← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

ونصب حليم أفندى على الجبل المذكور الخيم وبعث الآلات والأدوات اللازمة: النجارين، والحجارين وفتح منجما فى قمة الجبل، ورفع الصخور التى عليه فاستخرج قطع حجارة كبيرة وأمر بنحتها لتكون صالحة للاستعمال. لأن الحجارة التى استخرجت كانت غير قابلة للنقل من جهة إلى أخرى فضلا عن نقلها وحملها على الجمال، وفى الآخر سوى الطرق التى بين الجبل المذكور والمدينة المنورة، وهيأ مكانا واسعا خاصا بالحجارين، وبعد مدة عين محمد رشيد أفندى محافظ المدينة وكيلا له ثم عين شريف أفندى من أقاربه لرياسة معتمر العمال، ولما ذهب إلى مكة لأداء فريضة الحج انقطعت أنفاسه الأخيرة فى منى وارتحل عن دنيانا، ورحل حليم أفندى الذى أتى من باب السعادة كما أن أشرف أفندى هو الآخر قد ارتحل عن دنيانا فى منى أيضا بعد وفاة حليم أفندى. وكان هذا الشخص قد أرسل من قبل حليم أفندى إلى باب السعادة بعض ذهب مجيدى من فئة مائة، وإثر وفاته قد اخذت هذه المبالغ الذهبية بمعرفة الحكومة وأرسلت إلى شورى هيئة البناء المقدس. وإن كان حليم أفندى قضى ما يقرب من ستة أشهر فى مهمة البناء المقدس وبذل جهده لأداء عمله على أحسن وجه إلا أنه فى أثناء هذه المدة وجد المعدن المذكور وسهل الصعوبات التى ظهرت فى نقل تلك الحجارة من الجبل الأحمر ومهده وبنى محلا خاصا لتقطيع الحجارة ونحتها فى موقع يطلق عليه دار الضيافة وجهز الآلات والأدوات اللازمة فقط ومن هنا لم تتقدم عمليات مسجد السعادة. وعقب وفاة حليم أفندى أرسل رجل يصدق لدى الباب العالى درايته وأهليته، لكشف أبنية مسجد المدينة المسعودة ومعاينتها إلى دار السكينة، وقرر فى مجلس الوزراء الخاص تفويض هذا الأمر الجليل إلى محمد أسعد (١) مؤلف «دريكتا» من أجلاء العلماء المتبحرين الذى قرر أن يذهب فى تلك السنة إلى

стр. 1437

أراضى الحجاز لأداء فريضة الحج، واستأذن السلطان فى هذا الأمر وصدرت الإرادة السنية بذلك وأخبر بذلك أسعد أفندى وكان فى هذا الكشف الثانى والى الحجاز آكاه باشا أيضا ولما فسر قرار مجلس الوزراء بخصوص كيفية كشف ذلك المقام السامى بطريقة مع داود باشا شيخ الحرم النبوى، وبين له المهمة التى كلف بها ثم استفسر منه فى أثناء حديثه عن الذين يقتضى وجودهم معه فى أثناء كشف الأماكن المقدسة، وسر داود باشا من اختيار محمد أسعد لهذه المهمة وبين له أصحاب المعلم فى هذا الموضوع ذكر أسماؤهم وأسرع بتشكيل هيئة كشف من سادات البلد وموظفى الحكومة ومن العالمين بكشف المكان وأصحاب الوقوف فيه. وقد كشفت تلك الهيئة وعاينت داخل حرم السعادة وخارجه وعثرت على الجدران المتشققة والقباب التى بليت والسقوف التى مالت للسقوط والانهيار وبعد أن رأى تلك الأماكن قال شيخ الحرم، السيد المحترم، قد عرفتم أن تعمير الحرم الشريف قد وصل إلى درجة الاستحالة، فإذا ما أصلح بعض أماكنه بإنفاقه نقود طائلة، فمن البديهى أن المواقع الأخرى ستحتاج إلى الإحكام والإصلاح وهذا بديهى، وإذا التزم جانب إصلاحه وتعمير بعض أماكنه فعلى هذا التقدير سيكون قد فتح باب لصرف نفقات باهظة بإصلاحه كل عام. إلا أن محمد أفندى أسعد قال: «إن المبالغ التى ستنفق لتعمير أبنية الحرم النبوى تقتضى أن تكون من الحلال الطيب المطلق»،وألمح أنه ليس مع الذين يريدون أن يعمروا الحرم النبوى كاملا وبين أنه يمكن إحكام الحرم النبوى بتعمير بعض جهاته، وأسكت الذين يقولون بأن تعمير بعض جهات الحرم النبوى مضر للخزانة السلطانية. وقد تأثر شيخ الحرم داود باشا (١) من رأى محمد أسعد أفندى أعظم تأثر كما

стр. 1438

أن الأهالى عامة تغيروا منه ولم يلتزموا جهة إقناعه بإتيان أدلة مقنعة ولكنهم بالاتفاق توجهوا ناحية سلطان الأنبياء-على نبينا وعليهم التحايا-وعطفوا النظر إلى الحجرة المعطرة وحصروا أنظارهم قبل حضرة النبى ﷺ لعله تصدر منه إشارة معنوية، وسكتوا عن الأمر. ولما رأى محمد أفندى أسعد تأثر داود باشا وأعاظم أهل المدينة وساداتها وعلمائها واغبرارهم، ندم على أنه اتخذ رأيا يؤدى إلى إنقاص الخاطر، إلا أنه على حق لأنه ما كان يستطيع أن يتصرف خلاف التعليمات التى صدرت له من الباب العالى. سقوط قبة-كان ذلك عقب أداء صلاة الصبح بعد أن شكل محمد أسعد أفندى الهيئة الكشفية لكشف ومعاينة مسجد السعادة، وعقب القرار أخذت تسقط قطع طلاء قبة من القباب التى فى مقدمة الجهة القبلية من حرم السعادة، وكأنها تخطر بلسان حالها لزوم تجديد أبنية المسجد، الشريف المقدسة، إن هذه الحالة قد أقنعت إمام زاده بلزوم تجديد المسجد، قد أدت الأنقاض التى سقطت من القبة إلى مقتل الشيخ محمد إسكندر الذى كان يقف أمام نافذة المواجهة النبوية وفى النقطة التى يقف فيها من يزورون عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-ولو وجدت الهيئة الكشفية فى النواحى التى وقعت الأنقاض فيها فى هذه الساعة، لحدثت مصائب أكثر من ذلك، قد توفى محمد أفندى متأثرا بإصابته بالجرح فى رأسه وتوفى قبل أن ينقل إلى الحى الذى يسكن فيه، وكان من الإسكندرية ومن أجلاء طلاب الشيخ الصاوى وكان رجلا فطنا وغاية فى الإخلاص، ﵀ رحمة واسعة وانهار عقب هذه الواقعة جهة سقف من سقوف مسجد السعادة فى الجهة الشرقية وبما أنه لم يكن تحته إنسان لم يتسبب فى أية خسائر فى الأرواح. ولما ظهرت تلك المعجزة المذكورة استيقظ إمام زاده من نوم غفلته الثقيل وفهم رأيه السقيم وأذعن لخطئه وأخذ يستغفر نادما وصدق قرار مجلس المدينة سالف الذكر ونقل مكانه مدير الخزانة النبوية عبد اللطيف أفندى وعين بدرى أفندى من

стр. 1439

الكتبة لكتابة مصاريف الأبنية السعيدة، وأمر بفتح المضيفة التى فى الجهة الشامية من المسجد وجعلها سكنا للكتاب والعمال كما عين إسطبلات عديدة للحيوانات التى تستخدم فى عمليات البناء وعاد بعد ذلك إلى باب السعادة وكتب تقريرا عن مشاهداته الذاتية ومطالعاته من أولها إلى آخرها. ويناء على المضبطة التى فهمت من قبل الباب العالى وبناء على التقرير الذى قدمه محمد أسعد صدرت الإرادة من الخلافة المعظمة بسرعة إجراء ما يقتضيه الحال. ولما عاود العمال العمل مرة أخرى فى إعمار حرم السعادة كان العربان يتعدون على العمال، وقد دامت هذه الاضطرابات فترة طويلة وفى النهاية أرسل من باب السعادة الفريق الحاج خالد باشا فشتت شملهم وذلك فى سنة ١٢٧٤ هـ. وكان محمد رائف باشا فى أثناء عصيان العربان يسعى لأداء مهمته ويهتم بالمحافظة على الجهات التى فى الجبل الأحمر وطريقه ومع ذلك يتأسف ويحزن كلما رأى حال مؤخر حرم السعادة المؤسف ويضطرب، لأن فى الوقت الذى بين وفاة حليم أفندى وتاريخ وصوله إلى المدينة توقفت عمليات بناء الأبنية المقدسة فساءت حالة بعض جهات مؤخر حرم السعادة وأوشكت على الانهيار فجأة وبناء عليه قد قويت الأعمدة التى اعوجت بدعامات وبهذا قد أنقذت لوقت قليل من المخاطر الآتية، بعد ما أحكم محمد رائف باشا تلك الدعائم كشف وعاين بكل دقة وعناية حرم السعادة وفهم أنه إذا لم تقتلع الأعمدة المعوجة وتركز أعمدة جديدة رصينة فى أماكنها لن يسلم سقف مؤخر المسجد النبوى من الخطر، ولن تنقذ الساحة الرملية من الضيق والازدحام إلى أن يفتح باب فى الجدار الشامى وذلك بنقل قبة الشمع الكائنة فى الساحة الرملية إلى خارج الجدار الشامى، ونظم فى هذا الخصوص خريطة كاملة وعرضها على من يهمه الأمر وقال: «إنه يجب أن يطلق على هذا الباب، الباب المجيدى وتنشأ على جهتى هذا الباب مدارس فوقه وتحت وأن نطلق عليها، مكاتب مجيدى، وأرسل نسخة من هذه

стр. 1440

الخريطة إلى الباب العالى ليعرض على الأنظار السلطانية وإذا ما استلم هذه الخريطة فإنه سيحدد مؤخر حرم السعادة وفقا لهذه الخريطة. ولما كان نقل قبة الشمع خارج الجدار الشامى وإنشاء مدارس خاصة من أجل الصبيان خدمة عظيمة تسدى لرعية المسجد النبوى الشريف. من هنا كان تدبير محمد رائف باشا الواقعى من جميع الوجوه يستحق التقدير بل الحمد والثناء لأن أطفال سكان المدينة المنورة كانوا يتلقون تعليمهم الابتدائى قبل قباب مؤخرة حرم السعادة فى حالة متفرقة وكانوا يقومون حسب الصباوة بحركات غير لائقة، ولما كانت هذه الحالة تخالف الحديث الشريف الذى رواه ابن ماجة عن واثلة بن الأسقع والذى يقول ما معناه: «أبعدوا عن مساجدكم أطفالكم ومجاذيبكم وامنعوا البيع والشراء والخصومات وإقامة الحدود ورفع الأصوات وسل سيوفكم واجتنبوا مثل هذه الحالات وداوموا فى تبخير مساجدكم أيام الجمع» (١). ولما كانت فى تلك الأوقات فى الحرم الشريف نظيفة، كما أنه لم تنعم جماعات الموحدين فى الحرم الشريف بالسكون من وقاحة من يسمون بالمجاذيب من الحمقى غير المتدينين، كما أنه لم يبق مجال للتأمل والتفكير أمام المواجهة النبوية من ثرثرة المزورين والأغوات، ووجود قبة الشمع فى الساحة الرملية وإدخال الجمال التى تحمل زيت الوقود من باب الرحمة إلى حوض تلك القبة قد أخلت نهائيا بالتعظيم والرعاية اللازمين للحرم الشريف. وقد حظيت الخريطة المرسلة إلى باب السعادة بالتقدير وأمر أن يجدد مؤخر الحرم الشريف كما جاء فى الخريطة المذكورة وأن يحول اسم الباب المجيدى إلى أسم باب التوسل وأن يؤخذ آراء ورضا أهل المدينة بخصوص الأماكن التى

