← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فوق جبل الفا، حيث أن الجبال المذكورة غير منفصلة بل هى سلسلة من الجبال يتصل كل منها بالآخر. وبالنظر إلى تعريف الأزرقى فإنه يلزم أن يكون اسم الجبل المقابل لجبل «أبى قبيس» قعيقعان ولما انتهى إليه تدقيق صاحب معجم البلدان وتحقيقه أنه يقتضى العثور على اسم جبل يظهر من قمته مسافة المسجد الحرام جليا. وعلى هذا التقدير فإن الاسم الأصلى لجبل «جزل» قعيقعان، ولما كان أقرب من ناحية الغرب من طائفة «جزل» التى تنصب خيامها فوق الجبل المذكور عند ترددهم إليه من حين إلى آخر وتقيم به فترة للاستراحة أطلق عليه اسم «جبل جزل». والبقعة المشرفة للكعبة المكرمة قصر عزة الملك العلام، وقبلة قبائل الإسلام تقع وسط المدينة المقدسة التى أسهبنا فى تعريفها، كما تتوسط المسجد الحرام دائرة الفيوضات الإلهية، وتحيط بالموضع المقدس وتحده مجموعة من البيوت والمنازل العالية الرصينة الأركان وسلسلة الجبال سالفة البيان. إن البيت المعظم قد بناه الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل-عليهما-صلوات الله الجليل-صدعا بالأمر الإلهى المشرف فى البقعة التى لا مثيل لها ولا نظير، حسبما سنوضح ونعرف به فى الصورة الخامسة من الوجهة الثانية، ويقال إن بناءها تم فى المحاولة الأولى وعلى قول فى المحاولة الرابعة. وبعد أن انتهى من بنائه دعوا جميع الخلق إلى الطواف حوله وزيارته. إن أغلب العرب المنتسبين إلى السلالة التى ينتهى إليها نسب إسماعيل-﵇-عكفوا على أداء فريضة الحج كل عام بعد وفاة إسماعيل-﵇ ووالده خليل الرب الجليل، وبذلوا جهدهم لأداء الفرائض الأخرى، ورأوا أن أداء مثل هذه الأمور الشرعية والواجبات الدينية فرض عليهم.

стр. 72

واستمرت هذه الحمية الدينية عند العرب إلى أن انتقلت إدارة مكة إلى بنى خزاعة، حيث إن عمرو بن عامر الخزاعى (فصلت سيرته فى الوضع الخاص به) قام قبل البعثة النبوية بخمسمائة عام بانتزاع حكم مكة المكرمة من يد أجداد النبى ﷺ -ذوى النسب العريق، بمساعدة قومه، ودفع العرب لعبادة الأصنام وبهذا أصبح جميع سكان مكة المكرمة ومن بجوارها من عبدة الأوثان. وبعد ظهور عمرو بن عامر بثلاثمائة سنة وقبل الهجرة النبوية بمائتى سنة دارت الحرب بين قصى بن كلاب «أحد أجداد النبى» لإمالة العرب إلى قبول دين إبراهيم الحنيف وبين بنى خزاعة وكان النصر حليفه، وأخرج كل بنى خزاعة من مكة، غير أن عبادة الأصنام تلك العادة الباطلة كانت قد تمكنت من قلوبهم، فاستمرت بينهم حتى عصر النبوة والهداية عصر سيد البشر-﵊-بسبب-شكل العبادة المشئومة التى جلبها عمرو بن عامر قامت قريش وقد اعتنقت عبادة الأوثان بإدخال الأصنام إلى المسجد الحرام حينما سمح الزمان به، وصنعت ثلاثمائة وست وستين صنما مجسما من الحجر والشجر ووضعتها داخل الكعبة المعظمة التى تمثل قطعة من الجنة. وظلت هذه الأصنام داخل البقعة المقدسة «الكعبة المشرفة» إلى أن تم فتح مكة على يد سيد الأنبياء الذى كانت بعثته ورسالته رحمة خالصة. أديان العرب فى الجاهلية كان للعرب فى جاهليتهم عدة أديان مثل المسيحية، اليهودية، المجوسية، والزندقة، فكانت قبائل ربيعة بن غسان وبعض آل قضاعة على دين المسيحية، وأهل حمير وبنو كنانة وبنو الحارث بن كعب وأهل كندة على اليهودية، وبنو تميم على المجوسية، وكانت قريش على الزندقة. ومن المخذولين الذين اعتنقوا المجوسية آنذاك زرارة بن عدس وابنه حاجب

стр. 73

بن زرارة، وبدافع من هذه المجوسية تزوج زرارة من ابنته التى من صلبه، ثم ندم بعد ذلك وخجل من فعلته وطلقها. وكان الأقرع بن حابس وأبو سود من المجوس وأبو سود هذا جد وكيع بن حسان. وقد صنع بنو حنيفة من قريش إلها لهم من طعام اسمه (حبس) وظلوا يعبدونه لمدة طويلة، وعند ما حدثت المجاعة والقحط قاموا بتقسيمه ثم أكلوه وقد سجل أحد شعراء بنى تميم هذه الواقعة فى بيت من الشعر قال فيه: أكلت ربها حنيفة من جوع ... قديم بها ومن عوز وقال آخر: أكلت حنيفة ربها ... زمن التفحم والمجاعة لم يحذروا من ربهم ... سوء العواقب والنياعة (١) ورغم أن هذه الواقعة حدثت قبل البعثة النبوية الجليلة فقد كان هناك من يسعى فى طلب الدين الحق ومن جملة هؤلاء: أرباب بن رئاب، وكان يعتنق المسيحية دين عيسى ﵇، وابن نوفل بن أسد بن عبد العزى-أى ورقة بن نوفل-الذى انصرف عن عبادة الأوثان واعتنق المسيحية التى لم تكن قد تبدلت تماما، وذلك للوصول إلى الدين الحق، كذلك زيد بن عمرو بن نفيل أبو سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، والذى استشهد فى رحلته إلى الشام طلبا للدين الحق. كذلك أمية بن أبى الصلت الذى تظاهر فى بادئ الأمر بطلب الدين الحق لكنه فيما بعد، اختار الكفر حسدا للرسول-﵊ على نبوته. فإذا ما جئنا إلى أسعد بن أبى كرب الحميرى فقد أسلم قبل البعثة النبوية بسبعمائة عام. كذلك كان كلا من قس بن ساعدة الإيادى و «أبو قيس» صرمة بن أبى أنس أيضا من المسلمين فى الجاهلية. وكان قس بن ساعدة من مشاهير حكماء العرب واعتاد أن يخطب فى الناس من فوق ظهر الجمل فى سوق عكاظ.وقد أدرك أبو قيس الإسلام وأسلم.

стр. 74

وقد عرفت الخطابة من فوق ظهور الحيوانات فى بادئ الأمر مع قس بن ساعدة «كتاب المعارف». لقد امتد العمر طويلا بقس بن ساعدة المشهود له بالفصاحة وقد أنبأ وبشر بمجئ الرسول خاتم الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام قبل البعثة. وقد حضر الرسول فخر العالم- ﷺ -ذات مرة إحدى خطب قس بن ساعدة قبل بعثته فى سوق عكاظ بدون علم منه، هذه الخطبة التى نالت شهرة واسعة بين بلغاء العرب. وحفظها ورددها كل الكبار والصغار فى ذلك العصر. فى ذلك اليوم اعتلى «قس بن ساعدة» ظهر جمله الأحمر وقال خطبته التالية أيها الناس: اسمعوا واعوا: من عاش مات ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، المطر يسقط،والعشب ينبت، والأطفال يولدون ويقومون مقام الأمهات والآباء وبعد ذلك كل هذا يفنى، وتتابع الأحداث، ويتبع الواحد الآخر، أنصتوا وانتبهوا ففى السماء خبر، وفى الأرض عبر، وجه الأرض فرش إيوان ووجه السماء سقف عال، النجوم تتحرك والبحار تقف، القادم لا يبقى والذاهب لا يأتى، هل يا ترى يبقون حيث يذهبون معجبين به أم يحجزون هناك ويغشاهم يوم طويل! إننى أقسم أن عند الله دين أحب من دينكم الذى أنتم عليه، وهناك رسول سيأتى أو شك زمان ظهوره. وقد أظلكم زمانه، فما أسعد من يؤمن به ويهتدى وما أشقى من يعصيه ويخالفه، زمانه يا للأسى على الأمم التى قضت عمرها فى الغفلة. يا قوم إياد .. أين آباؤكم وأجدادكم؟ بالله أين قصوركم المزينة؟ أين عاد وثمود الذين نحتوا بيوتا من الحجارة؟ وأين فرعون؟ أين النمرود الذى غرته الدنيا وقال لقومه إنى أنا ربكم الأعلى؟ ألم يكونوا أكثر منكم ثروة وقوة وقدرة؟ ألم يكونوا أكثر منكم عددا؟ لقد طوتهم هذه الأرض فى دورانها، فأصبحوا ترابا تذروه الرياح، وبليت عظامهم وصارت رمادا وتهدمت بيوتهم فأصبحت خاوية

стр. 75

الكلاب تعوى فى أراضيهم وبلادهم. احذروا من الغفلة ولا تكونوا مثلهم، ولا تسلكوا طريقهم، كل شئ فان ولن يبقى إلا الحق الواحد الذى لا شريك له ولا نظير هو وحده المعبود، لم يلد ولم يولد، وما أكثر الأحداث الجارية لنا فيها عبرة. نهر الموت مداخله كثيرة، لكن ليس له مخرج، الكل سيمضى الكبير والصغير الذاهب لا يعود وأوقن أن ما يجرى لعامة الناس سيصيبنى أيضا. «قصص الأنبياء-لجوتب باش» استمرت عادات العرب الباطلة فى الجاهلية إلى ما بعد الإسلام ولكن رسول الله- ﷺ -سلطان عرش الدين المبين قام-مؤيدا بالوحى الإلهى-بتمزيق العقائد الباطلة والقضاء عليها وعلى العبادات البدوية الفاسدة. وأبقى على بعض أحكام دين إبراهيم-﵇-الحنيف التى توافق فطرة الإنسان وتعاليم الإسلام الجليلة، وأيدها وجعلها من أحكام الشريعة الإسلامية. ومن الأحكام الشرعية التى أخذت من إبراهيم-﵇-ما ينص عليه القول الكريم: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (آل عمران:٩٧). الذى يدعو إلى الأخوة الإسلامية التى تتحقق باتحاد الأمة المحمدية والذى يدعو إلى وحدة المسلمين حتى تتحقق للأمة الإسلامية قوة الشوكة، وهكذا فرض الحج ليجتمع المسلمون متحابين فى الأرض الطاهرة المباركة «مكة المكرمة» حيث يطلعون على الأسرار الخفية الحقيقية للدعوة، ويجتمعون فى عرفات فى يوم أخضر قدسى لتزداد الأخوة بين أفراد الأمة الإسلامية، وهكذا انتشرت أنوار الجماعة الإسلامية التى تحمى المدينة الطاهرة. وإنه لمن المسلم به لدى ذوى التجارب وأهل البصيرة من الملل الأخرى أن الاتحاد الدينى يؤدى إلى التقدم المدنيّة والقوة. وإننا نشكر الله مع أمتننا أنه شرفنا بالإسلام الذي كان مبعث سعادتنا وسلامتنا ومبعث قوة حضارتنا وشوكتها فى الدنيا والآخرة.

