← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

فمثلا لو أن أحد الأعراب المقيمين على جانبى الطريق الذى ستسلكه القافلة، توجه إليها وأكل طعامها أو شرب قهوتها، فمن حق هذه القافلة عليه الحماية والرعاية طالما أنها تجتاز حدود منطقته. وإذا اعتدى أحد سميته على القافلة أو فرض أتاوة عليها، فالواجب يفرض عليه حماية القافلة من أى تعد، رعاية لأصول الحماية. وإذا ما نظر الشخص المعنى إلى الأمر نظرة استخفاف أو لا مبالاة، فإنه بذلك يكون قد أظهر عدم اكتراثه، وقوض حيثيته وكرامته وشرفه بين العربان. ويعتبر بذلك حقيرا وضيعا بين بنى قبيلته وعشيرته. ولما كانت هذه العادات والأصول مرعية بدقة بين الأعراب، فقد كان يكفى عابر السبيل رشفة ماء من قرية أحد قطاع الطرق، حتى يكتسب حمايته ويسلم من مضاره وشروره. وإذا لم يحترم أحدهم هذه الأصول والأعراف وأصاب بالأذى هذا الرجل الذى احتمى به، فإن صاحب الفوية التى شرب منها الماء، يكون ملزما بتخليصه من شره وأذاه، وإذا ما أصاب هذا المسافر نوع من الخوف أو الهلع من توقع اعتداء قاطع الطريق هذا عليه فى المراحل التالية، فإن صاحب القرية يرافقه الطريق حتى يوصله إلى بر الأمان والسلامة. وكانت هذه الخدمات إذا ما قدمت بدافع الحمية والشهامة العربية، تتم لقاء أجر معين. وهذا كان نادر الحدوث. وهكذا فإن هذا القانون المسمى (رفيق الجنب) والمعروف بين العشائر العربية كان ينظم رفاقة الطريق. أما القانون الذى يطلق عليه بين العربان «رفيق الجنب»: فهو عبارة عن قانون خاص بسلوك الرفقاء والصحبة فى الطريق. طنيب الطنب: هو قانون خاص للمحافظة على حق الجوار وذلك باتصال عدة خيام بخيام جماعة أو قبيلة ما.

стр. 2137

وبما أن عربان القبائل يعيشون فى حالة ترحال فلا يتخذون مكانا ما مأوى ومسكنا بصفة دائمة، فينقسمون إلى عشرينات أو ثلاثينات أو أربعينات أو خمسينات أو ستينات من الخيم فينزلون حيث يعجبهم أو يقومون ويرتحلون حسبما يريدون، وإنهم لا يتركون أماكنهم ما لم تعد حيواناتهم جائعة من المراعى أو ما لم يكتشفوا مراعى أكثر عشبا. وعند ما يعم الجفاف لا يسكنون فى مكان واحد أكثر من ثلاثة أيام وفجأة يتركون منازلهم، ويتفرقون بين عربان القبائل الأخرى ويحصلون على موافقة شيوخ القبائل الذين لجئوا إلى ديارهم بإعطائهم رأسا من الغنم عن كل خيمة. وهؤلاء الشيوخ يحمون الجماعات الواردة يصاحبونهم حيثما انتقلوا ويحسبونهم من جماعاتهم، وبناء على ذلك لا يتعرض لهم أحد بالأذية فإذا وجد من يتعرض لهم بالأذى فلا يستطيع أن ينجو من انتقام القبيلة كلها. ويقولون لمثل هؤلاء الناس-أى الذين ينتقلون إلى أراضى غيرهم ويدخلون تحت حمايتهم- «طنيب الطنب» ومعناه الاصطلاحى الجيرة التى حدثت باتصال خيم هؤلاء بخيمهم. المعاونة للدخيل: (إغاثة الملهوف): من مقتضى القوانين القديمة بين العربان معاونة الدخيل، أى قبول الهاربين وإكرامهم قدر الإمكان وإعانتهم. فإذا ما فر إنسان سواء أكان ذكرا أم أنثى بعد ارتكاب ذنب أو جنحة أو جناية وأطلق المطاردون من خلفه رصاصا أو رمحا قبل أن يدخل فى خيم أحد العربان سواء أصابه ما أطلق أولم يصبه فأصحاب الخيم ينظرون إلى جهة توجه الرجل الفار. فإذا توجه الهارب نحو خيم الحريم، وقع الحادث المذكور قبل التقرب إلى الخيم بأربعين ذراعا فبناء على القوانين العربانية لا يلزمهم شئ.

стр. 2138

وإذا حدثت المطاردة السابقة فى داخل هذه الحدود أى أن المطاردين أطلقوا الرصاص أو الرمح فى مكان أقرب من أربعين ذراعا وأقل منه وتبين ذلك فيكون المطاردون قد تعدوا على حقوق وحماية أصحاب الخيم وبناء على ذلك يتعقب أصحاب الخيم المطاردين ويقتلون من استطاعوا قتلهم بإطلاق الرصاص. وإذا كان توجه الفار نحو خيم الرجال ووصلوا إلى جانب حبال الخيم التى تسمى طنب وخارجها فلا يدافع عن هؤلاء الفارين الهاربين وفق القوانين العربانية ولكن إذا حدث ما حدث فى داخل حبال الخيمة سواء أصابت الرصاصة التى أطلقها المتعقبون الفارين أو لم تصبهم، فبناء على القوانين العربانية فأصحاب الخيام يطاردونهم ولا يعودون إلا بعد قتل بعضهم. ملاحظة: فتعيين هذه المسافة الكبيرة والفرق الكبير بين خيم الرجال والنساء أى تحديد المسافة لحق حماية خيم النساء بأربعين ذراعا يدل على مدى غيرة البدو على أعراضهم، وأنهم فى هذا السبيل يضحون بكل شئ. وليس هناك بين البدو الخلص من يعرف ما هو الزنا، وإذا حدث مثل هذا الفحش فرضا يقتلون الفاعل والمفعول، وفى هذا الموضوع لا يرحمون حتى أولادهم. وبعد أن يراعى جانب الدخلاء من قبل أصحاب الخيم فجملة الجيران يستضيفون هؤلاء كل واحد منهم فى يوم خاص. ثم يعطى لهم الأغنام والحملان والجمال كمساعدة. بعد ما يتم العون المقدم للدخيل يأخذ ما قدم له من العطايا، ويرجع إلى مقره الأصلى فيسوى أموره بدفع الدية وينهى الموضوع بالصلح. وإذا كانت الإعانات المعطاة من تلك القبيلة كافية لتسوية أموره أو إذا لم يقدم له العون من قبل حماته ففى هذه الحالة فالأمر كله يحال لأفراد القبيلة الذين

стр. 2139

يشمرون سيقانهم متفقين فيجمعون بينهم النقود الكافية لتسوية الأمر على أحسن وجه. وهذا النظام من القوانين البدوية والعادات المرعية التى مازالت سائدة إلى يومنا هذا. حفظ الأمانات والعادات الخاصة بها: حفظ الأمانات أيضا من القوانين العربية القديمة، وبناء على هذا إذا ما أعطى أحد العربان للآخر جملا أو ناقة أو نعجة أو أشياء أخرى على أنها «أمانة الله» فالشخص الذى تسلم الأمانة إذا كانت حيوانا مثلا فإن المؤتمن يحرص على العناية بهذا الحيوان أكثر من حيواناته فيعلفه ويحرسه ويكثر نسله بالتوليد. وإذا ما مات هذا الإنسان، فالحيوانات التى كانت أمانة فى يده تحفظ من قبل ورثته وتسلم لأصحابها وقت ما يريدون. ومن الثابت المشهور أن عربان العرب إذا ما أخذوا ناقة أو ناقتين يكثرون عددهما بالتوليد دون أن يخونوا الأمانة وفرضا أن الورثة لم يعرفوا صاحب الأمانة فإنهم يتحرون عنه حتى يجدوه ويردوا له أمانته. والحملان التى تولد من النعاج والعنزات فإن الذكور يبيعونها ليشتروا بدلها النعاج حتى يزيدوا من عددها. ولا يأخذون مقابل هذه العناية والإكثار شيئا غير الانتفاع بلبنها. ولما كان خلط الفساد فى أمور الأمانة يقلل من بركة أموالهم من الأمور المجربة لديهم لذا يبتعدون عن الغدر والخيانة فى هذا الموضوع. وإذا ما نفق أحد الحيوانات التى تحت الأمانة فإنهم يقطعون جزءا مميزا منه ليروه لصاحب الأمانة. وإذا ما نهب هذا الحيوان من قبل قبيلة أخرى فيتتبعون هذه القبيلة ليخبروها أن المسلوب أمانة ويحاولون تخليصه من أيديهم ويبذلون الجهد لتخليص ما يمكن تخليصه.