стр. 1441

يقتضى الأمر تجديدها، بهذا صدر الأمر السلطانى وأبلغت الكيفية إلى محمد رائف باشا بالرسالة وبناء على التحريرات السامية التى وردت عرض الباشا تلك التحريرات إلى من يقتضى الأمر عرضها عليهم وبين أنه سيعمل وفق هذه الأوامر السلطانية وإن كان بعض الأهالى اعترضوا على تغيير الأساطين وقالوا: «لا لزوم لتغيير الأساطين، وإذا ما غيرنا الأعمدة التى ظلت لمدة مديدة فى مؤخرة حرم السعادة وجاورت الحجر المعطرة نكون قد ارتكبنا نوعا من عدم الرعاية؛ ولأجل ذلك يقتضى الأمر إبقاء هذه الأعمدة فى أماكنها وتقويتها بدعائم كما أن القباب التى تحملها تجدد بهذا الشكل».وبهذا التزموا القول الذى يقول بإبقاء جميع الأعمدة التى فى مؤخرة حرم السعادة وأن تعمر وتجدد دون أن يحدث أى تغير فى جميع جهات الحرم النبوى الشريف. فأجابهم محمد رائف باشا قائلا: «إن هذه الأعمدة كثيفة جدا أولا وضيقة وبالية، فإذا ما اقتلعنا هذه الأعمدة وحولنا وبدلنا أماكنها نكون قد وسعنا أماكن الصلاة، كما ننقذ القباب التى ستصنع من المخاطر المستقبلية، وكافة الأعمدة القديمة قد ركزت فوق حجارة عادية وبما أن تلك الأحجار قد وضعت فوق الأرض وقد تكسرت بثقل القباب وتضييقها وظلت الأسياخ الحديدية التى فى أطرافها فى الأرض». وإذا ما لم تغير هذه الأعمدة فالقباب التى تقرر تجديدها مهما كانت خفيفة تحطم الأعمدة القديمة التى يراد إبقاؤها كما أنها تقتل من تحتها منهارة بعد مرور وقت قليل، وإذا لم نهتم بالمخاطر المعروضة وبنينا القباب، نكون قد بذرنا الأموال بعملنا وهذا عمل يخالف الشريعة الغراء وهو عمل غير معقول لا تقبله ضمائر الموحدين، وإذا ما استرخصنا بصنع القباب التى صدر الأمر السلطانى بتبديلها بالبناء فالقباب الخشبية التى سنصنعها لا تتحملها هذه الأعمدة القديمة، وإذا ما سمحتم فلنقتلع أولا واحدا من هذه الأعمدة ونعاينها».

стр. 1442

فإن لم يتحقق ما قلته نبقيها على هيئاتها الأصلية، وإذا كانت الأخرى نلجأ لرأى عموم الناس وفكرهم ونتحرك وفق رأى الأهالى وقرارهم وبهذا الجواب المفخم أقنع معترضيه من الوجهاء والأعيان من سكان البلد فقبلوا أن يقتلع أحد الأعمدة لمعاينتها ظانين أنه سيكون فى حالة سليمة متينة نظرا لهيئتها الخارجية وجعل من أحضرهم من نجارى المدينة يعاينون ذلك العمود، وإذا بالعمود كان قد ركز فى أيام قايتباى فوق حجر أسود بال وضع فوقه التراب دون قاعدة والأحجار المذكورة قد تحطمت تحت ثقل القباب وصدمات الزمان المتقلب وتسببت فى اعوجاج الأعمدة والأسياخ الحديدية التى فى أطرافها فدست فى الأرض وتسببت فى انحراف الأعمدة عن مراكزها. كانت الأسطوانة التى اقتلعت وعرضت على فريق العمل والأهالى كانت مكونة من عدة أعمدة مجوفة وسبب ذلك إبقاء الأعمدة على هيئتها الأصلية كلما عمر حرم السعادة وكل عمود قد صبغ مرة واحدة وهذه الصبغة قد تحجرت بمرور الأيام وظلت على شكل أسطوانة مجوفة. وابتدر قسم من سكان المدينة إذ رأوا الاسطوانة المقلوعة كما وصفها الباشا فوافقوا على تغيير الأساطين رأسا وقال قسم آخر وقد اطلع على الأمر أن الأساطين القديمة ستنتزع والقباب ستعلق فوق الأعمدة وستقلل الأعمدة وستبدل إلى أسطوانتين أو ثلاث قطع من الأعمدة الرخامية المجلاة هذا الإنسان لا يسمع الكلام، ولا يريد أن يراعى هيئات الأبنية العالية المقدسة، ويريد أن يغير ويبدل الأعمدة التى لم يمس طرازها ورسمها، كاملة ويغير أماكنها ويقلل عدد الأساطين. وأمعنوا، أفكارهم بنشر هذه الأقوال المضرة وعملوا على تشويش أفكار العامة، لكن رائف باشا لم يعر سمعا لهذه الاعتراضات فانتزع جميع الأعمدة التى فى مؤخرة الحرم الشريف بعد أن أسند القباب التى فيه وفق ما جاء فى الخريطة ووضع أسس وقواعد الأعمدة الجديدة التى سيركزها فى نسبة واحدة وبعد أن ملأ البئر التى حفرها بين الباب الشامى وباب الضيافة وخارج سور المدينة المنورة بالتراب والأنقاض التى نتجت عن تلك العمليات، وهدم

стр. 1443

الجدار الشامى للحرم الشريف وأخذ يجدده وأسس على طرفى باب التوسل الذى فتحه وسط الجدار المذكور أربع مدارس مجيدية كما أسس أربعة مخازن لوضع زيت الوقود والأشياء الأخرى على الجدار الشامى وبهذا وسع الساحة الرملية قدرا ما. وهناك فى داخل المدينة المنورة وفى المواقع التى سيأتى ذكرها إحدى عشرة مدرسة أخرى ما عدا المدارس المجيدية التى سبق ذكرها وتلك المدارس من جملة ما بناه محمد رائف باشا. ١ - فى داخل الرباط الذى فى جهة الطاحونة من مسجد بهرام أغا من أغوات باب السعادة فى العنبرية. ٢ - هذه المدرسة فى السبيل الكائن فوق جسر سيل أبى جيد. ٣ - فى التكية المرادية التى خربت. ٤ - وهذه المدرسة بالقرب من المخبز الأميرى وهى مدرسة سليم أفندى وهو من قرناء السلطان عبد المجيد الرئيسية. ٥ - مدرسة الحوش التاجوري. ٦ - مدرسة بيت الخليفة أمام المناخة. ٧ - مدرسة زاوية العشاقي. ٨ - مدرسة زقاق النخاول. ٩ - مدرسة السلطان محمود خان الأول فى داخل دار توقيت باب السلام. ١٠ - مدرسة قبة سيدنا مالك رضى الله عنه. ١١ - مدرسة زقاق قفا. وكل هذه المدارس خاصة بالصبيان الذكور وهناك مدارس كثيرة خاصة بالإناث ولا حاجة لذكرها.

стр. 1444

وكان حفر محمد رائف باشا البئر التى خارج السور لوضع ودفن الأتربة والأنقاض المتبقية من التعمير كان برجاء الأهالى واسترحامهم، لأن الحجارة ذات الحجم الكبير التى نقلت من الجبل الأحمر كانت تصطدم ببعض المنازل ويزعج ذلك الأهالي، وبما أن الأهالى رجوا محمد رائف باشا أن يجد حلا لهذه المشكلة فتح بابا فى سور المدينة فى الجدار الذى يوازى ويحاذى دار الضيافة وبعد الاستئذان أطلق عليه الباب المجيدي. والمبانى التى يطلق عليها الأهالى قبة الشمع هى المبانى التى فوق حوض زيت الزيتون الذى يحضر من مواقع معلومة والذى حفر لحفظ الزيت ووضعه فيه، وكانت الجمال التى تحمل الزيت تدخل من مدخل باب الرحمة، كما ذكر آنفا وتوصل الزيت داخل تلك الأبنية وكان هذا العمل فد دخل فى حكم العادة بين الجمالين. وقد وفق محمد رائف باشا بخدماته هذه فى عرض مراسم التعظيم والتفخيم للحجرة المعطرة وذلك بإخراج مبانى القبة المذكورة خارج الجدار الشامى وبتسطيحه الساحة الرملية وسع وسط حرم السعادة ووضع نظاما حسنا بعدم إدخال الجمال فى داخل الحرم الشريف المشحون بالنور، كما هدم وجدد الجدار الذى بين باب الرحمة والمئذنة المجيدية (١) والقباب والأساطين الكائنة فى الجهة الغربية من هذا الجدار، والجدار الذى بين باب جبريل والمئذنة الرئيسية، ومع هذا قد اعترض عليه لأنه جدد الجدار الذى فى باب جبريل، وكانت تلك الاعتراضات كلها على غير وجه حق، لأن المحل الشريف الذى هدم وجدد فيما بين باب جبريل والمئذنة الرئيسية، كان فى الجهة الشرقية من الأبنية العالية المقدسة وكان فى محاذاة قدم السعادة ذات شرف، كان الفراغ بين الحجرة المعطرة والجدار الذى هدم ضيقا جدا وكان يحول دون مرور الزوار وعبورهم وكان هذا الأمر يؤدى بالضرورى إلى ما يخل بآداب الزيارة وأراد

стр. 1445

محمد رائف باشا أن يزيل ما كان يحدث من عدم رعاية آداب الزيارة وأن يحقق للزائرين الطمأنينة. وأراد أن يوسع ذلك المكان المذكور قدر الإمكان، فنقل جدار جهة باب جبريل إلى الخارج مقدار خمسة أذرع وجدده وقلل عدد الأعمدة وغير أماكنها وركز اسطوانة رصينة قوية موزونة بدل كل ثلاثة أعمدة وشيد أعمدة وقباب تلك الجهة على طراز جديد وفى شكل جميل متناسق فأعجب الناس من رصانتها وتناسقها، إلا أنه لم يهتم بما فى مؤخرة الحرم الشريف من أشياء أخرى متفرعة وتركها فى حالة خراب. واستقبح من قبل الأهالى هدمه الجدار الذى فى ناحية القدم النبوى السعيد ونقله إلى الخارج مقدار خمسة أذرع دون أن يأخذ رأى أحد أو رضاهم وأدى إلى قيل وقال وإشاعة أقوال فى حقه ومن هنا طلب بعض خواص الناس أن يعتنى بمؤخرة حرم السعادة أيضا وأن يراعى جانبه، وقال المعترضون من عامة الناس: «إننا لم نستطع أن نبين قلة رعاية هذا الرجل وقد أظهر عدم احترامنا حينما دفن أنقاض الحرم الشريف فى البئر التى حفرها خارج السور، فإذا ما سكتنا لفعله هذا لا نكون قد أحسنّا فعلا ولهذه الحركات التى تدل على عدم الاحترام مسئولية كبيرة وهى فى أعناقنا وقد اقتنع هؤلاء الخاصة بمثل هذه الأقوال وعرضوا الأمر إلى باب صاحب القرار وقد أوردوا أقوالا عجيبة واشتكوا من محمد رائف باشا ورجوا منه أن يعين مكانه شخصا آخر ويرسله إلى المدينة المنورة. ولما كانت أنقاض حرم السعادة وترابه كلما يتجدد أو يعمر تدفن فى مكان على سفوح جبل أحد وكان هذا المكان قد أحيط بسور من جهاته الأربعة، لذا كان الأهالى محقين فى هذا الخصوص، وما زال هذا المكان موجودا إلى يومنا هذا وهو من المزارات التى يزورها الناس ويصلون هناك ركعتى

