التدابير والحيل الحربية:
يستخدم العربان الأسلحة ذات الفتائل، ومن عاداتهم المرعية عندما تقف الفرقتان متقابلتين أمام كل واحدة منهما الفرقة الأخرى يصيحون بصوت عال قائلين (الله أكبر) لترهيب العدو ويولولون ويملئون ميدان القتال بالصيحات إلا أنهم لا يحاربون فى ميادين وأماكن متسعة بل يحاربون فى الجبال والمضايق ومن خلف المتاريس الحجرية من حيث يتخذون أعداءهم أهدافا لإطلاق الرصاص كما أنهم يمتنعون من إطلاق الرصاص متتابعا حتى لا تذهب رصاصتهم التى أطلقوها عبثا دون جدوى، وفعلا ما يطلقونه من رصاصة لا تذهب عبثا بل لابد أن تصيب إنسانا، أو حيوانا.
وبما أنهم واثقون من رصاصاتهم فهم لا يحملون معهم أكثر من ثلاثين (طلقة) ويعدون حمل أكثر من ذلك من الذخائر عبثا.
وأنهم عندما يحاربون العدو يتركون الكمائن خلفهم كقوة احتياطية وعندما تبدأ الحرب فهؤلاء الذين فى الكمائن يهاجمون العدو من الخلف مولين صائحين ليشتتوا أفكار العدو.
وفى أثناء الحرب يتخذون الشمس والرياح خلفهم حتى يجعلوا عدوهم مقابل الشمس والرياح ويعدون هذا التدبير من أسباب النصر. كما أنهم يبيتون عدوهم ليلا إذا ما وجدوا فرصة بناء على قاعدة الحملات الليلية. وهذا ما يحرص عليه البدو.
ويحارب الفريقان بإطلاق الرصاص إلى أن يواجهوا بعضهم وجها لوجه إذ يمسكون قبضة سيوفهم فيحارب الفرسان الفرسان والمشاة المشاة فلا يسوق الفرسان خيولهم ضد المشاة المترجلين.
وبين فرسانهم شجعان يستطيع فارس أن يواجه مائة فارس إذ يقتحم صفوف الأعداء ويروى سيفه من دمائهم ويشتت أكثرهم.
وحتى يكسب هذه الشهرة فهو ينشد أناشيد الأبطال السابقين والشجعان فى
стр. 2172
ميادين القتال من أسلافه ويذكر أسماء أجداده مفتخرا متباهيا ثم يخوض ميدان القتال ويقتحم صفوف الأعداء.
وهؤلاء قسمان الصنف الأول منهم العربان الذين فى طريق الحرمين فحروبهم منحصرة على الجبال، وبما أن هؤلاء لا يستطيعون أن يواجهوا الناس لا يحاربون فى معارك الميادين المتسعة بل يحاربون مستترين خلف الحجارة كاللصوص.
والصنف الثانى هو أفراد القبائل التى تسكن فى نجد وجبل شمر وصحارى العراق والشام.
ويركب هؤلاء خيولهم ويكونون صفا واحدا متينا أمام أعدائهم ويتحركون وفق أمر واحد منهم وهكذا يشعلون وطيس الحرب وكل من اشتهر بين العربان بالشجاعة ينتمى لهذا الصنف.
لصوصية البدو:
يطلق على الجانب الشرقى للمدينة المنورة «نجد» وعلى الجانب الغربى منها «غور».
ويعمل عربان جهة نجد على ضرب بعضهم بعضا والإغارة على أموال وحيوانات بعضهم. أما عربان الغور ومصر فهم مكبون على الإغارة على قوافل الحجاج والزوار وأبناء السبيل والقوافل التجارية، ولذلك فإن تعديات الغوريين أخطر وأكثر ضررا من تعديات عربان نجد.
ويحمل الغوريون فى أيديهم دبوسا وسكينا حادا، كما أن لبعضهم بندقية.
ولما كان شغلهم الشاغل اللصوصية والنهب فهم سريعو الجرى حتى إن الفرسان لا يدركونهم إلا بصعوبة. وإذا ما رأوا خرجا أو صندوقا أو أى شئ يحمل يستطيعون أن يحملوها حتى الجبل مهما كانت ثقيلة.
