دراهم وأربع دوانق (١)، وبعد أن استطاع أن يدخر بهذه الخدعة مبالغ كبيرة من النقود اختفى فترة أخرى، ثم ظهر مرة أخرى وفى هذه المرة أظهر لأتباعه رسالة مزيفة أخرى من قبل الإمام، حيث أمره بأن يأخذ من أتباعه خمس أموالهم ويسلمها له، واستطاع أن يحصل على أموال كثيرة من جميع الأنواع.
واستضيف فى هذه الفترة من قبل أبى سعيد الجنابى حيث حل فى داره المنكوبة، وأراد أبو سعيد أن يكرمه غاية الكرم فأنامه على فراش واحد مع زوجته وقبل أن يكون ديوثا.
وعندما شاع خبر احتفاء أبى سعيد بيحيى بن زكرويه غاية الحفاوة حتى قدم له زوجته لتنام معه فى فراش واحد وغيره من مراسم الإلحاد والإباحة وأخذ الناس يتناقلون سيرته، استدعى يحيى بن زكرويه من طرف رجال الحكومة وأذل وحقر، وبعد فترة طرد من حدود البحرين بعد أن نكل به.
إن هذا الملحد ذو المزاج الكلبى حط عصا ترحاله من بلاده بنى كلاب وحرص على نشر مذهبه الباطل بينهم وزادت قوته بعون بعض الناس والأقوام، فاستولى على أطراف الشام وسفك دماء المسلمين وهتك أعراض نساء الموحدين.
ووصل إلى ذروة البغى والشقوة بارتكاب المظالم والفساد، وعندما وصلت قوة ابن زكرويه وشوكته إلى درجة ترهيب خلفاء بغداد أخذ يكر على دمشق بالشام بدون توقف، وهزم الفرقة العسكرية التى واجهته بقيادة طغج بن جف (٢) شر هزيمة، وحاصر دمشق الشام فى سنة ٢٩٠ هـ، وإن كان الجيش الذى سيق من الشام قتل ابن زكرويه؛ إلا أن أخا زكرويه حسين حمد تولى القيادة، واستنجد بكثير من القرامطة وشدد الحصار على دمشق، وفى النهاية انسحب بناء على رجاء الأهالى وطلبهم بعد أن أخذ مبالغ كبيرة من النقود، ولكن عندما انسحب من دمشق هجم أتباعه قوائم الحشرات على حلب واستولوا عليها فى
стр. 842
الحملة الأولى. وأعلنوا أن اسم صاحب الشام أمير المؤمنين للعهد، وبناء على التعليمات التى تلقوها أمروا بأن يذكروا اسمه فى خطبة الجمعة.
وبعد هذا النصر اتخذ صاحب الشام ابن عمر عبد الله وليا للعهد، وسماه المدثر وادعى أن المدثر الذى ذكر فى القرآن هو عبد الله الذى سبق ذكره، وأراد بهذه الطريقة أن يخدع الناس ويبسط سطوته ويوسعها إلا أنه لم يوفق.
وهجم صاحب الشام بعد ذلك على حماة بعد حلب والمدن والقرى التى حولها، وأخذ يقتل كل من يصادفه من الأهالى مع أولادهم وعيالهم، وأخيرا وصل إلى بلدة سلمية التى استسلم سكانها دون أن يدافعوا عن أنفسهم فقتلهم جميعا حتى تلاميذ المدارس الصغار (١).
لما أزعج ما يرتكبه صاحب الشام من المظالم والغدر مسامع المكتفى بالله البغدادى فتحرك بما جهزه من العساكر الكثيرة من بغداد وتوجه إلى بلد الرقة.
ومن هنا وجه جنوده جف وفرق القرامطة، وتقابل البغداديون مع القرامطة فى مكان يبعد عن حماة اثنى عشر ميلا وبدأت حرب ضروس.
وإن كان القرامطة هربوا من شدة صولة البغداديين غير قادرين على صد هجومهم إلا أن جنود بغداد لم يتعقبوا فلو لهم المنهزمة وقبضوا على صاحب الشام وكذلك ولى عهده المدثر (٢) وسلموهما للخليفة الذى كان ينتظر النتيجة.
بعد ما قضى جنود الخليفة تماما على القرامطة عاد منصورا إلى بغداد حيث صلب صاحب الشام مع رفقاء له وشهر بهم فى سنة ٢٩١ هـ. إن فرقا من القرامطة الذين نجوا من سيوف البغداديين تربصوا فى طريق العراق، وكانوا يسيرون ليلا منها ونهارا، ويهاجمون المارين وعابرى السبيل ويسببون لهم خسائر كبيرة، وكانوا يختفون من الجيوش التى أرسلتها حكومة بغداد فى أماكن خفية.
إن هذه الفرقة الخبيثة قد هاجمت قافلة حجاج العراق فى سنة ٢٩٤ هـ،
стр. 843
وقتلت ما يقرب من عشرين ألفا من الأبرياء ونهبت أموالهم. ولما علم المكتفى بالله بهذا الحادث المفجع جهز فرقة عسكرية وساقها ضد الفرقة الحقيرة فتعقبت الفرقة البغدادية القرامطة، وأسرت كثيرين منهم مع قوادهم بعد ما قهرت ودمرت الباقى، ولما كان القائد (١) المأسور للفرقة الباغية جريحا مات متأثرا بجرحه بعد ستة أيام.
بعد ما مات صاحب الشام انتقلت قيادة جماعات القرامطة عامة إلى أبى سعيد بن بهرام الجنابى الذى بدوره جهز أفراد الجماعة الخبيثة، وجمعهم وأخذ ينشرهم كالجراد حول بادية الشام وفى الحروب التى كانت تقوم بينهم وبين الجنود الذين ترسلهم حكومة بغداد ينهزمون أحيانا وينتصرون أحيانا.
وتفرقوا إلى فرق صغيرة وتكاثروا، وأخذوا يقتلون الناس كلهم حيث تطأ أقدامهم. حتى إنهم فاجأوا قافلة من القوافل الحجازية بالهجوم وأعملوا سيوفهم فى أفرادها حتى قتلوا عشرين ألفا من المسلمين، ولم يبق نفر يتنفس.
وقد زاد بعد هذه الفاجعة صاحب الشام من غدره وظلمه حتى استطاع أن ينتزع بلدة القطيف من يد العباسيين بنباح كلاب الإلحاد والإباحة، ثم نهب البحرين ونواحيها وأخذ يتجرأ فى إهانة أهل الإيمان فى صورة مستهجنة.
واستولى على البصرة وملحقاتها وأصبح واليا على حشرات الشقوة التى دخلت فى دائرة الرفض والإلحاد، ووسع دائرة الإباحية والخيانة (٢).
الاستطراد
البحرين مدينة غاية فى المتانة والاستحكام وتقع فى غرب جزيرة البحرين التى تقع فى خليج البصرة فيما بين خطوط الطول ٤١ درجه و ٥ دقائق شرقا، وخط العرض ٢٦ درجة و ٢٠ دقيقة شمالا، بطول ٢٥٤ ميلا و ٧٠ ميلا من الجهة
стр. 844
الشرقية الشمالية لمكان يسمى لا شر، ويحدها شرقا بحر الفرس، وشمالا إقليم البصرة، وغربا نجد العارض، وجنوبا عمان وسكنتها من سلالة عبد قيس.
وبما أن الأنهار والعيون تكثر فى هذا الموقع تتزيّن أطراف أنهارها بأشجار الحنة والقطن والسوسن، وكل مكان يحفر فيه قدر ذراعين يخرج منه الماء، ومن يشرب ماءها تصفر ملابسه، وفى هذه البلاد فاكهة مختلفة ولا سيما البلح والأرز متوفران، والسكان يذهبون للتنزه فى الأيام الحارة للحدائق التى تبعد ما يقرب من ميل واحد. فى هذه البلاد رمال متحركة، والتى يطلق عليها بحار الرمال، وما يرى هناك اليوم جبال تراه فى يوم آخر أرضا منبسطة، وما كان اليوم معمورا تراه فى الغد خرابا.
والطريق الواسع الذى يبدأ من البحرين تطمسه الرمال فيستحيل السير فيه، لذا يذهب الناس ويأتون عن طريق البحر.
كان البرتغاليون قد استولوا على ممالك البحرين قديما والآن فى يد الشيخ «أبو شهر» ومع هذا فلا يطلق البحرين على الجزيرة فقط بل يطلق على الجزر الأخرى التى تحيطها، والتى يستخرج سكانها اللآلئ من البحر، وهناك إقليم يمتد إلى الغرب ويطلق عليه البحرين أيضا، وذلك لاتصال البحيرة التى بالقرب من الإحساء ببحر الفرس. انتهى.
بينما كان أبو سعيد يخرب القرى والبلاد لنشر مذهب الإلحاد ساق المقتدر بالله العباسى الذى كان خليفة فى تلك العهود عددا من الجنود بقيادة «عباس بن عمرو الغنوىّ» ليفرق جمع أبى سعيد. وانتصر أبو سعيد عليهم وأسرهم جميعا ثم قتلهم جميعا، وأبقى عباس حيا، وقال: يا عباس إننا القرامطة أناس نعيش فى الصحارى والفيافى ونقنع بالقليل لأنا لسنا طامعين فى الاستيلاء على البلاد، فإذا جمعت جميع جنودك وسقتهم على، أقسم بالله بأننى أنا المنتصر، إن جنودنا يتحملون المشاق ويعتقدون أن حياة الرفاهية حرام، قد تعود جنودكم على قضاء أوقاتهم فى راحة ورغد عيش والتّنعّم بما طاب من الطعام ولذ فى ظل الخليفة،
стр. 845
فإنهم لا يستطيعون القتال، فإذا ما خرج جنودكم فى الصحارى تاركين راحتهم يموتون مثل السمك الذى خرج من الماء.
والعساكر الكثيرة الذين سقتهم علينا مثل النمل قد أصابهم التعب والضعف منذ خروجهم من بغداد، وانهزامهم فى أول حرب أكبر دليل يؤيد رأيى، إذا ما أرسلتم جنودا أشجع ممن أرسلتم وأكثر مما سأجهزه أنا من العساكر فإننى أهرب من أمامهم بعد أن أتعبهم، كما أننى أتصدى لهم فى مضيق ضيق فأقطع خط رجوعهم، وأهزمهم وأولى بكم ألا تشغلوا أنفسكم بى، ولا تهلكوا جنودكم عبثا، وقد حقنت دمك حتى توصل هذه الأقوال بالتفصيل إلى الخليفة، دون أن تنقص منها كلمة ثم أطلق سراحه وخلّى سبيله.
وقد عاد عباس بن عمرو الغنوى إلى بغداد وهو فى شدة الحيرة من نجاته من يد أبى سعيد. ولما أبلغ عباس ما قاله أبو سعيد إلى المقتدر بالله بالتفصيل خاف الخليفة، واضطرب ولم يستطع أن يذكر اسم القرامطة بلسانه مدة طويلة.
ومع هذا استطاع أن ينقذ أهالى الكوفة من اعتناق مذهب القرامطة، إذ ظهرت جماعة من القرامطة وأخذوا فى إضلال الناس فى الكوفة، وبعث الخليفة بجنود من مركز الخلافة وقوة عسكرية قضت على هذه الجماعة.
