وقد حكم قوم ثمود سكان حجر وادى القرى بعد هلاك قوم عاد، وعصوا الله وأخذوا يعبدون الأصنام التى صنعوها بأيديهم وهكذا طغوا فأرسل الله- -لهم صالحا-﵇-نبيا لهم.
ثم يحكى عن سد مأرب وسبب بنائه لحماية بلدة مأرب من السيول التى كانت تنزل بها فلا تبقى ولا تذر، وبلدة مأرب التى مدحت فى القرآن الكريم بلدة طيبة كانت تبعد عن صنعاء ثلاث مراحل، واختلاف الروايات حول بانى السد وطوله وعرضه وما إلى ذلك.
ويعرض الباب الثانى للخلفاء والملوك المسلمين الذين ظهروا فى جزيرة العرب بعد ظهور الإسلام يعرض فى الفصل الأول لسيرة النبى- ﷺ -وأنه ولد بعد ميلاد عيسى-﵇-بخمسمائة تسعة وستين عاما فى اثنى عشر من شهر ربيع الأول والسابع عشر من شهر أبريل، وبعث نبيا فى الحادى والأربعين من عمره الشريف.
وهاجر النبى- ﷺ -من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة عام ستمائة اثنين وعشرين من الميلاد والسادس عشر من شهر يوليو مبدأ التاريخ الهجرى من قبل المؤرخين، مدة نبوته ثلاثة وعشرون عاما، عمره ثلاث وستون سنة.
ثم يتحدث بعد ذلك عن الخلفاء الراشدين-رضى الله عنهم-الذين حكموا بعد وفاة النبى- ﷺ -ويذكر منهم أبا بكر الصديق-رضى الله عنه-وعمر الفاروق-رضى الله عنه-وعثمان بن عفان-رضى الله عنه- وعلى بن أبى طالب-كرم الله وجهه-ومن بعدهم خلفاء الدولة الأموية، وأمراء بنى العباس.
ثم يتحدث بعد ذلك عن الأمراء الذين حكموا مكة المكرمة وهو يقسمهم إلى أربع طبقات.
١ - الطبقة الأولى: طبقة سادات بنى حسن ويطلق عليهم بنو «أخيضر» وقد
стр. 37
حكموا تسعا وتسعين سنة وظهروا فى سنة خمسين ومائتين للهجرة وانقرضوا فى أواخر سنة ثلاثمائة وخمسين هجرية.
٢ - الطبقة الثانية: من طبقات أمراء مكة الأربع السلسلة السليلة، لأولاد موسى الذين ينتهى نسبهم إلى الحسن بن على رضى الله عنهما، والأشراف الكرام والذين يكنون هذه الطبقة هم الأشراف الكرام الذين يطلق عليهم المؤرخون «الموسويين» و «بنى موسى» وأول من تولى منهم الإمارة هو الشريف موسى، والثانى عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله، وعدد أفراد الموسويين الذين حكموا البلاد الحجازية أحد عشر أميرا.
٣ - الطبقة الثالثة: ويطلق عليهم السادة الأشراف الذين يكونون الطبقة الثالثة من الطبقات الأربع «الهواشم» وأشراف طبقة «الهواشم» الذين عرفوا ب «بنى فليته» ظهروا سنة (٤٥٣ هـ) وانقرضت حكومتهم سنة (٥٩٨ هـ) وحكم منهم فى خلال هذه الفترة ثلاثة عشر أميرا.
٤ - الطبقة الرابعة: شكل الطبقة الرابعة من أمراء مكة الشريف أبو عزيز قتادة بن إدريس الحسنى وسلسلة نسبه.
ويتحدث المؤلف فى الفصل الثالث عن ظهور طبقة القرامطة باعتبارها من الفرق الخارجة فى البلاد الحجازية التى اشتعلت شرارتها فى زمن المعتمد بن عباد، وفى رواية فى عهد الخليفة المنتصر بالله، وأخمدت شرارتها سنة (٣٧٣ هـ) أى فى عصر الطائع بالله وعلى قول سنة (٣٨٤ هـ) فى ابتداء خلافة القادر بالله واستمروا فى شقاوتهم ثمانين عاما أو ثلاثا وعشرين ومائة عام إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقيموا حكومة قوية فى هذه المدة.
وأول من خرج من القرامطة أبو سعيد حسن بن بهرام جنابى من قرية جنالة القريبة من أهواز وكان يعمل بالبصرة وزانا، ثم ذهب إلى البحرين حيث تظاهر بالتقوى والدين واخترع اعتقادات عجيبة باطلة وضعها وخدع بها الناس وتبعه بعض الحمقى من العربان والبلهاء.
стр. 38
وكانت غاية ابن سعيد هذا أن يحلل ما حرمه الشرع وأن يخرج بهذه الدسيسة ما فى نفسه إلى حيز العمل، لأن التمرد الذى فى ضميره لم يكن جائزا شرعا.
ولقد فعل الكثير من الجرائم واستولى على أقاليم نجد، يمامة، واليمن واعتدوا على حجاج المسلمين سنة (٣١٧ هـ) بغتة وذبحوا من قبضوا عليهم من الحجاج وبعد ذلك هجموا على مكة المكرمة وانتزعوا الحجر الأسود من مكانه، وحملوه إلى بلادهم واحتفظوا به عندهم.
وهناك اختلاف كثير فى بيان حقيقة عقائد القرامطة الباطلة، وبناء على قول فريق من المؤرخين فإن أول شخص ظهر فيهم قد تجرأ أن يدعى النبوة وحاول أن يقنع الناس بكتاب ألفه من الكتب السماوية، وبناء على قول فريق آخر من المؤرخين أن أول من ظهر من القرامطة هو من الأئمة الإسماعيلية وأنه مبعوث من قبل الإمام المهدى وأراد أن يقنع الناس بذلك، وهؤلاء الخبثاء يروجون لمذهب الرفض والإلحاد.
ومن عقائدهم أنهم يقتنعون بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق- رضى الله عنه-ويعلنون أنهم ينتمون للطائفة الإسماعيلية إلا أنهم يستحلون المحرمات الشرعية ويعتقدون أن سفك دماء المسلمين مباح، كما يقولون بكفر من لا يعتنق المذهب القرمطى.
ومن جملة عقائدهم الباطلة حصر الصوم ليومين فى السنة، وعدم الغسل والاغتسال من الجنابة وجعل الخمر حلالا وقولهم «أشهد أن محمدا بن الحنفية رسول الله».
وفى الباب الثالث يحدثنا المؤلف عن أحوال جزيرة العرب الجغرافية فهى تقع فى الجهة الجنوبية الغربية من قارة آسيا، وتسكنها القبائل البدوية العربية منذ القدم وهى شبه جزيرة كبيرة.
يحدها شمالا الشام وصحراء الجزيرة وشرق خليج البصرة، وجنوبا المحيط الهندى وغربا البحر الأحمر، ومضيق باب المندب.
стр. 39
وطولها تقريبا من الطرف الشمالى إلى جنوبها ألفان وخمسمائة كيلو متر تقريبا، وعرضها من الجهة الغربية إلى جهتها الشرقية ألفا كيلو متر تقريبا وتتسع عرضا من جهتها الجنوبية ومساحتها ثلاثة ملايين وست وخمسين ومائة ألف كيلو مترا مربعا وسكانها اثنا عشر مليونا.
ثم يحدثنا بعد ذلك عن البحار والمحيطات التى تحيط بالجزيرة العربية فى الفصل الثانى من الكتاب فالبحار والمحيطات تحدها من جهاتها الثلاثة-البحر الأحمر-وهو يعرف بالخليج العربى، وبحر القلزم، وبحر شيب الشعب أو بحر جدة، وهو بحر قليل الجزر وإن كان به شعب مرجانية إلا أنها غير مفيدة، وهذه الشعب منتشرة بجانب الشواطئ مما يسبب الكثير من الحوادث لاصطدام السفن بها.
بحر الشب-ويصل بحر عمان الذى يعد جزءا من المحيط الهندى بالشواطئ الجنوبية لجزيرة العرب من باب المندب إلى مضيق هرمز.
وتنقسم الجزيرة العربية إلى ست قطع وتطلق على الأراضى التى فى الجهة الغربية الشمالية «الحجاز» والتى فى الجهة الجنوبية الغربية «اليمن» والجهة الجنوبية «حضر موت» وعلى الأراضى التى فى الجنوب الشرقى «عمان» والأماكن التى فى الجهة الشرقية «الأحساء»، «البحرين»،هجر، والأراضى التى فى وسط الجزيرة العربية «نجد».
وفى الفصل الثالث يحدثنا عن الأحوال الجغرافية لبلدتى جدة والطائف فجدة: من مدن الحجاز المشهورة وهى مدينة، وتقع فى الجهة المعمورة فى الجهة الغربية لمكة المكرمة وعلى تسعين كيلو متر منها، وعلى ساحل بحر السويس فى درجة خط الطول الحادية عشرة وتسع وعشرون دقيقة فى خط العرض الشمالى وهى أكبر موانى الحجاز ازدحاما بالسفن.
وصادراتها: «جلد البقر، والبن، والصمغ العربى، والعطور المتنوعة، ريش
стр. 40
النعام، سن الفيل، الصبارة، اللؤلؤ، الصدف، البلح، الحناء، اليسر، الباغة، العسل».
ووارداتها وهى التى تستورد من مصر، وأفريقية، وأوربا هى: «الأرز، والقمح، الشعير، الدقيق، الزجاج، الصابون، الأقمشة الصوفية، والقطنية».
ويبلغ عدد سكانها مع مجاورى وتجار مصر والشام والهند واليمن وكلهم مسلمون إلى خمسة وعشرون ألف نسمة، وأهالى جدة عموما يحبون العمل وأغلبهم أغنياء، ويشتغلون بجميع أنواع التجارة قد اكتسب ميناء جدة أهمية عظمى لموقعه الجغرافى الطبيعى.
وكافة أهليها، غير بضعة من الأوروبيين مسلمون، ويتاجر بعضهم بالهند والمستعمرات الأجنبية الأخرى.
الطائف: تقع بلدة الطائف والتى تسمى أيضا «وادى عباس» على الجانب الشرقى من مكة وعلى بعد ثمانى عشرة ساعة، ترتفع عن سطح البحر ١٥٧٥ مترا، عدد سكانها ألف نسمة تقريبا.
ولما كانت أرض الطائف أكثر ارتفاعا من أرض مكة المكرمة فتقل درجة حرارتها عن درجة حرارة مكة المكرمة ست أو سبع درجات ويجود هواؤها، لأجل ذلك يصعد معظم أهل مكة إلى الطائف عند ما تشتد درجة الحرارة فى أشهر الصيف، ويقيمون هناك إلى أن تزول درجة الحرارة.
