← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وبعد أن جدد وعمر وشيد وأصلح جميع القباب والأساطين الكائنة فى مؤخرة حرم السعادة أو فى داخله كما عرف آنفا، وحتى يقووا ويدعموا أساس القبة الخضراء المرتفعة التى فوق الحجرة بنوا جدارا لصق أسس شبكة الحجرة المعطرة وبإقامة بعض العقود فوق هذا الجدار دعموا القبة الخضراء الشريفة وحافظوا عليها فى صورة متينة. وإن كانت تلك القبة اللطيفة عمرت فى عهد السلطان محمود خان الثانى إلا أن جهة من عقود القباب الجديدة التى ستؤسس فوق جدران القبة الخضراء أدرك لدى الكشف عليها أن هذه الجدران ليست متينة بدرجة تتحمل العقود الجديدة ومن هنا قرر تدعيم قواعد الجدار العتيق، وبناء على هذا القرار حفر حول الشبكة الشريفة أساسا عميقا قدر ستة أذرع وجدد أساس الجدار الذى صنع فى عهد السلطان محمود فأسس وطرح أسس الجدار الجديد مطابقا لهذا الأساس الغير قابل للاندراس. فالقبة اللطيفة التى عمرت فى عهد السلطان محمود خان العدلى قد حفرت قاعدة أساسها إلى أن ظهر تراب سليم، والحجارة التى وضعت كأساس كانت فى غاية الصلابة والإحكام وفوق ذلك قد ربطت بعضها ببعض بقيود من حديد ورصاص مذاب، وإن كان هذا الأمر تبين عند المعاينة. ولكن حتى توضع عقود ما اقتضى تجديده من القبة العالية وحتى تقوى وتحكم الجوانب الأربعة للقبة الخضراء درجة أخرى رئى أن يبقى على الجدار الذى بنى فى عهد السلطان محمود خان حول الحجرة المعطرة وأن يبنى حول هذا الجدار جدار آخر وتوضع عليه عقود القباب الجديدة فوق الجدار الجديد، وبهذه الطريقة قد رصنت سواء أكانت القبة الخضراء أو القباب الأخرى العالية فوق المطلوب، وبناء على هذا التعريف يقتضى أن يرى الجداران المحدثان من الخارج إلا أن شبكة السعادة العارضة تحيط سواء أكان بالجدارين اللذين بنيا فى عهد السلطان محمود أو الجدارين اللذين بنيا فى عهد السلطان عبد المجيد، وبما أن

стр. 1472

شبكة الحجرة المعطرة اللطيفة كما سبق تعريفها ظلت بين القواعد والدعامات التى أنشئت لتشييد القبة الخضراء ولأجل ذلك فرؤية هذه الجدران غير ممكنة. وبناء على ما فهم من هذا التفصيل فالقبة الخضراء التى تشاهد من خارج المسجد الشريف هى تلك القبة التى تطلق عليها القبة الخضراء فهى قبة خضراء كبيرة فوق قبة الحجرة التى تقع فوق مربع قبر السعادة، وكما سيبين فيما بعد أن القفص المصنوع من السلك الذى يغطى المربع المقدس تحته قبة صغيرة وهذه القبة فوق مرقد السعادة وتعرف باسم قبة الحجرة. وكان داخل الجدران الأربعة المتصلة والذى يقال له مربع القبر الشريف كان فى الأصل دار أمنا السيدة عائشة-رضى الله عنها-فنعوش صاحب الشريعة- عليه أكمل التحية-وأبو بكر الصديق وعمر الفاروق-رضى الله عنهما-مدفونة فى داخل هذا المكان السعيد. قد زينت الأطراف الأربعة لمربع القبر الشريف بالأغطية الغالية التى أرسلها السلاطين العثمانيون خاصة للحجرة المعطرة، لهذا ليس هناك من رأى ظهر مربع قبر السعادة فى الأزمنة القريبة، ويرددون أن هذا المحل مستور بقفص مصنوع من الأسلاك وظهر هذا القفص الجهة الداخلية للقبة الخضراء التى ذكرت، ويدخل شعاع الشمس من نافذة قبة النور التى تقع فى الناحية القبلية من هذه القبة، فينير سواء أكان داخل مربع القبر الشريف أو جدرانه وما بين القفص الذى يطلق عليه شبكة السعادة. ليس فى زماننا من رأى داخل مربع قبر السعادة، يعنى داخل الجدار الذى يحيط بأطراف القبور الثلاثة، وإن كان للمربع المقدس فى جهة السعادة نافذة صغيرة، ومن الواضح أن من ينظرون من هذه النافذة الصغيرة يستطيعون أن يروا داخل مربع القبر الشريف إلا أن من رعاية شروط الأدب عدم النظر إلى داخل المربع ولأجل ذلك لا يمكنهم أن يجيلوا أنظارهم فى داخل المربع، ويجرى

стр. 1473

أهالى المدينة رسم الولادة كما عرف فى الصورة الثالثة من الوجهة الثالثة، بأن يلقوا أولادهم حديثى العهد فى داخل هذه النافذة. كان قد أخرجت خلال سنة ٥٥٤ من داخل مربع قبر السعادة جيفة هرة متعفنة، وبناء على الظن القوى أن تلك الهرة قد دخلت من تلك النافذة ولم تستطع الخروج فهلكت وتعفنت وحتى يزال أثر تعفن الجيفة الكريه قد ترك فى داخل المربع الشريف من تلك النافذة خشب شجرة الصندل الذى نقع بدهن الورد وهذه القصة تروى بين الأهالى بسند قريب من الصحة، حتى إن تعطير الحجرة المعطرة على هذا المنوال قد أخذ صفة العادة. حتى إنهم فى زماننا-كما سبق تعريفه فى المكان الخاص-يعطرون نشارة كافية من شجرة الصندل بدهن الورد ويلقونها فى يوم معين داخل مربع قبر السعادة من تلك النافذة، وبعد سنة يستردون القديم ويضعون الجديد ويقتسمون القديم فيما بينهم، ومع ذلك فسواء عند استرجاع نشارة الصندل أو إلقائها لا يدققون النظر إلى داخل حجرة السعادة، وهذه الشبكة أى القفص الحديدى الذى يحيط بمربع قبر السعادة من جوانبه الأربعة يطلق عليه شبكة السعادة، ويقال لداخل هذه الشبكة الحجرة المعطرة، وينال الزوار الكرام مرامهم بزيارة قبر السعادة من خارج هذه الشبكة (١). بعض تفصيلات مهمة: لما جاء الدور لتعمير قباب الروضة المطهرة صنعت ستارة خشبية عارضة فوق الأعمدة التى بين حدود الحجرة المعطرة والروضة المطهرة حتى لا يسقط تراب ولا تقع حالات تؤدى إلى عدم الرعاية والاحترام، ولم يحدث أن هتك العمال الذين يشتغلون فى هذا المكان ستارة الاحترام والأدب، فيعمل العمال فوق الستارة الممدودة بكل وقار وهدوء وينهمك العباد الذين فى داخل الروضة المطهرة فى

стр. 1474

عبادتهم وطاعتهم دون إحداث ضجة حتى الهمسة ما كانت تسمع حتى يظن أن فوق الستارة الخشبية لا يوجد عمال يعملون، ابتداء من الأعمدة التى فى الصف الثالث التى توجد فى الحدود الأصلية لمسجد النبى من ناحية الشام إلى أسطوانة الوفود، وفى الجهة الغربية من المسجد الثانية من المنبر النبوى وباعتبار ما بين الأسطوانتين الواقعتين فى جهة الجنوب ومن الجدار القبلى. وسواء هاتين الأسطوانتين أو الأساطين الشريفة الأخرى إلى أنصافها كانت مزينة بألوان بيضاء وحمراء ومحلاة بذهب خالص ومذهبة وكانت هذه من آثار السلطان سليم بن السلطان عبد الحميد خان المبرورة قد أبقيت كما هى وغيرت زخارفها، ومن تلك الأساطين ما تكسّرت قطع رخامها بشكل لا يمكن ترميمها وقد صنعت جيدا وحتى يعرف أنها كانت مرممة كالأساطين الأخرى قد نقشت عليها رسوم الرخام باللون الأبيض والأحمر، وشبهت بالأخرى وجميع الأعمدة التى فى الجهة الشرقية من الأعمدة الملاصقة لشبكة المنبر المنير وتحت المنبر الشريف المذكور بنى هذه الأساطين إلى السقوف التى أمام الروضة المطهرة كلها وقد جددت قطع رخامها، ولكن قطع رخام الأعمدة التى بين مواجهة السعادة وحول الحجرة اللطيفة لم تغير، على أنها علامة لازمة لحدود الروضة المطهرة من الجهة الشمالية، وأصلح ورمم بعض أماكنها، وبهذا قد حفظ حكم الحديث الشريف الذى يقول: «ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة» والأسطوانات التى سطرت عليها قصيدة السلطان سليم بن عبد الحميد خان والتى سبق ذكرها فى موضوع الأساطين كانت ضمن الأساطين المذكورة التى بقيت كلها على حالاتها القديمة وغيرت زخارفها وخطوطها فقط. وبينما كان يحفر أسس أسطوانة السرير فى محاذاة رأس السعادة وأسطوانة التوبة ظهر ماء عذب لطيف، ولما كان لهذا الماء رائحة طيبة أخذ منه أكثر الأهالى وتبركوا به وأرسلوا منه إلى أهالى البلاد الأخرى، قد انهمك الأهالى بتدبير

