ورود المحمل العراقى:
تصل قافلة العراق فى شهر المحرم أيضا إلى المدينة وتبيت فى الجهة الشرقية منها فى موقع مراحة ويقيمون هناك سوقا كبيرة ويشرعون فى تبادل السلع الأخذ والعطاء. وورود القافلة العراقية من الأيام المعدودة والمواسم المشهورة المشهودة لدى أهل المدينة.
صفر الخير:
يبسط خدم الحجرة المعطرة أبسطة مسجد السعادة ويخرجون الكتب وأجزاء القرآن المحفوظة فى صواوين الحجرة المعطرة ويبادر العلماء ذوو الاحترام فى تدريس العلوم، ومن جملة محاسن سكان المدينة المنورة أن طلبة العلم يهتمون بتحصيل العلوم الدينية ولا يهتمون بالفلسفة وعلم الكلام والرياضيات، ويقولون إن العلوم ثلاثة أنواع رئيسية، نفيسة، وخسيسة، فالرئيسية مثل الفقه والحديث من العلوم الدينية، والنفيسة القواعد العربية، والخسيسة الفلسفة والحكمة وتحصيل النوع الأول يكفى لنا.
قدوم موكب المرزوقى:
تأتى قافلة المرزوقى فى العاشر من صفر، وهذه القافلة تتكون من تجار اليمن ويستفيد الأهالى بتبادل التجارة معهم، ومن هنا كان ورود قافلة المرزوقى من أسباب الفرح والسرور لأهل المدينة.
شهر ربيع الأول:
ففى ليلة أول جمعة من ربيع الأول مولد القطب الصمدى سيد أحمد البدوى وفى الليلة الثانية عشرة تعقد اجتماعات المولد النبوى.
رمضان العظيم:
تعمر جوانب مسجد السعادة فى رمضان كل يوم. حيث يتلو الأهالى والزوار ليلا ونهارا القرآن الكريم جهرا وخفية كما أنهم يدرسون كتبا مثل الشمائل
стр. 1647
والمصابيح والمشارق وصحيح البخارى ويطالعون ويوقدون ليلا مئات القناديل والشموع ويؤدون صلاة التراويح.
عادات أهل الزوايا:
وبعد أداء صلاة التراويح تشعل القناديل والشموع فى الزوايا وتقرأ القصائد المتقابلة وفى البداية ينشد ناشدى الجهة اليسرى على قاعدة خاصة بأهل اليمن منظومة التروية. وهذه القصيدة مرتبة على الحروف الهجائية وهى قصيدة نقية مخمسة ويقرأ الزوار الكرام عقب كل بيت الصلوات الشريفة بلحن مؤثر.
وبعد ذلك يقرأ ناشدى الجهة اليسرى بيتا من قصيدة طرائفية وقد نظمت قصيدة الطرائفية كنظيرة لقصيدة التروية وهى أبيات بديعة تبدأ بالغزل. هكذا يصلّى أهل الزوايا إلى الصباح وتستمر الأذكار اليمانية إلى طلوع الفجر الأول ويتم مجلس الذكر بختم القرآن ثم يذهبون إلى مسجد السعادة لأداء صلاة الفجر والسامعون المنفردون يدهشون من أحوال أهل الزوايا ويئنون من شدة تأثرهم.
والأشخاص الذين نطلق عليهم المنفردين هم الغرباء الذين يقيمون فى الزاوية.
زيارة مسجد قباء:
يزور مجاورو المدينة المنورة فى السابع عشر من رمضان مسجد قباء وبما أنهم يعدون هذه الزيارة من السنن النبوية يتجنبون ترك الزيارة. كما يشترك كثير من الأهالى فى هذه الزيارة.
شهر شوال المبارك:
وبما أن أول أيام شوال عيد الفطر فالأهالى يؤدون صلاة العيد فى مسجد السعادة ثم يزورون مقبرة بقيع الغرقد ويعودون إلى منازلهم ويقومون بمراسم العيد بزيارة بعضهم البعض إلى مساء اليوم الثالث من العيد.
قطع الخدم المكنسة:
يزور خدم مسجد السعادة فى الثانى عشر من شوال مسجد قباء ويقطعون من
стр. 1648
البساتين قلوب النخيل ويعودون. وبما أن ذهابهم إيابهم يستحقان الرؤية والفرجة لأنهم يسيرون فى موكب فيخرج الناس إلى وادى البطحان للتنزه كما أنهم يتفرجون على موكب الخدم.
شهر ذى القعدة الحرام:
اليوم السابع عشر من شهر ذى القعدة هو يوم كنس مسجد السعادة ولما كان هذا اليوم من الأيام السارة بين الأهالى كانوا يجتمعون فى صحن مسجد النبى ﷺ ثم يصعد شيخ الحرم وقاضى المدينة وعامة الخدمة فوق سطح المسجد ويكنسونه ويلقون التمر على من فى صحن المسجد من الأطفال والغرباء.
ويتصايح هؤلاء قائلين: «العادة يا سادة»،وبعد إتمام تنظيف السطح الشريف ينزلون وينقلون ما فى الروضة المطهرة من الكتب إلى الحجرة المعطرة والبسط إلى المخازن ثم يخرجون إلى البساتين للنزهة.
مقدم المحمل الشامى:
يدخل المحمل الشامى إلى المدينة المنورة فى اليوم السابع والعشرون من شهر ذى القعدة، ويوم وصول المحمل من الأيام المعدودة وموسم مشهور عند أهل المدينة، فلا يبقى فى هذا اليوم من أهل المدينة من لا يبتهج ابتهاجا عظيما، ويأتى أمين الصرة بالأمانات العثمانية إلى المسجد النبوى ويسلمها إلى خزانة المديرية لتوزيعها على الأهالى.
مسألة:
يجرى على ألسنة العوام قوله أن الحج الذى يصادف فيه يوم عرفة ليوم الجمعة أنه يساوى سبعين حجة إلا أن ابن الجوزية قال: «أقول أنه لا أصل لهذا القول، ولم أصادف مثل هذا القول ولكن لا شك أن حج يوم الجمعة خير من أيام حج سائر الأيام؛ لأن يوم الجمعة أفضل من سائر الأيام».وأيد ابن زيد المالكى فى
стр. 1649
(مناسكه) هذا القول ولكن عليّا القارى حكم أن مزية وقفة يوم الجمعة أزيد من مزية وقفة سائر الأيام بسبعين مرة.
مسألة:
إذا ما سئل: هل الحج كان واجبا على الأمم التى خلت من قبل الإسلام؟ وقد اختلف العلماء فى هذه المسألة وبناء على أنه لم يكن واجبا. إلا أن مشروعيته مستمرة منذ عهد آدم إلا أن حجاجه كانوا من الأنبياء والملائكة. هذا ما جاء فى المناسك.
يجتمع أهالى المدينة فى اليوم التاسع من ذى الحجة فى مسجد السعادة حيث ينتظرون النفحات الإلهية لأن النبى ﷺ يشرف فى ذلك عرفات حيث يقف.
عيد الأضحى:
ولما كان اليوم العاشر من ذى الحجة العيد الأكبر يقوم أهل المدينة بمراسم الزيارة والمعايدة كما كانوا يفعلون فى عيد الفطر.
تنمية:
ولا شك أن أهل المدينة الكرام بفضل مجاورتهم النبى ﷺ انتمائهم بالصدق لصفات النبى ﷺ فهم أسعد أمة ويوجد بينهم فئة من الناس بناء على حكم المثل أوصاف «الأشراف أشرف الأوصاف»،فقدرهم ومزيتهم مثل اللآلئ الغالية، والأبيات الآتية تصور خلاصة أوصافهم:
نظم
قوم هم فى الدجى للناس أقمار ... وهم لمن هجروا الأوطان أوطان
وأين حلوا يحل الخصب حومتهم ... كأنهم مثل ما قد قيل أمطار
стр. 1650
هم العيون فإن تبصر هدى فبه ... وفى الهدى ليس بعد العين آثار
سلهم وسل عنهم إن كنت ذا وطر ... فعندى لذوى الحاجات أخبار
وحل ساحتهم تسعد فهم عرب ... تحمى النزيل ولا يؤذى لهم جار
وانعم إذا كنت تهواهم بعيشها ... واصحبهم إن نأت يوما بك الدار
وفيهم أخرى: يحترزون من آفة الشهرة حتى وإن كانوا غارقين فى أشد أنواع الفقر والحاجة يظهرون علامات اليسار والغنى. وإن ظلوا جائعين أياما يظهرون أنفسهم شبعانين، ويرجحون الوحدة على الكثرة والضرورة والضيق على السعة والثروة ويتخذون من الصفات ما جاء فى المنظومة الآتية:
نظم
إذا قنعت بقوت ولبس ثوب مرقع ... ولم يكن لى عيال نفسى لهم تتفجع
ولا بنون صغار قلبى لهم يتقطع ... ولا صديق صدوق فراقه أتوقع
وكان بالله أنسى ... فما بى الدهر يصنع
وصنف منهم وإن كانوا فى شدة الضيق وبين مخالب الحاجة كانوا ينفقون ما يحصلون عليه من النقود لمن هم أكثر حاجة منهم بناء لحكم البيت الآتى:
стр. 1651
ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل
قوم مضوا كانت الدنيا بهم ... والدهر كالعيد والأوقات أوقات
ماتوا فعاشوا وعشنا بعد موتهم ... ونحن فى صور الأحياء أموات
ويرى فيهم فئة من الناس يكدون ويكدحون حتى الليل مع ذلك لا يكسبون ما يكفى عيالهم وأولادهم ويتمرغون داخل الفقر والحاجة لا يوصفون فيتحملون الفقر، ويضطربون؛ ومع ذلك لا يشتكون من حالتهم هذه ولا يسعون لتحسين أحوالهم وتأمين مستقبلهم وينتظرون من الله- الرفيع الدرجات والذى يسر الوصول إلى الآمال-الفرج ويدعون له. وكانوا مثالا للتوكل والاصطبار كما جاء فى المثل الآتى:
«سعف النخيل خير من إسعاف الخليل»
لا تظهرن لعاذل أو غادر ... حالك فى السراء والضراء
فلرحمة المتوجعين حرارة ... فى القلب مثل شماتة الأعداء
وفى الواقع أهم ما يجب أن يعنى به الإنسان أن يسلك طريق حرفة ما حتى ينجو من الذل والحاجة ودواهى الدنيا وأن يعيش أولاده وعياله. ويروى أن حضرة آدم صفى الله اشتغل بالزراعة وأن سبعين نبيا ارتحلوا عن دنيانا وهم جوعى وأن حضرة على-كرم الله وجهه-دعا ربه قائلا: «إللهم صن وجهى باليسار ولا تشن وجهى بالإقتار، فأسترزق طالبى رزقك وأستعطف شرار
стр. 1652
خلقك، فأمتحن بحمد من أعطانى، وأفتن بذم من منعنى، وأنت من وراء ذلك كله والىّ الإعطاء والمنع إنك على كل شئ قدير، يا نعم المولى ويا نعم النصير».
