي إنَّ هلكت ملامة ... فليس بعار قتل من لا أقاتله!
هممت ولم أفعل. . " البيت "
وما الفتك ما أمرت فيه الذي ... تخبر من لاقيت انك فاعله
стр. 869
ويشبه ما وقع لابن ضابئ ما وقع لأبي شجرة السلمي، وكان من فتاك العرب. فأذى عمر بن الخطاب، ﵁، ليحمله، فقال له عمر: ومن أنت؟ قال: أنا أبو شجرة السلمي. فقال له عمر: ألست القائل، حيث ارتددت:
ورويت رمحي من كتيبة خالدٍ ... وإني لأرجو بعدها أعمرا
وعارضتها شهبا تخطر بالقنا ... ترى البيض في حافاتها والسنورا؟
ثم أنحى عليه بالدرة. فسعى إلى ناقة وحل عقالها وأقبل بها حرة بني سليم باحث سير هربا من الدرة وهو يقول:
قد ضن عنها أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوما له ورق
فمال يضربني حتى خذيت له ... وجال من دوني بعض الرغبة الشفق
ثم التفت إليها وهي حانية ... مثل الرتاج أنا ما لزه الغلق
في أبيات.
وقوله: وكل متخبط يوما له ورق، أي كل مسؤول فله فضل يسيده، ونوال يوليه وأصل في الشجرة انك تختبطها ببعضها ونحوها، فيسقط ورقها. قال زهير:
وليس مانع ذي قربى ولا رحمٍ ... يوما ومعدم من خابط ورقا
قوله: حتى خذيت له، يقال: خذاله، وخذئ له بالفتح والكسر مهموزا واستخذى له، إذا خضع له وانقاد؛ وخذا يخذوا وخذوا إذا استرخى وخذيت أذنه بالكسر تخذى، إذا استرخت من أصلها وانكسرت، مقبلة على الوجه. فيحتمل أنَّ يكون قوله: خذيت له، من المهموز أو غيره.
اشتدي أزمة تنفرجي !
الاشتداد تقدم، والأزمة: الشدة والقحط، يقال: أصابتهم سنة أزمتهم أزما، أي استأصلتهم، وأزم الدهر إي اشتد وقل خيره؛ وأزم الرجل بصاحبه: لزمه، وألزمه: عضه؛ والانفراج: الانفتاح والاتساع. وهذا اللفظ حديث يروى. ولمّا كانت الحكمة الإلهية جرت بتنقلات الحوادث وتحولات الأحوال، وعدم استقرارها على حال، صارت الشدة إذا تناهت لم يعقبها إلاّ الفرج، كما أنَّ الفرج إذا تناهى لم يعقبه
стр. 870
إلاّ شدة فصارت الشدة مفتاح الفرج وسببا فيه بهذا الاعتبار. فإذا طلبت الشدة فذاك طلب الفرج، وإقامة للسبب مقام المسبب. قال تعالى:) فإن مع العسر يسرا (. وفي الحديث الآخر: احفظ الله يحفظك! احفظ الله تجده أمامك! تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة! وأعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصيبك! وأعلم أنَّ النصر مع الصبر، وإنَّ الفرج مع الكرب، وإنَّ مع العسر يسراً! وقال الشاعر:
ضاقت ولو لم تضق لمّا انفرجت ... فالعسر مفتاح كل ميسور
غيره:
خفض الجأش واصبرن رويداً ... فالرزايا إذا توالت تولت!
وقيل: وكان الإمام سحنون يقول إذا ضاقت عليه أمر ضيقي تفرجي يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين!
شراب بأمقعٍ .
الشراب معروف، وتثلث شينه، شرب بالكسر شربا وتشرابا، فهو شارب وشراب للمبالغة وأشربته أنا. وقيل: الشرب بالفتح مصدر وبالكسر والضم اسمان والشرب بالكسر أيضاً الحظ من الماء؛ والمقع بفتح الميم وسكون القاف: أشد الشرب. وفلان شراب بأمقع، أي معاود للأمور، يأتيها حتى يبلغ أقصى مراده
شراب بأنقع .
