← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

إذا ما رضيت فأنا أرغب فى أن أقدم لبناتك بعض العطايا وكان يريد بهذا الاستفسار أن يحسن إلى بنات عبد الله بن مسعود. فرد ابن مسعود قائلا أنا لا أخشى على بناتى من الفقر والخصاصة، وقد نبهتهن إلى ضرورة قراءة سورة الواقعة كل ليلة مرة وأوصيهن بأن يداومن على هذه الأصول لأنى كنت سمعت النبى ﷺ يقول: كل من دوام على قراءة سورة الواقعة فى الليالى يأمن تسلط الفقر والحاجة عليه. وبهذا القول امتنع عن تقديم العطايا لبناته؛ رضى الله عنه. حنيس بن خذافة السهمى (١) -رضى الله عنه-كان خنيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب بن لؤى القرشى السهمى زوج حفصة بنت عمر بن الخطاب الأول وهو أحد مهاجرى الحبشة، خرج فى غزوة أحد ومات بعد ملحمة بدر الكبرى بخمسة وعشرين عاما ودفن فى مكان قريب من ضريح عثمان بن مظعون. أسعد بن زرارة (٢) -رضى الله عنه-:هو سعد بن زرارة أبو أمامة ابن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم ابن مالك بن النجار بن ثعلبة بن الخزرج الأنصارى وهو أحد الأنصار السابقين للإسلام بل أولهم ونصب نقيبا من قبل رسول الله ﷺ لقبيلة بنى ساعدة التى ينتسب إليها. وقد وجد فى بيعات العقبة الأولى والثانية والثالثة وعرض البيعة قبل الكل وتوفى فى خلال شهر شوال من العام الهجرى؛ فدفن فى مكان قريب من ضريح عثمان بن مظعون، وقبره لامع الأنوار فى وسط مقبرة البقيع، وبجانب ضريح ابن الرسول ﵉ إلا أنه ليس لقبره علامة خاصة. وعند ما يزار ضريح إبراهيم-عليه التعظيم-فلا تنس قراءة الفاتحة على روحه لتذكره. فاطمة بنت رسول الله «عليهما الصلاة والسلام»:ارتحلت السيدة فاطمة الزهراء-رضى الله عنها-عن دنيانا بعد والدها بسبعين يوما ودفنت-على القول الأرجح-على زاوية دار عقيل اليمانية التى تقع فى داخل مقبرة بقيع الغرقد.

стр. 1612

قطعة شعرية إن فاطمة من شمس الرسالة نور فاجعل من غبار عتبتها لعينيك الدواء فليس فى الإمكان دخول إلى سلطان كونها وبناء على الروايات الموثوقة اغتسلت قبل احتضارها ولبست ملابس جديدة وقالت إننى الآن سأستجيب لدعوة «ارجعى» ولكننى لست فى حاجة للغسل والكفن!!! وسلمت روحها بعد ذلك ودفنت فى المكان المذكور. قطعة شعرية ثمرة القلب وقرة عين الرسول ... زهرة فلك النبوة البتول سيدة كل نساء الجنان بقيت ... ورأسها على حجر عند قدم الرسول وقرر المؤرخون بناء على قول على بن حسين بن على بن أبى طالب، أن السيدة فاطمة مدفونة فى مكان يبعد عن دار عقيل خمسة عشر ذراعا وعلى قول ثلاثة وعشرين ذراعا وفى مواجهة الطريق المتصل بالزاوية اليمانية لدار عقيل وقول عبد الله بن رافع الذى قال: قد دفنت فخر النساء فى مخرج الطريق الذى يقع بين دار عقيل بن أبى طالب، ودار أبى، وبناء على الروايات الأخرى أن السيدة فاطمة-رضى الله عنها-فى مقبرة بقيع الغرقد الشريفة، ولكن البعض الآخر-روى خطأ هذا القرار وخرجوه وادعوا أن قبرها الشريف فى جهة صفة أصحاب الصفة من شبكة مرقد السعادة، وأيدوا ادعاءهم هذا بما يروى عن عمر بن عبد العزيز بأنه قال: بأن السيدة فاطمة قد دفنت فى دارها من جهة أسماء

стр. 1613

بنت عبد الله بن الزبير أى فى الجهة الشامية من الحجرة المعطرة، وقال إن هذه الرواية قد نقضت الرواية الأولى، ولكن إذا نظرنا لما قاله ريحانة النبى ﷺ الحسين بن على بن أبى طالب حين احتضاره ادفنونى فى البقيع بجانب والدتى ودفن بعد موته فى مقبرة البقيع بناء على وصيته، وإذا ما نظر إلى قطعة الرخام التى عثر عليها فى سنة ٣٣٢ هـ فوق قبر فى بقيع الغرقد حيث كتب عليها هذا قبر فاطمة بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء العالمين. وقبر الحسن بن على وعلى بن الحسين بن على وقبر محمد بن على وجعفر بن محمد-رضى الله عنهم بالبقيع-هذا يقتضى التصديق بأنها دفنت فى البقيع الشريف. وقد كشف الشيخ أبو العباس المرسى-وهو من مشاهير أولياء الله-ظاهر الكرامات بأن قبر السيدة فاطمة فى مقبرة بقيع الغرقد كان يقف فى داخل ضريح عباس ابن عبد المطلب وفى الجهة القبلية منه ويقرأ الفاتحة لروح المشار إليها وجعل ذلك عادته مدة حياته. ويقول أهل المدينة بأن السيدة فاطمة-رضى الله عنها-فى داخل حجرة السعادة ويزورون إلى الآن حجرتها فى داخل المسجد النبوى، إلا أنهم عندما يزورون قبر عم النبى ﷺ عباس-رضى الله عنه-يقفون حيث وقف الشيخ أبو العباس المرسى ويقرءون الفاتحة لروح فاطمة الزهراء أيضا، لأن الرواية التى تقول بأنها مدفونة فى داخل شبكة الحجرة المعطرة نقل فقط عن الأحمق شمس الدين بن زمن؛ فلا قيمة لهذه الرواية حتى بين علماء المدينة المنورة. التأسف إن المدفن الذى عين على أنه مدفن فاطمة-رضى الله عنها-فى زمن شمس بن زمن قد زين بستائر مزركشة وغطيت أطرافه الأربعة بستائر ذات أهداب ذهبية إلا أن مدفنها الذى فى البقيع والذى ثبت دفنها هناك فيه بأقوى الأسانيد

стр. 1614

والأقوال ظل ضريحها فى البقيع مغطى بقطعة قماش خضراء قديمة عادية مما يثير فى قلوب الزائرين الأسى والأسف. وإن كان قيمة القماش الغطاء لا يزيد فى فضل صاحبة القبر إلا أنه مهما وقرت واحترمت السيدة فاطمة دعا ذلك إلى ابتهاج الروح النبوية، ويقاس مدى حب أهل الإيمان لنبيهم بمدى ما يظهرون إلى المشار إليهم من الرعاية والاهتمام ومن هنا يقتضى الأمر أن يحظى ضريحها فى بقيع الغرقد بالعناية والنظام. ألا فليرض الله عن والد السلطان كثير المحامد قد أحاط قبر والدتنا المشار إليها دائرا ما دار بسياج من النحاس وبهذا أزال ما جاش فى قلوب المحبين للنبى ﷺ من الأسف والحزن درجة ما. استمرت سيدة النساء بعد أن ارتحل والدها الكريم تنوح وتنتحب فى المكان الذى محل قبرها فى البقيع حتى أطلق عليه دار الحزن، ومسجد فاطمة، وذلك المكان المقدس قبة أهل البيت ويقع فى الجهة القبلية من جوار ضريح عباس بن عبد المطلب، وقد جدده السلطان محمود خان الثانى فى سنة ١٢٣٣ هـ ورمز له بكتابة القطعة الآتية فوق طاق بابه: لحاكم الدهر لطف الله ... لا يردن على الخاطر لماذا ابك وادع لذلك السلطان ... الذى أقام مسجد الحزن هذا الحسن بن على بن أبى طالب-رضى الله عنه: قبره الأنور بجانب والدته السعيدة فاطمة-رضى الله عنها-والكائن فى داخل ضريح العباس بن عبد المطلب، كان قد بعث قبل وفاته إلى أمنا عائشة-رضى الله عنها-من يخبرها

стр. 1615

راجيا بأنه يرغب أن يدفن داخل حجرة السعادة فأجابته قائلة: وفعلا فى داخل حجرة السعادة مكان يسع لقبر واحد وكنت قد هيأته لنفسى مادام ذاته السامية يرغب فى الدفن فى مدفن السعادة أتنازل عن المكان الذى هيأته لنفسى وأقدمه له وأدبر لنفسى قبرا فى مكان آخر. وأخذ أمراء بنى أمية ينشرون ترهاتهم ويثرثرون هنا وهناك قائلين: فلا سبيل لدفن الحسن بن على-رضى الله عنه-فى مدفن الرسول إننا سنخالف رغبة الإمام الحسن هذه بل أننا سوف نتجرأ على مقاتلة بنى هاشم فى هذا السبيل. وانفعل الحسن بن على من أمراء بنى أمية وغضب وقال مخاطبا أخاه الحسين الشهيد إننى تنازلت عن رغبة الدفن فى مدفن الرسول فادفنونى بجانب والدتى فى البقيع ولكن لا تحملوا جنازتى إلى البقيع قبل أن تذهبوا بها أمام مواجهة السعادة للتشفع، هذه كانت وصيته. وعندما ارتحل عن دنيانا أراد حضرة حسين أن يدفنه فى حجرة السعادة، ولكن المعاندين من بنى أمية تصدوا لذلك قائلين فلن نوافق على ذلك أبدا فهيأ حسين قبرا فى البقيع بجانب قبر أمه باهر الأنوار ودفنه فيه بعد أن حمل جنازته إلى مواجهة السعادة للاستشفاع وهكذا وفى بوصية أخيه-رضى الله عنه-ولم يكن والى المدينة فى ذلك الوقت سعيد بن العاص يمانع فى دفن حضرة الحسن فى الحجرة المعطرة إلا أن مروان بن الحكم جمع أعوانه وعارض الحسين وخالفه فى فكرته وعند ما أحس مروان من الإمام شدة دفاعه قال له: كان أخوك قال إذا لوحظ ظهور الفتنة فادفنونى فى البقيع فسكت حضرة الحسين، وصلى على الحسن عمرو بن سعيد بن العاص وقال الحسين-رضى الله عنه-لو لم تكن صلاتك على أخى سنة لما سمحت لك بالصلاة عليه. حكمة عارض أمراء بنى أمية دفن الحسن بن على وعثمان بن عفان-رضى الله عنه- فى المحل الخالى فى الحجرة المعطرة على اعتبار أن هذا الموضع سيكون مدفن عيسى ابن مريم.