يا رب لا تحينى إلى زمن أكون فيه كلا على أحد ... خذ بيدى قبل أن أقول لمن أراه عند القيام خذ بيدى
وهناك صنف آخر بين أهالى المدينة كل فرد منهم يملك ثروة وغنى وهو صاحب نفوذ وقدرة وهم يمضون أوقاتهم فى غاية الرفاهية والجاه والعظمة كما أنهم يراعون الأهالى الفقراء وضعفاء المجاورين وهم الفئة التى يقال له الجامع بين الحسنتين.
وأهل المدينة عامة يحبون التنزه والفرجة، وينشطون قلوبهم بالتجوال فى الحقول والمتنزهات دون كلفة وأما بالنسبة للأكل والشرب يكتفون بالمودة سالكين مسلك الاكتفاء بما وجد. واختار بعضهم السياحة فى البلدان والممالك حتى يزيدوا من ثروتهم وغناهم. كما أن بعضهم يتركون دورهم وديارهم باحثين عن أرزاقهم، كما أن بعضهم يتبعون أفكارا أخرى. ولا يتفقون كلهم فى أفكارهم وآرائهم، فيهم من يسلك مسالك الهوى والهوس. يقول ابن فرحون من المؤرخين القدماء: «كان مجاورو المدينة فى الأوائل من الصلحاء وأهل اليسار؛ لذلك كان رؤساء الأهالى يكرمونهم ويخدمونهم، ويقضون لهم حاجاتهم الضرورية ويقدمون لهم التحف والهدايا ويحاولون بهذا أن ينالوا حبهم.
ويعتقدون فيهم خيرا ويلتمسون دعاءهم وهمتهم. والآن انعكس الأمر إذ انعدمت الثقة والاستقامة فى المجاورين، كما أن أهالى الحرمين لا يحترمون كذلك من لا يراعى جانب الآثار المسعودة، وقد تغيرت الملابس والأفكار من أجل اجتذاب القلوب كما يقول المثل: «تغيير الشكل من أجل الأكل» فى كل مكان يمزقون أستار الحرمة والرعاية وفى كل طور وفعل يظهرون شعائر الإساءة والدناءة يتفوهون فى داخل الحرم الشريف بكل ما يرد على ألسنتهم ولا يتذكرون
стр. 1653
ما نص عليه من الصمت والهدوء فى داخل الحرم بل يقومون بما لا يليق، مع أصحاب الفقه والاستقامة والصلاح والتقوى».
ويمد أهالى الحرمين يد العون والخدمة للغرباء الواردين ولكنهم يفرطون أحيانا فى عونهم وإظهارهم هذا القدر من التظاهر لا يستحب أحيانا، حتى قال العلامة، الشيخ إبراهيم ابن أبى الحرم المدنى: «لا ينبغى لأهالى هذه البلاد أن يفرطوا فى إجلال وتعظيم من يترددون على هذه الديار من الزوار؛ لأن الإفراط فى ذلك يفضى إلى سوء العاقبة، ويجرئهم، فيقصرون فى آداب الزيارة للآثار المباركة مظهرين ذلهم وخشوعهم ومسكنتهم. إننى قد نظمت الأبيات الآتية حتى أعرف الناس هذا الأمر ورتبت إجابة على لسان الحال:
قطعة
يا أهل طيبة لا زالت شمائلكم ... بلطفها فى الورى مأمونة العتب
لكن رعايتكم للغرب تحملهم ... على تجاوزهم للحد فى الأدب
مولاى إن صروف الدهر قد حكمت ... وأعوزت أن يذل الرأس للذنب
كم من مقبل كف لو تمكن من ... تقطيعها فكن ممن فاز بالأدب
قيل فى حق سكان دار السكينة «جار الدار أحق بدار الجار وجار الدار أحق من غيره»،وكما أن أهالى المدينة أليق عن أهالى البلاد الأخرى بالتجاوز والسماح والفوز والنجاة والنجاح، لأجل ذلك يجب على الذين يختارون المجاورة والإقامة فى المدينة المنورة أن يكونوا لينى الأعطاف، هينى الانعطاف
стр. 1654
فيحترمون كل موقع فى تلك البلدة المباركة ويراعون جانب كل فرد من سكنتها ويتخلقون بما جاء فى الكلمات الآتية:
يشاركهم فى أنديتهم لا فى أغذيتهم، ويزاحمهم فى أوقاتهم لا فى أقواتهم، ويكتسب من أخلاقهم لا من أرزاقهم، ويقتبس من برهم لا من برّهم، فيتصل بهم كثيرا ويشاركهم فى محاسن أخلاقهم وعاداتهم، ولكن لا يعمل على مشاركة أرزاقهم وأقواتهم ويخطفها من أيديهم. ويرغب فى حبهم وموالاتهم ولا يطمع فى حبوبهم وأطعمتهم. وألا يزعجهم بالاستيلاء على دور فقرائهم وإطالة يد الطمع لصدقاتهم وألا يسعى فى منع معروفهم وإبطاله. إذ قيل:
لا تقطعن يد المعروف عن أحد ... ما دام يمكن فالإمكان تارات
واشكر فضيلة لطف الله إذ جعلت ... إليك لا لك عند الناس حاجات
فليقل أصحاب الاعتراض ما يقولون فى حق أهل المدينة. وليسندوا إليهم ما يسندون، فمحبتهم وإكرامهم وتعظيمهم واحترامهم واجب على كل مؤمن موحد. فأهل المدينة جيران النبى ﷺ وبناء على الحكم الجليل: «مازال جبريل يوصينى بالجار .. » فحق جوارهم ثابت ومهما ارتكبوا من الإساءات فإنهم لن يحرموا من حق الجوار وهذا حق محقق. ومهما ترك المدنى من الاتباع واخترع عادات غير مقبولة وابتدع، فيجب ألا يترك دون إكرام ويقطع احترامه. لأن هذه الأمور لا تسقط شرف جواره وحسن العاقبة مأمول له. يجب أن ينظر إلى كل فرد منهم بعين تعظيم وإكرام وتفخيم. وألا يبحث عن أحوالهم الظاهرة ولا يفتش عن أفعالهم الباطنية وأسرارهم لما كانت جميع الذنوب تحت حكم مشئية الله ما عدا الشرك فالله- -يعذب فاعله إن شاء ويعفو عنه ويطلقه إن شاء.
стр. 1655
فى تعريف الآبار التى تنسب
إلى النبى ﷺ بالتفصيل
ورتبت أسماء تلك الآبار حسب الحروف الهجائية
١ - بئر أريس:
أريس على وزن جليس ومعناه الفلاح وهو اسم واحد ينتسب إلى الطوائف اليهودية.
أحد الآبار التى تنسب إلى النبى ﷺ البئر التى يطلق عليها أريس وهى على الجهة الغربية من قباء بجانبها حجر فى ارتفاع ثلاثة أذرع.
حكاية
يروى أبو موسى الأشعرى قائلا: خرجت فى يوم من الأيام من بيتى بعد أن توضأت، وذهبت إلى مسجد السعادة، وأرونى الطريق الذى سلكه النبى ﷺ قائلين ذهب لتلك الجهة، وبما أننى خرجت من ذلك اليوم بنية خالصة لأقوم بخدمة النبى ﷺ تتبعت أثره. وعرفت المكان الذى اتجه إليه سائلا كل من رأيته، حتى وصلت إليها ودخلت من باب مبانيها وجلست بجانب بابه المصنوع من خشب النخيل. فابتعد النبى ﷺ رغبة فى قضاء حاجته، وبعد الرجوع توضأ وجلس على حافة البئر المصنوعة من الخشب مدليا رجليه فى البئر. فألقيت ﵇ ثم عدت إلى مجلسى. وكانت نيتى أن أقوم فى ذلك اليوم بحراسة النبى ﷺ . فدق الباب بعد فترة أبو بكر الصديق. فسألت عن الطارق. وفهمت أنه أبو بكر الصديق قلت يا رسول الله إن أبا بكر قد دق الباب حتى يتشرف بالمثول بين يديك، ولما قال النبى ﷺ أدخله بعد أن تخبره بأنه بشر بالجنة. ففتحت باب البئر
стр. 1656
وقلت تفضلوا! فقد بشرك النبى ﷺ بالجنة فأغلقت الباب بعد دخوله وجلست فى مكانى القديم وبعد أن دخل بناء على إذن النبى ﷺ جلس على يمين النبى ﷺ وأدلى رجليه فى البئر، ودق الباب مرة أخرى بعد قليل. قلت: من أنت؟ قال: أنا عمر بن الخطاب إذا ما أذن لى أريد أن أرى رسول الله ﷺ فذهبت إلى الرسول وأخبرته أن عمر بن الخطاب يريد المثول بين يديك واستأذنت منه بهذا الشكل فقال الرسول ﷺ فليأت أبشره أيضا بالجنة ففتحت الباب وقلت له تفضل إن الرسول ﷺ يبشرك بالجنة فدخل وجلس بأمر من الرسول ﷺ على يساره وأدلى رجليه فى البئر. أما أنا فذهبت إلى مكانى القديم وجلست. وبعد مدة جاء عثمان بن عفان. فقمت وقلت لرسول الله ﷺ إن عثمان بن عفان يستأذن أيضا للتشرف بالمثول بين يديك. وعرضت على الرسول ﷺ أنه ينتظر الأمر بالدخول. وقال النبى ﷺ الواقف على سرائر الدنيا والآخرة «فليأت لأبشره بالجنة وبلوى المصيبة» ففتحت باب مبنى البئر وأدخلته وقلت له: يا عثمان إن النبى ﷺ يبشرك بالجنة وآفة المصيبة فمثل عثمان أمام النبى ﷺ ولما لم يجد محلا يجلس عليه فى يمين النبى ويساره جلس أمامه؛ وكانت هذه الإشارة المليئة بالحكمة سببا فى عدم دفن عثمان بن عفان فى الحجرة المطهرة يعنى أن النبى ﷺ لم يجد مكانا على يمينه وشماله فأشار له بأن يجلس أمامه وهكذا جلس فى مكان بعيد عنه، الأمر حين قتل يدفن فى الحجرة المعطرة!!! ودفن فى بستان حش كوكب ليس مخالفة الفرق المخالفة لدفنه فى الحجرة المطهرة.