стр. 1475

الأوانى والزوارق لأخذ الماء ولما وصل صياحهم إلى قدر هتك ستارة الأدب فألقى الأساس رأسا حفظت حرمة المسجد. وبينما كانت أسس هذه الأسطوانات والأسطوانات الأخرى تحفر وتفتح نثر البخور، وأحرقت أقراص الطيب وأنواع أخرى من الطيب، فى نقط وضع الأساطين، وحينما كان يحفر أساس الأسطوانة التى فى ركن الجهة الغربية القبلية للشبكة التى تحيط بالحجرة المعطرة ظهرت بئر تنزل إليها بسلم ذات تسع درجات وكان ارتفاع وعرض كل درجة شبرا واحدا، وكان وليد بن عبد الملك قد حفرها للسيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب-رضى الله عنها-فى دار عبد الله بن عمر-رضى الله عنهما-ويلزم أن تكون هذه البئر مخرج الطريق الذى سده موظفو السلطان قايتباى حتى يمنعوا اختلاط الرجال بالنساء، وكان عمر بن عبدا لعزيز قد أخذ بأمر الوليد بن عبد الملك دار أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب-رضى الله عنهما-التى كانت فى الجهة القبلية من دار عائشة-رضى الله عنها-وأعطى لها فيما بعد فى مقابلها الدار التى يطلق عليها دار عمر بن عبد الله (١). وكان قد فتح لهذه الدار طريقا إلى مسجد النبى، ظل ذلك الطريق مفتوحا إلى الوقت الذى زار فيه الخليفة المهدى المدينة المنورة ولكن موظفى الحكومة لم يستصوبوا ذهاب المهدى من هذا الطريق إلى مسجد السعادة لأسباب خفية، فسدوا الباب الذى يؤدى إلى المسجد، وفتحوا طريقا من دار عبد الله بن عمر من تحت الأرض حتى شبكة السعادة حتى يدخل المهدى فى داخل المقصورة دون أن يراه أحد، وهذا هو الطريق الذى نتحدث عنه، وقد ذهب المؤرخون إلى أن فى مخرج الطريق الذى فتح ثلاث درجات وأطالوا فى تعريف هذا الموضوع. ولما كان عدد الدرجات التى ظهرت تسع كما حرر من قبل فيصل خطأ رأى

стр. 1476

المؤرخين إلى درجة الثبوت، حتى إن مقدار ذراع ونصف ذراع من مخرج الطريق الذى ظهر مليا، ولما كان محتملا أن يكون فى هذا المكان ثلاث أو أربع درجات يقتضى أن يكون مخرج ذلك الطريق ثلاث عشرة درجة، وبعد زيارة الخليفة المهدى بعدة عصور أصبحت زيارة حجرة السعادة بهذه الطريقة عادة، ولكن فيما بعد حدثت أشياء منكرة ولم تراع الأدب والحرمة فسد باب المخرج الذى فى داخل شبكة السعادة فى سنة ٨٨٤ وهكذا أنهيت تلك الأحوال المنكرة. بينما كانت نوافذ الجدار القبلى لقبة المحراب العثمانى تجدد على حالتها القديمة أضيف عقد كبير لتدعيمه وجددت الأعمدة التى تحمل القبة بحجر أحمر ووسعت الجهة العليا من القبة وفتح على أطرافها صفان من النوافذ إحداها فوق الأخرى، وجعلوا أعالى النوافذ مقوسة فظهرت على شكل فى غاية الحسن والجمال، وحتى يقووا ويدعموا القبة التى فوق مواجهة السعادة ركزوا فى الجهة الشرقية من القبة العثمانية أسطوانتين كبيرتين مصنوعتين من الحجر الأحمر مثل الأساطين الموجودة حول الحجرة المعطرة، والقبة العثمانية الجميلة أكبر وأوسع وأكثر زينة من جميع قباب مسجد السعادة ما عدا القبة الكبيرة الخضراء التى تعلو على القبة الصغيرة التى فوق الحجرة المعطرة وقد أسست أول مرة فى عهد السلطان قايتباى عقب الحريق الثانى، وإن كان رمم وأصلح بعض جهاتها فى عهد السلطان محمد بن إبراهيم خان-عليهما الرحمة والغفران-ولكنها سقطت فى سنة ١١٤٧ وانهارت فجددت فى عصر السلطان محمد بن مصطفى بن السلطان محمد خان سنة ١١٤٨ لعدم حرمان هذا المكان من جماعة الصف الأول، بدون أن يركز أعمدة فى الجهة القبلية من الجدار مكتفيا بالعقود الملقاة على الجدار المذكور. وقد خالف محمد راشد أفندى آمال الأهالى وأفكارهم حيث ركز أربعة أعمدة بجانب باب السلام، وبما أن نقاط هذه الأعمدة قد حرمت من شرف أداء الصلاة

стр. 1477

فيها طلب إزالتها، ولكن رفع هذه الأعمدة وإزالتها كانت تحتاج لنفقات كبيرة وهذا العمل سيؤدى إلى إضرار خزانة الدولة كما أنها لو أبقيت لن تصيب زينة المبانى المقدسة ورزانتها بعيب أو نقص فلم يمسوها، كما أبقت هيئة الشورى الأسطوانة التى تكون فى الجهة اليسرى للصاعدين على المئذنة الرئيسية، على أنها من جملة الأساطين القديمة مع أن رفع هذه الأسطوانة كان أولى. انتهى. وبعد ما تمت عمليات الأبنية العالية بكل مشتملاتها ومتفرعاتها، كتبت جميع الكتابات التى كانت فوق طلاء داخل القباب وداخل الجدار القبلى باهر الأنوار كما سبق ذكره فى مكانه، وزيّن ذلك المقام العالى مرة أخرى، وكانت الخطوط المنقوشة من آثار قلم زهدى أفندى (١) من سلالة تميم الدارى-رضى الله عنه- من صحابة النبى ﷺ ومن تلاميذ رئيس العلماء الحاج مصطفى عزت المشهورين، وهى آثار لم يشهد لها مثيل. وأراد السلطان الغازى عبد المجيد خان أن يحتفظ بصورة مصغرة لما كتب لهيئة مسجد النبى القديمة فى جامع خرقة السعادة، لذلك أمر بصنع هيكل مجسم لمسجد النبى حينما أمر بتجديده، وقد عهد بهذا الأمر واجب الامتثال وإجراء مضمونه إلى البكباشى الرسام الحاج عزت (٢) أفندى من أعضاء مدرسة الهندسة البحرية السلطانية. كما وجه إليه هندسة المبانى المقدسة العالية وأرسل إلى المدينة المنورة. وعندما وصل عزت أفندى إلى المدينة المنورة دار السكينة قاس مساحة الحجرة المعطرة إلى أن وصل إلى جدار الضريح من الداخل والخارج أو حرم السعادة بدقة شديدة وبعد ذلك صنع تمثالا هيكليا من الخشب وأرسله إلى باب السعادة سنة ١٢٦٨،وقد نال ذلك الهيكل القبول الحسن وحسن التقدير وبناء على الأمر

стр. 1478

السلطانى نقل إلى جامع خرقة السعادة بجانب جامع على باشا القديم، ووضع فى مقصورة المؤذنين ومازال محفوظا فى صندوق زجاجى. وذلك المعبد من جملة الخيرات الجليلة للسلطان المذكور المشار إليه، وكان ذلك الهيكل نفس المسجد النبوى الذى يخدمه الملائكة بشكله القديم، وكانت مساحته الطولية جزءا من خمسين جزء منه (١)،ويروى أن نحته الخشبى قد صنع من قبل الحافظ الحاج على (٢) أفندى الذى وجد فى قطعة الحجاز المقدسة سنة ١٢٦٧ هـ وهو صاحب ألف فن. ولما كان هذا التمثال يشبه أصله مشابهة تامة نوصى أصحاب الإخلاص والمحبة برؤيته فالنظر إليه ومشاهدته يشبهان زيارة مسجد المدينة الشريف، وفى هذا النموذج بناء على ما تم عده وبناء على قيده وكتابته فى التواريخ القديمة (٣٠) قبة فى الجهة الغربية و (٢٢) فى الشمال و (٦٨) فى الشرق (٣٤) فى الجهة الجنوبية و (٥٩) فى الجهة الغربية من الحجرة المعطرة وكانت جميع قباب مسجد السعادة قبل تجديده (٢١٣) قبة متناسقة، وقد صنع (١٨٣) قبة فى سنة ٨٦٨ هـ من قبل السلطان قايتباى المصرى، كما أن (٤٩) قبة منها صنعت من قبل السلطان مراد خان الرابع، وقد زين السلطان قايتباى مبانى المسجد النبوى الشريف من جهاته الأربعة دائرا ما دار بالقباب المنيرة والسقف الملاصق للقباب سالفة الذكر والقباب التى فى مؤخرة حرم السعادة رعاية للهيئة القديمة الأصلية مكشوفا وفرشه بالرمل الأحمر، ولما احتاج السقف الذى أنشأه السلطان قايتباى فى عهد السلطان مراد خان الرابع إلى التعمير هدم هذا السقف واستصوب تحويله إلى قباب كسائر الجهات، ودرست الكيفية فى الاجتماع الذى عقد من علماء المدينة وأصبحت موضع البحث وقرر تجديد النصف الشامى من ذلك السقف على حاله

стр. 1479

وتحويل النصف الثانى من القبلى إلى القباب لما فى ذلك من محسنات، وقد عرضت المذاكرات السابقة على مقام الخلافة وقد وافق العرض للأفكار السلطانية وأرسل مع الموظف إلى المدينة عددا من العمال المهرة حيث يتم إجراء الأمور على وجه السرعة فهدمت السقوف المذكورة وبنى على النصف القبلى ثلاثين عددا من القباب العالية وعلى النصف الثانى من الشامى وهى الجهة الرملية، بنى سقفا جديدا لطيفا. وكانت السقوف التى صنعت فى عهد السلطان مراد الرابع (١٩٥) والمساحة الرملية التى تركت مكشوفة فى عهد السلطان قايتباى المصرى (٣٨٢٥) ذراعا معماريا مربعا، وبناء على هذا الحساب أن غير (٤٠٢٠) ذراعا معماريا من الساحات قد أخذت كلها تحت السقوف والقباب، بالقرب إلى سنة ١٢٧٧ هـ قد أمر السلطان عبد المجيد خان بأن تحول السقوف والقباب التى صنعت فى عهد السلطان مراد خان إلى أبنية حجرية وتشيد وتقوى المبانى المقدسة فى صورة لائقة كما أرى فى خريطة تجديد حرم السعادة وهيئته القديمة، وبناء على ما جاء فى خريطة هدم السقف سالف البيان بنى مكانه تسع عشرة قبة لطيفة إحداها أبيض اللون وكبيرة وثمان وعشرين منها مستديرة وأصغر من الأولى وحول جميع القباب الأخرى إلى بناء حجرى وبذل جهودا جبارة لتشيد مبانى حرم السعادة على الوجه المطلوب، وبلغ عدد قباب المسجد النبوى إلى (٢٤٢) قبة وعدد أساطين المسجد إلى (٤٢٣) أسطوانة مع أساطين مؤخرة حرم السعادة، إذ كان داخل حرم السعادة وخارجه (٤٢٣) عمود وكان (٣١٣) منها غير قابل للاستخدام وفى حاجة قصوى إلى التعمير بعد هدمها، وقد هدم منها مائة وعشر أعمدة وجددت وعمر (٣١٣) منها وشيدت، وقد رصنت جميع الجهات الأربعة للجدران والأساطين والقباب العالية بأحجار منحوتة، وأمن جميع جهاته قبل أن يتطرق إليها الخطأ والخلل وكذلك جميع مشتملاته وفروعه. ألا فليحفظه الله من جميع الآفات السماوية والأرضية، وقد عمر مسجد