стр. 2140

والأمانات التى تعطى من قبل أهل مكة المكرمة والمدينة المنورة مثل الهجن والحيوانات الأخرى للعربان تحفظ وفق النظام الذى ذكر أعلاه. الملحس (١): قانون خاص بلحس النار. حدث منذ زمن أن أحد أهالى العرب المتدينين خرج ليزور قبر النبى ﷺ وبينما كان سائرا بين عربان قبائل عوف اعتلت صحته فاضطر أن ينزل ضيفا عند أحد أفراد القبيلة المذكورة. وقد أكرمه صاحب البيت أعظم إكرام ورعاه كأعظم رعاية، ووهب له جملا لركوبه وقد سر الضيف من هذه العناية فى الاستضافة أعظم سرور ولما كان مضطرا أن يقابل هذه المجاملة بمكافأة طلب من صاحب الدار سكينا «على أن يظل حكمه وتأثيره باقيا ما لم يبتعد عن الحق وأن ينتقل من بعده لأولاده وأحفاده» ثم أدخل هذا السكين فى داخل النار الموقدة فى مكان خال من الناس حتى احمر أشد الاحمرار ثم أخرجه من النار، وتلا عليه بعض الأوراد ولعقه بلسانه وجعل صاحب الدار أيضا يلحسه. وبعد ما أثبت الضيف أن هذا السكين لن يضر لسان صاحب البيت بالفعل. ثم أراد أن يبين أن هذا الفعل منحصر فى الصدق والاستقامة فقط،وقال لصاحب البيت «خذ هذا واحفظه فى مكان أمين وعندما أطلبه منك أنكر ذلك قائلا: «لا ليس لى علم بمثل هذا الشئ». فأعطى لصاحب البيت شيئا ما، وبعد مدّة رجع وقال له «كنت أعطيت لك كتابا بالحفظة إننى محتاج إليه الآن فأحضره لأننى أريد أن أطلع عليه» فرد عليه صاحب البيت مجيبا لا! إنك لم تعطنى كتابا ولا غيره لا بد أن فى الموضوع خطأ. عندئذ أخرج الضيف ذلك السكين المحمر من أثر النار، وقال له إذا كنت لم تأخذ الكتاب الذى أعطيته لك العق هذا السكين! وعندما لعق الرجل السكين احترق لسانه إلا أن الضيف سقاه قطرة من الماء فانتفخ المكان المحروق والتئم مباشرة. وقد تعجب صاحب البيت من حالة هذا الرجل واستعظم الخواص التى رأها

стр. 2141

فى الضيف ولم يكن يعرف أنه يريد أن يسدى له معروفا؛ لذا قال له «يا أيها الشيخ ما أعجب هذه الحالة» فرد عليه الشيخ قائلا: هذه خصلة جليلة تفرق وتميز بين الحق والباطل وغرضى أن أعلمك مقابل ما قدمته لى من معروف فلتعلم أننى قرأت على السكين عبارة كذا وبعد هذا كل من يراجعك لحل موضوع ما فسخن سكينا حتى الاحمرار ثم اقرأ عليه العبارة التى علمتك إياها واجعل المدعى عليه يلحس هذا السكين! إذا كان الشئ الذى أسند إليه كذبا وبهتانا وافتراء فلا تؤثر سخونة السكين وشدة حرارته فيه، وإذا لم يكن بهتانا يحترق لسان الرجل» وأعطى له إذنا بأن يمارس هذا العمل كما رأى منه ليترافع عن الناس، ثم لقنه هذه التعليمات قائلا «بعد هذا سيراجعك الناس من جميع الجهات يجب عليك ألا تنحرف عن طريق الحق فى إحقاق الحق والتمييز عن الباطل ويجب عليك أن تحقق وتستفسر عن المراجعين أولا عن الموضوع الذى يراجعونك لأجله، إذا كان شيئا مهما خذ المدعى عليه فى مكان خال وحاول بعبارات ملائمة أن ينهى الموضوع صلحا وأن يسكت خصمه بإعطائه بعض الأشياء وبعد ما تأخذ منه وعدا بذلك الصلح بينهما حسب العهد الذى قرره على نفسه. وإذا ما امتنع المدعى عليه عن الإقرار بما هو واقع ففى هذه الحالة يقبل منه المدعى مقدارا من المال مقابل الجناية التى ارتكبها واطلب كفيلا يضمن ذلك وإذا ما أعطى كفيلا تباشر العملية وفصل الدعوى وفق قانون ما بشرط أن يعطى لك عشر المال أو الأشياء التى يدور عليها القضية، وهكذا علم الشيخ خواص هذه الحالة ثم فارقه مودعا. وأخذ صاحب البيت يمارس علمه وفق ما تلى من ضيفه من تعليمات ويفصل بين المتخاصمين ولما سر منها المتخاصمون اشتهر اسمه بين العربان وظل اسمه بعد ذلك ملحسا. بعد هذه الواقعة اضطر الذين يعجزون عن إثبات شئ ينكره فاعله لمحاكمة الملحس للفصل بين الحق والباطل والتمييز بينهما، ويراعى الآن جميع القبائل وأهل العراق البدوى الملحس ليعرفوا أن المتهم بالقتل أو جنايات أخرى برئ

стр. 2142

الذمة من ذلك، وإنهم يثقون تماما فى الحكم الذى سيصدره الملحس بعد أن يلحس المتهم السكين. ولما كان سر هذه الخاصية انتقل إلى أحفاد وأولاد ذلك البدوى فالعربان يراجعون البدوى الملحس فى قضاياهم المعقدة الصعبة وبعد ما يستمع الملحس لادعاءات الطرفين يأخذ منهما عشر مادة الخلاف فإذا كانت الجناية قتلا يأخذ عشر الدية قبل أن يلحس السكين المدعى عليه. وإذا ثبتت الحالة والتهمة على المتهم بالقتل يربط المدعى بكفيل قوى على أن يأخذ حقه من المتهم حيث يجده وألا يقتله بجانبه، ثم يجعل المتهم يلحس سكينة محمرة من شدة الحرارة فيأخذ حقه بناء على الحكم الذى ثبت من الجهة غير المحقة فى القضية ويرد نقود المحق، وإذا رضى المدعى بتسوية الموضوع فى القتل عن طريق دفع الدية، عندئذ يربط الموضوع على دفع الدية مقسطا حسب قدرة المتهم المالية وما تظهر من قضايا بعد ذلك يحلها وفق ما سبق بيانه. الجرة: الاسم الخاص لقانون تتبع الآثار. وفراسة العرب فى تتبع الآثار شئ مثير للتعجب. وأكثر العربان يستطيعون أن يخبروا عن الوقت الذى مر فيه ومن أى مكان ما حيوان أو إنسان بالنظر للآثار التى تركتها قوائم الحيوان وأرجل الإنسان. وقد جرب البدو الأحوال التى تحدثها الرياح على الأرض كما جربوا صلابة الأرض وليونتها، وجعلوها تحت ملاحظتهم. وبما تقرر بينهم من فن المقايسة والموازنة ودلالته الواضحة يدركون الوقت الذى مر فى هذا المكان صاحب الأثر وإن كان الوقت ليلا. وإنهم يدركون ما تقع تحت أبصارهم من الآثار وهم سائرون ليلا، فيعرفون أن طائفة ما من العربان مرت من هناك قبل يوم أو يومين أو قبل ذلك كما يعرفون عدد جمالهم ومقر القبيلة التى تتجه إليه حتى إنهم يخبرون عن أفكار

стр. 2143

تلك الطائفة قائلين بأنها كانت ذاهبة إلى القبيلة الفلانية للإغارة عليها والاستيلاء على أموالها، وإنهم يثبتون صدق مدعاهم بموافقة ما أخبروه للأحداث. حتى إن قبيلة ما حينما تتجه إلى مقر قبيلة للإغارة عليها ليلا فإذا رأت آثار أقدام كثيرة، فهم بدلالة فن تتبع آثار الأقدام أن هذه الجماعة لا يمكنها أن تقاوم أعدادها لذلك تبدل طريقها وتغير جهة سيرها. وإذا رأى العربان العائدون دون أن يوفقوا فى القبض على الجماعة التى كانوا يقصدونها آثار أقدام عربان أخرى فيتتبعونهم حتى يدركونها وينهبون أموالها، ويسلبونها ويطلق العربان على هذه المقاتلات بينهم للسلب والنهب اسم غزوة». وبين العرب طائفة تعرف ب «القصاصون» ولما كان شغلهم الشاغل الاهتمام بتتبع الآثار، لذا فهم يتفوقون على سائر العربان فى هذا الخصوص. وإذا ما قتل أحد البدو الآخر أو سرق ماله، أو ارتكب منكرا آخر فهرب من خوفه، فإذا لم يعرف أفراد القبيلة الهارب فإنهم يأتون برجل من طائفة القصاصين ليتتبع آثار الرجل، وهكذا يبدأ الرجل فى تتبع آثار الرجل بشم رائحة الحجارة ويتعقبه، وحس القصاص فى هذا الخصوص مصيب لأقصى درجة حتى إنه يستطيع أن يعرف إذا كان صاحب الأثر رجلا أو امرأة، وإذا كانت امرأة هل هى بكر أو ثيب وإذا كانت ثيب، هل هى حامل؟ أم لا؟ كما يعرف من آثار الإبل هل هى محملة أو غير محملة وذلك من تأثير قوائمها على الأرض. ولما كانت آثار أكثر الناس قد ثبتت فى أذهان القصاصين فإذا ما رأوا آثارهم يخبرون قائلين: «هذا أثر قدم فلان بن فلان. ويؤكدون صحة أقوالهم بمطابقتها بالواقع. وقد حدث مرارا وبعد التجارب أن قصاصا قد تعقب آثار أقدام حيث اختفى صاحبها فى مكان ما أو فى منزله وقبض عليه. وعندما يدل أحد القصاصين على أثر قدم فالقصاص يخبر بهوية هذا الرجل وأين ذهب وما القصد من ذهابه وما

стр. 2144

أمله، كل ذلك بالنظر لآثار أقدامه. وبناء على هذا لا يتتبع آثار ذلك الرجل ويصدق ما قاله القصاص. ويعاقب صاحب الآثار الذى ارتكب الجرائم وفق قانون الجزاء والمؤاخذة بعد إجراء التحقيقات. وإذا وجد قصاص مشهور فى قرية ما أو فى قبيلة ما فلا يتجرأ أحد من تلك القرية أو القبيلة على السرقة. لما كان أحد القصاصين قد برع فى فن تتبع آثار الأقدام واكتسب مهارة عظيمة فكان اللصوص لا يتجرءون على السرقة ليس فى قرية ذلك القصاص فقط بل حتى فى القرى المجاورة لقريته. وأراد أحد البدو أن يجرب مدى علم هذا الرجل فحاصره فى ليلة حالكة الظلام وضربه بعصا حتى أغمى عليه ووقع على الأرض، ولما أفاق المضروب بعد ساعة نظر إلى آثار أقدام الضارب ولكنه لم يستطع أن يتبينها لشدة ظلام الليل، وظل فى مكانه حتى الصباح وفى الصباح عاين الآثار بدقة فى ضوء النهار وعلم أن صاحب الآثار قد عاد إلى منزله، ولما كان صاحب دكان شغل بعمله. ولكنه كان يزن كل من يمر من أمام دكانه بميزان الملاحظة والمقايسة. وبعد هذه الحادثة بثلاث سنوات بينما كان جالسا فى دكانه وثب فجأة وضرب رأس أحد أبناء السبيل بعصا وأوقعه على الأرض. وقال للذين سألوا عن سبب ذلك: «كان هذا الرجل ضربنى قبل ثلاث سنوات فى المكان الفلانى على رأسى بعصا وأوقعنى على الأرض ليلا وفر. وإننى كنت نقشت أثر الرجل فى ذاكرتى. وكان أثر قدم هذا الرجل مطابقا تماما للأثر الذى فى ذهنى لأجل ذلك ضربت الرجل بعصا مقتصا منه». ولما سئل المضروب قال: «نعم كنت قد تجرأت قبل هذا بثلاث سنوات على ارتكاب هذا الفعل لأجربه فى مدى مهارته فى فن تتبع الآثار».انتهى. وفى الواقع أن فن تتبع الآثار قديم بين القبائل العربية، وقد ذكر فى كتب

