← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وفى يمين الوالجين داخل البيت الحرام توجد حفرة للخزانة، إن هذه الحفرة التى نسيت من قبل التاريخ هى الحفرة التى حفرت لوضع الهدايا التى ترد من قبل الناس لإبراهيم ﵇ وعلى الستائر المعلقة على الجدران كلمات طيبة وأدعية مأثورة منسوجة بالحرير، ولباب الكعبة فى الداخل ستارة فى طول قامتين ونصف للإنسان وقد شغل عليها بعض الرسوم بالخيوط الذهبية، وسواء أكانت هذه الستارة أو الستارة الخارجية تغيران كل سنة ويقسم قديمهما بين خدمة بيت الله وكمر الستارة وستارة الباب من نصيب السيد الشيبى فى هذا التقسيم. إن لبيت الله خدم زنوج عددهم واحد وخمسون، ويطلق عليهم بين الناس اسم الأغوات المخصيون. ولا يجوز أن يزيد عددهم على الأربعين أو ينقص، وإذا ما حدث وزاد فهناك كثيرون يلازمون البيت ليقبلوا ضمن الأغوات (١) حتى بلغ عددهم الآن إلى واحد وخمسين نفرا. الأوقات التى يفتح فيها باب بيت الله يفتح باب بيت الله تسع مرات فى السنة على أن يكون الفتح لمدة ثلاث ساعات فى كل مرة، وذلك فى: يوم عاشوراء العاشر من شهر المحرم. والثانى عشر من ربيع الأول. والثالثة: الخامس عشر من رجب. والرابعة: السابع والعشرين منه. والخامسة: الخامس عشر من ذى القعدة. والسادسة: السابع والعشرين منه. والثامنة (٢): العاشر من ذى الحجة. وقد جرت العادة أن يفتح فى المرة التاسعة

стр. 807

بعد أداء صلاة العيد، وفى المرات السابق ذكرها بعد شروق الشمس، والجميع يحترمون هذا النظام وهذه المواعيد. ويدخل الحجاج داخل بيت الله لزيارته عندما يفتح باب كعبة الله ولما كانت هذه الزيارة للخير المحض للجميع قد خص يوم من هذه الأيام لدخول الحجاج، ويوم آخر لزيارة نساء الحجاج، ومن العادات القديمة المستحسنة أن تلبس الكعبة كسوتها فى السابع من ذى الحجة وفى ليلة الخامس عشر من رجب وليلة اليوم السابع والعشرين يدعو حامل مفتاح بيت الله السيد (الشيبى) فى داخل بيت الله لأجل السلطان، وفى ختام الدعاء يلبس الخلعة المهداة من السلطان، وفى الأيام التى يفتح فيها باب بيت الله يؤتى بالسلم المتحرك الخاص بباب كعبة الله وبعده يتوجه كل دليل مع الحجاج التابعين له إلى الكعبة ليدخلوا فى بيت الله، وهنا يزدحمون ويحاول الحجاج أن يدخلوا كلهم مرة واحدة فيجرح كثيرون. ***