وما يضع إنسان تحته من أكياس وصرر وما يضعه تحت رأسه لحفظه من صرر وخرج يستطيعون أن يأخذوا ما فى داخلها من أشياء ثمينة بخفّة كأنهم وضعوها بأيديهم.
стр. 2173
ولما كانت السرقة فى نظرهم مباحة، فما يكسبونه من السرقة من النقود والأموال يكادون أن يحسبوها حلالا.
وفيهم من ينفق أمواله التى اكتسبها من السرقة فى غرس الأشجار وحفر الآبار حتى يشرب منها المسافرون ويأكل من ثمارها المارون.
وإذا وجد أى إنسان أمتعته المسروقة فى يد أحد العربان وأثبت أنه ملكه يستطيع أن يستردها منه. وإذا قال هذا الشخص أن هذه الأمتعة قد اشتراها من شخص آخر وأرى هذا الشخص حلف يمينا، عندئذ يدفع المال والنقود التى دفعها هذا الرجل من قبل صاحب المتاع.
إذا كان صاحب الأمتعة منهم فيبحث عن السارق حتى يجده ويسترد منه بقية أشيائه المسروقة كما يأخذ منه ما دفعه من النقود ويسترده تماما وهذا بعض أحكام قوانينهم.
وإذا ادعى العربى الذى فى يده الأموال المسروقة أنه اشتراها من عربان آخرين وحلف أنه لا يعرف الشخص الذى اشترى منه المتاع فيدفع له صاحب المال ما دفعه الثانى للشخص الذى اشترى منه المتاع ويسترده منه ثم يؤجر عيونآ وجواسيس ويبعثون إلى الأطراف للبحث عن السارق الأصلى فيستردون منه أمتعته الباقية المسروقة وما دفعه للشخص الذى استرد منه بعض بضاعته وما أنفقه من أموال للجواسيس تماما.
стр. 2174
الأعراف والعادات المتبعة فى تربية الأطفال
والختان والولائم
تربية الأطفال:
يكلف العربان أطفالهم إلى أن يبلغوا السنوات الثلاث من عمرهم برعى الجدى والحملان حول قريتهم وعندما يبلغون السنة الرابعة من عمرهم يرعون الماعز والحملان فى أماكن أبعد من ذلك.
ولما يبلغون الخامسة من عمرهم يعلمونهم الجلوس على ظهر الجمال، ولما يبلغون السادسة يعلمونهم ركوب الجمال بمفردهم.
ويكتسب أطفال البدو مهارة عظيمة فى ركوب الخيول والجمال حتى أنهم يستطيعون أن يركبوا جملا مهما جرى سريعا ومهما كان الحصان العربى سريعا.
فركوبه والجرى به يعتبر بالنسبة للطفل العربى من قبيل اللهو وهم يعلمون الأطفال الذين تجاوزوا هذه السن إطلاق الرصاص من البندقية واستخدام (جنبية) الخنجر ويصاحبونهم فى الحروب ويتركونهم تحت الشمس نهارا وتحت السماء ليلا عرايا.
والأغنياء منهم يلبسون أطفالهم فى الشتاء قميصا واحدا ويرافقون الذين يذهبون للحرب.
وخلاصة القول: إن أطفال البدو يتعلمون ركوب الحيوانات والنزول منها كما يعودون على احتمال مشقات السفر. وخاصة على الحرب والقتال قبل بلوغهم سن الرشد، لأجل ذلك ترى فتيان الحرب حينما يستدعون للحرب يذهبون إليها فرحين مسرورين كأنهم يذهبون إلى العرس متسابقين ولا يتأثرون من حرارة الشمس وبرودة الجو وحيثما يكونون يسيرون عرايا.
وعندما تبلغ الصبية الصغيرة السنة الأولى من عمرها أو الثانية تستر مكان
стр. 2175
عورتها بحزام مصنوع من فرو الغنم أو الماعز. وهذا الحزام شراشيب مختلفة فى طول ذراع أو نصف ذراع ويوضع فوق الجسم العارى.
وتظل الصبايا إلى أن يبلغن السنة العاشرة من عمرهن من الأطفال يرعون الغنم والماعز، ويعلموهن فى هذه الفترة حلب النعاج والماعز وصنع اللبن الرائب والجبن وعندما يقتربن من سن البلوغ تنزع من عليهن الأحزمة ويلبسن القمصان ويستخدمن فى نسج قماش الخيم من الصوف.