стр. 2145

السير أن النبى ﷺ حينما هاجر واختفى فى غار ثور قد أخبر به القرشيون من قبل القصاص الذى عينوه كما أن القصاص أخبرهم أن النبى ﷺ لم يتقدم خطوة إلى الأمام بعد هذا الغار. ولكن القرشيين وجدوا أمام ذلك الغار بيوت عنكبوت عديدة فوقه كما وجدوا أمامه عش حمامة وقالوا: «إن هذا المكان لم يدخله إنسان حتى قبل ولادة محمد ﵇» وبهذا الادعاء كذبوا القصاص، وكلما أصر الرجل على رأيه كان الله- -يصرف أذهان هؤلاء عن تصديقه. تتبع أخبار الأحداث واضطرارهم لذلك: كان عربان القبائل يخافون من السيل والأمطار ومن الظلم والتعدى، كما يحترزون من التقلبات الجوية والرياح والعواصف وكانوا مهتمين أشد الاهتمام بأخبار الوقائع والحوادث، ويحصرون أفكارهم فيها حتى لا يصابوا بكارثة دهياء. وأصبحت لديهم عادة الاطلاع على جميع أحداث الأماكن المختلفة، لذلك يسألون من يصادفونهم من أبناء السبيل عن المكان الذى يأتون منه وعن الجهات التى يتجهون إليها، وعمن رأوهم فى الطريق من قطاع الطرق، وعن العربان المغيرين، وعن مرض الحصبة والأمراض الأخرى، وعن الأماكن التى أمطرت السماء فيها، وعن السهول والوديان والمراعى. وإذا كان آتيا من بلاد ما يسألونه عن أثمان الأغذية والأوزان ولا يغادرونهم إلا بعد أن يستوفوا إجابة أسئلتهم. ولكن مثل هؤلاء المسافرين يحترزون من إعطائهم الإجابات الصحيحة لأسئلتهم، ولا سيما عن الأماكن التى يتجهون إليها خوفا أن يقطعوا طريقهم ويغيروا عليهم. وإذا مر أحد المسافرين فى مجمع خيم البدو وأراد أن يستريح قليلا فيأتى

стр. 2146

واحد من جماعة البدو يبدأ أسئلته قائلا «إيش علومك» ويتطلع إلى مدى علمه بالأخبار فيجيبه المسافر قائلا «خص وأنا أقص» أى عين وحدد سؤالك بالضبط وأنا أجيب عليك. وعندما يقول المسافر «خص وأنا أقص» يبدأ السائل فى الاستفسار عن الأشياء التى سبق ذكرها، ويعود بعد ما يتلقى الإجابة عنها. والمسافر مضطر للإجابة على أسئلة كل واحد منهم، فلا يستطيع أن يقول قد أجبت على أسئلة واحد منكم فاستفسروا منه». وبما أن كل واحد من هؤلاء المستفسرين يبلغ قبيلته بما سمع وهؤلاء يبلغون الآخرين فحادثة ما إذا حدثت فى ركن من أركان الجزيرة العربية تنتشر على الألسنة وتذيع فى جميع أنحاء الجزيرة العربية. سياسة الأمراء: وسياسة أمراء العربان مرتبطة بقوانين معينة، إذ يستمع كل أمير إلى قضايا المدعين الذين يأتون لفض المشكلة. وكل من يخسر القضية يأخذ منه الأمير رأسا ما يجب عليه دفعه، ويسلمه لصاحب الحق سريعا ويأخذ ضعف ما يثبت عليه تنكيلا به وبعد ما يدفع نصفه للمدعى يضع النصف الثانى فى صندوق بيت المال الذى تحت إدارته. إذا ما تعدى أحد العربان على الآخر يتحرى سبب المشكلة من قبل الأمير أولا فإذا كان هذا التعدى قد حدث قصاصا مقابل جناية وقعت لأحد خمسة الجانى منذ زمن بعيد فيعفو عنه. أما إذا تبين ظلمه فإنه يسجن فى مكان مكشوف أمام دائرة الأمير، ويعاقب بحرارة النهار وبرودة الليل إلى أن يصلح ما بينه وما بين خصومه. ويعين الأمير جواسيس بين القرى والمنازل التى يحكمها ليطلعوا على الأحداث، وبالتالى يطلع الأمير على ما يحدث فى الأماكن التى يحكمها. وإذا

стр. 2147

ما عرف بوجود جياد أصيلة أو إبل كريمة عند أحد الناس فيأخذ إناث هذه الحيوانات من أصحابها لزيادة نسلها فإذا ما قدم له طلبه كهدية فيعطيه فى مقابل خلقه بعض النقود أو يخلع عليه خلعة، وهكذا يراعى جانب المهدى. أما إذا تردد صاحب المال فى تقديمه فقد كان الأمير يجمع رجاله ويهاجم هذه القبيلة بغتة، وينهب كل ما لدى هذا الشخص من خيول وجمال وأغنام، بل كثيرا ما كان يصل الاعتداء على الأرواح أحيانا، وبعد السلب والغارة، كان الأمير ينتظر بعض الوقت للراحة فى مكان قريب من هذه القبيلة، فإذا وفد إليه بعض رجالها للاسترحام وعرض الولاء والطاعة والندم كان يرد إليها أموالها ومواشيها. ولما كان الأعراب لا يسلمون من الغارة والهجوم، لذلك لم يكن أى منهم يهتم بالثروة الثابتة، بل كان كل ثرواتهم من الأشياء المنقولة، وكانوا لا يهتمون بالعمل بالزراعة والتجارة لأنها تتطلب الإقامة الدائمة، وهم يفضلون حياة التنقل والترحال، ولذلك استنوا لأنفسهم سنة فيما بينهم تقضى بأنه إذا تعرض البعض منهم إلى النهب والسلب وسلبت كل أمواله ومواشبه، كان كل منهم يقدم إلى المغبون عونا يتمثل فى بعض الأغنام أو الإبل حتى يتلافى ما ضاع منه. وكان الجميع ملزمين بهذا القانون. ليس للحجاز مثل البلاد الأخرى أنهار ومياه جارية وآبار ولحكمة الله ينزل المطر هناك فى السنة عدة مرات. أو فى عدة سنين مرة واحدة، لذا لم يمل سكانها للمدنية والاستقرار وتنقلوا حيثما سمعوا أن هناك أمطارا وحيثما تشبع حيواناتهم انتقلوا هناك مفضلين البداوة على المدنية. ورأوا فى التسكع هنا وهناك فخرا ولم يجدوا فيه عارا، والغرابة تكمن فى هذه النقطة. إذا أراد أمراء العربان فى غير الحجاز واليمن أن يحضر أحد الأشخاص للمنازعة والمناقشة أو أى مطلب كان فإنهم كانوا. يكتبون على ورقة صغيرة أمر استدعائهم له ويرسلونها إلى ذلك الشخص وعندما يصله هذا الاستدعاء فإنه كان لا يتأخرو يستعجل للحضور، وهذا من ضمن أحكام قوانينهم الموضوعة، وعند ما

стр. 2148

يحضر المدعوون يضرب الأمراء على العصيان التى فى أيديهم بخناجرهم ثلاث مرات، ويعود المدعوون ويظهرون أثر ضربات الخناجر لخصومهم فيذهب هؤلاء بدورهم إلى حضور الأمراء والويل كل الويل لهم لو تأخروا. والآثار والخطوط التى تحدث فوق العصيان يطلق عليها بين البدو «وقر». إذا أراد أحد أمراء العربان أن يحارب أميرا أو قبيلة فبما أنه ليس عنده جنود منظمة يبعث إلى شيوخ القبائل الذين يتبعونه مبينا عدد الأفراد الذين يريد إحضارهم والمكان والوقت الذى سيتلاقون فيه. ويحضر هؤلاء إلى المكان المعين وقد أعدوا لوازمهم الحربية ومؤنهم الغذائية. ولما كانت قيادة هؤلاء الأشخاص الذين حشدوا فى يد الأمير الذى استدعاهم فيتولى الأمير قيادتهم ويتوجه بهم إلى مقر إقامة القبيلة التى يريد أن يغير عليها. وقبل أن يتحرك يرسل عددا من الجواسيس ليطلع على أحوال القبيلة التى يريد أن يحمل عليها. ولما كان استخدام الجواسيس من عادات أمراء العرب فإنهم كانوا يستخدمون فى هذا الأمر أناسا موثوقين فى كتمان الأسرار فالجواسيس الذين يذهبون لاستطلاع أحوال القبائل وكشفها لا يمدون أحدا بالأخبار إلا الأمراء. وبعد ما يتعرف الأمير الذى يريد أن يخوض الحرب على أحوال القبيلة الداخلية معرفة جيدة بواسطة الجواسيس يلقى للأفراد الذين تلقى قيادتهم أشعارا مؤثرة وخطبا حماسية فيملأهم حماسا وشجاعة ويقطع المسافة التى تقطع فى يومين فى ليلة واحدة ويفاجئ القبيلة التى يريد أن يغير على مخيمها فجرا بالهجوم. وفى مثل هذه الحملات يرسل الأمراء الذين تولوا القيادة، البدو فى مقدمة الجيش كالقناصة ويسوقونهم بينما هم يظلون فى المؤخرة كقوة احتياطية فى جهة ما منتظرين النتيجة. فإذا ما أحسوا آثار ضعف أو انهزام فى القناصين يهاجمون عامة وهذا من عادات العربان الجارية وقوانينهم المرعية.