стр. 76

أسماء مكة الله السامية عدد الأسماء ذات الدلالة الباهرة التى أطلقت على مدينة مكة المعظمة فى الكتب المقدسة كثيرة وهى: «مكة، بكة، بلد، قرية، أم القرى، بلدة، البلد الأمين، صلاح، باس، البساسة، ناسة، النساسة، حاطمة، رأس، كوثى، أم عرش، عريش، عرش، قادس، القادسية، سبوحة، حرام، البلد الحرام، المسجد الحرام، معطشة، برة، رتاج، رحم، أم، أم رحم، أم الرحمة، أم كوثى، أمينة، أم الصفا، مروية، أم المشاعر، متحفة، البلدة المرزوقة، تهامة، الحجاز، طيبة، مدينة الرب، عاقر، فاران» وعددها خمسة وأربعون اسما جليلا. ولها ثمانية ألقاب جليلة مثل «المشرفة، المكرمة، المفخمة، المهابة، الوالدة، النادرة، الجامعة، المباركة». ولا يجوز الدخول بلا إحرام داخل حدود مكة الميمونة التى وضحناها فى المقالة الرابعة. منظومة تذكر الأخبار خمسة وأربعين اسما للكعبة ... ألا فاحفظها لتنير قلبك بها بلد، أم رحم، أم القرى، مكة، بكة ... صلاح، قرية، باسم، رأس، ناسة، بلدة الستار ... حجاز، قادسية، قادسى، طيبة، متحفة تهامة، مروية، ... أم المشاعر أم عرش، عرش، عريش، حاطمة، أم الصفا، كوثى ... رتاج، البساسة، نساسة، سبوحة،

стр. 77

برة مقدسة، ... حرام، أم رحمة، البلد الحرام، مدينة الرب، ... أم كوثى، معطشة، مرزوقة باسة، رحم وكذلك المسجد الحرام، أمينة، ... عاقر فاران فإن حسبتها يا طالب الأخبار ألفيتها ... خمسا وأربعين. سبب إطلاق هذه الأسماء على الكعبة اسم مكة المكرمة يطلق على هذه المدينة المقدسة فقط أو مجموع الحرم الشريف أى المناطق الواقعة داخل المواقيت المحدودة، وسبب تسميتها بهذا الاسم يرجع إلى أسباب متعددة: على قول أنه مأخوذ من معنى «النفض» وكأنها تنفض أى تفنى جميع الآثام. وعلى رأى آخر أنها تنفض الظلم وتهلك أهل الجور. وعلى رأى ثالث أن الأرض المقدسة قليلة المياه وسكانها كأنهم يمتصون المياه من أرضها بأفواههم، أو أنه مأخوذ من معنى «المص» والرشف، وكأنها تمتص الناس كل سنة من جميع الجهات وتجذبهم إليها، أو أنها تمحو وتدفع عصيان العصاة. أو أنه مأخوذ من لفظ «مكاكة» التى تعنى النخاع والملخ فى وسط العظام، وكأن كعبة الله فى وسط الدنيا وخلاصتها. وعلى قول، إن الأرض المباركة بيت الله تمتص ذنوب العصاة وأوزارهم وتخرجها ثم تمحوها، وكأنها تمتص النخاع من العظام. وكانت هذه البقعة

стр. 78

مشهورة بقداستها حتى قبل الإسلام وإبان مجد الإمبراطورية الرومانية وكانت تذكر باسم «مقربة» وتعرف به. رواية: خلق تراب بيت العزة العاطر قبل خلقة وجه الأرض وأن الكرة الأرضية قد بسطت من ذيل بقعة الكعبة المعظمة وخلقت. نظم: أكثر من أهل الدنيا وفى كثير لا خباب ... لها الحصين المستحكم من الأبواب ويمر عام ثم أعوام لا يحدها إحصاء ... ومن مادتها تنبسط الغبراء أول بناء أقيم من بعده ... إنما كان على أساس له يطوف حولها من يطوفون ... وهم الأقمار يشبهون حينما خلقت مكة على وجه الغبراء ... ما كان إلا الجبل والصحراء وكان لمكة على الماء قرار ... وما كان للدنيا إلا الخراب أثار وبها الأرض اتسعت ... أصبحت وكأنها مجلس أنس ولما الأرض بسطا جعلت ... دارت الأفلاك من بعد ودارت صحبت وكأنها مجلس أنس ... دارت الأفلاك من بعد ودارت (فتوح الحرمين لجامى)» حسب رواية ابن عباس، أن العرش الرفيع المقام كان فوق بحر كبير اسمه «صاد» وفى أثناء رفعه إلى أعلى تموج البحر وثارت زبدة وخلقت أرض مكة المباركة من هذا الزيد، وخلق وجه السماء من بخاره. وبعد هذا أخذت الأرض تنسحب من أسفل أرض الكعبة المعظمة واتسعت قدر ما أمرت به. وكان موضع البيت المعظم آنذاك فوق مكان يرتفع قليلا ذى تربة حمراء تزوره

стр. 79

الملائكة، وقد قبلت توبة سيدنا آدم-﵇-بعد زيارته هذه الأرض الطاهرة. وبنى البيت المعمور فوق ذلك الموضع الملئ بالأنوار المرتفع لكى يزول الخوف ورهبة الفراق من نفس آدم-﵇. بكة: وهناك اختلاف حول هذا الاسم، وعند البعض أن مكة وبكة اسمان لمسمى واحد ومترادفان، وبما أن حرفى الباء والميم متقاربان من ناحية النطق والمخرج الصوتى كان البعض يحل كلا منهما مكان الآخر، ويدعون أن مكة وبكة اسمان لمسمى واحد مع أن «بكة» فى نظر البعض هو اسم المدينة المقدسة «مكة المكرمة» وعند البعض الآخر أنه اسم البقعة الجليلة الكعبة المشرفة فقط. والقول الصحيح أن مكة هو اسم الأماكن المباركة داخل حدود الحرم خارج المسجد الحرام. وبكة هو اسم البقعة التى عليها بيت الله وحرم المسجد الحرام المبارك. وحسب قول ابن عباس أن سبب إطلاق اسم مكة أنها كانت تذل الملاعنة والجبابرة الذين يعادونها. بلد: يقول اللغويون إن لفظ بلد يعنى صدر البلاد وإن لفظ بلد يطلق على مكة المكرمة، لأن كل البلاد والممالك مخلوقة من تراب مكة المعظمة، وبما أن الآية الجليلة ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ (سورة البلد:١) تؤكد التسمية، فمن المحقق أن لفظ البلد اسم مكة المكرمة. قرية: سبب تسميتها بهذا كونها مكان اجتماع الجموع الغفيرة. أم القرى: وسميت بهذا الاسم لكونها أقدم بقعة على وجه البسيطة. وقول الشاعر: أقدم مكان الحرم الأكبر ... جعل الله لقبه أم القرى

стр. 80

يؤكد أن أقدم الأراضى هى هذه البقعة المباركة. وإن كان هذا دليلا لا يتسرّب إليه الشك وسندا كافيا لتصديق تسميتها ب «أم القرى»،إلا أن كون مكة المكرمة قبلة الجميع وامتيازها على بلاد الأرض كلها بالفخامة والعظمة ولاحتوائها على الكعبة الشريفة، وخلو الأرض من تراب بقعة الله المباركة يجعلها جديرة بإطلاق هذا الاسم عليها وتبعا لهذا التوضيح لابد وأن يكون أم القرى هو اسم الأرض المقدسة التى تقع ضمن مواقيتها. قال عبد الله بن عباس، وهو أعلم الناس «أنه أطلق اسم أم القرى على مكة، لأنها أعظم بلاد الأرض شأنا وكرامة، ولأن الأرض قد بسطت من التراب الذى تحتها».أما ابن عادل فقد وضح الموضوع فى تفسيره قائلا: إن موضع الكعبة المعظمة كان غثاء قبل أن يخلق الله- -الأرض والسموات، وعند ما بدأ خلق مكوناتها خلق الأرض وبسطها من تحت الكعبة قبل أن يخلق السماء وهذا هو سبب تسميتها «بأم القرى» لأنها هى الأصل. البلد: البلد الأمين من الأسماء الشريفة للكعبة التى ذكرت فى القرآن الكريم، وسبب تسميتها بهذا الاسم مجهول وعلمه عند الله. أم رحم: ومعناها عند الإمام مجاهد: (أم بمعنى أصل ورحم بمعنى الرحمة) ولأن مكة المشرفة هى أصل الرحمة وموضع حب كل الموحدين الذين يحرصون على تسميتها بهذا الاسم. باسة: وسميت بهذا الاسم لكونها تفتت الذنوب وتجعلها هباء وتسمى أيضا «الساسة». صلاح: لكونها موضع الصلاح والفلاح.