وعندما يبلغن يجدون لهن زوجا مناسبا ويزوجوهن، ولكنهم لا يزوجون بناتهن قبل أن يعرضوهن على أبناء أعمامهن أو أبناء خالاتهن ولو كانوا متزوجين بثلاث زوجات.
وهؤلاء إن أرادوا أن يتزوجوهن ويعقدون عليهن وإن لم يرغبوا فى ذلك لا يسمحون بالزواج لهن إلا بعد ما يأخذوا بعض الأموال من الذين يطلبون الزواج منهن وبذلك يزعجون الفتيات وطالبى أيديهن.
صورة التأهيل وأصول الزواج:
يعد أبناء العم وأبناء الأخوات أكفاء لبنات العربان إذا كان واحد من هؤلاء غير مقيد بالزواج أو متزوجا غير راض بزواج البنت من طالب يدها فمثل هذه البنت لا تتزوج. وإذا لم تكن للبنات مثل هذه العلاقات أو هؤلاء قد رضوا بزواج هؤلاء البنات عندئذ يبحث الذين يريدون تزويج بناتهم عن أكفاء إذا كان الراغب فى الزواج كفؤا لا بد أن يكون الرجل الذى يتزوجها كريما، شجاعا فى الحرب، مشهورا من حيث النسب.
ورجال العربان الذين يريدون أن يتزوجوا لا يتحرون عن جمال البنت ومالها وممتلكاتها بل عن قوة القبيلة التى تنتمى إليها وعن سطوتها، وعن كثرة أقاربها وعصبيتها.
والشخص الذى يتصف بالصفات السابقة، يأخذ موافقة أبى البنت وأقاربها ويرسل هدية عدا المهر الذى اتفق على دفعه حسب منزلته.
стр. 2176
والمهر بالنسبة لأغنيائهم عبارة عن «بساط كبير وسوارين للمعصم من الذهب وفستانين، وبعض الإبل والأغنام».
وأما بالنسبة للفقراء فالمهر يتكون من «سوارين من فضة وفستانا من دمور أسود».
ويقدم فى وليمة العرس الأرز المطبوخ وعليه لحم شاة ذبحت من قبل وأعدت للضيوف وهذا من العادات العربانية الجارية.
وإذا كان أبو البنت من الأغنياء فإنه يعطى البنت ما عدا المهر الذى بعثه زوجها عددا من الجمال والغنم وجارية وكلبا.
وإذا كان فى القرية أحد من طلبة العلوم أو المشايخ ويرجع إليهما فى عقد الزواج وإذا لم يوجد فيذهب الطالب فى زواج البنت إلى أبى البنت أو أخيها، ويقول: «إننى أريد أن أتزوج بنتك أو أختك».فيرد عليه قائلا «أعطيتها لك».
ويعدون هذه المقابلة دليلا على صحة عقد الزواج ويبادرون فى إجراءات الزفاف.
ويحدث فى بعض الأماكن أن يمسك أبو البنت أو أخوها عصا ويمسك بأحد طرفيها طالب البنت والطرف الآخر أبو البنت أو أخوها ثم يخاطب الشخص الذى يمسك أحد طرفى العصا قائلا: «أعطيت فلانة لك» للشخص الذى يمسك الطرف الآخر وبعد ذلك يكسر العصا من وسطها ويلقيها على الأرض.
وإجراء هذه العملية يعد بين العربان تزويج تلك البنت لذلك الرجل وعلامة على صحة العقد.
والعربان يشترون جارية سواء أكانت بيضاء أو سوداء ويستخدمونها فى منازلهم. وبما أن الجارية مجهول نسبها فهم لا يميلون لاستفراشها.
واستفراش الجارية يعد عند العربان من الأمور المذمومة. وإذا حدث أن أنجب واحد منهم من تلك الجارية ولدا ينظر إليه بين العربان بحقارة وذلة على أنه «ابن جارية» حتى ولو كان أحد أبناء الأعيان، وعندما يكبر ويريد أن يتزوج فلا يرضى
стр. 2177
أحد أن يزوجه بنته ولو كان وضيع القدر قائلين فأخوها خاله لذا فهو وضيع النسب.