стр. 2149

وإذا ما قدر لهذه الحملة أن تنكل بالعدو وتغنم منه أغناما كثيرة، فقد كان الفرسان يحتفظون ببعض الغنائم لأنفسهم ويقدمون الباقى لقائدهم. وإذا أعلنت إحدى القبائل الخاضعة لأحد الأمراء العصيان عليه وخالفت أوامره، كانت القبائل الأخرى تنصرف عنها، ولا تتعاون معها فى أى أمر من الأمور مالم تعد إلى طاعة أميرها. بل إن الأمر كان يبلغ أكثر من ذلك، فقد كانت تمتنع عن المشاركة فى القتال معها، إذا ما تعرضت لعدوان من قبائل أخرى .. وكان سبب ذلك بالطبع هو قوة الأمراء وظلمهم وتعسفهم.

стр. 2150

قضاة وفقهاء الحكومة إن أمراء العربان يستخدمون نوعان من القضاة أولهما القاضى والآخر الفقيه. وإذا ما رأوا بين الجماعة من طال شاربه يستوقفونه على باب المسجد، ويأمرون بأن يعاقب الذين لا يداومون على أداء الصلاة مع الجماعة والذين يستخدمون الدخان والتنباكو، والنشوق وفق القوانين المرعية. ووظائف هؤلاء فقهاء البدو لا يتعدى مثل هذه الأمور. أما القضاة فكانت مهامهم تتلخص فى الفصل فى الدعاوى المخالفة للأحكام الشرعية، وكذلك الدعاوى القديمة. وكانوا لا ينظرون أية دعوى مالم يقم أصحابها بتسديد الرسم الذى يقرر حسب أهمية الدعوى، والذى كان يطلق عليه اصطلاحا «خبذ». ويطلق على أحد أنواع الأسلحة فى مصطلح البدو «خبذ» أيضا. وبعد ما يؤدى الرسم المذكور يعرض المدعى قضيته وبينته أمام مجلس يتكون من عدة أشخاص مسنين كما أن المدعى عليه، يعرض إجابته أمام تلك الجماعة. وبعد ما يستمع القاضى لادعاءات الطرفين يسجلها مضبوطة فيترك حل القضية والفصل فيها لآراء الحضور. ولكن قبل أن يحكم أعضاء المجلس بالإجماع فى القضية يأخذ أحد أعضاء المجلس المدعى والمدعى عليه خارج المجلس ويحاول أن يحل القضية بالصلح

стр. 2151

ناصحا لهما وذلك بأمر القاضى وتصويبه، وإذا لم يستطع أن يصلح بينهما يبعث شخص آخر من قبل المجلس وتستمر النصائح إلى غروب الشمس وفى هذه الفترة يذهب كل واحد من أعضاء المجلس لإصلاح ذات بين المتخاصمين واحدا تلو الآخر ويسعون لتسوية الأمر. وإذا لم تنجح مساعيهم. يسأل القاضى الحضور قائلين: «هل حدثت مثل هذه القضية من قبل؟» ويجيب كل واحد من الموجودين بإجابة ما، ثم يقبل القاضى أقرب الإجابات لتلك القضية وأنسبها، وبعد أن ينفذ الحكم يعطى القاضى مهلة لتسوية الدين ويطلق سراح كفيل المحكوم. وإذا اقتضى أن يحلف أحد المتخاصمين يمينا. فإن اليمين بين العربان نوعان: أحدهما يمين خاص بمواد عادية والآخر خاص بالمواد المهمة. والمواد العادية عبارة عن «الأموال المسروقة وارتكاب المنكرات» أما المواد المهمة عبارة عن جنايات خطيرة مثل القتل والزنا. اليمين الأول عبارة عن تلاوة العبارة الآتية». «والله العظيم والله الكريم، والله الذى لا إله إلا هو خالق البرية، العالم بكل خفية، رافع السموات العلية، قاطع المال والذرية ومفرق الخمس قضابة الجنبية». واليمين الثانى هو تكرار لفظة والله والله أربعين مرة، وصورة اليمين الثانية هى صورة اليمين الأول يطلق العربان على مثل هذا الحلف «أيمان شديدة». وقد انقسم تحليف اليمين عند العربان إلى ثلاث أقسام. «يمين مخففة مفردة، يمين مخففة غير مفردة، ويمين مغلظة». القسم الأول: اليمين المخفف المفرد وهو عبارة عن قول «والله العظيم وبالله الكريم». ٢ - القسم الثانى: هو اليمين الذى سبق تعريفه وهو «والله الذى لا إله إلا هو خالق البرية،

стр. 2152

العالم بكل خفية، رافع السموات العلية، قاطع المال والذرية، ومفرق الخمس قضا به الجنبية» ويقال لهذا اليمين المخفف غير مفرد. ٣ - القسم الثالث: هو الحلف بقول «والله والله» أربعين مرة ويقال له: «الأيمان المغلظة». ويكلف العربان بحلف الأيمان المخففة فى حالة المال المسروق. والحقوق المالية المتكررة. ويحلف الأيمان المغلظة فى حالة الجنايات مثل القتل والزنا والجنايات العظيمة.

стр. 2153

الطب العربى بما أن أفراد القبائل البدوية لا يقتنعون بعلاج أطباء العرب وجراحيهم المتمدنين، لذا قرروا أن يعالجوا مرضاهم بالأدوية المجربة بينهم. الصفراء: ويحمل العربان كل من يصفر لونه قليلا على أنه حدث له من التهاب الكبد، وعلى هذا يطلون عقب المريض بزيت زيتون ثم يكوونه بإبرة كبيرة أو سكينة (١) صغيرة ملتهبة من الحرارة على شكل صليب وبطريقة مؤثرة ثم يسقون المريض قدرا من الماء المختلط بالفلفل الأسود. فيزول مرض المعلول بحكمة الله تعالى بتأثير تلك العملية. وإن كان الأطباء يعالجون هذه العلة بأدوية مركبة من بعض مياه معدنية وأحيانا بسولفات، ولكن بما أن هذا المرض له أنواع مختلفة فلا يعالج إلا إذا عرف نوعه وشخص. الإمساك: فالذى يجد صعوبة فى التبرز يسقونه لبن النياق فيحدث هذا اللبن فى داخل جسمهم ليونة فيزول عنهم ما يعانون منه. ويستعمل الأطباء الآن لإزالة الإمساك الزيت الهندى والملح الإنجليزى وأدوية مماثلة لهما. الصداع: ويداوون الصداع بكى أحد الأوردة التى فى الرأس برأس مسمار ملتهب كما أنهم يكوون أحد الأوردة التى فى الرأس لوجع العين.

стр. 2154

ولما كانت العملية التى تجرى لوجع العين مجربة كذلك من أهالى المدينة المنورة، لذا قد حدث مرارا أنهم قد عالجوا المرضى الذين تعرضوا لوجع العين بأخذهم إلى أحد العربان الذى اشتهر فى الكى وجعلوه يكويهم. وهذا جار حتى الآن. والأطباء يعدون أدوية الصداع حسب نوعه، لذا يجب أن يستعمل فى مداواة مرض العين الدواء الذى يناسب نوع هذه العلة. وقد تقدم فى زماننا معالجة أمراض العين تقدما عظيما حتى ظهر أطباء حذّاق ومشتهرون وتعالج علة العين بواسطة هؤلاء المتخصصين. إذا ما شق بطن أحد الناس بالرمح، أو الخنجر، أو أية آلة حادة وخرجت أمعاؤه خارج البطن، عندئذ يقطعون من داخل المجروح شحما من داخل بطن الرجل كمية صغيرة، ثم يسخنونها على النار حتى توشك على الذوبان ثم يرتبون الأمعاء ويضعونها فى أماكنها ويطعم المجروح بهذا الشحم الساخن ثم يخيطون الأماكن التى قطعت من بطنه. وبعد أن يخاط جرح المجروح يكوى، وهذا من مقتضيات الطب البدوى. وبعد أن يخاط جرح المجروح يوضع عليه قطعة من القماش وعليها عسل مخلوط بكمون ويربط الجرح عدة أيام ويغير هذا القماش عدة مرات حتى يلتئم الجرح ويطعم المجروح بحساء العظم أو اللحم فقط. وهذه العملية الخاصة بفن الجراحة قد تقدمت تقدما عظيما والأمعاء التى خرجت خارج البطن يدخلونها وفق فن الجراحة فى داخله، ثم يخاط بواسطة الإبر والأدوات الخاصة بهذه العملية، ويوضع عليه ما يلزم من الأدوية ويغطى بقطعة قماش ويلف ثم يعالج حسب ما تقتضى حالة الجرح علاجه. ومن عادات البدو قبل إجراء العملية إطلاق رائحة المسك والبخور. وبناء على اعتقاد أفراد البدو إذا ما أطلق فى أثناء إجراء العملية عطور ذات رائحة طيبة وشمها المجروح فإنه لا يتأثر من تعفن جرحه.

стр. 2155

وإن كان إشمام البدو للمريض روائح طيبة، حتى لا يصاب بإغماء ولكن الأطباء اليوم يسقون المريض بعض الأدوية مثل «فوردى يال» حتى لا يصاب بإغماء. ويستخرج حكماء البدو وأطباؤهم الرصاصة من داخل الجسم بسكينة ملتهبة فى النار بمهارة فائقة من الجسم بعد أن يشقوا مدخلها. وإذا كانت الرصاصة قد وصلت إلى العظام وهشمت العظم ولم ينتبه المداوى لتلك الحالة والتأم الجرح ثم انتكس الجرح عندئذ يفتح المداوى الجرح كالمرة السابقة بسكينة ملتهبة فى النار ويخرج قطع العظم المهشمة ثم يخيط المكان الذى فتحه ويعالجون الجرح بتركيبة من العسل والكمون إلى أن يتم الشفاء ويلتئم الجرح. يستعمل الجراحون فى عمليات استخراج الرصاص أنواعا من الآلات التى صنعت خصيصا لذلك الغرض. وإذا ما تورم عضو من أعضاء أحد الناس وأصيب بالغرغرينة فى الداخل ولم يظهر له فتحة أو رأس عندئذ يشيرون إلى محل التورم بتراب الفحم ثم يدخلون الإبرة الكبيرة التى التهبت فى النار من شدة الحرارة فى سرعة ساحرة فى المكان الذى أشير ويخرجونها وبعد أن تخرج من الداخل التقيحات يصنعون فتيلا من قماش ويغمسونه ب (خيليت).ويدخلونه فى داخل الجرح. ويستعملون هذا الفتيل ما يقرب من ثلاثة أيام وفى اليوم الرابع يضغطون على الجرح إلى أن يخرج الدم الأسود والماء الأصفر. وبعد ذلك يتركون الفتيل ويضعون على الجرح بصلا مقطعا ويستعملون هذا الضماد. والأطباء فى زماننا يستعملون بعض الأدوية ليقضوا على هذا النوع من الأورام وإذا لم تأت الأدوية بنتيجة حاسمة فإنهم يتدخلون جراحيا ليزيلوا التقيحات الداخلية. والعرب يكوون رأس من وقع من مكان عال ومن فوق الحصان أو الجمل فتأثرت ضلوعه أو انكسرت.