стр. 81

ناسة: أطلق عليها هذا الاسم لأنها كانت فى الجاهلية قليلة المياه لدرجة انعدام الرطوبة بها. وكان الملاحدة الذين يظلمون ويسرقون بداخلها يطردون خارج حدودها وينفون منها، وتسمى أيضا «نساسة». حاطمة: لأن ذنوب الحجاج وأوزارهم تحطم فيها وتكسر كما تحطم الملاحدة الذين يكفرون بالدين المبين. رأس: وذلك لأنها تشبه رأس الإنسان من حيث الشرف، ويزعم العلماء أنها تتوسط الدنيا، أو أن سماءها خلقت قبل سائر البلاد لذا سميت بهذا الاسم. والواقع أن رأس الإنسان أشرف من جميع الجسم كما أن هذا العضو عجيب الخلقة يعد أفضل من سائر أجزاء الجسم الإنسانى، كذلك تعد مكة المعظمة أشرف البقاع على وجه الأرض، وتشبه رأس الإنسان لوقوعها فى وسط الدنيا. كوثى: على وزن طوبى، وكوثى هو اسم حى بنى عبد الدار فى مدينة «مكة المعظمة» لأنهم توارثوا حجابة البيت لفترة طويلة لهذا السبب أطلق عليها اسم «كوثى». عرش وعريش وعرش: وهى أسماء مترادفة، وسبب إطلاق هذا الاسم أن بيوت مكة فيما مضى كانت تصنع من مجموعة من غصون الأشجار ومن أشياء مثل أعواد القصب، وكانت عبارة عن منازل ذات أسقف دون جدران. وتسمى المظلة على الإطلاق باسم عرش، أما العريش فهى البيوت الصغيرة التى تبنى على هيئة المظلة. كما أن عرش جمع كلمة عريش ولدى البعض أن

стр. 82

عرش هو اسم الأحياء الموجودة فى أطراف مكة المعظمة والعرش والعريش يطلق على البيوت القديمة والعرش أيضا اسم كل بيت قديم. قادس، قادسية: سميت بذلك لوجودها فى الأرض المقدسة. سبوحة: وهو اسم أرض منخفضة قريبة من جبل الرحمة «جبل عرفات» وسميت بهذا الاسم لأن وقفة عرفات هى من أعظم مناسك الحج. حر ام: البلد الحرام والمسجد الحرام-من الأسماء المذكورة فى القرآن الكريم وسميت بهذا لحرمة أراضى الكعبة المقدسة. معطشة: وذلك لأن الكعبة تقع فى مكان قليل الماء. برة: لكونها بلد الأبرار. رتاج: بمعنى الباب العظيم وسميت بهذا الاسم لأن باب المعلى مدخل البيت الأكرم وله علاقة بلقب مكة المعظمة. أم: بمعنى الأصل، وسبب التسمية أن قدر ومكان الكعبة المعظمة وشرفها يفوق كل البلاد والقرى، أو أنها قبلة كل الأمم ومقصدها، أو أن الموقع الأنور لبيت الله العزيز يقع-على ما زعم-فى النقطة المفخمة فى وسط الكرة الأرضية.

стр. 83

رحم وأم الرحمة: من الأسماء المترادفة وقد ذكر سبب تسميتها بهذا الاسم. أم كوثى: وقد بينا سبب إطلاق هذا الاسم. أمينة: وسبب إطلاق هذا الاسم أنها مطلع شمس وجود النبى الأمين عليه وعلى آله صلاة المعين. أم الصفا: وسبب التسمية أن الذين يؤدون الحج بصدق نية وخلاص طوية يتحصلون على هدوء الخاطر وصفاء البال. مروية: وسبب إطلاق هذا الاسم هو لما يرويه الخلف عن السلف عن عظمة قدر هذا المكان ومزاياه، والواقع أن الله- -قد قص فى القرآن المبين وبين قدر كعبة الله الجليل، وأن كل الأنبياء العظام والرسل الكرام قاموا بالحج الشريف إليها ووصفوها وأثنوا عليها ثناء جميلا. متحفة: وسبب التسمية ما أنعم به الحق- -من بر وإحسان على جيران بيت الله. أم المشاعر: وسبب التسمية أنها أصل مشاعر الحج ومركز الأماكن المسعودة التى تؤدى بها مناسك الحج.

стр. 84

البلدة المرزوقة: وسبب إطلاق هذا الاسم هو الدعاء الذى تفضل به سيدنا إبراهيم «على نبينا وعليه السلام» بالمنهج بقوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ (البقرة:١٢٦). رواية: (يروى أنه عند ترديد سيدنا إبراهيم هذا الدعاء أصدر الله- أمره إلى جبريل-﵇-بأن ينقل إلى جوار كعبة الله أوفر قرى أرض فلسطين فاكهة، فاقتلع جبريل الأمين قرية كثيرة الفواكه من. الأرض المذكورة وطاف بها سبع مرات حول بيت الله العزيز ثم تركها فى مكان يقع على بعد ثلاث مراحل من مكة. وكانت هذه القرية المنقولة هى بلدة الطائف ذات اللطائف وسميت بهذا الاسم لأن جبريل-﵇-طاف بها حول البيت المعظم) انتهى. ومنذ ذلك الزمان الذى حددته الرواية وفواكه أراضى كعبة الله وثمارها فى نمو وازدياد، ومع هذا فإن فاكهة مكة لم تقتصر على الطائف بل تزيد ببركة دعاء الخليل-عليه صلاة الله الجليل-وبركة الله المعظم بما يتوارد عليها من كل أنواع الفواكه من أقطار الشرق والغرب. ومدينة «مكة» المعظمة المكرمة مليئة بالفواكه حتى أن كل أنواع فواكه الفصول الأربعة توجد بها فى الفصل الواحد. حكمة: كل إنسان يدخل مكة فى أى ساعة من ساعات الليل يجد من غير عناء كل الأشياء التى يعانى فى الحصول عليها فى أثناء النهار، ولا ينام إنسان أبدا فى مكة المعظمة جائعا. حكاية مليئة بالعبر: يحكى فى رواية موثوق بها أن رجلا من بلاد الشام، جاء إلى مكة المكرمة

стр. 85

لأداء فريضة الحج، فشاهد قوافل الإبل لا تنقطع عن حمل كل أنواع الفواكه والثمار إلى تلك البلدة المقدسة ليل نهار، فاعتراه العجب والتأمل. وجلس الرجل الشامى فى ركن يتعجب ويتفكر فيما بينه وبين نفسه عاجزا عن تفهم هذا الأمر. وقال لنفسه: «لا بد أن وراء هذا الأمر العجيب سرّا، فرغم ما تحفل به بلاد الشام من حدائق وبساتين فى كل أطرافها، ومع هذا لا يتوفر فيها هذا القدر من الفواكه، بل من المحال أن يرى فى الشام دابة تحمل فاكهة فى أحد الشوارع بعد وقت الضحى، يبدو أن حدائق هذه البلدة وغاباتها وبساتينها تفوق حدائق وغابات وبساتين ولايتنا «الشام» وبعد أن أمعن فى التفكير فى هذا الأمر فترة طويلة خرج خارج المدينة بغرض مشاهدة بساتين هذا البلد الإلهى حسبما صور له خياله وذلك ليتحقق من صدق النتيجة التى انتهى إليها تفكيره، لكنه لم ير حول المدينة سوى جبال عارية جرداء، فازداد حيرة وتعجبا واستغرق فى التفكير وطاف من جبل إلى جبل حائرا حتى دخل المساء، فأقام حيثما كان، وراح فى النوم، ثم استيقظ فجأة وكان الوقت فجرا، وإذا به يرى حوله مجموعة من الجمالين يحملون إبلهم أحجارا. اندهش الرجل الشامى واعترته الحيرة لما رآه من تصرف هؤلاء الجمالين الذين صعدوا إلى الجبال فى هذه الظلمة الدامسة، وأخذوا فى تحميل إبلهم الحجارة. وبعد فترة وجيزة عاد الجمالون، وسار الرجل فى أعقابهم واستمر الجمالون فى السير إلى أن وصلوا إلى المدينة الشهيرة مكة الله. وأنزلوا أحمال إبلهم ووزعوها على أصحاب الحوانيت وبدءوا فى جمع ثمنها من النقود، وإذا بالأحجار المحمولة على ظهور الإبل كانت نوعا من الفواكه اللذيذة الطعم. وظن الشامى أن ما جمعه الجمالون من الجبل وحملوا ظهور إبلهم أحجارا لم يكن سوى أنواع من الفاكهة ذات المذاق الطيب التى تثير بمذاقها الطيب تعجب الإنسان. عند ما رأى هذا تذكر الآيات الجليلة: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى

стр. 86

إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنّا﴾ (القصص:٥٧) و ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش:٤) واقتنع بأن الذين يسكنون مكة المعظمة يكون رزقهم على الله، فطابت نفسه. تهامة: وهذه التسمية ترجع إلى شدة ارتفاع درجة حرارتها. الحجاز: وسميت بهذا الاسم لوجود الكعبة المعظمة داخل المنطقة التى تضم نواحى مكة والمدينة والطائف. البلدة الطيبة: لكونها مكانا طيبا ومباركا لعباد الله من المسلمين. مدينة الرب: ومعناه البيت الحرام. وهو من الأسماء المذكورة فى الإنجيل الشريف. عاقر: وهذا الاسم مذكور فى كتاب شعيا-﵇-بمعنى المسجد الحرام. فاران: من الأسماء المذكورة فى التوراة. ورغم أن هذه الكلمة بمعنى المسجد الحرام فإنها اسم أحد الجبال فى مكة أيضا، ويلزم أن يكون هذا الجبل أحد الجبال التى تسمى جبال بنى هاشم. وكان الرسول-﵊-يتعبد فوق هذا الجبل. وقد التقى جبريل-﵇-أول مرة بسلطان الرسل نبينا-﵇ -فى هذا الجبل حينما أتى حاملا الوحى الإلهى إليه، وهذا الجبل مكون من ثلاثة أجزاء وثلاثتها من الجبال المبجلة المعروفة يقال لأحدها جبل أبو قبيس،

стр. 87

والآخر جبل قعيقعان، والثالث جبل فاران، ويطلق شعب بنى هاشم على المكان الواقع فى الجانب الشرقى من جبل أبى قبيس فى مواجهة جبل قعيقعان، ويروى أن النبى-عليه صلاة الله الأكبر-ولد هناك. عند ما حرفت طائفة اليهود التوراة الشريفة اتفق أحبار اليهود على نسخة جديدة وجاءت فى هذه النسخة عبارة (تجلى الله من «سيناء» وأشرق من «ساعير» واستعلن من «فاران»). والمقصود من كلمات: تجلى، أشرق، استعلن: الظهور، والانكشاف، لأن التوراة نزلت على موسى فى طور سيناء والإنجيل نزل على عيسى فى «ساعير» كما نزل القرآن الكريم على نبينا ﵊، فى جبل فاران. وطور سيناء اسم الجبل الذى تجلى فيه- -عليه لنبيه موسى كليم الله. ساعير اسم المكان الذى كلّم فيه سيدنا عيسى. قد بشر موسى-﵇ بالرسالة فى «سيناء» كما بشر عيسى-﵇-بالرسالة فى مكان يسمى «ساعير». وقد أطلق اسم «النصارى» على الذين يدينون بدين عيسى-﵇ وذلك لأن المسيح كان يقطن فى قرية الناصرة الموجودة فى أرض الخليل فى ساعير. وإن كان أهل الكتاب يؤولون «فاران» بمعان مختلفة، فإن ما تفيده الآية الكريمة الواردة فى التوراة «إن الله أسكن هاجر وإسماعيل فاران» تؤكد بلا شك أنه جبل «فاران» المبارك فى مكة المعظمة. عتيق: وهو اسم من أسماء البيت المعظم ويقول حسن البصرى إن سبب إطلاق هذا الاسم، أن البيت المعظم هو أول بيت أسس ليزوره من بنى البشر، وعند الإمام مجاهد أن الله تفضل بإسباغ حمايته عليه من الجبابرة الذين يريدون هدمه وتخريبه، وعند قتادة-رضى الله عنه-أن الله حماه من طوفان نوح.