стр. 1616

لأن النبى ﷺ قد تفضل قائلا: إنّ عيسى بن مريم سيهبط على وجه الأرض وسيتزوج وسينجب الأولاد وبعد أن يعيش ما يقرب من خمسة وأربعين عاما سيتوفى ويدفن بجانب قبرى ولسوف أبعث أنا وعيسى بن مريم بين أبى بكر وعمر. ودفن الإمام زين العابدين وابنه الإمام محمد الباقر وابنه الإمام جعفر الصادق بجانب الإمام الحسن بن على بن أبى طالب كما أن رأس الإمام الحسين دفنت بجانب قبورهم، لأن يزيد الشقى كان قد أرسل رأس سيد الشهداء المقطوع إلى والى المدينة عمرو بن سعيد بن العاص فجهزه وكفنه ودفنه بجانب قبر فاطمة- رضى الله عنها-فى بقيع الغرقد، والآن عندما يزور الكرام ضريح عباس بن عبد المطلب يتذكرون الأئمة الكرام المشار إليهم ويعرضون عليهم تحيتهم ويتحفظون سلامهم هناك من يدعى أن رأس الإمام حسين لم يدفن فى البقيع حتى إنهم يمنعون من يريد زيارة الشهيد ممن يصدقون وجود رأسه هناك. ولكن العلامة ابن سليمان يؤكد على وجود رأس الحسين المبارك فى البقيع فى كتابه «الذخر النافع» كما ذكر الزبير بن بكار بإسناد موثوق أن جنازة على بن أبى طالب قد نقلت إلى البقيع مؤخرا، ومن هنا فذكر اسميهما عند الزيارة تبركا مع تذكر أهل البيت لا يخلو من فائدة العباس بن عبد المطلب-رضى الله عنه: عباس بن عبد المطلب مدفون بجانب قبر منسوب لفاطمة بنت أسد-رضى الله عنها-،أم على بن أبى طالب وضريحه المنيف أول مقابر بنى هاشم ومدفنه قريب من دار عقيل، والقبة التى تشمل على قبر عباس يطلق عليها قبة أهل البيت ولضريحه بابان شامى وغربى وتنحصر وظيفة الحراسة فى سلالة زنجية ببراءة من مفتى المدينة الشافعى سيد جعفر بن سليمان. صفية بنت عبد المطلب-رضى الله عنها: قبر والدتنا صفية فى مكان عند المخرج من باب البقيع أى فى اتصال دار المغيرة بن شعبة. وفى زماننا لا يزورون هذا المكان ويزورون الضريح الذى خارج البقيع وفى اتصال سور المدينة، ويقولون هذا هو قبر صفية بنت عبد المطلب ولكن قول الزبير بن العوام بن

стр. 1617

صفية للمغيرة بن شعبة عندما كان يبنى بيته يا مغيرة ارفع رفرف سقف دارك من فوق قبر أمى وتحويل مغيرة بن شعبة مجرى سقف بيته إلى جهة أخرى يؤيد ويؤكد صحة القول الأول. سفيان بن الحرث بن عبد المطلب-رضى الله عنه: سفيان بن الحرث مدفون فى داخل دار عقيل بن أبى طالب كان سفيان ينتزه فى داخل مقبرة بقيع الغرقد فى السنة العاشرة من الهجرة وعلى قول فى السنة الثانية والعشرين من الهجرة عندما ذهب إلى الحج ورجع منه، فلاقاه عقيل بن أبى طالب وقال له: ابن عمى! لما تتمشى هنا؟ فرد سفيان قائلا: أريد أن أهيئ لنفسى مكانا للقبر ثم دخل فى دار عقيل بن أبى طالب، ثم قال له احفر هنا قبرا لى. عنده ساعة جلس وجعل عقيلا يحفر له قبرا، ومات بعد يومين ودفن فى القبر الذى حفره عقيل، وعلى رواية أخرى، حفر بنفسه ومات بعد ثلاثة أيام ودفن فى القبر الذى حفره بنفسه ولا شبهة فى أن سفيان ابن الحرث مدفون فى الضريح الذى ينتسب إلى عقيل بن أبى طالب، ولكن الشخص الذى دفن فى هذا الضريح ليس عقيل بن أبى طالب بل عقيل بن النجار، لأن عقيل بن أبى طالب قد توفى فى الشام. والدة سفيان بن الحرث غزنة بنت قيس بن طريف بن فهد بن مالك وأبو أبيه عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشى فهو عم النبى ﷺ وبما أنه رضع من حليمة بنت أبى ذؤيب السعدية (١) فهو الأخ للنبى من الرضاعة. وقبل أن يسلم كان ضد النبى ﷺ وكان قد جرح خاطر النبى بما كتب فى حقه من الهجاء، وبعد الإسلام قام بأعمال لا بأس بها وحاز إعجاب النبى ﷺ . عبد الله بن جعفر الطيار: عبد الله بن جعفر الطيار ابن أبى طالب مدفون فى دار عقيل أيضا، بما أن حضرة عبد الله كان أجود العرب كان يلقب ب جواد القبيلة وإن كان بعض المؤرخين قالوا إن عبد الله توفى فى خلال سنة ٩٠ الهجرية ودفن فى الأبواء لكن القول الأول أكمل من الرواية الثانية. الأزواج الطاهرات-رضى الله عنهن-أجمعين: أولى زوجات النبى ﷺ

стр. 1618

خديجة بنت خويلد-رضى الله عها-مدفونة بمقبرة الجنة المعلا فى مكة المعظمة كما أن أمنا «ميمونة رضى الله عنها» مدفونة فى مكان اسمه سرف بين وادى فاطمة ووادى التنعيم كل واحدة فى ضريحها الخاص. وغيرهما، كلهن، مدفونات فى مقبرة بقيع الغرقد وفى الضريح الخاص لزوجات النبى المطهرات فى الجانب الشرقى من دار عقيل بن أبى طالب. رواية لما أشرفت حبيبة حبيب الله عائشة-رضى الله عنها-أمنا على الموت استدعت عبد الله بن الزبير وقالت له مواجهة «ادفنى بجانب صاحباتى اللائى فى داخل بقيع الغرقد» ونفذت وصيتها بعد موتها. رواية: حفر عقيل بن أبى طالب فى داره التى فى البقيع بئرا ولما وجد فى حين حفره حجرا محكوكا عليه فسد البئر المحفورة وبنى فوقها منزلا عظيما، وكان مكتوبا على الحجر المذكور «قبر أم حبيبة بنت صخر بن حرب» أى أم المؤمنين حينئذ دخل حضرة ابن السائب داخل البناء الذى أسسه وزار قبر أم حبيبة-رضى الله عنها-وحفر محمد بن زيد بن على محلا مكشوفا على بعد ثمانية أذرع من قبر فاطمة-رضى الله عنها-فوجد حجرا محكوكا عليه «إنه قبر أم سلمة زوج رسول الله ﷺ » وقد نقل هذا محمد بن زيد بنفسه، وظهور هذه الحجارة يدل على أن ذلك المكان مكان قبر زوجات النبى ﷺ ، كما أن قول عائشة-رضى الله عنها-: «ادفنى بجانب صاحباتى .. » يؤيد الرواية التى تحكى أن الأزواج المطهرات دفن فى بقيع الغرقد. أزواج النبى الطاهرات هن: خديجة، عائشة، سودة، حفصة، أم حبيبة، أم سلمة، زينب بنت جحش، زينب الهلالية، جويرية، ميمونة، صفية-رضى الله تعالى عنهن أجمعين-ومجموعهن إحدى عشر سيدة المقرونات بالعصمة وتسع منهن دفن فى الضريح الذى سبق تعريفه. عثمان بن عفان-رضى الله عنه-المنان: استشهد عثمان بن عفان فى السنة

стр. 1619

الخامسة والثلاثين من الهجرة فى السابع عشر من شهر ذى الحجة، وعلى قول الثامن عشر. وقيل مات يوم الجمعة ودفن فى مقبرة بقيع الغرقد وفى ساحة بستان يقال له حش كوكب وفى منتهى ذلك البستان. وكان الشهيد المشار إليه قد حصل فى حياته على رخصة من أمنا عائشة ليدفن فى داخل الحجرة المعطرة ولكن المصريين الذى تجرءوا على قتله رفضوا دفنه فى مدفن السعادة قائلين: نحن سنمنع الصلاة على جنازة عثمان بن عفان فضلا عن دفنه فى حجرة السعادة، وبمثل هذه الوقاحة أتموا دناءتهم، وتلفظوا فى هذا الخصوص بكلمات غير مستحبة وكل ذلك داخل مسجد السعادة، ولما طال الوقت ولم يدفن ذهبت والدتنا أم حبيبة من زوجات النبى المطهرات إلى باب المسجد وقالت: أعطونى جنازة عثمان لأدفنها فإذا امتنعتم عن إعطائها أرفع ستارة مرقد السعادة وأشكوكم للرسول ﷺ ! ولما ترك المصريون الجنازة وانسحبوا إلى جهة ما أخذ جبير بن مطعم وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير وكثيرون من الأجلاء نعش عثمان المبارك وحملوه إلى البقيع، إلا أنهم قوبلوا أيضا بالمخالفة والرفض أى رفضوا دفنه فى البقيع الشريف فنقلوه من هناك إلى بستان يقال له حشّ كوكب حيث حفروا قبرا ودفنوه. ومنذ استشهاد حضرة عثمان-رضى الله عنه-أخذت طائفة الجن تولول وتنتحب فوق مسجد السعادة ثلاثة أيام وثلاث ليال. حكمة وإن كان سبب عدم دفن الشهيد المشار إليه فى الظاهر مخالفة المصريين لذلك ورغبتهم فى دفنه بعيدا عن النبى ﷺ ولكن السبب المعنوى لذلك قد وضح فى الصورة الأولى من الوجهة السادسة عشرة وفى بحث بئر أريس وهو عندما بشر حضرة عثمان بالجنة والمصيبة لم يكن قد وجد بجانب الرسول محلا خاليا وجلوسه فى مكان بعيد عنه. يروى الإمام مالك أن قتلة عثمان بن عفان لم يسمحوا بدفن جثته إلا فى