وكان النبى ﷺ كلما شرف مسجد قباء كان يذهب إلى بئر أريس وكان يقول:
إن كل من يذهب يوم السبت إلى مسجد قباء ويصلى فيه ركعتين ثم يشرب من ماء بئر أريس ينال ثواب عمرة. وفى يوم قائظ اغترف ﷺ مع الخلفاء الأربعة من ماء بئر أريس لتلطيف الحرارة ووضع يده فى الدلو.
معجزة:
لما وضع النبى ﷺ يديه فى الدلو سقط خاتمه فى قاع البئر فارتفع ماء البئر.
стр. 1657
وعرض عليه خاتمه وقدمه له. وانتقل الخاتم من بعد إلى أبى بكر ثم إلى عمر بن الخطاب ثم إلى عثمان بن عفان إلا أن هذا الخاتم وقع فى البئر مرة أخرى فى العام الخامس من خلافة عثمان ولكنه لم يستخرج.
وعمق بئر أريس (١٩) ذراعا وارتفاعه (١٠٤) ويقال أنها كانت قديما تحت بناء مرتفع. إلا أن تقلبات الدهر هدمت مبانى جهتها القبلية وخربتها. فعمرها شاهين الشجاعى ورفع الحجارة التى حولها ثلاثة أذرع وجعل لها مرقاة. وإن كانت الآن غير مكشوفة إلا أن أبنيتها ليست مرتفعة ورصينة كما أخبر المؤرخون.
ولها بناء الآن يحميها من حر الشمس ولها مصلى فى جهة مسجد قباء وعلى طاق محراب هذا المصلى هذا البيت:
أمن عجب أن يزورها ليل نهار الإنس والجان ... بئر خاتم الأنبياء هو هذا المكان
النخيل المتكلم:
فى حديقة النخيل التى فى الطرف الغربى لبئر أريس النخلة أو النخلتان المعروفتان باسم النخيل المتكلم وكما سيرى فى شكل هذه الأشجار فهى تنحنى كحلقات وترتفع فقط غصونها التى ستنتج الفاكهة. وكانت هذه الأشجار فى عصر النبوة فى غاية العلو وكان اقتطاف ثمرتها غير ممكنة. ولما كانت النخلة المذكورة مدمرّ بها النبى ﷺ فانفرشت على الأرض وقالت: يا رسول الله! إن تمرى جدير بالأكل، فكل منى عدة تمرات وأرفع رأسى بين أمثالى من النخيل وظلت على هيئتها تلك.
ومازال جيش النخلة التى تمددت على الأرض لتعرض بلحها على النبى ﷺ قائمة! وفروعها التى تنبت حولها وتنمو وتستدير حلقات سنة بعد سنة وتظل كذلك إلى أن تزول. ومع هذا إذا ما أخذ فروع منها وغرست فى مكان آخر وإذا لقح إلى نخلة أخرى فلا ينفع حتى إذا نفع فلا تستدير فروعها حلقات بل ترتفع مثل أشجار النخيل الأخرى.
стр. 1658
٢ - بئر الأعواف:
والثانية من الآبار المباركة بئر الأعواف وهى من الصدقات النبوية.
وكان النبى ﷺ قد توضأ على حافة هذه البئر. وحيث مس ماء وضوء النبى اكتسب خضرة ونضارة ومازال كذلك حتى يومنا هذا.
كان فى عصر السعادة بجانب هذه البئر حجر ولما كان هذا الحجر قد قبض على لص هرب من النبى ﷺ فاقتلعه ووضعه فى مكان بين «الأعواف» و «الشطبية» لما كان النبى ﷺ قد لمسه بيده الكريمة أخذ أهل المدينة يزورون هذا الحجر. وللأسف لم يبق فى عصرنا من يعرف مكان هذا الحجر. وفى الواقع فى عصرنا من يعرف مكان هذا الحجر. وفى الواقع فى عصرنا فى المكان الذى يسمى «الأعواف» مكان طرفه القبلى «مربوعة» وطرفه الشامى «خنافة» وبين هذين المكانين كثير من الآبار ولكن ليس هناك من يعرف مكان «الشطبية».ومن المحتمل أن يكون المحل المشهور باسم «عتبى» فى الطرف الشرقى من خنافة الشطبية المذكورة.
٣ - بئر أناء:
البئر الثالثة من الآبار المقدسة بئر أناء واسم هذه البئر على رواية أناء بضم الهمزة وفتح النون، وفى رواية أخرى أنّاء بفتح الهمزة وتشديد النون. فى ناحية بنى قريظة.
وعندما حوصر حصن بنى قريظة أقيمت خيمة النبى ﷺ على حافة هذه البئر، وشرب النبى ﷺ من ماء هذا البئر وهو جالس فى خيمته. وربط دابته على شجرة النبق التى ببيت مريم بنت عثمان وصلى على ساحة مسجد بنى قريظة، ولكن الآن لا يعرف ساحة ذلك المسجد.
٤ - بئر أنس بن مالك بن النضر:
والبئر الرابعة من الآبار التى تنسب إلى النبى ﷺ بئر أنس بن مالك بن النضر
стр. 1659
وكانت فى داخل دار أنس بن مالك بن النضر فى محلة تسمى جديلة والبئر التى وقفت ل «رباط اليمن» فى وقتنا هذا يلزم أن تكون تلك البئر. لأنها تقع بالقرب من دار فحل (١) وفى الطرف الشامى من الحديقة المسماة برومية يعنى بالقرب من ضريح والد النبى عبد الله بن عبد المطلب. وأساسا كان من ممتلكات والد أنس بن مالك بن النضر تعرف فى الجاهلية باسم برور كما سبق ذكرها فى بحث بئر سقيا. وقد ألقى النبى ﷺ فيها بصاقه فاحلو ماؤها إلى حد أنها صارت ذات ماء ألذ وأخف من جميع مياه آبار المدينة المنورة.
٥ - بئر إهاب:
الخامسة من الآبار المحترمة البئر التى اشتهرت باسم إهاب وكانت فى داخل القصر الذى يسكنه أساسا إسماعيل بن وليد والذى يقع فى داخل حدائق النخيل الكائنة فى الجهة القبلية للحرة الغربية.
لما أخرجت فاطمة بنت الحسين بن على بن أبى طالب من بيت جدتها فاطمة الزهراء-رضى الله عنها-كانوا قد أعطوها ذلك القصر وانتقل هذا القصر أخيرا لابن هشام.
وكانت بئر إهاب أساسا بئر والد عبادة سعد بن عثمان. ولما تفضل النبى ﷺ قائلا يظهر أن عمران المدينة المنورة سيصل إلى بئر إهاب ولأجل ذلك أطلق أهل المدينة المنورة على تلك البئر اسم بئر زمزم وأرسلوا ماءها إلى البلاد الأخرى للتبرك. ولما كانت فاطمة بنت حسين بن على هى التى حفرت تلك البئر فمن العجب أن يطلق عليها بئر زمزم دون أن يطلق عليها بئر فاطمة.
٦ - بئر البصّة:
السادسة من الآبار العزيزة البئر التى يطلق عليها بصة على وزن حبّة.
стр. 1660
وتقع بجانب نخلة قريبة من مقبرة بقيع الغرقد وفى طريق قرية قباء.
ويميل ماء هذه البئر إلى الخضرة وقد هدمت السيول التى تمر بجانبها جميع جهاتها وخربتها. ولكنها عمرت تعميرا جيدا مؤخرا. عرض فوهتها فى قطر سبعة أذرع. وبجانب هذه البئر بئر أخرى فى عرض ستة أذرع، وكان مؤرخو الأسلاف قد اختلفوا فى تعيين أية واحدة منهما بئر «البصة»؛والبئر الصغيرة ولما كانت أمام برج والد أبى سعيد الخدرى مالك بن سنان فليس من المستبعد أن تكون تلك البئر بئر «البصة» ولأجل ذلك استولى زكوى ابن صالح على ساحة برج مالك بن سنان وبنى عليها منزلا عاليا وصنع سلما للبئر الصغيرة، كما أن شيخ الخدم عزيز الدولة وريحان البدرى الشهابى اشترى بستان النخيل الذى بجانب المنزل الذى بناه ابن صالح ووقفه على الفقراء الذين يمرون من جانبه.
زار النبى ﷺ دار أبى سعيد الخدرى فى يوم جمعة وطلب منه مقدارا من سدر وغسل بالسدر رأسه وصب الماء المستخدم فى البئر.
٧ - بئر بضاعة:
السابعة من الآبار المقدسة هى بئر بضاعة التى بين الحديقتين اللتين تميلان إلى الجهة الشمالية من غرب بئر حاء واشترى شاهين الجمالى هاتين الحديقتين ووحدهما وصنع حوضا بجانب بئر بضاعة وبنى مسجدا ووقف الحديقتين لتعمير المسجد المذكور والحوض والبئر سالفة الذكر.
وفى عهد الجاهلية كان ماء بئر بضاعة عديم القيمة؛ لذا كانت تلقى فيها النساء الحوائض خرق الحيض كما أن الساكنين حوله يلقون فيها الكناسة وجثث الحيوانات.
ولما توضأ الرسول وشرب من مائه وتفل أخبر أن ماءه شفاء للمرضى. ومنذ ذلك الوقت أخذ الناس يشربون من مائه راغبين فيه ويرجحونه على مياه الآبار الأخرى.
стр. 1661
ولما كان الناس يمرضون فى عصر السعادة كان النبى ﷺ يوصيهم بالاغتسال بماء بئر بضاعة، وكان الذين يغتسلون بماء هذه البئر الطاهر يشفون من مرضهم فى الحال.