ويعرض المؤلف فى الباب الخامس للقبائل التى سكنت الجزيرة العربية حاكيا تاريخ كل قبيلة وطبيعة عاداتها وشعوبها ومن هذه القبائل.
-بنو هاشم-ويطلق بنو هاشم على الأشراف والسادات الذين تسلسلوا من أصلاب الإمامين الحسن والحسين (رضى الله عنهما).
-قبيلة عنزة-وهى التى تستوطن فى شمال الجزيرة العربية، وخاصة الأقطار الحجازية ويعيش أهلها حياة البداوة وتنقسم إلى أربع قبائل:
стр. 41
١ - أولاد على
٢ - الحسنة
٣ - حلال
٤ - بشر
والفصل الثانى: يحدثنا عن قبيلتى حويطات وجهينة.
وتقيم أفراد قبيلة حويطات فى سواحل البحر الأحمر الشرقية التى تمتد من العقبة، وقلعة «الأزلم» إلى السويس، والأماكن التى تسكنها أراضيها قليلة الإنبات ومجدبة وعندما يجدبون يتجهون إلى عنزة.
ثم يذكر بعد ذلك فروع قبيلة حويطات والتى وصلت إلى اثنتى عشرة قبيلة.
ثم يذكر بعد ذلك فروع قبيلة جهينة التى تسكن شاطئ البحر من جبل حساين إلى ينبع البحر، وتنقسم هذه القبيلة إلى القسمين اللذين يعرفان ب (أولاد مالك)، (أولاد موسى).
وفى الفصل الثالث يتحدث عن عربان قبائل بجاله وبنى حرب، وقبيلة نحاولة قبيلة فى غاية الاحتقار على حد وصفه بين أهالى الحرمين ذلك لتأصل عادات السلب والنهب والكر والفر فيهم منذ القدم على عهد يزيد بن معاوية.
قبيلة حرب-وانقسمت قبيلة حرب إلى قبيلتين كبيرتين وهما بنو سالم وبنو مسروح، كما أن بنى سالم انقسموا إلى شعبتين وهما «ميمون ومراوحة».
وفى الفصل الرابع يذكر قبيلة مطير، وبنى سليم وبنى عتيبة، وقريش، وثقيف، وبنى عدوان.
وفى الفصل الخامس يحدثنا عن القبائل التى تسكن بين مكة المعظمة وجدة وقنفذة، وفى ساحل البحر الأحمر الذى يعد جزءا من تهامة الحجاز.
بنو لحيان: يقيم عربان قبيلة بنى لحيان فى الأماكن الواقعة بين مكة المكرمة
стр. 42
وجدة، وتقتصر معيشة بعض هؤلاء على ما يحصلون من المبالغ من المسافرين والحاج الذين يسلكون هذه الطرق.
وهناك قبيلة (بنى فهم) غير القبائل المذكورة وتقيم فى وادى خضر، وقبيلة (يزيد)،والتى تقيم فى وادى يزيد، وقبيلتا (بجالة وبنى متعان).
ويتحدث الكتاب فى الفصل السادس عن اليمن وحدوده ووصفه، والقبائل المستقرة فيه.
واليمن قطعة كبيرة من جزيرة العرب تقع فى الطول الشرقى من درجة ثلاث وأربعين إلى درجة خمسة وأربعين، وفى العرض الشمالى، فى درجة اثنتى عشرة وتقع على الطرف الجنوبى الغربى من جزيرة العرب.
ويحيط بها من الجانب الغربى البحر الأحمر وفى الطرف الجنوبى خليج عدن ويحيط بها من الشرق حضر موت، ومن الشمال الحجاز، ومسافتها الطولية خمسة وخمسون وسبعمائة كيلو متر، ومسافتها العرضية خمسون وثلاثمائة كيلو متر، عدد سكانها مليونان وخمسمائة ألف نسمة تقريبا، وتنقسم جغرافيا بالإجمالى إلى قسمين: والقسم الأول من الخطة اليمانية: الأراضى الواسعة المستوية على ساحل البحر الأحمر ويسمى «تهامة» وتمتد من شاطئ البحر إلى الداخل ما يقرب من اثنتى عشرة ساعة وهى أراضى سهلة مستوية.
والقسم الثانى من الأراضى المقابلة لتهامة وهى أراضى مرتفعة يطلق عليها نفس اليمن وهى فوق جبال متسلسلة تسمى جبال «سروات» وتمتد من الطائف إلى صنعاء.
أما سكانها فهم يسكنون القرى والمدن ويقومون بكسب قوتهم بالزراعة والتجارة، لذا نجد أن العرب الرحل يقلون فيها بالنسبة إلى الأماكن الأخرى لجزيرة العرب.
ومن ضمن ما تشتهر به اليمن من زراعة شجرة البن وكانت قديما خاصة
стр. 43
باليمن ولكنها نقلت فيما بعد إلى البلاد الأخرى حيث أنبتت فيها وقد جربها أول مرة أهل اليمن وعرفوا بعد التجربة خواصها النافعة فأخذوا يستعملونها ويشربونها فتبعهم بعد ذلك أهالى البلاد الأخرى.
والقهوة اليوم وسيلة رئيسية لإكرام الضيوف وتحيتهم، ومن أجود أنواعها البن الذى ينبت فى أرض اليمن.
وإلى هنا نكون قد وصلنا إلى أمتع أبواب الكتاب وأطرفها على الإطلاق وهو الباب السادس الذى تعرض فيه المؤلف بالحديث لعادات أهل الجزيرة وتقاليدهم والذى تفرد ببعض الفصول التى لم ترد فى كتب غيره.
ففى الفصل الأول يذكر عادات سكان الجزيرة العربية منها العادات التى اخترعها عمرو بن لحى ومنها عادات خاصة بالنوق مثل إذا ولدت عشرة صغار يفقئون إحدى عينيها ويمنعون ركوبها ويسمونها «حام».
والعادات القديمة كان منها وأسوأ ما يكون منها: عادة وأد البنات التى حكاها القرآن الكريم حين قال : ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. [النحل:٥٨]
ومنها أيضا: الوشم، والتعمية، وبكاء المعتزلين، التفقية، رمى السن، خضاب النحر، نصب الراية، جز النواصى، الالتفات، النهق ... إلخ وهذه أيضا يروى أنها من اختراعات عمرو بن لحى وهى من العادات التى لم ينزل الله بها من سلطان فجاء الإسلام الكريم وأبطل هذه الخرافات والخزعبلات وبين أنها من دعاوى الجاهلية.
وقد ظهر بينهم بعض السحرة، والكهنة، وأخذوا يخبرونهم عن المغيبات ولما صادف أن تحقق بعضها وأخبروه فانخدعوا بهم وأخذوا يستعينون بهم فى حل مسائل دينهم ومشكلات حياتهم.
أما عن عقائدهم فكانوا على عقائد وملل شتى كثيرة متفرقة منها:
стр. 44
١ - فرقة منكرة: كانت تنكر الخالق والبعث والحساب وتحاول أن تثبت أن الطبيعة هى التى تحيى وتميت والدهر يفنى فكانوا يقولون: «ما يهلكنا إلا الدهر».
ومن ذلك قول شاعرهم:
حياة ثم موت ثم بعث ... حديث خزافة يا أم عمرو
ومن ذلك قولهم:
ما هى إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، نموت ونحيا، ولا يهلكنا إلا الدهر.
٢ - الفرقة الثانية: كانت تعترف بالخالق، وابتداء الخلق ولكنها تنكر المعاد.
٣ - الفرقة الثالثة: تعترف بالخالق وابتداء الخلق ونوعا من البعث ثم أنكروا ذلك وعبدوا الأوثان ظانين أنها ستكون شفيعا لهم لدى الله- .
وكان من بينهم من يعبد النجوم والكواكب مثل الأشوريين، ومن يعبد الحيوانات مثل المصريين، ومن يعبد الملائكة والجن وكان منهم من انحرف لمذهب من يعتقد فى تناسخ الأرواح.
ويحدثنا المؤلف بعد ذلك عن كرم العرب وسخائهم وتحملهم للجوع والعطش فالقبائل البدوية تشتهر شهرة واسعة بين العرب بالكرم، والكرم البدوى معروف لدى البسيطة كلها، حتى الفقراء منهم يتصفون بهذه الصفة وهم يقدمون لضيوفهم أفضل ما يكون عندهم من طعام أو شراب وإن لم يجد الواحد منهم ما عنده لذلك فقد يذبح حصانه وناقته وهو أحوج ما يكون إليهما، وهم لشهرتهم بالكرم، فالكرماء منهم ممدوحون أبدا، والبخلاء مذمومون نادمون أبد الدهر.
ولما كان بعض العربان يفرحون بقدوم الضيف فرحا شديدا فينتظرون كل صباح ورود الضيف، ويناجون الله- -أن يبعث لهم ضيفا وسواء أكان الضيف معروفا أم غير معروف فالواجب يحتم إكرامه بغض النظر
стр. 45
عن معرفته أو عدمها، بل هم يتنافسون فى بذل هذا الشرف والترحيب بالضيف الغريب ويأخذونه إلى منازلهم حيث يعدون لهم أجود أنواع الطعام والشراب.
ومن عاداتهم تقديم ثلاثة فناجين قهوة متتالية ولكن بن هذه القهوة لا بد أن ينضج بعد ورود الضيف ويطحن فى المطحن ويسوى فى إبريق من الفخار، وقد يضحى صاحب البيت فى سبيل حماية ضيفه بنفسه وماله وعلى الضيف أن يعد نفسه واحدا من أهل البيت وأن يدافع عنهم إذا ما تعرضوا للأذى.
ومن صفاتهم أيضا تحمل الجوع والعطش والجو الشديد الحرارة وليس فى العالم قوم يتحملون هذه الأشياء مثلهم والذى يشبع منهم مرة فى أربع وعشرين ساعة يعد نفسه سعيدا.
وهم يعيشون على تناول الأعشاب التى تنمو بجانب الغدران التى تكونت من أثر الأمطار، وعند ما يتجهون إلى مكان ما للإغارة على بعضهم بما أنهم لا يملكون كثيرا من الزاد فإنهم يطحنون الدخن وشيئا من الدقيق وكلما يجوعون يضعون فى أفواههم قدرا منه ويشربون ماء.
ومع كل هذا التحمل فصحتهم جيدة وأجسامهم قوية إلا أن قوة أجسامهم لا تكتمل فبنية أجسامهم نحيفة وهم فى غاية من خفة الدم.