والأشراف الذين فى مكة المكرمة والمدينة المنورة وحواليهما يحبون التسرى كلهم وكذلك بعض مشايخ العربان. إلا أن الأولاد الذين يولدون من جواريهم يظلون مثل العبيد بجانب أولادهم الذين ينجبونهم من زوجاتهم العربيات والناس ينظرون إليهم كذلك بنفس النظرة.
حفل الختان:
يختن العربان أولادهم الذكور فى صورة مسنونة (١) فى اليوم السابع من ولادتهم، وبعضهم فى يوم الأربعين وبعضهم فيما بعد.
وقد تعود عربان بنى هذيل الذين يسكنون بجانب مكة المكرمة ألا يختنوا أبناءهم إلا عند الزواج فعندما يقررون عقد زواجهم عندئذ يختنونهم. وعند ما يقرر ختان ذلك الفتى فمن عادة القرى المجاورة وكل واحد من المدعوين أنهم يهدون لصاحب الحفل كل على حسب قدرته خروفا واحدا أو أكثر أو جملا أو شاة أو ثورا.
كما أن من عادتهم أن يسوق كل فرد ما يريد أن يهديه من الحيوانات أمامه وأن يذهب إلى القرية التى سيحتفل فيها قبل الختان بيوم أو يومين.
ولما كان الذهاب إلى محل الحفل منفردا خلاف الأصول، فيتجمع المدعوون فى جماعات تتكون من خمسين شخصا، أو ستين ويذهبون معا، لذا كلما يحتفل بحفل ختان يتجمع سكان عدة قرى معا ويخرجون إلى الطريق وهم يطلقون بنادقهم ومسدساتهم وعند ما يقتربون من القرية التى فيها العرس يشرعون فى إلقاء القصائد الشعرية التى تمدح صاحب الحفل وتتغنى بأوصافه عن فهم واحد ويأخذ بعضهم يرقص أمام المدعوين ممسكا بالبندقية وسنان الرماح والحراب.
وحينما يعرف صاحب الحفل أن المدعوين قد وصلوا إلى خارج القرية يستقبل
стр. 2178
أهالى القرية الضيوف مطلقين البنادق والمسدسات ويلقون أمامهم القصائد والأبيات ويمدحونهم ويوصلونهم إلى أماكنهم الخاصة بهم.
ولما يصل المدعوون إلى أماكنهم الخاصة بهم التى أعدت من قبل يعطى صاحب البيت لكل عشرة منهم خروفآ ومقدارا كافيا من الأرز وقدرا كبيرة ويرجوهم أن يتصرفوا كما يحلو لهم حيث يوجدون.
والأماكن التى يقيم فيها المدعوون ليست فى المنازل والبيوت وإنما فى واد خارج القرية أو على سفح الجبل.
ويذبح المدعوون فى هذا المكان ما أهدى لهم من الخرفان ويسلقونها فيقطعونها ويأكلونها ثم يضعون فى حسائها الأرز ويتناولونه.
ثم يجتمع كل أهالى الخيم والقرى فى المكان المعين لهم حيث يوقدون نارا عظيمة وينقسمون إلى قسمين حول النار قائمين وواقفين ويلقون المدائح ويظهرون مهاراتهم الكلامية وهكذا يقضون أوقاتهم فى الفرح والسرور.
ويجتمع المدعوون فى اليوم الثانى فى المكان الذى سيختتن فيه الغلام سائرين من أماكن نزولهم وهم يرقصون الرقصة التى يطلقون عليها «آردا» (١) جاعلين الغلام الذى سيختن أمامهم مع بعض أقاربه وتاركين النساء خلفهم فى موكب حافل حتى يصلوا إلى مكان الاحتفال بالختان، وبعد ذلك ينسحب اثنان من أقارب الغلام الذى ستجرى له عملية الختان وأقارب البنت.
ويفصل الغلام الذى سيختتن عن الجماعة وفى يديه خنجر جنبية ويقف أمام الشخص الذى سيجرى العملية قائما ويأخذ فى الفخر ملقيا بعض الأشعار الحماسية وقائلا «أنا ابن فلان بن فلان» ويأخذ فى تعداد آبائه وأجداده ويخرج من يقوم بإجراء الختان سكينا فى غاية الشحذ ويبدأ فى سلخ جلد الغلام ابتداء من منبت الشعر إلى مقعده ويخرج الجلد كاملا فى ظرف دقيقتين مع جلد ذكره.