٨ - بئر جاسوم:
الثامنة من الآبار التى تنسب إلى النبى ﷺ البئر التى تقع فى مكان يقال له راتج لأبى الهيثم بن التيهان ويطلق عليها. بئر جاسوم وشرب النبى ﷺ من مائها وصلى فى الحديقة التى بجانبها وللأسف ليس فى زماننا من يعرف بئر الجاسوم ولا حتى مكانا يسمى بجاسوم.
٩ - بئر جمل:
هو التاسعة من الآبار المقدسة بئر الجمل التى تقع فى ناحية الجرف وفى نهاية وادى العقيق، وعلى رواية أخرى تقع تلك البئر فى الطرف الشامى من بقيع الغرقد وسبب تسميتها إما لأن حافرها اسمه جمل أو لأنه وجد بجانبها جثة جمل. وبما أن النبى ﷺ توضأ من هذه البئر فإنه لا ينكر فضلها.
١٠ - بئر حاء:
العاشرة من الآبار المكرمة هى بئر حاء التى تقع أمام الباب المجيدى لسور المدينة. وكان النبى ﷺ كثيرا ما كان يشرف حديقة النخيل التى فيها هذه البئر يشرب من مائها ويستريح جالسا فى ظلال النخيل.
ولما كانت هذه البئر أساسا فى داخل حديقة النخيل التى يملكها أبو طلحة تصدق بهذه الحديقة لأبى بن كعب وحسان بن ثابت من جهة قرابتهما. وباع حسان مؤخرا نصيبه من الحديقة لابن أبى سفيان، فبنى فيها حضرة معاوية قصره الصيفى الذى اشتهر بقصر بنى جديلة، وبناء على ذلك ظلت بئر حاء على طرف من قصر جديلة، وكان لذلك القصر بابان يفتح أحدهما إلى الشارع والثانى إلى بيت محمد بن طلحة التميمى، وقد اندرس قصر جديلة فى زماننا وظلت بئر حاء
стр. 1662
داخل حديقة النخيل صغيرة. ولما كان ماؤها فى غاية العذوبة واللذة، اشترتها من تدعى نويرية ووقفتها مع حديقتها لأبناء السبيل، لأجل ذلك يطلق على تلك الحديقة حديقة نويرية.
وفى الطرف القبلى لتلك البئر جامع صغير وهذا المسجد الشريف فى مكان قريب من حصن المدينة.
١١ - بئر حلوة:
الحادية عشرة من الآبار المقدسة بئر حلوة التى تقع بالقرب من دار آمنة بنت سعد فى الرصيف الأيسر لباب السلام، ولكن ليس هناك من يعرف مكان هذه البئر فى زماننا.
وفى عهد السعادة كان بجوار البئر شجرة من نوع شجرة الآراك، ويقال إن النبى ﷺ كان ينام وقت الضحى تحت هذه الشجرة المذكورة.
١٢ - بئر ذرع:
البئر الثانية عشرة التى تنسب إلى النبى ﷺ هى بئر ذرع التى تقع فى قرية «بنى خطمة» التى تقع على الجهة الشرقية من مسجد العوالى. شرف النبى ﷺ قرية بنى خطمة وصلى فى دار امرأة عجوز وبعد ذلك توضأ وألقى ببصاقه فى داخل البئر. كانت بئر ذرع فى ذلك الوقت خلف مسجد بنى خطمة وموقع تلك القرية الآن بجانب الخرابة التى تسمى ما جشونية التى ما تزال بيوتها الخربة ظاهرة للعيان.
١٣ - بئر رومة:
البئر الثالثة عشرة من الآبار المحترمة التى تقع فى نهاية وادى العقيق حيث تتحد سيول الأودية والتى تعرف فى زماننا ب «بئر عثمان» بئر عثمان. والبئر المذكورة بالقرب من مسجد القبلتين وأقدم آبار المدينة المنورة.
ولا يعرف صاحبها ولا حافرها إلا أنه يروى أنها بئر قديمة حتى إن تبّع
стр. 1663
الحميرى الذى مر بالمدينة قبل الهجرة بسبعمائة سنة شرب من مائها اللطيف وأعجب به.
وفى أوائل الهجرة النبوية لم يكن الصحابة الكرام يجدون ماء غير ماءها بثمن غال للشرب. فقال النبى ﷺ «بئر مزنى-يعنى روما-ما أحسنها من بئر» وبناء على رواية قال «ما أحسنه من حفيرة حفيرة مزنى».
وأحضر صاحبه وقال له: يلزم أن تبيع هذه البئر بدل بئر من الجنة وبهذه الطريقة أراد أن يتصدق بها صاحبها، ولكنه قال «يا رسول الله ليس عندى شئ آخر لأتعيش منه» ولما أحس عثمان بن عفان بأن اليهودى لا يريد أن يعطى للنبى ﷺ متعللا بالأعذار فأرضى اليهودى بأن اشترى البئر بعشرين ألف درهم أو على قول آخر بخمسة وثلاثين ألف درهم. ووقفها. وكان قد اشترى نصف البئر أولا لأن صاحبها لم يرد أن يبيعها كلها قائلا إننى لا أستطيع أن أبيع البئر كلها مرة واحدة إذا أردت أبيع نصفها لك فلتكن لك يوما واليوم الآخر لى، وفى اليوم الذى لك لا آخذ منها ماء كما أنك لا تأخذ فى اليوم الذى لى ماء!!! وكان حضرة عثمان أخذ نصف البئر بإعطائه اثنى عشر ألف درهم. ووقفها. ولما رأى اليهودى أن المسلمين يأخذون من الماء ما يكفيهم لأربع وعشرين ساعة فى اليوم الخاص بحضرة عثمان وأصبحوا لا يشترون ماء فباع لحضرة عثمان نصفها الثانى بثمانية أو على قول آخر ثلاثة وعشرين ألف درهم وترك البئر نهائيا.
وظلت البئر زمنا طويلا عذبة الماء وكان ماؤها مرغوبا بين الأهالى وكانت تروى سكان المدينة إلا أن أبنيتها تخربت وغاض ماؤها فترة من الزمن. فجدد قاضى مكة المكرمة أحمد شهاب بن محمد المحب الطبرى أبنيتها وطهرها وذلك خلال عام ٧٥٠ هـ وبعد مائتين وتسعين سنة أى فى عام ١٠٤٠ هـ فعمرها بشكل جيد الشخص الذى تولى مشيخة الحرم النبوى وأحياها بأن غرس حولها الأشجار وبنى بجانبها مسجدا ووقفها. والآن يمر بها الفقراء ويزورونها وأحيانا
стр. 1664
يقضون بجانبها لياليهم متعبدين حتى الصباح والمسجد الذى بنى فيما بعد مكشوف الجانب من الناحية الشامية.
١٤ - بئر سقيا:
البئر الرابعة عشرة من الآبار المكرمة بئر سقيا التى فى داخل القرية التى يطلق عليها فى الجاهلية قناد وتقع هذه البئر على يسار المتوجهين إلى قرية بئر على وفى داخل حجر منحوت.
وكانت بئر سقيا قد تخربت مع مرور الأيام، ولما عمرها وجددها أحد أهل الخير من طائفة الأعاجم فى سنة ٧٧٨ هـ فهى تعرف فى زماننا ب «بئر الأعاجم» وفى الجهة الشامية من هذه البئر مبنى حيث ينصب الحجاج الكرام خيامهم ويستريحون. وكانت زوجة الرسول أمنا عائشة-رضى الله عنها-تجلب الماء من هذه البئر وكان النبى ﷺ يشرب من ماء تلك البئر.
١٥ - بئر العقبة:
وينسب ماؤها للنبى ﷺ وهى البئر الخامسة عشرة من الآبار المقدسة، يقول بعض المؤرخين إن النبى ﷺ جلس على حافة هذه البئر مدليا قدميه فيها وأجلس أبا بكر وعمر على طرفيه وعثمان أمامه. ولكن ناقل الواقعة وكان حارس النبى ﷺ فى ذلك اليوم وهو أبو موسى الأشعرى-رضى الله عنه-ينسب تلك الواقعة إلى بئر أريس فليزم أن يكون قول المؤرخين هذا غير صحيح إلا أنه يمكن أن يكون اسم بئر العقبة اسما آخر لبئر أريس، أو أن الواقعة تكررت فى البئر الثانية.
١٦ - بئر عتبة:
هى البئر السادسة عشرة من الآبار المكرمة وتقع على ميل واحد من المدينة المنورة فى جهة مكة المكرمة وفوق حرة بئر السقيا. وقد نظم النبى ﷺ ، غزاة بدر فى هذا الموضع، وفصل الأطفال عن الجيش وأعادهم إلى المدينة المنورة.
يقول بعض المؤرخين إن المسلمين فى غزوة بدر عند ذهابهم باتوا فى بئر السقيا
стр. 1665
وعند عودتهم باتوا فى ساحة بئر أبى عتبة. وماء هذا البئر أعذب من جميع آبار الوادى وتعرف بين الناس ب «بئر الوادى».
١٧ - بئر العهن:
البئر السابعة عشرة من الآبار المقدسة. وتقع فى قرية بنى أمية الأنصارى وفى أعلى جهة بالمدينة وكان قديما بجوار هذه البئر شجرة تسمى السدرة ثم قطعت هذه الشجرة وسويت أرضها وأصبحت حقلا. والبئر المذكورة فى سفح الجبل وماؤها عذب فرات، ولكن موقعها اليوم غير معلوم. ويقال إنها بئر يسيرة التى سيأتى ذكرها فيما بعد.
١٨ - بئر غرس:
هى البئر الثامنة عشرة، تقع على بعد ميل أو نصف ميل من الجانب الشرقى الشمالى لمسجد قباء. وكان الماء يجلب للنبى ﷺ من بئر غرس يوما ومن بئر السقيا يوما آخر. وقد غسل جثمان النبى ﷺ بماء بئر غرس، فقد أوصى النبى ﷺ قبل وفاته قائلا «غسلونى بسبعة قرب من ماء بئر غرس».
وعرض تلك البئر المقدسة عشرة أذرع وعرضها أزيد من طولها وماؤها عذب بارد ورجحان عذوبة مائها وأفضليته ثابتة بالحديث النبوى الشريف. إذ بين فضل مائها ومزيتها قائلا: «إننى رأيت فى رؤياى أننى سأصبح فى الصباح بجانب بئر من آبار الجنة» ولما أصبح الصبح وجدتنى بجانب بئر غرس»،وتوضأ ذلك اليوم وألقى بصاقه فى داخل البئر. وبهذا سكب ما أهدى له من العسل المصفى فى داخل البئر.