стр. 1620

اليوم الثالث من استشهاده. وسبب ذلك فقد الصوت الذى سمع من الهاتف صلوا على جنازة عثمان وادفنوها، إن الله قد رحمه. قال الإمام: بناء على الأخبار التى تلقيتها، عندما سمع القتلة ذلك الصوت من الهاتف تحيروا واستولى عليهم قلق عظيم، فتركوا النعش الشريف فى مسجد السعادة وتفرقوا، ولما تركت الجنازة وحدها وفى ليلة ذلك اليوم أخذ جدى ومعه أحد عشر رجلا الجنازة من المسجد وأخرجوها منه وخرجوا للطريق ليحملوا الجنازة إلى المقبرة. فصادفهم بعض الرجال من كلاب قبيلة بنى مازن وقالوا: إن كنتم تريدون أن تدفنوا الجنازة فى مقبرة البقيع نخبر القتلة ونجعلهم يخرجونها من قبرها. فخافوا من وقوع فاجعة أخرى وحملوا الجثمان إلى بستان «حش كوكب» لدفنه فيه، كانت بنات حضرة عثمان يسرن أمام التابوت وقد أمسكن فى أيديهن القناديل فى تلك الليلة العجيبة بينما رأس الجثمان يصطدم بالتابوت الخشبى ويخرج صوتا، ولما ساروا قليلا سمعوا خشخشة فخاف الذين يحملون التابوت وزاد هذا الضجيج وأحاط بهم من الجهات الأربعة قالوا: لا تخافوا أتينا لنحضر صلاة جنازة الخليفة وإذا بهذه الخشخشة كانت قد صدرت من أجنحة الملائكة واهتزازتها الذين أتوا ليحضروا صلاة جنازة عثمان-رضى الله عنه-وقد اختلف فيمن صلى على الجنازة، ففى قول أن الذى صلى هو جبير بن مطعم أو مروان ابن الحكم وفى قول آخر حكيم بن حزام، ودفنوها فى المقبرة التى هيئت فى البستان المذكور، وحضر الدفن الزبير بن العوام وحسن بن على وأبو جهم بن حذيفة ومروان بن الحكم. وألحق أمراء بنى أمية بعد مدة بستان حش كوكب بمقبرة البقيع، وهكذا وسعوا هذه المقبرة وأخذ الناس يدفنون جنازاتهم فى هذا المكان، كان أهل المدينة يتجنبون دفن موتاهم فى حش كوكب من قبل وكأنهم تمنوا بأن يدفن أحد الصلحاء فى بستان حش كوكب حتى يقبل الناس على دفن موتاهم هناك. هذا ما

стр. 1621

كان يتمناه عثمان-رضى الله عنه-وكأنه أومأ بهذا بأنه سيدفن فى بستان حش كوكب وسيلحق هذا البستان فيما بعد بمقبرة بقيع الغرقد وأخذ الأهالى يدفنون موتاهم فى هذا البستان وألحقوه بمقبرة بقيع الغرقد. وقد أبتلى كل واحد من قتلة عثمان بالجنون، وهلك كل منهم إثر فضيحة لحقت به، وقد ندم قتلته على ما ارتكبوا من جريمة شنعاء والتجئوا إلى مسجد السعادة يعرضون ندمهم وتوبتهم وأخرج كل واحد منهم مصحفا وأخذوا فى تلاوته بكل خشوع وندم وهم يبكون إلا أنه ظهر على وجه السماء شخص على شكل إنسان وخاطب هؤلاء وهو يقرأ الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (سورة الأنعام /١٥٩) سعد بن معاذ الأشهلى-رضى الله عنه: إن سعد بن معاذ مدفون فى الضريح الذى ينسب إلى فاطمة بنت أسد بن هاشم الذى فى نهاية مقبرة البقيع، وقد ذهب بعض الناس إلى أن فاطمة بنت أسد مدفونة فى هذا الضريح. إلا أنه من المحقق أنها لم تدفن فى هذا الضريح كما فصل فى موضوع قبرها. كان حضرة سعد معروفا بكنيته أبى عمرو، ووالده معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت بن مالك بن الأوس الأنصارى الأشهلى، وأمه كبشة بنت رافع، وقد جرح فى ملحمة الخندق جرحا بالغا ولكنه دعا إلى الله أن يمد عمره حتى يرى نهاية يهود بنى قريظة، ولما استجيبت دعوته انقطع نزيف جرحه، أسندت إليه مسألة تحديد جزاء يهود بنى قريظة، فحكم بقتل جميع ذكور يهود بنى قريظة كما هو مفصل فى كتب السير وانفجر نزيف جرحه عقب ذلك وارتحل عن الدنيا، فصلى عليه النبى ﷺ ودفن فى أقصى مقبرة البقيع وبجانب بيت المقداد بن الأسود فى القبر الذى حفر له. وكان النبى ﷺ بجانب سعد بن معاذ حين وفاته ودعا له بأن تصعد روحه إلى

стр. 1622

أعلى العليين، فاستجيب دعاؤه فنزل من قبل الله على وجه الأرض سبعون ألفا من الملائكة وأوصلوا روحه الشريفة إلى رياض الجنان بكل إعزاز وإكرام أبو سعيد الخدرى-رضى الله عنه: حضرة أبو سعيد الخدرى سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر وهو خدرة ابن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصارى الخدرى واسمه زيد، ومات سنة أربع وستين من الهجرة ودفن فى المكان الذى أراده بنفسه فى انتهاء مقبرة البقيع، قال لابنه عبد الرحمن قبل موته بثلاثة أيام. «يا بنى قد تقدم بى السن وعجزت وسئمت تحريك رجلى، أمثالى وأقرانى توفوا، خذ بيدى لنذهب إلى البقيع» وأخذنى إلى مقبرة البقيع، وتمشينا فترة بين القبور، وفى النهاية وجد محلا خاليا فى أقصى المقبرة حيث لم يدفن أحد وقال لى ادفنى فى هذا المكان حينما أموت. وقد خرب الضريح الذى فوق قبر أبى سعيد الخدرى فى الوقعة الوهابية فجدده السلطان محمود خان الثانى وكتب فوق بابه البيتين الآتيين. قطعة أقيم قبر أبى سعيد الخدرى ... فكان مثيرا لحسد حرم السماء السابعة كل ما تعاون مع السلطان ... رضى الله تعالى عنهم كان بالقرب من ضريح أبى سعيد الخدرى قبر منسوب إلى حليمة السعدية. قطعة شرفت بأن تكون لخير الرسل ظئرا ... حليمة السعدية حسبها هذا فخرا أراد السلطان محمود خان الثانى أن يعرض للنبى ﷺ خدمة مقبولة فبنى فوق قبرها ضريحا وقبة.

стр. 1623

مشهد النفس الزكية اللطيف النفس الذكية محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه-مدفون فى جوف المسجد الكبير الواقع بالجانب الشرقى فى جبل سلع وليس فوق قبره قبة خاصة، ومنهل عين الأزرق، خلف الجدار القبلى لذلك المسجد وسقّاء والمدينة يأخذون منها الماء ليمدوا البيوت والمحال بالماء. ويروى أيضا بأنه دفن فى موقع أحجار الزيت القريب من ضريح مالك بن سنان المنيف أى المكان الذى استشهد فيه. إلا أن هذه الرواية ضعيفة لدى أهل المدينة فالأرجح القول الأول. استشهد النفس الزكية فى زمان أبى جعفر المنصور من خلفاء العباسيين، وسبب استشهاده نفرة أهالى المدينة الطاهرة من أبى جعفر المنصور وعرضهم البيعة للمشار إليه وتبعيتهم له، وسبب نفرة أهالى المدينة جميعا غدر المنصور وإهانته لهم، لأن المنصور المختلف الشعور هذا كان قد حبس والد الشهيد المشار إليه فترة طويلة مع جميع أقاربه ونتج عنه غضب أهل المدينة منه وعرض جمع غفير منهم البيعة على النفس الزكية، وخرجوا ضد المنصور وخالفوه. وبمجرد ما سمع المنصور هذه الواقعة اختل شعوره وأرسل عمه عيسى بن موسى بأربعة آلاف من الجند إلى المدينة الطاهرة حتى يقف دون تطور الأمور. وقبض عيسى بن موسى على النفس الزكية فى مكان يطلق عليه «أحجار الزيت» وقتله وضرب الإمام مالك ضربا مبرحا واستولى على السيف الذى وصل إلى النفس الزكية عن طريق الإرث من على بن أبى طالب وهو ذو الفقار وقدمه لأبى جعفر المنصور.

стр. 1624

توضيح: حج المنصور فى سنة ١٤٤ هـ فى مكة المكرمة وبعد عرفة مر بالمدينة المنورة فاستقبله أشراف وسادات المدينة الميمونة حتى كان فى ضمن مستقبليه من أعاظم العلويين عبد الله بن حسن بن حسين بن على بن أبى طالب، وسر المنصور من تنازل عبد الله باستقباله ودعاه أن يحضر طعام المساء، وأثناء تناول الطعام سأل المنصور عبد الله قائلا: ما سبب عدم تنازل ولديك إبراهيم ومحمد لاستقبالى فرد عبد الله على هذا السؤال غير اللائق: إننى لا أعرف مكانهما حتى أعرف سبب عدم حضورهما لاستقبالك وأقسم على ذلك، ولكن المنصور لم يهتم بجوابه ولا قسمه وكرر السؤال فغضب عبد الله من هذا الإصرار وقال: يا منصور قلت لك إننى لا أعرف مكانهما وأقسمت على ذلك فلم تقتنع، وبعد الآن إن أقف على مكان وجودهما فلن أخبرك به فاغتصب ذلك الغدار جميع أموال عبد الله وصادر جملة أملاكه وألقاه فى السجن مع أحد عشر ولدا من أولاده، وأمر ألا يخرجوا من الحبس إلى الأبد، ويرد بعض المؤرخين هذه الرواية قائلين إن والى المدينة المنورة رباح بن عثمان هو الذى حبسهم بناء على الرسالة التى وردت له من المنصور. وسبب حبس المنصور عبد الله والسؤال عن ابنيه إبراهيم ومحمد بيعة بعض الناس فى أواخر الدولة الأموية من أهالى الحجاز النفس الزكية محمد بن عبد الله بالخلافة، مع أن المنصور كان أحد المبايعين له ولكن بعدما أخذت شمس الخلافة تنتشر أشعتها على مفرقة آل عباس وانتقل زمام الحكم بعد فترة إلى يد المنصور قال فى نفسه إننى كنت قد بايعت قديما محمد بن عبد الله بالخلافة، وإننى إذا لم أقتل محمدا وأخاه إبراهيم لن أستطيع أن أقوم بمهام الخلافة، وبهذا الوهم أخذ يبحث عن سبب لقتلهما. واطّلع هذان على أوهام المنصور المضرة فسافرا إلى اليمن أولا ثم إلى الهند حيث تنزها قليلا ثم عادا إلى المدينة المنورة بعد فترة واختارا الانزواء فى ركن منها، ولكن ذوى المصالح كتبوا رسالة وأرسلوها إلى جعفر المنصور قائلين عاد محمد بن عبد الله وأخوه إبراهيم الى المدينة المنورة واختفيا فى مكان ما فيها وأخذا يثابران لتكليف أهل المدينة بالبيعة