стр. 2156

ولما كان تكسر العظم شديد الألم فالأطباء يعالجون ذلك حسب شكل وأهمية العظم المكسور. ويطعم العربان من تعرض للفتق بذرة القطن المطحونة المخلوطة ببياض البيض. أما بين الأطباء لا علاج للفتق إلا «رباط الفتق». أما من تعرض لمرض (داهنه) يدلكون جسمه بالزيت المخلوط برماد الخشب المحروق ثم يمسحون الزيت ويدخلون فى المنافذ التى ظهرت فى الجسم ابرة ثلاث مرات ويخرجونها. وإن كان المريض لا يحس بألم الإبرة التى تدخل ولما كان المكان سينزف عند إخراج الإبرة فالإبرة التى أدخلت مرة ثانية تؤلم أشد الألم وإدخال الإبرة للمرة الثالثة يسبب ألما لا يحتمل. واشتداد الألم بناء على اعتقاد البدو دليل على برء الجرح وعندما يشتد ألم الإبر يتركون إدخالها وإخراجها. الداهنة: داء خاص بالقبائل البدوية ومن يصاب بهذا المرض يحدث فى أصل كل شعرة من جسمه ابتداء من صرته حتى قدميه ثقب صغير ونتيجة لهذه الثقوب يصيب المعلول ضعف ويشعر بألم شديد حتى يظن أن عظامه تتألم. ومن يصاب بداء الرياح والغازات والقولون يجعلونه يأكل الخبز الساخن غامسا فى مسحوق النعناع إلى أن يشفى ومن جهة أخرى يطلونه بزيت الزيتون وزيت النعامة. كما أنهم يكوون من تلدغهم الحية أو الثعبان بعصا مدببة محروقة وبما أن هذه العصا تمسك السم ولا تسمح بانتشاره وتجمعه فى فتحة الجرح فيداوونه بالعسل والكمون.

стр. 2157

وإن كان هذا النوع من التداوى يوافق الطب الحديث إلا أنهم الآن يداوونه بطريقة أخرى. والمريض الذى أصابته رياح السموم يسقونه قدرا من المسلى الطبيعى وينيمونه ويغطونه بأغطية كثيرة قدر تحمله ويجعلونه يعرق ويستفرغ ويمنعونه من شرب الماء قدر ساعتين. والأطباء يعالجون مثل هذه الأمراض نتيجة لوخامة الهواء والجو بطريقة أخرى أيضا. أما الذى تعرض للرياح والبرد حتى لا يستطيع أن يتحرك يداوونه بحفر حفرة عميقة قدر طوله ويوقدون فى داخلها النار ويسخنون التراب ثم يبردونها قدر التحمل فينيمون المعلول داخل هذه الحفرة، ويغطون كل جسمه بالتراب ماعدا رأسه كما أنهم يغطون رأسه بقماش حتى لا يتعرض للتيارات الهوائية ويجعلونه يعرق ويتركونه حتى آخر قدره من التحمل ثم يخرجونه، ثم يزيتون جسمه بالزيت ويلفونه بأقمشة غليظة ويتركونه هكذا مدة ثلاث ساعات ثم يسقونه حساء اللحم. ولما كان هذا المرض من نوع «رثية المفاصل» المشهورة فالأطباء يداوونه بالمياه الساخنة والمعدنية وهذا النوع من العلاج مرغوب لدى الأطباء الأوربيين. كما أن المستشفى به يداوونه بهذه الصورة، إلا أن المستشفى به يخلعون عليه فرو الحيوان المذبوح ثم يرقدونه فى داخل الحفرة ويجعلونه يعرق. وعندما يخرج من الحفرة تكون بطنه قد رجعت لحالتها القديمة أى أن التراب يكون قد امتص جميع ما فى بطنه من الماء الفاسد. والمصاب بمرض الاستسقاء الذى يصل إلى هذه الدرجة يدهنون جسمه ويقومون بتكملة التداوى. والأطباء يستخرجون هذا الماء بواسطة آلة خاصة، وكلما ساءت الحالة وتدهورت يخرجون الماء بالآلة المذكورة.

стр. 2158

والمرضى الذين يتعرضون للقئ والإسهال يكوون أخمص أقدامهم بحديد ملتهب فى النار على شكل صليب. وما زال هذا النوع من التداوى والعمليات الجراحية تجرى بين العربان حتى اليوم. وأفراد القبائل العربانية لا يعرفون شيئا أكثر من ذلك. كما أنهم لا يقبلون تداوى إلا من يعرفونه.

стр. 2159

الكرم العربى: يشتهر قبائل العربان العربية عامة بالكرم والجود والسخاء حتى الفقراء منهم يجب أن يقدموا لضيوفهم ما يستطيعون تقديمه وإطعامهم على قدر إمكاناتهم. وهم منذ القديم يشتهرون بالجود والمروءة والشهامة لأجل ذلك فالكرماء منهم ممدوحون والبخلاء مذمومون غير مقبولين بينهم. ومهما كان البدوى فقيرا أو محتاجا لنصف رغيف خبز فهو مجبر على استقبال الضيف حسب قوانينهم. لذا تجد فى خيمة كل واحد منهم مكانا لإقامة الضيف وصنع القهوة. ولما كان بعض العربان يفرحون غاية الفرح بظهور الضيف فإنهم ينتظرون كل صباح ورود الضيف ويناجون الله- -أن يبعث لهم ضيفا. وإذا ما جاء فى قرية بدوية ضيف، سواء أكان معروفا أو نكرة، يحرص أهل تلك القرية على استقباله بل يتنافسون فى سبيل ذلك، والذين ظلوا فى الخلف يرمون عصياتهم من فوق من سبقوه ويدعون بهذا بأنهم سبقوهم فيأخذون الضيوف إلى منازلهم. وإذا صادف أن لقى أحدهم ضيفا وفى بيته ضيف ورأى هذا الضيف شخص آخر من القرية وشكى من عدم وجود ضيف فى منزله منذ عدة أيام ودعا الضيف الثانى إلى بيته فيوافق صاحب البيت الأول وضيفه على ذلك حتى لا يكسروا خاطر ذلك الرجل.

стр. 2160

وأول تحية عربان العرب لضيفهم أن يقدموا لهم ثلاثة فناجين قهوة متتالية، ولكن بن هذه القهوة لا بد أن ينضج بعد ورود الضيف ويطحن فى المطحنة ويسوى فى إبريق من الفخار يطلق عليه «جبه نه» وألا تكون القهوة زائدة عن حاجة الضيف وأن يكون فى فم جبه نه ليف. إضافة: ومن عادات قرى الأناضول تسوية القهوة فى الفرن بهذه الصورة. فإذا سمع أحد القرويين فى الأناضول أن ضيفا وصل إلى غرفة الضيافة يأخذ شيئا من البن النيئ ويسرع بإعطاء البن لصاحب المقهى الذى يحمص البن ثم يسويه ويقدمه للضيف وبعد ذلك يخاطب صاحب القهوة الضيف ويطيب خاطره قائلا: «مرحبا». إلا أن بعض القادرين يقدمون للضيف قبل القهوة تمرا أو زبدة وبعد الماء اللبن الرائب وبعد ذلك يقدم قهوته ثم يسأل عن أحواله وصحته، وهكذا يقوم بمراسم الضيافة ثم يحضر ما جهزه من الطعام، ويبتدر راجيا أن يأكل الطعام قائلا: (حياك الله على موجودنا) وكأنه يعتذر عن قلة طعامه. وليس من عادات العرب أن يتناول المضيف الطعام مع الضيف، لذا فهو ينسحب إلى ركن وإذا كان فى الحجرة بعض الأشخاص يتناولون الطعام مع الضيف. وإذا كان الطعام الذى قدم خروفا أو حملا، قسمه الضيف ثلاثة أرباع أمامه؛ وربعا يرسله إلى أهل البيت عن طريق أحد الموجودين، ويأكل من كل أعضاء الخروف ما عدا رأسه وذلك لأهل صاحب البيت ويبدأ فى تناول الطعام مسميا باسم الله. وبعد الانتهاء من تناول الطعام يخاطب أحد الحاضرين صاحب الطعام قائلا: «يا مضيفنا أنعم الله عليك» وعندئذ. يتقرب صاحب البيت من الضيف ويقول

стр. 2161

له: «هنيئا وعافية، ولا علينا فيما قصرنا به قدركم عند الله أعظم».وهكذا يعامل الجميع. ويأكل صاحب البيت ما بقى من الطعام مع جيرانه، والذين لا يقدرون على ذبح كبش يذبحون شاة أو نعجة أو يحلبون لبنها ويطعمون ضيفهم. ولا يستقبل بعض العربان ضيوفهم هكذا من بعيد، وحيثما نزل الضيف يتلقاه صاحب البيت بالترحاب وإذا لم يكن موجودا فحرم صاحب البيت تقوم بالواجب نحو الضيف. والذين لا يملكون غير ناقة يحلبونها يقدمون لضيفهم لبن ناقتهم معتذرين، كما أن بعضهم يشترون من السوق أو من جارهم معزة أو نعجة ويطعمون ضيوفهم وإذا لم يجدوا وقتا لذلك ففى هذه الحالة يمسكون بنعجة أو معزة جارهم ويذبحونها وبعد ذلك يقدم له ثمنها والجيران لا يقولون له شيئا بل يستحسنون هذا الفعل. والضيف الذين يردون عندما يشح لبن النياق، أو يندر فيه الحيوانات يكرمون ضيوفهم بالجبن الذى خزنوه فى الصيف. إذا ما حضر ضيف بينما يتناول طعام فى خيمة ما فعلى الضيف أن يجلس على المائدة بدون تكليف. إذا لم يجلس الضيف على المائدة ينظرون إليه نظرتهم إلى الخائن، وإذا كانت المائدة قد رفعت بعد أكل الطعام فالخادمة تدعو الضيف. وعندما يدخل الضيف فى الحجرة أو الخيمة يقوم الحاضرون على خدمته فيسقى الضيف ثلاثة فناجين قهوة ثم يجلسون ويستفسرون عن حاله وخاطره وعن العشيرة التى ينتمى إليها وعن سبب مجيئه. وإذا نهب ضيف فى الطريق بعد ما خرج من البيت الذى كان ضيفه ثم عاد لنفس المكان الذى كان فيه ضيفا فيحظى مثل هذا الضيف على قدر مكانته بصحابة صاحب الدار.