وبناء على ذلك فمهما شعر المختتن بالآلام والأوجاع فيجب عليه أن يصبر وأن
стр. 2179
يتحمل ويظهر ثباتا وهو يلقى كلمات فخر وأشعار نظمت لأجل هذا الغرض دون أن يتوقف أو يتألم حتى انتهاء العملية.
والذى يتحملون آلام الختان بكل صبر وجلد دون أن يبالى بآلامه الرهيبة يقابل من جانب عشيرته بكل ثناء وتمجيد كما يستحسن من قبل الخطيبة وبمجرد أن يلتئم جرحه يتزوجان.
ولا تلتئم مثل هذه الجروح إلا بعد أربعة أشهر وبما أنه لا ينجو من هذه العملية أربعون فى المائة من المختتنين، إلا أن أفراد القبيلة المذكورة يعدون هذا النوع من الختان علامة الشجاعة والرجولة فإنهم لا يتخلون عن هذه العادة وإن تأكدوا أن المختتن سيموت.
وإن كان أفراد قبيلة هذيل محبين لهذا النوع من عملية الختان ومصرين على إجرائها متحدين قبليا إلا أن الأطفال لا يختنون قبل بلوغ خمس عشرة سنة أو عشرين. ويجرون عملية الختان هذه فى أيام العيد.
ويعد عربان تلك القبيلة إجراء العملية التى تخالف الشرع والإنسانية من المحسنات الدينية وفق مذهبهم.
وإذا وجد بينهم من لا يرضى بهذا النوع من الختان وفضل الختان وفقا لأحكام الشريعة الغراء فلا يعد ابنه بين النساء رجلا ولا ترضى أية فتاة بالزواج بمن اختتن على هذه الصورة.
وبعد أن يختتن الفتى على هذه الصورة وينجو بنفسه من يد المختن يتقدم عدة خطوات إلى الأمام ويأخذ فى الفخر قائلا: «أنا فلان بن فلان» ويدعى الشجاعة ويجرى ما يقرب من مائة خطوة ليثبت شجاعته عمليا، ثم يجعل المحتفلون الفتى أمامهم ويلفون به أطراف القرية الأربعة بينما الرجال يطلقون البنادق. والنساء تضربن على الدف وتنشدن المواويل ثم يؤتى به فى بيته حيث يرقد ثم يأكلون ما أعده صاحب البيت من طعام الحمير ويعودون إلى منازلهم.
وطعام الحمير هذا الدقيق المطبوخ وعليه زيت الزيتون. وبينما يرقد الفتى على السرير أو الفرش ينثر أقاربه على رأسه حفنة من الزبيب وبهذا يعلنون نهاية الحفل.
стр. 2180
وبما أن الآلة التى يسلخ جلدها ستظل معوجه لذا يفردونها على خشبة ويشدونها شدا جيدا.
النخيل:
تتحمل أشجار النخيل العطش وشدة حرارة الجو ويستفاد من أغصانها وفروعها وليفها غير بلحها وتعمر مائة سنة. وإنها الشجرة المباركة وهى لا تحتاج إلى الزراعة والحراسة والماء، كما أنها تتعرض فى الأراضى الحجازية لكثير من الآفات لذا يعنى بها العرب ويتحملون متاعبها، لأنها سبب من أسباب الثروة ويتعيش أصحابها بجزء من محاصيلها ويبيعون الباقى.
وبما أن هذه الأشجار المباركة لا تنمو فى كل أماكن الحجاز لذلك يحرص غارسوها أن يغرسوها على أطراف ممرات السيول وحيث يكون الماء قريبا من سطح الأرض والأماكن الرطبة، وعندما يغرسونها يظلون يسقونها أربعين يوما حتى تتمكن جذورها فى الأرض ثم يتركونها لحالها معتمدين على الأمطار.
والأشجار المغروسة منها فى أراض وفيرة المياه تثمر فى نهاية السنة الثالثة والرابعة والتى تغرس فى الأماكن الجافة تثمر بعد خمس أو ست سنوات.
ويقال للبلح أول ما يظهر «زهو» وعند ما يحمر ويبدأ فى النضج يطلق عليه «رطب» كما سبق ذكره فى مجلد مرآة الحرمين.