стр. 88

أسباب تلقيب بيت الله بالألقاب الجميلة المشرفة: وذلك لأن مدينة مكة المشهورة هى أشرف وأجمل وأفضل من كل البلاد. ويكفى دليلا على أن هذه المدينة المقدسة أشرف الممالك وأسعدها على وجه الأرض، أنها كانت مهد إشراق نور سيد الكونين، وأنها مطاف طوائف الموحدين. مكرمة: وذلك لأنها كرمت بالذكر الجميل فى الكتاب المبين، ولأنها كانت مزارا لجميع الرسل والأنبياء وكل الأولياء والصالحين لصدور الأمر الإلهى بزيارة كعبة الله الكائنة داخل مكة السعيدة والحج إليها. مهابة: حيث لا يجرؤ أحد من الملحدين على دخول حرم الله، وبما أنّ الملاحدة والجبابرة ذوى المهابة يخافون كعبة الله ويتحاشونها؛ لذا سميت بهذا الاسم. والدة: حيث إنها مرجع الحجاج والزوار بعد قضاء مناسك الحج. نادرة: اتساع مكة تلك البلدة المقدسة من حين لآخر سبب تسميتها بهذا الاسم. وحسب ما يروى أن هذه المدينة المباركة تمتلئ أحيانا كما تمتلئ بطون النساء بالحمل، وبدء الامتلاء والزيادة فى شهر رجب الشريف أو فى شهر ربيع الأول، ففى بداية هاذين الشهرين تبدأ المدينة فى الاتساع، وتزداد كل لحظة حتى اليوم الثالث عشر من شهر ذى الحجة، وبعد ذلك يعود الحجاج ذوى الابتهاج فوجا تلو فوج. فى الواقع أن من يرى كثرة سكان مدينة مكة المعظمة فى غير أيام الحج يظن أن الحجاج الذين يغدون إليها من أجل أداء فريضة الحج لن يجدوا داخل المدينة

стр. 89

مكانا للإقامة والاستراحة، وأداء العبادات والطاعات داخل دائرة الفيوض الباهرة لحرم المسجد الحرام، ولكن عند حلول موسم الحج ومع تدفق وفود الحجيج من البر والبحر، يرى أنهم يجدون أماكن للراحة والإقامة فى بيوت الأحياء ويقيمون الصلاة بلا عناء فى كل أرجاء الحرم الشريف، ويطوفون حول كعبة الله المقدسة فى جماعات كبيرة ويعبدون الله خفى الألطاف، أدرك أنه كلما ازداد زوار تلك البلدة النادرة اتسع الحرم الشريف حسب الحاجة. ومهما زاد عدد الحجاج فلا يبقى فى مكة المفخمة شخص واحد يبيت فى العراء، والحجيج يستطيعون أن يؤدوا العبادات فى حرية تامة وراحة كاملة داخل حرم بيت الله الموقر مثلهم مثل السكان والمجاورين الذين يقيمون فيها فى غير أوقات الحج. وهذا الواقع حقيقة مسلمة. وقد وصلت-أنا الفقير جامع هذه الحروف-إلى مكة المشرفة فى منتصف شعبان الشريف سنة ١٢٨٩،وعند ما رأيت ازدحام الحرم الشريف تصورت أنه لن يكون هناك مكان لإقامة الصلاة لمن سيأتى بعد ذلك من الحجاج. حيث بلغ الزحام فى هذه البلدة المكرمة مبلغا عظيما، حتى إنه إذا ألقيت إبرة فى الأسواق والأماكن التجارية لن تسقط على الأرض من شدة الزحام. ولم يعد هناك مكان واحد خاليا داخل المسجد الحرام ليجلس فيه إنسان، وبعد مرور فترة قصيرة تبينت أن ضيق مساحة البلدة لا يمكن أن يمنع الحجاج من الطواف والزيارة فصححت أفكارى. وقرب حلول ساعة الخير والبركة للوقوف فى عرفات، وقد إلى مكة المكرمة كل أسبوع ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف حاج وزائر وسكنوا فى دور الأحياء المختلفة ووجدوا أماكن لأداء الطاعات والعبادات فى فخر وسرور. كانت السنة المذكورة سنة الحج الأكبر وتجاوز عدد الحجاج خمسمائة ألف حاج حسب تخمينى وقد أدى جميعهم مناسك الطواف والعبادة بدون مشقة، كما أدوا

стр. 90

الصلوات المفروضة كلها فى جماعة واحدة فى يسر وتنزّهوا فى الأسواق والشوارع بكل راحة. جامعة: وسميت بذلك لأنها نقطة تجمع كل طوائف المسلمين على اختلاف قبائلهم وأجناسهم. وبما أن كل المسلمين من أجناس مختلفة على وجه الأرض ملزمين دينيا بزيارة أرض الحجاز للمشاهدة والفرحة؛ فالذين يأتون محرمين لأداء فريضة الحج إلى الحجاز ذات الفيوضات الإلهية يسعدون برؤية أجناس المسلمين المختلفة فى مكان واحد ونقطة واحدة. ومن الطبيعى أن تنطوى هذه الجماعات العظيمة على أولياء الله الصالحين المستغرقين فى التفكر فى الله وعظمته، وتنطوى كذلك على الذين غرتهم الدنيا بزينتها من أولاد وأملاك وأموال. والأمر يقتضى أن ينظر كل عاقل نال شرف التواجد فى هذا الجمع الكبير، بعين الاعتبار إلى عجائب المخلوقات الإلهية وبديع صنع الله وأن يستيقظوا من غفلتهم. المباركة: وسبب إطلاق هذا الاسم واضح ومفهوم. المفخمة: وسبب التسمية له علاقة بقدر ومزية وعظم كعبة الله المشرفة ، وذلك لما فى معنى الكلمة من التفخيم انتهى. المشرفة: فى المعلومات التى تلقيناها عن كبار شيوخ مكة وتصفح الصحائف القديمة

стр. 91

والتواريخ التى تتضمن أحوال المسجد الحرام، نعرف أن البلدة المباركة كانت محدودة باثنين من الأسوار الضخمة فى الأزمنة القديمة، ويفهم من بقايا هاذين السورين اللذين كانا قائمين إلى وقت قريب أن هاذين السورين-كما جاء فى الأخبار-كانا ليصلان بين جبل عبد الله بن عمر الواقع ناحية معلى بسفح الجبل الواقع أمامه بجدار متين ذى أبواب عديدة ومنافذ لمجارى السيول، لكنها كلها خربت بمرور الوقت. وقد أخبر بعض المكيين أن هناك بعض خرائب الجدران التى تعد من الآثار العتيقة، كما أكد ذلك تاريخ «قطب مكى» وقيل إن هناك خرابة جدار عتيق بجانب السبيل الفخم الذى أنشأه السلطان «سليمان خان» ابن السلطان سليم خان، جانب جدول حسنين، إلا أنه لم يبق فى عصرنا الحالى سوى المبانى القديمة للسبيل المذكور. وهذا السبيل فى مكان مرتفع بقصر متشابك من جهاته الأربعة، وهذا القصر أصبح طريقا لأقدام سكان الخيم الذين أقاموا بجانبه، وتقرر كتب التاريخ أن للأسوار سالفة الذكر جداران وبابين فى ناحية الشبيكة وقد ظلت أكمار هذه الأبواب قائمة حتى وقت قريب. والسور الواقع ناحية المسفلة هو سور آخر لا سيما أن الإمام الفاسى أثبت أنه يوجد سور بين الجبل المسمى لعلع الذى يقع على مقربة من مسجد الراية والجبل المقابل له. فقال (لقد رأيت أطلال وبقايا هذه الأسوار على الجبل المذكور وفهمت أن مكة المعظمة كانت بين أسوار متعددة متصل بعضها ببعض ولكنى لم أستطع معرفة بانى هذه الأسوار) وهذا دليل على أن كل هذه الأسوار قد انمحت ولم يبقى لها أثر. لقد عد الإمام الفاكهى فى كتابه «ران أنبيا» أن أبنية المسجد الشريف الذى بنى فى الموقع اللطيف الذى أمر الرسول بنصب الراية فيه يوم فتح مكة من الآثار العتيقة، فكتب فى تاريخه (يوجد مسجد يزوره الناس وهو قريب من بئر جبير، والمنازل والبيوت التى بجواره خالية خاوية) ولكن الآن فى عصر السلطان العالى القدر قد امتدت البيوت والمنازل حتى خارج مقبرة المعلا، ولهذا فإن المنازل والبيوت التى قال عليها الإمام الفاكهى أنها خالية، ليست كذلك الآن.

стр. 92

إن الأسوار التى قال الإمام الفاكهى إنه رأى أطلالها بنى أحدها المرحوم أبو عزيز قتادة بن إدريس الحسينى وهو من الأجداد العظام لأشراف مكة. وظلت آثار هذا السور مرئية حتى انتهت الخلافة العباسية فى مصر القاهرة. إن أبا عزيز قتادة قد عزز وأكثر من قوته فى عهد الأمير مكثر من بنى فليتة التى كانت تحكم ينبع البحر لمدة، وفى خلال عام ٥٩٧ انتزعوا الإدارة من بنى هاشم عنوة. إن الجد الخامس لأبى عزيز المشار إليه هو الإمام الحسن بن على بن أبى طالب-رضى الله عنه-الغالب. فى زماننا هذا من الصعب حتى توضيح علامة يمكن القول إنها من بقايا الأسوار التى عرفها المؤرخون، وتوجد ثلاثة قلاع صغيرة بأسماء قلعة الجياد، قلعة الفلفل، قلعة الهندى فى الوادى الكائن بين جبل جياد وجبل عمر، حيث يوجد مقر المدفعية والمعسكر الهمايونى وهذه الأشياء جديدة جدا. إن قلعة جياد تقع على جبل جياد وقلعة فلفل تقع على طريق قرارة، وقلعة هندى أسست على قمة جبل هندى الواقع ناحية حمام العمرة، بعد واقعة دلخراشنى الوهابية لحماية مكة المعظمة المفخمة من هجمات العربان. لا سيما فى الفترة التى كان فيها المرحوم حالت باشا والى الحجاز والمرحوم حسين باشا أمراء لمكة، إذ أحسوا بالحاجة إلى توسيع قلعة فلفل، وجعلوا بها مستشفى عسكرى، فهدم عثمان باشا والى الحجاز قلعة هندى وأسس هذا المعسكر على أصول جديدة ولأن هذا المكان دفعت نفقات إنشائه من قبل أهل كريت أطلق عليه اسم غريتية عام ١٣٩٧.كما هدم قلعة جياد وأنشأ مكانها قلعة متينة على الطراز الحديث عام ١٣٠١. أعلام قلاع الحرمين الشريفين إن السلاطين العظام يطلق عليهم اللقب المستلزم للفخر وهو لقب خادم الحرمين المحترمين، وتشكل الحكومة فيهما باسم السلطنة العلية، ومع هذا لم