стр. 1625

لهما فانزعج المنصور من هذا الخبر أشد الانزعاج وأخذ يفكر فى التخلص منهما بالقضاء عليهما، وقرر أن ينفق فى هذا السبيل ما لا يحصى من الأموال ولأجل ذلك كان يغير ولاة المدينة من حين لآخر بالعزل والتبديل ويخشى ما فى ضميره لكل واحد منهم، ولما كان المشار إليهما مطلعين على سوء نية أبى جعفر فإنهما كانا يسافران فى موسم الحج إلى مكة المكرمة ويعودان بعد عرفة إلى المدينة المنورة حيث يختفيان فى مكان ما. وقد فهم المنصور أن الأمر الذى يريد أن ينفذه لن يتم بواسطة الولاة الذين يبعثهم إلى المدينة أى فهم أن من لديه أقل ذرة من الإيمان لن يقوم بهذا العمل، فأخذ يتحرى عن شخص غدار سفاك ليثق فيه وأخيرا وجد رجله فى رباح بن عثمان الموصوف بالقسوة عديم الرحمة محتاج لفلس أحمر وفهم من عينيه أنه كلب بن كلب، فاستدعاه فجاءه ليلة من الليالى وعهد إليه بولاية المدينة المنورة قائلا: يا عثمان! يجب أن تذهب سريعا إلى المدينة المنورة وأن تبحث عن حل سريع لقتل محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم، وهكذا نبهه وأمره بقتل المشار إليهما وجهز له كل ما يلزم من عظمة ودبدبة ووجه ذلك الدنئ الذى يخرب البيوت بعد أن رقاه إلى والى المدينة، وكان رباح بن عثمان دنيئا لا يتحرج حتى عن قتل الأنبياء وهدم البيت العالى ولا يتورع عن ارتكاب أى جرم، وعند ما وصل إلى المدينة أراد أن يتظاهر أمام الأهالى بأنه من أنصار الحق فذهب تلك السنة إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج وبعد العودة أخرج السادة والعظام الذين كان قد حبسهم المنصور بنفسه من آل حسن بن على من السجن فكبل أرجلهم وأيديهم بأكبال حديدية وربط كل واحد منهم بالآخر بالسلاسل الحديدية وارتكب دناءة وجرم سوقهم بهذا الشكل إلى بغداد دار الخلافة. وكان مع المسجونين المشار إليهم من يلقب ب «الديباج» لكمال حسنه وملاحته: أبو عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن عفان. أبو عبد الله محمد بن عبد الله الديباج كان أخا عبد الله ابن حسن لأم وقطعة كبد فاطمة بنت حسين بن على بن أبى طالب، وكانت بنتة رقية متزوجة بابن

стр. 1626

أخيه إبراهيم بن عبد الله، وكان الشاميون يحبونه ويرعونه. قال رباح بن عثمان فى الرسالة التى كتبها إلى أبى جعفر: إن الشاميين يرعون أبا عبد الله بدرجة لا يمكن تعريفها ويسمعون كلامه ويطيعونه؛ لذا يخاف أن يرعى هذا الخلافة أيضا على هذه الفقرة المضرة المفجعة لقلبه أمره المنصور بأن يؤخذ مع آل حسن بن على رضى الله عنهم ويشاركهم مصيرهم. ولما وصل المسجونون الذين أرسلهم رباح بن عثمان مقيدين فى السلاسل إلى بغداد أحضرهم أبو جعفر كلهم مرة واحدة وعرى أبا عبد الله من ملابسه تماما وتجرأ على أن يأمر بضرب أبى عبد الله مائة وخمسين على جسمه الذى يشبه الفضة المحلاة على جسمه الرقيق اللطيف. وأصابت إحدى ضربات السوط عينه ففقئت وانطفأ نورها ثم ضرب مائه سوط على رأسه فاسود جسده المنير وكأنه جسم زنجى وترك فى هذه الحالة إلى جانب أخيه عبد الله فى السجن. ولما رأى عبد الله هذه الحالة المستهجنة صرخ قائلا: «أبا جعفر ... أعاملنا الأسرى الذين أخذناهم منكم فى غزوة بدر مشركين بهذه الحقارة!!؟؟» وتهور المنصور الغدار وخجل من هذا الكلام وهذه التورية فأمر بإلقائهم كلهم فى السجن الذى هيئ لهم والذى يعرف بالهاشمية. وكان سجن الهاشمية سجنا فظيعا، ولا يسمع فى داخله لا صوت الأذان ولا يعرف وقت حلول الصلاة. ولما كان محمد بن إبراهيم ابن الحسن المسمى بالديباج الأصفر ذا ملاحة وحسن وجمال مسجونا مع الأشخاص المكبلين المسجونين كان أهل العراق يذهبون لزيارته ورؤيته جماعات جماعات وخاف المنصور من ازدحام الزائرين والمشاهدين حتى لا تظهر وعوته بين هؤلاء المسجونين فأحضر الديباج الأصفر، وهدده قائلا: سأقضى عليك بموت لم ير مثيله، ثم حصره بين عمودين وعذبه عذابا شديدا حتى مات أو على قوله قتله بإلصاقه على جدار وقتل جميع المسجونين الهاشميين بطريقة غير لائقة.

стр. 1627

كان أهل خراسان يرجون أن يعفى عن محمد الأموى ويطلق سراحه فما كان من أبى جعفر الذى لا يستحى إلا أن قطع رأس المشار إليه وهو غاضب وأرسله إلى الخزان وبهذا ملأ قلوب الخراسانيين ومحبى أهل البيت بالحزن والألم. ولما رأى عبد الله بن حسن استشهاد محمد بن عبد الله الأموى بعد أن طلب الخراسانيون إطلاق سراحه بعد عفو: «إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا كنا آمنين من كل شئ فى عهد الأمويين بفضل قرابتنا لمحمد بن عبد الله، ولما تحولت السلطة إلى ناحيتنا قتل محمد بن عبد الله معذورا بالسيف، هل يمكن ألا يتعجب الإنسان من هذا». ولما وصل ظلم المنصور وإهانته لهذه الدرجة حكم أنس بن مالك صاحب أحسن المسالك بأن أبا جعفر من الطغاة والبغاة وحتى أعلن فى داخل المدينة قائلا: «يا سكنة دار السكينة! ليس طبيعيا أن تعرضوا بيعتكم لأبى جعفر المنصور! وقد تحقق أن المنصور من الطغاة. والآن يجوز خلعه من الخلافة ومبايعة محمد بن عبد الله! وانسحب إلى داره». وخرج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسين بن على بن أبى طالب المعروف بلقب النفس الزكية بناء على إفادة الإمام مالك وبتحريض ومعاونة خمسين شخصا من أهل المدينة وفى خلال سنة ١٤٥ هـ ضد الدولة العباسية وهجم على الدائرة الحكومية وقبض على رباح بن عثمان وألقاه فى السجن. ثم صعد على منبر السعادة، وأعلن أن الخلافة حقه الصريح وأن غرضه من الخروج وتوليه الخلافة هو أمن البلاد وراحة القلوب وبهذا استطاع أن يدخل أغلب أهالى المدينة تحت انقياده وطاعته. وضرب عيسى بن موسى عم المنصور الإمام مالك بسبب إثارة الناس وتحريضهم على مبايعة محمد بن عبد الله وترغيبهم فيها وبين لهم أن الشرع يسيغ هذا العمل، وإلا فالإمام مالك لم يطلق لسانه فى أبى جعفر كما أنه لم يقاتل عيسى بن موسى.

стр. 1628

وكان محمد بن عبد الله بعد ما أدخل أهالى المدينة فى دائرة بيعته ساق مقدارا كافيا من الجنود للاستيلاء على مكة المعظمة وبلاد اليمن وسواد الشام ولم يلق سمعا لما بعثه أبو جعفر من رسائل مهددة، وإن كان محمد بن عبد الله لم يستطع أن يستولى على بلاد الشام إلا أنه أقلق بخروجه أبا جعفر المنصور وبحث عن حل سريع لحل هذه المشكلة فأمد والى الكوفة عيسى (١) بن موسى المعروف بقسوة القلب بأربعة آلاف من الجنود إلى المدينة المنورة وأمره بأن يقتل محمدا بن عبد الله وكل من تبعه واحدا تلو آخر. وكان من الممكن أن يقاوم محمد بن عبد الله مع أهالى دار العزة المدينة المنورة عيسى بن موسى. ولكن كان عيسى بن موسى قد هدد أهالى المدينة بإرسال رسائل مزورة لهم، وبما أن وقعة حرة واقم لم تزل فى ذاكرتهم أخذوا ينسحبون من جانب محمد بن عبد الله واحدا إثر الآخر. ودفعوا ذلك الشخص العالى القدر بثلاثمائة من المغاوير الأبطال أمام أربعة آلاف من سفاحى بغداد. ولما رأى محمد بن عبد الله أن الذين تحت تبعيته أخذوا يهربون إلى جهة ما وأخذت قوته تنقص شيئا أخذ يحفر فى أطراف المدينة خنادق عميقة من شدة ولهه وحيرته ويقول من شدة يأسه «كل من لا يرد أن يحارب المنصور فليغادرنى» ومع مرور الزمن من تناقض عدد جنوده حتى لم يبق بجانبه إلا ثلاثمائة من الفدائيين، وكان والى الكوفة ظالما غشوما ومشهورا بعداوته لآل النبى ﷺ فأقام معسكره خارج المدينة المنورة وبعث يقول: يجب أن يتخلى محمد بن عبد الله عن فكرة الخلافة وأن يطيع وينقاد لأبى جعفر المنصور وأن ينسحب من حوله تاركين محمدا بمفرده وأن الذين لا ينسحبون من حوله سيندمون فى نهاية الأمر. ولما رأى أن محمد بن عبد الله مازال متمسكا بفكرته كما أن الفدائيين الذين حوله ما زالوا ثابتين بجانبه اغتاظ غيظا شديدا وتجرأ على أن يسوق من تحت إمرته من السفاحين إلى داخل المدينة المنورة وأخذ يحارب وهو يسب محمدا بن عبد الله بن حسن بن حسين بن على بن أبى طالب علنا بصوت عال.