стр. 1480

السعادة بطريقة متينة، لم تبق جميع جهاته بدون تعمير عدة قرون فلن يتعرض للمخاطر. وسيظل مصونا بدون شك حتى إذا قضى الموجودون من الفرقة المنجية الإسلامية عمرهم كله تاركين أعمالهم، الشكر والثناء على ما قام به السلطان عبد المجيد خان من الخدمات ما أوفوا بحقه. وما أعظم الخدمات التى أسداها هذا السلطان للمسجد النبوى الشريف وما أعظم ما أنفقه من النقود، فما بذله من السعى والجهد إلى أيامنا هذه يفوق بكثير ما بذله ملوك بنى أمية. وعندما تمت عمليات أبنية السعادة وأصبحت رهن الختام فى سنة ١٢٧٧ هـ فى أواخر ربيع الأول ولم يبق إلا أشياء صغيرة تافهة، وأماكن محدودة للمفتين والمجاورين أولم أحمد أسعد أفندى وليمة للأهالى فى الجبل الأحمر، وكانت وليمة عظيمة حضرها موظفو الحكومة وأكابر البلاد والعلماء والأغنياء ومالا يحصى من الفقراء والمساكين، وتليت منقبة مولد السعادة وعلق على المحجر لوحة كتبت عليها عبارة: «قد أخرج من هنا الأحجار التى احتيج إليها لتجديد حرم السعادة. وقد وقع تحت النظر فى دفتر إجمال النفقات أنه قد أنفق لتعميرات الأبنية العالية والإنشاءات الجليلة سبعمائة ألف قطعة من الذهب المجيدى وكل قطعة تساوى مائة قرش ومائة وأربعين ألفا من الصرر والدراهم، كما أن ما أرسل من باب السعادة من الألواح الخشبية والحديد والقصدير، والنحاس وأشياء ثقيلة أخرى كان خارج هذا الحساب، وقد استخدم فى العمل يوميا ثلاثة وخمسين عاملا ما عدا الموظفين والكتبة والمهندسين والمباشرين، وهذا التوفيق الخارق للعادة من آثار والد السلطان الكثير المحامد السلطان عبد المجيد خان المشكورة والجميلة. وما زال أهالى البلاد الحجازية يقدسون روح السلطان المشار إليه ويعرضون

стр. 1481

شكرهم وثناءهم عليه فى كل آن وساعة كما أنهم يذكرون بكل خير عريانى زاده أحمد أسعد أفندى الذى بذل جهودا مشكورة فى سرعة إنجاز عمليات الإنشاء والتعمير. ولم يقتنع السلطان عبد المجيد خان بتوفيقه فى إحياء وتعمير حرم السعادة، فقد هدم مدرسة بشير أغا التى أشرفت على الخراب من أساسها بنى مكانها سبيلا فى سنة ١٢٦٢ هـ،كما طهر البالوعات التى حول حرم السعادة وأصلح الأرصفة ونظفها فأنقذ أطراف المسجد الأربعة من القذارة والتعفن وأرسل مقدارا كافيا من السجاجيد لفرشها فى حرم السعادة وأرسل قطعتين من الشمعدانات الكبيرة فى ناحية المحراب العثمانى وأضاء تلك النواحى السعيدة مثل جهات المسجد الأخرى، وقد كانت جهات المحراب العثمانى فى تلك الأوقات خالية من الشمعدانات وكانت جماعات المسلمين من قبل يؤدون صلواتهم فى الظلام. وبناء على ما كتب فى مرآة مكة، قد عمر السلطان عبد المجيد وجدد سور مقبرة المعلا، والأساطين التى أشرفت على الخراب فى المسجد الحرام، وجدار الحطيم الشريف ومسجد الخيف ومسجد الطائف ومرقد الطاهر ابن الرسول، ومحمد بن الحنفية ابن حيدر وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم، ومولد الصديق الأكبر ومولد على بن أبى طالب ودار مولد النبى السعيدة ودار الخيزران ومولد حمزة وبركة اليمانى ومرقد الشيخ محمود، وقباب مقبرة الشهداء ومذبح إسماعيل وضريح ميمونة رضى الله عنها.

стр. 1482

للأمر السلطانى الذى صدر متضمّنا كيفية إعمار الأبنية العالية إلى الدستور المكرم، والمشير المفخم، نظام العالم مدبر أمور الجمهور بالفكر الثاقب ومتم مهام الأنام بالرأى الصائب، ممهد بنيان الدولة والإقبال، مشيد أركان السعادة والإجلال المحفوف بصنوف عواطف الملأ الأعلى، من مشيرى الجنود النظامية السلطانية شيخ الحرم النبوى الحائز على الوسام المجيدى السلطانى من الطبقة الأولى وزيرى طوسون باشا-أدام الله تعالى إجلاله. وإلى المختص بمزيد عناية الملك الدائم، من رجال دولتى المتميزين ومدير المدينة المنورة والحائز الوسام المذكور من الدرجة الثانية وحامله، وفخر الأمراء الكرام، معتمد الكبراء الفخام، ذو القدر والاحترام، صاحب العزة والاحتشام المختص بمزيد عناية الملك الأعلى، من كرام أمير أمرائى موظف الأبنية العالية أدهم باشا، دام إقباله. وإلى أقضى قضاة المسلمين والى ولاة الموحدين، معدن الفضل واليقين، رافع الأعلام الشريفة والدين، وارث علوم الأنبياء والمرسلين، المختص بمزيد عناية الملك المعين، مولانا قاضى المدينة المنورة-زيدت فضائله-. فليكن فى علمكم عندما يصل فرمانى الرفيع الشأن، أن الحاج محمد راشد- دام علوه-وهو من أعضاء دار الشورى العسكريين ومن رجال دولتى الممتازين، افتخار الأعالى والأعاظم كان قد أرسل إلى المدينة المنورة بمهمة تفتيش وتحقيق التعميرات التى تجرى فى ممسح جباه الموحدين الحرم النبوى الشريف فعاد من هناك بمعلومات جديدة وآراء محلية ومضابط وخرائط والأوراق الأخرى فمن مقتضى الأمر الملكى أن يدرس هذا الموضوع بناء على ما استجد من المعلومات

стр. 1483

وليدرس ويذاكر فى مجلس خاص للوزراء علما بأن هذه التعميرات الجليلة تنقسم إلى قسمين: الأول: مؤخرة الحرم الشريف ومتفرعاته. الثانى: تعمير مشتملات داخل الحرم الشريف. وبما أن كيفية تجديد مؤخرة حرم السعادة وتعميره قررت حتى إن أكثر عملياته قد ختمت على أحسن وجه كما أكمل بعض مشتملاته وتفرعاته كما قرر بالاتفاق العام، فى محله أن تنشأ آثار قايتباى الملتصقة بآخر الحرم الشريف على الهيئة الجديدة إلى القباب التى أنشئت حديثا فى محاذاة باب الرحمة. والآن فموضوع البحث هى المسألة الثانية، قضية كيفية تعمير القباب والسقوف والأساطين التى تحمل تلك السقوف، وبناء على الكشف والتحقيقات فالسقوف المذكورة مصنوعة من الخشب والأساطين التى تحتها صنعت من حجارة صغيرة أخذت فى التفتت والتجرد فربطت بدعامات حديدية، وبعضها مال للانحراف فاتفق على لزوم تجديدها وتعميرها فى محلها وبناء على هذا الاتفاق حدث مسوغ شرعى، ولكن الجانب الجدير بالتدقيق فى هذا البحث والذى أدى إلى الاختلاف والنزاع فى محله مسألة تغير هيئتها القديمة أو عدم تغيرها، والمهم أن يعرف لهذا الموضوع الحكم الشرعى الصحيح، وحتى ندقق النظر فيما أورد من الدلائل النقلية والعقلية بموجب الشرع الشريف وتعرف أهميتها للمصلحة العامة أمرت بتشكيل مجلس خاص يتكون من فحول العلماء وبعض الوزراء فى دار الإفتاء، وبعد معاينة الأوراق والمضابط والخريطة التى أرسلت من المدينة، وتدقيق النظر فيها كلها وصلوا إلى قرار وهو أنه يمكن تقليل عدد الأساطين وتغيير أماكنها وتعديلها لتوسيع أماكن الصلاة ولإحداث تناسق بين الأساطين وقدموا أدلتهم وحججهم وإن كانت كل هذه الأدلة لا بأس بها، وبهذا يمكن أن يوسع داخل الحرم الشريف لدرجة ما، ويتناسق مع مؤخرة الحرم الشريف الذى جدد على هيئة حديثة إلا أن هذه المواقع التى جددت فى مؤخرة حرم السعادة، كان تجديدها