стр. 1446

صلاة التحية، ولكن محمد رائف باشا قد دفن الأنقاض والأتربة الناتجة من التعمير والتجديد فى البئر التى حفرها خارج السور مراعاة لمصروفات خزينة الدولة، وكان ذلك سببا فى قول الأهالي: «إن محمد رائف باشا لا يراعى حرمة الأماكن المقدسة» وإن كنا نحن أيضا نوافق الأهالى فى خطأ محمد رائف باشا وشكاياتهم فى حفره ذلك البئر المذكور، إلا أن تأخير الجدار التى فى مواجهة قدم السعادة إلى الخلف وما فيه من حسنات غير قابل للإنكار فادعاءات المعترضين فى هذا الخصوص كانت واهية، لأن المكان الذى وسع كان مكانا ضيقا فى دائرة الحرم الفاخر وكان زوار الحجرة المعطرة يعانون أعظم معاناة عند زيارتها من الازدحام. ولنعرف حال مسجد السعادة القديم والأماكن التى حددها محمد باشا واحدا واحدا بناء على القواعد الهندسية لنبين مدى ضعف ادعاءات المعترضين الذين قاموا ضده، حتى لا يظلم الموصى إليه من قبل القراء. حال مسجد السعادة والمواقع التى أنشأها محمد رائف باشا كانت أكثر أماكن المسجد الشريف تتكون من سقوف واقعة على أعمدة صنعت من حجر أسود والعقود المصنوعة من الخشب، كانت الحجارة التى تشكل هذه الأعمدة قد وضعت بعضها فوق بعض قطعة قطعة وكانت قطع الحديد التى تربط بين الحجرين قد ربطت بالرصاص المذاب، وقد هدم محمد باشا هذه السقوف من جهة الشام إلى المئذنة السنجرية. وبما أن الجدار الذى بين مئذنة السنجرية والمئذنة الشكلية والخشبية قد هدم مع المئذنة السنجرية فى أواخر عهد السلطان سليمان وحدد؛ فظلت تلك المئذنة باسم السليمانية، ولما كانت الأعمدة التى هدمت فى الجهة الشامية والتى كانت تحمل سقوفها أربعة صفوف وكانت متقاربة من بعضها وكأنها متلاصقة فجعلها محمد رائف باشا صفين وبنى عقودها من الحجارة التى أحضرها من الجبل الأحمر

стр. 1447

وبدل القباب القديمة التى كانت مصنوعة من الخشب إلى قباب حجرية، وفتح بابا كبيرا فى المكان الذى يلى المئذنة السليمانية وسماه باب التوسل. يفرض أن يكون باب التوسل فى مكان مقابل دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف-رضى الله عنه-كان الوليد بن عبد الملك أدخل ذلك البيت داخل مسجد السعادة، ولما آلت تلك الدار إلى حميد بن عبد الرحمن عن طريق الميراث من جده وكان النبى ﷺ اعتاد أن يضيّف ضيوفه فى هذا المكان فسمى ذلك البيت فى عصر السعادة بدار السعادة. كانت دار حميد بين مئذنتى الشكلية والسنجرية فى نقطة تتصل بخارج الجدار الشامى للمسجد الحرام وكان فى جهتها الشامية مخبز ولبعض الدور والمخازن أبواب تفتح من داخل المسجد، وكانت توضع فيها قناديل حرم السعادة والأشياء التى تتعلق بالقناديل. وكانت ميضأة (١) الأغوات التى يفتح بابها إلى داخل المسجد فى مكان متصل بهذه المخازن، واشترى محمد رائف باشا تلك المنازل والمخبز من أصحابها بإعطائهم خمسمائة وسبع وعشرين قطعة ذهبية، وهدم سواء أكانت هذه الدور أو ميضأة الأغوات وما بجوارها من المخازن ومئذنة الشكلية التى تشققت حتى الأرض والسقوف الغربية التى تتصل بهذه المئذنة وبنى يمين ويسار باب التوسل سالف الذكر مدرستين فوقيتين وجعل أقفاصا حديدية لنوافذ هاتين المدرستين كانت تفتح إلى مسجد السعادة، وخلف الحجرات التى تصادف للجهة اليسارية من باب التوسل صنع حنفية طويلة أى شادروان ثم أسس على جهة يقال لها الزقاق الشامى من تلك الحنفية ميضأة ذات دورين بدلا من ميضأة الأغوات كما أسس فى جهة الميضأة التى فى الدور الثانى حماما خاصا يخدم حجرة السعادة، ولحمام ميضأة الأغوات باب يفتح إلى داخل المسجد وعند الضرورة يخرج من هذا الباب بسلم كما ينزل إلى الميضأة من فوق الكمر الذى فوق الحنفية، وبعد ما أنهى محمد رائف باشا عمليات ميضأة الأغوات

стр. 1448

بنى أربعة من المخازن على الطرف الغربى من الميضأة أى فوق سلم المخازن التى سلف ذكرها. ولهذه المخازن ميدان واسع مكشوف، وتحفظ فيها زيوت زيتون قناديل مسجد السعادة ولوازمه الأخرى، وقد فتح بابا كبيرا خارج المسجد لتدخل من المخازن المذكورة المحروقات والباب القديم الذى فتح فى داخل المسجد ترك على حاله فى مكانه لينفتح عندما يصلح قناديل حرم السعادة، وبنى فوق أرض ميضأة الأغوات مخزنا آخر لوضع الأشياء الخاصة بالمسجد الشريف ولهذا المخزن بجانب باب المئذنة وفى داخل المسجد باب يفتح للزقاق الواقع فى الجهة الغربية من المسجد وهو باب مشبك. وبعد أن أتم محمد رائف باشا بناء هذا المخزن أزال المخزن الذى فى جهة مئذنة الشكلية لعدم نفعه وحفر مقدار ذراع المرتفع الذى فى الجهة القبلية من مسجد السعادة وسواه وهدم الدكك التى انتشرت هنا وهناك فهدم القبة التى فى وسط الحرم الشريف، بينما هدمت هذه القبة وكانت تسوى أرضها بفرش الرمل ظهر حوض تحت الأرض ينزل إليه بالسلم، ويلزم أن يكون هذا الحوض البركة التى عرفها ابن النجار. قال ابن النجار وهو يصف هذا الحوض: «كان فى وسط مسجد السعادة وفى الجهة الغربية من النخيل ينزل إليه بسلم من عدة درجات، قد صنع من الأحجار والجص والألواح الخشبية وكان ماؤه يتدفق من فسقية فى وسطه، وكان ماؤه من عين الزرقاء، وكان خاصا بموسم الحج والعثور على الماء فيه فى الأيام العادية غير محتمل». وذهب إلى أن هذا الحوض أثر من آثار أحد أمراء الشام يسمى شامة ولكن رأيه هذا لا يخلو من خطأ. إذ قال المؤرخ المصرى: وينسب هذا الحوض إلى الأمير سيف الدين الحسين بن أبى الهيجاء، إن الأمير سيف الدين الحسين بن أبى الهيجاء حفر فى تاريخ خمسمائة وستين هجرى من عين الزرقاء إلى باب السلام فأجرى إلى الميدان الذى

стр. 1449

بجانب الباب المذكور مقدارا كافيا من الماء، ومؤخرا أدخل جزءا من هذا الماء فى الساحة الرملية لمسجد السعادة، وصنع هنا منهلا كما صنع فوقه كمرا وتحته فسقية؛ كان الناس يجدون هنا وضوءهم، ثم حدث ما يهتك حرمة الحرم الشريف بجانب الحوض، بعد أن أزال محمد رائف باشا قبة الشمع من ساحة الحرم الرملية هدم ما بين جدار مسجد السعادة الشرقى مع مئذنته الرئيسية وبنى باب جبريل وسحب جدرانه إلى الخلف قدر خمسة أذرع وربع ذراع إلى الخارج وبنى مكانا للخلوة فى دورين فى الميدان الصغير الذى استحدث نتيجة للهدم بين مئذنته الرئيسية وركن الجدار الجديد، ولم يلمس الأعمدة التى حول حجرة السعادة ودعاماتها ولكنه أراد أن يقوى ما جدده من أعمدة الجدران وعقد القباب الجديدة فركز الأعمدة فى محاذاة الأعمدة المدعمة لحجرة السعادة، وأبقى باب جبريل فى مكانه وزين باب المئذنة الرئيسية بأحجار منحوتة حمراء لترصيعها وصنع لهذا الباب سلما ذا أربع درجات وترك مكان الباب العتيق للسادة الخطباء، وبينما كان يحفر أسس الجدران الجديدة ظهر مصرف مياه ولعله كان مكان اجتماع مياه البالوعات، وكان فوق الرصيف وخارج مسجد السعادة، وإن كان ذلك المصرف بعيدا عن الحجرة النبوية إلا أنه نقل إلى مكان أبعد تعظيما للمسجد النبوى، ولما وصلت أعمال حرم السعادة لهذه النقطة وقبل أن تركب عقود القباب الشرقية، كانت شكايات المعترضين وصلت إلى الباب العالى حيث درست وحتى يقضى على النزاعات والخلافات التى حدثت نقل محمد رائف باشا وعيّن الفريق أبو بكر باشا ناظر معهد الهندسة البرية السلطانية مكانه وأرسل إلى المدينة المنورة. وتحرك أبو بكر باشا من باب السعادة وفى رفقته الحاج محمود أغا الجناح، وهو من مدرسى معهد الهندسة المذكور (١) وعثمان باشا الذى عين شيخا للحرم ووصلا إلى المدينة المنورة فى اليوم الحادى عشر من شعبان المعظم سنة ١٢٦٩ الهجرية، وكشف الباشا المذكور وعاين كل ما تم عمله سواء أكان فى عهد حليم

стр. 1450

أفندى الصغير أو محمد رائف باشا، من طريق الجبل ومواقع الحرم المبجل، ثم وضع خريطة أخرى وفق أفكاره وصمم على أن يجدد ويعمر جميع جهات مسجد السعادة حتى تصير رصينة متينة وعزم على الشروع فى العمليات-كسلفه- من جهة مؤخرة حرم السعادة، ولما رأى أن القباب التى بين المئذنة الرئيسية وباب جبريل أولى بالتعمير من الجهات الأخرى أكمل تلك القباب، وأسرع فى حفر وتعميق أساس المئذنة الشكلية، وبما أن المياه زادت قدر قامة رجل كلما حفر ذلك الأساس وعمق فغرس أوتادا وبنى قاعدة صلبة وجعل أساس المئذنة فوق هذه القاعدة وبنى المئذنة حتى كرسيها ثم عمر الأماكن التى انهارت من قديم فانتقل إلى الجهة الغربية من مسجد السعادة، وبما أن جدران هذه الجهة كانت رصينة لم يمسّها ووسع فقط ما بين الأعمدة التى تحمل القباب وأحد السقوف، لأن هذا المكان كان يتكون من أربعة سقوف مبنية على أربعة صفوف من الأعمدة. وألغى أحد الصفوف من الأعمدة وسقفا واحدا فنظم هذه الجهات على ثلاثة سقوف فوق ثلاثة صفوف من الأعمدة وألصق صفا من الأعمدة على الجدار حتى يضع عليها العقود، وهذه الأعمدة مراكزها ملاصقة للجدران، كما سبق ذكره، وعقد عقود القباب فوق هذه الأعمدة ثم انتقل إلى الجهة الشرقية فهدم الجدار الذى بين المئذنة السليمانية وباب النساء، ونصب بعض الأعمدة وأخذ يبنى الجدار الذى هدمه بحجارة سوداء وقبل أن يكمل عمله وكّل عبد اللطيف أفندى من رجال الدولة العالية وأنابه عن نفسه ثم سافر إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج وعاد بعد الحج وبذل جهده لإتمام عمليات الجهة الشرقية من مؤخرة حرم السعادة، ولكنه توفى قبل أن يختم عمليات الجهة ودفن يوم التاسع عشر من جمادى الأولى سنة ١٢٧١ فى القبر الذى هيئ له فى البقيع الشريف، رحمة الله عليه. كان أبو بكر باشا فى الوقت الذى عزم فيه على الحج كتب تقريرا إلى شيخ الحرم النبوى عثمان باشا فى أن يعين عبد اللطيف أفندى وكيلا له وأخذ من الباشا المشار إليه الجواب الآتى:

стр. 1451

الأمر: إننى عجزت عن فهم تقرير الباشا مدير الأبنية العلية ولما كانت للأبنية المسعودة مواد جسيمة وأمور عظيمة ولما كنت الموظف المسئول عن نقل هذه الأشياء، ولما كان النفع والضر عائدا لك لمسئوليتكم وحتى لا يحدث ما يؤدى إلى تعطيل سير الأمور وتأخيرها ولبذل الهمم للمقبوضات والنفقات فعملتم على اختيار وكيل لكم وهذا منوط ولائق لرأيكم السامى. صورة التقرير: وقد قررت كما تعرفون أن أسافر فى هذه الأيام إلى مكة المكرمة بنية أداء الحج المفروض ولما لزم أن تدار المهمة التى ألقيت على عاتقى وقبلت نظارتها بواسطة وكالة أحد موظفى الأبنية العلية، يا ترى هل من المناسب أن يختار لها أحد المقربين إلى وهو مدير الحرم الشريف صاحب العزة لطيف أفندى الذى سبق أن وجهت له الوكالة، أو ترون شخصا آخر أنسب لهذه المهمة؟ ومهما كان اختياركم للشخص الذى ستنتخبونه وكيلا مكانى أرجو أن تبينوا فوق هذه الورقة البيضاء ما ترونه وأن تسطروه والأمر فى هذا الخصوص لمن له الأمر. حرر فى ١٩ ذى القعدة سنة ١٢٧٠. وقد صادفت وفاة أبو بكر باشا للوقت الذى كان فيه دلاور باشا شيخا للحرم، وبناء على التكليف الذى حدث من محافظ المدينة ومن هيئة مجلس الشورى إلى دلاور باشا كان قد قبل وكالة أمانة البناء حتى لا تتعثر عمليات البناء، وأمر بأن تهدم الجهات التى فى ناحية باب الرحمة الغربية فبناها مجددا وتمم الأماكن التى ظلت ناقصة فى الجهة الشرقية بأن جعل سقفها فى وسع سقوف الجهة الشامية والغربية، وبنى أمام الجدار القبلى الرصيف الواسع الذى يطل عليه موضع الجنائز وعلى يسار من يخرجون من باب جبريل، يعنى فى الجهة الشامية من ذلك الرصيف، محلين مشبكين ومسقفين وفرش ما بين المحلين بقطع رخامية. وكان كثيرون من الفقراء والغرباء يبيتون فى هذا الموقع الشريف فى أيام

стр. 1452

الصيف مثل أصحاب الصفة وعندما يرد الحجاج والزوار كانوا يجتمعون فى هذا المكان ويؤدون الصلاة. أبلغ الباب العالى بوفاة أبى بكر باشا وإحالة وكالة أمانة البناء إلى شيخ الحرم دلاور باشا، وأسند أمانة الأبنية العالية إلى أمير الأمراء ناظر المدرسة البحرية سابقا أدهم باشا بعد أن انتخب لذلك المنصب فى مجلس خاص بالوزراء وصدر الأمر السلطانى بذلك بعد الاستئذان فى أواخر سنة ١٢٧١ هـ وأرسل إلى المدينة المنورة فى سنة ١٢٧١ هـ. وصل أدهم باشا إلى المدينة دار العز فى الخامس عشر من شهر صفر الخير من سنة ١٢٧٢ هـ،وثابر فى إيفاء مهمته وجدد فى فترة، تقرب من سنتين، الأساطين والقباب التى بين باب النساء ومئذنة العزيز والجدران الكائنة فى تلك الجملة فى صورة غاية فى الكمال والنظام. كان السلطان سليمان خان الغازى قد جدد فى سنة ٩٤٠ هـ المئذنة العزيزية الجميلة كما بين فى الصورة الثامنة من الوجهة الأولى وجعلها ذات شرفات ثلاث مثل مآذن باب السعادة، لذا أطلق عليها فى ذلك الوقت المئذنة السليمانية. وتلك المئذنة محاذية للمئذنة الشكلية التى وفق فى تجديدها المرحوم السلطان عبد المجيد، وعند ما عمر مسجد السعادة اقتضى الأمر إصلاح تلك المئذنة أيضا فربط -عندئذ-محمد راشد أفندى من موظفى أمانة البناء حبالا ما بين المئذنتين ليعلق عليها المحيا مثل مساجد باب السعادة إستانبول وذكر أن هذا الفعل سيعطى للمدينة المنورة الميمونة رونقا آخر وزينة أخرى، واستأذن بعد تعمير المئذنة السليمانية بأن تقام محيا (١) هناك فى ليالى رمضان واستكره السلطان الذى يتصف بصفات الزهد لشدة حبه لشفيع المذنبين ﷺ وفرض عبوديته إحداث بدعة فى دار

стр. 1453

الهجرة وتجنب ذلك بتقبيح الفكرة التى عرضها محمد راشد أفندى ولذلك تأخر تعمير المئذنة المذكورة، ولما كان جميع لوازم بنائها جاهزة فعمرت فى عهد السلطان عبد العزيز بشرط عدم إقامة المحيا، وأنفق لتعميرها بعد الكشف عليها خمسة وأربعين ألف قرش وسميت بالعزيزية. بينما كان أدهم باشا مشغولا بتعمير وتجديد جهة باب الرحمة صدر الأمر السلطانى بخصوص إرسال محمد راشد أفندى من أعضاء دار الشورى العسكرية لأنه كان قد التزم قديما من جانب محمد رائف باشا تجديد القباب والأعمدة التى فى مقدم الحرم الشريف كقباب وأساطين مؤخر الحرم الشريف وكان قد رأى فى هذا العمل نوعا من المحسنات والجمال لحرم السعادة. ولكن العمل بهذا الرأى كان سببا فى وقوع منازعة كبيرة، وكان أهالى المدينة فى ذلك الوقت قد أبلغوا الأمر مع بعض الأوراق والمضابط إلى باب صاحب القرار كما سبق ذكره ورجوا من السلطان أن يجدد داخل حرم السعادة وفق أفكار وآمال الأهالى؛ ومن هنا قرر إرسال محمد راشد أفندى وتعيينه ليحقق فى منشأ هذا النزاع وللكشف عن تعميرات مبانى الحرم الشريف وكيفية سير العمل فيها، وحساب نفقات تجديدها. وصل محمد راشد أفندى سنة ١٢٧٢ هـ خلالها، إلى دار السكينة وكشف عن الأماكن المتنازع عليها فى مؤخرة حرم السعادة وفى داخله، وبعد العودة سلم الباب العالى لائحة رأيه الشخصى مع المضابط التى قدمت من طرف الأهالى وموظفى الدولة مع الخريطة والأوراق الأخرى إلى الباب العالى، وبعد عمل ما يجب إجراؤه عرض الأمر على عتبة السلطان العالية الذى أصدر أمره بأن يدرس الموضوع فى مجلس خاص للوزراء ثم استذكرت الناحية الشرعية من الموضوع فى مجلس دار الإفتاء السلطانى الذى يتكون من العلماء والفضلاء والوزراء القدماء وقرر المجلس المذكور عدم جواز تغيير محال وأشكال ثمانية أعداد من الأعمدة التى تعد من الآثار النبوية الجليلة الخالية من العيب وكذلك الأساطين التى ركزت

стр. 1454

فى عهدى عمر وعثمان-رضى الله عنهما-عندما وسعا مواضع الصلاة فى المسجد باتفاق آراء الصحابة، من مائة وثلاثة وأربعين عمودا فى حاجة إلى التعمير فى داخل الحرم النبوى الشريف، وبما أن شكل القباب والأساطين ومحالها التى أضيفت فى عهدى السلطان مراد خان الرابع، وقايتباى المصرى لم تخضع للتغيير فى زمانهما، ورأى أن يعمر ويجدد الأعمدة التى ستحمل عليها القباب الحجرية بدلا من السقوف على هيئاتها الحالية، وبما أن الأساطين القديمة كانت مصنوعة من الحجر الأسود ومغلفة بقطع رخامية رئى أن تترك الأساطين غير المحتاجة إلى التعمير والتصليح فى حالتها القديمة والقباب من دكة الأغوات إلى باب الرحمة التى قرر صنعها بناء على الكشف القديم، وأن يجدد الجدار القبلى من باب السلام إلى المئذنة الرئيسية وألا تترك أنقاضها ومربع مرقد السعادة سيحتاج إلى التشييد والإحكام وعرض الأمر على العتبة السلطانية ملخصا فى مضبطة. وأن تجدد وتعمر المواقع المسعودة على الوجه المذكور والمشروح وأرسل ذلك الأمر (١) السلطانى بمضبطة مخصوصة إلى طوسون باشا شيخ الحرم النبوى. وكان مضمون ومندرجات اللائحة التى أرسلت إلى طوسون باشا الانتباه إلى ما جاء من قرارات فى اجتماع مجلس الوزراء الخاص والعمل بموجبها ووقاية الأشياء التى تستخدم فى البناء من التلف والإسراف فيها، وتكوين مجلس من الموظفين المحليين ومهندسى الأبنية ورؤساء الحجارين بخصوص النظارة على العمال وحسن استخدامهم؛ وتعيين الوظائف الأساسية لهذا المجلس وذيل اللائحة بتوقيعات أعضاء المجلس الفخم كما صدقت من مقام الصدارة العظمى. وكان سبب حدوث المنازعة هو كشف محمد رائف باشا داخل الحرم الشريف

стр. 1455

وتعميره لمؤخرة حرم السعادة وكانت تعميرات حرم السعادة تنقسم إلى قسمين الصورة الأولى عمليات مؤخرة حرم السعادة ومتفرعاتها، والصورة الثانية تعمير داخل الحرم الشريف ومشتملاته وفق الخريطة لتعمير مؤخرة حرم السعادة وتجديده والتى قدمت للمقام السلطانى السنى وحازت الموافقة، وفعلا قد بدئ فى العمل وفقا لهذه الخريطة، وختم بهدم آثار قايتباى مع مشتملاتها من محاذاة باب الرحمة إلى آخر الحرم الشريف الملاصق لتلك الآثار وبما أنه كان قد تم الاتفاق على هدم قباب قايتباى وإنشاء قباب جديدة؛ لهذا لم يكن فيه ما يثير النزاع، ولكن الأساطين التى تحمل السقوف والقباب فى داخل حرم السعادة والتى صنعت من حجارة صغيرة ومع مرور الزمن انفصلت عن بعضها ولما رئى أنها ستكون سببا فى سقوط السقوف والقباب أحيطت بأحزمة حديدية وظلت بعضها معوجة متمايلة، ومن هنا وجب تعميرها ورضى الأهالى على ذلك، وأراد محمد رائف باشا أن يجدد الحرم النبوى فى طراز جديد جميل بتقليل عدد الأعمدة وتغيير شكلها مثل أعمدة مؤخر حرم السعادة وأن يوسع مواقع الصلاة وأراد أن يعين ثمانية أعداد من الأعمدة التى تعد من الآثار النبوية بتركها على حالتها القديمة، لو كان مسجد المدينة قد جدد وعمّر على هذا الشكل لكان الحرم الشريف اتسع وبلغت زينة البناء إلى الكمال وحدث تطابق وتناسب وتناسق فى هذه القضية الفنية، وكل ذلك بناء على قول محمد رائف باشا. وإذا ما طبق فن الهندسة على تعمير مبانى الحرم فكان رأى محمد رائف باشا صحيحا كما أن الأدلة التى ساقها بخصوص زينة المبانى ترى لا غبار عليها، إلا أن كون داخل حرم السعادة من الآثار المباركة القديمة كما أن جميع الأعمدة التى فى هذه الجهة من الأعمدة التى تتشرف بقدمها، جعل مسألة تغيير تلك الأعمدة وتغيير أماكنها بادعاء توسيع الموقع والمحل، مسألة غير لائقة. ومن أجل رد خواص دار السكينة آراء الباشا المذكور الفنية وملاحظاته، قالوا ردّا على رأى الباشا: «إن عدد الأساطين التى تحتاج للتعمير فى الحرم الشريف مائة وثلاثة وأربعون عمودا ثمانية منها من الآثار النبوية، ولا يجوز تغيير أشكالها