وانتقل أبو سعيد فى سنة ٣٠١ هـ إلى دار البوار (١) بعد أن ارتكب كثيرا من الجرائم إلى تلك السنة تاركا ميدان الخباثة والشقاء إلى ابنه الكبير سعيد.
وتولى ابنه سعيد مكانه بعد وفاته، إلا أنه ما كان يشبه أباه فى إلحاق الأذى بالناس، فتولى تدبير الأمور ابنه الأصغر سليمان أبو طاهر، وكان ظلوما غشوما سفاحا، فاستولى على الإحساء والقطيف وسائر بلاد البحرين ونواحى هجر، وبعد أعوام عشرة أغار ليلا على مدينة البصرة، وأثناء مقامه فيها سبعة عشر يوما قتل كل من صادفه، وأعمل السلب والنهب فى الناس جميعا، وكان ذلك عام ٣١١ هـ، وبعد عام من تلك الواقعة المؤلمة أغار على قافلة الحجاج ونهبها.
стр. 846
وكان يسلك الذكور والإناث فى السلاسل على نحو بشع مهين، وألحق الهزائم بمن تصدى له من الجند وكان ذلك عام ٣١٢ هـ، وبعد إغارة أبى طاهر على قافلة الحجاج هجم على معظم سواد الكوفة، وأعمل السيف فى الخلق فى ظرف ستة أيام، أقام فيها ونهب واغتصب كل ما وصلت إليه يداه فى سنة ٣١٣ هـ.
وعندما عرض الأمر على المقتدر بالله استصوب أن يوجه ضد أبى طاهر فرقة عظيمة من الجيش بقيادة يوسف بن أبى الساج. كان يوسف فى ذلك الوقت فى أذربيجان، وبمجرد ما أخذ أمر الخليفة توجه إلى الكوفة بجنوده الذين كانوا مهيئين. وكان قوام جيش ابن أبى الساج أربعين ألفا، أما جيش أبى طاهر فكان ألف وخمسمائة جندى منهم سبعمائة فارس.
ودخل يوسف بن أبى الساج المغرور بكثرة عساكره، وحاصر القرامطة فى موضع حصين ووجه سفيرا برسالة إلى أبى طاهر ليحدثه عن كثرة جيشه، ويوصيه فيها بالدخول فى طاعة الخليفة. فقال أبو طاهر لأحد أتباعه اقتل نفسك بسلاحك من أجلى، وبعد أن افتدى هذا الكلب «أبا طاهر» بالروح، قال للرسول لقد رأيت بعينيك كيف يطيعون أوامرى!! قل ليوسف أن يستعد، وبإذن الله سأقبض عليه غدا وأربطه مع الكلب فى حبل واحد، وأشار إلى الكلب الذى كان مربوطا بوتد خيمة.
وصرف الرسول وفى غد ذلك اليوم استطاع أن يقبض على يوسف بن أبى الساج مع أتباعه، وربطهم فى سلسلة ضخمة، وربط يوسف بجانب الكلب الذى أراه للرسول.
بعد أن كسب أبو طاهر هذه المعركة بهذا الشكل عبر نهر الفرات بثلاثمائة قرمطى، واستولى على بلدة الأنبار (١) التى تقع فى الجهة الغربية من بغداد دار
стр. 847
الخلافة وفوقها بستين كيلومتر. استولى عليها بالقوة وهزم الجيوش التى أرسلت ضده مرتين، وقتل يوسف بن أبى الساج الذى أسره مع رفقائه، وهكذا ألقى الرعب فى قلوب الناس الفزعين، وبعد أن فرض على كل فرض من أهالى الأنبار خراجا دينارا توجه نحو الأراضى الحجازية المباركة بنية الاعتداء على مكة المكرمة، وهجم على المسجد الحرام وداس بقدميه المشئومتين حرم المسجد الحرام توأم الجنة كما سبق ذكره، وقتل ثلاثين ألفا من الأبرياء، وأكثرهم ملتفون بملابس الإحرام وبعضهم فى داخل كعبة الله، وبعد أن هدم مبانى ذلك البلد الغالية وخربها اقتلع الحجر الأسود وعاد إلى بلدة هجر فى سنة ٣١٧ هـ.
وقد دامت نار شرور القرامطة مندلعة تتأجج من سنة ٣٠١ هـ إلى سنة ٣٧٣ هـ وفى رأى إلى عام ٣٨٤. استطاع فيها القرامطة إغواء كثير من الناس، وأدخلوهم فى زمرتهم ومذهبهم، وأغار هؤلاء على البلاد وقتلوا ونهبوا وهدموا، إذ خربوا الكوفة سنة ٢٧٨، والبحرين سنة ٢٨٦، والشام سنة ٢٨٩، ودمشق ٢٩٠، والشام مرة ثانية سنة ٢٩٣، والبصرة سنة ٣٠٧ هـ، والكوفة سنة ٣١٣، الأنبار سنة ٣١٥، وبعد ذلك بعام الرحبة والرقة والهيط، ومكة المعظمة سنة ٣١٧، ودمشق مرة ثانية سنة ٣٦٠ هـ، وهجموا على هذه البلاد وقتلوا سكانها وخربوا منازلها وأخلوا بنظام الأمن فى تلك البلاد.
واستأصلوا حجاج قوافل العراق فى السنين ٢٩٤ و ٣١٢ و ٣٥٥ (١) و ٣٦١ (٢)، كما أنهم أغلقوا طريق بيت الله العتيق طريق الفيض والنور فى السنين ٣١٤ و ٣٥٦ و ٣٦٣ و ٣٨٤، ووصلوا إلى الذروة فى فن الإجرام إذ منعوا أداء فريضة الحج مدة تسع سنوات لعنهم الله.
كيفية ظهور طائفة القرامطة
يروى المؤرخون على اختلاف آرائهم أن ظهور القرامطة كان فى عهد الرشيد أو المأمون، ولم يظهروا إلا بعد أن تشكل كيانهم، وكانوا قبل ذلك يفسدون
стр. 848
عقول البلهاء والحمقى وأهل الغفلة بضلالهم فى الخفاء، ثم وسعوا نطاق دعوتهم شيئا فشيئا.
وقد تضاربت الأقوال بعض الشئ فى أسباب ظهور القرامطة ومكان ظهورهم، وكيفية ظهورهم، كما وقع الخلاف فى تعيين وتحديد مبادئهم، وفى هذا أدلى كل واحد برأيه وقال قولته، وها هى ذى طائفة من المؤرخين الذين كدوا أذهانهم وأتعبوا أنفسهم يقولون: «إن أول من لوث الساحة من القرامطة كان رجلا ادعى النبوة، واتخذ لنفسه كتابا زعم أنه من الكتب السماوية محاولا أن يصدقه الناس».
وقال بعض المؤرخين: «إن أول من أعلن وجوده من ملاعين القرامطة شخص ادعى هذا الشخص أنه من الأئمة الإسماعيلية، وأنه مرسل من قبل الإمام المهدى، وأراد أن يقنع الناس بما يدعيه».
وبهذه الرواية أو تلك يستبين لنا أن المذهب الذى نشره القرامطة وأشاعوه مذهب باطل، وأنه عبارة عن توصية للعمل بمبادئ الكفر والضلالة والإلحاد والإباحية، ولكننا لما رأينا أن الرواية الثانية أقوى دليلا وأمتن رواية رأينا أن نكتفى ببيانها.
سبب تسمية القرامطة بهذا الاسم
على نحو ما اختلف المؤرخون فى نشأة القرامطة وكان اختلافهم فى أصل تسميتهم، ففى بعض الروايات أن سبب تسميتهم بالقرامطة يرجع إلى من يسمى بأبى سعيد الجنابى القرمط، ذلك الملحد الذى سلك بهم سبل الضلال، وكان قصير القامة لا يدين بدين وكان يقارب بين قدميه فى السير، فسمى الذين اقتفوا أثره من الرفض والإلحاد والإباحة بقرامطة.
وفى رواية أخرى: كان رئيس هذه الطائفة قميئا كريه الخلقة، وكان يتجول من قرية إلى قرية لنشر دعوته، ولما بلغ قرية من قرى الكوفة اشتد به المرض فنزل بدار من يسمى «كرميتة» ومعناه ذو عيون حمراء، وراح فى سبات، ولما استيقظ وقام على رجله من مرضه سمى باسم صاحب الدار، ونودى بشيخ الكرامته وبعد ذلك خففت لفظة «كرميته» وعربت فصارت قرامطة.
стр. 849
وفى رواية ثالثة: أن عظيما من هذه الطائفة كان يكتب خطا دقيقا متقارب السطور، واشتهر بذلك أى كان مقرمط الخط، فسميت الطائفة المذكورة بالنسبة له قرمطى.
مذهب القرامطة وطقوسهم
وإن كانت طائفة القرامطة الملاحدة الخبيثة يعترفون بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق - رضى الله عنه - وأعلنوا فى الظاهر انتماءهم لمذهب الإسماعيلية، ولكنهم فى الباطن كانوا يحلون المحرمات، ويسفكون دماء المسلمين، كما أنهم كفروا من ليس على مذهبهم، ومن كلمات الكفر التى تنسب إليهم قولهم: لما كان المنى أطهر من البول فلماذا يجب الغسل بعده ولا يجب بعد التبول؟
إن أداء الفرائض الخمس عندهم طاعة أئمتهم المعصومين، وإطاعة أوامر الذين يمنعون وينهون عن طريق الإلحاد والكفر والإباحة من غيرهم بعد البحث عنهم، والزكاة عندهم إعطاء الإمام خمس المال وفى رواية أخرى تزكية النفس بالتفوه بكلمات الإلحاد، «والصوم» عندهم حفظ أسرار المذهب وكتمها، والزنا عندهم إفشاء أسرار المذهب بدون مقابل، ومع هذا يدعون أنهم يقتدون بالملائكة ويخالفون الشياطين.
ويكنون بالوضوء عن محبة الإمام ومصاحبته، والاحتلام هو كشف الأسرار لمن ليس لها أهل، والكعبة والصفا كناية عن النبى، والمروة كناية عن باب على، والتلبية كناية عن إجادة المخاطب، والطواف كناية عن حب الأئمة كذلك، والجنة كناية عن الاستراحة من التكاليف الشرعية، والجهل كناية عن اختيار مشقة التكاليف الشرعية، يطلقون على حدة الذين ينسلخون عن الدين كليا «الخلع»، والخروج عن الدين «السلخ» والذين يصلون لهذه المرتبة يباح لهم جميع المحرمات، ولا شك فى أنهم يعترفون بالكفر والإلحاد.
ومن جملة معتقداتهم الباطلة استحلال شرب الخمر، وعدم الاغتسال بعد الجنابة، وحصر الصوم فى اليومين (فى يوم المهرجان والنوروز)، واعتبار الحج
стр. 850
إلى القدس فرضا، وإضافة قولهم (أشهد أن محمد بن الحنفية رسول الله). كل هذه من جملة اعتقاداتهم الباطلة.