стр. 1484

مبنيا على مسوغ شرعى صريح، إلا أن داخل الحرم الشريف لا يمكن مقارنته بمؤخرة الحرم، كما أن تعمير آثار قايتباى باتفاق وأجرى التجديد بناء على هذا بالاتفاق، وبما أن داخل الحرم الشريف الأصلى من الآثار القديمة الجليلة ويتشرف بهيئته القديمة، وإن مسألة التناسق والتناسب لن تكون لتحويل رسم وهيئة المسجد الحرام، ولما كان عدد الأساطين التى تحتاج إلى التعمير والترميم مائة وبضعة وأربعين، وأن ثمان منها من الآثار النبوية لا يجوز تغييرها وتبديلها قطعيا، كما أن الأساطين التى ركزت فى داخل الحرم الشريف فى عهد أبى بكر الصديق وعمر الفاروق-رضى الله عنهما-زيدت باتفاق الصحابة فى توسيع المسجد فهى فى حكم الآثار، فمثل هذه الآثار التى وجدت باتفاق الصحابة والتى لم يسم أى جانب من جوانبها فلا يجوز تغيير هيئات أماكنها لمجرد التوسيع والتنسيق، وهذا من الأمور المسلمة، وفى هذه الحالة فالأسطوانات التى ستجدد على طراز حديث ستكون عرضة للتغير وللتبديل فهى الأساطين التى أضافها وأنشأها السلطان مراد خان والسلطان قايتباى وتترك الأساطين الأخرى، ومع تغيير هذه الأساطين وتحويل أماكنها فلن يحدث التناسق المنتظر. ومع هذا فالقباب القديمة من آثار السلطان مراد قد وضعت فوق الأساطين التى كانت قائمة ولم يتصدّ أحد، فى ذلك طالبا تغيير رسم وأماكن تلك الأساطين، والتوسيع المرغوب حدث منسوبا إلى اسمى، وبإنشاء المواقع والقباب الجديدة حاليا، وبناء على الأقوال الموثوقة وإن كان بين هذه الأساطين ما يحتاج للتجديد، ولكن بعض ما انحرف منها وبعض ما احتاج للتعمير الجزئى منها، فلا يلزم تجديدها فمثل تلك الأساطين ترمم وتسوى فى أماكنها على هيئاتها القائمة، بحيث تقوى على حمل القباب الحجرية التى ستوضع عليها، وبما أن الأساطين الموجودة فى المسجد مبنية بحجارة سوداء فمن المستحسن أن تنشأ ما يراد تجديدها من الحجارة السوداء حتى تشبهها، وعند تعمير الأساطين التى غلفت بقطع الرخام تغطى أيضا بالرخام بعد تعميرها، ولما كان معظم قباب السلطان مراد سليمة والأساطين المحتاجة للتعمير لا تتجاوز ثمانية أساطين أو عشرة، ولما كانت

стр. 1485

بعض أماكن المسجد النبوى قبابا حجرية وكان أكبرها سقوفا خشبية احتاجت إلى التعمير وستعمر على هيئة القباب الحجرية، وبهذا ستجنب المخاطر مثل الحرائق وغيرها، وعلى هذا لن يكون هناك أى مسوغ لتغيير أماكن هذه الأساطين أو تقليل عددها أو تغيير الآثار المباركة بها، وبناء على هذه التفصيلات المشروحة رجح الرأى القائل بتجديد وتعمير ما فى داخل حرم السعادة فى مكانه وعلى هيئته وشكله القائمين، وعلى هذا تعين إجراء العمليات كما تبين من الواقع، ويشرع فى العمل من بين باب الرحمة وبين باب السلام ومن بين باب السلام إلى ما بين المئذنة الرئيسية، وبما أن المحراب العثمانى وسقوفه قد كشف أولا فمن الأهمية تجديد القبة العثمانية، وإنشاء ما بين دكة الأغوات إلى باب الرحمة، وتعمير القباب الجديدة وتشييدها وإحكامها والأبنية العالية كذلك والتى تقرر إنشاءها بناء على المسوغ الشرعى وتوسيع الأماكن التى يمكن توسيعها والتى قد وضعت أسسها لن تخلو من الحسنات وإتمام بناء تلك الأماكن وفق كشوفها، وبما أن الجدار الكبير الذى يبدأ من المئذنة الرئيسية وينتهى عند باب السلام قد ظهر ميله وانحرافه فليزال ويجدد ويعمر على الوجه المطلوب، وبما أنه لا يجوز وضع الأنقاض المختلفة من عمليات التعمير والترميم والأحجار المكسرة التى ستخلّف من تعمير وتجديد الأساطين فى أماكن غير مناسبة فمن الأجدر أن تستخدم فى بناء الجدران العادية من الحرم الشريف أو فى مثل هذه الأشياء، ولما كانت حجارة المكان الذى بين شبكة السعادة والحجارة المفروشة، والستارة قد تزحزحت من أماكنها، يجب أن توضع فى أماكنها بدون إحداث أى تغير، وقد نبه مرارا على ألا يرفع أحد صوته فى أثناء العمل وألا يأتى بحركة مخلة للآداب، وأن يظهر أقصى ما يمكن للإنسان أن يقوم به من توقير وحرمة للمكان، وقد جاء ذكر كل هذه الأشياء فى المجلس الخاص وقيدت فى مضبطة. ولما كانت هذه التعليمات الشرعية الدقيقة التى بحثت ستؤدى فى الآخر إلى عدم تغيير ما لا يراد تغيير هيئته الحالية من جهة وأن تتحقق قضية المتانة والرصانة

стр. 1486

من جهة أخرى، يجب أن تنفذ العملية وفقا لما سبق شرحه وذكره، وأن تحفظ الأشياء التى ستصرف للأبنية العالية من التلف والسرقات، وأن يراعى حسن معاملة العمال المستخدمين، وأن تشكل هيئة مؤقتة من الموظفين الموجودين والمهندسين ورؤساء الحجارين للإشراف على أمور الإنشاء والتعمير. وقد تقرر فى مجلس الوزراء الخاص أن يعمل أعضاء تلك اللجنة المكونة وفقا لما جاء فى اللائحة التنظيمية لسير العمل، وعرض هذا الأمر على ذاتى السلطانية بعد الاستئذان، فتعلقت إرادتى السلطانية على أن ينفذ ما جاء فى قرار مجلس الوزراء الخاص وصدر أمرى هذا إعلاما وتنبيها وتقييدا من ديوانى السلطانى وقد ذيلت اللائحة المنظمة بختم أعضاء المجلس الأعلى، وصدق من مقام الصدارة العظمى، ثم أرسلت فرمان بأمرى السلطانى. والآن وأنتم شيخ الحرم ومدير المبانى العالية وموظفىّ الذين أثق فيهم فلتعلموا، أن كل أملى وأقصى مناى أن تعملوا على إتمام بناء ذلك المكان المبارك السامى رصينا متينا واسعا! بحيث يسر الروح النبوى، ولن يتحقق هذا إلا باتباع ما جاء فى فرمانى هذا وألا تجيزوا أبدا تغيير هيئات الأساطين أو تبديل أماكنها لأن هيئتها وأشكالها القديمة مما يتشرف بها، وأن يبذل كل ما فى طاقة الإنسان من إظهار الاحترام والتوقير لإسعاد روح النبى ﷺ وأن تعملوا على إجراء التعميرات وفق القرار الذى ذكر عاليه، وأن تحرص أن تتحرك وفق ما جاء فى اللائحة التنظيمية وأن تتجنب وتتقى العمل خلاف القرار مغيرا لأحكام اللائحة التنظيمية، لأن المخالفة ستؤدى إلى عدم رضا الله وإلى عدم إسعاد روح النبى ﷺ فضلا عن المسئولية والندامة فى الدنيا والآخرة وسيخالف رضاى السلطانى من جميع الوجوه، وعدم إظهار أى نوع من التكاسل والتراخى فى هذا الخصوص من مقتضى إرادتى الملكية القاطعة فأعد نفسك وفق ما جاء فى هذا الأمر واعمل على إتمام تعميرات هذا المكان الجليل بكل ما فى طاقتك من جهد وبذل وسعى، فليكن هذا فى علمكم، واعتمدوا على علامتى الشريفة. تحريرا فى أوائل ذى الحجة الشريفة سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف سنة (١٢٧٣).

стр. 1487

للفرمان العالى الذى صدر إلى عريانى زاده أحمد سعد بن محمد أفندى بخصوص تعينيه لمأمورية الأبنية العالية إلى الدستور المكرم، المشير المفخم، نظام العالم، مدبر أمور الجمهور بالفكر الثاقب، متمم مهام الأنام بالرأى الصائب، ممهد بنيان الدولة والإقبال، مشيد أركان السعادة والجلال المحفوف بصنوف عواطف الملك الأعلى، والحائز على وسامى المجيدى السلطانى من الدرجة الأولى والحامل حاليا لقب شيخ الحرم النبوى وزيرى المحب مصطفى (١) باشا أدام الله تعالى إجلاله، وإلى أولى ولاة الموحدين، معدن الفضل واليقين، رافع أعلام الشريعة والدين، وارث علوم الأنبياء والدين، المختص بعناية الملك المعين، وهو قاضى المدينة المنورة حاليا، مولانا أسعد-زيدت فضائله-والذى عهد إليه فى هذه المرة مهمة إدارة مبانى الحرم النبوى العالية، فليكن فى علمكم عندما يصل فرمانى بتوقيعى السلطانى الرفيع، قد مات عمر جمال موظف الأبنية العالية للحرم النبوى توأم الجنة ولزم تعيين من يناسب فى مكانه، وأنتم ذلك الشخص المناسب بما اتصف به من العفة والاستقامة والحكمة وبعد النظر وقد رئى تعيينك لوظيفة مأمورية الأبنية المباركة. وبناء على ثقتى فيك واعتمادى على أمانتك قد صدر أمرى أن تظل فى المدينة المنورة حتى تكمل تعمير وتجديد الأبنية العالية بعد أن تنتهى مدة مهمتك الأولى، وعليك أن تعمل بموجب هذا الأمر وأن تكمل تعمير الأبنية العالية وتجديدها على هيئة تسعد روح النبى ﷺ وهذا هو الغاية ألزم بها ذاتى السلطانى، وفى هذا الخصوص أن ترسلوا سريعا بموجب الكتابات التى أرسلت لكم من وزارة المالية

стр. 1488

حساب النفقات التى صرفت سواء أكان من قبل الموظفين المستقلين أو القائم مقامهم أو كلاهما وما استلموه مما أرسلت لهم الدولة، والاطلاع على هذه الحسابات المستقلة والدفاتر اللازمة الموضحة لتلك الحسابات، وأن يعامل المستخدمون من العمال بطريقة حسنة وأن يعطوا رواتبهم فى وقتها، وأن يعملوا بكل خضوع وخشوع وأن يلزموا جانب الأدب والتعظيم والتوقير، وأن يؤدوا صلاتى الظهر والعصر مع الجماعة وألا يلجئوا إلى طرق ملتوية للتنصل من العمل، وعليك ألا تهمل ما يجب إتمامه من الأعمال المهمة حتى لا يتعطل العمل، وأن تبذل كل جهدك بما عرف عنك من إخلاص فى العمل والحرص عليه، وأن تعنى بأداء مهام وظيفتك متفقا مع شيخ الحرم المشار إليه، وأن تحقق ما تنتظره منك ذاتى الملكية من المآثر العظيمة والفطانة، وأن تبذل أقصى طاقتك، وعندما تجزم بمضمون أمرى الشريف وأنت ذلك الشيخ المحترم للحرم الشريف عليك أن تنفذ إرادتى السنية الملكية ضاما جهودك مع الآخرين موحدين طاقاتكم وقد صدر أمرى هذا فليكن ذلك فى علمكم، اعتمدوا على علامتى الخاصة. حرر فى اليوم الخامس عشر من شهر صفر الخير سنة ست وسبعين ومائتين وألف (١٢٧٦) هـ. نريد أن نعقد هنا مقارنة فكرية بين الملوك العثمانيين وأسلافهم من الملوك من حيث نيتهم وأعمالهم متخذين ما أدوه من خدمات للحرمين الشريفين دليلا لذلك، وقد ثبت لدى نظر التاريخ أن أكثر من خدم الحرمين الشريفين هم: أمراء بنى أمية وخلفاء بغداد، وملوك الشراكسة، وإن كانت خدمات هؤلاء لا تقارن بالخدمات المشكورة التى أداها السلاطين العثمانيون محبو الخير والبر، لو لم تكن خدمات هؤلاء تنطوى على أغراض نفسيه لكانت خدماتهم أيضا موضع الشكر والثناء، ولكن لأشد الأسف ما أدوه من خدمات لم تساو شيئا لأنهم أخافوا أهل الحرمين وروعوهم، وربما يكونوا قد خدموا الحرمين رئاء الناس، وكان وليد بن عبد الملك أكثر بنى أمية خدمة لآثار الحرمين الجليلين، ولما كان فكره غير صائب ونيته غير خالصة فإن كل ما أنفقه من النقود فى هذا السبيل كانت لتحقير