وتخربت بئر غرس، ولم تعد صالحة للشرب منها، وفى خلال عام سبعمائة جددت وبعد مائة واثنين وثمانين عاما اشترى السيد حسين بن الشهاب أحمد القاوانى ما حول البئر من حقول وأحاط البئر بسور وصنع حديقة للنخيل وأنشأ سلما للنزول فى البئر وبنى مسجدا وفتح طريقا واسعا للدخول إلى المسجد من الخارج ثم وقفها للمارين وعابرى السبيل. ظلت تلك الحديقة المذكورة عامرة ما
стр. 1666
ما يقرب من مائة وثمانية عشر عاما. وانتفع المارة والعابرون بها ودعوا لواقفها ولكن للأسف قد سد طريقها الخارجى فأبطل وقف حسين بن الشهاب.
١٩ - بئر القراضة:
التاسعة عشرة من الآبار المباركة بئر القراضة. وهذه البئر فى داخل حديقة والد جابر بن عبد الله الواقعة فى الجانب الغربى لمسجد الفتح. قد توضأ النبى ﷺ بماء هذه البئر وصلى فى ساحة مسجد الخربة.
معجزة:
عندما مات والد جابر بن عبد الله كان قد ترك ديونا كثيرة وترك أمر تسديد هذه الديون لجابر. فأراد جابر أن يعطى حديقة نخيل بئر القراضة بثمارها للدائنين. إلا أنه لم يستطع أن يرضى الدائنين بهذا الشكل، فحكى الموضوع للنبى ﷺ بشكل يثير رحمة السامع واستمد العون من النبى ﷺ . فما كان من الرسول ﷺ إلا أن ذهب إلى حديقة بئر القراضة وألقى بصاقه المبارك فى البئر ودعا الله أن يخلص جابرا من دين أبيه عبد الله، وبناء على ذلك زادت محاصيل تلك الحديقة سنة بعد سنة وكانت سببا فى تسديد الديون. ولكن لشدة الأسف فتلك الحديقة انتقلت من يد إلى أخرى، مع مرور الزمن وأهملت حتى لم يبق أحد يعرف مكانها فى زماننا.
٢٠ - بئر القريضة:
هى البئر العشرون من الآبار المنسوبة إلى النبى ﷺ . ويحتمل أن تكون هى بئر القريضة التى تقع بالقرب من بئر القراضة، أو أن القريضة تصغير القراضة، وعلى ذلك تكون كلتاهما بئرا واحدة، ويروى كذلك أن خاتم النبى ﷺ وقع فى هذه البئر.
٢١ - بئر اليسيرة:
هى البئر الحادية والعشرون من الآبار المنسوبة إلى النبى ﷺ ويسيرة بمعنى
стр. 1667
سهلة. قيل إن النبى ﷺ جلس على حافة بئر فى قرية بنى أمية ابن زيد، وسأل عن اسمها، فقالوا «عسيرة» فأجاب قائلا: «كلا كلا يسيرة إن شاء الله».
وتفل فيها ودعا لها بالخير والبركة وتوضأ وهذا وجه تسميتها-قال فاضل العشقى.
لينظم القلم الدر فى سمط الشعر وليجعل للمصطفى ألف بئر
ومن بئر أعواف بضم الهمزة ومن بئرى أنا اشرب
وكذا من بئر أنس وهو النبى من صحب
وكذلك بئر إهاب وبصة وبئر بضاعة وماؤها شفاء
ذكرت كذلك بئر جاسوم والجمل رفعت عن سرها الخفاء
وكذا بئر حاء حلوة وبئر ذرع ورومة
فلتذكر وادع الله إن كنت عن بئر السقيا تخبر
وبئر عهن وعقبة وبئر عنبسة
وبئر غرس إذا ما ذكرن ذلك
أما بئر قراضة وقريضة وبئر اليسير
كلها ما سمعت ولا رأيت من ينكر فضلها
وقد ثبت أن عدد الآبار غير المكررة تسعة عشر بئرا ولكن مع مرور الزمن لم يبق أحد يعرف مكان اثنتى عشرة منها فحصر أهل المدينة الآبار المأثورة فى سبعة آبار. وأسماء تلك الآبار فى الأبيات الآتية. لمؤلفه العبد لله.
نظم
فى المدينة يا صاح (١) ... سبع من الآبار
ولها بريق النبى المبارك إيثار
стр. 1668
لبعض غرس، ورومة، بضاعة أسماء ... ومنها العهن ومنها البصة ولا يشرب من مائها الأشرار
منها بئر أريس وبئر حاء ولهما باسمهما شهرة ... يمتد لهما أهل المدينة كل مرة
وكلما تباعد عصر السعادة زاد سكان المدينة واقتضى تطور المزروعات-بناء على حاجة الناس-حفر المزيد من الآبار؛ فحفر الأسلاف فى جوانب المدينة الأربعة كثيرا من الآبار، واستصلحوا الأراضى لتكون صالحة للزراعة وأنبتوا كثيرا من المزروعات. وكما كانت هذه المزارع منها قوية خصبة ومنها ضعيفة قليلة الإنتاج بالنسبة لبعضها البعض، وكانت الآبار كذلك منها ما هو عذب الماء ومنها ما هو مر الماء مالح. والآبار المشهورة اليوم بئر قويم، بئر العباسة، بئر صفية، بئر البويرة، بئر العصبة، بئر العسيلية، بئر المبعوث، بئر رومة، بئر قطعة، بئر مغيسيلة، بئر فاطمة، بئر عروة.
وبئر قويم مع بئر عباسة وبئر صفية وبئر البويرة فى قرية قباء ومياه بعضها ألذ وأعذب بالنسبة للأخرى. وبئر عسيلية من آبار قرية العوالى. وليست فى هذه القرية بئر ماؤها أعذب من ماء بئر عسيلية، وبما أن بئر مبعوث فى الجهة القبلية من ناحية عريضى وفى وسط مجرى سيل مهزور فهى أعذب الآبار فى الحرة الشرقية على الإطلاق وأعظمها، وبئر رومة من الآبار القديمة وقف عثمان بن عفان.
وبئر فاطمة ألطف ماء من جميع الآبار، وبئر عروة أعذب ماء من جميع الآبار والعيون والمياه الجارية. وبما أن هذه البئر فى مجرى وادى العقيق كان الأهالى يهدون ماءها للملوك لعذوبة مياهها كما أن أصحاب المزاح يدعون أن ماءها ألذ وأعذب من ماء عين زرقاء.
стр. 1669
الأراضى المزروعة:
تقع مزارع المدينة المنورة فى الجهة القبلية منها، وإن كانت فى جهاتها الأخرى أراض مزروعة. إلا أن جميع أراضى الجهة القبلية صالحة للزراعة.
يا ترى هل لاتصالها بالحرة؟ أو لسبب آخر؟ إن أراضيها سبخة وترابها أبيض، فإذا مزجت بقدر من السماد يكثر محصولها ويكون نبتها أكثر إنتاجا.
والأراضى الموجودة فى الناحية الغربية أى الأراضى الممتدة من الجرف إلى عيون والتى فى وادى العقيق رملية ولكن بعض أراضيها ممتزجة بالطّين لينة مثل أرض العيون فى الجهة الشامية. فمحاصيل مثل هذه الأراضى وافرة، يروى أن أراضيها تنتج فى السنين التى تنجو من الآفات السماوية ثلاثين ضعفا على واحد.
والجهة الشرقية أى محاصيل ناحية عريضى وما حواليها إن مدت بالمياه وسمّدت تكون من غير تبن. ومع هذا ففى الأراضى التى تقع فى الظل يؤخذ منها تبن فقط.وهناك وقت لا يؤخذ منها حتى التبن.
стр. 1670
فى ذكر العيون الصافية التى تنسب
إلى النبى ﷺ
إفادة خاصة:
يطلق أهالى المدينة على المياه التى تجرى من الآبار من تحت الأرض عينا وجمعها عيون.
إن إنبات النخلة بدون ماء محال، ولما كان التمر والبلح هو القوت الذى يحفظ الحياة على أهل المدينة وبناء على أنه لا توجد مياه جارية تجرى من الجبال القريبة التى تحيط بالمدينة إلى الأراضى المسطحة فحفر الأهالى قديما الآبار فوق الجبال البعيدة العالية، وأجروا ماءها إلى أطراف المدينة فأنشئوا حدائق كثيرة. ولما ازدادت الحاجة إلى الماء كلما زاد عدد السكان فزادت جداول المياه الجارية على قدر اتساع العمران وما زالت تزيد.
والآن كلما احتاجوا جلب المياه إلى مكان ما حفروا بئرا فى مكان مرتفع جدا وعندما يصلون إلى مائها يحفروا فى أسفل منها بئرا أخرى. ويحفرون مجرى تحت الأرض بين البئرين ويجرون ماء البئر الأولى إلى البئر الثانية وبهذه الطريقة يحفرون فى كل أربعين خطوة بئرا ويجرون مياهها بعضها إلى بعض متسلسلا حتى يوصلوها إلى مستوى المحل ومن هنا يحفرون المجارى فوق سطح الأرض ويروون الأماكن التى يريدونها ولما كانت عادة الأهالى توفير المياه لرى الحدائق بهذه الطريقة فى المدينة فوجدت عيون المدينة بهذه الطريقة.
الوجبة: لما كان إجراء الماء من الجبال البعيدة بالطريقة التى سبق ذكرها يحتاج إلى رأس مال كبير وهذا يتوقف على ثروة وغنى مال. لا يقدر على ذلك فرد
стр. 1671
بذاته ومن هنا كلما احتاجت جهة ما لجلب الماء تكونت شركة من أصحاب الأراضى التى فى تلك الجهة. وتقسم هيئة تلك الشركة ما تحت أيديهم من حدائق النخيل إلى أربع وعشرين حصة كما أنهم يقسمون كل حصة إلى أجزاء ويبيعونها. ولما كان بيع الحصة خارج أفراد الشركة غير ممكن يشترى أفراد هيئة الشركة هذه الحصص وبهذا الشكل يهيئون رأس المال اللازم وعندئذ يجرون الماء بعد عمليات الحفر فوق السطح وبعد أن يحفروا مجرى عظيما، يفتحون جداول خاصة لأراضى أصحاب الحصة ومهما كانت أجزاء الحصة فمجموعها تعد ساعة واحدة ولمثل هذه الساعة تطلق وجبة.