стр. 1456

ومواقعها بالمرة، وكانت الأعمدة التى أضافها حضرة عمر وعثمان-رضى الله عنهما-كان بقصد توسيع مواقع الصلاة وبإجماع آراء الصحابة وبما أن هذه الأساطين قد ركزت باتفاق الصحابة وإجماعهم ولم يتجرّأ أحد إلى الآن على تغيير طرزها وهيئاتها، يقتضى النظر إليها على أنها من الآثار أيضا ولا يجوز تغيير هيئاتها أو تقليلها بحجة التناسق الفنى، ولا بأس فى تغيير غير هذه الأعمدة، كما أنه لن يحدث تناسب بتقليل عدد الأعمدة وتغيير أماكن الأعمدة التى أضافها السلطان مراد الرابع طاب ثراه والسلطان قايتباى المصرى، ومع هذا كانت القباب التى صنعت وأسست فى عهد السلطان محمد الرابع كانت قد أسست فوق الأساطين التى كانت قائمة فى ذلك الوقت، ولما كانت الأساطين التى ستؤسس وتوضع عليها عقود الباب التى تصنع الآن تستدعى التعمير والترميم لميلها وقرب سقوطها فإذا ما رممت على هيئاتها الحاضرة، وبهذا يراعى جانب الآثار القديمة، وامتنع عن تغيير صورها وهيئاتها وإذا ما صنع ما قرّر تعميره من الأساطين القديمة من الحجر الأسود حتى تشبه الأساطين الأخرى، فهذا هو رأينا». إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقنعوا محمد رائف باشا فعرضوا الموضوع إلى باب السلطان ذى القرار العادل وتسببوا فى صدور الفرمان السلطانى الذى سطرت صورة منه فى ذيل المقال. ادعاءات الأهالى هذه جديرة بالتصديق والقبول، لأن داخل حرم السعادة لا يقاس بمؤخرة المسجد ولما كانت هذه الجهة قد جددت وفق الخريطة التى وضعت لها وكان لتجديدها مسوّغ شرعى صريح، وأجرى لها ما يلزم، ولما ثبت بالدلائل الواضحة أن أحدا لم يتصّد لتجديد الحرم الشريف بإحداث التناسب فى داخله ولم يقدم أحد على تغيير رسمه ومحله، ومن هنا لا يجوز تغيير تجليات الآثار القديمة بتقليل عدد أساطينها وتغيير نقطها أو توسيع مواقع الصلاة فيه فهذه أفكار فجة سطحية، فتخريب الوليد بن عبد الملك حجرات زوجات النبى العليا لم تؤد إلا إلى انقراض الدولة الأموية وزوالها.

стр. 1457

وقد رممت الأساطين الثمانية التى ركزت فى عهد النبى ﷺ والأساطين التى ركزت فى العهد الميمون القريب من عهده وعمرت على هيئاتها القديمة، وقد حدث اتفاق عام بناء على وجود مسوغ شرعى لتغيير شكل وأماكن الأساطين التى أضافها السلطان مراد خان الرابع والسلطان قايتباى المصرى. وإذا ما صنع وفق الطرز الجديد بتقليل عددها وتغيير أماكنها وإذا ما اتبع طريق تجديد القباب على الهيئة المطلوبة منسوبا لاسم السلطان عبد المجيد، فإنه لن يؤدى إلى التناسب الفنى ويكون داخل حرم السعادة قد جدد بعض أماكنه حسب النظام الجديد وسيظل الباقى على النظام القديم، والأمكنة التى عدت بمرور الزمان ومجاورة الحجرة المعطرة من الآثار القديمة المباركة تكون قد بدلت هيئاتها ومواقعها وغيرت. وبدلا من أن تبذر الأموال عبثا لتجديد الأعمدة التى انحرفت قليلا أو اعوجت والتى يمكن تعميرها وتقويتها وتحويل أماكنها وشكلها، فإذا رممت الأساطين الموجودة على هيئاتها وأشكالها حيث وجدت بحيث تتحمل القباب الحجرية وإذا ما رممت بالأحجار السوداء مثل الأعمدة المتينة المصنوعة من الحجر الأسود وإذا ما غلفت الأساطين التى كانت مغلفة بقطع الرخام نكون قد ادخرنا النقود وحافظنا على أشكالها وهيئاتها الأصلية، ولما كانت الأساطين التى تحمل القباب العالية المصنوعة من عهد السلطان مراد ثمانية أو عشرة أعمدة منها فى حاجة إلى الترميم والتعمير، ولما كان بناء القباب الحجرية مكان السقوف جائزا شرعا لوقاية أبنية الحرم من الخطر وكان عامة الناس متفقين فى هذا الموضوع ولم يكن فى هذا سبب يؤدى إلى النزاع، والمنشأ الحقيقى للنزاع كان فى تقليل عدد الأساطين داخل الحرم النبوى وتغيير أماكنها، وقد اختار أهل المدينة شق تعمير وترميم الأساطين فى أماكنها، ورجحوا ذلك على استصواب محمد رائف باشا من تقليل الأعمدة وتغيير أماكنها، عرضوا الأمر على الباب العالى ورجوا بأن يعمر داخل حرم السعادة وفق ما يرغبون، وقد بحث الأمر فى دار الإفتاء

стр. 1458

السلطانية بعمق وعرض ولما كان رأى أهل المدينة الكرام موافقا للشرع الشريف عرض الأمر على العتبة السلطانية التى أصدرت أمرها بذلك وأرسل الفرمان السلطانى إلى المدينة المنورة. وبما أن تغيير شكل وهيئة الأبنية العالية غير جائز أرسل لأدهم باشا للعمل بما جاء حسب ما يقتضى الأمر السلطانى كما أرسل له تحريرات سامية توصى ببذل الجهود فى هذا الأمر إذا كان مدير أمانة البناء. وجدد أدهم باشا دكة الأغوات بحجارة منحوتة حمراء فى غاية الجمال وصنع على أطرافها أربعة أسوار مشبكة وأسس فى ذيل هذه الدكة دكة أخرى ويذهب من بين هاتين الدكتين إلى باب جبريل. ولما كان محراب التهجد فى وسط مقصورة الدكة التى صنعت فى مواجهة دكة الأغوات وفى طرف الجهة الشامية شبكة السعادة التى جددها أيضا، ووضعوا حول الدكة الأسوار المصنوعة من النحاس الأصفر، وكان بجانب دكة محراب التهجد مخزنان، فهدمهما وجددهما بأن جعلهما أربع حجرات، كما أمر ببناء سقف عال لخلف دكة الأغوات وجهتها اليسارية وتحت هذين السقفين محرابا وعدة حجرات عالية خاصة بخدم الحجرة المعطرة، ويذهب إلى السقفين الجديدين من بين باب النساء ودكة الأغوات. كان مشايخ الحرم النبوى يؤدون صلواتهم الخمس فى النقطة التى يوجد فيها المحراب سالف الذكر فى الأوائل ثم أخذوا يصلون فى دكة الأغوات، والآن يصلى الأشخاص الذين يتولون مشيخة الحرم فى هذا المكان ويحدث أحيانا أن يصلوا فى دكة التهجد التى أمام دكة الأغوات، ولكن صلوات التراويح لا بد أن يؤدوها بجانب المحراب سالف الذكر. وأمر أدهم باشا فصنع خارج باب النساء وفى جهة باب جبريل من ذلك الباب، وجدد فمد القفص الخشبى الذى أحدث سنة ١٢٥٠،هذا القفص كائن ما بين كل ثلاث أسطوانات من باب النساء إلى مؤخرة مسجد السعادة فتؤدى

стр. 1459

النساء صلواتهن داخل هذا القفص، واستشار شيخ الحرم حافظ محمد باشا مع علماء المدينة فى غضون سنة ١٢٨٠ هـ فمد ذلك القفص إلى قرب محاذاة المئذنة السليمانية، لأن جماعات النساء تكاثرت ولم يستوعبهن القفص كلهن فكانت بعض النساء يؤدين الصلاة خلف النخيل، ولما كان الرجال الذين يدخلون من باب التوسل لا يجدون أماكن للصلاة أمامهم فيضطرون أن يؤدوها خلف النساء. ويطلق أهالى المدينة على هذا القفص قفص النساء ولونه أخضر وله أبواب مصنوعة من القطع المشبكة، تأتى النساء فى ليالى الجمع ويؤدين الصلاة، ويحضرن أولادهن حديثى العهد بالولادة فى يوم الأربعين من ولادتهم لإدخالهم فى شبكة حجرة السعادة، وتأتى بهم أمهاتهم أو أقاربهم ويسلمونهم لموظفى إدارة الأغوات، ويطلق أهل المدينة على مثل هؤلاء الأطفال الذين تركوا فترة تحت أغطية مربع القبر الشريف فى حجرة السعادة ولد الحجرة فيلزم أن يكون خاصة أهل المدينة من هؤلاء الأطفال. ولما كان أدهم باشا قد توفى بعد أن أكمل تلك الأقفاص بفترة قليلة فى أواخر شهر شعبان المعظم سنة ١٢٧٣ هـ،فاختير معاون المبانى المقدسة صالح أفندى لوكالة أمانة البناء باتفاق موظفى الحكومة وأعاظم السادات وعلماء البلاد وبلغ الأمر مع وفاة أدهم باشا إلى باب صاحب القرار العظيم. وكانت وفاة أدهم باشا قبل أن يكمل سقف الجهة القبلية وسقف الجهة الغربية الذى يمتد من باب السلام إلى باب الرحمة إلا أنه كان جدد هذه الأماكن والقباب الجديدة التى أمر السلطان بإنشائها فى اتصال الساحة الرملية لحرم السعادة، ودكة الأغوات مستلهما أمر السلطان كما أنشأ كل هذه الأماكن مطابقة لآمال الأهالى وأفكارهم. حدود السقوف العتيقة: كانت فى الجهة القبلية من مسجد السعادة ثلاثة أروقة، وألحق كل من عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان فى عهديهما رواقا كما ألحق الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحى للجهة الشامية رواقين كما أن السلطان