стр. 1489

الأحفاد المصطفوية والأولاد المرتضوية وإجراء خبثه فيهم بما كان يضمره، وبناء على ذلك هدم حجرات زوجات النبى ﷺ وخربها، وأخرج أولاد أحفاد السبطين من منازلهم مرتكبا فى حقهم من الإهانات التى لا تليق حتى بالأعداء وجعل سادات المدينة وأعيانها يتجرعون الدماء وحقر زاهدا عابدا مثل عمر بن عبد العزيز بأن عز له من وظيفته. وكان منصور العباسى أعظم من خدم البلدتين المذكورتين، وكان قد أمر بتهيئة مصلب فى البلد الآمن المنجى الذى قيل عنه «ومن دخله كان آمنا» لسفيان بن سعيد الثورى لمجرد إسماعه الحق، وساق كثيرين من الذرية المحمدية من المدينة المنورة مقيدين مكبلين إلى بغداد وتجرأ على إعدامهم وإتلافهم فى صورة شنيعة ملعونة، وسار خلفه على طريقته وهكذا أعلنوا وأشاعوا ما يضمرونه فى قلوبهم من عداوة قديمة لآل النبى ﷺ ذوى الكمال. قايتباى المصرى أعقل ملوك الشراكسة وأعلمهم، فخدماته للحرمين أكثر من خدمات أسلافه وأخلافه، وهذا أيضا قد أظهر دناءته-بناء على ما سيأتى ذكره فيما بعد-إذ غير موقع منبر النبى الأنور لتحقير فضلاء الحرمين متبعا رأى المتمرد شمس بن زمن وكأنه قام بعمل خير إذ بنى رباطا للفقراء باغتصاب ثلاثة أو خمسة أذرع من أرض شارع المسعى، وعزل من يصدقون فى الكلام من وظائفهم وأتى مكانهم بمن يكذبون وينافقون، ينقل لنا قطبى فى أثره تاريخ مكة هذه الحكاية ويرويها: «كان الملك الأشرف قايتباى المصرى قد اتخذ الشيخ شمس الدين محمد بن عمر بن زمن مصاحبا له قبل أن يرتقى عرش مصر، وعندما تولى سلطنة مصر أرسل شمس بن زمن لتعمير المسجد الحرام وبناء بعض المؤسسات الخيرية باسمه إلى مكة المكرمة، فاشترى شمس بن زمن مبانى الميضأة التى فى شارع المسعى وبين الميلين الأخضرين وهدمها حتى الأرض، وكانت هذه الميضأة تنسب إلى الملك الأشرف شعبان بن الناصر حسن بن قلاوون وكانت أمام الباب العالى، وكانت جهتها الشرقية متصلة بمنازل الأهالى، والجهة الغربية بالمسعى الشريف والجهة الجنوبية متصلة بسوق الليل، والجهة الشمالية بدار

стр. 1490

العباس بن عبد المطلب، وحفر شمس بن زمن أساس رباط يريد أن يقيمه لإسكان الغرباء مكان الميضأة إلا أنه دخل ثلاثة أذرع فى شارع المسعى رغبة فى توسيع البناء، وأثار هذا العمل بين الأهالى القيل والقال، فرجا قاضى مكة برهان الدين إبراهيم بن على ظهيرة الشافعى شمس بن زمن لترك الأرض التى اغتصبت من المسعى، وبين له أنه لا يوجد مسوغ شرعى لإقامة مبان فى هذا المكان. وبما أن شمس بن زمن رد هذا الطلب، فتكون مجلس علمى للشورى بإغراء علماء المذاهب الأربعة واستدعوا شمس بن زمن وقالوا له أمام الفقهاء «أيها السيد الفاضل! كان عرض المسعى الشريف (٣٥) ذراعا، وقد قسناه من حفرة أساس الرباط الذى أقمتموه فبقى (٢٧) ذراعا، وأرادوا أن يثبتوا مدعاهم قائلين بأن مساحة المسعى الشريف فى تاريخ الفاكهى خمسة وثلاثون ذراعا، إلا أن شمس بن زمن رد عليهم قائلا: فقولوا ما تقولون إننى لن أتنازل عن فكرى مستمعا إلى أقوالكم، وإنكم غير قادرين على منعى من القيام بهذا العمل فأطال العلماء القول فى هذا الموضوع وانضم الأهالى أيضا إلى العلماء وخالفوا ابن زمن فأجبروه على ترك العمل وكتبوا محضرا فى هذا الخصوص، وأودعوه لدى العلماء الذين حملوه إلى قايتباى فى مصر، كما أن شمس بن زمن كتب رسالة خاصة وأرسلها إلى قايتباى (فالذى يعجبكم من فعل قايتباى؟!) فعزل قاضى مكة وعين مكانه أحد الذين أيدوا شمس بن زمن، وأعاد العلماء الذين قدموا المحضر يائسين مكسورى الخواطر، وجلب الشخص الذى عين فى تلك السنة أميرا للحج وأمره قائلا: «عندما تصل إلى مكة يجب عليك أن تحفر أساس الرباط وفق رأى شمس بن زمن، وأن تشرف بنفسك على العمال وقد أوصل أمير الحج موكب الحج إلى مكة سنة ٨٧٥ هـ وبمجرد وصوله إلى مكة جمع العمال رأسا وجعلهم يحفرون أساس الرباط ليلا حتى الصباح، وأنقذ أمر قايتباى، انتبهوا لذلك! كيف انكشف قايتباى الذى أراد أن يصل إلى تنفيذ فكره الأنانى السيئ ضمن خدمته التى يريد أن يقوم بها لكعبة الله، وإن كان شمس بن زمن على قدر

стр. 1491

من العلم ويسعى لعمل الخيرات والحسنات إلا أنه بذل أقصى جهده لتحقيق علم لا يسوغه الشرع. وإن كان قايتباى أعقل ملوك الشراكسة وأزهدهم إلا أنه قد أظهر فى هذا الموضوع تعصبا كبيرا، وو قد أصر على التمسك برأيه وقد خدعه شمس بن زمن وساعده على اغتصاب ثلاثة أذرع من مكان المسعى، وعزل قاضى مكة الذى أراد أن يمنعه عن ارتكاب الفعل المنكر، وكأنه لم تكن غايته خدمة الحرمين، بل كان غرضه إظهار سطوته وشوكته وإجلاله على صورة خدمة الحرمين. وقد تحاشى السلاطين العثمانيون الأغراض النفسية وإبراز العداوة وفوق ذلك فإنهم وقفوا بجانب الأهالى، كما تبين ذلك فى صورة الفرمان العالى المكتوب عاليه، ولم يكن الأهالى بجانب الحق وكانوا يريدون أن يطيلوا عمليات تعمير المسجد الشريف والمبانى المقدسة وذلك بتعويقها بعض الوقت ليستفيدوا من ذلك ماديا وقد ثبت ذلك، ومع هذا أمر السلطان عبد المجيد أن يتم العمل وفقا لآراء الأهالى وأفكارهم وفى سبيل ذلك عزل أصدقاءه مثل: محمد رائف باشا، ومحمد راشد أفندى ونقل مكانهم الآخرين وعينهم وبهذا أظهر للأصدقاء والأعداء أن خدماته السلطانية لم تكن إلا لإسعاد الروح المحمدى العالية خالية من جميع الأغراض النفسية والمادية. ﵀ رحمة واسعة انتهى.

стр. 1492

الوجهة الثالثة عشر وتحتوى على عشر صور

стр. 1493

فى ذكر حجرات مسجد السعادة وبالوعاته إخطار-يطلق فى البلاد العربية على الحجارة المصقولة الموضوعة فوق الحفر ضيقة الفوهة واسعة الجوف وخاصة لإجراء مياه الأمطار حتى لا تتراكم فى الميادين «بلاعة» وهى البالوعات التى نحن بصدد تعريفها، سواء أكانت هذه الأحواض تملأ ماء أو كانت تملأ بتراب مخلوط بالملح والحفر التى ملئت بهذا الشكل ستبلع المياه المضبوطة مهما كانت كثيرة لأجل ذلك أطلق عليها «بالوعة» أو «بلاعة». كان فى الأوائل لمسجد السعادة ٦٤ بالوعة وكان فوق كل واحدة منها حجر مستدير مستقر لرمى الطيور، وقد قضت تقلبات الزمن على كل هذه البالوعات وأبقت واحدة فقط. ثم دبر تسعة عشر سقاية بدل البالوعات الخربة، وبما أنه قد فهم مؤخرا عدم جدوى تلك السقايات قد أزيلت بالاتفاق مع الأهالى من قبل القاضى شرف الدين الأسيوطى والأعيان مثل الشيخ ظهير الدين. وبعد مدة أنشأ أحد أمراء الشام يسمى «شامة» فى وسط مسجد السعادة حوضا ذا فوارة وملأه بمياه عين الزرقاء وأحيا الجماعات الإسلامية إذ دبر له مياها للوضوء. وقد أسئ استخدام الحوض الذى صنع من قبل «شامة» الشامى وأضاع حرمة حرم السعادة الخاصة، وامتلأ فى فترة ما بالتراب والطين ولم يبق به مكان للوضوء.