стр. 93

ترفع الرايات-رمز سطوة الدولة العثمانية فوق المبانى العسكرية والقلاع ولم ترفرف عليها فى الحرمين الشريفين. وإذا كانت تقاليد الاحترام تقتضى عدم رفع الألوية السلطانية فوق قلاع الحرمين الشريفين، إلا أنه من غير المناسب حسب مقتضيات العصر ضياع العلاقة التى تدل على التبعية المشروعة للحرمين الشريفين التى هى قبلة الموحدين، إلى دولة الخلافة، وبناء على هذا الرأى الصائب قد قرر السلطان عبد العزيز فى أواسط حكمه رفع الراية العثمانية فوق معسكرات مكة المكرمة، والمدينة المنورة وفوق قلاعهما مثل سائر البلاد التابعة للدولة العثمانية. وجهزت الأدوات اللازمة والبيارق، وأرسلت إلى ذلك المكان السامى جالب الفيض الإلهى وبذلك أصبح المعتاد رفع الأعلام فى المدينة المنورة، لكن تأخر هذا التقليد بالنسبة لمكة المكرمة وتأجل آنذاك لبعض الأسباب. وكان سكان البلاد الإسلامية الواقعة تحت سيادة دول غير مسلمة يترددون على الحرمين الشريفين وكان بعض هؤلاء يفضلون الإقامة فى أحد الحرمين الشريفين ومجاورتهما بعد أداء الحج لذا اتخذ الإنجليز والفرنسيون والروس والبرتغاليون والهولنديون الذين يستعمرون الهند وآسيا الوسطى والجزائر وجاوه وغيرها قنصليات فى جدة لخدمة رعاياهم فى ظاهر الأمر وقضاء مصالحهم ولكنها فى الحقيقة للتجسس. وكان لتدخل المسلمين من رعايا الدول الأجنبية فى شئون أهالى الحرمين عواقب وخيمة حاليا، ولا سيما أن أفرادا كثيرين من جماعات القبائل البدوية والعشائر المجاورة وأهالى الحرمين أنفسهم يدعون أنهم لا يعرفون لهم مرجعا سوى الإمارة الجليلة للحرمين؛ لذا رئى أنه من الحكمة رفع الراية العثمانية على قلاع مكة المكرمة ليعرف الحاقدون والأعداء أن مكة المكرمة من الأجزاء المقدسة المتممة لأراضى الممالك السلطانية. وقد روعى اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة ما قد يعكر الصفو.

стр. 94

أولا: قد استدعى لذلك سرا محمد جاويد أغا من قدماء ضباط القلاع وأمر بأن تجلب الأعلام وأن تتخذ التدابير العسكرية لمواجهة ما يحدث من مشاغبات. ثانيا: صدر الأمر بسرعة اتخاذ التدابير والتحفظات وتوفير الأعلام اللازمة وصواريها وأوصالها السميكة والحبال الرفيعة التى تسحب بها الأعلام، وتم إعداد كل شئ وتجهيزه وتهيئة الجند اللازم للمحافظة على الأمن، وأن يذهب إلى دائرة الإدارة الجليلة لمقابلة الأمير السابق الشريف عبد المطلب والقيام بالخدمات اللازمة لإقناع الأمير بأن رفع العلم لن يسبب أى إزعاج. وأن تعد الأدلة المقنعة على أن رفع العلم لن يؤدى إلى اضطرابات ومشاغبات فى الإمارة فى ظل الاستعدادات العسكرية التى تم اتخاذها للحفاظ على الإمارة ويؤخذ موافقته على ذلك. كما يؤخذ منه الإذن بارتداء الملابس الرسمية فى أثناء إطلاق المدافع بعد رفع الأعلام والتوجه إلى المسجد الحرام. لترديد الأدعية بطول العمر لجلالة السلطان، بعد ذلك يعود إلى المواقع العسكرية وفى الصباح الباكر ترفع الرايات العثمانية على القلاع كلها فى لحظة، واحدة وتطلق المدافع إحدى وعشرين طلقة، بينما تعزف الموسيقى فى أثناء ذلك، ويصطف عدد من الجنود السلطانية على هيئة طابور ويتحركون مع قواتهم من معسكر المدفعية العثمانى متوجهين إلى الحرم الشريف للمسجد الحرام وفق الأوامر الصادرة. وفى اليوم التالى عند ما رفعت الأعلام على القلاع فى وقت السحر، وأخذت المدافع فى إطلاق طلقاتها، ارتدى الباشا المشار إليه ملابسه الرسمية على الفور وتوجه ومعه العدد اللازم من الجنود السلطانية، قاصدا قصر الشريف عبد المطلب أفندى واصطحبه معه وكان متهيئا للتحرك وقفل راجعا مع الموكب العظيم إلى الحرم الشريف للمسجد الحرام. وكان فى معية الشريف المذكور أشراف مكة وساداتها الممثلون للإمارة وتفضل الباشا بإلقاء خطبة بليغة أمام الجمع الغفير من السادة وأهالى مكة الكرام وبعد ذلك أم القضاة الأربعة الكرام وكل العلماء

стр. 95

المعروفين وخاصة عمر شيبى أفندى حاجب بيت رب الأرباب وكل الحضور فى داخل بيت الله قاموا كلهم بترديد الأدعية المناسبة لحضرة الخليفة ثم انصرف الجميع شاكرين فرحين وذلك فى عام ١٢٩٦ هـ. وهذا الخوف الذى شغل بال الجميع لسنوات طويلة من سوء عاقبة رفع العلم لم يظهر له أثر، بل إن الأهالى الكرام والمجاورين ذوى الاحترام شعروا بالسعادة والافتخار، وإن رفع العلم فى الواقع كان عملا موفقا وينتظر منه فوائد جمة فى المستقبل. ونحن بالنيابة عن الأمة الإسلامية العظيمة نقدم شكرنا للباشا المشار إليه على هذه الخدمة الجليلة. إن مكة المفخمة بلدة مباركة ومقدمة سعيدة تفوق كل بلاد الدنيا عظمة ويمنا، ولحكمة ما كانت ممرا لكثير من الأحداث المفزعة المؤلمة والانقلابات الدامية والمصادمات التى عانتها تفوق كل وصف وحصر؛ لذا رأينا أن نذكر بعضها للتدليل على صحة ادعائنا. استيلاء طائفة القرامطة المفسدين على مكة المعظمة ظهرت بوادر طائفة القرامطة الباغية المفسدة ولم تنج هذه البلدة المباركة من فسادهم وشرهم وفوضاهم، بل إن فرقة «ابن زكرويه» التى استولت على منطقة الشام هاجمت إحدى قوافل الحجاج المتجهة إلى المدينة المنورة وأعملوا فيهم سيوفهم حتى لم يبق واحد منهم على قيد الحياة، وذلك فى عام ٢٨٩ هـ. يروى أن عدد الحجاج والمسلمين الذين قتلتهم سيوف أجداد القرامطة من هذه القافلة تجاوز عشرين ألف حاج، أما الفرقة الملعونة التى تسلطت على الأراضى الحجازية المباركة والتى تنتسب إلى أبى طاهر القرمطى فقد هجموا على مكة المعظمة بغتة وعاثت أقدامها فسادا وشؤما فى الحرم المطهر للمسجد الحرام. عند ما هجم أبو طاهر على مكة المعظمة كان بداخل المسجد الحرام ثلاثون ألفا من الأبرياء وكان أكثرهم فى ملابس الإحرام وكان القليل منهم داخل كعبة الله فلم ينج أحد منهم من سطوة سيف الغدر والعذاب، وهدموا كثيرا من المبانى

стр. 96

العالية فى هذه المدينة المشهورة وخربوها واقتلعوا الحجر الأسود لينقلوه إلى ناحية هجر التى هى مسقط رأس أبى طاهر الملعون ثم انزاحوا إلى بلادهم مدحورين سنة ٣١٧ هـ. وكان هدف أبى طاهر من اقتلاع الحجر الأسود من الركن الجليل لكعبة الله وأخذه إلى ديار هجر هو أن يصرف الناس من التوجه إلى الكعبة وأن يحرمهم من الفيض الإلهى. وأن يوجه طريق الحج المفروش بالفيض الإلهى إلى ناحية هجر بل إنه أنشأ فى هجر دار شقوة أسماها دار الهجرة وحجز الحجر الأسود فى دار الهجرة عشرين سنة. وفى اليوم الذى أجرى فيه أبو طاهر المذبحة فى ساحة المسجد الحرام اقتلع بيده-شلت يده-اللوحات المزينة التى على باب الكعبة مستقر الرحمة، وانتزع أيضا الستارة الشريفة والهدايا القيمة الموجودة فى خزانة البيت انتزاع الطيف وقام بتوزيعها على جنده. وعند ما أراد خلع الميزاب الذهبى أمر بعض أتباعه بذلك، ولكن القرامطة الملحدين الذين تسلقوا السقف وقعوا على الأرض وماتوا وهكذا لم ينجح فى سعيه. وأخذ ذلك الخائن الكافر الحجر الأسود ووصل ناحية هجر، وقضى أربه ثم أبلغ عبد الله المهتدى جد ملوك الفاطميين بالطريقة التى وصل بها إلى تحقيق ما يصبو إليه. وعرض عليه تبعيته وأنه سيقرأ اسمه فى خطبة الجمعة ولكنه تلقى منه جوابا مفاده لقد وجدت فى نفسك الجرأة على نقل الحجر الأسود إلى هجر بعد هتكك ستار وحرمة بيت الله الذى ظل موضع الإعزاز والتكريم دائما فى الجاهلية والإسلام وبعد ذلك تريد أن تقرأ الخطبة باسمى! فأعلن القرمطى عصيانه عليه أيضا. ***