الانقع جمع نقع بفتح والنون وسكون القاف، وهو الماء المستنقع. وهذا أيضاً يضرب لمن جرب الأمور وعودها، كالذي قبله، أو للداهي المنكر، لأن الدليل إذا عرف الفلوت حذف بسلوك الطرق إلى الماء، وعرف أين يهتدي إلى الأنقع حتى يشرب منها
стр. 871
أشرد من نعامةٍ .
الشرود: الفرار؛ والنعام معروف، ولا أسرع منه عند شروده. قال:
وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقراً وأشرد من نعام
غيره:
وولو سراعا كشد النعام ... ولم يكشفوا عن ملك حصيرا
غيره: وكانوا نعاما عند ذلك منفرا والعرب تضرب به المثل في الجبن أيضاً مع ذلك، كما قال عمران بن حطان:
أسد علي في الحروب نعامةٌ ... فتخاء تنفر من صفير الصافر
وكما قال محكم اليمامة: إنَّ خالد لقي أسداً وغطفان، فأشار عليهم بذباب السيف، فكانوا كالنعام الجافل، أو كما قال:
أشرد من ورلٍ .
الشرود مر، والورل بفتحتين حيوان على خلقة الضب وهو أعظم منه وتقدم في حرف السين.
فائدة: ذكر بعضهم، إنّه لا يجتمع الراء واللام في لغة العرب إلاّ في أربعة ألفاظ: الورل المذكور وأرل اسم جبل والغرلة وهي القلفة، وجرل وهو ضرب من الحجارة. انتهى.
قلت: أما الورل فقد ذكرنا ضبطه، وأما أرل فبضمتين، وهو اسم جبل واسم موضع ببلد فزارة أيضا، وأما الغرلة فبضم الغين وسكون الراء. ورجل أرغل والجمع غرل، كما في الحديث: يحشر الناس حفاة عراة غرلا؛ وأما الجرل فبالجيم والراء المفتوحتين وهو الحجارة أو مع الشجر أو مع المكان الصلب الغليظ، جرل المكان بالكسر فر جرل ككتف والجمع أجرال.
стр. 872
شر الرأي الدبري .
شر أسم تفضيل. يقال: هذا أشر من هذا وشر منه بغير همز تخفيفا، كما يقال: هذا خير من هذا، وهو الأكثر استعمالا؛ والرأي: الاعتقاد، جمعه آراء ورئي، والدبري بفتحتين: الرأي الذي يسنح للإنسان أخرا، بعد فوات الحاجة. والدبري أيضاً: الصلاة آخر وقتها. قيل: والضم فيها من لحن المحدثين.
شر الرعاء الحطمة .
الحطمة على مثال همزة من الرعاة: الذي يهلك الماشية ويهشم بعضها ببعض، من الحطم، وهو الكسر ويضرب في سوء السياسة.
قال في الصحاح إنّه مثل، ومثله قول الراجز:
لقد لفها الليل بسواق حطم ... ليس يراعي إبل ولا غنم
ووهمه صاحب القاموس وقال أنه حديث صحيح عن النبي ﷺ . قلت: وليس فيه كبير وهم، إذا لا منافاة. وكذلك وقع لأبي عبيد في كتابه إنّه مثل من أمثالهم.
وقال البكري في شرحه إنّه كلام يروى في حديث مرفوع عن النبي ﷺ . قال الحسن: دخل العائد بن عمرو المزني وكان من صالحي أصحاب محمّد ﷺ ، على عبيد الله بن زياد فقال له: إي بني، إني سمت رسول الله ﷺ يقول: من شر الرعاء الحطمة. فإياك أنَّ تكون منهم! قال عبيد الله: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمّد ﷺ ! قال: وهل كانت فيهم نخالة؟ وإنّما النخالة بعدهم في غيرهم. فائدة: إذا كان راعي الإبل أو الماشية كلها اخرق يظلمها قيل له حطمة، كما مر؛ وإذا كان رفيقا بها يحسن رعايتها قيل له ترعية وترعاية. وقيل أنَّ هذا لمن كانت صناعته وصناعة آبائه رعاية الإبل.