وفى الفصل الرابع من الباب السادس يحدثنا المصنف عن باب من الأبواب الطريفة والنادرة وهى عادات العرب وأساليبهم فى السلب والإغارة والعرب الذين يخرجون للسلب والنهب يتخذون أحدهم رئيسا وقائدا ولا يخرجون عن طاعته ورأيه، ومن أحكام السلب والنهب عندهم أن يكون نصف الخارجين ركبانا، والنصف الآخر من المترجلين وفى أثناء قتالهم لا يستخدمون الأسلحة النارية، ولكنهم يقاتلون بالأسلحة البيضاء مثل السيف والرماح وما يشبهها من الآلات.
وبعد ما يهيئون مهماتهم الحربية ويتخذون تدابيرهم القتالية ويقتربون من مقر
стр. 46
القبيلة التى يريدون أن يقتحموها، يختفون فى مكان ما ثم يبعثون باثنين منهم للتجسس ويصعد الجاسوسان على قمة جبل ويرصدون أحوال العدو وأغنامهم وكل ما يملكون من أموال، وإذا قنعوا بقدرتهم على العدو أغاروا عليهم واقتحموا القبيلة صباحا ونهبوا أموالهم وأغنامهم، وإذا كانت الإغارة ليلا قيدوا الرعاة على جذع الشجر ثم يسوقون ما نهبوا فى سرعة شديدة.
وفى الفصل الخامس يحدثنا المؤلف عن عادات العرب فى تربية أطفالهم وكذلك عاداتهم فى الوليمة والختان.
تربية الأطفال
يكلف العربان أولادهم إذا بلغوا سن الثالثة برعى الجدى والحملان حول قريتهم، وعند ما يبلغون السنة الرابعة يرعون الحمير والحملان فى أماكن أبعد من ذلك.
وإذا بلغوا الخامسة من عمرهم يعلمونهم الجلوس على ظهور الجمال، فإذا بلغوا السادسة يعلمونهم ركوب الجمال بمفردهم.
ويكتسب أطفال البدو مهارة عظيمة فى ركوب الخيول والجمال حتى إنهم يستطيعون أن يركبوا جملا مهما جرى سريعا، ومهما كان الحصان العربى سريعا فركوبه والجرى به يعتبر بالنسبة للطفل العربى من قبيل اللهو.
وتظل الصبايا إلى أن يبلغن السنة العاشرة من عمرهن مع الأطفال يعملن معهم فى رعى الغنم والمعز، ويعلموهن فى هذه السّن حلب النعاج والمعزات وصنع اللبن الرائب والجبن.
الزواج وعاداته
يعد أبناء العم وأبناء الأخوات أكفاء للبنات العربيات إذا كان الواحد من هؤلاء غير مقيد بالزواج أو متزوجا غير راض بزواج البنت من طالب يدها فمثل هذه البنت لا تتزوج.
стр. 47
والمهر بالنسبة للأغنياء عبارة عن «بسط» (سجادة أو كليم) كبير من الصوف، وسوارين للمعصم من الذهب وفساتين وبعض الإبل والأغنام.
وليمة العرس:
ويقدم فى وليمة العرس الأرز المطبوخ وعليه لحم الغنم الذى ذبح من قبل وأعد للضيوف، وهذا من العادات العربية الجارية.
حفل الختان
يختن العرب أولادهم الذكور فى اليوم السابع من ولادتهم، وبعضهم في يوم الأربعين، وبعضهم فيما بعد، كما يقرر عرب من هذيل الذين يسكنون بجانب مكة المكرمة ألا يختنوا أبناءهم إلا عند الزواج فعند ما يقررون عقد زواجهم عندئذ يختنونهم، وعند ما يقرر ختان ذلك الفتى فمن عادة هؤلاء القوم أن يدعوا لحفل ختانه أحباءه وأقاربه وجماعات القرى المتجاورة، وكل واحد من المدعوين يهدون لصاحب الحفل على حسب قدرته خروفا واحدا أو أكثر وجملا ومعزة أو ثورا.
كما أن من عاداتهم أن يسوق كل فرد ما يريد أن يهديه من الحيوانات أمامه وأن يذهب إلى القرية التى سيحتفل فيها قبل الختان بيوم أو بيومين.
وفى الفصل السادس يتحدث المؤلف عن سبب حب العرب للنخيل والجياد الأصيلة، وصورة الأوسمة التى تطبع على الجمال فى الأراضى الحجازية وبما أن هذه الأشجار المباركة لا تنمو فى كل أماكن الحجاز لذلك يحرص غارسوها أن يغرسوها على أطراف ممرات السيول، وحيث الماء قريب من سطح الأرض والأماكن الرطبة، ثم يتعهّدونها بالسّقيا أربعين يوما حتى تتمكن جذورها فى الأرض ثم يتركونها لحالها.
يقال للتمر أول ما يظهر «زهوا» وعند ما يحمر ويبدأ فى النضج يطلق عليه «رطب»،والتمر فاكهة مغذية قوية، والبدو وأهل المدينة يفضلون أكل الطازج منه، ويبيعون الرطب.
стр. 48
الخيل:
يطلق فى بلاد العرب على ذكر الحصان (الخيل) ولأنثاه يقال (فرس) وهم يربون الخيل ليأخذوا ذريته فقط،لذا لا يحتفظون بذكر المهر بل يبيعونها للبلاد المجاورة لهم ولكنهم يحتفظون بأنثى المهور ليركبوها فى الحروب ويحرصون على الاحتفاظ بها ولا يستطيع أن يمتلك هذه الفرس إلا الأغنياء، أو يشترك عدة أشخاص في ملكيتها.
ويمكننا تلخيص موضوعات هذا الجزء فى:
١ - الموقع الجغرافى والواقع الاجتماعى للجزيرة العربية.
٢ - التاريخ السياسى والاجتماعى لجزيرة العرب.
٣ - القبائل التى سكنتها قديما وحديثا، وتاريخها.
٤ - عادات أهل الجزيرة وأخلاقهم وصفاتهم.
والحق أن هذا الجزء تفرد ببعض الموضوعات الطريفة والشيقة والتى قلما تجتمع فى غيره من المصادر ومنها:
١ - حديثه عن الأصول والقواعد الخاصة بالحروب عند العرب والتدابير الحربية واللصوصية، وهو كذلك من الموضوعات التى تخلو منها كثير من الكتب.
٢ - سرده لعادات العرب فى تربية أطفالهم، وعادات الختان، والوليمة.
عناصر مجلد «مرآة جزيرة العرب»:
تاريخ وخبر جزيرة العرب-خلفاء وملوك الجزيرة العربية-الخارجين فى البلاد اليمنية-طائفة القرامطة وخبرهم.
أحوال الجزيرة الجغرافية والمناخية-ما يحيط بالجزيرة من بحار ومحيطات- جده وأحوالها الجغرافية-أماكن المدينة، وحدودها.
стр. 49
طرق المدينة-الطريق السلطانى-طريق فرع-طريق غاير-طريق مكة والمدينة -طريق ينبع-طرق مؤدية لمكة.
قبائل الجزيرة العربية-قبيلة حويطات وجهينة-قبائل بجاولة، وأحوالها- قبائل مطير وبنى سليم-قبائل مكة المكرمة، والمدينة-وصف اليمن وحدوده.
وعادات وتقاليد أهل الجزيرة العربية ومذاهبهم-وصف وتعريف «سمية وخمسة ومنن» من قوانين العرب-وصف كرم العرب وصلابتهم-ذكر تقاليد العرب الحربية-تربية أطفال العرب-حب العرب للنخيل والجياد.
***
стр. 50
مرآة الحرمين
مرآة مكة
إن الحمد والشكر والثناء بالصدق والإخلاص لأعظم المستحقين سبحانه «تعالى شأنه عما يقولون» حمدا يفوق فى الكثرة أنفاس قوافل الحجاج المتقاطرة وشكرا يزيد عن حاجة الأرامل فى مختلف المراحل.
له الحمد والشكر إذ أنشأ مبنى العزة الكعبة المعظمة فى مدينة (مكة المكرمة) مهتدى الضالين فى صحراء العصيان، ودعا لدار الضيافة عميم النوال، دعا جميع سكان بلاد الموحدين أطعمهم من المائدة العظيمة الفائدة والنفع من قوله ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ (آل عمران:٩٧) وأحاط بالعظمة والفخامة جميع السلاطين والحكام الذين وقفوا فى تجديد قبلة جميع الرسل والأنبياء وتعمير بيت الله العظيم.
وأعرض الصلوات الصافيات المتنوعات لنبينا خاتم الرسل والأنبياء نتيجة مقدمة الأكوان والشئون «عليه وعلى آله سلام الله المنان» وأفرش حجرة نبينا الطاهرة وروضته المضيئة بالصلاة والسلام.
وأخص منير مضاجع آل البيت وأهله والأصحاب الكرام برفع تحياتى الوافرة إذ بينوا لنا فضائل المآثر المبروكة والمساجد المسعودة التى عينها لهم نبى الإنس والجن «عليه صلوات الله الرحمن» وهكذا أبرزوا خدماتهم فى سبيل الدين المبين وحبيب الله رب العالمين وزادوا فى أجر جموع الحجاج الكرام ومثوبتهم بزيارة هذه الأماكن المقدسة.
стр. 51
وبعد فيعرف أهل النهى جيدا أن كل قطعة من حجارة البلدتين الطيبتين أغلى وأكرم من جواهر ملك سليمان، وكل ذرة من ترابهما المطوية بالغفران أعز من إكسير العظمة وجوهرها، ومن هنا فإنّ أفضليّة البلدتين الطيبتين على جميع الممالك على وجه البسيطة ظاهرة للعيان. ووجوب زيارتهما على كل مسلم قادر أمر بديهىّ واضح، يزورهما فيستطلع فوائدهما وفضائلهما ويستكشف خصالهما وخصائصهما، وهذه الزيارة لها شديد اللزوم لكل موحد يلبى الدعوة الروحانية الإبراهيمية «على نبينا وعليه التحية» بالصلاة والسلام وعلى الذين يأتون لهذا المكان مثل حمائم الحرم طالبين الراحة النفسية.
وقد ألف العلماء الكرام كثيرا من الكتب ليبرهنوا على أن الأرض المضيئة التى تحتوى على الأقطار الحجازية المنجية أقدس مكان على وجه الأرض ونشروا هذه الكتب وليعرفوا الخلف ما تمتاز به الأراضى الحجازية من فضل وقدسية في نشأتها. كما أن شعراء القبائل البدوية قد أنشدوا قصائد بليغة وفقرات مسجوعة فى ذات الموضوع تناقلتها الألسن.
إلا أنه لا يخفى على أصحاب الاطلاع والبحث والتدقيق أن تلك الكتب المؤلفة فى هذا الموضوع والقصائد التى قيلت فيه ظلت فى زاوية منسية في أصونة دور الكتب.