стр. 97

فى ذكر وصف شكل وطراز بيوت مكة المعظمة ومنازلها ودرجات الحرارة والبرودة فى هذه المدينة المقدسة وفوائد الفواكه والخضر ومضارها التى توجد بها وأسباب ظهور الأمراض التى يروى تفشيها فى الأراضى الحجازية المنورة. معظم مبانى مكة المشرفة مبنية بالحجارة والطوب وهى متينة وبعضها أكواخ مصنوعة من الأعشاب والحصير يطلق عليها عشة «بضم العين» وسقوف أغلب المبانى المصنوعة من الحجر والطوب مسطحة ومملوءة بالتراب وسقوف القليل منها حجرات بعضها مغطاة بمادة الطابطات الأسمنت وأغلب النوافذ مغطاة بحصير معروف باسم «كيريته». استطراد بعض الأوربيين الذين نجحوا فى الدخول إلى مكة المكرمة والتجول فيها أشاروا فى ما كتبوا عن رحلاتهم إلى أن نوافذ بيوت مكة مصنوعة من الحصير الخشن، استخدموا فى إيماءاتهم ألفاظا غير مناسبة وأشاروا إلى فساد ذوق أهالى مكة الكرام، إلا أن ما تصوره السياح المشار إليهم فى هذا الخصوص ليس صحيحا فأكثر بيوت مكة المعظمة ومنازلها تطل مباشرة على الحرم الشريف للكعبة وتتعرض لسخونة الشمس وحرارتها القوية. ولذا استصوب أهل السلف بعد طول تفكير أن يعلقوا أشياء من الحصير على نوافذ البيوت حتى تحمى الناس من تأثير حرارة الشمس، وفى نفس الوقت تصون الحرم الشريف للمسجد الحرام من جلبة المنازل وأصداء أصواتها، وقرروا تنفيذ هذا العمل. ولما كان هذا القرار يعبر عن مدى تعظيم الأهالى لكعبة الله

стр. 98

واحترامها فإنه أيضا يشير إلى مصانة بيوت مكة ومتانتها وأن نساء الحرمين أهل حياء وعفاف لا يتجاوزن الدائرة التى حددتها لهم الشريعة، لأن حصر «الكيريتة» التى تبدو خارج نوافذ بيوت مكة لا تقوم مقام الستار ولكنها تقوم مقام المشربيات. ويوجد فى الطرف الداخلى من «الكيريتة» ستار مصنوع من الخشب وهو ما نسميه فى بلادنا «الجناح» وعند ما يزداد الهواء سخونة فإن أهل البيت يغلقون هذا الجناح لحماية أنفسهم من حرارة الشمس. وتختلف هذه الستارة الخشبية تبعا لشكل المبنى وحجمه وبما أن الحصول على خشب البناء فى مكة صعب فإن الستائر الخشبية لنوافذ المبانى الكبيرة الفخمة تصنع من خشب شجر الساج المشهور فى الهند وتنقش عليها نقوش فى منتهى الدقة والجمال. ويصل ثمن كل جناح من الأجنحة إلى ألفين وخمسمائة ليرة وأقله ثمنا يكون بألف وخمسمائة ليرة. وأرخصها يباع بليرتين ونصف وثلاث ليرات يصنع من خشب الصنوبر الرخيص. وإنفاق هذا القدر من النقود فى ستارة نافذة يدل على طبع الكرم عند أهل مكة وجودهم مما يجعل تطاول سياح أوربا وأقوالهم واهية لا أسس لها. والبيوت التى صنعت سقفها من «الطابطاب» الأسمنت أقل تأثرا بحرارة الشمس من المنازل التى صنعت من التراب في أثناء النهار، ولن تسخن غرف الأدوار العليا المغطاة «بالطابطاب» كما تسخن الغرف المغطاة بالتراب فقط بدرجة مخيفة ومن هنا تختلف المنازل المغطاة بالطابطاب عن المنازل غير المغطاة من حيث القواعد الصحية. والمساكن المغطاة بالطابطات أقل رطوبة من المنازل غير المغطاة بهذه المادة، كما أنها أسهل فى التنظيف ولا يعرف المقيمون فيها قدر المساكن الأخرى. إخطار: وهذه المادة المسماة بطابطات عبارة عن خليط جامد مصنوع من رماد المواقد والطين والرمل والجير وهو نوع من الرخام الصناعى، وهو غير مادة الأسمنت

стр. 99

التى تصنع بها الأرصفة فى دار السعادة استانبول، والأكواخ المصنوعة من الحصير والعشب مهما تم بناؤها بعناية فإنها تسخن بحرارة الشمس ولا تخلو من الرطوبة. والذين يسكنون فى هذه الأكواخ لا يمكن أن يكونوا بمنأى عن الأخطار، كما أن السكن فى مثل هذه المبانى يكون تصرفا مغايرا لأحكام وقواعد المحافظة على الصحة، وبناء عليه فإنه لا يجوز لأهل البلاد الباردة أن يستأجروا مثل هذه الأكواخ لأن شدة الحرارة تستدعى تبريد الجسم بالخروج إلى الأماكن ذات الهواء الطلق ويؤدى هذا إلى إصابتهم بنزلات البرد لجلوسهم غير مستورين شبه عراة، كما يؤدى إلى تفشّى العلل والأمراض بينهم. وبما أن الحرارة ترتفع فى أيام الصيف فى المدينة المعظمة إلى حدّ يصعب تحمله يذهب أغلب الأغنياء من أهلها إلى بلدة الطائف اللطيفة، والكثير منهم يقضى وقته فى حدائق المعلى، وفي أيام الشتاء يتجولون في مناطق الحسينية و وادى فاطمة ، وفى كل الأماكن المخضرة التى تبعث الرضى فى النفس ويتنزهون فيها، وأيام الشتاء فى خط العرض لمنطقة الحجاز المقدسة تشبه أيام فصل الربيع فى مناطق الرومللى والأناضول. الحسينية وتقع المنطقة المسماة بالحسينية فى الطريق من مكة إلى اليمن، خلف جبل ثور الواقع على مسافة ساعتين من مكة وهو مكان جميل يتكون من حوالى خمس أو ست حدائق مخضرة وينمو على المياه الجارية الواقعة حول هذا المكان البطيخ والليمون وكل أنواع الخضر والمحاصيل مثل التمر والبرسيم. وادى فاطمة: يقع وادى فاطمة على مسافة خمس أو ست ساعات من مكة من ناحية المدينة المنورة، وبها عدد من الحدائق المنتجة للمحاصيل وبضع قرى وما يعرف من عيون الماء الجارية وهى (ماء الجموم، ماء خضرة، ماء هنية، ماء حسينية، ماء أبو

стр. 100

عوردة، وماء روضة، ماء حيف، ماء تونذوب، ماء قورفه، ماء بان، ماء مبارك، ماء جديدة، ماء جفح ماء سعلة، ماء مضيق، ماء غريمه، ماء أبو شعب، ماء مدرار، ماء فيدة، ماء سماشه، ماء جديدة، ماء هيمه، ماء حرامز، ماء بحرين، ماء قريز، ماء حامدة، ماء بربر، ماء حديدة، ماء سروعة، ماء ربكان وأنقى هذه المياه وأخفها هو ماء هنية وأقلها قبولا فى المذاق أعسرها هضما هو ماء الجموم. وينمو فى الحدائق التى حول مصادر المياه: الشمام والبطيخ. وأنواع مختلفة من التمر والخضر واعتاد أهالى القرى المجاورة صيد دودة العلق الموجودة في المياه ذات المجارى الواسعة بكثرة ويحملونها إلى مدينة مكة المعظمة ويبيعونها هناك. وتقع على مسافة ثمانى عشرة ساعة من مكة المعظمة منطقتا «سويلة» «ومضيق» وتبعد كل واحدة عن الأخرى ساعة ونصف وتمتازان بلطف جوهما، كما أنهما تزدانان بالأشجار الجميلة والحدائق البديعة، وتنمو فيها أشجار الليمون الحلو (النارنج) والموز وينبت فى حدائق جبل كرا والطائف أشجار العنب والرمان والسفرجل والتين، الكمثرى والخوخ والمشمش، واللوز، والجوز، والتوت الأسود. وتقع على بعد من الطائف بخمس أو ست مراحل مياه جارية وحقول خصبة وأشجار اللوز والياسمين البرى وأشجار الزيتون البرى والصفصاف. تنبيه: يوجد فى الأراضى الحجازية نوع من العنكبوت السام اسمه «لاديغ» فإذا لدغت هذه الحشرة أى إنسان لا بد وأن يموت خلال ثلاث أو أربع ساعات ورغم وجود هذا العنكبوت فى كل مكان إلا أنه يكثر فى وادى فاطمة، لذا يجب على الذين ينزلون به أن يتخذوا الاحتياطات اللازمة ضده. وأقدام هذا العنكبوت اللادغ كثيرة الشعر ويوجد فى قمته أربع شوكات سوداء خشنة كل اثنتين منهما متشابكتان ويعتبر سمه كثيرا أو شديدا بالنسبة لحجم جسمه ويصعب أن يلحق به الإنسان إذا هرب من أمامه.

стр. 101

العلاج: ليحفظنا الله جميعا من شره إذا لدغ هذا العنكبوت إنسانا ما، فإذا لم يتم كى المكان الملدوغ على الفور وبشكل جيد فمن المستحيل أن ينجو هذا الإنسان، وهذا لأن سمه قاتل فتاك لدرجة كافية انتهى. ويقضى العنكبوت المذكور نهاره مختبئا بين الصخور وفى الليل يزحف حيث الضوء فعند ما يرى الضوء فى أن مكان ليلا ومهما كان الزحام يهاجم فريسته دون تردد. وبناء عليه فعلى من يحل فى أى بقعة من الأراضى المقدسة واضطر لإيقاد النار ليلا يجب عليه الجلوس بعيدا عن النار. ولا سيما من يوقد نارا أو يشعل سراجا أو شمعة فى وادى فاطمة فعليه أن يحرص أن يكون بعيدا عن مصدر الضوء. ورغم أن هذه الحشرة هى نفس الحشرة الموجودة فى الأراضى العثمانية حيث يسمونها «بوى»،فحشرة الأراضى الحجازية لحكمة ما ذات سم أكثر وأفتك ويكثر في وادى فاطمة خاصة. لذا يجب على الذين يعيشون فى هذه المنطقة أو ينزلون إليها أن يحذروا هذه الحشرة كثيرا. درجات الحرارة بما أن مدينة «مكة المعظمة» تقع فى مكان منخفض وتحيط بها سلاسل الجبال كما سبق أن بيناه، فهى شديدة الحرارة بالنسبة للأماكن ذات المناخ المعتدل التى ذكرناها وتستمر شدة حرارتها ستة أشهر أو سبعة متواصلة، وتشتد حرارتها خلال أربعة أشهر ويطرد تأثيرها من ساعة إلى أخرى. درجة الحرارة فيها بميزان (زومبورك) فى شهر يونيو ٢٩ درجة وفى يوليو ٢٩ درجة وفى أغسطس ٣٠ درجة وتصل درجة الحرارة فى أشد أيام شهر أغسطس حرارة إلى ٣٦،٣٥ درجة ولكنها لا تستمر طويلا وتهبط إلى ٣٢ و ٣٣ درجة، وتظل لفترة ما حول هذا المعدل. وبعد هذه الشهور تأخذ درجة الحرارة فى الهبوط من يوم إلى آخر إلى أن تصل درجة الحرارة فى سبتمبر إلى ٢٨ درجة وفى أكتوبر إلى ٢٥ درجة.