стр. 1629

وإن كان محمد بن عبد الله حمل على العدو مع من استعدوا لفدائه بأرواحهم وكانوا ثلاثمائة من الأبطال الشجعان وأشعلوا نار الحرب وأقدموا على أعداء آل نبى الله وقتلوا كثيرين منهم، إلا أنه فى عاقبة الأمر استشهد فى مكان يطلق عليه أحجار الزيت بعد أن طعن، وقد حدث هذا الحادث المؤسف المؤلم بعد العصر من شهر رمضان فى الرابع عشر منه، وقد أهلك محمد بن عبد الله وهو متقلد ذا الفقار الحيدرى سبعين نفرا من سفاحى بغداد وحاز بهذا إعجاب أصدقائه وأعدائه كذلك؛ رضى الله عنه. وأخذ ذا الفقار الذى كان فى يد محمد عبد الله عيسى بن موسى وأرسله إلى المنصور فتوارث هذا السيف الخلفاء العباسيون مدة طويلة، وضرب أحد بنى عباس كلبا على سبيل التجربة بهذا السيف، وبما أن ضرب الكلب بهذا السيف كانت من الحركات المستهجنة فانكسر ذلك السيف ولم يستعمل بعد. وأرسل عيسى بن موسى سفاك الدماء رأس محمد بن عبد الله إلى بغداد كما أرسل جسمه إلى مشهده الذى دفن فيه، وبعد أن أرسل السادات والأشراف الذين بايعوا محمدا بن عبد الله إلى مكان ما فى خارج المدينة وصلبهم فى صفين، وبعد ثلاثة أيام ألقاه فى الخندق الذى حفره فى مقبرة اليهود وغطاهم بالحجارة والتراب وأسند ولاية دار العز إلى كثير بن حصين لأن رباح بن عثمان كان قد قتل فى أثناء استشهاد محمد بن عبد الله فى سجنه-وعاد إلى دار الخلافة بغداد فى التاسع عشر من شهر رمضان. ولما وصل رأس محمد بن عبد الله إلى بغداد سر المنصور سرورا لا مزيد عليه وأمر أن يشهر به بالطواف فى جميع مراكز القضاء وعين عبد الله بن الربيع واليا على المدينة بعد أن عزل كثير بن حصين حتى يقبض على أشراف المدينة وساداتها واحدا تلو الآخر ويرسلهم إلى بغداد. ولم تكن بين العلويين الكرام والعباسيين إلى السنة المذكورة أى نوع من العداوة ولم تكن هناك أية مشكلة تبعثه على نفرة

стр. 1630

بعضهم من البعض. وقد ألقى سلوك المنصور بين أولاد الأخوين عداوة حتى إن الأحداث الأليمة أحدثت فى الأكباد الإسلامية جرحا لن يلتئم حتى صباح الحشر. لأن المنصور السفاح قتل غدرا فى تلك السنة محمد بن عبد الله وأخاه إبراهيم ووالدهما البالغ من العمر سبعين عاما عبد الله بن حسن المثنى بن حسن بن على بن أبى طالب وأخا عبد الله حسن بن الحسين وأخاه لأم محمد بن عمر بن عثمان بن عفان فى سنة ١٤٥. وبما أن عبد الله بن حسن بن على كان من أعاظم علماء المدينة موصوفا بالزهد والصلاح وفقيها معروفا فكان ملوك الأمويين يحترمونه ويرعون جانبه ويجلونه كل الإجلال كما أن السفاح أبا العباس أظهر تبجيله له بإرسال مليون درهم من العطية، ولكن لشدة الأسف أن خلفه المنصور المغرور أضاع قدر المشار إليه الجليل وأظهر دناءئه. وصلى على عبد الله بن حسن أخوه حسن بن حسن كما صلى عليه أخوه لأمه محمد بن عمر بن عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنهم أجمعين.

стр. 1631

فى ذكر جبل أحد وشهداء غزوة أحد وبما أن جبل أحد قد خلق منفصلا عن الجبال التى حوله سمى بجبل أحد. وبما أن حضرة هارون-﵇-مدفون فى هذا الجبل مما ميز هذا الجبل عن الجبال الأخرى. كلما كان النبى ﷺ يأوى إلى جبل أحد كان يقول «أحد يحبنا ونحن نحب أحد» وقال مرة «جبل أحد فوق باب من أبواب الجنان، ويحبنا ونحن نحبه أيضا»،وهذا الجبل يعنى «جبل عير» يبغضنا ونحن نبغضه إلا أنه فوق باب من أبواب النار».وقال مرة أخرى «أحد على ركن من أركان الجنة، وعير على ركن من أركان جهنم» ومرة أخرى «أربعة جبال من جبال الجنان وأربعة أنهار من أنهار الجنة وأربع ملاحم من الجنان، وأحد الجبال الأربعة جبل أحد ويحبنا ونحن نحبه! وأحدها ورقان والثالث طور والآخر لبنان». والذين كانوا بين الجبل الذى حدثت فيه غزوة أحد والذى وصف فى الأحاديث وبين الجهة الشامية من الوادى الذى بين المدينة وأحد ونالوا الشهادة ومرتبتها العالية صدر الأمر بأن يدفنوا فى مكان مناسب من ميدان القتال فجمعهم كلهم ودفنوا اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة فى قبر واحد، ولما كانت بعض الجنازات قد رفعت من أماكنها من قبل أهلها قبل أن يسمعوا الأمر النبوى، فدفنوا جنازاتهم حيث ورد الأمر النبوى بملابسهم. لأن النبى ﷺ كان قد تفضل قائلا: بما أننى مطلع على جميع أحوال شهداء أحد هؤلاء فإننى سأشهد على حسن حالهم يوم القيامة فلفوهم بملابسهم وادفنوهم حالا، ومن كان فيهم أكثر حفظا للقرآن ضعوه فوق الآخر فى اللحد وادفنوا اثنين فاثنين فى قبر واحد أو ثلاثة فثلاثة، والسبب فى وضع أكثر من

стр. 1632

جنازة فى قبر واحد والإذن به ما عرض على النبى ﷺ من شكوى فى صعوبة حفر قبر لكل واحد من الشهداء، بناء على ما نقله الإمام الزهرى. وفى الواقع قد أصيب الأنصار فى ذلك اليوم بجراحات عديدة ومشاق شديدة ومن هنا كان قد اشتكى للرسول ﷺ من صعوبة حفر قبر لكل شهيد. فرحمهم النبى ﷺ وأشفق عليهم وأمرهم بأن يدفنوا فى كل قبر أكثر من واحد اثنين أو ثلاثة قائلا: عمقوا وأوسعوا وادفنوا الاثنين والثلاثة. وقبور الشهداء الذين دفنوا فى وادى أحد الاثنين أو الثلاثة معلومة الآن ولكن مواقع الشهداء الذين رفعوا من ميدان القتال أو مدافنهم كانت مجهولة إلى سنة ١٢٦٨ هـ. ولكن مصطفى عشقى أفندى من المجاورين الكرام استطاع أن يعثر على مدافن هؤلاء الشهداء وأحاطها بجدار فى ١٢٦٨ هـ حتى عندما كان يحفر أساس هذا الجدار ظهر قبر وكان فى داخله نعش كان صاحبه قد استغرق فى نوم هادئ هذا ما رآه العمال الذين وجدوا هناك. وجدد الجدار الذى بناه عشقى أفندى فى سنة ١٢٧٥ هـ وكتب فوق بابه القطعة الآتية. القطعة الشعرية لأحد هنا مرقد الشهداء ... إن زرته فاقرأ الفاتحة وارفع الدعاء ومن لهذا البناء من المجددين ... شفاعة النبى فى يوم الدين كان النبى ﷺ يزور كل سنة قبور شهداء أحد ويقف فى حرة واقم حيث ترى القبور من هناك يقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ (الرعد:٢٤).

стр. 1633

وبعد ذلك ودع كل واحد منهم كأن هؤلاء يتمتعون بالحياة. كانت فاطمة-رضى الله عنها-تزور قبر حمزة-رضى الله عنه-مرة كل يومين وتبذل جهدا لتضع علامة خاصة حتى لا ينسى القبر الجليل. وفى ليلة كل جمعة تذهب وتصلى طويلا وتبكى مدة طويلة وتعود، وقد رعت هذا النظام إلى أن توفيت، وكلما كان النبى ﷺ يزور مقبرة شهداء أحد يقول: من يزورهم ومن يسلمون عليهم يردون ﵈. وهناك حكايات جمة تؤيد هذا الحديث الجليل وتروى بسند جيد ما قالته خالة عطاف بن خالد: «إننى زرت شهداء أحد، فردوا على سلامى ثم سمعت صوتا هاتفا يقول: «نحن نعرفكم كما تعرفون بعضكم بعضا» فأغمى علىّ من شدة حيرتى».وروت فاطمة بنت خريمة قائلة كنا نمر مع أختى من ميدان معركة أحد وكانت الشمس قد غربت فأخذت أختى وتوجهت معها لزيارة مشهد حمزة- رضى الله عنه-وبعد الوصول قلت «السلام عليك يا عم رسول الله» فسمعت أنه يرد السلام قائلا وعليكم السلام ورحمة الله هذا» ما يروونه. بناء على رواية الإمام البيهقى محركا السند من هشام بن محمد العمرى كان ابن عمر يقول: «خرجنا مع أبى يوم الجمعة قبل شروق الشمس لزيارة قبور الشهداء! ولما دخلنا المقبرة قال والدى بصوت عال: السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» وسمع عقب ذلك صوتا يقول «وعليك السلام يا أبا عبد الله» فقال لى «أنت الذى تجيب» فقلت له «لا إن صاحب القبر هو الذى رد على سلامك ثم أخذنى فى الجهة اليمنى منه فسلم على كل قبر فرد كل صاحب قبر السلام ثلاث مرات، فتعجب والدى من هذه الحالة الغريبة فعرض شكره وثناءه على الله -وهو ساجد». وبناء على تحقيق أئمة السير أنه قد استشهد فى معركة أحد سبعون نفسا نفيسة فدفن أكثرهم فى ميدان المعركة فى أحد وبعضهم فى بقيع الغرقد وبعضهم فى داخل حصن المدينة.