وبما أنه لم يكتب إلى الآن فى لغتنا التركية كتاب مستقل خاص بهذا الموضوع فالروايات التى تتناقلها الألسن وتسمعها الآذان من البديهى ألا تخلو من التناقض، وهذا ما يجعل التأكد من حقائق الأمور من الصعوبة بمكان، وبناء على هذا فكل أبناء الوطن الذين يريدون أن يطلعوا على حقائق الأماكن المشحونة بالمحاسن-حقائق الحرمين الشريفين-ومواقع آثارهما وفضائلهما لا يجدون مراجع يستقون منها ما تتوق أنفسهم إلى معرفته من حقائق الحرمين الشريفين، فأحسّ هذا الفقير العاجز بالحاجة إلى أثر فوائد موائده لم ير ولم يسمع بمثله إلى الآن، أثر عظيم القدر لا يستغنى عنه، وإننى كنت قد عرضت على أنظار العامة
стр. 52
فى ظل الكرم السلطانى المؤلفات الآتية: محمود السير-عزيز الآثار-تكملة المناسك-تاريخ الوهابيين-رياض الموقنين-ترجمة الشمائل.
وقد رأيت بعين الفخر والابتهاج مدى ما حازته هذه الكتب من حسن القبول لدى أهل الكمال الذين يتجاوزون عن الأخطاء، وهذا ما شجعنى على أن أطلع على الوقائع المبروكة لمكة ذات الفيوض والمدينة المفخمة ذات السعادة المدوية، وذلك من الكتب القيمة الموثوق فيها والتى تحتوى على أحوال الأوائل، تسطر أوصاف تلك المدينتين التى زخرفت على سطور حريرية، كما أننى ذكرت فى كتابى عادات أهل الجاهلية في ذلك بأقلام الفحول والرسائل النادرة من المصنفات العربية والفارسية، فأمعنت النظر فى ثناياها لأستنبط من فحواها ما يفيد معظم الملة العثمانية.
أنشر منها ما هو نافع ومفيد وهكذا أردت بأن أكتب تاريخا باللغة التركية عن البلاد الحجازية المتسعة، أبين فيه أحدائها الماضية وأحوالها التاريخية جامعها كلها فى مجلدات خاصة، وأقدم لأبناء الوطن ما يفيدهم وينفعهم.
إن الخاطر الذى طرأ على ذهنى كان فى حاجة للتنظيم والترتيب مع قلة المعلومات فى الموضوع. كما أن الأقوال التاريخية المتباينة فى مواقع «يثرب» و «بطحاء» وإعمال الفكر والتدقيق والبحث فيها كانت مرهونة بالسفر إلى الأراضى الحجازية السعيدة للمشاهدة والتفقد. ولكن المشكلات التى صادفتنى فى هذا السبيل أدت إلى التردد والتراخى فترة ما لإجراء ما فى الضمير.
فى النهاية قدر للعاجز السفر إلى الحجاز وتيسرت له هذه السياحة وتحقق المرام، ومما ساعد على تحقيق مثل هذه الغاية المرجوة، ما يضمره الإنسان من إفادة أهل الإيمان من مثل هذه الأعمال المؤيدة بالأدلة العقلية القطعية والبراهين النقلية القوية، كما أنّ تصحيح ما يتوقع من الأخطاء فى أثرى من قبل أصحاب المروءة فى زماننا ساعدنى علي إنجاز ما فى ضميرى وعلى المضى قدما إلى إتمام هذا العبء الثقيل الذى جعلته على عاتقى وإن كان فوق قدرتى فقد مضيت فى
стр. 53
إنجاز ما بدأته مستظلا بالحماية السلطانية دون خوف أو رهبة في عهد السلطان التركى منير الفؤاد ومحمود السير ملك الملوك حميد الخصال، ممدوح السريرة، خادم الحرمين الشريفين خليفة رسول الثقلين، السلطان ابن السلطان الغازى «عبد الحميد» خان الثانى ابن السلطان الغازى عبد المجيد وفى عهده الذى تميز بإنجاز الأعمال الخيرية واستكمالها وانتشار العلوم والمعارف تحت ظل الأمن والأمان والطمأنينة.
وإننى أقدمت على إنجاز هذا العمل نازلا لحكم المصراع الشعرى المعروف:
«لا تبقى تحت هذه القبة إلا ذكرى طيبة ولحن عذب».
لذلك رغبت فى أن أترك ذكرى طيبة تدفع الناس للدعاء بالخير لصاحبها وهكذا جمعت ورتبت ما عزمت عليه، بعد أن دققت النظر بعمق شديد فى الكتب التى سيأتى ذكرها والتى اتخذتها مرجعا واستصوبت أن أنقل من الأدب العثمانى بعض المباحث ولا سيما من الرسالة التى ألفها الدكتور (رائف أفندى) وضمنها تدقيقاته الواقعية الشاملة، ثم توكلت على هادى السبل وبعونه شرعت فى كتابة الوقائع والأحداث لأرض بيت الله المنيرة من بدء الخليقة إلى عصرنا هذا، عصر الخلافة العثمانية، عصر العناية بالمعارف، مستعينا فى ذلك بالكتب التى اتخذتها مراجع ولم أهمل أن أضمن كتابى أقوال الذين شاهدوا المواقع التى يمكن مشاهدتها رؤية العين والتى يمكن التأكد من صحتها.
وكانت غايتى الخيرة من هذا العمل ترغيب الذين حجوا فى الحج مرة أخرى وحث وترغيب الذين لم يحجوا بعد فى الحج.
وحاولت أن تكون لغتى واضحة وعباراتى سلسلة على قدر الإمكان وضمنت كتابى صور بعض المآثر وخريطة الحرمين الأنورين المسطحة.
وقسمت أثرى هذا القاصر إلى ثلاثة أقسام وسميته ب (مرآة الحرمين) وقدمته للعتبة السلطانية الناشرة للعدل وللسلطان الذى يرفع رأسه عاليا مفتخرا بخدمة الحرمين الشريفين، وبحفظ الخرقة النبوية الشريفة-على صاحبها أفضل
стр. 54
التحيات-ويرفع علم سيّد بنى آدم المعظم ﷺ ، وقدمته لإمام المسلمين وخليفة خلفاء الدين.
وإننى آمل أن ينال مؤلفى هذا حسن القبول، وأين هذا الأثر من المؤلفات العثمانية المتنوعة التى تحير العقول، إلا أننى أردت أن أخدم الذين ينتمون إلى دينى مستفيدا من عهد السلطان الفاروقى الشعار ومن العهد المصون من الجور والظلم.
وبما أننى من موظفى القصر وقرناء السلطان الذين يعرضون أفكارهم بإخلاص فى العتبة السلطانية لأعد نفسى من أعظم السعداء إذا ما نال أثرى هذا شرف مطالعة السلطان المفطور على الرحمة، وإن هذا العاجز الذى لا ملجأ له سوى ظل السلطان يرجو ألا يتعرض للخجل، وأن يحظى مؤلفه بعطف السلطان وكرمه ولطفه.
وإننى أرجو من الفضلاء الذين سيمعنون النظر بين سطور مؤلفى هذا المتواضع أن يغضوا النظر عما سيظهر فيه من سهو وخطأ وكفى أن هذه الصفحات تحتوى على الجواهر القدسية.
والله ولى التوفيق
стр. 55
الوجهة الأولى
تحتوى هذه الوجهة على خمسة صور تتعلق بتعريفات أحوال مكة المعظمة الجغرافية الأولية، وأوضاع بيوتها وأشكال دورها وهيئاتها وأحوال إيجار بيوتها والمسائل المهمة حول مجاورة البيت، كذلك درجات حرارتها وبرودتها وسبب إطلاق اسم الكعبة على البيت الشريف وفضائل الكعبة الجليلة وخواصها وتعريف حدودها بالتفصيل.
إفادة مخصوصة:
الكتب التى اتخذت مراجع لكتابة «مرآة الحرمين» هى:
القسطلانى على البخارى، شروح الشفاء، روح البيان، التفسير الكبير، تفسير الكشاف، تفسير لأبى السعود، القاضى على الشهاب، تفسير الخازن، تفسير النسفى، تفسير ابن كثير، تفسير ابن عادل، فتاوى قاضى خان، منظومة ابن وهبان، روح التوشيح، صحيح مسلم، الطحاوى، درجات مرقات الصعود، تاريخ الإمام الأزرقى، تاريخ الإمام الفاكهى، خلاصة الوفا بأخبار مدينة المصطفى، مسلك المتقسط على منسك المتوسط،وفاء الوفاء، تاريخ نفيس خميس، أنس جليل، تاريخ ابن هشام مسامرات الشيخ محيى الدين، خبر البشر بخير البشر، خطابات أحمدية، نخبة الدهر فى عجائب البر والبحر، العقد الثمين فى فضائل البلد الأمين، بدائع الزهور فى وقائع الدهور، تدقيقات الدكتور رائف أفندى، تحقيقات الدكتور بكر أفندى، روضة الصفاء لمحمد خاوند شاه، فتوح الحرمين، التواريخ التركية، فضائل بيت الله، ذراع الكعبة المشرفة، ذراع المدينة المنورة، مضبطة سهيلى أفندى، تاريخ نوح أفندى، سراج الملوك، الأحكام
стр. 56
السلطانية، فذلكة كاتب جلبى، كتاب النسب، تاريخ رضوان باشا، سبل الرشاد، شفاء الغرام، خلاصة الكلام فى بناء بيت الله الحرام، تحفة الكرام، الزهر الباسم، المناهل العذبة فى إصلاح ما وهى من الكعبة، استقصاء البيان في مسألة الشاذروان، كتاب المعارف، التحفة المرضية فى الأخبار القدسية، نور العين فى مشهد الحسين، قرة العين فى أخذ ثأر الحسين، كتاب حكم الإسكندرى.
المباحث التى تحتوى عليها «المرآة» هى خلاصة ما أخذ واقتبس من الكتب التى ذكرت أسماؤها آنفا.
وإننى كنت تصورت أن أكتب تاريخا عن الخطة الحجازية أبين أحداثها الماضية وأحوالها التاريخية بنية تقديمه لأبناء الوطن باللغة التركية فى مجلدات خاصة.