стр. 1460

مراد خان الرابع ألحق ثلاثة أروقة فى الجهة الشامية أيضا ولما لم ينته بناء هذه الجهات ظهرت الحاجة إلى بناء عدة أروقة أخرى فى هذه الجهة، وعقب وفاة أدهم باشا، استصوب صالح أفندى إضافة رواقين بموافقة رأى مجلس هيئة الأبنية السعيدة، وشرع فى العمل من هذه الجهة، وأراد أن يساوى ما بين أسطوانات الجهة القبلية لأسطوانات الجهات الثلاث الأخرى، فرأى أن ترفع بعض الأسطوانات من هذه الجهة وإزالتها وبين الكيفية للهيئة العامة للمجلس الذى انعقد تحت رياسة شيخ الحرم لأن توسيع هذه الجهة فى حالتها هذه غير قابل للتوسيع والإصلاح وقام بعض الذوات معترضين على هذا أيضا إلا أن هيئة المجلس (١) استصوبت رأى صالح أفندى بالأغلبية واستحسنته وأثنوا عليه، وكتبوا فتاوى شاملة بجواز رفع الأعمدة بنية توسيع المسجد الخالصة حتى يسكتوا المعترضين معتمدين على الشرع. وأراد المعترضون أن يسقطوا حكم الفتاوى التى صدرت من العلماء واحتجوا على عدم جواز إزالة الأعمدة المأثورة القديمة بالأحاديث التى أوردها الإمام السّمهودى من البخارى وابن النجار والتى تقول: يجب أن يصلى فى جميع جهات مسجد السعادة، الصحابة الكبار قد صلوا فى جميع جهات هذا المسجد وقد أجابتهم هيئة المجلس إجابات مقنعة إلا أنهم طوروا الموضوع حتى وصل إلى مرتبة الجدال والنزاع، وأبلغوا الحالة بمضبطتين مستقلتين إلى الباب العالى وقرروا تأجيل العمل فى مسجد السعادة إلى أن يصل الرد، وحينما وصلت المضبطتين إلى باب السعادة وأطلع الوزراء على مضمونيهما، وصدق قرار الأغلبية رأيها وأحالوا الموضوع إلى محمد راشد أفندى الذى كان قد سافر إلى المدينة وحقق فى النزاع الأول الذى حدث فى أمانة البناء العالى، فاستدعوه وأمروه بأن يسافر حالا إلى المدينة المنورة. وشرع محمد راشد أفندى فى العمل من بقية مؤخرة حرم السعادة، وأتم العمل فى الأساطين التى تقع بين باب الرحمة وباب السلام، وفى بعض عقود

стр. 1461

القباب، وخمسة عشر ذراعا من المكان الذى فى جهة باب السلام من الجدار القبلى، وعندما أوصل تعميرات الحرم الشريف إلى حدود الروضة الميمونة التى يصدق عليها الحديث الشريف روضة من رياض الجنة وعندئذ ظهرت وتجددت المنازعة المعلومة مع أن محمد راشد أفندى كان مطلعا على مندرجات الفرمان السلطانى فأصر على تطبيق أفكار محمد رائف باشا فى حصول تناسب، وابتدر فى تغيير مواضع الأساطين التى فى جهة المدرسة المحمودية للحرم الشريف والتى أضافها إلى الحرم عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-وبهذا أثار الناس مرة أخرى، ومع هذا أخذ يعرض على الباب العالى بعض أشياء غير مفيدة، وأخذت محاضر الشكاوى من قبل الأهالى تصل تباعا، كل هذا أوقع الباب العالى فى الشك والشبهة فعزله وأرسل مكانه عمر جمال الدين أفندى من رجال الدولة القدماء، ولكنه توفى حين وصوله إلى مكة المكرمة فى سنة ١٢٧٥ هـ فتعطلت تعميرات الأبنية المقدسة فترة ما. قد أخذت فرقة المدينة المنورة المعترضة خزانة الدولة، وبما أن هذا الشخص كان جريئا وحريصا استطاع أن يهيئ أكثر الأشياء اللازمة لعمليات أبنية السعادة والحجارة المنحوتة اللازمة للأساطين، إلا أن هذه الغيرة والسعى وشدة الاهتمام أنتجت قيام المعترضين ضده؛ لأن أفراد الفرقة المخالفة كانت لهم منافع شخصية فى تدخلاتهم فى عمليات البناء لأنهم كانوا يريدون أن تطول هذه العمليات أطول مدة حتى يحافظوا على تلك المنافع، ومنذ أن عزل محمد راشد أفندى إلى تعيين عمر جمال الدين أفندى وإلى ورود أحمد أسعد أفندى بعد وفاة سلفه قد أعطيت كثير من الأجور للمستخدمين فى أمور أبنية السعادة من الكتبة والعمال بدون فائدة، واستمرت هذه الفترة ما يقرب من سبعة أشهر، إذ مات عمر جمال الدين أفندى وعرض الأمر على باب السعادة وكان أحمد أسعد أفندى فى ذلك الوقت قاضى مكة المكرمة فوصل إلى المدينة المنورة فى جمادى الأولى أوائله من سنة ألف ومائتين وست ١٢٧٦ وسبعين هجرية.

стр. 1462

وكانت الفرقة المعترضة قامت ضد محمد راشد أفندى باحثين عن تغيير مواضع بعض الأعمدة وكان هذا موضع النزاع. إلا أن هذا القيام لم يكن كالقيام السابق إذ كان بدون وجه حق وبدون مناسبة، إذ استصلح محمد راشد أفندى أماكن السقوف التى هدمت من قبله وهى التى تلى السقف الذى ألحق فى الجهة القبلية، وبترميمات قليلة للأعمدة التى ركزت فى عهد صالح أفندى نقلها فى محاذاة الأعمدة الأخرى وحرص على أن يركز هذه الأعمدة فى أماكنها القديمة ولكن فيما بين أعمدة السقوف الثلاثة التى تلى الجهة القبلية حدث تخلف قدر ثلاثة أذرع بينها وبين الأعمدة التى ركزت مجددا، وقد وقف محمد راشد أفندى لهذا التخلف وهو يهدم الفاصلة التى تفصل بين سقف الجهة القبلية والأسقف الثلاثة التى تليه، وإن هذا التخلف ظاهر فى العمود الرابع من صفوف الأساطين الأربعة التى تقع فى اتصال الساحة الرملية التى فى الركن الشرقى من مسجد السعادة ولا يوجد فى أساطين الصفوف الأخرى، وإن كان فى أساطين الركن الغربى من الساحة الرملية تخلفا جزئيا وإذا لم يمعن النظر فيه فلا يمكن تعيينه فهذا التخلف إذا ما طبق على قواعد الفن المعمارى الكلية فلا يعد من العيوب، وكان اثنا عشر عمودا ما الأعمدة الستة عشر التى يعرف التخلف فيها من النظرة الأولى والتى تكون الصفوف الأربعة من الأعمدة، كانت ركزت من قبل أسلافه ولما كانت الفرقة المعترضة غير راعية بهذا الموضوع ظنوا أن هذا التخلف قد حدث فى عهد محمد راشد أفندى وخدعوا الناس بهذا الزعم الباطل وأغروهم بالقيام ضده. انتهى. قد خدم محمد راشد أفندى فى تزيين داخل مسجد السعادة وقد تركت جهة الجدران الغربية أعلى من الجهات الأخرى كعلامة على الجدران القديمة وكان هذا الارتفاع أساء لجمال سطح المسجد.

стр. 1463

أزال محمد راشد أفندى هذا العلو وأبقى جملة «هذا حد مسجد النبى» التى كانت محكوكة على هذا الصف من الأعمدة، لو كان حدد هذه الجملة قائلا: «هذا حد المسجد الأصلى» لأحسن فعلا لأن عبارة «هذا حد مسجد النبى» تفيد أن خارج هذا الحد ليس من جملة مسجد النبى وهو ليس كذلك. بعد أن سوى محمد راشد أفندى وسطح ومهد أرض المسجد وهدم المخازن فى التقاء الحد القبلى للمسجد الأصلى أنشأ جدارا منخفضا من شبكة الحجرة المعطرة إلى انتهاء الأعمدة التى فى الجهة الغربية من جدار باب السلام وبنى فوقه سورا مشبكا جميلا مصنوعا من النحاس الأصفر وفتح ثلاثة أبواب من الروضة المطهرة للخروج منها ناحية القبة العثمانية، ولما انتهى من سقوف الجهة القبلية لمسجد السعادة إلى محاذاة الساحة الرملية جهز حجرا أحمر مزينا لكتابة التاريخ وأرسله إلى باب السعادة حتى يكتب عليه ما انتخب مما كتبه أدباء المدينة ثم يأمر بإعادته إلى المدينة، إلا أن السلطان ذا الخصال الحميدة لم يستصوب أن يكتب لذلك المكان المقدس التاريخ وأمر بأن يعطى للمؤرخين اثنا عشر ألف قرش وحتى يتخذ قرارا ما ينبغى إحالة الموضوع إلى مجلس العلماء المنعقد فى المشيخة الجليلة، وقرر فى المجلس أن يكتب على هذا الحجر الحديث الشريف، وفق اقتراح أمين الفتوى للمجلس محمد رفيق أفندى «صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام»،وأبلغ الأمر إلى دار الخلافة. وأمر الخليفة أحمد أسعد أفندى الذى تعين لأمانة أبنية السعادة بعد عمر جمال الدين أفندى بإجراء ما يقتضى الأمر عمله. والتواريخ التى ستذكر فيما بعد هى التواريخ التى اختارها محمد راشد أفندى لتحظى بالنظرة السلطانية وأرسلها إلى الباب العالى.

стр. 1464

عربى (١) بشرى مليك الورى عبد المجيد ... بما قد فاز من فخر دنياه وعقباه توجهت بعظيم الأجر همته ... وكى ينال من المختار زلفاه فجددت مسجدا تهوى ملائكة ... لو أصبحت فيه من عمال مبناه ولكن بذاك إله الحق خصصه ... يا فوز من خصه بالخير مولاه وإنه أثر ما حازه ملك ... من قبله بل ولا من بعد يحظاه بطالع اليمن والإقبال آخره ... على أساس التقى مذ تم منشاه قالت الملائكة البشرى مؤرخة ... على قواعد يمن عز أخراه ١٢٧٥ الآخر (٢) الله أكبر فاز سلطان الورى ... عبد المجيد بأعظم الإحسان

стр. 1465

طوبى له قد شاد أرفع مسجد ... يسمو على الأفلاك بالعدنان حرم زهى بالروضة الفيحا التى ... جلت وأضحت من رياض الجنان ويميز الهادى سمو بحجرة ... هى مهبط الأملاك والغفران بشرى لقد حاز الثواب مليكنا ... وحدى عظيم الأجر من رحمان برفيع همته أجاد بناءه ... فى غاية الأحكام والإتقان حرم على تاريخه حقّا زهى ... تم البناء بهمة السلطان ١٢٧٥ وظلت أعمال المئذنة المجيدية ناقصة وقد أنشأها محمد راشد أفندى على طراز مآذن بلاد الروم وفى غاية الجمال وجعل حول شرفاتها أسوارا بشبكة حديدية. التاريخ الآتى الذكر هو التاريخ الذى ذكره الأديب كامل عبد الجليل براده (١) بخصوص المئذنة المجيدية. عربى سلطاننا الملك الغازى المجيد بنى ... فى مسجد الهاشمى المصطفى طه