والبلح فاكهة مغذية مقوية. فالبدو وأهل المدينة يفضلون أكل البلح الطازج منه ويبيعون الرطب.
ويحفظون البلح الخاص بالمدينة والذى يسمى «جلبى» وأنواعا أخرى ويتاجرون ببيعها للزوار والحجاج.
وأما البدو فإنهم يجففون مثل هذا البلح ويأكلونه بدل الخبز إلى أن ينمو البلح الجديد. لأن البدوى عند ما يجد التمر لا يفكر فى القمح أو غيره.
الخيل:
يطلق فى بلاد العرب على ذكر الحصان «خيل» وعلى أنثاه فرس.
стр. 2181
إنهم يربون الخيل ليأخذوا ذريته فقط،لذا لا يحتفظون بذكور المهر بل يبيعونها للبلاد المجاورة لهم. ولكنهم يحتفظون بأنثى المهور ليركبوها فى الحروب ويحرصون على الاحتفاظ بها، ولا يهتمون بفرس غير ثابت الأصل والجنس.
ويحدد صاحب الفرس الجنس الذى ينتمى إليه. ويكتب أجناس بعض الأفراس فى سجلات النسب وكلما تلد الفرس يضاف المهر لنسب أبيه وأمه.
ولا يستطيع أن يمتلك مثل هذه الأفراس الأصيلة أحد من فقراء الناس إذ يشترك عدة أشخاص فى ملكيتها. ويبيعون مثل هذه الأفراس فيما بينهم بستين أو سبعين ألف قرش.
وإذا ما باع أحدهم فرسا يشترط أن يكون مهرها الأول الأنثى أو الثالث ملكا له. أو نسلها بعد المرة الثالثة يكون ملك المشترى.
وإذا كانت الفرس حاملا فنتاجها سواء أكان ذكرا أم أنثى ملك البائع، ويعطى له.
والذين يشترون الفرس الحامل مهما ولدت لا يكتمون ذلك ويصدقون القول فإذا ما ولدت أنثى وادعى الشارى كذبا أنها ولدت ذكرا «يعنى لو يكتم الحقيقة» فلا يعيش ذلك المهر المولود ويهلك، ولما كانت هذه المسألة من الأمور المجربة لدى العربان فلا يكتمون الحقيقة.
الوسم:
أكثر ما يملكه البدوى من الدواب الجمال. وبما أن هذه الدابة شديدة الشبه ببعضها فمن الصعب جدا التعرف على ما سرق منها أو ضاع، لذا اتخذت كل قبيلة وسما خاصا بها.
وتطبع هذه الأوسمة على أذن الجمل الأيمن وفى وسط الجهة اليمنى من رقبته، وخلف أذنه وفى وسط الجهة اليسرى من رقبته، وعلى خدوده وجباهه وفوق أنفه. وعلى رجليه الخلفيتين اليمنى واليسرى وفى وسط عظمة فخذه وعلى ركبته. أى أنهم يكوون بالحديدة التى تحمل شكل الوسم المذكور والملتهب فى النار، والوسم هى تلك العلامة التى يعرفها الناس جميعا.
стр. 2182
وإذا بيع جمل أحد القبائل لقبيلة أخرى فالشارى يسم الجمل بالوسم الخاص بقبيلته، وعلى الجمل المباع من الأوسمة عدد القبائل التى اشترته، والجمل المسروق أو الضائع يعرف بوسمه الأخير وأينما وجده صاحبه يتعرف عليه من وسمه ويسترده، لذا ترده القبائل التى تعرف ذلك الجمل الذى أتى إلى محل قبيلتهم واختلط بجمالها.
علامات الأوسمة التى ذكرت من قبل تتنوع كالأشكال التى رسمت فى الشكل التالى وكل واحد من هذه الأوسمة خاص بقبيلة معينة.
وقد تتفق عدة قبائل فى بعض الأوسمة إلا أنها تتميز وتفرق باختلاف الأماكن والمواقع.
ويدقق أفراد قبيلة نهابة قبل سرقة الجمال فى أوسمتها فإذا وجدوا أن تلك الجمال تخص قبيلة معروفة لا يمسونها، وإذا ما نهبوا الحيوانات ليلا وكان بينها مثل هذه الجمال يتريثون حتى يأتى أصحابها فيسلمونها لهم.