стр. 2162

وإذا فرضنا أن الضيف قد شرب قهوة صاحب البيت فقط يسير معه مسافة أربع ساعات وإذا كان شرب لبن يسير معه اثنتى عشرة ساعة ويقوم بحمايته ويسترد ما سرق من الضيف ويسلمه للضيف وإذا كان الضيف قد تناول طعامه أيضا فعليه أن يسير معه مسافة ٢٤ ساعة وأن يسترد من اللصوص ما سرق من ضيفه ويرده له وهذه الأمور من أحكام القوانين البدوية وعلى صاحب البيت أن يقوم بها على أكمل وجه. وقد يضحى صاحب البيت فى سبيل حماية ضيفه ووقايته بنفسه أو أولاده وعياله وعشيرته، وعلى الضيف أن يعد نفسه واحدا من أفراد صاحب البيت وأن يدافع عنهم إذا ما تعرضوا لهجمات الأعداد وأن يحل ما قد يظهر من المشكلات. معجزة: إذا كان بين البدو من لا يقبل الضيف ولا يحبه فعليه أن يستقبل ضيفه ويحتفظ بكرهه له فى قلبه. يروى أنّ النبى ﷺ كان قد شرف منزل بدوى من هذا القبيل ولما كان صاحب الخيمة غائبا فقد قامت زوجته بمقتضيات الضيافة وأحضرت حساء العدس الذى أعدته لزوجها ورجت النبى ﷺ أن يتناوله. وفى هذه الفترة وصل زوجها ولما وجد حساء العدس الخاص به أمام النبى ﷺ غضب غضبا شديدا ولكنه حسب القانون اضطر أن يكتم غيظه فى نفسه. وفى نفس الوقت أصاب فرسه التى فى الخارج مرض فتحير البدوى ولم يدر ما يفعله فاستنجد بالنبى ﷺ ، وأراد النبى ﷺ أن يظهر رضاه عن زوجة البدوى فقال: «امرأة بشوشة ورجل عبس، الضيف محمد، والطبيخ عدس أخرج أيها المفزعن هذه الفرس» ونفخ فى الفرس فطابت الفرس وفهم البدوى هوية ضيفه واعتذر مستغفرا وطلب العفو.

стр. 2163

والآن كل من يكتب هذا الحديث على بيضة ويكسرها ضاربا على جبهة الحيوان المعلول ويمسح فم الحيوان بهذه البيضة يزول عن الحيوان بإذن الله أوجاعه. تحمل الجوع والعطش: أغنياء البدو وأصحاب الثروة منهم قليلون جدا. والفقراء وأصحاب الحاجة فيهم كثيرون. وعربان القبائل من الأقوام التى تتحمل الشدائد وتصبر على الفقر والجوع وليس فى العالم قوم يتحملون ذلك مثلهم. والذى يشبع منهم مرة فى خلال أربعة وعشرين ساعة يعد نفسه سعيدا ولا يحصى عدد الذين يظلون جوعى عدة أيام متحملين ذلك وصابرين على الجوع. والبدو الذين يخرجون إلى الطريق للذهاب إلى مكان ما يأخذون معهم زاد يوم واحد بدلا من زاد أسبوع. وإذا صادفوا فى طريقهم بعض خيم البدو ينزلون عندهم ضيوفا ويشبعون بطونهم. وإذا لم يصادفوا فى طريقهم مثل هذه الخيم أو لم يمروا بقرية ما، فإنهم يعيشون بهذا الزاد القليل مدة أسبوع. كما أنهم يعيشون بتناول الأعشاب التى تنمو بجانب الأغادير التى تكونت من أثر مياه الأمطار. وعندما يتجهون إلى مكان ما للإغارة على بعضهم بما أنهم لا يملكون القمح والأرز فإنهم يطحنون الدخن وأوراق الأشجار التى يطلقون عليها اسم «بروق» ويعودون بما يلزمهم قدر حاجاتهم من الدقيق وكلما يجوعون يضعون فى أفواههم قدرا منه ويشربون ماء. ولا سيما عندما تقل الأمطار ويزيد القحط والغلاء يعيشون ببذور أشجار العرر. ويصل قدر تحمل البدو للجوع إلى هذه الدرجة إلا أن تحملهم للعطش أكثر من ذلك إذ يطوون البوادى الخالية من المياه ومسافات طويلة، عندما تهب رياح السموم بكل قوة وفى المواسم التى لا يستطيع الإنسان أن يسير من شدة الحرارة، سائرين على أرجلهم أو راكبين. وبما أنهم يعيشون هكذا جوعى دون مداواة يلزم أن تكون صحتهم أقل من

стр. 2164

الأقوام الأخرى (من أهل الحضر) إلا أنه بالعكس فصحتهم جيدة وأجسامهم قوية إلا أن قوة أجسامهم لا تكتمل فبنية أجسامهم نحيفة وهم فى غاية خفة الدم. وبينهم من تجاوز سنهم المائة ومع ذلك يحتفظ بصفى أسنانه كاملين. ولما كانت هذه الطوائف تنتقل من بادية إلى بادية غير مستقرة فى مكان ما ولا ينهمكون فى تناول أطعمة مختلفة، ويعيشون فى أماكن ذات هواء نقى سليم فإنه ليس فيهم من أصابته الحصبة إلا قليلا. ولما كان العربان مقتنعين بأن الحصبة مرض معد مهلك جرت عادتهم إذا أصاب أى واحد منهم هذا المرض وإن كان ابنه الوحيد فإنه يتركه عند من أصابه المرض من قبل وإذا لم يجد مثل ذلك الرجل يترك وحيدا. هذه العقيدة خاصة بالبدو الذين يسكنون فى الصحارى، إلا أن سكان القرى والمدن فى الجزيرة العربية والأماكن الأخرى والمتمدنين منهم لا يهربون ممن يصاب فى صباه بالحصبة، بل يعدون الأدوية الخاصة بها ويعالجونه.

стр. 2165

غزوات العرب وأيامهم، وما يتعلق بذلك من عاداتهم وتقاليدهم . الغزوة: تطلق الغزوة بين البدو على إغارة بعضهم على بعض ونهب أموالهم ومواشيهم وأغنامهم. والغزوة مقبولة وممدوحة لدى البدو كما أن الاشتغال بالزراعة والتجارة مذموم ومقدوح لديهم. وقد أحل هؤلاء-لجهلهم وقلة درايتهم بالأمور الدينية- (الغزوة) ظانين أنها مأخوذة من لفظة «غزاة» الإسلامية، ويتجرءون على أن يسلبوا أرواح الأقوياء إذا ما وجدوهم ضعفاء وأن ينهبوا أموالهم وممتلكاتهم، وبناء على ذلك تجد هؤلاء الذين يملكون أموالا كثيرة ومواشى وفيرة قد ضاعت منهم ثروتهم وغناهم فى لحظة واحدة بينما الذين كانوا لا يملكون حتى شاة يصبحون أصحاب الثروة والغنى. والعربان الذين يخرجون للنهب والسلب يتخذون أحدهم رئيسا وقائدا ولا يخرجون عن طاعته ورأيه. ومن أحكام السلب والنهب أن يكون نصف الخارجين فرسانا والنصف الآخر من المترجلين. وفى أثناء قتالهم لا يستخدمون الأسلحة النارية ولكنهم يقاتلون بالأسلحة البيضاء مثل السيف والرماح وما يشبهها من الآلات الجارحة. وبعد ما يهيئون مهماتهم الحربية ويتخذون تدابيرهم القتالية ويقتربون من مقر القبيلة التى يريدون أن يقتحموها، يختفون فى مكان ما. ويبعثون اثنين منهم للتجسس، ويصعد الجاسوسان على قمة جبل ما ويرصدون إذا كان ليلا عدد ثيران أعدائهم وإذا كان نهارا يرصدون جمالهم

стр. 2166

وأغنامهم والجهة التى ترعى فيها ومدى بعدها من الخيم فيخبران بهذا وإذا كان الوقت ليلا واقتنع المغيرون بأنهم يستطيعون التغلب عليهم يقتحمون مقر القبيلة صباحا، فينهبون أموالهم وحيواناتهم. وإذا كانت الغارة بالنهار يقيدون الرعاة فى جذوع الأشجار ويسوقون ما نهبوا من الحيوانات بسرعة شديدة حتى لا يلحقهم أفراد القبيلة المنهوبة، ويعودون إلى مأواهم. ويستدل أصحاب الحيوانات من عدم رجوعها وقد حل الليل على أن حيواناتهم قد تعرضت للسلب والنهب فيركبون ما احتفظوا به من الجمال والخيول فى جانب الخيم ويتتبعون المغيرين بضعة أيام فإذا ما أدركوهم واستردوا أموالهم بالحرب عادوا إلى أماكنهم فرحين مسرورين، أما إذا أدركوهم ولكنهم لم يتجرءوا على حرب أعدائهم لكثرة عددهم وقوتهم يعودون يائسين متألمين. أما إذا اعتمدوا على كثرة عددهم أو على بسالة وشجاعة أفراد جماعتهم فإنهم يتتبعون آثار ناهبيهم إلى مأواهم فيستردون أموالهمم بالحرب كما ينهبون أموال أعدائهم وحيواناتهم ويشتتون أفرادهم. ولا أهمية بين البدو لمن سقط ميتا فى أثناء الحرب والدفاع. ويتفق أحيانا خمسة أو ستة من أصحاب الهجين مع خمسة وستة من الرجال ويخرجون إلى الطريق فيقطعونه ويسلبون أموال وأشياء من يصادفونهم فى الطريق من العربان والمسافرين ويتركون أصحابها يندبون حظهم العاثر. وأحيانا يتفق ما يقرب من خمسة عشر شخصا أو عشرين من المترجلين ويصعدون إلى قمم الجبال حيث لا يمكن الوصول إليها بالحيوانات فينهبون ما يقدرون على نهبه من الأموال والمواشى ويتركون هؤلاء المساكين منتحبين عرايا مثل الحجاج الذين نهبوا فى طريق الحج. وإذا صادف مثل هؤلاء النهابين-قل عددهم أو كثر-الذين فارقوا مأواهم عصابات أخرى أقوى منهم يكونون كمن أضاعوا ما فى خيمهم من الأكل. وهم يذهبون لشراء الأرز من دمياط،وأحيانا قد يدفعون حياتهم ثمنا له.