وبناء على ما جاء فى تاريخ نظام الملك بالتفصيل: إن طائفة القرامطة الحقيرة أينما ظهروا وأينما امتدت نار شقاوتهم وأينما حلوا فى الآفاق ظهروا بأسماء مختلفة، فمثلا عرفوا فى حلب ومصر ب «السبعية» وظهروا فى بغداد وما وراء النهر باسم «قرمطى»، وظهروا حول الكوفة باسم «مباركى» واستولوا على البصرة باسم «روندى، برقعى» وعلى الشام باسم «المبيضة» وذكروا باسم «سعيدى» عندما هجموا على أرض المغرب، والجنابى فى الإحساء والبحرين.
وفى أصفهان «الباطنية»، وأسماء «حرمية، بابكية ومحمرية» من الأسماء الخاصة بتلك الطائفة، وسبب تسميتهم بالحرمية لأنهم أحلوا المحرمات، و «بابكية» لأنهم اتبعوا أحد الخارجين الذى يسمى «بابك»، و «المحمرية» لأنهم ارتدوا ملابس حمراء فترة حينما اتبعوا «بابك».
والسبب فى عد القرامطة أنفسهم من الطائفة الإسماعيلية هو لعين اسمه «عبد الله بن ميمون» الذى كان من قرناء عبد الإمام محمد بن إسماعيل، والدنئ كان يسمى مبارك، وكان الإمام المذكور قد زار بغداد فى أيام هارون الرشيد.
وبعد ما مات الإمام محمد بن إسماعيل، أخذ عبده مبارك يتجول هنا وهناك حزينا مغموما، ويسكب الدموع حيثما حل، وكان مبارك هذا حريصا على أن يكتب بخط باربك فعرف بين أقرانه بقرمطى. وعرض عبد الله بن ميمون - سالف الذكر والذى كان من أفراد قبيلة أهواز - صداقته على مبارك، واستطاع أن يكسب ثقته بإظهار الصلاح والزهد ولازمه، بالتدريج استطاع أن يقنعه بأقواله.
وقال له يوما: «يا مبارك إن ولى نعمتك وسبب جاهك هو الإمام محمد بن إسماعيل كان صديقى الذى يطلعنى على جميع أسراره، ويطلع على جميع أحوالى، وكم أطلعنى فى حياته على كثير من الأسرار، وكم من علوم لقننى، هذا ما لا تعرفه أنت، ولا من كان متصلا به» وانخذع مبارك بأقوال عبد الله وصدقه، وطلب منه أن يعلمه تلك الأسرار والعلوم فعلمه حروفا معجمة،
стр. 851
وكلمات غير مسموعة وكلمات من أقوال الفلاسفة والأئمة، فمضى مبارك إلى الكوفة وعبد الله إلى كوهستان وأطراف العراق حيث أخذا ينشران طقوس الإباحة (١).
صورة ترتيب الفقهاء
يختار مجلس الشورى الذى ينعقد تحت رياسة شريف مكة عبد الله باشا الفقهاء الذين سيتم تعيينهم وإرسالهم إلى القرى، وفى هذا المجلس يوجد أشخاص يعلمون أحوال الولاة ووجهاء البلدة والسادات الأشراف وقبائل العربان.
هيئة الشورى:
بعد تحديد عدد القرى التى تحتاج إلى تعيين الفقهاء يتم انتخاب الفقهاء ويحول أمرهم إلى رأى رئيس العلماء ويقوم المشار إليه هو والهيئة التى معه بكتابة أسماء الفقهاء وانتخابهم ويقدمهم إلى الهيئة المحترمة.
ولو توفى أو استقال أحد الفقهاء الذين تم تعيينهم يتم تعيين فقيه آخر محله بواسطة رئيس العلماء أى أن تعيين فقيه آخر يتم بعد صدور الأمر من أمراء الولاية الجليلة وهيئة الشورى ولقد ذكر فى الجداول التالية أسماء الفقهاء الذين تم تعيينهم عام ١٢٨٥.
وهذا الجدول يوضح اسم القرى التى عين فيها الفقهاء والقبائل التى تسكن فى هذه القرى.
جدول الفقهاء
أسماء الفقهاء أسماء القرى أسماء القبائل ملحوظة الشيخ عبد الرحيم باقيس دار الغربة من هذه الثلاث عشرة فى الجهة التى تقع فى ناحية مكة المكرمة من الطائف وعلى ثلاث ساعات منها وعلى سفح الجبل الذى يقال له جبل الفرا والذى يبعد عن مكة المكرمة خمس عشرة ساعة وعلى ظهر هذا الجبل موقع يسمى هذا والقرى المذكورة فى أطراف هذا الموقع وفى القرية التى تعرف ب «دار البيضاء» مسجد أثرى.
стр. 852
الشيخ أحمد بن قاسم\مصر وحوله\\ الشيخ مهدى اليمانى\الكمل النبى\\ الشيخ عبد القادر المغربى\الخضرة\\ الشيخ محمد مكى\دار البيضاء\\ الشيخ محمد بن طالب\ملتوى\\ الشيخ حمد المغربى\مبيريز\\ الشيخ أحمد باوزير\مملكة\\ الشيخ فخرى الصخرى\بنى صخرة\قريش\ الشيخ صالح باقيس\أعمق\\ الشيخ محمد باعماد\غديرين\\ الشيخ صالح السيفانى\شرقة\بنى خديله\ الشيخ عبد القادر باقيس\خليصة\خديلة\ الشيخ على المغربى\شريف\\ الشيخ إبراهيم المغربى\قدء\\تقع هذه القرى فى جهات الشرق والشمال وعلى بعد ساعة أو ساعتين من الطائف.
الشيخ حامد المغربى\صفاه صد عين\\ الشيخ محمد بن المهدى\غنامين نحاتين\\ الشيخ عبد الرحمن الفقية\بلاد بن شريان\\ الشيخ إبراهيم البكرى\عرج\عتبية\ الشيخ أحمد العبادى\شرب\\ الشيخ عبد الحفيظ الربيدى\عبيلا\\ الشيخ سفر بن سفر\جليل\\ الشيخ محمود بن سالم المشولى\نخب\\ الشيخ سعيد بن ناصر\مليسة ا\ثقيف قرآن\ الشيخ على بن قنا\سويد\\ الشيخ قامد اليمانى\\\ الشيخ محمود المنصورى\مسجد الهادى\\المسجد الهادى (١) ومثناه ووهط على بعد نصف ساعة من الطائف وفى مكان كثير المياه والبساتين وأهل الطائف يخرجون إليهما متنزهين.
وهذه القرى تقع فى جهة الجنوب من الطائف وعلى بعد ساعتين أو ساعة منها.
وبين قرية ال مقبل وقرية عبلة تمتد عشر قرى وتقع جهة الغرب بعد أربع أو خمس ساعات من الطائف ولها شهرة واسعة بالعقارب والحيات وقريتا زيما وسولة اللتين مسكنهما قبائل قريش.
стр. 853
\\\أول مرحلة بيات للمسافرين من مكة إلى الطائف والقرى الأخرى واقعة بجانب وادى فاطمة.
الشيخ عبد العاطى أبو حربة\مثناه\بنى ثقيف
الشيخ سعيد بن على المخاوى\وهط\\ الشيخ محمد بخروس\قلمة\\ الشيخ عبد الواحد الحديدى\زوران\عتيبة\ الشيخ صالح بن سعيد\بسل\\ الشيخ عبد اللطيف الحديدى\كلاخ\\ الشيخ على بن محسن اليمان\دار الغنم\بنى ثقيف\ الشيخ نخيل الشمالى\صخيرة\\ الشيخ سيف الدين اليمانى\بنى سالم\بنى سفيان\ الشيخ صالح بن عبيل\آل مقبل، آل\ زايد\آل زايد\ الشيخ عيسى بن موسى\آل طول\شمالة\ الشيخ سالم بن عوض\آل ساعد\آل خديعة\ الشيخ غالب بن قارع\آل حجة\\ الشيخ محمد رحيم\آل مساعد\\ الشيخ على بن عمر المعامدى\آل عايشة\\ الشيخ صالح بن سميح\بجيدى بنى عمر طلحات آل خالد\\ الشيخ خالد اليمانى\زيما\عتيبة\إن معظم قرى قريش هذه جار ماؤها كثيرة منابت نخيلها بها أشجار الليمون والنارنج ومن ثم يخرج إليها أهل مكة للتنزه ولا سيما إلى تنسم طيب نسيمها وتتفاوت هذه القرى والقرى الأخرى فى حجمها ومدى استبحار عمرانها.
فمنها ما يشمل ثلاثة أو خمسة أو عشرة منازل ومنها ما يضم أربعين أو خمسين منزلا وإن كان عدد سكانها وعمرانها فى تزايد وأكبر هذه القرى قرى: الدار البيضاء، ووادى فاطمة والحسينية وهق وأجواؤها أطيب من جوزيما وسولة ومضيق حسين، وشنابره فى السعدية والقرى التى تسمى شنابرة تلك تعد مقرا للأشراف والسادات.
стр. 854
الشيخ صالح بن جمال\سولة\فى وادى هرامز\ الشيخ عباد بن صالح\كضيق\\ الشيخ محمد بن أحمد موسى\حدا\\ الشيخ أحمد العباس\هدا\\ الشيخ عبد الرحمن الزبيدى\بلاد بنى\عند بنى ربيع\ الشيخ بشرى الحيرتى\عمر\\ الشيخ زين العابدين جمال\عمر\\ الشيخ صالح بن شعيب\برابر محمية\\ الشيخ وهق بن رشيدان\حراجل\فى السعدية\ الشيخ أحمد الكليبى\الفرع\\ الشيخ صديق بن عبد القادر\أبو شعيب\\ الشيخ عبد الله باسميح\حميد\\ الشيخ إبراهيم حسينية\الخادم\\ \هنابرة\\
الأثر الرابع عشر: باب الجرير
ويسمى كذلك (باب القفص) وهو الباب العالى المسمى باب النبى، وهو مكان يستجاب فيه الدعاء على حد قول أبى سهيل النيسابورى.
ولا يعرف الوقت الذى ينبغى فيه الدعاء فى هذا الموضع، ويقول الصالحون من الأسلاف: كلما سنحت الفرصة اذهب وادع بجواره.
الأثر الخامس عشر: بيت خديجة الكبرى السعيد
وهو فى سوق الصاغة الذى كان يطلق عليه زقاق الحجر، وكان يسمى زقاق العطار قديما، وكان دار خلوة رسول الله ﷺ .
وحين الهجرة النبوية وهب لعقيل بن أبى طالب رضى الله عنه، وبعد ذلك أخذه معاوية ووسعه وحوله إلى مسجد، وفتح له بابا يؤدى إلى منزل أبيه أبى سفيان.
بيت أبى سفيان ذاك صار مستشفى للغرباء فى عصر السلطان عبد الحميد.
وقد حول بيت زوج الرسول خديجة بنت خويلد - رضى الله عنها - إلى مسجد
стр. 855
باسمها، وقد رممه الملك المظفر اليمانى والناصر العباسى وملوك الشراكسة المصرية، وملوك اليمن على هيئته القديمة.
وفى عام ٩٣٥ هـ عصر سليمان بن سليم عصر البر والإحسان رمم على هيئته القديمة، وأقيم عليه قبة عظيمة، وبنى فى داخله محرابان وفى سنة ١٠٤٣ جدد ما يستحق تجديده.
وكان داخل القبة التى أقامها السلطان سليمان فى سنة ٩٥٣ هـ (١٤٤) قدما مربعا، وكانت كل جهة من جهاتها الأربع اثنى عشر قدما.