стр. 1494

وبنت أم الخليفة الناصر لدين الله خلف جدار مسجد السعادة الشامى سقاية كبيرة ودور خلاء متعددة وفتحت بابا من داخل السقاية وبابا للدخول فى المسجد الشريف منه. ومع مرور الوقت كل هذه المبانى خربت ولم يبق ما يدل عليها، لأجل ذلك بنى والد السلطان كثير المحامد الخليفة السلطان عبد المجيد خان فوق نطاق باب التوسل مدارس فوقية وخلف هذه المدارس كثيرا من الميضات ودور خلاء وهكذا سهل للناس حاجاتهم. حجرات مسجد السعادة: توجد فى داخل مسجد المدينة الشريفة غير الحجرة المعطرة اللطيفة ثمانى حجرات تطلق عليها خزانة وكل اثنتين منهما توجد ملاصقة كل مئذنة. فالسادة المؤذنون يصعدون المآذن مارين من هذه الحجرات ويضعون فى بعضها حاجياتهم. إحدى هذه الحجرات فى الجهة الشمالية من المئذنة الغربية، وكان يطلق على هذه المئذنة المئذنة الخشبية وكان خدمة المسجد الحرام يجمعون فى الحجرة التى تتصل بها بعض أشيائهم. وكان بعض الذوات يعتكفون فى داخلها، وإحدى الحجرات المذكورة فى اتصال الحجرة التى بجانب المئذنة المذكورة، وكانت إحداهما بين باب جبريل وباب النساء. وحجرة أخرى بجانب تلك الحجرة التى بين البابين المذكورين، والحجرة اللطيفة التى بجانب الحجرة التى بين باب النساء وباب جبريل فى الطرف الشمالى إلى المقصورة «صفة أصحاب الصفة» والتى خصت لإقامة الأغوات الذين يقومون بخدمة الحجرة المعطرة، وتحفظ فى هذه الحجرة زيوت القناديل التى أخرجت من الحجرة المعطرة وبقايا الشموع، وهناك حجيرة أخرى فى محاذاة باب بيت الصديق الصغير وفى اتصال الجدار الغربى. وهذا الباب الصغير يعد الباب الثالث إذا ما عد من ناحية باب السلام من الأبواب التى فتحت على مسجد السعادة من أبواب البيت الذى ينسب لأبى بكر

стр. 1495

الصديق والباب الذى بين باب النساء وباب جبريل خاص بوضع أشياء الخدم وكان فى اتصالها حجرة وكان الشخصان اللذان يحرسان مسجد السعادة يبيتان فى هذه الحجرة، وكان بجانب هذه الحجرة صندوق يحفظ فيه كل ما يلزم من زيت زيتون لإيقاد القناديل كل ليلة. وفى سنة ١٢٧٢ جدد الفريق أدهم باشا من موظفى أبنية مسجد السعادة حجرة النوبة وبنى فوق هذه الحجرة حجرة صغيرة ليوضع فيها الصندوق ولوازم المسجد الأخرى لتحفظ فيها. وأغلق من أطرافها بقفص خشبى يصعد إلى هذه الحجرة من السلم الذى فى داخل حجرة الحراسة. وتحفظ فى هذه الحجرة العلوية نهارا العصى الخاصة بتعليق شمعدانات حجرة السعادة وقناديلها والفوانيس التى يوقدها الخدمة بعد صلاة العشاء ليتفقدوا داخل المسجد الشريف ويعاينوه. رواية كان الخدم فى الأوائل يوقدون عدة مشاعل بعد أداء صلاة العشاء ويتجولون فى داخل مسجد السعادة، ويخرجون الجماعات المتبقية ويغلقوا الأبواب، وهذه سنة متبقية من عهد سيدنا عمر الفاروق، ولكن فيما بعد تحقق مضرة إيقاد الشموع فبدلوها ووضعوا عادة إيقاد الفوانيس يقول أحمد بن يحيى البلاذرى «كان عمر الفاروق بعد أن يصلى صلاة العشاء كل ليلة، يتجول فى أنحاء المسجد وكان يسوق الجماعات المتبقية أمامه ويخرجهم خارج المسجد، ولكنه كان يترك من كان يؤدى الصلاة، وفى ليلة من الليالى اتفق أن تلاقى مع جماعة كان بينهم أبى بن كعب. وأجيب على سؤال الفاروق «من هؤلاء؟ «بالرد» بعض الأشخاص من الصحابة».

стр. 1496

«وأجيب على سؤاله»: «ما أنتم فاعلون بعد ذلك؟ «؛» سنجلس ونذكر الله الذى لا ينام «فجلس عمر الفاروق وشغل معهم فى ذكر الله». وفى ختام الذكر دعا باكيا حتى جعل أهل السماء يمرقون أيضا، وفى ختام الدعاء أمر بأن يعود جميع الناس وأن تغلق أبواب المسجد ومن تلك الأوقات والتاريخ أصبح تفقد مسجد السعادة بإيقاد الشموع عادة وإغلاق الأبواب كذلك ولكن شبل الدولة كافور المظفرى الحريرى حينما أصبح شيخ الخدم، رفع عادة التجول فى داخل المسجد بالمشاعل وأعد ستة فوانيس وأوقدها وأخرج من بقى من الموجودين وأغلق الأبواب وأوقد فى الليالى المباركة أربعة مشاعل فى الساحة الرملية للمسجد وأضاءه وأصبح هذا التصرف عادة بعد ذلك، وكانت فى ذلك الموقف فى المسجد الشريف سلاسل معلقة وكانت القناديل تعلق عليها فى الليالى المباركة-ليالى الإحياء-وتوقد، يقول ابن فرحون: «عندما أصبح شبل الدولة شيخ الخدم كان من عادة الخدم أن يتجولوا فى أنحاء المسجد وعندما يصلون إلى باب النساء يطفئون المشاعل التى فى أيديهم ويتركونها خارج الباب، ولكن داخل جدران المسجد وخارجها يسود من الدخان الصادر من المشاعل فوضع الشيخ شبل الدولة عادة إيقاد الفوانيس وأبطل عادة إشعال المشاعل وكانت الجماعات تخرج إلى خارج المسجد كل ليلة بإيقاد الفوانيس وما زالت هذه العادة باقية وتجرى على غاية من النظام». موقف الأئمة: كانت صلواتهم الأوقات الخمسة إلى سنة ٨٦٥ هـ فى محراب النبى اقتداء بالإمام من المذهب الشافعى، وكان أئمة مواسم الحج ينقلون إلى المحراب العثمانى، وزاد أفراد جماعة المذهب الحنفى قليلا واقترب من عدد جماعات المذاهب الأخرى فرجا جماعات للمذهب الحنفى وجود إمام للمذهب الحنفى وأسعف رجاء الحنفية بالقبول وعين عليهم إمام يؤمهم فى صلواتهم فى سنة ٨٦٠ هـ. وكان أفراد المذاهب الثلاثة الأخرى من المدينة المنورة ومن أصحاب النفوذ

стр. 1497

والمكانة فيها، لذا لما كان يؤم إمام الحنفية جماعته فى محراب النبى يصلى بهم خلف أحد الأعمدة صلوات الأوقات الخمسة المفروضة. وقد سر الحنفيون من تعيين إمام لهم لأداء صلواتهم فى جماعة وكذلك فى تعيين محراب له، وعد الحنفيون هذه الحالة نجاحا عظيما وكتب كل واحد منهم لمجموعتهم كما كتب بعضهم على لوحات علقوها على جدران منازلهم عبارة «وقد وضع هذا العام محراب للحنفيين» وذكروا مؤسس المحراب رئيس الخدم الشيخ طوغان-عليه رحمة المنان-بكل خير. كان المرحوم الشيخ طوغان بذل جهودا كبيرة فى عهد الملك الأشرف إينال راجيا أن يقام محراب للحنفية، ولكنه لم يوفق ويرجع عدم نجاحه فى مهمته إلى وقوف أحد الحقراء من الأمراء المصريين يسمى جمال الدين يوسف فى صف المتغلبة من أهل المدينة. وقد مات هذا الحقير فى سنة ٨٦٠ فنال الشيخ طوغان مطلبه وأراد للحنفيين محرابا فى مسجد السعادة ولكن لشدة الأسف تغير المحراب لم يكون محرابا عاديا فى داخل المسجد بل كان مكانا خلف أحد الأعمدة كما سبق ذكره، لأن الحكومة المصرية كانت قد استصدرت تعيين إمام واحد للحنفية وأن يؤم جماعته خلف أحد الأعمدة. ومع هذا قد نجح الشيخ طوغان فى أن يؤم الإمام الحنفى جماعته بعد أن يؤدى الإمام الشافعى صلاته خلف محراب النبى ﷺ ، خلف العمود المعين له وأن يصلى الإمامان معا فى وقت واحد أيام شهر رمضان. وكان سبب عمل الشيخ طوغان على تعيين إمام خاص للحنفية غلبة طائفة الزنادقة الذين استولوا على أراضى المدينة المنورة وعلى أهل السنة. ولما كان أئمة الطائفة المذكورة اعتادت أداء الصلوات فى محراب النبى كان أفراد المذهب الحنفى يصلون هنا وهناك منفردين ويحرمون من فضيلة أداء الصلاة فى جماعة ويأسفون لذلك أشد الأسف.

стр. 1498

وازدادت جماعات المذهب الحنفى فى عهد السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم خان يوما بعد يوم. وصدر الفرمان السلطانى بإقامة محراب خاص لهم. فأرسل من باب صاحب القرار النجارون والمهذبون وما يقتضى بناء المحراب من الأدوات والأحجار فأقيم محراب فخم على يمين منبر السعادة من قطع رخام ملونة خاص بالجماعة الحنفية. فى جمادى الأولى فى سنة ٨٥١ هـ قرر أن يؤدى أئمة المذهب الحنفى صلواتهم فى هذا المحراب، وظل الإمام الحنفى يؤدى الصلوات فى هذا المحراب قرابة سنتين. إلا أن الأمر السلطانى قد صدر بأن يصلى فى محراب النبى الإمام الشافعى وفى اليوم الآخر الإمام الحنفى، وأخذ أئمة المذهب الحنفى والشافعى يؤدون الصلاة مناوبة فى المحراب النبوى ما يقرب من ٢٦٩ سنة، ولما ذهب والى مصر محمد على باشا إلى المدينة المنورة فى سنة ١٢٢٩ بقصد زيارة الحجرة المعطرة ووضع نظام أن يؤدى كل من أئمة المذهبين كل يوم الصلاة فى المحراب النبوى، وما زال هذا النظام جاريا، فيصلى الإمام الشافعى صلوات الصباح قبل الإمام الحنفى ويصلى الإمام الحنفى صلوات الأوقات الأخرى قبل الإمام الشافعى، ولكن فى أيام مواسم الحج يصلى الإمام الحنفى فى المحراب العثمانى ويصلى الإمام الشافعى فى المحراب النبوى بعدما يتم الإمام الحنفى صلاته. وهذا النظام بمواسم الحج، ويصلى الإمامان صلوات التراويح فى وقت واحد. صورة ظهور المذهب الحنفى وزمان ظهوره: بعد أن نقل ابن فرحون فى هذا الخصوص أقوالا كثيرة، قال: «كان سكان المدينة المنورة إلى عصر شمس الدين العجمى يعتنقون مذهبى مالك والشافعى.