стр. 1466

منارة لم تطاول رفعة وبها ... يحق للدهر فخرا لوبها باها فريدة إن بدا شكل يماثلها ... فإنما ذاك حقا عكس مرآها ودت نجوم السماء لو أنها ... انتظمت فى جيدها تزهو ثرياها لغاية ابتهاج الفكر أرخها ... منارة بالبهاء تم مبناها ١٢٧٥ ولما مات عمر جمال الدين أفندى-الذى بعث مكان محمد راشد أفندى- توفى وهو يؤدى فريضة الحج المشروعة فى أثناء وجوده فى مكة المكرمة؛ اقتضى تعيين شخص آخر وإرساله لتولى وظيفة أمانة المبانى العالية فأبلغ ذلك من قبل أمير مكة المعظمة شرف عبد الله باشا إلى الباب العالى وعرض ذلك السلطان من قبل الصدر الأعظم محمد باشا القبرصى وشيخ الإسلام سعد الدين أفندى وتأنّى فى تعيين شخص وإرساله، وسكت السلطان فترة وهو يفكر ثم شرع فى الإجابة قائلا: «لا بد أن فى هذا الأمر سرّا خفيّا وحكمة، وقد أرسلنا هناك من الباب العالى من نثق فيهم مثل حليم أفندى الصغير، ومحمد راشد أفندى، وعمر جمال الدين أفندى فلم يستطيعوا أن يكملوا مهمتهم، ثم أرسلنا من أمراء جيوشنا من له اليد الطولى فى فن الهندسة مثل محمد رائف وأبو بكر وأدهم من الباشوات، وكذلك لم يوفقوا فى إتمام المهمة؛ فلنول-كتجربة-أحدا من رجال الطريق العلمى المقتدرين، يا سعد الدين أفندى فاعثروا على رجل يتصف بالصدق والروية ومعروف بالتقى والتدين وأرسلوه إلى المدينة المنورة حتى يكمل تلك الخدمة التى تجلب الفخر والزهو، ولما قال له سعد الدين أفندى الأمر لكم

стр. 1467

يا سلطاننا، وإننا سنعثر على داعية مستقيم الأفكار قد سلح نفسه وزينها بأفكار توافق أفكار سلطنتك وسنعرض الأمر على عتبة سلطنتك بعد الاستئذان، فقال له السلطان لا كلا لا لزوم لتعيين موظف من هنا. وحتى لا تتعرض تعميرات البناء المقدس للانقطاع فترة أخرى قد أحلت مهمة أمانة الأبنية العالية إلى ابن عريانى أحمد أسعد (١) أفندى قاضى المدينة المنورة- على صاحبها أكمل التحية-والذى يوجد الآن فى مكة المكرمة وفوضت الأمر إليه لكفائته، ولما كان أحمد أسعد أفندى أبا عن جد من رجالنا المشهورين والداعين للدولة والمستقيمين فإننى أثق فيه، بسبب تجاربى السابقه، وإن شاء الله يوفق فى إتمام مهمته على أحسن وجه، وتلقى أحمد أسعد أفندى هذه الإجابة التى تنطوى على الإرادة السلطانية فأرسل الفرمان السلطانى الذى يتضمن تعيين أحمد أسعد أفندى بالمدينة المنورة سنة ١٢٧٥ هـ وبلغت التوجيهات السلطانية وحسن ظن السلطان فيه عن طريق آخر، كما طلب منه أن يبادر فى العمل دون تأخير وأن يبذل أقصى جهوده لإتمام مهمته، وأوصى بإخطارات أخرى مبينا دقة الموقف وأهميتها وبلغت إدارة مكة المكرمة أنه إذا ما استدعى الأمر من جانب أحمد أسعد أفندى نزاع الأهالى فعلى أمير مكة أن يذهب بذاته إلى المدينة المنورة لحل المشكلة. ولما أخذ أحمد أسعد أفندى الأمر (٢) السلطانى بتعيينه فى عمارة المسجد النبوى بكى من سروره وسجد لله- -على تعيينه لتلك الخدمة المسعودة دون أن يكون له دراية بهذا الموضوع، فتحرك رأسا من مكة المعظمة ووصل إلى المدينة المنورة فى أوائل جمادى الأولى سنة ١٢٧٦ هـ. وزار حجرة الرسول ﷺ المعطرة-عليه أعظم التحايا-وعرض عليه تذلله وافتقاره وأبان عجزه واستعان برسول الله ﷺ فى إتمام مهمته راجيا نصرته وعونه وشرع فى إتمام مهمته بعد أن بدأ فى عمله ذاكرا اسم الله، وأتم ذلك العمل

стр. 1468

المعقد فى أول ذى الحجة من سنة ١٢٧٧ دون أن يستعين حتى بالشريف عبد الله باشا ودعوته إلى المدينة، وأنهى تلك الأعمال التى عجز عن إتمامها أسلافه الكرام فى سبع أو ثمانى سنوات فى ظرف سنتين ونصف سنة كما سيعرف فيما بعد وعرض الأمر على الباب العالى وأعلمه. مطالعة ورأى إذا ما نظرنا إلى إتمام العمل وحسن عريانى قاضى المدينة المنورة، ندرك أن إتمام العمل وختامه سواء أكان فى حرم المدينة المنورة توأم الجنة أو حرم المسجد الذى تخدمه الملائكة وتعميرهما قد تم على يد موظفين ينتمون إلى العلوم الشرعية، ومن يعمق الفكر فى هذا الموضوع يجده من غرائب المصادفة فى العصر ومن أحكام اللطائف الغيبية وهذا بديهى، كيف لا تعد من الاتفاقات الغربية وقد تمت عمليات تعمير وتجديد مبانى الكعبة المعظمة فى عهد السلطان مراد خان الرابع على يد صاحب الفتوى سيد محمد أفندى الأنقروى الذى كان فى ذلك الوقت قاضى مكة المكرمة والذى رقى إلى مقام المشيخة الإسلامية فى سنة ١٠٩٧ هـ، كما تم إجراء عين عرفات التى بدأت العمليات فيها فى عهد السلطان سليمان بن السلطان سليم خان الغازى وتمت فى عهد السلطان سليم الثانى على يد وعلم مفتى مكة الشافعى حسين بن أبى بكر الحسينى، ولا سيما تطهير مجرى عين عرفات الذى دام سبع عشرة سنة. والذين تولوا نظارة عمليات التطهير قد توفوا الواحد تلو الآخر وقد أتم المشار إليه حسين أفندى أبو بكر ما لم يستطع إتمامه أسلافه فى ظرف سبعة عشر عاما أتمها فى ظرف خمسة أشهر وبصورة وعلى هيئة كان يتمناها الجميع. والتعميرات الكاملة للمسجد الحرام تمت فى ظرف أربع سنوات إذ كانت تحت نظارة المفتى المشار إليه. وأراد أحمد أسعد أفندى-وقد تلقى الأمر السلطانى والإرادة السنية-أن يعمل بموجب النص الجليل ويجدد داخل حرم السعادة موضع المنازعة فيه،

стр. 1469

وحتى ينفرد بذلك العمل عين سيد محمد أفندى من أفاضل علماء المدينة نائبا له فى المحكمة الشرعية فاستدعى السادة الكرام والعلماء المشهورين والموظفين ذوى الاحترام للمدينة المنورة وعقد معهم اجتماعا للمذاكرة والدراسة فى المكان الذى يطلق عليه الديار العشر والذى يقع فى الجهة القبلية من المسجد النبوى، وعرض جميع جهات العمل واستشارهم فيها، وبعد دراسة الخرائط التى وضعها أسلافه وتدقيق النظر فيها، قرر العمل بناء على قاعدة هدم الجهات التى يراد تجديدها وإتمام العمل فيها ثم الانتقال إلى الجهة الأخرى وهدمها وتشييدها، وبدأ العمل من مؤخرة الحرم الشريف يعنى من النقطة التى كان محمد راشد أفندى قد اقترب من بدايتها داخل الحرم الشريف، كما أرى فى مسطح الرأس المضبوط فجدد تجديدا متينا رصينا مزينا القباب التى بالقرب من باب السلام إلى المئذنة الرئيسية مع عقودها وبقية الجدار القبلى مع القبة العثمانية الجسيمة وقباب الروضة المطهرة مع القباب التى فى مواجهة قبر الرسول والقباب البالية الأخرى مع عقودها ومع مصاريفها وخلاصة القول كافة أسس أساطين وطاقات المسجد الشريف النبوى وقبابه المختلفة. كما عمّر وقوى الحجرة المعطرة النبوية والمئذنة الرئيسية ومآذن باب السلام وباب الرحمة كلها وفق ما جاء فى فكر الأمر السلطانى وأحكامه وطبقا لقرار مجلس الاستشارة، وهكذا أتم تعمير جميع جهات حرم السعادة كما سبق تعريفه على أحسن وجه وجعل جميع القباب الخشبية التى شيدها من الحجر وبهذا قد حظى بشكل وثناء أهالى الحرمين المحترمين، شكر الله سعيه. كان شيخ الحرم النبوى فى عهد أحمد أسعد أفندى شيخ الوزراء المرحوم مصطفى باشا فى اسكودار وكان لمهارته فى فن العمارة وهمته وغيرته وجهوده فى استكمال أسباب إنشاءات المبانى المقدسة، ومساعى محافظ دار الهجرة من قدماء الرفقاء الكرام المرحوم خالد باشا ومعاونته وإقدام واستقامة رئيس مراجعى الأبنية العالية بدر الدين (!) ورئيس المهندسين الحاج محمود أفندى وسائر الموظفين، أكبر أثر فى تسهيل المهمة وسرعة إنجازها ومن ثمة فى إتمام إنشاءات حرم السعادة قبل الأوان بفترة.

стр. 1470

وقد حكّ مذهبا ليوضع فوق طاق باب السلام ذى الفيوضات منظومة تاريخية كما صنع طغراء غراء على أن توضع فوق المكان الخاص الذى هيئ فى وسط القباب المجيدية العالية التى تقع فى جهة من الساحة الرملية فى مؤخرة حرم السعادة، وقد أرسلت المنظومة التاريخية التى كتبها قاضى المدينة المنورة السابق يعقوب عاصم أفندى ليعرض على أعتاب السلطان بواسطة أحمد أسعد أفندى إلى شيخ الإسلام سعد الدين أفندى وأن تعاد إلى المدينة فى حالة نيلها القبول. وقدم ذلك التاريخ إلى السلطان حتى يلقى عليه نظرة، وإن كان قد وافق مزاج السلطان الفطرى إلا أن استخدام بعض التعبيرات التى توافق الصنعة الشعرية أراد السلطان ذو السمات الملائكية الذى يتوسل إلى روح محمد-عليه صلوات الأحد-فى كل أمور السلطنة وخصوصياته أن يحرر التاريخ الذى سيوضع فى داخل المسجد النبوى الشريف من الخيالات الشعرية وفى صنعة معبرة عن سليقة الإخلاص ولذا قال: «من أنا حتى أتجرأ على تعليق الطغراء داخل البناء المقدس الذى بناه سلطان الأنبياء-عليه أعظم التحايا-بذاته! فمن الأنسب أن يكتب فى المكان بدلا من التاريخ والطغراء حديث شريف مناسب لذلك المقام المقدس ويعلق هذا التاريخ بعد تصحيحه فوق كمر أحد أبواب حرم السعادة وهذا أنسب، وبعد أن يصحح زيور (١) أفندى هذا التاريخ فليرسل إلى المدينة المنورة باهرة الشرف»؛وبناء على هذا الأمر السلطانى صحح ذلك التاريخ وأرسل إلى المدينة على أن يعلق فوق طاق أحد أبواب حرم السعادة، وأن يكتب على حجر التاريخ، الذى أرسله محمد راشد أفندى قديما ولم يلق قبولا لدى السلطان، الخبر الصحيح: «صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام»،وأن يكتب مكان الطغراء عبارة «قال النبى ﵇» وبما أن هذا الأمر السلطانى قد أبلغ إلى أمانة المبانى العالية قد وقر وفخم ذلك المقام ووجد الاحترام للأمر السلطانى ووضعت الطغراء الغراء المجيدية فوق طاق باب السلام مذهبة حيث زينته.