ولا توجد علامات خاصة للأغنام والماعز، ولما كانت حيوانات كل جهة لا تشبه حيوانات جهة أخرى فإن كل واحد من أصحاب تلك الحيوانات يستطيع أن يميز حيواناته ويخرجها من بين قطيع من عدة مئات وكأنه قد وضعها بنفسه.
стр. 2183
نماذج من أشكال وسم الحيوان عند القبائل العربية
مع ملاحظة أنه إذا اشتركت بعض القبائل فى نفس العلامة فإن
موضع هذه العلامة من جسم الحيوان هو الذى يفرق بين القبائل
стр. 2184
حماية الأراضى المنبتة:
إذا أحاط شخص ما بقطعة من الأرض تنبت فيها أعشاب بعد المطر بسور أو ببعض العلامات فى داخل أرض خاصة بقبيلة أخرى فلا يسوغ القانون للآخرين التدخل فى هذا الموضوع.
وإذا لم يراع أحد منهم هذا النظام-عمدا أو جهلا-فالشخص الذى أحاط المكان بالسور أو العلامات له أن يؤاخذ ذلك الرجل وفق أحكام القانون، وله الحق أن يصادر وأن يستولى على الحيوانات التى تركت فى داخلها لترعى.
وإذا دخل فى هذا المكان خيل أو حيوانات أخرى بدون علم أصحابها فيمسك صاحب هذه الأراضى هذه الحيوانات ويحتفظ بها وعند ما يأتى صاحبها يسلمها له بعد ما يأخذ منه ما يستطيع عليه باسم «طراصه».
وإذا دخل إنسان من قبيلة أخرى فى مثل هذا المكان لرعى حيواناته عدة ساعات فلا يقال شئ لمثل هؤلاء الأشخاص من قبل صاحب المكان.
ولما كانت فى مواسم الصيف كل الأماكن معشوبة فالحيوانات ترعى خارج حدود مثل هذه الأماكن ولكن عند ما تقل الأمطار فى أيام الصيف وتجوع الحيوانات فأصحاب الأماكن المسورة يدخلون حيواناتهم فى داخلها حيث ترعى وهكذا يدبرون أمور مواشيهم بهذه الطريقة.
حتى الناس الذين لا يملكون الحيوانات ولهم أراضى مسورة يحافظون على ما فى داخلها من أعشاب إلى أن تجف ثم يحصدونها ويقطعونها ويجعلونها أحزمة ثم يبيعونها لأهالى البلاد المجاورة. وطريقة معيشة مثل هؤلاء العربان الذين لا يملكون المواشى تتم عن طريق التجارة بمثل هذه الأشياء.
стр. 2185
خاتمة
إفادة مخصوصة:
تم بحمد الله تأليف مجلد مكة المكرمة من أثرى «مرآة الحرمين» الذى شغلت بتأليفه منذ سنة ١٢٨٩ هـ وعرض للبيع فى السوق كما طبع عقب ذلك مجلد «مرآة المدينة» التى تحتوى على مفاخر مهجر رسول رب العالمين ونشر.
ووفقت كذلك فى عهد السلطان الذى سهل كل شئ فى إنهاء المجلد الثالث من التاريخ المذكور تحت عنوان «مرآة جزيرة العرب»،وطبعته وعرضته على أنظار الباحثين عن الحقائق وأهديته لهم والمنة لله.
وإننى لا أتردد فى ادعاء أن مرآة الحرمين من حيث إحاطته بواقع تواريخ الأقطار الحجازية أنه أكمل التواريخ وأكثرها تفصيلا. وإن كان بعض المؤرخين من الأسلاف قد كتبوا عدة أجزاء من التواريخ عن أحوال الأقطار الحجازية إلا أن بعض هذه الكتب خاص «بمكة المكرمة» والآخر بالمدينة المنورة كما أنهم فضلوا فى طريقة التعبير وتحرير الوقائع الإيجاز والاختصار لذا لا تجمع هذه الكتب ما تجمعه «مرآة الحرمين» بين صفحاتها من الأسرار والحكم والأخبار الإسلامية والجاهلية.
والتوفيق فى تأليف مرآة الحرمين وطبعها يعود بدون شك لما اتسم به عهد سلطاننا خليفة رسول الله من آيات التوفيق والهداية. وهذا لطف لا ينكر للعبد العاجز.