وكل شخص يملك عددا من الوجبات من أصحاب الأراضى الذين حصلوا على الحصص بمعرفة الشركة المتشكلة يستطيع أن يحصل على ماء بقدر ما يملكه من الوجبات.
ومع هذا فبعض الوجبات عبارة عن ثلاثة أو أربعة أجزاء وكل جزء من هذه الأجزاء فى يد شخص واحد بناء على هذا التقدير يقتضى الأمر ألا يستطيع أن يأخذ مثل هؤلاء من أصحاب النخيل من الماء فى كل أربع وعشرين ساعة إلا فى فترة ربع ساعة. وبما أن ما يملكونه جزءا صغيرا فيمكن سقيه فى هذه الفترة بهذا المقدار من الماء. انتهى.
١ - عين كهف حرام:
كان هذا الماء فى غار بنى حرام الواقع فى الجانب الغربى من جبل سلع.
والآن أمام مسجد النبى ﷺ وفوقه قبة مكملة؛ كان النبى ﷺ عندما وقعت غزوة الخندق يتوضأ من عين كهف بن حرام ليلا ثم يدخل فى غار بنى حرام حيث يبيت.
٢ - عين الخفيف:
هذا الماء كائن فى وادى ناحية السّنح ويرد من عوالى المدينة.
стр. 1672
وبناء على قول ابن النجار ان هذا الماء يتفجر من تحت صخرة ويسقى مزارع ناحية السّنح التى فى جدار مساجد الفتح. وانقطع هذا الماء مؤخرا وأضرّ انقطاعه أصحاب المزارع وإن كان شمس بن زمن حفر طريقه وطهره قرب منبعه الذى فى جهة قرية قباء إلا أنه لم يوفق لجفاف منبعه.
٣ - عين الأزرق:
هذا الماء أمام مصلى العيد (أى المسجد النبوى) وتحت قبة كبيرة. ومنبعه الأصلى بئر فى داخل حديقة الجعفرية وعلى الجهة الغربية من المسجد الشريف.
ولما كانت مياه هذه العين تقوم عليها حياة أهل المدينة أوصلها مروان بن الحكم إلى المدينة وبنى أمام مصلى النبى ﷺ موضع تقسيم عظيم وبهذا العمل قسم المياه إلى محال المدينة فتجرى المياه أولا من هذا المقسم ويسقى بيوت الجهة الشرقية ابتداء ثم الجهة الشمالية ثم الجهات الأخرى من منازل المدينة.
٤ - عين النبى:
كان هذا الماء بناء على قول ابن النجار بئرا بجانب غار بنى حرام.
واندرس مجراه وانقطع ماؤه مع مرور الزمن. ولكننا إذا ما وفقنا بين الروايات المتخالفة يلزم أن يكون شرعة مقسم عين النبى وكانت هذه الشرعة معروفا بمقسم عين الأزرق وتذكرنا أن منهل ماء الذكر شرعة عين النبى فإن ماء منبع عين الأزرق عندما جلب من قرية قباء إلى المدينة قد عثر على ماء عين النبى ووحّدا وهذا غير بعيد من الاحتمال.
وقد فتح الأمير سيف الدين حسين بن أبى الهيجاء فى خلال سنة ٥٦٠ هـ مجرى من مقسم عين الأزرق إلى باب المصلى وباب مصر ليحصن المدينة.
وأوصل هذا المجرى إلى باب السلام وبنى مقسما صغيرا أمام مدرسة زمنية وفرق الماء إلى المنازل التى تقع فى هذه الجهات، ثم أجرى الماء الزائد بواسطة مجرى حفره إلى مناهل المحلات التى حول سوق العطارين ثم طاف بالمجرى المذكور
стр. 1673
خلف المدينة فى الجهات الشرقية والشمالية حتى أوصله إلى الساحة الرملية لمسجد السعادة حيث الفسقية وألقى مقدارا من الماء لإدارة هذه الفسقية. وصنع مقسما وبنى فوقه عقدا وأنفق فى ذلك نقودا لا تعد ولا تحصى.
٥ - مسير العين:
هذه العين تصبّ فى عين يطلق عليها عيون حمزة وهذا الماء أيضا ينفصل من مقسم عين الأزرق ويجرى إلى القرب من سور المدينة بالمجرى الذى فى الجهة الشمالية ويصل من هنا إلى الطرف الشرقى من ساحة حصن الأمير الرملية حيث يسكن أمير المدينة ومن هنا إلى المقسم الذى بجانب مشهد النفس الزكية، وتتحد بعد ذلك بمجارى العيون الأخرى وتصب فى الحوض الذى ينصب بجانبه حجاج الشام خيمهم. وإن أهالى المدينة يعتقدون أن الماء الذى يطلق عليه عيون حمزة قد أجرى من قبل حضرة معاوية-رضى الله عنه-إلا أن الماء الذى أجراه معاوية رضى الله عنه-قد خرب مجراه ونضب ماؤه. ومع هذا فالماء الذى جلبه يمر من الجهة الشامية من جبل سلع ويصب فى المقسم الذى بجانب مسجد الراية.
ويخرج من هناك ويمر من الجهة الغربية لمساجد الفتح ويتوجه إلى منهل الأمراء.
وبناء على ذلك فاعتقادات الأهالى فى هذا الخصوص كانت واهية والآن قد قضى على هذا الرأى وتبينت الحالة الحقيقية.
غريبة:
يروى عن جابر بن عبد الله أن معاوية-رضى الله عنه-أمر عامله فى المدينة بسرعة إجراء هذا الماء فأجابه قائلا لا يمكن إجراء هذا الماء ما لم يمر بقبور الشهداء فأمره بنبش قبور الشهداء ونقل أجسادهم إلى مكان آخر، وبناء عليه فتح العامل القبور ونقل أجسادهم عامة حتى إن قدم حمزة-رضى الله عنه-أصابها فاس فدميت.
٦ - عين الوادى:
هذه العين بجانب ضريح حضرة حمزة-رضى الله عنه-ولكن ماءها انقطع
стр. 1674
مع مرور الأيام. وبناء على قول بدر بن فرحون، أن الشهيد نور الدين هو الذى أجرى أولا هذا الماء وعمره بعد الخراب وأجراه الأمير ودى. وإن كان الماء الذى جلبه حضرة معاوية-رضى الله عنه-فى داخل هذا الوادى إلا أنه غاب تحت الرمل مع مرور الزمن وخربت مجارى الاثنين ولم يبق لهما اسم ولا أثر.
وما زالت خرابتهما ظاهرة للعيان.
كانت أسماء ومنابع المياه التى ذكرت إلى الآن فى الأوائل مختلفة. ثم جمعت كلها وأوصلت إلى المقسم الذى صنعه مروان بن الحكم. ثم وزعت على مناهل محلات دار الهجرة. فأصبح اسمها كلها عين الزرقاء ولا يوجد فى المدينة المنورة ماء غير عين الزرقاء كان اسم عين الزرقاء القديم عين أزرق لأن مروان بن الحكم الذى جلب هذا الماء أزرق العينين وصادف ظهور هذا الماء لوقت ولايته؛ لذا أسموا الماء علين الأزرق وتسمية هذا الماء بهذا الاسم لا بأس به من قبيل تسميته الشئ باسم موجده.
وإن كان أهل المدينة قد حلّت مشكلة الماء بالنسبة لهم بعد أن جمعت المياه كلها فى عين واحدة هى عين الزرقاء إلا أن طرف عين الزرقاء لم تعمر لمدة طويلة وملأت السيول مجرى الماء بالرمال وخربته، فأصبح الناس بدون ماء مرة أخرى. وبناء عليه احتاج أهل المدينة لتضحيات كثيرة لجلب الماء من وادى العقيق.
وعرض الأمر على السلطان سليمان فالتزم السلطان جانب إراحة أهالى المدينة بأى صورة كانت.
صدر الأمر السلطانى بذلك فعمرت طرق عين الزرقاء تعميرا جيدا وعمق مجراها القديم وطهر وهكذا أنقذ أهل المدينة من خطورة قلة الماء فى سنة (٩٣٢ هـ) ولكن السيول المفزعة التى تظهر من حين لآخر والتى توقع أهالى الحرمين فى بحار الاضطراب خربت مرة أخرى مجرى عين الزرقاء فاشترى السلطان مراد خان فى سنة ٩٩٠ بئر غربال التى تزيد على عين الزرقاء بعشرة
стр. 1675
أمثال وضمها إليها كما أن المهندس سليمان بك الذى أمر من قبل السلطان مصطفى بن السلطان محمد خان بتعمير مسجد السعادة فى سنة (١١١١) اشترى بئر العقد بأمر من السلطان وضمها لعين الزرقاء وطهر مجرى عين الزرقاء إلى وادى جرف. كما أن أمير الإسطبلات السلطانية مصطفى أغا عمر طرق المياه فى صورة منتظمة وذلك فى عهد السلطان مصطفى بن السلطان أحمد خان. وقد عرض أمر سكان المدينة الذين لن يتحملوا لمدة طويلة شح الماء على السلطان عبد المجيد، ولما كان كل أمل السلطان ألا يتعرض أهل الحرمين الشريفين لأية مضايقة، فأمر بتطهير المجرى المذكور فى صورة كاملة.
ورصد لهذا الخصوص مبالغ طائلة وعين الموظفين المخصوصين وأرسلهم إلى المدينة. ولما وصل هؤلاء الموظفون إلى المدينة المنورة عاينوا وتفقدوا مع السادات والأعيان مجرى العين وقرروا البدء فى تطهيرها من جهة بئر خاتم، ولما كان فى هذه الجهة خمس عشرة حديقة فإذا ما طهر المجرى من هذه الجهة بناء على رأى سادات المدينة وأعيانها كان الأمر يقتضى قطع ما يقرب من مائة نخلة كثيرة الثمار وسيؤدى ذلك إلى خراب الحدائق وينتج عنه انقطاع الماء ما يقرب من ستة أشهر، وهذا سيزعج الأهالى ويضرهم، وعلى ذلك اعترض الموظفون على هذا الرأى واستصوبوا أن تتخذ بئر المرحوم على أغا الطويل وحفر مجرى جديدا بحيث لا يضر ذلك أحدا.