وأن أبين فيه ما حدث لأبنيتها المقدسة إلى هذا العصر الذى نفتخر بإدراكه من حيث كم مرة جددت وعمرت المبانى المقدسة ومن الذين قاموا بهذا العمل؟ وما الجهد الذى بذل فى سبيل توسيعها وتعميرها؟ وكيف كانت أشكالها القديمة وهيئاتها السابقة؟ وكيف أصبحت فيما بعد؟ وما الأماكن التى تحظى بشرف الزيارة إلى البلاد الحجازية؟ وما المآثر المبروكة فى البلاد الحجازية؟ وأين تقع؟ والأحوال الجغرافية للمسجد الحرام والروضة المطهرة لسيد الأنام مستقرها الأساسى؟ وآثارها العتيقة ومحاصيلها الزراعية وأحوال مجاورة البيت الحرام وكيفية إيجار بيوت مكة، وتقسيم الكسوة المباركة للكعبة الشريفة.
ومن هؤلاء الملاعين سكان الجحيم الذين تجرؤا على هدم بيت الله وتخريبه؟ وما العوامل التى دفعتهم إلى ذلك؟ وماذا كان مصير كل من أراد أن يحقر أيّا من الحرمين الشريفين؟ وما مصير سفهاء الأسلاف والملاحدة الظالمين؟ ومتى اتخذ إرسال الصرة عادة؟ وفى عهد من من السلاطين؟ وكم كان مقدار المبلغ الذى تحتويه الصرة السلطانية فى العصور السابقة؟ وكيف ترسل الآن؟ وما مقدار
стр. 57
النقود التى ترسل؟ وما معنى المحمل الشريف؟ ومتى ابتدع إرسال المحمل وما دواعيه؟ وكم ظلت كعبة الله العلام بيتا للأوثان والأصنام؟
والحاصل أنه قد كتبت جميع الأحداث والوقائع والانقلابات الخاصة بالأقطار الحجازية، واختصصت أحداث مكة بمجلد، كما اختصصت أحداث المدينة بمجلد وإتماما لهذين المجلدين كتبت تاريخا للجزيرة العربية.
وإن كانت المرآة لا يمكن أن تبين تاريخ تأسيس بيت الله وزمنه بحيث تطمئن إليه جميع قلوب الناس، ولكنها تبين جميع الحقائق والأحوال متسلسلة بالنقل والروايات والأحداث التى ثبت وقوعها تاريخيا من عهده ﷺ إلى عصرنا هذا، وتذكر جميع الانقلابات والوقائع بعد التدقيق والبحث بعمق ومع كل واقعة تعريفها وأحداثها.
إن ما ستعرضه المرآة أمام القراء عبارة عن الصور التى عرضت أعلاه وما يتفرع من هذه الصور.
ولم تجمع محتويات الكتاب حسب أدوار الملوك والسلاطين ولكنها قسمت لبعض الوجهات والصور.
وكان الغرض من هذا التفريق أن نبين بالترتيب ما حدث فى البقعة المفخمة لكعبة الله الحرام والمسجد الشريف لرسول الله العلام منذ تأسيسهما إلى يومنا هذا، وما شاهدته الأقطار الحجازية من ثورات وانقلابات وما تحملته المواقع المسعودة من الصدمات والأحداث.
ومن البديهى أن الذين يسمعون لفظ المرآة، سيلقون نظرة على سطور صفحاتها ثم يظنون أنهم سيرون فيها صور أنفسهم بدليل لفظ المرآة التى تعكس الصور، ولكنهم إذا ما تذكروا أن من معانى المرآة ومهماتها تقريب البعيد حينئذ سيقولون بأن مرآة الحرمين كتاب تاريخ كثير المنافع جامع لأحوال عامة البلاد الحجازية.
стр. 58
الخلاصة:
قد بينا فيما سلف أن هدفنا من تأليف مرآة مكة: أن نعرف إخواننا فى الدين ببيت الله وما حوله من المواقع وأشكالها وأحوالها وما لهذه الأماكن والمآثر من الفضائل.
ويتحقق هذا الهدف على الوجهة الآتية والصور المقبلة؛ كلما يأتى دور موقع مقدس نقوم بتعريفه بالتفصيل وحتى نصل إلى الهدف المرجو رأسا رئى أن نرتب خلاصة مجملة.
بيت الله (الكعبة):
ويطلق على ظاهر الكعبة «بيت الله» وترتفع جدران البيت الشريف ابتداء من أرض المطاف سبعة وعشرين ذراعا وإصبعا وعرضها ذراعان (١).
ويطلق على زاوية منها اسم «ركن الحجر الأسود» وعلى الأخرى «الركن اليمانى» وعلى الثالثة «الركن الشامى» والرابعة «الركن العراقى».وطولها من ركن الحجر الأسود إلى الركن العراقى اثنان وثلاثون ذراعا. ومن الركن اليمانى إلى الركن الشامى واحد وثلاثون ذراعا، ومن الركن اليمانى إلى ركن الحجر الأسود عشرون ذراعا ومن الركن العراقى إلى الركن الشامى اثنان وعشرون ذراعا.
ويوجد باب فى الجدار الشرقى للكعبة المشرفة، وآخر فى الجدار الغربى، وقد سد هذا الباب الآن وما زال الباب الشرقى مفتوحا. وطول الباب الشرقى سنة أذرع وأربعة أصابع وعرضه ثلاثة أذرع وثمانية عشر إصبعا، وجناحا الباب مثبتان بالمسامير، وهما من شجر (الساج) الذى ينبت فى الهند، وارتفاع عتبة الباب الشريف المذكور من الأرض أربعة أذرع وثمانية أصابع، واتساعه ثلاثة أذرع وثمانية عشر أصبعا.
стр. 59
وللبيت الشريف مآثر عديدة تقع فى أماكن مقدسة مبروكة، تزار حتى الآن وهذه المآثر هى: الملتزم ، المستجار ، الحجر الأسود ، داخل الكعبة، حجر إسماعيل، حفرة المعجن، ستار الكعبة، المطاف الشريف، المقام الشريف، المقامات الأربعة، قبة الفراشين وقبة السقاية.
الملتزم:
ويطلق على الجزء الواقع بين ركن الحجر الأسود والباب الشرقى الشريف، وسبب تسميته بهذا الاسم التزام الحجاج بالدعاء في هذا المكان المبارك بعد الطواف.
وقد أخبرنا المخبر الصادق عليه سلام الله الخالق حضرة رسولنا ﷺ أن المكان المذكور موضع استجابة، لذا يقف الحجاج بمحاذاة هذا الموقع المبارك ويجأرون بالدعاء ويمسحون حوائط الكعبة بأيديهم ويناجون الله تعالى فى تضرع.
المستجار:
هو موضع الباب الغربى المسدود الذى يقع بين الركن الشامى والركن العراقى فى مواجهة الملتزم الذى ذكر فيما سبق، وعند ما حددت قريش بيت الله أغلقوا هذا الباب المبارك بالحجارة، وما زال مغلقا من ذلك العهد. وعرض المستجار أربعة أذرع وخمسة أصابع أما عرض الباب المسدود فثلاثة أذرع، وسبب تسميته بالمستجار لاستجارة الحجاج عنده من ذنوبهم ولأنهم يسألون الله المغفرة لاصقين صدورهم به.
الحجر الأسود:
ويطلق على الحجر الأسود الموضوع فى الزاوية التى يحاذى فيها باب الكعبة المعظمة المقام الحنبلى وهو مبتدأ الطواف، والمكان الموضوع به الحجر الأسود يرتفع عن الطواف بثلاثة أذرع وأربعة أصابع أو يزيد، والغرض من وضع الحجر الأسود فى هذا الموضع إبرازه بحيث يمكن رؤيته.
стр. 60
لقد استلم الملائكة المقربون الحجر الأسود ولمسته شفاه كل الأنبياء لذا فإن استلام هذا الحجر الشريف أو تقبيله يجب أن يتم بمنتهى الخشوع والخضوع، ويقتضى من الطائفين مزيدا من الدقة والعناية حتى لا يؤذوا المتزاحمين.
داخل الكعبة:
يطلق على المكان الطاهر المقدس الموجود داخل جدران بيت الله، ورغم أن الوجه الداخلى لهذه الجدران من الرخام المصقول فإن رؤيتها أصبحت مستحيلة فى وقتنا الحالى لما علق عليها من الأستار المزركشة.
وعند ما كان يجلس سلطان جديد على العرش كانت تغير هذه الأستار والزينات، والهدف من هذا العمل توفير هذا المكان وتقديره بتزيينه بالذهب وغيره إلا أن العلماء لم يجيزوا أن تزين الكعبة الشريفة بالزينات الظاهرة، كما أن أوائل العلماء المسلمين لم يحسروا عن الإفتاء بجواز تزيين داخل بيت الله تزيينا مبالغا فيه، ولقد أرسل أثرياء المسلمين وأغنياؤهم هدايا مصنوعة من الذهب والفضة إلا أن علماء الحرمين الأجلاء رفضوا قبولها.
والواقع أن هذه البقعة الطاهرة المليئة بالفضائل الذاتية غنية عن مثل هذه الزينات.
وبما أن اهتمام أهل الصلاح بالزينات الظاهرة مستحيل فعلى العاقل أن يهتم بما حازته الكعبة من تقدير وتبجيل عند الله ، ولو كان تزيين الكعبة المكرمة بالذهب والفضة جائزا شرعا لأصبحت جدران حرم المسجد الحرام وأرضه موشاة بالذهب والفضة.
وليته لم يسمح بوجود الزينات الحالية حتى يخلو حرم كعبة الله من كل ما يرمز إلى طغيان العزة الدنيوية.
وهل يأمل المسلمون إرضاء الله بتزيين الكعبة الشريفة بشئ بغيض عند الله ؟ والأجدر بالمؤمنين اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه ومادام الله
стр. 61
سبحانه وتعالى قد أمر بتعظيم بيت الله وتوقيره يجب أن يوجه التوقير والتعظيم لحجارة الكعبة الشريفة وترابها ورعاية جيرانها.
وهذا العرض الموجز تعريف وبيان للبيت الشريف أول بيت وضع للناس لعبادة الله .
(محاضرة الأوائل).
فى الطرف الغربى من جدران داخل بيت الله جذع شجرة ملون بالأبيض والأسود طوله اثنا عشر ذراعا وكذلك عرضه، وفى أعلى الجذع كمر اتساعه ثلاثة أصابع.
ويروى أن لحية سيدنا صاحب الشريعة-عليه أكمل التحية-قد لامست هذا الجذع.
حجر إسماعيل:
وهو اسم آخر للحطيم الكريم، ويقع فى الطرف الشمالى من الكعبة المعظمة ويمتاز بجدار على هيئة نصف الدائرة وطرفه الداخلى مغطى بالرخام.
والموضع المبارك الممتد من جدار الحطيم الشريف حتى حائط الكعبة ثمانية عشر ذراعا وثمانية أصابع منها حوالى ستة أو سبعة أذرع تعد من داخل الكعبة المعظمة والباقى كان حظيرة لما عز إسماعيل-﵇-وفيما بعد أدخل فى الحجر، تمتد حدود الحطيم من الركن العراقى إلى الركن الشامى والمساحة بين هذين الركنين عشرون ذراعا.