стр. 1471

وبعد أن جدد وعمر وشيد وأصلح جميع القباب والأساطين الكائنة فى مؤخرة حرم السعادة أو فى داخله كما عرف آنفا، وحتى يقووا ويدعموا أساس القبة الخضراء المرتفعة التى فوق الحجرة بنوا جدارا لصق أسس شبكة الحجرة المعطرة وبإقامة بعض العقود فوق هذا الجدار دعموا القبة الخضراء الشريفة وحافظوا عليها فى صورة متينة. وإن كانت تلك القبة اللطيفة عمرت فى عهد السلطان محمود خان الثانى إلا أن جهة من عقود القباب الجديدة التى ستؤسس فوق جدران القبة الخضراء أدرك لدى الكشف عليها أن هذه الجدران ليست متينة بدرجة تتحمل العقود الجديدة ومن هنا قرر تدعيم قواعد الجدار العتيق، وبناء على هذا القرار حفر حول الشبكة الشريفة أساسا عميقا قدر ستة أذرع وجدد أساس الجدار الذى صنع فى عهد السلطان محمود فأسس وطرح أسس الجدار الجديد مطابقا لهذا الأساس الغير قابل للاندراس. فالقبة اللطيفة التى عمرت فى عهد السلطان محمود خان العدلى قد حفرت قاعدة أساسها إلى أن ظهر تراب سليم، والحجارة التى وضعت كأساس كانت فى غاية الصلابة والإحكام وفوق ذلك قد ربطت بعضها ببعض بقيود من حديد ورصاص مذاب، وإن كان هذا الأمر تبين عند المعاينة. ولكن حتى توضع عقود ما اقتضى تجديده من القبة العالية وحتى تقوى وتحكم الجوانب الأربعة للقبة الخضراء درجة أخرى رئى أن يبقى على الجدار الذى بنى فى عهد السلطان محمود خان حول الحجرة المعطرة وأن يبنى حول هذا الجدار جدار آخر وتوضع عليه عقود القباب الجديدة فوق الجدار الجديد، وبهذه الطريقة قد رصنت سواء أكانت القبة الخضراء أو القباب الأخرى العالية فوق المطلوب، وبناء على هذا التعريف يقتضى أن يرى الجداران المحدثان من الخارج إلا أن شبكة السعادة العارضة تحيط سواء أكان بالجدارين اللذين بنيا فى عهد السلطان محمود أو الجدارين اللذين بنيا فى عهد السلطان عبد المجيد، وبما أن

стр. 1472

شبكة الحجرة المعطرة اللطيفة كما سبق تعريفها ظلت بين القواعد والدعامات التى أنشئت لتشييد القبة الخضراء ولأجل ذلك فرؤية هذه الجدران غير ممكنة. وبناء على ما فهم من هذا التفصيل فالقبة الخضراء التى تشاهد من خارج المسجد الشريف هى تلك القبة التى تطلق عليها القبة الخضراء فهى قبة خضراء كبيرة فوق قبة الحجرة التى تقع فوق مربع قبر السعادة، وكما سيبين فيما بعد أن القفص المصنوع من السلك الذى يغطى المربع المقدس تحته قبة صغيرة وهذه القبة فوق مرقد السعادة وتعرف باسم قبة الحجرة. وكان داخل الجدران الأربعة المتصلة والذى يقال له مربع القبر الشريف كان فى الأصل دار أمنا السيدة عائشة-رضى الله عنها-فنعوش صاحب الشريعة- عليه أكمل التحية-وأبو بكر الصديق وعمر الفاروق-رضى الله عنهما-مدفونة فى داخل هذا المكان السعيد. قد زينت الأطراف الأربعة لمربع القبر الشريف بالأغطية الغالية التى أرسلها السلاطين العثمانيون خاصة للحجرة المعطرة، لهذا ليس هناك من رأى ظهر مربع قبر السعادة فى الأزمنة القريبة، ويرددون أن هذا المحل مستور بقفص مصنوع من الأسلاك وظهر هذا القفص الجهة الداخلية للقبة الخضراء التى ذكرت، ويدخل شعاع الشمس من نافذة قبة النور التى تقع فى الناحية القبلية من هذه القبة، فينير سواء أكان داخل مربع القبر الشريف أو جدرانه وما بين القفص الذى يطلق عليه شبكة السعادة. ليس فى زماننا من رأى داخل مربع قبر السعادة، يعنى داخل الجدار الذى يحيط بأطراف القبور الثلاثة، وإن كان للمربع المقدس فى جهة السعادة نافذة صغيرة، ومن الواضح أن من ينظرون من هذه النافذة الصغيرة يستطيعون أن يروا داخل مربع القبر الشريف إلا أن من رعاية شروط الأدب عدم النظر إلى داخل المربع ولأجل ذلك لا يمكنهم أن يجيلوا أنظارهم فى داخل المربع، ويجرى

стр. 1473

أهالى المدينة رسم الولادة كما عرف فى الصورة الثالثة من الوجهة الثالثة، بأن يلقوا أولادهم حديثى العهد فى داخل هذه النافذة. كان قد أخرجت خلال سنة ٥٥٤ من داخل مربع قبر السعادة جيفة هرة متعفنة، وبناء على الظن القوى أن تلك الهرة قد دخلت من تلك النافذة ولم تستطع الخروج فهلكت وتعفنت وحتى يزال أثر تعفن الجيفة الكريه قد ترك فى داخل المربع الشريف من تلك النافذة خشب شجرة الصندل الذى نقع بدهن الورد وهذه القصة تروى بين الأهالى بسند قريب من الصحة، حتى إن تعطير الحجرة المعطرة على هذا المنوال قد أخذ صفة العادة. حتى إنهم فى زماننا-كما سبق تعريفه فى المكان الخاص-يعطرون نشارة كافية من شجرة الصندل بدهن الورد ويلقونها فى يوم معين داخل مربع قبر السعادة من تلك النافذة، وبعد سنة يستردون القديم ويضعون الجديد ويقتسمون القديم فيما بينهم، ومع ذلك فسواء عند استرجاع نشارة الصندل أو إلقائها لا يدققون النظر إلى داخل حجرة السعادة، وهذه الشبكة أى القفص الحديدى الذى يحيط بمربع قبر السعادة من جوانبه الأربعة يطلق عليه شبكة السعادة، ويقال لداخل هذه الشبكة الحجرة المعطرة، وينال الزوار الكرام مرامهم بزيارة قبر السعادة من خارج هذه الشبكة (١). بعض تفصيلات مهمة: لما جاء الدور لتعمير قباب الروضة المطهرة صنعت ستارة خشبية عارضة فوق الأعمدة التى بين حدود الحجرة المعطرة والروضة المطهرة حتى لا يسقط تراب ولا تقع حالات تؤدى إلى عدم الرعاية والاحترام، ولم يحدث أن هتك العمال الذين يشتغلون فى هذا المكان ستارة الاحترام والأدب، فيعمل العمال فوق الستارة الممدودة بكل وقار وهدوء وينهمك العباد الذين فى داخل الروضة المطهرة فى

стр. 1474

عبادتهم وطاعتهم دون إحداث ضجة حتى الهمسة ما كانت تسمع حتى يظن أن فوق الستارة الخشبية لا يوجد عمال يعملون، ابتداء من الأعمدة التى فى الصف الثالث التى توجد فى الحدود الأصلية لمسجد النبى من ناحية الشام إلى أسطوانة الوفود، وفى الجهة الغربية من المسجد الثانية من المنبر النبوى وباعتبار ما بين الأسطوانتين الواقعتين فى جهة الجنوب ومن الجدار القبلى. وسواء هاتين الأسطوانتين أو الأساطين الشريفة الأخرى إلى أنصافها كانت مزينة بألوان بيضاء وحمراء ومحلاة بذهب خالص ومذهبة وكانت هذه من آثار السلطان سليم بن السلطان عبد الحميد خان المبرورة قد أبقيت كما هى وغيرت زخارفها، ومن تلك الأساطين ما تكسّرت قطع رخامها بشكل لا يمكن ترميمها وقد صنعت جيدا وحتى يعرف أنها كانت مرممة كالأساطين الأخرى قد نقشت عليها رسوم الرخام باللون الأبيض والأحمر، وشبهت بالأخرى وجميع الأعمدة التى فى الجهة الشرقية من الأعمدة الملاصقة لشبكة المنبر المنير وتحت المنبر الشريف المذكور بنى هذه الأساطين إلى السقوف التى أمام الروضة المطهرة كلها وقد جددت قطع رخامها، ولكن قطع رخام الأعمدة التى بين مواجهة السعادة وحول الحجرة اللطيفة لم تغير، على أنها علامة لازمة لحدود الروضة المطهرة من الجهة الشمالية، وأصلح ورمم بعض أماكنها، وبهذا قد حفظ حكم الحديث الشريف الذى يقول: «ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة» والأسطوانات التى سطرت عليها قصيدة السلطان سليم بن عبد الحميد خان والتى سبق ذكرها فى موضوع الأساطين كانت ضمن الأساطين المذكورة التى بقيت كلها على حالاتها القديمة وغيرت زخارفها وخطوطها فقط. وبينما كان يحفر أسس أسطوانة السرير فى محاذاة رأس السعادة وأسطوانة التوبة ظهر ماء عذب لطيف، ولما كان لهذا الماء رائحة طيبة أخذ منه أكثر الأهالى وتبركوا به وأرسلوا منه إلى أهالى البلاد الأخرى، قد انهمك الأهالى بتدبير

стр. 1475

الأوانى والزوارق لأخذ الماء ولما وصل صياحهم إلى قدر هتك ستارة الأدب فألقى الأساس رأسا حفظت حرمة المسجد. وبينما كانت أسس هذه الأسطوانات والأسطوانات الأخرى تحفر وتفتح نثر البخور، وأحرقت أقراص الطيب وأنواع أخرى من الطيب، فى نقط وضع الأساطين، وحينما كان يحفر أساس الأسطوانة التى فى ركن الجهة الغربية القبلية للشبكة التى تحيط بالحجرة المعطرة ظهرت بئر تنزل إليها بسلم ذات تسع درجات وكان ارتفاع وعرض كل درجة شبرا واحدا، وكان وليد بن عبد الملك قد حفرها للسيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب-رضى الله عنها-فى دار عبد الله بن عمر-رضى الله عنهما-ويلزم أن تكون هذه البئر مخرج الطريق الذى سده موظفو السلطان قايتباى حتى يمنعوا اختلاط الرجال بالنساء، وكان عمر بن عبدا لعزيز قد أخذ بأمر الوليد بن عبد الملك دار أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب-رضى الله عنهما-التى كانت فى الجهة القبلية من دار عائشة-رضى الله عنها-وأعطى لها فيما بعد فى مقابلها الدار التى يطلق عليها دار عمر بن عبد الله (١). وكان قد فتح لهذه الدار طريقا إلى مسجد النبى، ظل ذلك الطريق مفتوحا إلى الوقت الذى زار فيه الخليفة المهدى المدينة المنورة ولكن موظفى الحكومة لم يستصوبوا ذهاب المهدى من هذا الطريق إلى مسجد السعادة لأسباب خفية، فسدوا الباب الذى يؤدى إلى المسجد، وفتحوا طريقا من دار عبد الله بن عمر من تحت الأرض حتى شبكة السعادة حتى يدخل المهدى فى داخل المقصورة دون أن يراه أحد، وهذا هو الطريق الذى نتحدث عنه، وقد ذهب المؤرخون إلى أن فى مخرج الطريق الذى فتح ثلاث درجات وأطالوا فى تعريف هذا الموضوع. ولما كان عدد الدرجات التى ظهرت تسع كما حرر من قبل فيصل خطأ رأى
следующие страницы →