стр. 873
شر السير القحقحة .
السير معروف، والقحقحة: السير المتعب. ويقال قهقهة بقلب الحاء هاء ومنه قول رؤبة:
يصبحن بعد القرب القهقهة ... بالهيف من ذاك البعيد الأمقه
قال أبو علي البغدادي في نوادره: قال مطرف بن الشخير لأبنه: عليك بالقصد وإياك وسير القحقحة! يريد الأتعاب.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: قيما يضرب من الأمثال في التوسط في الأمور: منه قول مطرف بن عبد الله بن الشخير: الحسنة بين السيئين وخير الأمور أوساطها، وشر الأمور سير القحقحة. انتهى.
قال البكري: قال مطرف يوصي ابنه: يا عبد اله، إنَّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق ولا تنغص إلى نفسك عبادة ربك! فإنَّ الحسنة بين سيئتين، وخير الأمور أوساطها، وشر السير القحقحة، وإنَّ المنبت لا أرض قطع ولا ظهر أبقى انتهى.
قال: ومن قوله: إنَّ هذا الدين متين. . إلى آخر الحديث، مرفوع إلى النبي ﷺ وأسير بيت في هذا قول الشاعر:
عليك بأوساط الأمور فأنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا!
الشر ألجأه إلى مخ العراقيب .
ويقال أيضاً:
شر ما أجاءك إلى مخة عرقوبٍ .
الشر نقيض الخير؛ ولجأ الرجل إلى كذا بالفتح والكسر لا ذبه وألجأته إليه: أضطررته وأجأته إليه أيضا بمناه؛ والمخ نقى العظم وعظم ممخ: ذو
стр. 874
نقي؛ والعراقيب جمع عرقوب، وهو العصب فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يديها، وكل ذات أربع فعرقوباها في رجليها، وركبتاها في يديها. والمعنى أنَّ الشر هو الذي ألجأك إلى سؤال اللئام. فيضرب عند الاضطرار إلى المسألة البخيل. وإنّما خص العرقوب لأنه شر المخاخ، كما إنّه شر العظام، كما قال الاخطل لكعب بن جعيل:
وسميت كعبا بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل
شر المال مالا يزكى ولا يذكى .
المال: معروف، والتزكية إخراج الزكاة والتذكية الذبح للأكل. والموصوف بما ذكر الحمار ونحوه، لأنّه لا زكاة فيه وزكاة له.
شر أهر ذانابٍ .
الشر تقدم؛ وهر الكلب يهر هريرا: صوت ولم ينبح. قال حسان، ﵁:
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
غيره:
ويغشون حتى ترى كلبهم ... يهاب الهرير وينسى النباحا
وذو الناب: الكلاب؛ وأهررته أنا: حملته على الهرير.
وهذا المثل يضرب عند ظهور أمارات الشر وتبين مخائله.
وأصله أنَّ قائله سمع هريرا الكلب في الليل، فأشفق من طارق بشر، فقال ذلك تعظيما للحال وتهويلا للأمر عند نفسه ومستمعه، أي: ما أهر ذا ناب إلاّ شر عظيم.
ولأحل هذا الوصف المنوي، حسن الابتداء بلفظة " شر " حتى حصل من ذلك الحصر.
شر يوميها وأغواه لها .
هذا يضرب عند إظهار البر باللسان لمن يراد به الغوائل. وهو شطر بيت تمامه:
стр. 875
ركبت غز بحدج جملا
وسيأتي في حرف اللام استيفاء الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
الشرط أملك، عليك أم لك .