وأقنعوا بهذا الرأى عامة الأهالى وقرروا على أن يبدءوا فى الحفر بناء على النهج.
وهكذا أصبحت بئر على أغا الطويل المنبع الجديد لعين الزرقاء وكانت البئر داخل بستان يسمى عذق وتحت قبة خاصة.
وبناء على القرار المشروح شرع فى حفر المجرى يوم السبت السادس من ربيع الأول سنة ١٢٦٢ من بئر المرحوم عثمان أغا ووحدوا المجرى الذى حفروه ببئر خاتم التى فى بستان محمد باشا ومياه بئر الغربال التى فى داخل الرباط الذى أمام
стр. 1676
مسجد قباء وبمياه بئر أهل القلعة وفتحوا طريقا فى غاية الوسع والعمق. وكانت فى طريق المجرى الجديد بعض أشجار النخيل فلم تقطع ولم تقع فحفروا تحتها بعض الأنفاق وبنيت عليها عقود رصينة ومتينة.
ووسع المجرى القديم الذى كان فى غاية الضيق قدر مرور شخصين أو ثلاثة بجانب بعض وصنعت على غاية من المتانة وأنهى العمل بدون أن يتضرر إنسان.
فرطب جميع أهل المدينة ألسنتهم بالدعاء لوالد الخليفة كثير المحامد. وكانت المنافذ فى المجرى القديم لدخول المارين وخروجهم أقل مما يحتاج إليه، ولما ثبت أن هذا كان سببا من أسباب خراب المجرى فأضاف الموظفون عشرة منافذ من بئر على أغا إلى البركة فبلغ عدد المنافذ إلى مائتين وعشرة ويطلق بين الأهالى على هذه المنافذ قصية ولكى لا يمتلئ المجرى بالرمال التى تجلبها السيول أحاطوا كل منفذ بجدار فى ارتفاع ذراع معمارى على طراز حافة البئر.
وفى المدينة غير مجرى عين الزرقاء مجرى آخر لرى البساتين بالماء، ولما كان هذا المجرى أيضا بالغ الأهمية فقد طهر وعمق على القدر المطلوب.
وطول مجرى الماء العذب من بئر على أغا إلى باب القلعة ٥٠٥ ذراع معمارى ومن باب القلعة إلى مشرع البركة ٥٨٥٧ ذراع معمارى وطول مجرى الماء العذب الذى تسقى منه محلة الأغوات من البركة ٩٣٩ ذراع ومجرى الماء المر ٩٣٣ وطول مجرى الماء العذب من المناخة إلى باب السلام ٥٩٠ ذراع وطول مجرى الماء المر ٧٠٠ ذراع والمجرى المستقيم من مشرع البركة إلى المنبع القديم ٧٢٢٩ ذراع والمقنطرات لتقسيم المياه إلى الميلة الخالية من العمارة ٦٠٠ ذراع. وطول المجرى المحفور عامة ٢٣١٢٣ ذراع و ٧٢٩ ذراع من هذا المجرى الطويل حفر لسقى المساجد والآثار والمدارس.
والمجرى الذى ذكر طوله يحتوى على ٣٦ بركة وعينا وسبيلا عشرة منها فى مجرى محلة الأغوات. وأربعة منها فى مجرى باب السلام. واثنتان منها فى مجرى المناخة، واثنتان فى مجرى القلعة، وثلاث منها فى مجرى سيدنا على العرضى والباقى بالقرب من بركة مشرع.
стр. 1677
وجعلوا السبل الموجودة فى المناخة وسبل أخرى فى القلعة خاصة من أجل النساء والمياه الزائدة التى تبقى من هذه السبل تجرى ناحية وادى جرف لرى حدائق النخيل التى فى تلك الجهات.
الأسبلة: فى المدينة ثمانية عشر سبيلا إضافة إلى مناهل عين الزرقاء، وهى التى صنعها أصحاب البر والخيرات وهذه مواقع تلك الأسبلة:
١ - سبيل فى المناخة فى شارع العنبرية
٢ - سبيل بالقرب من منزل أمير آلاى أحمد بك
٣ - بجانب منزل سيد جعفر
٤ - بجانب مسجد مصلى (١)
٥ - بجانب مصلى الإمام المشروطة.
٦ - بجانب مركز شرطة الخالدية.
٧ - بجانب الباب المصرى (٢)
٨ - بجانب مركز شرطة باب الصغير
٩ - بجانب منزل ذى النون أغا
١٠ - بجانب بيت الخليفى
١١ - بجانب وكالة الشريف شدقمى
١٢ - بجانب الباب الشامى
١٣ - فى حارة حرازى
١٤ - تحت ميقاتى باب السلام
١٥ - فى ديار عشرة
١٦ - بجانب رباط العجم (٣)
١٧ - بجوار زاوية سمان
стр. 1678
١٨ - بجانب باب الرحمة
١٩ - بجانب باب الجمعة.
المياه المرة:
يقال على المياه المرة بين الأهالى العين السلطانى. ويأتى هذا الماء من قرية قباء ومن تحت مجرى عين الزرقاء إلى البلدة الطاهرة وبعد أن يطهر مع مياه المجارى والبالوعات التى حول حرم السعادة يتحد مع فائض مياه عين الزرقاء وتجرى نحو الحدائق، ولعين السلطان منهل بجانب جبل ذباب وبالقرب من ساحة مسجد الراية التى يطلق عليها قرين التحتانى.
ومجرى هذا المنهل ينقسم إلى ثلاثة جداول فى الجهة القبلية وفى النقطة التى تتصل بمجرى أبو جيدة ويسقى أحد هذه الجداول حديقة الصدقة التى تصرف فيها شركة سيد علوى سقاف والثانى الأراضى التى تملكها شركة سيد هاشم جمل الليل والثالث البساتين التى فى الجهة الشامية من وادى ذباب.
وإن كانت هذه المياه كافية لدفع حاجات أهالى البلدة الطاهرة، إلا أنها لا تقدر على سقى الحدائق التى أنبتت خارج السور تماما، ومن جهة أن الأراضى التى تستصلح والحدائق تزيد يوما بعد يوم باطراد مع زيادة السكان فهيئت المياه المذكورة وخرجت إلى خارج المدينة وما زالت توصل؛ ومن هنا فجميع المدينة المنورة نجت من الحاجة إلى المياه.
المياه التى فى الجهة القبلية من بلدة الرسول:
وإن لم يكن منبع العين الكبيرة معروفا إلا أن مبدأ مجراها بجانب حديقة تسمى مرجلين. وحديقة مرجلين وسط الربوة التى تصادف الطرف الشرقى فى سيل وادى رانوناء والذى يجرى من قرية قباء فى الجهة الغربية من ناحية بطحاء إن الأراضى التى فى الجهة القبلية من مهجر الرسول أكثرها صخرية ومواقعها المستوية كلها أشجار النخيل وبما أنه لا يمكن نقب وثقب هذه الحجارة والصخور بحفر جدول وإجرائه من بين أشجار النخيل فإنه لا يوجد فى هذه الجهة ماء غير
стр. 1679
العين الكبيرة. ولأجل رى هذه البساتين فى فصل الصيف يعتمدون على آبار قباء وقربان. إلا أن المياه تتكاثر فى الشتاء ولا تمس الحاجة إلى الآبار. والحدائق التى زرعت وتزرع فى تلك الجهات تنبت العنب والرمان والليمون الحامض والحلو، الموز، والخوخ، الكباد شمام الشجرة، والتين الأفرنكى والأشجار المختلفة ومن الأزهار الورد والفل والحبق والأزهار الأخرى التى تزين الحدائق والبلح الذى تثمره نخيل هذه الأراضى يرجح على جميع أنواع البلح التى فى الجهات الأخرى. وسبب ذلك عذوبة مياه قرى قباء وقربان، وإن كانت مياه قرية العوالى عذبة أيضا إلا أن أراضيها غير صالحة لإنبات الأشجار والأزهار وأراضى هذه الجهات صالحة لزراعة النخيل وشجرة النبق والحبوق المتنوعة وتبعد هذه القرى الثلاث عن المدينة خمسة أذرع وتستغنى أشجار النخيل التى تنبت هنا عن الرى وأكثر هذه الأشجار ملك عربان صيارين وجزء منها ملك أهالى المدينة.
يمضى عربان الصيارين الصيف فى هذه الحدائق وفى الساعة التى يأخذون فيها محاصيل البلح ينقلونها إلى بلادهم. وقد شغف الناس بزراعة النخيل فى أيامنا هذه فى هذه الجهات، ولو استمروا على ذلك عاما أو عامين على زرع النخيل، لاتصلت الحدائق بالسور الخارجى للمدينة.
أما إذا ما تحدثنا عن مياه الجهة الشرقية فنجد أن الجهة الشرقية للمدينة أرض صخرية ومن ثم يجرى ماء هناك إلا نهير وادى القناة، ويسمى هذا النهير مسيل حمزة ومن مجراه يتشعب أحد عشر جدولا، وبعض هذه الجداول جارية وبعضها الآخر نضب ماؤها وخربت مجاريها، والنخيل الذى فى الحدائق إنما يسقى بماء المطر كالأشجار التى تنبت طبيعيا، لأجل ذلك لا يستفيد أصحاب هذه الأراضى منها.
والأراضى التى بين الحرة الشرقية وسور المدينة لا تنبت زرعا، وهى أرض سبخة، وإن كانت فى الواقع فى هذه الجهة من المدينة أشجار مثمرة مثل أشجار
стр. 1680
النخيل والسدر والرمان، وهذه الأشجار فى ناحية باب الجمعة من السور وفى عدة حدائق.
والمسافة بين داخل السور والموقع الذى يطلق عليه «دشم» من الحرة الشرقية ألفا ذراع (١).
والمياه التى فى ناحية الشام هى:
عين الأغوات:
وهذا الماء ملك أغوات الحجرة المعطرة ومن لهم حصص فيه، وبعد أن يسقى حدائقهم يروى حدائق الأهالى التى بجانب جبل ذباب.
عين سيد هاشم:
هذا الماء على يسار الذاهبين من المدينة إلى بئر عثمان وفى الجهة الغربية من عين الأغوات وقد أجراه سيد هاشم جمل الليل وبعض الأهالى فى سنة ١٢٩٩ هـ،وعين الأغوات من مجموع المياه التى أجريت فى تلك السنة.