стр. 2167

والذين يتعرضون لمثل هذه المصيبة ويعجزون عن المقاومة يختفون فى مكان ما فى الجبال لينجوا بأرواحهم وإذا اضطروا للحرب يهاجمون بعضهم بعضا بتحريض رئيس كل واحد من الطرفين. وإن كان عدد أفراد الفريق الذى شرع فى القتال أقل من عدد أفراد الفريق الآخر فالمعتقد بين البدو أن الذى بدأ الهجوم أولا هو الذى يكسب المعركة. وإذا فرض أنهم قد انهزموا فلا يبالون به ويرمون بأنفسهم فى ميدان المعركة لأن الموت فى أثناء المعركة فخار لهم. وقبل الهجوم يردف الركبان المشاة خلفهم ويسيرون وعندما يصلون إلى مكان فيه أشجار ينزلون من على جمالهم ويقاتلون مع مشاة الطرف الآخر متخذين الأشجار والأحجار متاريس لهم كما أن الركبان يحاربون مع ركبان الطرف الآخر إلى أن يتبين الغالب من المغلوب. وإذا فهم أن المنتصرين سيقتلون المغلوبين ففى هذه الحالة يدخل أفراد القبيلة المغلوبة فى «وجه» وتحت حماية الطرف الغالب ويعرضون ذلك على الفرقة الغالبة وفى هذه الحالة تكتفى الفرقة الغالبة بالاستيلاء على أموال وأشياء الجهة المغلوبة. والفارون سواء أكانوا راكبى الخيول أو الإبل فالذين يتتبعونهم يبلغونهم صائحين أنهم مؤتمنون على أرواحهم. وفى النهاية يعطونهم الأمان لأرواحهم ونصف أموالهم. وإذا اقتنع الفارون أنهم يستطيعون أن يهربوا بأموالهم استمروا فى الهروب، أما إذا تعبوا وعجزوا عن السير فيستسلمون وقت ما يعرفون بأنهم ائتمنوا على أرواحهم ونصف حيواناتهم ويسوون الموضوع بأن يسددوا النقود التى قدرت بها نصف حيواناتهم بما عندهم من النقود أو الأشياء. ويؤخذ جمل الذى قتل فى الحرب وما عليه من الأشياء من قبل قاتله، وإذا لم يكن قاتله معلوما فيكون جمله وما يمتلكه من نصيب الذى يمسكه أولا وينهبه ويجرده من أشيائه.

стр. 2168

مناخ: مناخ هذا نوع من المعارك العربية التى تجرى بين البدو. وتتم صورته هكذا، إذا طالت المعركة والقتال بين قبيلتين وإذا كانت تلفيات كل من القبيلتين وخسائرهما بالنسبة لعدد القبيلة تمثل زيادة مفرطة واشتد غيظ وغضب كل من القبيلتين وقرر أطراف كل من القبيلتين الاستمرار فى الحرب حتى تختار كل قبيلة أجمل بناتها وتركبها فى محفات يطلق عليها الهوادج وتسوقها إلى ميدان المعركة. وعندما يتلاقى الصفان تكشف هذه الفتيات عند اشتداد القتال ستائر هوادجهن وترفعن نقابهن وتأخذن فى تشجيع المقاتلين إلى انتهاء المعركة كل واحدة تشجع مقاتلى قبيلتها بصيحات عالية ببعض القصائد الحماسية وأناشيد الفخر الشعرية المنظومة، ويأخذ رجال القبيلتين في القتال ببطولة نادرة ويهلكون بعضهم البعض. ومن قواعد مقاتلة المناخ أن تستولى الفرقة الغالبة المنتصرة على خيم المغلوبين ومواشيهم وكل ما يملكونه. وليس من عادة العرب أن يعتدوا على أرواح الفرقة المغلوبة ولا على عرضها وشرفها. إلا أن أشجع المقاتلين من الفرقة الغالبة وبطلهم له الحق أن يأسر أجمل فتيات الهوادج من الفرقة المغلوبة فتعرض عليه قبيلة الفتاة مالا كثيرا ونقودا وفيرة، فإذا طمع فى هذا المال يأخذه ويترك الفتاة إلى قبيلتها ولكن إذا لم يطمع فى المال واستطاع أن يكسب ود الفتاة وقلبها فله أن يعقد عليها ويتخذها زوجة. الجرود: وإن كان الجرود يعنى جنود البدو والعربان فأفراد العربان ينقسمون إلى قسمين أو فرقتين. فرقة منهما تظل تحت إمرة الأمير الذى تتبعه، والفرقة الأخرى تعيش مستقلة وعندما تظهر حادثة تستعد للدفاع مع القبيلة.

стр. 2169

فجنود العربان الذين يطلق عليهم جرود عبارة عن هاتين الفرقتين اللتين تحتشدان فى نقطة واحدة للدفاع عن القبيلة ضد أعدائها. ويهيئ الذين يتبعون أميرهم ويخضعون له الذخائر والأدوات اللازمة للحرب ويذهبون بناء على تنبيهه وأمره إلى المكان المعين للاجتماع ثم يفوض الأمير قيادة المحتشدين لأحد الشيوخ ويأمرهم بأن ينتظروا حتى يصدر لهم أمره الأخير ثم يسوقهم إلى محل ما أو ضد قبيلة عاصية. ويتولى قيادة فرقة (جرود) عند غياب الأمير شيخ يعينه الأمير. ويذهب هذا الشيخ إلى المكان الذى عينه له أميره ويظل منتظرا بذاته أو ورود أوامر الأمير، إذا لم يذهب الأمير بذاته وأصدر أمر الإغارة على القبيلة العاصية، فيقسم شيخ فرقة الجرود قوته الموجودة إلى ثلاثة أقسام: «يكلف قسما منها بالاستيلاء على أموال ومواشى القبيلة العاصية وسوقها، والقسم الآخر يكلفه بحماية النقط الاستراتيجية التى قد يرد منها العدو والقسم الثالث يكلفه بأداء مهمة الشرطة. وبعد ذلك يهاجم مقر القبيلة التى قرر الإغارة عليها. وإلى أن يطلب أفراد هذه القبيلة الأمان والحماية ينهب أموال ومواشى كل واحد منهم بل قد يقتلهم. وإذا ما انقادت القبيلة كلها ولم تدافع عن نفسها فلا يؤخذ شئ من أى واحد منهم. وبعد أن يعطى أميرهم التابعين له الضمانات الكافية المناسبة للشيخ وبعد أن تتقرر الضرائب السنوية التى ستدفعها القبيلة المغلوبة يعود إلى موطنه. ومن قوانينهم المرعية أن يحمل عظماء القبيلة المغلوبة ما جمعوه من النقود إلى الأمير الغالب بأنفسهم وأن يوصلوها ليده بالذات. وأن يرجوا من الأمير أن يخفف ما قرر من الضرائب ويحصلوا على موافقته. وكل فرد من هؤلاء العربان الذين هيئوا للحرب عليه أن يدبر أمر طعامه وأكله وشربه ورصاصاته وباروده. أما الأمير فيشترى بعض الأشياء التى تكفى لأهل دائرته مثل: «الدقيق والأرز والبلح وذخائر حربية كافية وبعض المهمات فإذا ما امتدت الحرب واحتاجت جماعة لذلك وزعها عليهم.

стр. 2170

وإذا ما اشترك الأمير فى الحرب. ولكنه لم يشترك فى القتال وظل منتظرا فى جهة ما مع الفرقة الاحتياطية منتظرا النتيجة يأخذ من الغنائم ربعها. وأما إذا شارك هو والمغيرون فيأخذ ثلث الغنائم. ويوزع الباقى على العربان الذين يكونون فرقة الجرود، بالتساوى. وإذا حصل أحد البدو على غنائم دون تعب فإنه يسلمها إلى شيخ القبيلة حتى يوزعها بناء على الأصول القبلية. أما إذا قتل عدوه وأخذ جمله أو حصانه وما معه فهذه الأشياء تخصه وحده قانونا. والعربان الذين يعيشون منفردين غير تابعين لأى أمير عندما تحدث حادثة يجتمعون حول الشخص الذى يستمد منهم العون. يوم أبيض: إذا ما اعتدى شخص على امرأة واغتصبها وإذا ما استغاثت المرأة فى أثناء محاولة اغتصابها وجاء الناس لاستغاثتها وأخذوا يتعقبون الجانى لأخذ الثأر، دوما كان موضوع العرض والشرف من أعاظم الجرائم عندهم، فلا يكذبون استغاثة المرأة التى تقول (أراد أن يغتصبنى) فحيثما أدركوا ذلك الشخص يمزقونه تمزيقا بالخنجر المسمى عندهم جنبية. وإذا كان الجانى من قبيلة أخرى فيجتمع أفراد قبيلة المرأة ويعلنون أنهم سيحملون على أعدائهم والقبيلة الأخرى تستعد أيضا ويحرص الطرفان على القيام بحرب عظيمة. ويطلق العربان على يوم حدوث هذه المعركة (يوم أبيض) وهذه العبارة تعنى أننا وإن لم نستطع القبض على الشخص الذى تسلط على عرضنا وأن نقتله ولكننا بيضنا وجوهنا إذ قاتلنا قبيلته قتالا عظيما. وعند وقوع مثل هذا الحادث يتعاون أفراد القبيلة مع بعضهم أشد التعاون حتى إن الذين بينهم قضية ثأر يتصالحون فيما بينهم حتى ينتصروا على أعدائهم. ولكن فى ختام الحادث يستأنفون مرة أخرى فكرة الثأر والانتقام.