وولدت سيدة النساء فاطمة الزهراء (رضى الله عنها) فى الحجرة المنيرة التى تقع فى الجهة اليمنى من الدار السعيدة. ولأن مولد السيدة فاطمة - رضى الله عنها - كان فى تلك الحجرة المنيرة المتصلة بالجهة اليمنى من هذا البيت المسعود، فقد عين موضع مولدها فى وسط هذه الحجرة بحجر أبيض مستدير ناقص الشكل، ووضع فى كوخ مكتس بالخضرة.
إنه موضع مبارك تحت قبتين جميلتين فى تلك الحجرة العريقة، وطول هذا الموضع من الشمال إلى الجنوب ثمانية أقدام، ومن الشرق إلى الغرب خمسة عشر قدما. وقد حمى الكوخ الذى بنى لمشاهدة الموضع المنير الذى ولدت فيه السيدة فاطمة بما يقرب من ٣٥٧ عام، وذلك بفضل الإصلاحات والترميمات الجزئية التى كانت تجرى من آن لآخر، وبالرغم من ذلك تخربت تلك الترميمات، وبات من اللازم هدمها كلها، حتى أن جدران بيت خديجة - رضى الله عنها - أصبحت محتاجة إلى الترميم والإصلاح، وفى عام ١٢٩٦ حول أحمد أفندى مدير المسجد الحرام الكوخ المذكور إلى شبكة مصنوع من خشب الساج، وأصلح ما مست الحاجة فيه إلى الإصلاح من جدرانه المسقوفة، ووضع صندوقا فوق الحجر الأبيض الذى يشير إلى موضع مولدها، وغطاء يستر المكان من الحرير المزركش.
стр. 856
وأمام الكوخ المذكور جدار باهر الأنوار يرتفع بمقدار ذراع، ويتصل بهذا الجدار من جهة الجنوب بصفة، يعلو هذه الصفة حجر مدور يميل لونه إلى السواد، يقول بعض أهالى مكة المكرمة أن هذا الحجر هو الرحى التى كانت السيدة خديجة تطحن بها القمح.
ويتصل بالجدار الشمالى للمسجد الشريف حجرة مقدسة كذلك، ولما بات من المعلوم - من خلال آثار موثوقة الدلالة - أن هذه الحجرة كانت خاصة بعبادات النبى ﷺ وطاعاته، أشير إلى موضع سجوده ﷺ بحجر من الماس مسدس الشكل قطره كقطر إصبع اليد، ووضع هذا الحجر وسط المحراب.
الأثر السادس عشر: مولد النبى
بيت يقع فى الجهة الشرقية لمكة المكرمة وفى شارع شعب أبى طالب الذى يسمى الآن: شعب بنى هاشم وزقاق المولد.
وهى دار ميمونة تقع فى سوق الليل وكانت تعرف فى عصر النبوة ب «دار التبابعة». ومن العادات القديمة أن يخرج العلماء والأعيان الكرام من المسجد ويذهبون إلى الدار المذكورة موقدين المشاعل والقناديل، وبعد إقامة مراسم الطاعة والعبادة يعودون إلى حرم كعبة الله.
ومن العادات المتفرعة من الحفاوة بمولد النبى أن يقوم الناس بعد عودتهم من دار مولد النبى بالوقوف خلف المقام الشافعى وأمامهم الشخص الذى يتولى رياسة الروم بالدعاء للسلطان، وبعد أن يلبس بعض كبار الحاضرين الخلع حسب قواعد المراسم يصلون صلاة العشاء ثم يعودون إلى منازلهم.
ولم تكن هذه العادة قائمة إلى عهد السلطان مصطفى خان الثانى ابن السلطان محمد الرابع ولم تكن تلك الاجتماعات تنعقد فيه، فلما أراد السلطان المذكور أن يستزيد من الغفران وأن ينال الشفاعة النبوية قام باستحداث هذه الاجتماعات
стр. 857
واتخذها عادة ميمونة، لأجل ذلك ينعقد فى مكة المكرمة فى الليلة السابعة عشرة فى رمضان اجتماعات عظيمة بغية تعظيم بعثة نبى آخر الزمان ﷺ ، كما تجتمع جماعات كثيرة فى الليلة الثانية عشرة من ربيع الأول للاحتفال بمولد رسول الله ﷺ ، فى المدينة المنورة وفقا لرغبة السلطان.
ولعقد هذين المجلسين أمر السلطان بمنح ٣٣٠٠ قرش سنويا من ريع مقاطعة مصر للإنفاق على إقامة ذلك الاحتفال. وقد صدر ذلك الأمر السلطانى فى سنة ١١١٣ هـ، واستمر إجراء ذلك الحفل الميمون والاحتفالات السنية فترة ما، والآن تجرى الاجتماعات فى ليالى الثانية عشرة من ربيع الأول لسبب ما.
ومازالت نفقات هذين الاجتماعين ترسل من الخزانة المصرية إلى يومنا هذا ومازالت الاحتفالات تجرى وفق ما ذكرنا آنفا.
وقد ذكرنا فى المقال الثالث من الفصل الحادى عشر من مرآة المدينة كيفية الاحتفالات بالمولد النبوى السعيد.
وكانت العادة المرعية بين أهالى مكة المكرمة فى ليالى رمضان أن يقرأوا القرآن الكريم فى صلاة التراويح. وكان الإمام الحنبلى يختم القرآن فى الليلة الحادية والعشرين من رمضان، وفى الليلة الخامسة والعشرين الإمام الشافعى، وفى الليلة السابعة والعشرين الإمام الحنفى، وفى الليلة التاسعة والعشرين الإمام المالكى فيختمون القرآن بعد تمام قراءته.
وكان أتباع الإمام الذى سيختم القرآن يزينون المسجد الحرام بمصابيح وقناديل وفوانيس مختلفة، ومازالت هذه العادة قائمة ولكنها لا تنحصر فى أئمة المذاهب الأربعة لأن الذين يريدون أن يختموا القرآن يتفقون فيما بينهم ويصلون فى جماعة منفصلة، ومع هذا تعقد مجالس عظيمة فى ليلة ختم القرآن الكريم.
وفيما مضى كانت تعقد المجالس فى ليلة ٢٧ من رمضان فى الجهة الشرقية
стр. 858
للحرم الشريف وأمام المحكمة الشرعية، ويقرأ دعاء ختم القرآن وعقبه يوزع على الحاضرين الكرماء الشراب الحلو ثم يتجهون إلى البيت المعظم حيث يدعون الله، ويحضر هذا المجلس الأشراف العظام والسادات الكرام والعلماء الأعلام، ويوزع نائب الحرم الشريف حلو الشراب، وفى أثناء الدعاء يظل باب الكعبة مفتوحا، ومازال هذا المجلس المشكور يجتمعون إلى الآن، كما سبق ذكره ومازالت تلك الإجراءات مرعية الجانب.
الأثر السابع عشر: سوق الليل
إنه مكان فى غاية اليمن والبركة لأن مولد النبى، والدار التى ولد فيها على كرم الله وجهه، ودار الصديق الأكبر فى هذه السوق وفى كل جهاتها آثار مباركة ظاهرة.
إن عينيك تنبت جنة من سوق المال ورافع الشوك من طريقه يعجب بالورد تطلع الشمس التى تنير الدنيا منه كما امتلأت منه روضة الرضوان ومن عجب أن هذا أصبح مقاما ومنزل قرص الشمس والبدر إن منزل الزهرة فى هذا الشعب وهو على بعد قدم أو قدمين من الصديق إن المشترى والشمس والقمر اقترن بعضها ببعضها الآخر فهذه المحلة كلها مرتفعات ومنخفضات وفيها يهادى سرو الدلال
«فتوح الحرمين».
الأثر الثامن عشر: دار الخيزران
كان يعرف هذا المكان عند الأوائل من المسلمين بدار الأرقم بن أبى الأرقم المخزومى.
стр. 859
إن هذه الدار النيرة تقع فى الجهة الشرقية من جبل الصفا فى اتصال دار بنى شيبة وفى زقاق ضيق. إن هذا الموقع أفضل من كل الأماكن وأقدسها فى مكة المكرمة ما عدا دار أم المؤمنين خديجة رضى الله عنها.
دار الأرقم:
هذا المكان المقدس هو المكان الذى كان يجتمع فيه النبى ﷺ مع تسع وثلاثين من صحابته خفية، قد تشرف عمر بن الخطاب باعتناق الإسلام فى داخل هذه الدار، واكتمل به عدد الصحابة أربعين صحابيا.
وانتقلت تلك الدار إلى ملكية والدة هارون الرشيد الخيزران (١) وقد اشترتها ولشدة تعلقها وحبها لهذه الدار اشترت الدور المجاورة لها وألحقتها بهذه الدار.
وانتقلت الدار بعد ذلك من يد إلى أخرى حتى وصلت إلى أشراف بنى حسن، وفى نهاية الأمر انتقلت إلى ملكية دفتر دار مصر القاهرة إبراهيم بك، فأهداها إلى السلطان سليم خان الثانى عليه رحمة الله فجددها نجل ذلك السلطان وهو السلطان مراد خان الثالث على شكل مسجد فى سنة ٩٩٩ هـ.
وحينما أراد أن يجدد ذلك المسجد مصطفى جاويش الذى كان يشغل منصب أمانة البناء وكان أمين بناء جدة، قد استدعى إلى باب السعادة، وبهذا لم يستطع أن يأخذ دور الكبراء التى تحيط بالمسجد، ولو لم يعزل لفترة ما من منصبه كان سيجدد مسجد دار الخيزران فى هيئة أجمل وشكل أحسن. إن عرصة مسجد دار الأرقم فى جهاتها الثلاث أربعة عشر قدما إلا الجدار الشرقى أربعة وعشرون قدما. وله أربع قباب جميلة وله ساحة مكشوفة وله مئذنة.
صخرة المحتبى:
مكان فى داخل المسجد وعلى يمين من يتوجهون إلى المحراب، وإلى الآن مرئى وظاهر.
стр. 860
ومنتهى هذه الصخرة كان مكانا خاصا للنبى ﷺ ، عند جلوسه وحوله تسعة وثلاثون من أصحابه الكرام عندما كان يدعو إلى الإسلام خفية، من الروايات الموثوقة أنه كان يمضى أوقاتا تحت هذه الصخرة.
الأثر التاسع عشر: الحجر المتكلم
يقع فى جدار دكان أبى بكر وفى الجهة التى تواجه الحرم الشريف وقد وضع فى مكان يعلو عن الأرض مترا. وطول الحجر المتكلم ذراع معمارى، وقطره ثمانية أصابع، وهو نصف إسطوانى الشكل وبارز عن الجدار بمقدار ستة أصابع.
وروى عن النبى ﷺ قوله: «إننى أعرف حجرا كان يلقى على السلام قبل البعثة فى المجئ والذهاب». ويظن أن ذلك الحجر هو المقصود به وكتب عليه البيتين الآتيين:
أنا الحجر المسلم كل حين ... على خير الورى فلى البشارة
ونلت فضيلة من ذى المعانى ... خصصت بها وأنى من الحجارة
قد ترك ذلك الحجر مكشوفا إلى ولاية الحاج عزت باشا الأرزنجانى الأخيرة وقد حفظه الباشا المذكور فى ولايته الأخيرة بأن غطاه بقفص حديدى وكتب كيفية عمله على حجر آخر ووضعه فوقه.