стр. 1634

ودفن عبد الله بن جحش ابن أخت حضرة حمزة مع مصعب بن عمير (١) فى الضريح المعروف باسم مشهد حمزة وفى قبر واحد. واستشهد جناب حمزة أمام ربوة صغيرة حمراء لجبل أحد الذى يطلق عليه بطن الوداى وظل حيث صرع (٢) فحمله النبى ﷺ حيث قبره المقدس وكفنه فى بردته الشريفة ثم عثر على مصعب بن عمير فدفنهما معا فى قبر واحد؛ وبناء على بعض الأقوال أن المكان الذى دفن فيه المشار إليهما كان المكان الذى استشهد فيه عبد الله بن جحش فدفن الثلاثة معا. وخرج بعد المؤرخين هاتين الروايتين وقالوا إن حمزة دفن فى قبر منفرد ودفن جناب مصعب بن عمير مع عبد الله بن جحش فى قبر واحد معا إلا أن الزوار بناء على العادة القديمة يسلمون على الثلاثة معا محتاطين للأمر. سهل بن قيس (٣) رضى الله عنه-:ينتمى سهل بن قيس إلى أفراد بنى سلمة وهو مدفون بين قبر حمزة بن عبد المطلب وبين جبل أحد أى فى الجهة التى تصادف الجهة الشمالية لقبر حمزة. عمرو بن الجموح رضى الله عنه (٤):دفن عمرو بن الجموح مع عبد الله بن عمرو بن حرام (٥) فى قبر واحد على جانب مجرى السيل. ولما كان السيل قد حفر قبر المشار إليهما فأخرج جسدهما المبارك بعد معركة أحد بست وأربعين سنة نقلا إلى مكان آخر حيث دفنا وكان جثمانهما غضين طريين كأنهما قد توفيا منذ لحظة ولم تتغير بشرتهما قدر ذرة والذين نالوا شرف زيارتهما ظنوا أنهما يبتسمان. وظلت يد عبد الله بن عمرو بن حرام فوق جرحه بعد موته. فنزلوها بجانبه لأجل التجربة لأن جسده المبارك لم يكن قد تجمد مثل أجساد سائر الأموات أينما حركته كان يتحرك بسهولة. ولما وضعت يده بجانبه أخذ جرحه ينزف وظل ينزف

стр. 1635

فترة كأنه جرح جديد، فقلق الذين تجرءوا على إنزال يده ولم يجدوا بعد السعى وسيلة لإيقاف النزيف، وفى النهاية وضعوا يده فوق جرحه وبهذا وفقوا فى إيقاف النزيف. خارجة بن زيد (١) -رضى الله عنه: دفن خارجة بن زيد مع سعد بن الربيع ونعمان بن مالك عبادة بن الخشخاش فى قبر واحد. والمرقد السامى حيث دفنوا فى الجهة الغربية من قبر حضرة حمزة على بعد خمسمائة ذراع أى على الربوة التى فى الجهة الغربية من مجرى السيل يظل مجرى السيل فى الجهة القبلية لذلك القبر. ولما كان ابن عمرو بن الجموح خلاد وأبو أيمن مولى عمرو بن الجموح (٢) فوق تلك الربوة فالزوار عندما يزورون هذا المكان يسلمون على هؤلاء الأشخاص الثمانية، أى يذكرون فى ذلك المحل المقدس أسماء عمرو بن جموح، عبد الله بن عمرو بن حرام، خارجة بن زيد، سعيد بن الربيع، نعمان بن مالك، عبادة بن الخشخاش، أبو أيمن مولى عمرو بن الجموح خلاد بن بن عمرو بن الجموح رضى الله عنهم-ويسلمون على كل واحد منهم منفردين. وغير هؤلاء من الأصحاب الكرام الذين استشهدوا فى ملحمة أحد وقبورهم مجهولة. وإن كانت بين جبل أحد وضريح حمزة مقبرة قد سورت أطرافها فهى ليست من قبور الشهداء. إن هذه المقبرة قبور الشحاذين هاجروا إلى المدينة فى عهد هشام بن عبد الملك وظلوا بجانب مقابر الشهداء إلى آخر حياتهم وعندما ماتوا دفنوا فى هذه المقبرة. وليست هذه المقبرة مقبرة الشهداء، ويلزم أن تكون قبور الشهداء على الجهة الغربية من مجرى السيل. والسبب فى هذا الظن الخاطئ للأهالى إحاطة شاهين الشجاعى مقبرة الأعراب بسور ظنا منه أنها مقبرة الشهداء. واستمر هذا الظن مع الزمن حتى اعتقد أن الشهداء مدفونون داخل هذا السور، لذا كلما هدم جدد من قبل أصحاب الخيرات.

стр. 1636

وقد ذكر أعلاه أن النبى ﷺ أمر بدفن الشهداء حيث استشهدوا كما أمر بدفن الذين رفعوا من ميدان المعركة حيث سمعوا الأمر النبوى، وفعلا دفن الذين رفعوا أجساد شهدائهم حيث بلغهم الأمر النبوى، بدون تأخير. حتى دفن جثمان مالك بن سنان-رضى الله عنه-فى مكان يسمى أحجار الزيت فى سوق العباءات كما دفن بعضهم فى مقابر بنى سليم وبنى زريق وقباء لأنهم كانوا قد سمعوا بالأمر النبوى فى هذه الأماكن. لم نستطع أن نحصل على رواية توضح الذين دفنوا فى مقبرة بنى سليم، إلا أنه بناء على تحقيق رجال ثقاة أن رافع بن مالك الزرقى مدفون فى مقبرة بنى زريق وعبد الله بن سلمة ومجدر بن الزياد قد دفنا فى مقبرة قرية قباء. لاحقة حينما جرح مالك بن سنان فى ميدان المعركة يئس من الحياة وعاد إلى المدينة المنورة حتى يتلاقى مع والدته مرة أخرى ولكنه عندما وصل إلى مكان ضريحه الآن وقع وارتحل عن دنيانا، ورد هذا فى بعض الكتب واشتهر بين الناس حتى وصلت هذه الرواية لدرجة التصديق إلا أن الإمام السمهودى لم يهتم بذلك القول وأهمله تمام الإهمال. وإذا ما نظرنا إلى أن المذكور من سكان المدينة المنورة ومؤرخ المدينة يلزم ألا يكون لتلك الرواية أصل. واختلف المؤرخون فى تحديد شهداء أحد إذ قال بعضهم أنهم (٦٣) وقال الآخرون أن عددهم (٧٠) وقال بعضهم أن عددهم خمسة وسبعون أربعة منهم من المهاجرين وستة وستون منهم من الأنصار، والقول الثانى مصدق عند الأكثر. ورأينا من واجبنا ذكر أسمائهم هنا متبركين. أسماء شهداء أحد السامية: ١ - حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف (وحمزة من بطن هاشم بن عبد مناف وقد قتل بحربة غلام جبير بن مطعم: الوحشى). ٢ - عبد الله بن جحش (من بطن بنى أمية بن عبد شمس).

стр. 1637

٣ - مصعب بن عمير (من بطن بنى أسد بن خزيمة المنتهى إلى بنى عبد الدار وقاتله عبد الله بن قمئة الليثى). ٤ - شمّاس بن عثمان «من بطون بنى مخزوم، هؤلاء الأربعة الذين ذكروا من المهاجرين الكرام وستة وستون سيذكرون فيما بعد من قبائل الأنصار الكرام). ٥ - عمرو بن معاذ بن نعمان. ٦ - حارث بن أنس بن رافع. ٧ - عمارة بن زياد بن السكن. ٨ - سلمة بن ثابت بن وقش. ٩ - عمرو بن ثابت بن وقش. ١٠ - ثابت بن وقش. ١١ - رفاعة (وعلى قول) رباعة بن وقش. ١٢ - اليمان حسيل بن جابر (هذا الشخص هو أبو حذيفة اليمانى واستشهد خطأ من قبل الأصحاب وسددت ديته). ١٣ - صيفى بن قيظى بن عمرو. ١٤ - خباب بن قيظى. ١٥ - عباد بن سهل. ١٦ - حارث بن أوس بن معاذ. هؤلاء الأشخاص الاثنا عشر من قبيلة بنى عبد الأشهل. ١٧ - إياس بن أوس بن عتيك الأشهلى. ١٨ - عبيد (وعلى رأى) عتيك بن التيهان. ١٩ - حبيب بن زيد بن تميم (هؤلاء الأشخاص الثلاثة من أهل راتج). ٢٠ - زيد بن حاطب بن أمية بن رافع (المشار إليه هذا من قبيلة بنى ظفر). ٢١ - أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد (أو يزيد).