الشرط بفتح فسكون إلزام الشيء والتزامه. ويكون أيضاً بمعنى سق الجلود، كفعل الحجام، وأما الشرط بالتحريك فهو العلامة، ومنه أشراط الساعة، أي علامتها؛ والملك مثلث الميم: لاحتواء على الشيء والقدرة عليه.
والمعنى إنَّ ما أشترط فهو لازم وأولى أنَّ يتفع سواء كان ذلك الشرك عليك أم كان لك.
وهذا المثل نطق به القاضي شريح، ولا أدري أهو المخترع له أم قيل قبله.
ذكر السكاكي في المفتح إنّه حكى أنَّ عدي بن أرطة أتى ومعه امرأة له مثال أهل الكوفة يخاصمها. فلما جلس بين يدي شريح قال له عدي: أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط. قال: إني امرؤ من أهل الشام. قال: بعيد وسحيق. قال: وإني قدمت العراق. قال: خير مقدم. قال: وتزوجت هذه. قال: بالرفاء والبنين! قال: إنّها ولدت لي غلاما. قال: ليهنك الفارس! قال: وأردت أنَّ أنقلها إلى داري. قال: المرء أحق بأهله. قال: كنت شرطت لها وكرها. قال: الشرط أملك منك! قال: أقض بيننا! قال: فعلت! قال: فعلى من قضيت؟ قال: على أبن أمك! قوله: أين أنت؟ يريد: في أي شغل أنت هذا الوقت؟ هل أنت متفرغ للنظر فيما بيننا؟ ولا يريد السؤال عن المكان حقيقة، ولكن لمّا كان فضولا مع ما فيه من سوء الأدب حمله القاضي على حقيقته وأجاب بنفس المكان، تجهيلا له وتعريضاً إنّه بين جمادين وهما عدي والحائط.
وقوله الرفاء والبنين: متعلق بمحذوف، أي تزوجت وأعرست مصحوبا بالرفاء، أي بالموافقة والألفة وبالبنين، أي الذكور دون البنات.
وقوله: ليهنك الفارس! دعاء له وتفاؤل، أي: ليكن ولدك هنيئا لك لائقابه، ويبلغ مبلغ الفروسة!
стр. 876
وقوله: الشرط أملك منك؟ أي ملكه وتصرفه أقوى من تصرفك، فلا ينبغي أنَّ يخالف. وقوله: على أبن أمك، أي عليك. وإنّما عدل عن التصريح إلى ما ذكر، كراهية موجهته بالحكم عليه، لمّا جلبت عليه النفوس من كراهية ذلك. ومثل هذا ما يحكى عن شريح أيضاً من إنَّ رجلا أقر عنده بشيء ثم أنكر، فلما قال له: أعط الحق! قال: من يشهد علي؟ قال: شهد عليك أبن أختك خالتك. فعدل عن التصريح ستر عليه وكراهية أنَّ ينسبه إلى الحمق بالإنكار بعد الإقرار.
شرعك ما بلغك المحل .
يقال: هذا الشيء شرعك، أي حسبك، ومررت برجل شرعك من رجلٍ! أي حسبك. ومعنى إنّه من النحو الذي يشرع فيه؛ والتبليغ معروف؛ والمحل: الموضع الذي تريده.
والمعنى أنَّ ما بلغك المحل المراد فهو حسبك. فيضرب في التبليغ باليسير.
وقال أبو عبيد: من أمثالهم في جود الرجل بما فضل عن حاجته بماله قولهم:
يكفيك ما بلغك المحل .
قال البكري: المشهور في هذا: شرعك ما بلغك المحل، أي حسبك. وقال: آخر في هذا المعنى:
حسب الفتى من دهره ... زاد يبلغه المحلا
خبر وماء بارد ... والظل حين يريد ظلا
قال: والمحل هو الدار الباقية.
شرق ما بين القوم بشر .