الأثر العشرون: حجر المتكأ
يقع أمام الحجر المتكلم وفى صف دار خديجة الكبرى وعلى صفحة هذا الحجر أثر لطيف، ويقال أنه أثر مرفق النبى ﷺ إذ شرف النبى ﷺ دكان أبى بكر فى يوم من الأيام واستند على ذلك الحجر وعندما التفت لأبى بكر قائلا: يا
стр. 861
أبا بكر انطبع أثر مرفقى على ذلك الحجر. كان حجر المتكأ قديما على جدار بيت أبى بكر ثم انتزعوه منه ووضعوه فى المكان الحالى.
كان المكان الذى وضع فيه من جدران بيت مصطفى أفندى الحريرى، واحترق هذا المنزل فى أوائل سنة ١٣٠٠ هـ والحجاج فى عرفات؛ إلا أن الحجر المذكور لم يصب بسوء، وقد حفظ بأن وضع فى إطار له غطاء خشبى وعمر تلك الدار.
الأثر الحادى والعشرون: دار العباس
تقع دار العباس فى شارع المسعى وبالقرب من الميلين الأخضرين وأمام باب العباس، والآن أصبحت رباط الفقراء والمساكين والغرباء.
الأثر الثانى والعشرون: رباط الموفق
(١) يقع فى زقاق المقرارية وشارعه، وقد اشتراه فى سنة ٦٠٤ هـ القاضى الموفق جمال الدين على بن عبد الوهاب السكندرى وعمره ووقفه. إذا ما دعى فى داخله أو أمام بابه يستجاب.
قال الشيخ عبد الله بن مطرف من مشاهير أولياء الله: كلما وضعت يدى على حلقات باب رباط الموفق أحس كأن كثيرا من أيادى أهل الله توضع فيه، ويسكن الفقراء ومساكين الممالك المغربية فى ذلك الرباط ويقيمون فيه. وبما أن كثيرا من أهل الله ما زالوا يذهبون إليه لغرض الزيارة فلا يخلو ذلك المكان من ملازمة الأولياء ومرورهم.
الأثر الثالث والعشرون: منى
تقع «منى» فى الجانب الشرقى من مكة المكرمة بين غار المرسلات وهذا المكان المقدس مكان جميل المنظر وصحراء تثير الشوق، وطوله ٣٠٥ ذراعا، يبدأ من جمرة العقبة وينتهى فى الجمرة الثالثة، ويبعد عن مكة المعظمة أربعة أميال. ومنى
стр. 862
مدينة تميل إلى الكبر وتتزين جوانبها بدكاكين كبيرة ومنازل عالية ويحد نهايتها مسجد الخيف، إلا أن عمرانها يتوقف على موسم الحج، ففى غير موسم الحج تخلو المدينة من الناس، ويستأجر الحجاج فى منى منازل بعد عودتهم من عرفات، ويتاجرون مع التجار الذين وفدوا من الشام وحلب.
وإن كتب أن وقت الدعاء فى منى محدد فى منتصف الشهور القمرية وليلة ما يستدير الهلال بدرا، ولكن بما أن المكان غير معمور فى كل الأوقات فليدع الداعى متى يمكنه الدعاء فيه.
ومنى هى المكان الذى يرسل بواسطته أمانة الصرة إلى الشريف الهاشمى النسب علنا.
وإننا أدرجنا صورة من الأمر السلطانى الذى أرسل إلى ذات السيادة الشريف عون الرفيق باشا فى سنة ١٣٠١ هـ متيمنا.
صورة الخط السلطانى
الحمد لله الذى جعل سرة البطحاء صدف درة البيضاء، وحلى بها أجياد عرائس المصنوعات، من الثرى إلى سدرة المنتهى، وصير أم القرى محتد نبيه المجتبى وصفيه المرتضى، وأوحى إلى خليه إبراهيم أن يرفع القواعد من البيت، وأمرنا أن نتخذ من مقامه مصلى، وتوجهت الوفود المتوشحة بوشاح الهدى، ورفعوا أصواتهم بالتهليل والتلبية، وقصدوا نحو منى، فطوبى لمن سعى بين الصفا والمروة، وصلى بمقام إبراهيم بخضوع القلب، وانتهج نهج القربى والزلفى، وبيض وجهه باستلام الحجر الأسود متلألئا كسناء ذكاء (١).
والصلاة والسلام على من بعث رحمة للورى، وصارت زيارة قبره من أرقى مدارج السعادة فى الدنيا والعقبى، وعلى آله وصحبه الطيبين الذين طهروا الكعبة العليا من أدناس الأوثان، وأحكموا بنيان الشريعة المصطفوية بإقامة أحكام القرآن ما ناحت الحمائم بتسبيح الله تعالى وتقديسه جل وعلا.
стр. 863
أما بعد فهذا خطابنا الشريف الخاقانى وكتابنا المنيف السلطانى النافذ حكمه بعناية الله المعين فى أقطار الأرضين، مطاعا لأساطين الملوك والسلاطين، لازال ناشرا فوايح العدل والأمان وما برح زاهرا بين حدائق البر والإحسان وما سجعت الطيور ورتعت الغزلان، أصدرناه منطويا على فرائد التحيات الرائقة، ومحتويا على قلائد التسليمات الفائقة، مظهرا عرف رياحين المحبة والاستئناس، وممهدا لمبانى المودة المحفوظة عن الإندراس، إلى جانب الأمير الأمجد الأوحد المقتفى آثار أسلاف الأشراف من آبائه الغر صناديد آل عبد مناف وأجداده الحميدى السير الجميلى الأوصاف، فرع الشجرة الزكية النبوية، طراز العصبة العلوية المصطفوية، المنتمى إلى أشرف جرثومة علا عنصرها، والمنتسب إلى أنفس أرومة غلا جوهرها، زبدة سلالة الزهراء البتول، عمدة آل بيت الرسول، المحفوف بصنوف عواطف الملك الصمد، من أفاخم وكلاء دولتنا وأعاظم وزراء سلطنتنا السنية، الحامل النيشان المرصع بالعثمانية والمجيدية، أمير مكة المكرمة الشريف (عون الرفيق باشا)، لا زالت العناية الربانية له ملاحظة، والكلاءة الصمدانية عليه حافظة، ننهى إلى نادى الشريف أن الله جل شأنه وعز برهانه، اصطفانا من بين عباده خلفاء للأنام، وأعطانا سيف الجهاد، وأمرنا بتأسيس ركن الإسلام، وشرفنا على الملوك بسدانة بيت الله الحرام والركن والمقام، وزين منشور سلطنتنا بخدمة روضة نبينا وشفيعنا عليه أسنى التحية وأزكى السلام.
نحمد الله على ذلك بأتم الشكر وأكمل المحامد. ونحلّى ترائب عرائس هذه النعم من جواهر الأثنية بأغلى القلائد وأنفس الفرائد، فلا جرم وجهنا وجهة النهمة الواسعة ونخبة الهمة الشائعة، لرفع رايات الشكر فوق القمة التاسعة، وصرفنا أزمة صريمتنا الجليلة إلى طريق إيفاء ما وهبنا الله من المواهب الجزيلة، وامتطينا صهوة مطايا الإقدام، فى تنفيذ مصالح الشريعة، جاريا مجارى الجد والاهتمام، لا سيما مهام الأوقاف المشروطة لفقراء الحرمين المحترمين، والأرزاق المعينة المضبوطة للشرفاء شرفهم الله - تعالى - فى الدارين، وللعباد العاكفين فى المقامين المكرمين، وأرسلنا من شامل عنايتنا على
стр. 864
الرسم القديم فى العام السابق - وهو عام ثلاثمائة وألف من هجرة من أسس قواعد الإسلام - صبت على ضريحه سجال التحية والسلام - كافة الأموال المحصلة من ريع الأوقاف الموقوفة المربوطة، والنقود المعروفة والوظائف المضبوطة التى خصصت بلائذى الحرم ويثرب ممن سكن فيهما، واخترنا الجواد من حيثما المشارق والمغارب، وجملتها مثبته وأعدادها مفصلة ومقررة كما هو مسطور ومرقوم فى الدفتر المعلوم والمختوم، جميعها الدنانير التضاد والخدمة الصافية من النقود الرائجة فى عام البلاد الدانية والقاصية، وسلمنا تلك الصرر إثر ما وضع فى الأكياس الموسومة بختمنا الشريف دفعا للالتباس إلى يد حامل ذلك المنشور السلطانى، وناقل هذا المثال الخاقانى، المنتسب لسدتنا السنية، من خدام عتبتنا العلية السلطانية، المأمور لخدمة الحميدية الخاقانية، الحامل نيشان المجيدية من الرتبة الرابعة، أمير الكرام السيد «بسيم باشا» دامت معاليه وعمدة أصحاب التحرير والتقرير، كاتب الدفتر قدوة الأماثل والأقران - زيد قدره - بعد ما قلدناهما تلك الخدمة الجليلة، وأعطيناهما دفترا مختوما بختمنا المبارك السلطانى لازال عنوانه زينة على صحيفة مناشير الأمانى، مخبرا عن المصاريف المعينة، متضمنا بالمواهب المقننة، فأمرناهما بإيصال تلك الصرر إلى خزانة المديرية المأمورة بالسعى مع الاهتمام على جرى الأصول المؤسسة فى سوالف الأيام فى الصرر المقررة، فى مصاريفها المحررة المقدرة، على ما صرح ونص عليه فى الجريدة التى هى فى جيد الأمانة ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ (النساء: ٥٨).
واغتراف من مشارب الأجواد الجزيلة قراح عذبها، ونهلها وتوزيعها إلى مستحقيها من السادات والعلماء والضعفاء ساكنى مكة المكرمة، وقاطنى المدينة المعظمة، المستمسكين بأذيال سرادقات بيت الله الحرام، والمتشرفين بجوار نبينا شفيع الأنام (عليه أفضل الصلاة والسلام).
стр. 865
ورسمنا ألا يفض خاتم أكياس هذه المبرة، ولا توزع على أصحابها إلا بمعرفة المأمورين الذين وجب حضورهم، ولا يستنسخ دفتر مستقل غير هذا الدفتر، بل يعلم على اسم كل من وصل إليه نصيبه بالمداد الأحمر، فإن غاب واحد منهم أو قضى نحبه ولم يوجد مسميات بعض الأسماء يعلم على اسمه بالدفتر حسبما يظهر، وتحفظ حصصهم ونصيبهم مفرزة محرره، كيلا يحتال أحد لأخذ الصرة المقررة، ويؤتى نصيب من توفى أو غاب لأشخاص توافقت أسماءهم وألقابهم ونسبهم، وتشابهت الأسماء والألقاب والنسب والأنساب، هذا وقد أهدينا إلى جنبكم العالى، مغرس شجرة المفاخر والمعانى فى صحبة حامل كتابنا اللطيف وخطابنا المنيف خلعة من تشريفاتنا البهية، وأكسيتنا السنية تجديدا لمراسم الموالاة، وتأكيدا بمعاقدة المصافاة، فلا بد من استقبالها بتقديم مراسم الإكرام والتعظيم والتزيين، والاكتساء بها علامة الاحترام والتكريم، وبذل القدرة الكاملة فى رعاية الرعية وصيانة الحجاج والمجاورين والمسافرين والمقيمين من العنت والشقاوة، لإفاضة الأمن والراحة وحراسة تلك الطرق والممالك، واستجلاب الأدعية الصالحة من العلماء العالمين والسادات المهديين، والفقراء الصالحين، والمواظبة على الدعوات بمزيد التضرع والابتهال، لإعلاء أعلام دولتنا العلية، وثبات أركان سلطنتنا السنية، إنه سبحانه لجدير بالسؤال، وقدير على تبليغ الأمال، تعالت ذاته عن المضاهى، وجلّ جوده عن التناهى، وفضله حسب من بجنابه لاذ، وطوله كفاية من به استعاذ.