стр. 2171

التدابير والحيل الحربية: يستخدم العربان الأسلحة ذات الفتائل، ومن عاداتهم المرعية عندما تقف الفرقتان متقابلتين أمام كل واحدة منهما الفرقة الأخرى يصيحون بصوت عال قائلين (الله أكبر) لترهيب العدو ويولولون ويملئون ميدان القتال بالصيحات إلا أنهم لا يحاربون فى ميادين وأماكن متسعة بل يحاربون فى الجبال والمضايق ومن خلف المتاريس الحجرية من حيث يتخذون أعداءهم أهدافا لإطلاق الرصاص كما أنهم يمتنعون من إطلاق الرصاص متتابعا حتى لا تذهب رصاصتهم التى أطلقوها عبثا دون جدوى، وفعلا ما يطلقونه من رصاصة لا تذهب عبثا بل لابد أن تصيب إنسانا، أو حيوانا. وبما أنهم واثقون من رصاصاتهم فهم لا يحملون معهم أكثر من ثلاثين (طلقة) ويعدون حمل أكثر من ذلك من الذخائر عبثا. وأنهم عندما يحاربون العدو يتركون الكمائن خلفهم كقوة احتياطية وعندما تبدأ الحرب فهؤلاء الذين فى الكمائن يهاجمون العدو من الخلف مولين صائحين ليشتتوا أفكار العدو. وفى أثناء الحرب يتخذون الشمس والرياح خلفهم حتى يجعلوا عدوهم مقابل الشمس والرياح ويعدون هذا التدبير من أسباب النصر. كما أنهم يبيتون عدوهم ليلا إذا ما وجدوا فرصة بناء على قاعدة الحملات الليلية. وهذا ما يحرص عليه البدو. ويحارب الفريقان بإطلاق الرصاص إلى أن يواجهوا بعضهم وجها لوجه إذ يمسكون قبضة سيوفهم فيحارب الفرسان الفرسان والمشاة المشاة فلا يسوق الفرسان خيولهم ضد المشاة المترجلين. وبين فرسانهم شجعان يستطيع فارس أن يواجه مائة فارس إذ يقتحم صفوف الأعداء ويروى سيفه من دمائهم ويشتت أكثرهم. وحتى يكسب هذه الشهرة فهو ينشد أناشيد الأبطال السابقين والشجعان فى

стр. 2172

ميادين القتال من أسلافه ويذكر أسماء أجداده مفتخرا متباهيا ثم يخوض ميدان القتال ويقتحم صفوف الأعداء. وهؤلاء قسمان الصنف الأول منهم العربان الذين فى طريق الحرمين فحروبهم منحصرة على الجبال، وبما أن هؤلاء لا يستطيعون أن يواجهوا الناس لا يحاربون فى معارك الميادين المتسعة بل يحاربون مستترين خلف الحجارة كاللصوص. والصنف الثانى هو أفراد القبائل التى تسكن فى نجد وجبل شمر وصحارى العراق والشام. ويركب هؤلاء خيولهم ويكونون صفا واحدا متينا أمام أعدائهم ويتحركون وفق أمر واحد منهم وهكذا يشعلون وطيس الحرب وكل من اشتهر بين العربان بالشجاعة ينتمى لهذا الصنف. لصوصية البدو: يطلق على الجانب الشرقى للمدينة المنورة «نجد» وعلى الجانب الغربى منها «غور». ويعمل عربان جهة نجد على ضرب بعضهم بعضا والإغارة على أموال وحيوانات بعضهم. أما عربان الغور ومصر فهم مكبون على الإغارة على قوافل الحجاج والزوار وأبناء السبيل والقوافل التجارية، ولذلك فإن تعديات الغوريين أخطر وأكثر ضررا من تعديات عربان نجد. ويحمل الغوريون فى أيديهم دبوسا وسكينا حادا، كما أن لبعضهم بندقية. ولما كان شغلهم الشاغل اللصوصية والنهب فهم سريعو الجرى حتى إن الفرسان لا يدركونهم إلا بصعوبة. وإذا ما رأوا خرجا أو صندوقا أو أى شئ يحمل يستطيعون أن يحملوها حتى الجبل مهما كانت ثقيلة. وما يضع إنسان تحته من أكياس وصرر وما يضعه تحت رأسه لحفظه من صرر وخرج يستطيعون أن يأخذوا ما فى داخلها من أشياء ثمينة بخفّة كأنهم وضعوها بأيديهم.

стр. 2173

ولما كانت السرقة فى نظرهم مباحة، فما يكسبونه من السرقة من النقود والأموال يكادون أن يحسبوها حلالا. وفيهم من ينفق أمواله التى اكتسبها من السرقة فى غرس الأشجار وحفر الآبار حتى يشرب منها المسافرون ويأكل من ثمارها المارون. وإذا وجد أى إنسان أمتعته المسروقة فى يد أحد العربان وأثبت أنه ملكه يستطيع أن يستردها منه. وإذا قال هذا الشخص أن هذه الأمتعة قد اشتراها من شخص آخر وأرى هذا الشخص حلف يمينا، عندئذ يدفع المال والنقود التى دفعها هذا الرجل من قبل صاحب المتاع. إذا كان صاحب الأمتعة منهم فيبحث عن السارق حتى يجده ويسترد منه بقية أشيائه المسروقة كما يأخذ منه ما دفعه من النقود ويسترده تماما وهذا بعض أحكام قوانينهم. وإذا ادعى العربى الذى فى يده الأموال المسروقة أنه اشتراها من عربان آخرين وحلف أنه لا يعرف الشخص الذى اشترى منه المتاع فيدفع له صاحب المال ما دفعه الثانى للشخص الذى اشترى منه المتاع ويسترده منه ثم يؤجر عيونآ وجواسيس ويبعثون إلى الأطراف للبحث عن السارق الأصلى فيستردون منه أمتعته الباقية المسروقة وما دفعه للشخص الذى استرد منه بعض بضاعته وما أنفقه من أموال للجواسيس تماما.

стр. 2174

الأعراف والعادات المتبعة فى تربية الأطفال والختان والولائم تربية الأطفال: يكلف العربان أطفالهم إلى أن يبلغوا السنوات الثلاث من عمرهم برعى الجدى والحملان حول قريتهم وعندما يبلغون السنة الرابعة من عمرهم يرعون الماعز والحملان فى أماكن أبعد من ذلك. ولما يبلغون الخامسة من عمرهم يعلمونهم الجلوس على ظهر الجمال، ولما يبلغون السادسة يعلمونهم ركوب الجمال بمفردهم. ويكتسب أطفال البدو مهارة عظيمة فى ركوب الخيول والجمال حتى أنهم يستطيعون أن يركبوا جملا مهما جرى سريعا ومهما كان الحصان العربى سريعا. فركوبه والجرى به يعتبر بالنسبة للطفل العربى من قبيل اللهو وهم يعلمون الأطفال الذين تجاوزوا هذه السن إطلاق الرصاص من البندقية واستخدام (جنبية) الخنجر ويصاحبونهم فى الحروب ويتركونهم تحت الشمس نهارا وتحت السماء ليلا عرايا. والأغنياء منهم يلبسون أطفالهم فى الشتاء قميصا واحدا ويرافقون الذين يذهبون للحرب. وخلاصة القول: إن أطفال البدو يتعلمون ركوب الحيوانات والنزول منها كما يعودون على احتمال مشقات السفر. وخاصة على الحرب والقتال قبل بلوغهم سن الرشد، لأجل ذلك ترى فتيان الحرب حينما يستدعون للحرب يذهبون إليها فرحين مسرورين كأنهم يذهبون إلى العرس متسابقين ولا يتأثرون من حرارة الشمس وبرودة الجو وحيثما يكونون يسيرون عرايا. وعندما تبلغ الصبية الصغيرة السنة الأولى من عمرها أو الثانية تستر مكان

стр. 2175

عورتها بحزام مصنوع من فرو الغنم أو الماعز. وهذا الحزام شراشيب مختلفة فى طول ذراع أو نصف ذراع ويوضع فوق الجسم العارى. وتظل الصبايا إلى أن يبلغن السنة العاشرة من عمرهن من الأطفال يرعون الغنم والماعز، ويعلموهن فى هذه الفترة حلب النعاج والماعز وصنع اللبن الرائب والجبن وعندما يقتربن من سن البلوغ تنزع من عليهن الأحزمة ويلبسن القمصان ويستخدمن فى نسج قماش الخيم من الصوف. وعندما يبلغن يجدون لهن زوجا مناسبا ويزوجوهن، ولكنهم لا يزوجون بناتهن قبل أن يعرضوهن على أبناء أعمامهن أو أبناء خالاتهن ولو كانوا متزوجين بثلاث زوجات. وهؤلاء إن أرادوا أن يتزوجوهن ويعقدون عليهن وإن لم يرغبوا فى ذلك لا يسمحون بالزواج لهن إلا بعد ما يأخذوا بعض الأموال من الذين يطلبون الزواج منهن وبذلك يزعجون الفتيات وطالبى أيديهن. صورة التأهيل وأصول الزواج: يعد أبناء العم وأبناء الأخوات أكفاء لبنات العربان إذا كان واحد من هؤلاء غير مقيد بالزواج أو متزوجا غير راض بزواج البنت من طالب يدها فمثل هذه البنت لا تتزوج. وإذا لم تكن للبنات مثل هذه العلاقات أو هؤلاء قد رضوا بزواج هؤلاء البنات عندئذ يبحث الذين يريدون تزويج بناتهم عن أكفاء إذا كان الراغب فى الزواج كفؤا لا بد أن يكون الرجل الذى يتزوجها كريما، شجاعا فى الحرب، مشهورا من حيث النسب. ورجال العربان الذين يريدون أن يتزوجوا لا يتحرون عن جمال البنت ومالها وممتلكاتها بل عن قوة القبيلة التى تنتمى إليها وعن سطوتها، وعن كثرة أقاربها وعصبيتها. والشخص الذى يتصف بالصفات السابقة، يأخذ موافقة أبى البنت وأقاربها ويرسل هدية عدا المهر الذى اتفق على دفعه حسب منزلته.
следующие страницы →