стр. 1638

٢٢ - حنظلة الغسيل ابن أبى عامر صيفى بن نعمان (من قبيلة بنى عمرو بن عوف وبنى ضبعة قد قتل حنظلة شداد بن الأسود). ٢٣ - أنيس بن قتادة (المشار إليه من بطن عبيد بن زيد) ٢٤ - أبو حبة (١) بن عمرو بن ثابت (المشار إليه أخو سعد بن خيثمة لأمه) ٢٥ - عبد الله بن جبير بن نعمان (كان رئيس الرماة فى جبل عينى وينتمى مع أبى حبة من أفراد قبيلة بنى ثعلبة بن عمرو بن عوف) ٢٦ - خيثمة أبو سعد بن خيثمة (من قبيلة بنى سلمة بن امرئ القيس بن مالك بن أوس) ٢٧ - عبد الله بن سلمة (من طائفة بنى عجلان وكان حليف بنى ثعلبة بن عمرو بن عوف) ٢٨ - وسيع بن حاطب (وعلى رأى) سبيع بن حاطب بن الحارث ابن قيس (من قبيلة بنى معاوية بن مالك) ٢٩ - عمرو بن قيس بن زيد ٣٠ - قيس بن عمرو بن قيس بن زيد ٣١ - ثابت بن عمرو بن زيد ٣٢ - عامر بن مخلّد (من بطن بنى النجار المنتهى إلى بنى سواد بن مالك بن غنم) ٣٣ - أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة بن عمرو بن ثقيف بن مالك بن مبذول ٣٤ - عمرو بن مطرف بن علقمة (هذان من بطن بنى مبذول) ٣٥ - علقمة بن عمرو بن ثقيف بن مالك بن مبذول ٣٦ - أوس بن ثابت بن المنذر (هو أخو حسان بن ثابت من قبيلة ابن عمرو بن مالك) ٣٧ - أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن النجار (من بطن بنى عدى النجار) ٣٨ - قيس بن مخلد ٣٩ - كيسان (هو عبد قيس بن مخلد، هو وسيده من طائفة بنى مازن بن النجار)

стр. 1639

٤٠ - سليم بن الحارث ٤١ - نعمان بن عبد عمرو (هؤلاء كذلك من بطن بنى مازن بن النجار) ٤٢ - خارجة بن زيد أبى زهير ٤٣ - سعد بن الربيع بن عمرو بن أبى زهير (هذان مدفونان فى قبر واحد) ٤٤ - أوس بن الأرقم بن زيد بن قيس (هؤلاء الثلاثة من قبيلة بنى الحارث بن الخزرج) ٤٥ - مالك بن سنان بن عبد بن أبجر والد أبى سعيد الخدرى ٤٦ - سعيد بن سويد بن قيس بن عامر بن عباد بن الأبجر ٤٧ - عتبة بن ربيع بن رافع بن معاوية (هؤلاء الثلاثة من بنى خدرة من بطون بنى الأبجر) ٤٨ - ثعلبة بن سعد بن مالك الساعدى ٤٩ - ثقيف بن فروة بن البدن (هؤلاء من بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج) ٥٠ - عبد الله بن عمرو بن وهب بن ثعلبة ٥١ - ضمّرة الجهنى (هو حليف بنى طريف هو وعبد الله بن عمرو من بطون بنى طريف) ٥٢ - نوفل بن عبد الله ٥٣ - عامر بن عبادة بن نضلة بن مالك بن عجلان ٥٤ - نعمان بن مالك بن ثعلبة ٥٥ - مجذّر بن زياد (حليف سنان بن مالك) ٥٦ - عبادة بن الخشخاش (هؤلاء الخمسة من بنى عمرو بن عوف بن الخزرج المنتهى إلى مالك بن عجلان وقد دفن نعمان بن مالك ومجدر وعبادة فى قبر واحد) ٥٧ - رفاعة بن عمرو بن الجموح ٥٨ - عبد الله بن عمرو بن الجموح ٥٩ - عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام (قد دفنا فى قبر واحد)

стр. 1640

٦٠ - خلاد بن عمرو بن الجموح ٦١ - أبو أيمن (وهؤلاء الأربعة من بطن بنى سلمة المنسوب إلى بنى حرام) ٦٢ - سليم بن عمرو بن حديدة ٦٣ - عنترة مولى سليم بن عمرو بن حديدة. ٦٤ - سهل بن قيس بن أبى كعب بن القين (هؤلاء من طائفة سواد بن غنم) ٦٥ - ذكوان بن عبد قيس ٦٦ - عبيد بن المعلى (هؤلاء من قبيلة بنى زريق بن عامر) ٦٧ - مالك بن نميلة (حليف بنى معاوية بن مالك) ٦٨ - حارث بن عدى بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة (من قبيلة خطمة مزينة اسمه عبد الله بن جشمه بن مالك بن أوس) ٦٩ - مالك بن إياس بن عدى (من بطن بنى سواد بن مالك) ٧٠ - عمرو بن إياس (من بطون بنى سالم بن عوف) قد نال هؤلاء الرجال الكرام رتبة الشهادة العالية فى هذه المعركة الأليمة وحازوا قصب السبق، كما مات من قدماء المشركين ١٢ شخصا أو ثلاثة عشر على قول آخر بسيوف المسلمين واستقروا فى جهنم. وكان ينتمى أثنا عشر شخصا منهم إلى قريش التى تنحدر من نسل شخص عبد الدار بن قصى واثنان منهم من بطن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى وأربعة منهم من بطن بنى مخزوم بن يقظة واثنان منهم من بطن بنى جمح بن عمرو والاثنان الآخران من بطن بنى عامر بن لؤى ومن هلكوا من بطن بنى عبد الدار كانوا من حاملى ألوية جيوش الكفار. أسماء القتلى المشركين . ١ - طلحة بن أبى طلحة (اسم أبى طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عبد الدار وقتل ابنه طلحة بسيف على بن أبى طالب).

стр. 1641

٢ - عثمان بن طلحة (أخو طلحة سالف الذكر قتل بسيف حمزة) ٣ - أبو سعيد بن أبى طلحة (أخو طلحة أيضا بسيف على فى رواية وفى قول آخر قتل بيد سعد بن أبى وقاص) ٤ - مسافع بن طلحة ٥ - جلاس بن طلحة (هؤلاء أبناء طلحة المقتول وقتلوا بسيف عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح) ٦ - كلاب بن طلحة ٧ - حارث بن طلحة (هؤلاء كذلك أبناء طلحة وقتلوا بسيف حليف بنى ظفر قزمان. وعلى قول آخر أن قاتل كلاب هو عبد الرحمن بن عوف) ٨ - أرطاة بن عبد شرحبيل بن عبد مناف بن عبد الدار (قاتل هذا حمزة بن عبد المطلب) ٩ - أبو يزيد بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار أخو مصعب بن عمير (مقتول قزمان سالف الذكر) ١٠ - شريح بن قارصة (لا يعرف اسم قاتله) ١١ - صؤاب (كان عبد شريح وقتله كذلك قزمان وعلى قول آخر قتله على بن أبى طالب أو سعد بن أبى وقاص أو أبو دجانة) ١٢ - قاسط بن شريح بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار (قاتل هذا أيضا قزمان إن هؤلاء المشركين الاثنا عشر من بطن قريش ينتهى نسبهم إلى بنى عبد الدار وكان طلحة حامل علم قريش ولما قتل هؤلاء والذين ذكرناهم أخذوا الراية من طلحة واحدة أثر الآخر وهلكوا جميعا) ١٣ - عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد (قاتله على بن أبى طالب) ١٤ - سباع بن عبد العزى بن نضلة الخزاعى ١٥ - هشام بن أبى أمية بن المغيرة (كان هذا الشخص حليف بنى أسد وقتل من قبل حمزة بن عبد المطلب وهو مع عبد الله بن حميد بن بطن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى)

стр. 1642

١٦ - وليد بن العاص بن هشام بن المغيرة (ومع هؤلاء اثنان أيضا لا يعرف اسميهما والأربعة من بطن بنى مخزوم بن يقظة وقاتلهم جميعا قزمان) ١٧ - عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح (وهذا الرجل يسمى أبا عزة وهو شاعر ناقض للعهد) ١٨ - أبى بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح (واثنان من هؤلاء من بطن بنى جمح بن عمرو وقتلا بالسيف النبوى) ١٩ - عبيدة بن جابر ٢٠ - شيبة بن مالك بن المضرب (هؤلاء من بطن عامر بن لؤى وقتد قزمان، وعلى وقول قتل عبيدة بن جابر عبد الله بن مسعود) صرح ابن إسحاق بهذه الأسماء وروى أنهم قتلوا فى يوم أحد وأضاف الإمام القسطلانى لجملة هؤلاء ثلاثة أشخاص فبلغ عدد المشركين إلى ثلاثة وعشرين ولكنه لم يحدد أسماءهم.

стр. 1643

الوجهة السابعة عشرة تضم ثلاث صور تعرض مواسم وأسواق المدينة المنورة ومحاسن أهلها وترى وتحصى الآبار والعيون المنسوبة إلى النبى ﷺ

стр. 1644

تبين الأشهر والأيام التى تقام فيها الأسواق العربية ومواسمها فى اثنى عشر شهرا من أشهر السنة وتعرف بعض محاسن أهل المدينة إخطار-الموسم هو سوق العرب وسوق الحجاج ويطلق على مثل هذه الأيام فى بلادنا «يناير» معرض وسوق. محرم الحرام: المحرم الحرام هو الشهر الأول فى السنة القمرية وعند عودة حجاج أهل المدينة من عرفات يدخلون فى المدينة المنورة فى اليوم الأول أو الثانى من ذلك الشهر. ويوم عودة هذه القافلة يوم بهجة وسرور ويستقبل أهل المدينة المنورة كغيرهم من أهل المدن الأخرى حجّاجهم ويلاقونهم ويحصلون على دعواتهم. ثم يوصلونهم إلى منازلهم ثم يزورونهم عقب ذلك منفردين. ورود المحمل المصرى: يصل بعد قافلة حجاج المدينة المحمل المصرى وينصب خيامه فى الأماكن المخصوصة له ويقيم ثلاثة أو أربعة أيام للراحة، ويصل المحمل المصرى بالهدايا السلطانية والعطايا الخاقانية والرواتب فتسلم هذه الأشياء إلى موظفى الدولة وتوزع على أهالى المدينة وتقسم لهم أمام أكابر المدينة؛ لذا يفرح الأهالى بورود المحمل المصرى ويعدون يوم وصوله من المواسم المخصوصة. يقول قطب الدين الحنفى-﵀-من مؤرخى مكة المكرمة فى تاريخه المشهور: «لم ير أهالى الحرمين حتى زمن الدولة العثمانية هذا النوع من الكرم ولا هذا القدر؛ لأجل ذلك يسارعون فى إظهار فرحهم وسرورهم ويدعون بطول بقاء الدولة العثمانية» وما يقوله القطب المكى عين الصواب وحقيقة الأمر أن أهل

стр. 1645

الحرمين فى عهد أمراء بنى أمية والمنصور والمهدى وهارون الرشيد وسائر الخلفاء ومن جاءوا من بعدهم من ملوك السلف قد نالوا كثيرا من عطاياهم ونفحاتهم حتى أكرمهم الملوك بالثلج والبرد وألبسوهم خلعا كثيرة وصرفوا لهم آلاف الدنانير وبهذا أظهروا مآثر سماحتهم وجودهم، إلا أن هذه الهدايا والعطايا كانت تظهر كثيرة بالنسبة لعدد السكان. والآن قد تضاعف عدد سكان الحرمين خمس أو ست مرات بالنسبة للسكان الذين كانوا فى ذلك الوقت، وخصبت الصرر والرواتب لكل السنين ومن هنا فكل ما قدم سواء أكان أمراء بنى أمية أو خلفاء العباسيين أو ملوك آخرون لا يصل ما أعطوه إلى عشر معشار ما يقدمه الملوك العثمانيون. منقبة مولد النبى ﷺ : فى الليلة الثانية من ورود المحمل المصرى وبناء على الأمر السلطانى تتلى فى صحن مسجد السعادة منقبة مولد النبى ﷺ ؛ ويحضر فى هذا الاجتماع الميمون أمير حج المحمل المصرى والموظفون وأعيان المدينة وأهاليها. وهذا من مقتضيات النظام الموضوع. وتوقد كثير من الشموع. كما توقد أنواع البخور ويوزع على الحاضرين الحلوى والشراب. وبعد يومين أى بعد وصول المحمل إلى المدينة بثلاثة أيام أو أربعة يخرج الموكب المصرى من المدينة المنورة ويتجه إلى مصر ذات الأهرام فى حفاوة واحتفال. ورود المحمل الشامى: وبعد أن يتحرك المحمل المصرى يأتى المحمل الشامى وينزل فى ميدان المناخة وفى الجهة الشمالية من جبل سلع حيث يستريح أفراده ما يقرب من عشرة أيام ويزورون الآثار المباركة. يوم الزينة: يطلق على اليوم الثانى عشر من المحرم يوم الزينة وميقات الديون لدى أهل المدينة وسبب تسميته بذلك هو استطاعة أصحاب المرتبات والهدايا تسوية ديونهم فى خلال تلك الأيام.