стр. 1499

وعندما هاجر شمس الدين أفندى إلى المدينة شجع بعض علماء المذهب الشافعى على الاشتغال بمسائل المذهب الحنفى، وكان هؤلاء العلماء قد دققوا النتائج الأساسية لذلك المذهب، وأخذ علماء المذهب المذكور يتكاثرون إذ أخذوا يتفقهون وأصبحوا أئمة زمانهم من هنا أخذ الأهالى يستفيدون من علومهم ويستفتونهم ومن ذلك الوقت أخذ المذهب الحنفى ينتشر فى المدينة المنورة سنة ٧٢٣ هـ. إن المحراب السليمانى يقع-بناء على تعريف مؤلف «الجواهر الثمينة» من مؤرخى المدينة المنورة-فى الجهة اليمنى من محراب النبى وعلى يسار منبر السعادة وبجانب العمود الثالث ابتداء من المنبر الشريف، وفى نهاية الطرف الغربى لما أضافه عمر بن الخطاب، قد بنى ذلك المحراب كما ذكر آنفا السلطان سليمان بن السلطان سليم فى سنة ٩٥٨ هـ وخصه بأئمة المذهب الحنفى والمالكى، وعرف بالمحراب السليمانى». وكان أئمة الحنفية لا يؤمون الناس إلى سنة ٨٥٨ هـ فى مسجد السعادة وكانت مهمة القضاء والإفتاء منحصرتين فى علماء المذهب المالكى. وفى عام ٨٦٥ بناء على طلبات ملوك مصر المؤثرة وضع نظام أن يصلى أئمة الشافعية صلاة الصبح قبل المالكية وأن يصلى أئمة المالكية مع جماعتهم الكبرى الصلوات الأخرى قبل الشافعية. وبعد إقامة المحراب السليمانى أصبحت الجماعة الكبرى، الصلوات التى تؤدى خلف أئمة المذهب الحنفى كما سبق تفصيله، وأخذ أئمة المذهب الشافعى يؤدون الصلاة بعد الحنفية، وبعدهم أئمة المذهب المالكى، إلا صلوات الصبح كان يؤديها أولا أئمة المذهب الشافعى وبعدهم المالكية وبعدهم الحنفية، وهذا النظام هو السارى الآن. وقد كتب فوق طاق ذلك المحراب بخط عريض آية

стр. 1500

﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ﴾ (آل عمران:٣٧). الجليلة وقد رتبت هذه الآية الكريمة محصورة مستديرة مذهبة، وكتب ابتداء وسط الجهة اليمنى لهذا المحراب ثم خارجا منه إلى الطاق ملتفا من حوله إلى وسط الجهة اليسرى «بسم الله الرحمن الرحيم». ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:١٤٤). صدق الله العظيم. والآية: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (الأحزاب:٥٦). وكذلك كتب من الجهة الداخلية اليمنى للمحراب إلى النقطة التى تنتهى فيها الجهة الداخلية اليسرى. ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة:١١٢). وكتبت هذه الآيات بخط جلى قديم. ولهذا المحراب المعلى باب شبكى ينفتح إلى اليمين واليسار، وقد كتبت على المصراع الذى فى الجهة اليمنى الجملة المباركة «محمد رسول الله، صادق الوعد الأمين» وفوقه اسم محمد «الطاهر بالخط الجلى المذهب، ولكن الخطوط المذكورة فى الجهة الشامية من مصراعى الباب المذكور أى فى مؤخر حرم السعادة. وإذا جئنا إلى الجهة الجنوبية من هذا الباب أى إلى الجهة القبلية منه قد كتبت

стр. 1501

على الباب الأيمن من المحراب الأحاديث الشريفة «قال النبى ﵊، شفاعتى يوم القيامة: حق، فمن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها «وكذلك كتب فوق مصراع الباب الذى فى الجهة اليسرى الحديث الشريف» قال النبى ﷺ : «شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى» بخط جلى نفيس وكتبت عبارة: «أنشأ هذا المحراب المبارك، الملك المظفر السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم خان ابن السلطان بايزيد خان أعز الله نصره بمحمد وآله وسلم، تاريخه شهر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وتسعمائة من هجرة النبى ﷺ . على ظهر الجدار الذى يواجه الجهة القبلية من المحراب السليمانى.

стр. 1502

فى ذكر الوقت الذى فرش فيه مسجد السعادة برمل وكيفية فرشه ومنذ متى حدث تعليق القناديل فيه حدث فى ليلة من الليالى التى أمطرت فيها السماء مطرا غزيرا أن سالت المياه المتراكمة ودخلت فى مسجد السعادة، وجاء صحابى يريد أن يؤدى صلاة الصبح فلم يجد فى داخل المسجد مكانا جافا لأداء الصلاة فأتى من خارج المسجد بمقدار من الرمل وفرشه وجلس عليه منتظرا قدوم الناس، وصلى بالناس بعد الإقامة مقتديا بالنبى ﷺ وبعد أن أنهى النبى ﷺ الصلاة بالسلام التفت إلى الصحابى الذى صلى فوق الرمل وقال «ما أحسن الصلاة على الرمل» والذين رأوا استحسان النبى ﷺ هذا بالفعل احضروا مقدارا من الرمل ونشروه وفرشوه فى داخل المسجد، واتخذ بعض المؤرخين الحكاية التى وردت فى سنن أبى داود حجة وقالوا «إن فرش المسجد الشريف بالرمال عادة أثرت من عصر السعادة». وقال بعضهم مدعين أن مسجد السعادة قد حصب فى عهد ابن الخطاب، عندما شرع عمر بن الخطاب فى توسيع المسجد فكر فى شئ يفرشه فى سطح وسط المسجد الداخلى حتى تعم فائدته، وعرض بعض الصحابة فرشه بالحصير ورأوه مناسبا، إلا أن حضرة الفاروق رد قائلا: «لا لا كنت سمعت عن النبى ﷺ أن وادى العقيق واد مبارك، والمستحسن إذا فرشناه برمل ذلك الوادى» فأحضر قدرا كافيا من الرمل من ذلك الوادى وحصب ساحة الحرم الشريف. وأصبح تحصيب مسجد السعادة عادة، وكلما اقتضت الحاجة كانوا يفرشون ساحة مسجد السعادة بالرمل، ولكن بما أن وادى العقيق خال من الرمل الأحمر كانوا يحضرون من مسيل الوادى.

стр. 1503

وبعد أن يغربلوه يفرشونه. فى الطرف الغربى من ساحة المسجد الرملية صفان من القباب وفى طرفه الشرقى ثلاثة صفوف من القباب، وقد خصص تحت القباب الواقعة فى الجهة الغربية لصلاة النساء، والجهة الملاصقة للساحة الرملية شبكة بقفص أخضر اللون وبهذه العلامة بينوا أن هذا المكان خاص لأداء الصلاة للنساء، كما سبق تعريفه فى محله. ابتداء تعليق قناديل مسجد السعادة: قال بعض المؤرخين لم تعلق فى عصر السعادة قناديل أو ثريات فى مسجد السعادة، وتصور عمر بن الخطاب فى زمن خلافته أداء صلاة التراويح خلف إمام واحد ولما كان هذا يتوقف على إنارة المسجد دبر عدة قناديل وعلقها إلا أن الإمام القرطبى يضعف هذه الرواية فى تفسيره المشهور قائلا: «كانت فى عصر السعادة قناديل معلقة فى المسجد الشريف، كان تميم الدارى قد أحضر هذه القناديل من بلاد الشام وعلقها» هذا ما كتبه محققا هذا الأمر. رواية الإمام القرطبى هذه لا تقبل الكذب، لأن حضرة تميم حينما ذهب إلى الشام اشترى كثيرا من القناديل ولا بأس أن يكون قد اشترى معها قدرا من زيت الزيتون، كما كان اشترى بعض الحبال لتعليق هذه القناديل وعاد. وعندما وصل إلى المدينة المنورة بعث مع خادمه «أبو البراء» القناديل التى اشتراها، ثم ذهب بنفسه وعلق تلك القناديل فى أماكن مناسبة وأوقدها قبل صلاة العشاء ونال ثناء النبى ﷺ الذى قال له قد أنرت الجمعية الإسلامية»،وبناء على قول ضعيف أن أول من أضاء داخل المسجد بتعليق القناديل هو حضرة معاوية. وهذا القول مهما كان ضعيفا فإنه ليس كذبا ولكنه خطأ، لأن أول من أنار المسجد الشريف تميم الدارى ولا شك فى ذلك، والاختلاف بين المؤرخين ليس فيمن جاء بالقناديل إلى الحرم الشريف ولكن الاختلاف فيمن علقها، وأقوى

стр. 1504

الأقوال أن تميم الدارى هو الذى أتى بالقناديل وعلقها فى جهة من جهات المسجد كما أن حضرة معاوية قد أتى ببعض القناديل وعلقها فى أماكن مناسبة. كما وضع معاوية نظام إعطاء بعض زيت الزيتون لإيقاده فى قناديل مسجد السعادة على أن يسوى حسابه فيما بعد من بيت المال وتطيب الكعبة المعظمة بالمجامر والخلوق وإنزال الستائر التى بقيت من العهد الجاهلى على الكعبة المعظمة معاوية هو الذى أمر بذلك. وذهب بعض المؤرخين إلى أن من أنزل الكسوة الجاهلية من فوق الكعبة هو على بن منبه عامل عثمان بن عفان فى اليمن وعلى هذا التقدير يكون عثمان بن عفان هو الذى أنزل الكسوة الجاهلية من على الكعبة، كما أن حضرة عثمان بن عفان أول من كسا منبر النبى المنير.