وهذا مظهر من مظاهر لطف الله الذى سأتباهى وأفتخر به إلى يوم القيامة وقد أنهيت مرآة الحرمين بهذا المقال العربى.
стр. 2186
التحدث بالنعمة:
قد أحسن واهب النعم- -بإتمام كتابى المنقسم إلى ثلاثة مجلدات والمسمى «مرآة الحرمين» وقرت به من أهل الإخلاص والصفا كل عين، وقد وفق الله فجاء أكمل من أكثر التواريخ التى صنفت بشأن البلدتين المباركتين على أنه نظم ما فى البلدتين من المآثر وذكر ما لها من المفاخر. وجمع ما يحتاج إليه القارئ من أخبار تلك الديار الزكية فى الإسلام والجاهلية، وأتى بفضل الله بغوامض وأسرار تاريخية جليلة حافلة بغرر الفوائد الجميلة ولم يجتمع كل ذلك فى كتب أخر وما ذلك إلا بعناية روح سيد البشر وصاحب التاج والمغفور له عليه صلوات الله وأكمل تسليمات الله وبنفحة آله الطاهرين وأصحابه المرضيين وقد ساعد على جمعه وترتيبه وطبعه والانتهاء من تأليفه فى زمن سيدنا ومولانا الخليفة المعظم ظل الله فى العالم، حضرة أمير المؤمنين وناصر كلمة الحق والدين الملك المنصور المعان إمامنا الغازى السلطان عبد الحميد خان نصره الرحمن.
وإنه أيد الله شوكته وصان دولته، نشط الهمم بالتفاته للعلوم وأصحابها والمعارف وأربابها، وتباهت أيامه على الأيام السالفة بوجوده الكريم، وافتخرت على الأعصار الخالية بتموج بحر إحسانه العميم، فعلى هذه التوفيقات الصمدانية، منا فى كل آن، الشكر لله وعلى هذه النعم الجمة الربانية، فى كل طرفة عين الحمد لله.
اللهم إنى أسألك بحرمة القرآن القديم، والذكر الحكيم وبحبك لنبيك الكريم، أن تجعلنا من خاصة أهل التوحيد، واكتبنا فى ديوان عبيدك الذين أطلقتهم من وهدة التقييد، وأثبتنا فى دفاتر الصديقين، واحشرنا مع عبادك الصالحين، تحت لواء نبيك سيد المخلوقين وإمام المرسلين «عليه أفضل الصلوات وأشرف التسليمات» وألزمنا بسلك الفقراء والأولياء الأبطال، ووفقنا للتخلق بأخلاقهم الشريفة فى جميع الأفعال والأقوال، واختم لنا بالصالحات وأمتنا عند ختام الأجل على الإيمان الكامل يا مجيب الدعوات، وصل وسلم على نبيك وسيد رسلك وحبيبك سيدنا ونبينا وشفيعنا محمد ﷺ وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين وآل كل وصحب كل أجمعين والحمد لله رب العالمين.
стр. 2187
يقول العبد الفقير مؤلفه كان الله له ولوالديه وللمسلمين.
تم تأليف وطبع هذا التاريخ الخصوصى المسمى «مرآة الحرمين» بفضل الله وعونه فى أوائل جمادى الآخرة سنة ست وثلاثمائة وألف من هجرة النبى الأعظم صاحب العز والشرف.
التقريظ الذى كتبه الشيخ محمد ظافر يجامل به العبد العاجز جامع هذه الحروف.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذى خلق الإنسان من العدم، وشمله بأنواع اللطف والنعم، والفضل والكرم، علمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، وبعد فقد أطلعت على الكتاب الذى جمع معاهد أرض الحجاز، والتزم فيه مؤلفه «رضى الله عنه» الحقيقة لا المجاز، ووسمه بمرآة الحرمين الشريفين ولا غرو فإنه اسم على مسمى من غير شك ولا تردد وكيف لا وجامعه الهمام الأوحد والأديب الفاضل المفرد، ذو السعادة أيوب صبرى باشا حفظه الله تعالى وبلغه من كل خير ما شاء ووفقه لجميع الخيرات بجاه سيد السادات ﷺ آمين.
كتبه خادم الفقراء محمد «ظافر المدنى» كان الله له ولوالديه ولجميع المسلمين.