يقال: شرق بالماء بالكسر إذا غص به. قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
стр. 877
ويقال في هذا المثل إذا نشب الشر بين الناس.
والمعنى إنّه امتلأ ما بينهم بالشر، فكأنه غص. وهكذا كما تقول: غص المجلس بأهله، أي امتلأ، على طريق التمثيل.
اشتر لنفسك وللسوق !
هذا مثل يضرب في الاحتياط. ومثله قولهم: إذا اشتريت فأذكر السوق! وقد تقدم في الباب الأول. ومثله ما حكى البكري أنَّ عمر بن الخطاب ﵁، كان يقول: إذا اشتريت بعيرا فاجعله ضخما، فإنَّ أخطئك خيراً لم يخطئك سوقا.
شغلت شعابي جدواي .
الشغل بالضم وبضمتين، وبالفتح وبفتحتين ضد الفراغ شغله شغلا بالفتح، وأشغله أيضا؛ والشعاب جمع شعب بالكسر من الأرض؛ والجدوى: المطر العام والعطية أيضاً.
ويضرب هذا المثل فيما إذا لم يكن لمالك أو عطائك أو علمك أو نحو ذلك فضل عن نفسك أو عن من يتعلق بك، كالمطر تشغله شعابك، فلا يصل إلى موضع آخر.
ومعنى ذلك إنّه إذا قل المطر الواقع في الشعاب أو النازل إليها من التلاع، شربته وشغلته بذلك عن إنَّ يخلص إلى ما بعدها من الأودية والبقاع.
أشغل من ذات النحيين .
الشغل مر؛ والنحي بكسر النون وسكون الحاء المهملة: الزل. وقيل مخصوص بما كان للسمن؛ وذات النحيين امرأة من تيم الله بن ثعلبة، كانت خرجت في الجاهلية تبيع السمن فأتاها خوات بن جبير الأنصاري ﵁ فسألوها فحلت نحيا مملوءاً فنظر إليه ثم قال: امسكيه حتى أنظر إلى الآخر! ثم حل نحيا آخر فقال: امسكيه حتى انظر إلى خيره! فلما شغل يدها معا وقع عليها حتى قضى
стр. 878
أربه منها فهرب. فضربت العرب بشغلها المثل وقالوا: اشغل من ذات النحيين، وبنو أشغل من شغل بالبناء لمّا لم يسم فاعله، على وجه الشذوذ. وتقدم نظيره وتوجيهه.
وقال خوات في ذلك
وذات عيال واثقين بعقلها ... خلجت لها جار أستها خلجات
وشدت يداها إذ أردت خلاطها ... بنحيين من سمن ذوي عرجات
فكان لها الويلات من ترك سمنها ... ورجعت صفراً بغير بتات
فشدت على النحيين كفا شحيحة ... على سمنها والفتك من فعلاتي
قال في الصحاح: ثم اسلم خوات وشهد بدرا، فقال له الرسول ﷺ : يا خوات، كيف شراؤك؟ وتبسم ﷺ . فقال: يا رسول الله، قد رزق الله خيراً، واعوذ بالله من الحور وهجا رجل تيم الله فقال:
أناس ربه النحيين منهم ... فعدوها إذا عد الصميم
شغلهم الصفق بالأسواق .
يتمثل له وهو كلام عمرو بن أبي هريرة ﵄ لمّا ذكر لعمر حديث عن النبي ﷺ لم يروه. قال: اخفي علي هذا من أمر رسول الله ﷺ شغلني الصفق بالأسواق، أي بالبيع والشراء، لأن المشتري والبائع يضرب أحدهما بيده على يد صاحبه وهو الصفق.
وقال أبو هريرة: إنَّ إخواني من المهاجرين والأنصار شغلهم الصفق بالأسواق، وكانت ألزم رسول الله ﷺ على شبع بطني، كما في الصحيح.
شق العصا .