عين الصدقة:
هذا الماء فى جزع الصدقة الواقع فى الجهة الشرقية من عين الأغوات وعين سيد هاشم وملك السيد علوى السقاف وشيخ الفراشين برى أفندى وكاف لسقى ألفين من أشجار النخيل الموجودة.
العين الجديدة:
هذه العين على بعد ربع ساعة فى الجهة الشامية من المياه المذكورة وإن كان صاحبها شيخ السادات العلوية سيد حسن بافقى أفندى والذين لهم حصص فيها.
فامتلأ منبعها وجف، مبدأ جريانه الذى فى حرة المستراح.
عين عامرة:
هذا الماء منسوب لشركة موسى أفندى وفى اتصال أراضى أصحاب العين
стр. 1681
الجديدة. ويسقى حديقة السرائية وفى هذه الحديقة غير الرمان والتين ثلاثة آلاف نخلة.
عين الحازمية:
ماء الحازمية فى ناحية أراضى الحديقة التى ترويها عين عامرة. وفى الطرف الغربى منها. والحديقة التى يسقيها هذا الماء تشتمل على ألف وخمسمائة نخلة وملك السيد مدنى المنوفى وصاحب الحصص. ونصف هذه العين يسقى حدائق السيد مدنى وبنى على أيضا.
عين مصرع:
تروى هذه العين ألف نخلة، ولما خرب مجراها قبل ثلاثين سنة انقطعت.
تلك العين المذكورة ماء قديم ما يقرب من خمسمائة عام كانت تسقى أراضى الشريف ورى التى أمام وادى القناة والتى تمتد على يمين ويسار الطريق الذى من المدينة إلى مشهد حمزة. وفى فترة ما اشترى معظم هذه الأراضى السيد عبد الواحد المدنى وأراد أن يشترى الباقى من شريكه بنى على. إلا أن بنى على لم يرضوا بيعها وحاولوا بأنفسهم أن يطهروا المجرى فلم يستطيعوا؛ وقل الماء، وتوفى السيد عبد الواحد فبيعت حصته من قبل ورثته إلى السيد مدنى. وأراد السيد المدنى أن يشترى الماء الذى أراد شراءه عبد الواحد من بنى على فلم يوفق فى ذلك. وترك مجرى عين مصرع التى لم يستطع بنو على تعميرها فى حالة متخربة وفتح الماء الذى يخصه مجرى آخر واشترى من أجل سقى أراضيه التى فى مصرع ثمانى وجبات من الماء من عين الحازمية، واشترى بنو على ثلاث حصص ونصف حصة من الماء من عين الحازمية واضطروا لرى الأراضى التى يمتلكونها فى عين مصرى.
إن ما قام به السيد المدنى من محاولة غير لائقة أدت إلى جفاف نهير كان يجرى من خمسمائة عام.
стр. 1682
عين شربونى:
هذا الماء فى سفوح جبل أحد الذى يقع فى الجهة الشامية من مسيل حمزة، وبما أن مجراه قد خرب فانقطع ولم يبق فى الحديقة التى كان يسقيها إلا خمسون نخلة وشجرة سدر.
عين الثنايا:
يطلق على هذا الماء عين معاوية أيضا، وهى فى الطرف الغربى لمسجد حمزة وهى تحت إدارة أبى السعود أفندى الداغستانى المفتى السابق وأصحاب الحصة فيها، وتوجد فى الحديقة التى تسقيها غير الأشجار المثمرة المتعددة أربع آلاف نخلة.
عين السلامة:
هذه العين فى الطرف الغربى لعين الثنايا وتحت إدارة شركة أبى السعود أفندى ومجراها من أعظم مجارى مياه المدينة وأقواه وأسلمه وما تسقيه من الأراضى أجود محصولا من أراضى المواقع الأخرى، وتسقى ما عدا أشجار التين والليمون، والرمان ما يقرب من خمسة آلاف من أشجار النخيل.
عين غرابية:
هذا الماء فى غرب عين سلامة واسمه الآخر عين جنانية، إلا أن مجراه خرب ولما كان ملاكها متخاصمين انقطعت العين عن الجريان. ولم يبق فى الحديقة التى كانت تمر منها إلا ألف وخمسمائة نخلة.
عين سيد عبد الله: وماء سيد عبد الله، فى الطرف القبلى لعين غرابية وفوق مسيل الوادى وكان يمتلكها كاتب الخزينة النبوية المرحوم سيد عبد الله جعفر أفندى وتروى حديقة تحتوى على سبعمائة نخلة.
إخطار:
تتجمع مياه أسبلة حمزة سبيل أبى جيدة وسبيل رانوناء، وسبيل عقيق وتلتقى فى نقطة واحدة وتجرى معا فى مجرى واحد إلى وادى الغابة،
وأراضى
العيون التى تسيل فيها مجتمعة قسمان:
стр. 1683
١ - القسم الأول:
سفوح جبل أحد الشرقية، والجهة التى يمتد إليها الوادى المذكور إلى موقع الحيدرية يقال لها الجزع الشرقى.
٢ - القسم الثانى:
الجهة الغربية من الوادى يطلق على هذه الجهة جزع الصادقية.
جزع الصادقية: من يريد أن يذهب إلى جزع الصادقية بطريق البركة إلى الصادقية ومن يريد أن يذهب إلى الحيدرية يدخل فى شارع الجزع الشرقى، ويذهبون إلى الحيدرية من بين حدائق عين سلامة وعين غرابية. انتهى.
وما عدا الحدائق التى ذكرت أعلاه خمس وثلاثون حديقة أخرى تحتوى على ثلاث آلاف وخمسمائة نخلة مثلها من العيون والعيون التى انقطعت مياهها والتى ينتظر أن يجرى ماؤها فى خلال سنتين أو ثلاث والتى لم يغرس نخيلها خارج هذا الحساب. ولما كانت هذه العيون والحدائق على الجهات للأربعة لمدينة الرسول، فإذا ما أبعدت عن المدينة مسافة خمس أو ست ساعات وسقيت بالعيون التى ما زالت جارية الحدائق التى انقطعت مياهها وأشجار النخيل المغروسة فيها كثيرة بحيث تحير العقول. وغير هذه الحدائق حدائق متعددة منتظمة فى الجهة الشامية خارج سور المدينة وبساتين إلا أنها تروى بمياه الآبار وإذا ما قورنت هذه الحدائق بالحدائق التى تروى بالمياه الجارية فهى أقل من القليل لأن الحدائق التى فى هذه الجهة من البلدة الطاهرة تروى وتسقى بالمياه الجارية أى من الجداول والعيون.
ولكن قد حفر كثير من الآبار حتى لا تترك الحدائق والبساتين دون ماء حينما يشح الماء فى العيون.
الحدائق القريبة من سور المدينة فى الجهة الشامية من البلدة المقدسة هى:
الداودية، حديقة ألزكى، السبيل، بضاعة، بضيعة، الطرناوية، الفيروزية، الزينية، الدرويشية، بئر حاء، بئر حاء الصغيرة، التوانيه، الجودية، الكاتبية، السمانية،
стр. 1684
عبد الجليل برادة أفندى، الروميه ولم يفصل بين السور والحدائق غير طريق واسع وقد اتصلت الجهة الشامية من هذه الحدائق حتى حصة الصدقة وشملها العمران. وفى كل حديقة قصور عظيمة مرتفعة والدواوين والأحواض التى تملأ بالدلاء وتنبت فيها ثمار وفواكه مثل البلح والعنب والرمان والتين والسدر وأشجار مثمرة أخرى. والقسم الأعظم من محاصيلها ملك أغوات حرم السعادة.
وإن كان فى الجهة الشرقية من المدينة المنورة كثير من حدائق النخيل والبساتين إلا أنها ليست جميلة مثل الحدائق القريبة من السور. ولكن فى الحدائق التى خارج باب قباء مبان ساحرة وإن كانت فى الجهة الشامية من المدينة، نحو جبال الغابة فى طول خمسة وعشرين ألف ذراع من الأراضى إلا أن معظمها غير مزروع، واستصلاح هذه الأراضى يحتاج إلى حفر آبار وإعداد عيون. وقد كثرت مجارى وقنوات الأنهار التى فى الجهة الشرقية والقبلية وإجراء العيون بحفر المجارى والجداول سيخرب مزروعات هاتين الجهتين وحدائقها؛ لذلك فهذا غير جائز.
وإضافة إلى عين السيد علوى سقاف والسيد هاشم جمل الليل وعين الأغوات. المياه الجارية التى فى هذه الجهات تسير مجاريها عن طريق الجهة الشرقية من البقيع الشريف وتمر من وسط الحدائق وأشجار النخيل التى تنبت من نفسها نحو مسيل أبى جيد. ومنابع هذه المياه، كما ذكرت آنفا فى مسيل حمزة ودويخلة، ومنابع بعضها فى وادى جرف؛ ولهذا فمياه عموم أنهارها مر، وبما أن مياه جزع الصدقة من آبار وادى جرف فهى عذبة وصالحة لرى الأشجار وبئر عثمان بئر من آبار جرف.
وتروى مزارع الجهة الغربية من البلدة المسعودة وهى فى منتهى ذى الحليفة بمياه الآبار. لأنه لا توجد مياه جارية فى هذه الجهة منها. وإن كانت شركة سزنى قد أعدت عينا فى سنة ١٣٠١ هـ وبما أنها لم تغرس بعد أشجار النخيل فالحدائق التى على الجهات الأربعة لهذا الماء تروى بماء الآبار. ولما كانت هذه الآبار قليلة
стр. 1685
وعميقة فيتم الحصول على مائها بعد مشقة شديدة. وفى الحرة الغربية على جانب مجرى سيل العقيق كثير من الآبار والمزارع يقال لها عنابس، وعند ما ينزل من المدرج إلى وادى نقاء توجد بعض المزارع والحدائق، الحديقة الكبيرة المتصلة بالجهة الشرقية للحرة تقع فى الجهة القبلية لمعسكر الجنود السلطانية. وكانت هذه الحديقة تتبع إلياس تاج الدين فباعها قبل عدة سنوات لعبد الله عرب الميمنى.
وعلى الطرف القبلى من تلك الحديقة حديقة مغيسلة التى يمتلكها عمر زاهد أفندى. ومياه هاتين الحديقتين عذبة والمبانى التى فى داخلها فى غاية الرصانة والمتانة وغير ذلك فمغروساتها حسنة وآبارها غير عميقة قريبة المياه.