وصلى الله على سيدنا محمد الذى تأسست قواعد شريعته البيضاء بأركان المواهب الربانية، ناشرا ظلال سدتها فوق الثرى، واستهل بأرجاز نعوته الملائكة المقربون على العرش سربا فسربا، وعلى آله وعترته الذين فتحوا بسيوفهم البلاد شرقا وغربا، ولمن تبعهم من أمته إلى يوم الدين عجما وعربا، رضوان الله - تعالى - عليهم أجمعين.
стр. 866
الأثر الرابع والعشرون: الجمرات الثلاث
الجمرات الثلاث التى سبق ذكرها قد عينت بعلامات خاصة فى ثلاثة أماكن من منى.
مسألة:
قال علماء المذهب الحنفى: «عندما تلقى الجمرات عند الجمرة الأولى (١) و الجمرة الثانية يعنى عندما يرجم الشيطان الأول والشيطان الثانى ينبغى أن يتوقف قليلا، لأنه لا ينبغى الوقوف عند الجمرة الثالثة، بناء على هذا القرار الذى اتخذه العلماء يستحبّ ألا يوقف عندها للدعاء، بل ويدعى فى أثناء السير لأن الحسن البصرى أوصى أن يدعى فى هذا المكان أيضا؛ لأنه مكان من ضمن الأماكن التى يستجاب فيها الدعاء.
جمرة العقبة:
أنها الجمرة الثالثة وهى بالقرب من قبة الكبش وهى جدى أبيض فى طول خمسة أذرع وذراعين عرضا. وبما أن الشيطان ظهر لحضرة الخليل لأول مرة فى هذا المكان ورجم فلزم رجمه إلى يوم القيامة.
الجمرة الثانية:
يطلق على الجمرة الثانية الجمرة الوسطى أيضا وهى تخمينا على بعد خمسين خطوة من جمرة العقبة، وفى ناحية مسجد الخيف وقد ظهر الشيطان لخليل الرحمن مرة ثانية فرجم، وقد أشير إليها مثل جمرة العقبة بجدار صغير.
стр. 867
الجمرة الأولى:
الجمرة الأولى على بعد مائة خطوة من الجمرة الثانية، وفى ناحية مسجد الخيف أيضا.
وهو المحل الذى ظهر فيه الشيطان لإبراهيم ﵇ للمرة الثالثة فرجم، وعين مكانها بجدار صغير مثل الأخريين.
يرمى جميع الحجاج فى هذه الجمرات الثلاث سبع حصوات ويستحسن أن يكون الرامى مترجلا ويجوز إلقاء الجمرات راكبا وكان حضرة معاوية أول من ألقى الجمرات وهو راكب.
رواية
- يروون حديثا بمعنى «أن من يقبل حجّه ترفع جمرته» (حديث شريف) وقد سأل أحد أئمة الحديث - ولم يكن قد سمع هذه الرواية - سأل سعيد بن جبير «لماذا لم يتكون جبل من كل هذه الحصوات التى ألقيت إلى الآن؟» فرد عليه قائلا: إن كل من يقبل حجه ترفع جمراته بأمر إلهى من قبل الملائكة».
قال الإمام مجاهد «قد علّمت الجمرات التى ألقيتها فى السنة التى سمعت فيها رد سعيد بن جبير بعلامات معينة، وبعد الحج بحثت عنها فلم أجدها، فصدقت ما قاله سعيد بن جبير وأنه يوافق معنى الحديث.
الاستطراد
يروى لإلقاء هذه الجمرات فضائل كثيرة. يروى مؤلف «نزهة المجالس» نقلا عن كتاب الحقائق الحكاية الآتية: «قال أحد المؤمنين صادق النية مخاطبا السبع جمرات التى فى يده عند إلقائها» أشهد أيتها الجمرات أننى أؤمن بعدم وجود إله آخر غير الله، وأشهد أن محمدا رسول الله» وقد حلم هذا الشخص تلك الليلة أن القيامة قد قامت، وعند المحاسبة قد زادت سيئاته عن حسناته فيصدر الأمر الإلهى بأن يساق إلى جهنم، فيؤتى به فى جهنم. ولكن زبانية جهنم يرون أن باب جهنم قد سد بالجمرات التى ألقاها فى منى، فيتحيرون كثيرا ويحاولون أن
стр. 868
يفتحوا الباب فلا يوفقون، ويذهبون، تحت عرش الله ليعرضوا الحالة، إلا أن الحجارة كانت قد سبقت الزبانية، وحصلت على الأمر الإلهى بإدخال هذا الرجل فى الجنة بعدما غفرت ذنوب الرجل، ويقف كل حجر فى باب من أبواب الجنة ويقول راجيا: يا فلان أدخل الجنة من الباب الذى أقف فيه» انتهى.
لاحقة
إلى أواسط سنة ١٣٠٣ هـ الهجرية عانى الحجاج مشقة كبيرة من قلة المياه فى منى، وكان من جملة فضائل السلطان أن أمر والى الحجاز الحالى عثمان باشا بإقامة صهريج عظيم له ستة عشر صنبورا. ولقد تم ذلك بفضل همة لجنة عين زبيدة وحسن خدماتهم، وهكذا نجى الحجاج من مشقة العطش.
وكنا قد كتبنا معلومات أولية فى الصورة السادسة من الوجهة الثالثة من المرآة أن عثمان باشا قد أنشأ فى أرض المدرسة المجيدية بناءا فخما مقرا للحكومة للجيش، وحول القلعة الهندية إلى ثكنة عسكرية باسم «غيرتية».
وهدم قسم الشرطة الرئيسى وثكنة المدينة السلطانية وبناهما من جديد.
ومن هذه المرة أخبرت فى رسالة واردة من مكة المكرمة والمؤرخة بتاريخ ١ جمادى الآخرة سنة ١٣٠٣ أن ذلك المقر الحكومى الفخم قد تم بناؤه، وفرش فرشا جميلا، كما هدمت بعض جهات قلعة جياد، وبنى فى بعض جوانبها مخزن للأسلحة، ووضع فوق المبنى صادة للصواعق، وبدأ فى إنشاء ثكنة عظيمة فى الجانب الآخر.
وقد قسمت أرض عرصة المدرسة السالفة الذكر من قبل والد السلطان الكثير المحامد السلطان عبد المجيد خان - طيب الله ثراه - وبنى على طرف منها مدرسة، وبجانبها سبيلا ومكتبة وعدة منازل خاصة بأمناء الكتب، وفعلا شرع فى الإنشاءات، ووضعت الأسس وفى هذا الموقف رحل ذلك السلطان عن دنيانا، فأوقفت عمليات البناء وأهملت لتتحول تلك الساحة إلى مقلب قمامة. ولما كان
стр. 869
الجنود السلطانية الذين يتولون حراسة مكة المكرمة يسكنون تحت الخيم، وكان هذا مخالفا لآمال السلطان، لذا انزعج عثمان باشا انزعاجا شديدا وأخذا ضميره يؤنبه، فقرر أن ينشئ فوق أرض تلك المدرسة ثكنة عسكرية تستوعب فرقة من الجند السلطانى.
وبعد الاستئذان شرع فى أواخر سنة ٩٩ المالية فى عمليات الحفر ذاكرا اسم الله، وقد استصوب فيما بعد أن تكون الدائرة الحكومية متصلة بالثكنة المذكورة، وعدلت خريطة الثكنة السلطانية على أن يكون جانب من المبنى مقرا حكوميا، والجانب الآخر من المبنى ثكنة عسكرية، وهكذا بنيت ثكنة عسكرية متقنة الصنع والبناء وسميت بالحميدية.
وبلغت نفقات إنشاء الثكنة الحميدية بناء على التقديرات الأولية ألف وأربعمائة ليرة، وإذا ضمت إليها نفقات إنشاء الدائرة الحكومية ألف وثمانمائة ليرة، عرف أن مجموع النفقات يصل إلى ثلاثة آلاف ومائتى ليرة.
ولكن إذا ما ضم لهذه النقود ما أنفق لتزيين المبانى من الداخل والخارج تزيينا جميلا ومحكما تصل النفقات إلى ما يقرب من مليون قرش.
طرحت فكرة إنشاء ثكنة (الغيرتية) ونفذت فى عهد الشريف غالب، ووسعت فى عهد تاتار عثمان باشا لتسع مائة عسكرى من عساكر الشرطة وبنيت فوق خرابة قلعة صغيرة.
وكان لهذه القلعة أربعة أبراج، وهدمت الأبراج التى فى الجهة الغربية وحولت إلى ثكنة عسكرية يمكن الدفاع عنها، وتتسع لألف من الجنود السلطانية.
وبما أنه تم بناء تلك الثكنة لما سيقوم به هؤلاء الجنود من خدمات جليلة، وبما قدمه أصحاب الحمية والكرام من نقود، وسميت «غيرتية» لذلك، وقد صرف على بنائها مائة وعشرين ألف قرش ماعدا المنح الأخرى.
ثكنة المدفعية السلطانية:
كانت هذه الثكنة مكانا محاطا بأربعة جدران، قد بنى فيه «عنبران» يستوعبان
стр. 870
ما يقرب من مائة جندى من المدفعية، وحجرة للقيادة تسع ثلاثة ضباط ومطبخ، وتم ذلك بهمة عثمان نورى باشا وسعيه واشتراك الجنود فى العمل. قد اشترك الأصحاب الكرام فى بناء هذه الثكنة بما دفعوه من مبالغ قريبا من ثمانين ألف قرش.
المخفر الرئيسى:
مبنى متين يتسع لإيواء أربعين جنديا، وهناك مخفر غير هذا المخفر فى حارة الباب يتسع لعشرين جنديا أيضا، وهما مبنيان رصينان وقد أنفق لبنائهما مائة ألف قرش كاملة.
وفى سنة سنة ١٣٠٢ الهجرية أمر عثمان باشا نورى الأمير الاى صادق بك الذى حضر مع أمانة الصرة المصرية بأخذ صور فوتو غرافية للأماكن المذكورة، وقد حصلنا على نسخ هذه الصور وأثبتناها فى الأجزاء المناسبة من المرآة.
وقد كتب فى صفحة من المرآة إن مجرى عين زبيدة قد حفر على (حارة الباب) لتجديدها إلى ضريح الشيخ محمود، وبناء صهريج احتياطى فى ذلك المكان، وقد سطر فى هذه الرسالة التى وصلت والتى مر ذكرها أن ذلك المجرى قد أوصلت مياهه إلى ضريح الشيخ محمود، وقد أنشئ أمام الضريح حوض مياه كبير، وركبت فيه الصنابير، وأن وصول مياه عين زبيدة إلى هذا المكان قد أحيا سكان هذه الأماكن، ووسع مدينة مكة المكرمة.