الشق: الصدع والعصا بالقصر العود يضرب به. والعصا أيضاً: اللسان وعظم الساق وجماعة الإسلام. وقولهم: شق فلان العصا أي فارق الجماعة ويقال
стр. 879
في الخوارج: شقوا عصا المسلمين، أي فارقوا جماعتهم.
وقال الشاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحبسك والضحاك سيف المهند!
أشكر من بروقةٍ .
الشكر بالضم أنَّ تعرف الإحسان وتشكره: والشكر من الله تعالى: المجازاة والثناء الجميل؛ والبروقة بكون الراء واحدة البروق، وهو شجر ضعيف، إذا غامت السماء أخضر، فوصف لذلك الشكر.
أشكر من كلبٍ .
الشكر مر، والكلب معروف، وشكره رضاه بالموجود وحياطته لصاحبه وقيامة عليه واتباعه له مع ذلك. ومما يحكى في هذا عن بعضهم قال: دخلت على العتابي، فوجدته جالسا على حصير وبين يديه شراب في إناء، وكلب رابض حوله يشرب كأسا ويولغه أخرى. فقلت له: ما أردت بهذا؟ قال: إنّه يكف عني أذاه ويكفيني أذى من سواه، ويشكر قليلي، ويحفظ مبيني ومقيلي، فهو من الحيوان خليلي.
قال الراوي: فتمنين والله أنَّ أكون كلابا لأحوز هذا النعت منه! ويقال إنَّ الحارث بن صعصعة كان له ندماء لا يفارقهم، وكان شديد المحبة لهم فخرج في بعض متنزهاته ومعه ندماؤه. فتخلف منهم واحد، فدخل على زوجته فأكلا وشربا ثم اضطجعا. فوثب الكلب عليهما فقتلهما. فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما ميتين وعرف الأمر. فأنشأ يقول:
فيا عجبا للخل يهتك حرمتي ... ويا عجبا للكلب كيف يصون
стр. 880
ما زال يرعى ذمتي ويحوطني ... ويحفظ عرسي والخليل يخون!
ويوثر في الحديث إنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلا مقتولا فقال: ما شأنه؟ قالوا: إنّه وثب على غنم بني زهرة فأخذ منها شاة، فوثب عليه كلب الماشية فقتله. فقال ﷺ ؛ قتل نفسه وأضاع دينه وعصى ربه وخان أخاه وكان الكلب خير منه.
ويحكى عن أبن عباس ﵁: كلب أمين خير من صاحب خؤونٍ وقد ألف بعض العلماء تأليفا في فضل الكلاب على كثير من لبس الثياب.
شاكه أبا فلانٍ .
المشاكهة: المشابهة.
وأصله أنَّ رجلا عرض فرسا له في السوق، فقال له رجل: أهذه فرسك التي كنت تصيد عليها الوحش؟ فقال: رُبَّ الفرس: شاكه، أي قارب في المدح ولا تفرط. فيضرب في الأمر بالقصد في المدح.
ويحكى أيضاً في هذا القصة إنَّ الأعرابي أقام فرسه للبيع فقال صاحبه: إنّها لتصاد عليها الوحش وهي رابضة. فقال له: رُبَّ الفرس، لا أبالك، كذب كذبا مؤاما به الدهر! أي موفقا به الدهر في تقلباته وأحواله الجائزة الوقوع.
وقيل إنَّ رجلا أدخل حمارا له في السوق، فجعل يقال له أبو اليسار يمدحه ويقول: إنَّ حافره جلمود، وإنَّ ظهره حديد. فقال صاحب الحمار: شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار! وتقدم هذا في الدال.
شكا إلى غير مصمتٍ .
الشكوى أنَّ تذكر الغير بسوء فعله بك، تقول: شكوت فلانا أشكوه شكوى وشاكية وشكية، فهو مشكو ومشكي؛ واشتكيه: فعلت به ما يشكوه، أو أعتبته وأزلت شكواه. فهو من الأضداد. قال الراجز:
следующие страницы →