وللحطيم بابان أحدهما عند الركن الشامى والآخر عند الركن العراقى، وارتفاع جدران الحطيم ثلاثة أذرع ومساحته من الداخل ثمان وثلاثون ذراعا.
ميزاب الكعبة:
هو اسم الميزاب الذى يقع بين الركنين سالفى الذكر-أى وسط الجدار المفعم بالنور-الذى يلى حجر إسماعيل ويلتصق بسقف الكعبة.
стр. 62
حفرة المعجن:
ويسمى أيضا مقام جبريل، وهى عبارة عن الحفرة الموجودة فى جهة الركن العراقى من الجدار الشرقى للكعبة المعظمة عند مقام إبراهيم. على مسافة ثلاثة أصابع من الكعبة، وطول حفرة المعجن ثمانية أشبار وثمانية أصابع، وعرضها خمسة أذرع، وعمقها أربعة أصابع، ويروى أن سيدنا إبراهيم أعد فى هذه الحفرة الطين الذى استخدمه فى بناء الكعبة.
ويروى أنه حينما فرضت الصلاة على المسلمين صلى إمام الأنبياء سيدنا محمد ﷺ -الصلوات الخمس فى هذا المكان المبارك.
الشادروان:
ويطلق هذا الاسم على الأماكن البارزة المتصلة بأسس جدران الكعبة المعظمة وعلى هذه الأجزاء البارزة حلقات كثيرة يربطون بها أستار الكعبة الشريفة.
الستارة الشريفة:
هو اسم القماش الذى يغطى الكعبة الشريفة. وهذه الستارة منسوجة من الحرير الأسود.
وقد نقش فوقها-بخط جميل-بعض الكلمات الطيبة والآيات الكريمة.
ويوجد وسط الستارة حزام معروف بحزام بيت الله وهذا كحزام يحيط بستارة الكعبة المفخمة من جوانبها الأربعة، وقد كتب عليه بخط جلى نفيس السورة الكريمة سورة الفتح كاملة.
المطاف الشريف:
وهو الموضع المبارك الذى يسير فيه حجاج الكعبة المكرمة فى أثناء الطواف.
والجهة الشرقية لهذا المطاف المبارك تمتد من سياج المقام الشريف إلى شادروان الكعبة بمقدار أربعة وأربعين قدما (١)،والجهة الشمالية تمتد من جدار الكعبة إلى المقام
стр. 63
الحنفى بطول ثمان وأربعين قدما، والجانب الغربى يمتد إلى الرصيف الذى يتصل بحدود المطاف خمسة وستين قدما، والجانب الجنوبى يمتد من زاويتى الركن اليمانى وركن الحجر الأسود إلى حدود رصيف المطاف الشريف بطول سبعة وأربعين قدما.
المقام الشريف:
هو الحجارة التى استخدمها سيدنا إبراهيم-﵇-بمثابة منصة فى أثناء قيامه برفع بناء الكعبة، وأعلى مقام إبراهيم مربع بقطر ثلث ذراع.
وروى الشيخ عز الدين وهو من مجاورى البيت فى سنة سبعمائة وخمسين هجرية أن المقام الشريف يرتفع عن الأرض واحدا وعشرين أصبعا. وقد رفع أثر القدم المبارك لسيدنا إبراهيم من فوق المقام وغطى بطبقة من الفضة. وأدخلت هذه الفضة من خلف آثار قدم خليل الرحمن بسبعة خطوط ونصف.
والمقام الشريف الذى وصفنا شكله صندوق متين بلوحات قامة رجل وجوانبه الأربعة ذات شبكة حديدية. وهذا الصندوق مكسو بلوحات من الفضة ومغطى بقماش لامع موشى غاية فى الجمال، وقد شيدت قبة من الخشب فوق صندوق مقام إبراهيم وزينت هذه القبة من الداخل والخارج بنقوش متنوعة، وزيد على واجهتها الشرقية سقف يؤدى تحته الحجاج ركعتين بعد الطواف، وهى صلاة واجبة، وإذا لم يجد الطائفون مكانا تحته لإقامة الصلاة فإنهم يؤدونها داخل الحطيم، وعرض هذا السقف خمسة أذرع وثمانية أصابع يمتد من المقام الشريف إلى شادروان الكعبة بطول عشرين ذراعا ونصف ذراع.
فقد المقام الشريف منذ طوفان نوح إلى عهد «إلياس بن مضر».وبعد أن عثر عليه إلياس بن مضر عرضه على أهل الحجاز الذين أخذوا فى توقيره وتعظيمه وبالتالى حذا أهل الإيمان حذوهم فى التكريم والتعظيم.
(محاضرة الأوائل).
стр. 64
المنبر اللطيف:
يقع فى الجهة الشمالية للمقام الشريف عند الطرف الجنوبى لبئر زمزم وبين مقام إبراهيم والمنبر تسعة أذرع، وبين زمزم والمنبر اللطيف عشرون ذراعا والمسافة من مقام إبراهيم إلى الحجر الأسود سبعة وعشرون ذراعا، وعمق بئر زمزم الشريف بدءا من حافته يبلغ سبعة وستين ذراعا.
المقامات الأربعة:
فى الجهات الأربعة من كعبة الله أربع مقامات لأئمة المذاهب الأربعة واجبة الاحترام حيث يؤم إمام المذهب جماعته فى أوقات الصلوات الخمسة.
المقام الحنفى:
يقع هذا المقام فى شمال بيت الله أمام ميزاب الرحمة، ويستقبل أهل المدينة المنورة والشام والقدس الشريف هذه الناحية من الكعبة عند الصلاة كذلك سكان بلاد المسلمين الواقعة فى ناحيتها.
المقام الشافعى:
ويقع فى مواجهة الكعبة فى الجهة الشرقية من بيت الله، خلف مقام إبراهيم الشريف، وهذه الجهة من الكعبة هى قبلة أهالى ما وراء النهرين والصين وأكثر بلاد خراسان.
المقام الحنبلى:
ويقع فى الجنوب من الكعبة مع ميل قليل فى اتجاه الشرق، وهو قبلة سكان بلاد الهند، وكان المقام الحنبلى قريبا جدا من بناء بئر زمزم ويكاد يتصل به، لكن هذا الموقع قد تغيّر فى عهد السلطان المعظم بهمة عثمان باشا والى الحجاز المشهود له بالخدمات الجليلة التى قام بها لتعمير البلاد المباركة وأصبح-الآن-فاصل معقول بين المقام المذكور وأبنية بئر زمزم إذ جعل المقام الحنبلى فى مواجهة المقام الحنفى. وذلك فى سنة ١٢٩٧.
المقام المالكى:
ويقع فى الجانب الغربى من الكعبة خلف بيت الله، وهذه الجهة قبلة مسلمى بلاد المغرب وبلاد الحبشة. وكل المقامات الأربعة المذكورة تقع خارج حدود المطاف.
стр. 65
لم يكن هناك مكان خاص بالمؤذنين وكانوا كلهم يؤدون مهامهم فى المحفل الشافعى الموجود فوق بئر زمزم، والمحفل الواقع فوق المقام الحنفى، وكان المؤذنون حتى عصر هارون الرشيد يجلسون فوق سطح المسجد تحت وهج الشمس، وعند ما صدر الأمر إلى عبد الله بن محمد بن عمر أمير مكة-المشار إليه-بضرورة إيجاد محفل خاص بالمؤذنين، استراح المؤذنون بإنشاء محفل خاص بهم فى ذلك العهد، وبعد ذلك تقرر أن يؤدى المؤذنون مهام وظيفتهم في المحافل السالفة التعريف. (محاضرة الأوائل).
قبة الفراشيين:
وتقع قرب بئر زمزم وتسمى أيضا قبلة الخزانة، وتوضع فى هذه الخزانة الأشياء اللازمة والقناديل والسّرج والمسابح الموقوفة ويحفظ كذلك بداخل القبة المذكورة كل ما يحتاجه المسجد.
قبة السقاية:
وهذه أيضا تقع قريبا من قبة الخزانة وتسمى أيضا سقاية الحج، وقد تأسست سقاية الحج على يد العباس بن عبد المطلب-رضى الله عنه-واعتاد أن يقدم ماء زمزم إلى الحجاج ويسقيهم. وتحيط القباب بكل جوانب الكعبة ولها تسعة عشر بابا وسبع مآذن، المسافة من باب السلام إلى باب العمرة أربعمائة ذراع، وعرضها من باب الصفا إلى باب الندوة ستون وثلاثمائة ذراع.
مسألة:
إذا كانت قبلة المسلمين الموحدين لدى أئمة الشافعية هى مبانى الكعبة المعظمة التى سبق تعريفها. فإنها عند علماء الحنفية تبدأ من الأرض التى أقيمت عليها مبانى الكعبة الشريفة وترتفع فى الهواء إلى عنان السماء.
***
стр. 66
التعريف بالأحوال الجغرافية للبلدة المعظمة مكة المكرمة
وأحوال الأوائل ووضع المبانى الفخمة للبيت المعظم شكلا وصورة
من البلاد التى تحكمها الدولة العليّة فى قارة آسيا الجزيرة العربية وتنقسم إلى قسمين: الرقعة الحجازية والرقعة اليمانية.
ومنطقة الحجاز كبيرة متسعة وتشمل ربع جزيرة العرب، وقد عرفناها فى موضوع الحجاز الوارد فى الصورة الثانية من الوجهة الثالثة من المجلد الثالث من مرآة الجزيرة وتقع فى الشمال والشمال الغربى من جزيرة العرب وعلى الساحل الشرقى للبحر الأحمر الممتد من السويس إلى اليمن.
يحدها شرقا بلاد نجد وصحراء الأحفال وغربا البحر الأحمر، وجنوبا الرقعة اليمانية وشمالا الفرات وبادية الشام وسوريا العرب، وتحيط بها جبال وأودية.
ولأن هذه المنطقة السعيدة تحجز بين تهامة ونجد وتفصل بين المنطقتين؛ لهذا سميت الحجاز، ومنطقة الحجاز المباركة تغلب عليها الصحارى الفيافى (١).
ولا تسقط فيها الأمطار بالدرجة المطلوبة ولذا فإن نباتاتها الأرضية من العشب الجاف تكاد لا تكفى حاجات قبائل البدو وحاجات دوابهم.