قيل فى صفحة من المرآة «يأتى ويذهب كل سنة ما يقرب من ثلاثمائة ألف أو أربعمائة ألف من الحجاج»
وفى الرسالة الواردة من مكة المكرمة يقول صاحبها: إن عدد الحجاج لم يزد على مائتى ألف حاج حتى فى سنين الحج الأكبر. إلا أنه لم يدخل فى هذا الحساب عربان البادية والمقيمون من أهل مكة، ويقول صاحب الرسالة «إن نظام إقامة وليمة فى مقر الإمارة قد ألغى بعد وفاة الشريف عبد الله باشا بثلاث أو أربع سنين وهذا شئ يؤسف له.
стр. 871
الصورة الثانية فى ذكر المساجد المأثورة فى مكة المكرمة
الأثر الخامس والعشرون: مسجد أبى بكر:
المسجد المشهور بمسجد أبى بكر يقع فى الجهة اليمانية وفى مكان يسمى «مسفلة» عليه قبة وفى داخله كوخ.
يزور الحجاج هذا المكان كما أن أهل مكة يزورونه ويقيمون فيه حلقات الذكر ويدعون الله، بما أن أبا بكر الصديق قد ولد فى هذا المكان السعيد فإنه يشتهر أيضا باسم «دار أبى بكر»، وطول سطح هذا المكان من كل جهة عشرون قدما وعرضه خمسة عشر قدما، إلا أن له فى الجهة الجنوبية حديقة محاطة بالسور مساحتها أربعمائة ذراع، إن النبى ﷺ ، قد شرف جبل الثور قادما من هذا البيت، إن هذا الحادث الجلل قد فصل فى المقام الرابع والعشرين من «محمود السير». وقد أشرفت مبانى ذلك المسجد مع مرور الأيام على الخراب، لذا عمره وأصلحه مدير الحرم الشريف أحمد أفندى على أحسن وجه وبشكل رصين فى سنة (١٢٩٦).
الأثر السادس والعشرون: مسجد ذى طوى:
يقع هذا المسجد فى الجهة الشمالية من مكة المعظمة وفى الوادى الذى أطلق عليه أهل مكة «ما بين الحجرتين» وفى المحل الذى خصص لإقامة المحمل المصرى، وعلى الجهة اليمنى فى طريق العمرة، وقد بات قائد الأصفياء ﵊ فى هذا المكان فى حجة الوداع، وبعد أن صلى فيه صلاة الفجر اتجه إلى مكة المكرمة.
стр. 872
وقد ذكر صاحب «العقد الثمين» أن بانيته سيدة تسمى زبيدة، ولكنه لم يبين لنا من هى زبيدة هذه ومتى بنته.
الأثر السابع والعشرون: مسجد التنعيم:
إن مسجد التنعيم فى مكان قريب من مسجد عائشة ويبعد عن المسجد الحرام ما يقرب من ثلاثة أميال (١) أو أربعة، وكل جهة من جهاته عرضها خمسين قدما.
وفى يمينه جبل نعيم وعلى يساره جبل ناعم، لذا أطلق على الوادى الذى أسس فيه وادى النعمان، وإن كان المؤرخون يخبروننا أن هذا المسجد كان يطلق عليه اسم هليلجة وكانت بجانبه شجرة قديما إلا أن ابتعاد هذا المسجد عن ميلى الحرم (يعنى ابتعاد مسجد عائشة الذى يوجد فى ناحية جبل نعيم عن الميلين) فالمسجد الذى قال عنه المؤرخون أنه مسجد هليلجة غير المسجد الذى يكتسى فيه الحجاج ملابس الإحرام بنية العمرة، وهو مسجد التنعيم.
ويظهر أنه المكان الذى يقع فوق قمة الجبال التى خلف صهاريج «سنان باشا» وعلى الجهة الشمالية من مسجد عائشة والذى أحيط بجدار هو أرض مسجد التنعيم.
وهذا الجدار كثيرا ما ينهار بصدمات الرياح ويخرب إلا أن الزوار الكرام يبتدرون لتعميره وترميمه.
الأثر الثامن والعشرون: صهاريج سنان باشا
كان فى الزمن القديم فى هذا المكان صهريج واحد وكانوا يملئونه عند نزول المطر يتوضئون منه، وعندما زار سنان باشا مكة المعظمة فى أثناء سنة (٩٨٧ هـ) حين عودته من اليمن رأى أن مياه ذلك الصهريج قد نفذت، كما أن مياه البئر الذى بجانبه قد انقطعت، فاحتاج المعتمرون والحجاج حتى إلى قطرة ماء للوضوء
стр. 873
وإزالة عطشهم، فتأثر من ذلك أشد التأثر، ثم أمر بحفر البئر المذكورة، وأوصل الماء إلى الصهريج المذكور بحفر مجرى، وعين من يهتم بهما ويسقى الناس، ولكن لشدة الأسف لم يبق إلى الآن، لا السقاءون ولا المجرى، وعندما تهطل الأمطار يمتلئ ذلك الصهريج ثم يخلو من المياه مرة أخرى فيظل فارغا.
وبعد ما أمد سنان باشا ذلك الصهريج بالماء فرش أرض المطاف بالرخام (١)، وغير رمل الساحة الرملية للمسجد الحرام، وأمر بصنع سبيل وحوض فى طريق العمرة، وحفر فى أماكن بعيدة آبارا عميقة واسعة لملء السبيل والحوض بالماء بواسطة مجارى حفرها، وقد اندرس كل هذا ولم يبق له أثر، إلا أن الأصحاب الكرام حفروا كثيرا من الآبار فأصبح المعتمرون لا يعانون من قلة الماء كما كان من قبل.
لاحقة
وقد ثبت أن كل من يذهب إلى مسجد عائشة بنية العمرة ويلبس هناك ملابس الإحرام وفقا للسنة النبوية، ثم يعود مهللا ملبيا إلى الحرم الشريف ويطوف مرملا مضطّبعا (٢) يسعى، فإنه ينال ثواب أداء الحج فى مدينة الرسول ﷺ الذى غفر له، وذلك ثلاث مرات فى شهر رجب ومرتان فى شعبان المعظم، ومرة فى رمضان المبارك، لذلك يقبل الحجاج الكرام على العمرة بكثرة فى تلك الشهور.
تنبيه
ويجب أن يزار المكان الذى صلب فيه حاتم بن عدى - رضى الله عنه - الذى يقع فى الجهة الغربية من مسجد عائشة، وفى ناحية جدة إذ كان - رضى الله عنه
стр. 874
- ورفقاؤه مع عاصم بن ثابت - رضى الله عنهم - يحاربون سفيان بن خالد الهزلى وشرذمته فى مكان يسمى «رجيع»، فأسر حاتم بن عدى وسيق إلى جبل التنعيم حيث صلب، وقد أشير إلى المكان الذى صلب فيه حاتم بعلامة على شكل مئذنة ويطلق عليه أهل الحجاز اسم «ميل».
وإن كان مكان صلب حاتم بن عدى مجهولا لدى أهل مكة، إلا أن الأشخاص الذين يذهبون إلى مسجد عائشة ويزورون الميل الذى بين الجبلين يكونون قد زاروا مصلب حاتم، لأن هذا الميل علامة خاصة لمكان الصلب وقد كتب عليه بخط عربى قديم عبارة «هذا مصلب حاتم بن عدى»، وبما أنه يطلى كل سنة كانت فالصباغة تمحو الكتابة التى عليه.
ولكن عندما ينزل المطر ويبتل ذلك الميل تظهر آثار هذا الخط، وإذا ما أمعن فيها النظر يمكن قراءته تماما.
وقد استفسرت من علماء مكة عن مصلب حاتم بن عدى، ولكننى لم أحظ منهم بإجابة شافية.
فاعتمدت على نفسى فى الكشف عن هذا المكان، بينما كنت فى يوم من الأيام فى مسجد عائشة وكان رفيقى يتوضأ أخذت أجيل النظر فى الجهات الأربعة، وأنا أفكر فى هذا الموضوع وأقول محدثا نفسى: يا ترى أين يقع مصلب حاتم بن عدى؟ وعندئذ رأيت ميلا قصيرا على شكل مئذنة فى جهة جدة، فسألت رفيقى الذى كان رئيس الخدم والذى يطلقون عليه هنا «شيخ العمرة» ما هذه العلامة؟! إذا ما قلت أنها ميل الحرم، يجب أن تكون فى جهة الوادى بالنسبة للمسجد، فأما المكان الذى أقف فيه فهو فى ناحية جدة وفى سفح جبلين.
ألا نكون قد أصبنا عين الصواب إذا ما قلنا أنه علامة مصلب حاتم؟! ولكن شيخ العمرة قال أنا أزاول هنا مهنة الشياخة منذ ثلاثين عاما؛ فلم أر أن فى هذا المكان علامة مثل هذه، كما أننى لم أسمع من أحد أجدادى، وانقضى الأمر
стр. 875
بالتوقف قليلا فى مسجد عائشة احتماء من المطر، وبتّ شيخ العمرة فى الموضوع مقررا عدم وجود مصلب حاتم بن عدى فى وادى التنعيم، وأن العلامة التى أشرت إليها علامة لإشعار المحرمين بمكان الإحرام، ولكننى كنت أعلم أن مصلب حاتم كان فى وادى النتعيم نتيجة الاطلاع فى كتب سير العلماء، وإن ما يطلق عليه «معلماته» حيث يبدأ الحجاج والمعتمرين لبس ملابس الإحرام يجب أن يكون عجائب المسجد وفى وسط الطريق، كما أن هذه العلامة كانت فى اتصال المسجد من الجهة الشرقية وقائمة فعلا، إلا أن العلامة التى قال الشيخ عنها علامة الشروع فى لبس ملابس الإحرام كانت فى جهة حجرة للمسجد المذكور، وكانت تختلف عن العلامتين فى الشكل والهيئة، وكل هذا مما أثار فى نفسى شكوكا كثيرة، وانقطع المطر وذهبت إلى تلك العلامة، وكانت قد ابتلت من المطر وظهرت ظلال جلية لكتابة، لكن قد غيرت ألوان تلك العلامة حتى تخالها ألوان الحرباء، وحال ظلام الجو دون قراءة الحروف، فاستصوبت أن انتظر إلى وقت الزوال، وقد أصاب سهم اجتهادى مرماه، وهدانى الله إلى الطريق الصحيح، إذ انقشع الظلام وزادت حرارة الشمس، وجف صدأ العلامة فقرأت عبارة «هذا مصلب حاتم بن عدى»، وأريتها لشيخ العمرة الذى شكرنى بدوره كثيرا وسر سرورا عظيما، وأخذ المعتمرون والحجاج فى الذهاب إلى مصلب حاتم بن عدى.
الأثر التاسع والعشرون: مسجد الجن
مسجد يقع فى الجهة الثابتة من مكة المكرمة وفى مقابل جداره مقبرة المعلا الملحقة ببطن الوادى، أى فى مواجهة جبل الحجون، وهو مسجد شريف تحت الأرض.