стр. 1505

فى ذكر الذين عطروا المسجد الشريف بأشياء ذات رائحة طيبة كان النبى ﷺ يخطب يوما، فأمر بتنظيف بعض الأماكن التى أمام جدار القبلة سريعا، بعد أن نظف الناس ذلك المكان مسحوه جيدا ووضعوا عليه بعض الزعفران. ولما جلس عثمان بن عفان على كرسى الخلافة عطر جميع أنحاء مسجد السعادة وحتى يدوم هذا النظام عين بعض المؤذنين للقيام بهذا العمل. وعطر عمر بن عبد العزيز فى تاريخ جلوسه الجدار القبلى فقط كما أن هارون الرشيد أمر بتعطير الحجرة الشريفة وجهات مسجد السعادة الأربعة فى سنة ١٧٥ الهجرية. إيقاد البخور فى مسجد السعادة: لم يكن إيقاد البخور من الأصول المرعية فى عهد الرسول ﷺ وحين خلافة الصديق الأكبر-رضى الله عنه-ثم أصبح ذلك عادة فى عهد عمر الفاروق- رضى الله عنه-وسبب ذلك إيقاد بعض العود الذى أهدى له فى داخل المسجد، والعود الذى أهدى لم يكن قابلا للانقسام. عندما وردت هذه الهدية خاطب الخليفة من بجانبه من الصحابة: «لو قسمنا شجرة العود هذه فيما بيننا فبسبب قلتها سيأخذ بعض منكم ويسعد ويحرم الآخرون فيحزن؛ وحتى لا يحدث هذا فمن الأفضل أن يوقد فى داخل المسجد فيسعد من فى المسجد الشريف ومن بخارجه»؛فأعطى العود إلى رئيس المؤذنين ليوقده فى داخل المسجد.

стр. 1506

فأخذ رئيس المؤذنين العود بناء على الأمر الصادر إلى مسجد السعادة فوضعه فى مجمرة وأوقده مع وجود جماعة المسلمين فى المسجد، ومنذ ذلك الوقت أصبح إيقاد خشب العود فى داخل المسجد عادة بين الصحابة، حتى إن عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-عندما عاد من الشام أحضر معه مجمرة فضية وأعطاها لسعد-رضى الله عنه-الذى كان فى ذلك الوقت رئيس مؤذنى مسجد النبى ﷺ ، وأصدر أمره بأن يبخر المسجد فى ليالى الجمع والليالى المباركة ولا سيما فى أيام الجمع. وجناب سعد-فخر المؤذنين-كان يوقد المجمرة طول حياة الخليفة عمرو، يتركها أمامه. وقد راعى عبد الله بن عمر-رضى الله عنه-هذه العادة الطيبة وأصبح يوقد فى أيام الجمع والليالى المباركة العود والبخور ولم يترك هذه العادة إلى وفاته. إيقاد خشب العود والبخور من الأصول المرعية لدى الجماعات الإسلامية، وتجرى هذه العادة سواء أكانت فى الحرمين الشريفين ومساجد الممالك الأخرى، ولم يترك إيقاد العود والبخور عند قراءة المولد الشريف وعندما يختم القرآن مع جماعات فى المساجد. ولما كان إرسال البخور والعنبر والعطور الأخرى من العادات الطيبة التى يعتز بها المسلمون أوردنا فى الصورة الرابعة من الوجهة الثالثة لمرآة الحرمين كميات العود والعنبر والبخور التى ترسل لتوقد فى ليالى الإحياء وأيام الجمع فى منبر النبى المنير ومحرابه العالى، وبجانب باب كعبة الله ومقام إبراهيم والآثار المسعودة الأخرى. يطلق أهل المدينة على تعطير الحجرة السعيدة وتبخيرها أصول التعطير، ولما كان أصول التعطير وصورته إجراء خاص بأيام الجمع؛ فإن الموظفين يأخذون الحصص المقررة لكل يوم جمعة من دهن الورد ومائه بعد أداء صلاة المغرب

стр. 1507

ويدخلون ومعهم بخور العود والعنبر فى حجرة السعادة فيبخرونها وستارة قبر السعادة ثم يخرجون. وإن كانت أصول التعطير عبارة عن هذا، فإن أصول التبخير أيضا لكل ليلة ويوم جمعة فالموظفون يضعون كل ليلة قبل صلاة العشاء على طرفى محراب النبى مجمرة من العود كما يضعون كل يوم جمعة قبل الصلاة على طرفى المحراب مجمرة من «الند» وتظل المجمرتان موقدتين إلى أن يتم أداء الصلاة. الند: يخرج الند عند إشعاله رائحة قريبة من رائحة العنبر وهو طيب يستحسنه أهل الحجاز ويقدرونه، وبما أنه نادر ولا يمكن إعداده نقيا يصنع فى زماننا بمادة عادية، يطلقون على أعواد البخور الطويلة «ند» يستعملونها بدلا منه. جدول مساحة حرم السعادة الأصبع الذراع ١٢ ١٤٧ من باب المئذنة الرئيسية إلى الجدار الشرقى لمئذنة باب السلام ١٢ ١٥٩ من الجدار الشرقى لباب جبريل إلى عتبة السلام «عرض» ٠٠ ٢٣٠ من الجدار القبلى حيث المحراب العثمانى إلى الجدار الشامى منتهى، مسجد السعادة «طولى» ٠٠ ١٦ من جدار المحراب العثمانى إلى شبكة حجرة السعادة. ٠٠ ١٤ من الجدار الشرقى إلى شبكة سبيكة النور لقدم السعادة. ١٢ ٦٦ من المئذنة الرئيسية إلى عتبة الخزانة (١) المتصلة بدكة الأغوات.

стр. 1508

الأصبع الذراع ٦ ٨ من باب الجنائز إلى مرقد فاطمة رضى الله عنها (هذا المكان أوسع قليلا). ٠ ٢ طول المصطبة يطلق اسم المصطبة على مكان الجلوس والمصطبة هنا غرفة اللوازم المتصلة بالخلوة سابقة الذكر وهى خاصة لإقامة شيخ الحرم فى المساء إلى أن توقد القناديل فى هذه الحجرة. ١٨ ٢ عرض المصطبة وكذلك طول الطريق الممتد من داخل باب الهجر والمنتهى إلى باب الجنائز. ١٨ ١٥ عرض الطريق المذكور هذا المكان جهة الجدار الشامى للمرقد المنير الذى ينسب إلى فاطمة الزهراء. ١٢ ٦ عرض الطريق الذى يمر من دكة الأغوات إلى باب الجنائز. أعلى من الأرض مقدار ذراع ومفروش بأحجار رخامية مزين ومنقودش. ٠٠ ٤ ٠٠ ١٥ طول دكة الأغوات هذه الدكة هى صفة أصحاب الصفة وقد أحيط أطرافها بسور خشبى وتعلو عن الأرض ما يقرب من ذراعين. ٠٠ ١١ عرض الدكة المذكورة ١٢ ٢ عرض دكة البطالين هذه الدكة فى مقابل صفة أصحاب الصفة وخاصة بإقامة الأغوات. الذين يطلق عليهم بطال. ٦ ١٢ ٩ مؤخرة حرم السعادة من الجدار الشرقى إلى الجدار الغربى. ١٢ ١٢ من المنبر النبوى إلى المحراب الشريف. عرض حرم السعادة ٠٠ ٣٨ من منبر السعادة إلى الحجرة المعطرة يعنى داخل الروضة المطهرة. جزء من روضة السعادة داخل فى شبكة حجرة السعادة.

стр. 1509

٠٠ ١١ - ٧ عرض حرم السعادة من باب الوفود إلى الجدار الغربى. ١٢ ١٤ - ٣ عرضه من باب الرحمة إلى باب النساء. ٠٠ ٢١ من السقف الشريف الواقع فى جهة باب النساء إلى آخر عرض الحرم (١) الشريف. ٠٠ ٣٤ عرضه إلى آخر حرم السعادة. ٠٠ ٣٥ عرض سقف مؤخر حرم السعادة. ١ ١٠ طول ساحة حرم السعادة الرملية. ٠٠ ٤٩ عرض ساحة حرم السعادة الرملية. ١٢ ٧٩ عرض ما تحت القباب من باب الجنائز إلى الساحة الرملية. ١٢ ٤٥ طول شبكة السعادة إلى نهاية شبكة فاطمة الزهراء. ٠٠ ٢٦ عرض الشبكة الشامية. ٠٠ ٤٠ الجهة الغربية للشبكة. ٠٠ ٣٠ جهة المواجهة الشريفة للشبكة. ٠٠ ٣ ارتفاع جدار حديقة الرسول ﷺ . ٠٠ ٢٣ طول حديقة الرسول ﷺ . ٠٠ ١٦ عرض حديقة الرسول ﷺ . كانت الساحة الرملية التى فى حرم السعادة أوسع قليلا سواء كانت طولا أو عرضا، وعندما زين السلطان محمود خان العدلى الموقع الذى يسمى الآن المنطقة الرخامية زاد مقدار الأحجار الرخامية عن الحاجة ففرش موظفو الحكومة جهات الساحة الأربعة بتلك الحجارة الزائد فضاقت الساحة الرملية. أى فرشوا بالرخام فى الجهة القبلية من الساحة الرملية مقدار ١٦ ذراعا وخمسة أذرع من الجهة الغربية منها وستة أصابع، ومن الجهة الشامية منها أربعة أذرع وستة أصابع، إذ

стр. 1510

فرشوا من الجهة القبلية طولا من باب الرحمة إلى باب النساء وفرشوا غربا من الجهة القبلية إلى آخر العمود وبين الأعمدة الشرقية والغربية لجهة الشام كما فرشوا فى الجهة الشرقية إلى آخر حرم السعادة بالأحجار الرخامية المجلاة. كانت فى حديقة الرسول سبع عشرة من أشجار النخيل كبيرة وصغيرة وأشجار التمر الهندى ولكن كان ماء هذا البئر فى غاية المرارة قديما، إلا أنه اكتسب عذوبة من قبيل المعجزة وكانت كافية لإدارة أمر أهل المدينة، ولما كانت هذه العذوبة والحلاوة ما زالت مستمرة يعد أهل المدينة هذه المياه فى قيمة ماء زمزم.
следующие страницы →