ومع هذا ففى جبالها ووديانها، حيث المياه الجارية والآبار، والينابيع الوفيرة تنبت الأشجار المثمرة والمحاصيل النافعة المتنوعة، وبما أن الهواء فى مناطق الوديان والصحارى شديد الحرارة فإن القادمين من المناطق الباردة يتضررون من هذه الحرارة ولذا فإن السكنى فى المناطق الجبلية المرتفعة حيث الجو المعتدل يبدو
стр. 67
أصلح لهم، ورغم هطول الأمطار بغزارة فى فصل الشتاء فإنها لا تؤثر فى تغير طقس أى من المناطق باستثناء بلدة الطائف.
والمعروف أنه مع نزول المطر تنمو كل أنواع الحبوب لكن رياح السموم دائمة الهبوب تدمر وتحرق كل النباتات والثمار ما عدا الحمص والعدس والأشجار التى تقل حاجتها إلى الماء لذا فليس من الممكن أن تنمو الخضراوات والحبوب فى أى مكان سوى الأودية والجبال القابلة للزراعة.
ومناطق الشمال الغربى والجنوب مناطق خصبة بالنسبة لبقية مناطق الجزيرة.
لذا فإن هواءها طيب وأراضيها صالحة للزراعة، وتزدان الجبال والمرتفعات بكثير من البساتين والحدائق الجميلة.
وفى مثل هذه المناطق تنمو نباتات كثيرة مثل السفرجل، التفاح، الخوخ، الصفصاف، الليمون، والتين، النارنج، واللوز، التمر الهندى، الطرفاء، الفستق، والنخيل، الورد، والياسمين، النرجس، الحناء، الزنجبيل، شقائق النعمان، والتيلو، القمح، الشعير، جذور الدهان الأحمر، البن، الدخان، الفلفل الأسود، الباذنجان، نبات النيلة، نبات القنب، ونباتات أخرى شبيهة لما ذكرناها.
البلدة المعظمة مكة المكرمة
البيت السامى المنير الذى ولد فيها سيد الثقلين الإنس والجن ﵊، وعاش فيها نخبة من كبار العلماء ذوى البيان الذين أضاءوا الكون بعلمهم بين فخر الكائنات عليه أتم التسليمات، مكة المكرمة التى شرفها الله تعالى إلى يوم الدين. وتقع هذه المدينة الشهيرة فى داخل إقليم الحجاز السعيد ذى المغفرة الذى عرفناه منذ قليل ومعظمه فى داخل الجزيرة العربية ومكة المكرمة مقر إدارة الحجاز وعاصمته.
وموقعها وسط منطقتى الشام واليمامة؛ لذا يبعد كل من البلدين عن مكة المعظمة مسافة ثلاثين-المقصود بها ٣٠ منزلا للراحة أثناء السفر-والطرف
стр. 68
الشمالى للبلدة المباركة مكة المكرمة تحده جبال يثرب والمدينة المنورة وصحارى الشام، والطرف الجنوبى تحده جبال اليمن، والطرف الشرقى تحده وديان البحرين والبصرة ونجد والحجاز، والطرف الغربى يحده البحر الأحمر وتبعد مكة المعظمة عن مدينة إستانبول عاصمة الدولة العثمانية-باعتبار مبدأ الطول-٣٠ دقيقة ١٥ درجة طول شرقا، وتبعد عن ميناء جدة الواقع فى الساحل الشرقى للبحر الأحمر المعروف باسم «بحر الشب» مسافة ثلاثين ميلا أى ٦٧٦٧٤ ذراعا فى جهة هبوب الرياح الجنوبية بإحدى عشرة درجة «بحساب البوصلة».
وتنقسم النواحى الملحقة بمكة المعظمة إلى قسمين هما: نجد وتهامة.
والنواحى التابعة لنجد هى: «الطائف، تمنار، قرن، نجران، مر الظهران، عكاظ،منجرة، كنبة جرش، سراة، أما النواحى التابعة لتهامة فهى نعم، عك، خنكان، ويشى، وادى نخلة، ذات عرق، يليل.
وكل ناحية من هذه النواحى تقع فى واد مستقل، ولها مصادر مياهها المعروفة ومزارعها الوفيرة. وقد تجاوز سكانها ثمانين ألف لعدة قرون، ثم تضاءل عددهم بالتدريج ولكن فى الوقت الحاضر تجاوز عددهم كل العصور السابقة، وذلك بضم سكان البادية وسكان البلاد الساحلية إليها والبلاد الساحلية هى جدة، حلى سوسين، هجم، ثرجة، أبيات حسنين.
وقد أجرى رائف أفندى دراسات كاملة فى هذا الشأن حينما كان موظفا فى ديوان الصحة ما يقرب من ثمانى سنوات أو عشر فى مكة والمدينة، وأمضى وقته فى دراسة أحوال البدو، وقام بالإحصاء الدقيق وأخبر أن عدد سكان مكة المعظمة من الأشراف والأهالى، والمجاورين يصل تقريبا إلى سبعين ألفا. ولما كانت الأمطار لا تسقط بوفرة سواء فى مكة المكرمة أو فيما يجاورها كما يحدث فى الرومللى والأناضول لعدم وجود المياه الجارية أصبح سكان هذه البلدة المباركة مضطرين إلى السفر لجلب المؤن الغذائية والبضائع من البلاد الأخرى، وكان من
стр. 69
عاداتهم إرسال القوافل فى فصل الشتاء إلى نواحى اليمن وفى فصل الصيف إلى الشام لاستيراد البضائع اللازمة من تلك المناطق.
وقد أثبتت السورة الجليلة «سورة قريش» ذهاب أهل قريش فى الجاهلية إلى اليمن مع حلول الشتاء وإلى الشام مع دخول فصل الصيف. وقد أسهب المفسرون العظام فى عرض تفاصيل تتعلق بهذا البحث فى تفسيرهم للسورة الكريمة.
واستمر تردد القرشيين على الشام واليمن بغية جلب البضائع حتى عصر النبوة، وبعد ذلك أخذ الحجاج المسلمون يترددون أفواجا على مكة والمدينة لأداء فريضة الحج ومناسك العمرة، واشتغل أهالى مكة بأعمال الدلالة والإرشاد وسقاية ماء زمزم الشريف وسائر الخدمات التى تقدم للحجيج والعيش عليها مهما كان مقدار ما تدره من نقود. لذلك لم تعد لهم حاجة إلى التردد إلى تلك المناطق.
وغالبية أهالى مكة المفخمة من حضر موت، واليمن والهند والسند والشام ومصر وبلاد المغرب وبلاد الروم وكردستان ومجاورى سائر البلاد على وجه الأرض؛ أى أن كل سكان مكة المعظمة ما عدا الأشراف الكرام من أبناء بنى زبير وأحفاد بنى مخزوم وأولاد بنى شيبة ممن دخلوا الإسلام الذين جاءوا من خارج الحجاز واستقروا بها؛ لذا أصبح أهل مكة الأصليين قلة نادرة.
وولاية الحجاز الجليلة ولاية كبيرة مثل سائر الولايات السلطانية وقد أسندت الإمارة-للأشراف من أجل الإشراف على العربان والآخرين-لشخصية جليلة القدر وقدرة عالية على القيام بالنظارة، كما أسندت إدارة الأمور المدنية والمسائل المالية وأشياء أخرى تتعلق بالإدارة إلى شخص حكيم هو من المختارين من المشيرين العظام. واتخذت مدينة مكة المفخمة مقرا للإمارة ومركزا للحكومة.
إن الموقع السعيد للبلدة المباركة-مكة المكرمة-عبارة عن واد مقوس ومقدس
стр. 70
ممتد بالطول بين سلسلة جبال تتكون من أحجار سوداء. يشمل هذا الوادى السعيد الذى تقع فيه هذه المدينة المقدسة على مبتدأ واحد ونهايتين: بدايته مقبرة المعلى ونهايته من ناحية جدة الشيخ محمود ونهايته من ناحية اليمن «مسجد حمزة» وهذه المواقع السامية تزين الخريطة بهذه الأسماء.
ومدينة مكة الشهيرة تتكون من أحياء: حارة الباب، الشبيكة، جياد، المسفلة، المدعا، المعلى، شعب على، مولد النبى، الكشاشية، المسعى، الشامية جبل قبيس، جبل عمر والسليمانية. وأنشئت بيوت هذه الأحياء ومنازلها وفقا لانحراف الوادى الوعر.
وبسبب استحالة السير بالحيوانات ونقل الأثقال والأحمال بالإبل والدواب بداخل هذه الأحياء حيث اصطفت بعضها فوق بعض حتى منتصف هذه الجبال الواقعة فى كلا جانبى الوادى، فإنه يتم إدخال المؤن والبضائع الواردة إليها من الخارج من شوارع أحياء «المعلا» والشبيكة والمسفلة.
والمكان المزين بالحوانيت والبيوت فى الوادى السالف الذكر يمتد بطول المدينة من باب «المعلا» إلى باب «مغازة»،وكذلك يمتد من ناحية المعلا إلى «الشبيكة» ومنها إلى «الشيخ محمود» حتى السويقة بمسافة تبلغ ٦١٩٣ قدم وثمانى بوصات أى ما يعادل ٤٣٧٢ ذراع، وعرضه يمتد من سفح جبل «جزل» حتى منتصف جبل أبى قبيس بمقدار ٣٠٩٦ قدم وأربع بوصات أى ما يعادل مسافة ٣١٨٦ ذراع، أى أن مساحته طولا من ناحية الشمال إلى الجنوب تبلغ ميلين، ومساحته عرضا تمتد من سفح جبل «أبو قبيس» الواقع فى الجهة الشرقية من المدينة إلى جبل «جزل» الواقع فى الجهة الغربية من المدينة ومساحته السطحية قدر ميل واحد.
وطرق الأحياء المذكورة ليست على ما يرام من ناحية الاتساع والعظم، ورغم هذا فإن مبانيها المبنية بالحجر والطوب غاية فى الرصانة ويطلق اسم «الأخشبين» على جبال جزل وأبى قبيس والجبل الأحمر. وجبل أبى قبيس هو الجبل الكائن
стр. 71
فوق جبل الفا، حيث أن الجبال المذكورة غير منفصلة بل هى سلسلة من الجبال يتصل كل منها بالآخر.
وبالنظر إلى تعريف الأزرقى فإنه يلزم أن يكون اسم الجبل المقابل لجبل «أبى قبيس» قعيقعان ولما انتهى إليه تدقيق صاحب معجم البلدان وتحقيقه أنه يقتضى العثور على اسم جبل يظهر من قمته مسافة المسجد الحرام جليا.
وعلى هذا التقدير فإن الاسم الأصلى لجبل «جزل» قعيقعان، ولما كان أقرب من ناحية الغرب من طائفة «جزل» التى تنصب خيامها فوق الجبل المذكور عند ترددهم إليه من حين إلى آخر وتقيم به فترة للاستراحة أطلق عليه اسم «جبل جزل».