فالذين ينتهون من زيارة مقبرة المعلا يعودون إلى ذلك المسجد لأداء ركعتين لتحية المسجد، وفى طرفيه شارعان واسعان.
стр. 876
إن كل واحد من طرفى أرضه فى الشمال والجنوب ثمانية أقدام، والجهة الشرقية أحد عشر قدما، وطرفه الغربى ستة عشر قدما، وبما أنه مؤسس تحت مكان اسمه «فرهادية» لا قبة له ولا مئذنة، وقد عرضت طائفة من الجن تبعيتها للنبى ﷺ ، فوق أرض هذا المسجد فى ليلة عودته من الطائف.
ودخلوا فى دائرة الإسلام المنجية، وبما أن حراس مكة المكرمة يجتمعون فى هذا المكان ليلا أطلق عليه مسجد الحرس أو موضع الخط.
وسبب إطلاق مسجد الخط عليه هو أن النبى ﷺ ، خط عدة خطوط فى تلك الليلة على الرمل وهو يشير إلى عبد الله بن مسعود المحمود العاقبة، ومن أسماء هذا المسجد اللطيفة «مسجد البيعة» إشارة إلى مكان بيعة طائفة الجن، وهؤلاء سبعة أنفار من الجنة، ينتسبون إلى الطائفة من جن بلدة نصيبين وأسماؤهم:
حسأ، مسأ، سأصبرا، ناصبرا، ابنا الأرب، ابنين، أخصم، وبعض الرواة يضعون بدل «ابنا الأرب»: «ازريان» ومكان «ابنين»: «أحقب»، إن هذا المكان هو الذى بايع فيه الجن النبى ﷺ ، قبل البعثة، وقد أماط محيى الدين بن عربى، اللثام عن هذه الحقيقة.
حتى إن معاذ بن عبد الله بن معمر، وهو ممن أيدوا هذه الحقيقة، روى أن واحدا قد لف جنيا يسمى عمرو - نال الشهادة فى عهد خلافة الفاروق - فى خرقته ودفنه وال حكاية تالية الذكر تعود إلى سيدنا معاذ.
حكاية:
قال معاذ رضى الله عنه: كنت جالسا مع عثمان بن عفان، فمر علينا رجل وقال: بينما كنا نمضى من ذاك المكان هبت على طرقنا عاصفة كأنها زوبعة فى مكان قريب منا، أذرت ما على الأرض من قش فى الهواء، ثم أعقبتها زوبعة أخرى غاية فى شدتها، والتصقت بالزوبعة التى هبت أول الأمر وتشاجرتا مدة مديدة وكأنهما حيوانان يقتتلان ثم سكنتا، وهاتان الزوبعتان كانت كل منهما قد
стр. 877
هبت من سفح جبل، ولأن إحداهما حملت على الأخرى قلنا: لا بد من وجود سر فى هذا، وما كان فى وسعنا التقدم خطوة أو التأخر خطوة، لذا توقفنا هنيهة فى مكاننا.
وبعد أن اختفت إحدى هاتين الزوبعتين التى تخلع القلوب ببشاعتها والأخرى بالجبل لفترة انفصلت كل منهما عن الأخرى، وتوجهت كل منهما إلى جبل ولم يعد لهما من أثر.
وعند انفصالهما بدت إحداهما ضعيفة خائرة القوة، لذا تملكنا شديد الفضول فمضينا إلى مكان لقائهما فرأينا كثرة من الحيات وقد نفقت، وكانت تنبعث منها رائحة ذكية، ولكى نعرف أى حية تنفح هذه الرائحة الذكية شرعنا نقلب الحيات النافقة، وفى النهاية أدركنا أن رائحة المسك تلك تنفح من بطن حية صفراء الظهر بيضاء البطن.
ويا لها من حية عجيبة تنفح مسكا لم أر مثلها فى حياتى، فلففتها حول عصاى وفى قول آخر حول خرقتى ودفنتها فى طرف الطريق، ثم قفلت راجعا إلى رفاقى، وما أن هممنا بالذهاب حتى تراءت لنا من الجهة الغربية للمكان الذى كنا نجلس فيه أربع نساء قلن لنا: ليعلم من دفن عمرو - أى الحية المقتولة - أنه دفن شخصا صوام النهار قوام الليل، يرعى أحكام القرآن، وهذا الرجل قد آمن برسول الثقلين قبل أن تأتيه الرسالة بأربعمائة عام، وبعد البعثة لمبايعته وكان يستمع إلى الوحى، قلن هذا من كلامهن واختفين عن الأنظار.
كان هذا ما رواه معاذ رضى الله عنه.
وروى ابن حبّان هذه الواقعة كذلك فقال: إن الرجل المذكور قص على سيدنا عمر ما حدث فقال له الفاروق رضى الله عنه: نعم، فقد قال لى رسول الله ﷺ ، «أن ثمة من بايعونى قبل بعثتى بأربعمائة عام» صدق رسول الله ﷺ ، وجاء فى كتاب المرجان فى أحكام الجان الذى ألفه أبو البقاء الحنفى إن رسول الثقلين
стр. 878
صلى الله عليه وسلم، دعا طائفة الجن إلى الإسلام ست مرات: فى جبل حراء، وشعب الحجون، وأعلى جبال مكة، وبقيع الغرقد، وعلى مشارف طيبة الطيبة، وإحدى رحلاته الشريفة.
ولوجود عبد الله مسعود فى المرة الرابعة، وعبد الله بن الزبير فى الخامسة فى خدمة الرسول ﷺ ، فقد شاهد كلاهما جنا ممن أسلموا، حتى إن ابن مسعود - رضى الله عنه - سمع أصواتهم وشبههم بقوم «الزط» (١).
الأثر الثلاثون: مسجد الراية:
يقع هذا المسجد فى الطرف الشمالى من البلدة الطاهرة مكة المكرمة يقع بجانب بئر جبير بن مطعم بن عدى المشهورة، وفى الجهة الجنوبية لمسجد البيعة، وفى جوانبه الأربعة منازل كثيرة ودكاكين وافرة وسوق عظيم.
والزوار بعدما يزورون مسجد الجن، يزورون مسجد الراية حيث يصلون ركعتى تحية المسجد ثم يعودون، ومساحته السطحية طولها أربعة وعشرون ذراعا وعرضها عشرة أذرع.
مسجد الراية الشريف، إنه المكان الذى ركز فيه النبى ﷺ ، رايته فى يوم الفتح المنير وصلى ركعتين تحية له. وبناء على قول الإمام الأزرقى بأن بانى هذا المسجد هو عبد الله بن عبد الله بن عباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس رضى الله عنهم، وقد رممه وعمره المعتصم بالله البغدادى.
الأثر الحادى والثلاثون: مسجد المدعا:
إن أرضه طبقا لما نقله عبد القادر الجيلانى بالقرب من دار أبى سفيان بن حرب، وهو مكان طوله عشرون قدما، وعرضه خمسة أقدام، وكان بيت الله يرى من هذا المكان، وبما أنه لا شك فى استجابة الدعاء الذى يرفع إلى الله من مكان، أول ما يرى الإنسان فيه بيت الله، فالدعاء مقبول فيه، وهو فى هذا المكان من سنة رسول الله السنية.
стр. 879
نظم
اسمع منى صفة المدعا ... فقد استجيب الدعاء هنا
على رأس هذا الطريق عند الوصول ... توقف الرسول من أجل الدعاء
إن تراب طريقه أفضل من دواء العين ... لعين الروح منه الجلاء
إن ذلك الرمل الذى وقع فى هذا العمر ... كل حبة منه درة ثمينة
إن شوكه ورود ورياحين ... إنه إنسان العين
هداه يحيى الموتى ... وهو راحة للخاطر المحزون
أزرف الدمع من أهداب عينك ... وافتح فاك وسل الله حاجتك
(فتوح الحرمين)
الأثر الثانى والثلاثون: مسجد البيعة:
يقع مسجد البيعة فى الجهة الشامية من مكة المكرمة وعلى بعد رمية سهم من العقبة التى تشير إلى حدود منى، وفى جهة مكة ويظل على شمال الشخص الذى يذهب إلى منى، وأمام جبل صراصر ومقبرة أحمد المهدلى، وإن مساحته من الجهة الشمالية ثمانية وخمسون قدما والجهة الجنوبية منه ستة وأربعون والجهة الشرقية مائة والجهة الغربية مائة وثمانية أقدام ومكشوف السقف.
قد بايع النبى ﷺ ، فى موقع هذا المسجد سبعون من أعاظم الأنصار الكرام أو ثلاثة وسبعون، كما يذكر أصحاب السير، وكان مع النبى عمه عباس فى السنة الثانية عشرة من البعثة النبوية، وعقب ذلك نادى شيطان اسمه «أزب العقبة»
стр. 880
قائلا يا قوم قريش!! إن حجاج قبيلتى الأوس والخزرج بايعوا محمدا، وعزموا على تقديم العون له فى كل الأمور وشوش أفكار قريش تشويشا، وإن كانت قريش أرادت أن تمد إلى الأنصار يد الأذية والتسلط.
إلا أن الأصحاب الكرام دافعوا عن أنفسهم بإلقاء، خطب تشتمل على التهديد، وأظهروا الحسام عند خصامهم لشرذمة المشركين الحقيرة، وظهروا بأنهم متفقون ومتعاهدون مع كثير من أقوام العرب والعجم للدفاع عن النبى ﷺ ، وهكذا نجوا من شرارة الثأر التى أوقدها «أزب العقبة» بعون الله خير الحافظين، وعادوا إلى ديارهم.
وإن كان أهل مكة يطلقون على هذا المسجد «مسجد العشرة» ويذهبون إلى أن هذا المسجد مسجد «العشرة المبشرين» إلا أن هذا الرأى ظاهر الخطأ؛ لأن المسجد المذكور شهد بيعة نقباء الأنصار الذين أتوا قبل الهجرة من المدينة المنورة وأسلموا وهم: أسعد بن زرارة (١) وعوف ومعاذ (٢) ابنا عفراء (٣)، رافع بن مالك (٤)، العباس بن عبادة (٥)، منذر بن عمر (٦)، عبادة بن الصامت (٧)، يزيد بن ثعلبة (٨)، عقبة بن عامر (٩) قطبة بن عامر بن حديدة (١٠) أبو الهيثم بن التيهان (١١) عويم بن ساعدة ذكوان بن عبد قيس الزرقى.
إذا ما نظر إلى حكم الصورة الثانية من الوجهة الخامسة لمرآة المدينة نجد أن حكم هذه الرواية ضعيف أيضا.
لأن اليوم الذى بايع فيه النقباء كان معهم ثلاثة وسبعون من رفقائهم، وإذا كان المراد من مسجد العشرة نقباء الأنصار العشرة الذين وجدوا فى يوم البيعة، فإن المكان لم يحظ بهؤلاء النقباء فقط وفى الواقع إن كلمة العشرة، تورد على خاطرنا أن أرض هذا المسجد هى مكان بيعة العشرة أشخاص الذين بايعوا النبى، وإذا حكمنا بصحة هذه الخواطر، فيقتضى الأمر أن يكون هؤلاء من أصحاب البيعة الثانية (١) التى وقعت بعد الولادة النبوية باثنين وخمسين سنة، لأن البيعة المذكورة قد تمت فى موقع مسجد العشرة، وكان عدد المبايعين عشرة أشخاص