стр. 1646

ورود المحمل العراقى: تصل قافلة العراق فى شهر المحرم أيضا إلى المدينة وتبيت فى الجهة الشرقية منها فى موقع مراحة ويقيمون هناك سوقا كبيرة ويشرعون فى تبادل السلع الأخذ والعطاء. وورود القافلة العراقية من الأيام المعدودة والمواسم المشهورة المشهودة لدى أهل المدينة. صفر الخير: يبسط خدم الحجرة المعطرة أبسطة مسجد السعادة ويخرجون الكتب وأجزاء القرآن المحفوظة فى صواوين الحجرة المعطرة ويبادر العلماء ذوو الاحترام فى تدريس العلوم، ومن جملة محاسن سكان المدينة المنورة أن طلبة العلم يهتمون بتحصيل العلوم الدينية ولا يهتمون بالفلسفة وعلم الكلام والرياضيات، ويقولون إن العلوم ثلاثة أنواع رئيسية، نفيسة، وخسيسة، فالرئيسية مثل الفقه والحديث من العلوم الدينية، والنفيسة القواعد العربية، والخسيسة الفلسفة والحكمة وتحصيل النوع الأول يكفى لنا. قدوم موكب المرزوقى: تأتى قافلة المرزوقى فى العاشر من صفر، وهذه القافلة تتكون من تجار اليمن ويستفيد الأهالى بتبادل التجارة معهم، ومن هنا كان ورود قافلة المرزوقى من أسباب الفرح والسرور لأهل المدينة. شهر ربيع الأول: ففى ليلة أول جمعة من ربيع الأول مولد القطب الصمدى سيد أحمد البدوى وفى الليلة الثانية عشرة تعقد اجتماعات المولد النبوى. رمضان العظيم: تعمر جوانب مسجد السعادة فى رمضان كل يوم. حيث يتلو الأهالى والزوار ليلا ونهارا القرآن الكريم جهرا وخفية كما أنهم يدرسون كتبا مثل الشمائل

стр. 1647

والمصابيح والمشارق وصحيح البخارى ويطالعون ويوقدون ليلا مئات القناديل والشموع ويؤدون صلاة التراويح. عادات أهل الزوايا: وبعد أداء صلاة التراويح تشعل القناديل والشموع فى الزوايا وتقرأ القصائد المتقابلة وفى البداية ينشد ناشدى الجهة اليسرى على قاعدة خاصة بأهل اليمن منظومة التروية. وهذه القصيدة مرتبة على الحروف الهجائية وهى قصيدة نقية مخمسة ويقرأ الزوار الكرام عقب كل بيت الصلوات الشريفة بلحن مؤثر. وبعد ذلك يقرأ ناشدى الجهة اليسرى بيتا من قصيدة طرائفية وقد نظمت قصيدة الطرائفية كنظيرة لقصيدة التروية وهى أبيات بديعة تبدأ بالغزل. هكذا يصلّى أهل الزوايا إلى الصباح وتستمر الأذكار اليمانية إلى طلوع الفجر الأول ويتم مجلس الذكر بختم القرآن ثم يذهبون إلى مسجد السعادة لأداء صلاة الفجر والسامعون المنفردون يدهشون من أحوال أهل الزوايا ويئنون من شدة تأثرهم. والأشخاص الذين نطلق عليهم المنفردين هم الغرباء الذين يقيمون فى الزاوية. زيارة مسجد قباء: يزور مجاورو المدينة المنورة فى السابع عشر من رمضان مسجد قباء وبما أنهم يعدون هذه الزيارة من السنن النبوية يتجنبون ترك الزيارة. كما يشترك كثير من الأهالى فى هذه الزيارة. شهر شوال المبارك: وبما أن أول أيام شوال عيد الفطر فالأهالى يؤدون صلاة العيد فى مسجد السعادة ثم يزورون مقبرة بقيع الغرقد ويعودون إلى منازلهم ويقومون بمراسم العيد بزيارة بعضهم البعض إلى مساء اليوم الثالث من العيد. قطع الخدم المكنسة: يزور خدم مسجد السعادة فى الثانى عشر من شوال مسجد قباء ويقطعون من

стр. 1648

البساتين قلوب النخيل ويعودون. وبما أن ذهابهم إيابهم يستحقان الرؤية والفرجة لأنهم يسيرون فى موكب فيخرج الناس إلى وادى البطحان للتنزه كما أنهم يتفرجون على موكب الخدم. شهر ذى القعدة الحرام: اليوم السابع عشر من شهر ذى القعدة هو يوم كنس مسجد السعادة ولما كان هذا اليوم من الأيام السارة بين الأهالى كانوا يجتمعون فى صحن مسجد النبى ﷺ ثم يصعد شيخ الحرم وقاضى المدينة وعامة الخدمة فوق سطح المسجد ويكنسونه ويلقون التمر على من فى صحن المسجد من الأطفال والغرباء. ويتصايح هؤلاء قائلين: «العادة يا سادة»،وبعد إتمام تنظيف السطح الشريف ينزلون وينقلون ما فى الروضة المطهرة من الكتب إلى الحجرة المعطرة والبسط إلى المخازن ثم يخرجون إلى البساتين للنزهة. مقدم المحمل الشامى: يدخل المحمل الشامى إلى المدينة المنورة فى اليوم السابع والعشرون من شهر ذى القعدة، ويوم وصول المحمل من الأيام المعدودة وموسم مشهور عند أهل المدينة، فلا يبقى فى هذا اليوم من أهل المدينة من لا يبتهج ابتهاجا عظيما، ويأتى أمين الصرة بالأمانات العثمانية إلى المسجد النبوى ويسلمها إلى خزانة المديرية لتوزيعها على الأهالى. مسألة: يجرى على ألسنة العوام قوله أن الحج الذى يصادف فيه يوم عرفة ليوم الجمعة أنه يساوى سبعين حجة إلا أن ابن الجوزية قال: «أقول أنه لا أصل لهذا القول، ولم أصادف مثل هذا القول ولكن لا شك أن حج يوم الجمعة خير من أيام حج سائر الأيام؛ لأن يوم الجمعة أفضل من سائر الأيام».وأيد ابن زيد المالكى فى

стр. 1649

(مناسكه) هذا القول ولكن عليّا القارى حكم أن مزية وقفة يوم الجمعة أزيد من مزية وقفة سائر الأيام بسبعين مرة. مسألة: إذا ما سئل: هل الحج كان واجبا على الأمم التى خلت من قبل الإسلام؟ وقد اختلف العلماء فى هذه المسألة وبناء على أنه لم يكن واجبا. إلا أن مشروعيته مستمرة منذ عهد آدم إلا أن حجاجه كانوا من الأنبياء والملائكة. هذا ما جاء فى المناسك. يجتمع أهالى المدينة فى اليوم التاسع من ذى الحجة فى مسجد السعادة حيث ينتظرون النفحات الإلهية لأن النبى ﷺ يشرف فى ذلك عرفات حيث يقف. عيد الأضحى: ولما كان اليوم العاشر من ذى الحجة العيد الأكبر يقوم أهل المدينة بمراسم الزيارة والمعايدة كما كانوا يفعلون فى عيد الفطر. تنمية: ولا شك أن أهل المدينة الكرام بفضل مجاورتهم النبى ﷺ انتمائهم بالصدق لصفات النبى ﷺ فهم أسعد أمة ويوجد بينهم فئة من الناس بناء على حكم المثل أوصاف «الأشراف أشرف الأوصاف»،فقدرهم ومزيتهم مثل اللآلئ الغالية، والأبيات الآتية تصور خلاصة أوصافهم: نظم قوم هم فى الدجى للناس أقمار ... وهم لمن هجروا الأوطان أوطان وأين حلوا يحل الخصب حومتهم ... كأنهم مثل ما قد قيل أمطار

стр. 1650

هم العيون فإن تبصر هدى فبه ... وفى الهدى ليس بعد العين آثار سلهم وسل عنهم إن كنت ذا وطر ... فعندى لذوى الحاجات أخبار وحل ساحتهم تسعد فهم عرب ... تحمى النزيل ولا يؤذى لهم جار وانعم إذا كنت تهواهم بعيشها ... واصحبهم إن نأت يوما بك الدار وفيهم أخرى: يحترزون من آفة الشهرة حتى وإن كانوا غارقين فى أشد أنواع الفقر والحاجة يظهرون علامات اليسار والغنى. وإن ظلوا جائعين أياما يظهرون أنفسهم شبعانين، ويرجحون الوحدة على الكثرة والضرورة والضيق على السعة والثروة ويتخذون من الصفات ما جاء فى المنظومة الآتية: نظم إذا قنعت بقوت ولبس ثوب مرقع ... ولم يكن لى عيال نفسى لهم تتفجع ولا بنون صغار قلبى لهم يتقطع ... ولا صديق صدوق فراقه أتوقع وكان بالله أنسى ... فما بى الدهر يصنع وصنف منهم وإن كانوا فى شدة الضيق وبين مخالب الحاجة كانوا ينفقون ما يحصلون عليه من النقود لمن هم أكثر حاجة منهم بناء لحكم البيت الآتى:
следующие страницы →