стр. 102

ويقضى أهل مكة نهارهم فى الشهور المذكورة داخل المبانى، ويمضون ليلهم فوق الأسطح ويتراوح الفرق بين بعض هذه الأماكن وبعضها الآخر فى درجات الحرارة ما بين درجة إلى أربع درجات، لذا تكون الحجرات في النهار أبرد من الأسطح وتكون الأسطح أبرد من الحجرات فى الليل بمقدار أربع درجات. وفى بداية نوفمبر تكون درجة الحرارة ٢٤ درجة وبعد خمسة عشر يوما منه تهبط درجة الحرارة إلى ٢٢ درجة فينام السكان فى الحجرات. وفى بداية ديسمبر تكون درجة الحرارة ٢١ درجة وبعد اليوم الخامس والعشرين منه تنخفض درجة الحرارة إلى ١٩ درجة وتستقر عند هذه الدرجة ويروى أنها قد تهبط إلى ١٧ درجة وهذا من الأمور النادرة. وبعد الخامس والعشرين من شهر يناير تهبط درجة الحرارة فى الصباح إلى ١٨ درجة لكن وقت الظهر ترتفع بمقدار درجة ونصف درجة وأحيانا درجتين. وإذا كان انخفاض درجة الحرارة بين المساء والصباح في كل فصل يصل إلى درجتين مما يلطف من حرارة الجو فإن درجة الحرارة بين الظهر والعصر ترتفع أيضا درجتين وتزيد درجة الحرارة نسبيا عن الصباح. وفى بدايات أيام شهر فبراير تكون درجة الحرارة ٢٠ درجة، وترتفع عند الظهر إلى ٢٢ درجة، وفى صبح أيام شهر مارس تقل درجة الحرارة عن ٢٣ درجة، ويحدث التفاوت بمقدار درجة واحدة فى أثناء نهاية هذا الشهر، وتصل فى شهر أبريل إلى ٢٤ درجة. وترتفع درجة الحرارة فى شهر مايو إلى ٢٧ درجة وتزيد فى وقت الظهر والعصر من شهر مايو لتصل إلى ٢٩ درجة. وتهب فى أغلب أراضى الحجاز الرياح الجنوبية ونظرا لسخونة هذه الرياح لا يوجد فى البلدة المعظمة مكة المكرمة ماء بارد. ومن يتجول قليلا لا يستطيع أن يمنع جسمه من التبلل بالعرق. وإذا لم تهب الرياح لا يمكن للإنسان أن يشعر بالراحة أما إذا هبت رياح الشمال تبرد المياه ويعتدل الجو ويستريح الأهالى.

стр. 103

إفادة خاصة: ارتفاع درجة الحرارة إلى هذا الحد يرجع إلى أنّ مدينة مكة المكرمة محاطة بسلسلة من الجبال المرتفعة. حيث تعكس أحجار هذه الجبال الحرارة التى تكتسبها من الشمس على البلدة، وفى فصول الصيف تستمر هذه الحرارة حتى منتصف الليل .. لذا احتاج الأمر إلى مساحة خضراء تقلل من تأثير الحرارة على البلدة وتجلى العيون بخضرتها. وهذا ممكن بالنسبة لمكة المعظمة بحيث تغرس على واجهات الجبال المحيطة ببلدة الله والمطلة عليها أشجار مناسبة وتبذر عليها بذور الأشجار البرية التى تنمو سريعا لتتحول الجبال إلى ما يشبه الغابات وفى الواقع أن هذه الغابات لا تنمو فى ظرف عام أو عامين إلا أن الروابى تكتسب اللون الأخضر فى العام الأول وتساعد على تقليل ارتفاع درجة سخونة الأحجار، وتمنح البلدة نوعا من البرودة وبعد خمسة عشر عاما تصبح هذه المدينة وسط غابة كبيرة، ويستحسن أن تكون هذه الأشجار والبذور من نوع الصنوبر الموجود بقارة أمريكا الذى ينمو كل سنة بارتفاع ثلاثة أو أربعة أمتار أو من أنواع الصنوبريات الشبيهة بها، وهو ما يؤدى إلى تحسين الجو. كما يزين طريق العمرة بغرس أشجار مناسبة على جانبيه. وإذا تم تسوية الأرض وتعبيد الطريق يسمح بسير العربات عليه ذهابا وإيابا، ويرتاح المعتمرون الكرام وتتحول تلك المنطقة إلى متنزّهات ومن الإصلاحات المرجوة بغرض إراحة الحجاج وتأمينهم تزيين طريق عرفات بغرس الأشجار المناسبة، وإيجاد أنفار كافية من قوة الشرطة في أماكن مثل «مأزمين» وغيره حيث يجتمع اللصوص ويحتشد قطاع الطرق. تنبيه: يجب على الذين يقميون فى مكة المكرمة فى فصل الصيف الإقامة فى الأماكن ذات التهوية الجيدة، وأكثر مناطق مكة المكرمة هواء هى الأماكن المتصلة

стр. 104

بالمسعى الشريف من حرم المسجد الحرام، وسفوح جبل أبى قبيس وفوق جبل الصفا وأطراف قلعة فلفل من حى غرارة. وأعلى مناطق مكة المعظمة هى المناطق التى ذكرناها بإضافة نواحى «قشاشية». إن أرض هذه الأماكن فى مكة المكرمة أعلى من الجهات الأخرى وبما أن أزقتها أوسع وأراضيها أعلى فلا تخلو هذه الأماكن من نسمات الهواء فى أى وقت من الأوقات. وهواء أحياء «المعلى» و «القشاشية» و «الشبيكة» أفضل من هواء الأحياء الأخرى، لذا لا يتأثر أبدا سكان هذه المناطق من سوء الجو. ومع هذا فإن نوافذ بيوت هذه الأماكن يلزم أن تكون مواجهة للرياح الجنوبية فى جميع الحالات. والمنازل الكائنة فى أحياء أخرى غير التى ذكرناها تكون الشوارع فيها ضيقة وساخنة مثل مستوقد الحمامات، ومملوءة بالقمامات المتراكمة والقاذورات. مما يؤدى إلى ظهور مجموعة من الأمراض ومن هنا يجب على الأغنياء الذين يسكنون فى هذه المناطق وخاصة الحجاج الذين استأجروا البيوت بالوكالة فيها أن يذهبوا إلى الوظائف بغية تغير الجو ومع اقتراب موعد الحج يعودون إلى مكة المكرمة فيؤدون مناسك الحج ويحافظون على صحة أبدانهم. وفى مكة المكرمة فواكه مثل: الخوخ، المشمش، التين، السفرجل، الكمثرى، التفاح، البرقوق، التمر هندى، العنب، التمر، اللوز، الجوز، التوت، العناب، الشمام، البطيخ، البرتقال، الليمون، الليم، الرمان، الموز، الخيار، العجور، وأشياء أخرى مثل: الخس، الخرشوف، البامية، الكرفس، الفاصوليا الخضراء، السلق، الجزر اليمانى، الطماطم، الباذنجان، الفاصوليا الناشفة، والفول الناشف، الحمص، الفجل، الشبت، البقدونس، الثوم، الكمون الكراث، القرنبيط،والكرنب وجميع أنواع الخضروات وكل رأس من الكرنب يصل إلى ١٤ أقة ولا يمكن أن ينبت كرنب كبير بهذا الحجم إلا فى الحجاز فقط.

стр. 105

استطراد بالرغم من وجود الفواكه من كل نوع فى الأراضى الحجازية إلا أن أكثر هذه الفواكه ضار بسكان البلاد الباردة الذين يزورون البلاد الحارة، لذا لزم أن نوجز في هذا المقام ذكر أنواع الفواكه والخضر التي يجب أن يتجنب أكلها ويحترز منها في الأراضى الحجازية. الخوخ: رغم أن طعمه لذيذ وشكله الخارجى لطيف، إلا أن الإفراط في أكله ضار لصعوبة هضمه. المشمش: طعمه لذيذ ورائحته تسيل اللعاب، ومع هذا فإن الإفراط في أكله بشكل دائم فى الأراضى المقدسة ضار ويسبب الإسهال. وإذا أكل النوع الصغير من المشمش دون طبخه بسكر يؤدى إلى الإصابة بالحمى الصفراء وفساد المعدة. التين: ينبت فى الطائف، ورغم أنه ليس بحجم التين الذى يزرع فى بلاد الروم إلا أنه لذيذ الطعم، لكن الإفراط في تناوله يصيب الجسم بالفتور. السفرجل: يبدو في حالة نضجه التام لذيذ الطعم، طيب الرائحة وبما أن له تأثيرا قابضا فأكله نيئا قبل طبخه ضار. الكمثرى: وليست بحجم الكمثرى فى بلاد الروم وهى فى حجم كمثرى مدينة أخلاط.والإفراط في أكلها يصيب المعدة بالضغط. التفاح: وأكبر حجم للتفاح فى تلك الأراضى يكون فى حجم الخوخ العادي ونظرا لجنيه قبل نضجه تماما فمذاقه مزز، وإذا طهى بالسكر وأكل قدر كاف منه يساعد على هضم الطعام. البرقوق: ويوجد فى الطائف ما يسمى ب «برقوق مردم» فقط وأكله غير مرغوب لأنه يسبب الإسهال. التمرهندى: الجاف منه مثل قشر الشجر الأحمر إذا بلل بعضه في الماء يصبح لونه أحمر ويكون شرابا ذا طعم حمضى وشرابه الممزوج بالسكر خافض للحرارة.