والبقعة المشرفة للكعبة المكرمة قصر عزة الملك العلام، وقبلة قبائل الإسلام تقع وسط المدينة المقدسة التى أسهبنا فى تعريفها، كما تتوسط المسجد الحرام دائرة الفيوضات الإلهية، وتحيط بالموضع المقدس وتحده مجموعة من البيوت والمنازل العالية الرصينة الأركان وسلسلة الجبال سالفة البيان.
إن البيت المعظم قد بناه الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل-عليهما-صلوات الله الجليل-صدعا بالأمر الإلهى المشرف فى البقعة التى لا مثيل لها ولا نظير، حسبما سنوضح ونعرف به فى الصورة الخامسة من الوجهة الثانية، ويقال إن بناءها تم فى المحاولة الأولى وعلى قول فى المحاولة الرابعة. وبعد أن انتهى من بنائه دعوا جميع الخلق إلى الطواف حوله وزيارته.
إن أغلب العرب المنتسبين إلى السلالة التى ينتهى إليها نسب إسماعيل-﵇-عكفوا على أداء فريضة الحج كل عام بعد وفاة إسماعيل-﵇ ووالده خليل الرب الجليل، وبذلوا جهدهم لأداء الفرائض الأخرى، ورأوا أن أداء مثل هذه الأمور الشرعية والواجبات الدينية فرض عليهم.
стр. 72
واستمرت هذه الحمية الدينية عند العرب إلى أن انتقلت إدارة مكة إلى بنى خزاعة، حيث إن عمرو بن عامر الخزاعى (فصلت سيرته فى الوضع الخاص به) قام قبل البعثة النبوية بخمسمائة عام بانتزاع حكم مكة المكرمة من يد أجداد النبى ﷺ -ذوى النسب العريق، بمساعدة قومه، ودفع العرب لعبادة الأصنام وبهذا أصبح جميع سكان مكة المكرمة ومن بجوارها من عبدة الأوثان.
وبعد ظهور عمرو بن عامر بثلاثمائة سنة وقبل الهجرة النبوية بمائتى سنة دارت الحرب بين قصى بن كلاب «أحد أجداد النبى» لإمالة العرب إلى قبول دين إبراهيم الحنيف وبين بنى خزاعة وكان النصر حليفه، وأخرج كل بنى خزاعة من مكة، غير أن عبادة الأصنام تلك العادة الباطلة كانت قد تمكنت من قلوبهم، فاستمرت بينهم حتى عصر النبوة والهداية عصر سيد البشر-﵊-بسبب-شكل العبادة المشئومة التى جلبها عمرو بن عامر قامت قريش وقد اعتنقت عبادة الأوثان بإدخال الأصنام إلى المسجد الحرام حينما سمح الزمان به، وصنعت ثلاثمائة وست وستين صنما مجسما من الحجر والشجر ووضعتها داخل الكعبة المعظمة التى تمثل قطعة من الجنة.
وظلت هذه الأصنام داخل البقعة المقدسة «الكعبة المشرفة» إلى أن تم فتح مكة على يد سيد الأنبياء الذى كانت بعثته ورسالته رحمة خالصة.
أديان العرب فى الجاهلية
كان للعرب فى جاهليتهم عدة أديان مثل المسيحية، اليهودية، المجوسية، والزندقة، فكانت قبائل ربيعة بن غسان وبعض آل قضاعة على دين المسيحية، وأهل حمير وبنو كنانة وبنو الحارث بن كعب وأهل كندة على اليهودية، وبنو تميم على المجوسية، وكانت قريش على الزندقة.
ومن المخذولين الذين اعتنقوا المجوسية آنذاك زرارة بن عدس وابنه حاجب
стр. 73
بن زرارة، وبدافع من هذه المجوسية تزوج زرارة من ابنته التى من صلبه، ثم ندم بعد ذلك وخجل من فعلته وطلقها.
وكان الأقرع بن حابس وأبو سود من المجوس وأبو سود هذا جد وكيع بن حسان. وقد صنع بنو حنيفة من قريش إلها لهم من طعام اسمه (حبس) وظلوا يعبدونه لمدة طويلة، وعند ما حدثت المجاعة والقحط قاموا بتقسيمه ثم أكلوه وقد سجل أحد شعراء بنى تميم هذه الواقعة فى بيت من الشعر قال فيه:
أكلت ربها حنيفة من جوع ... قديم بها ومن عوز
وقال آخر:
أكلت حنيفة ربها ... زمن التفحم والمجاعة
لم يحذروا من ربهم ... سوء العواقب والنياعة (١)
ورغم أن هذه الواقعة حدثت قبل البعثة النبوية الجليلة فقد كان هناك من يسعى فى طلب الدين الحق ومن جملة هؤلاء: أرباب بن رئاب، وكان يعتنق المسيحية دين عيسى ﵇، وابن نوفل بن أسد بن عبد العزى-أى ورقة بن نوفل-الذى انصرف عن عبادة الأوثان واعتنق المسيحية التى لم تكن قد تبدلت تماما، وذلك للوصول إلى الدين الحق، كذلك زيد بن عمرو بن نفيل أبو سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، والذى استشهد فى رحلته إلى الشام طلبا للدين الحق. كذلك أمية بن أبى الصلت الذى تظاهر فى بادئ الأمر بطلب الدين الحق لكنه فيما بعد، اختار الكفر حسدا للرسول-﵊ على نبوته. فإذا ما جئنا إلى أسعد بن أبى كرب الحميرى فقد أسلم قبل البعثة النبوية بسبعمائة عام. كذلك كان كلا من قس بن ساعدة الإيادى و «أبو قيس» صرمة بن أبى أنس أيضا من المسلمين فى الجاهلية. وكان قس بن ساعدة من مشاهير حكماء العرب واعتاد أن يخطب فى الناس من فوق ظهر الجمل فى سوق عكاظ.وقد أدرك أبو قيس الإسلام وأسلم.
стр. 74
وقد عرفت الخطابة من فوق ظهور الحيوانات فى بادئ الأمر مع قس بن ساعدة «كتاب المعارف».
لقد امتد العمر طويلا بقس بن ساعدة المشهود له بالفصاحة وقد أنبأ وبشر بمجئ الرسول خاتم الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام قبل البعثة.
وقد حضر الرسول فخر العالم- ﷺ -ذات مرة إحدى خطب قس بن ساعدة قبل بعثته فى سوق عكاظ بدون علم منه، هذه الخطبة التى نالت شهرة واسعة بين بلغاء العرب. وحفظها ورددها كل الكبار والصغار فى ذلك العصر.
فى ذلك اليوم اعتلى «قس بن ساعدة» ظهر جمله الأحمر وقال خطبته التالية أيها الناس: اسمعوا واعوا:
من عاش مات ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، المطر يسقط،والعشب ينبت، والأطفال يولدون ويقومون مقام الأمهات والآباء وبعد ذلك كل هذا يفنى، وتتابع الأحداث، ويتبع الواحد الآخر، أنصتوا وانتبهوا ففى السماء خبر، وفى الأرض عبر، وجه الأرض فرش إيوان ووجه السماء سقف عال، النجوم تتحرك والبحار تقف، القادم لا يبقى والذاهب لا يأتى، هل يا ترى يبقون حيث يذهبون معجبين به أم يحجزون هناك ويغشاهم يوم طويل! إننى أقسم أن عند الله دين أحب من دينكم الذى أنتم عليه، وهناك رسول سيأتى أو شك زمان ظهوره.
وقد أظلكم زمانه، فما أسعد من يؤمن به ويهتدى وما أشقى من يعصيه ويخالفه، زمانه يا للأسى على الأمم التى قضت عمرها فى الغفلة.
يا قوم إياد .. أين آباؤكم وأجدادكم؟ بالله أين قصوركم المزينة؟ أين عاد وثمود الذين نحتوا بيوتا من الحجارة؟ وأين فرعون؟ أين النمرود الذى غرته الدنيا وقال لقومه إنى أنا ربكم الأعلى؟ ألم يكونوا أكثر منكم ثروة وقوة وقدرة؟ ألم يكونوا أكثر منكم عددا؟ لقد طوتهم هذه الأرض فى دورانها، فأصبحوا ترابا تذروه الرياح، وبليت عظامهم وصارت رمادا وتهدمت بيوتهم فأصبحت خاوية
стр. 75
الكلاب تعوى فى أراضيهم وبلادهم. احذروا من الغفلة ولا تكونوا مثلهم، ولا تسلكوا طريقهم، كل شئ فان ولن يبقى إلا الحق الواحد الذى لا شريك له ولا نظير هو وحده المعبود، لم يلد ولم يولد، وما أكثر الأحداث الجارية لنا فيها عبرة. نهر الموت مداخله كثيرة، لكن ليس له مخرج، الكل سيمضى الكبير والصغير الذاهب لا يعود وأوقن أن ما يجرى لعامة الناس سيصيبنى أيضا.
«قصص الأنبياء-لجوتب باش»
استمرت عادات العرب الباطلة فى الجاهلية إلى ما بعد الإسلام ولكن رسول الله- ﷺ -سلطان عرش الدين المبين قام-مؤيدا بالوحى الإلهى-بتمزيق العقائد الباطلة والقضاء عليها وعلى العبادات البدوية الفاسدة.
وأبقى على بعض أحكام دين إبراهيم-﵇-الحنيف التى توافق فطرة الإنسان وتعاليم الإسلام الجليلة، وأيدها وجعلها من أحكام الشريعة الإسلامية.
ومن الأحكام الشرعية التى أخذت من إبراهيم-﵇-ما ينص عليه القول الكريم: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (آل عمران:٩٧).
الذى يدعو إلى الأخوة الإسلامية التى تتحقق باتحاد الأمة المحمدية والذى يدعو إلى وحدة المسلمين حتى تتحقق للأمة الإسلامية قوة الشوكة، وهكذا فرض الحج ليجتمع المسلمون متحابين فى الأرض الطاهرة المباركة «مكة المكرمة» حيث يطلعون على الأسرار الخفية الحقيقية للدعوة، ويجتمعون فى عرفات فى يوم أخضر قدسى لتزداد الأخوة بين أفراد الأمة الإسلامية، وهكذا انتشرت أنوار الجماعة الإسلامية التى تحمى المدينة الطاهرة.
وإنه لمن المسلم به لدى ذوى التجارب وأهل البصيرة من الملل الأخرى أن الاتحاد الدينى يؤدى إلى التقدم المدنيّة والقوة. وإننا نشكر الله مع أمتننا أنه شرفنا بالإسلام الذي كان مبعث سعادتنا وسلامتنا ومبعث قوة حضارتنا وشوكتها فى الدنيا والآخرة.