стр. 106

العنب: يرى الأطباء أن الطازج منه يبرد الدم ورغم أن ضرره أقل من الفواكه الأخرى فإن الإفراط فى أكله يسبب إسهالا مؤلما. والعنب الموجود فى مكة المزروع فى الطائف له قشرة سميكة بعض الشئ وهو لذيذ الطعم. التمر: رغم أنه لذيذ الطعم ولزج فإذا ما أكله سكان البلاد الباردة بكثرة وشربوا الماء عقب أكله شعروا مباشرة باضطراب فى القلب فأكله بإفراط مضر. اللوز: وهو بطئ الهضم لكن منقوعه يمنع الحرارة ويسكن الألم. الجوز: ويزرع فى الطائف وأكل قدر كاف منه بعد نزع قشرته الداخلية لا ضرر منه ومع هذا فإن أكل الجاف منه مضر فى الأراضى الحجازية. التوت: يمكن أن يعثر فى الحجاز على التوت الأسود فقط وبما أنه سريع التلف لا بد من توخى الحرص عند أكله. العناب: ويجلب من الشام الجاف المطبوخ منه مفيد لمرضى الصدر، يطبخه أهل جدة ومكة مع الكمون الأسود أو الكزبرة ليتناوله من يصاب بالحمى الصفراء. البطيخ والشمام: وأكل البطيخ فى الأيام الحارة يرطب الجسم ويسكن فورة الدم وسخونته، ومع هذا فإن الإسراف فى أكله يسبب الانتفاخ والضيق للإنسان. أما بالنسبة للشمام فإن أكله أحيانا يسبب تعبا فى القلب، لذا لا يصح أكله طالما أنه غير ناضج. البرتقال: رغم أنه يزرع فى الأراضى الحجازية منذ عدة سنوات إلا أن أغلبه يجلب من مصر وأكل ثمرته أمر طيب وشرب عصيره فى أوقات القوة والصحة لا مثيل له فى خفض الحرارة وإزالة جفاف الحلق وتنقية الدم. الليم ون: ويضاف إلى الأطعمة المناسبة له ويعمل منه عصير الليمون ويشرب. ولكن الإفراط في أكل الليمون الحلو ضار. الليم: نوع من النارنج، وفير الماء حامض الطعم وتختص به مكة المكرمة ويستعمل بها بدلا من الليمون.

стр. 107

وليكن معلوما لدى الذين يشربون «الليمونادة» المعمولة من الليم أن هذا المشروب أفضل من عصير الليمون من حيث الرائحة وملائمته للمعدة. وعند عصره ينزع قشره الخارجى وإذا لم ينزع القشرة تزيد من مرارة الشراب. الرمان: وفائدته كبيرة إذا ما شرب معصورا سواء المر منه أو الحلو، فشراب المر منه يرطب الدم ويسكن السخونة. ومع هذا فإن أكل الحلو منه ببذوره يفسد المعدة. الموز: ويشبه فى الطول والعرض الخيار الروسى الطازج والذى يسمى الخيار البرى أفضله ما يزرع فى الأراضى اليمنية. والموز الذى يزرع فى منطقة الحجاز ويستساغ أكله بعد نزع قشرة الناضج منه مع السكر. الإفراط فى أكله مضر لصعوبة هضمه. الخيار: ملين وملطف وأكله أثناء الطعام مع السلاطة فاتح للشهية. العجور: وهو من فصيلة الخيار وتأثيره يشبه تأثير الخيار ويستعمل الطازج منه فى جزيرة العرب فى «السلاطة» مثل الخيار ويؤكل بعض أنواعه مطبوخا مثل القرع. ويصنع منه نوع من المحشى، لكن نظرا لصعوبة هضمه، فالإكثار من تناوله ضار بأهل البلاد الباردة. الهندباء: أحد أنواع الخضر في مكة المعظمة، وطعمها لطيف وهضمها سهل وجيد، ورغم مرارة مذاقها بعض الشئ عند أكلها فإنها تكسب المعدة قوة لأنها تساعد على هضم الطعام. الخرشوف: رغم حداثة زراعته فى حدائق الطائف فإن أهل مكة يعتبرونه من الخضر وهو مستساغ الطعم. وإذا طبخ جيدا يلذ مذاقه ولا ضرر منه لسرعة هضمه. البامية: وهى ملينة وإذا طبخ الطازج منها بطريقة جيدة لا ضرر من أكلها وذلك

стр. 108

لسرعة هضمها. ولا تخلو منها مكة المكرمة صيفا وشتاء وهى مستساغة بين أهل مكة. الكرفس: إذا طهيت جذوره وأوراقه بشكل جيد يكون طعمه مستساغا وسريع الهضم. الفاصوليا الخضراء: وهضم الطازج منها ليس عسيرا وإذا طبخت بطريقة جيدة فأكلها شهى جدا. السلق: يجب الحذر من أكله بسبب بط ء هضمه. الجزر اليمانى: هو الخضار المعروف باسم «الجزر اليمانى» وبما أنه يحتوى على مادة الدقيق لذا يشعر الإنسان بالشبع عند أكله. ويؤكل مسلوقا أو مطبوخا وفى كلتا الحالتين يشبه مذاقه مذاق الكستناء. ومع هذا فإن الإكثار فى أكل النوع البرى منه المسمى «جزر المدينة» يوجع البطن لأنه بطئ الهضم. الباذنجان: بما أنه بطئ الهضم فهو يسبب عسر الهضم، لذا وجب التحرز من أكله فى الأراضى المباركة. الفاصوليا الجافة والفول الجاف: والحبوب المذكورة إذا أكلت قبل طهيها جيدا تسبب الانتفاخ فى البطن وعسر الهضم، كما أن أكلها مطبوخة يسبب الرياح لذا أكلها فى الأراضى الحجازية ضار. الفجل: رغم أنه مهضم إلا أنه مدر للبول ومسبب للرياح لذا فأكله بكثرة مضر حتى لو كان فى «السلطة». شبت: مصلح للمعدة، إذا أضيف إلى أى نوع من الأطعمة يكسبها نكهة لذيذة ورائحة طيبة. ويساعد على سرعة الهضم لأنه يفقد خواصه عند طبخه يجب إضافته إلى الطعام بعد طهيه. الثوم: رغم أنه عند طبخه يساعد على هضم الطعام؛ إلا أن رائحته قوية ولا

стр. 109

تزول بسرعة. كما يحظر أكله فى المناطق الحارة وذلك لأنه يكسب الجسم حرارة عند تناوله. الكمون: عند ما يضاف إلى الأطعمة فإنه يقوى المعدة ويفتح الشهية. أسباب ظهور الأمراض فى مكة المفخمة فيما مضى كان الحجاج الذين يأتون مع المحمل الشامى ينصبون خيامهم بجانب الآبار التى فى طريق العمرة، كما كان حجاج المحمل المصرى ينصبون الخيام فى السطح أى المسطح الذى أمام الموقع المسمى «الشيخ محمود»،وكانوا يتركون فى الميدان مخلفات الأغنام التى يذبحونها مكشوفة، كما كانوا يتركون بين الخيام جيف الإبل والخيول التى تنفق من المرض والتعب فى أثناء الطريق. وكان الحجاج الذين يهبطون إلى منى لرمى الجمرات فى أثناء عودتهم من عرفات يتركون مخلفات الأضحيات فى المكان المخصص للذبح أمام الخيام، وأما من يذبحون الماعز فكانوا يتركون أجساد الماعز كاملة فى المكان الذى كانوا يذبحونها فيه وكانوا يتركون جيف الإبل التى تنحر خلف الجمرة الكبرى فى مكان نحرها وعند ما يتفق وجود الفضلات المتراكمة والقمامات من جيف الحيوانات وسط الخيام المنصوبة بين طريق العمرة وساحة «الشيخ محمود» كان المارة يعجزون عن المرور يسبب الرائحة الكريهة المنبعثة منها، ويصاب أغلب سكان الخيام بالأمراض مثل الصداع والغثيان. ولهذا كان الحجاج المساكين يعانون بجانب شدة الحرارة من تعفن جثث الأضحيات الملقاة هنا وهناك بين الخيام، وهذه الحالة الكئيبة يعجز القلم عن وصفها. وهكذا كان الحجاج يتعذبون ثلاثة أيام مدة مكثهم فى منى. ولا يخلون من الشعور بالغثيان ويظلهم الخوف والتفكير فى الموت. ولما كان المراد أن يقضى الحجاج الكرام فى هذا المكان الكئيب الموبوء الأيام الثلاثة فى صفاء الخاطر وطمأنينة، وأن يؤدوا مناسكهم فى هدوء بال وراحة وأن يصانوا من المخاطر القاتلة، اقترحت بعض الجهات المهتمة بالأمور-نتيجة

стр. 110

للتصور الحكيم السابق أن يحفر بجانب كل خيمة بئر يلقى فيها مخلفات الأضحيات ثم تغطى بعد ذلك؛ ولكن هذا الاقتراح لم يحظ بالقبول بين جماعات الحجاج-لأنه من قبيل-التكليف بما لا يطاق-ورفضوه قائلين إننا لن نظل هنا بصفة دائمة. وقد فطن فى النهاية إلى أن الإصابة بالعلل الضارة مثل: الحمى والغثيان والصداع كان نتيجة لعدم الاهتمام بالأمور الصحية وعدم المبالاة بالنظافة والطهارة. لذا كان من الإرادة السنية العادلة الكثيرة المحامد أمر السلطان «عبد المجيد» - جعل الله مثواه الجنة-أن تحل جميع المشكلات التى يشاع وقوعها فى أثناء موسم الحج، وأن يبحث عن حلول مناسبة للقضاء على جميع متاعب الحجاج الكرام الطالبى المغفرة. وبما أن أغلب الحجاج-فى زماننا-يذهبون لأداء فريضة الحج عن طريق البحر فقد قل عدد الحجاج المشتركين فى قوافل المحامل، كما أنه قد تم حفر كثير من الحفر فى أماكن الحجاج بين طريق العمرة وميدان «الشيخ محمود»،ودفن فيها مخلفات الأضاحى المذبوحة فى «منى» عند العودة من «عرفات» ابتداء من سنة ١٢٦٧ هـ،وهكذا خلت أماكن تجمع الحجاج من المخلفات التى كانت تفسد الهواء فى الماضى. والآن قد اختفت تماما آثار التعفن ولم يعد لها أدنى أثر فى أماكن تجمع الناس فى مدينة مكة المعظمة، فى عهد السلطان-ظل الله على أرضه-واستراح الحجاج المسلمون وسكان البلد الأمين من المنغصات، وأصبحوا فى مأمن من كل الأمراض. ومع هذا فإن أغلب الحجاج الذين يتوجهون لأداء فريضة الحج جهلة لا يعرفون أن كل ما ينفق فى سبيل زيارة أراضى الحجاز المقدسة تعد بمثابة صدفة. كما لا يعرفون أن الإقامة فى الأماكن المكشوفة الجيدة التهوية للمحافظة على
следующие страницы →