стр. 808

سلم بيت الله لا يعرف من الذى وضع سلم باب بيت الله لأول مرة. إلا أن الملك المؤيد المصرى قد أرسل فى سنة (٨١٧ هـ) سلما مزينا ومنذ ذلك العهد أخذ يجدد من قبل النواب الهنود، والآن لباب بيت الله سلّمان، أهدى أحدهما فى سنة (١٢٤٠ هـ) من حاكم مدراس منور خان وأهدى الآخر فى سنة (١٢٩٧ هـ) من حاكم (رامبور) كلب على (١) خان وقد وضع الجديد منهما فوق عجلتين متحركتين، وقد صنعت بعض أجزاءه من الحديد، وقد غطيت كل جهاته من مراقيه وارتفاعها والدرابزين وكل ما يرى فى خارجه وكل أماكنه بفضة، وطليت بماء الذهب ستة من الأصص التى وضعت فى مواضع ستة من السلم، والخشبة الموضوعة فوق الدرابزينين الجانبيين، والفراغات الموجودة تحت كل درجة، والفراغ الموجود تحت الدرجة الأخيرة للسلم، وأطراف فراغات السلم كافة، وعامة كل السلم كما يرى فى الصورة الخاصة به، وبما أن ذلك السلم المزين زادت زخرفته عن كل حد قرر العلماء بالاتفاق أن يستعمل ذلك السلم فى طلوع النساء ونزولهن، وكلما أريد أريد أن يفتح باب الكعبة لزيارة النساء يجلب ذلك السلم أمام باب كعبة الله، إن سمك الألواح الفضية لذلك السلم قدر مليمتر (٢) واحد وعيار فضته من نفس عيار الروبية الهندية. قد حك فوق السلم القديم جملة (عبده منور) وإن بدا بزينة مصنوعة فى غاية الجمال وقد صبت من النحاس الأصفر وزخرفت بالذهب وقد صنعت أطرافها من خشب الأبنوس وبمهارة فوق تخمين البشر.

стр. 809

والأقسام التى صبت من خليط النحاس لما زيد فيها النحاس فالزخرفة التى عليها تلمع كأنها قد زخرفت اليوم، ولما كانت مراقى السلم مصنوعة من خشب شجرة الطرفاء فهى متينة جدا، الأخشاب التى فى خارج السلم صنعت كالأطراف من خشب الأبنوس فى شكل مزخرف، ووضع فوق ثلاث عجلات. وكان الرسول الذى أوصل السلم الذى أهداه كلب على خان طلب أن يهدى إليهم السلم الذى أهداه (منور خان) للتبرك به ولما عرض الأمر على سلطات الخلافة للاستئذان صدر الأمر السلطانى بأن يحفظ السلمان لاستخدامهما بالتناوب وخصص السلم الذى أهداه (منور خان) لاستخدام الرجال والسلم الذى أهداه (كلب على خان) لاستخدام النساء كما سبق ذكره أعلاه وعلى هذا عندما يفتح باب الكعبة للرجال يستخدم السلم الذى أهداه منور خان وعندما يفتح باب الكعبة للنساء يستخدم السلم الذى أهداه كلب على خان. نصيحة لا يمكن لإنسان ألا يتمنى الدخول فى داخل البيت الحرام، ولكن يجب أن يراعى الأمور الآتية، وكل من لا يراعى هذه الحقيقة ويدخل فى الكعبة على عماه يكون قد ارتكب حراما ورضى أن يصاب بالإعاقة ونقل صاحب (شفاء الغرام) وأن النبى ﷺ قد دخل بعد الهجرة أربع مرات فى البيت الحرام، وصلى فيه فى أحد تلك الأيام الأربعة، وهذا اليوم هو الفتح واليوم الثانى للفتح، والثالث فى حجة الوداع والرابع فى عمرة القضاء، وكان فى ذلك الوقت لبيت الله ستة أعمدة، وكان مع الرسول ﷺ حينما دخل فى الكعبة حضرة بلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة، وبناءا على ما يروى هؤلاء أن النبى ﷺ صلى داخل الكعبة جاعلا عمودان فى جهته اليمنى، وعمودان فى جهته اليسرى، وثلاثة من الأعمدة خلفه، وكان الناس فى القديم يدخلون داخل الكعبة بالأحذية، ولما خلع وليد بن المغيرة حذاءه عند دخوله الكعبة أخذ الناس يخلعون أحذيتهم وبعد ذلك لم يدخل الكعبة أحد بحذائه «محاضرة الأوائل».

стр. 810

ول وجهك شطر الحرم العظيم هذا ... وأقم فيه فى سود الثياب إن صحن الحرم هو روضة الخلد المقيم ... فاقعد فى صحنه المربع إن وجهه هو قبلة أهل الحسن من العرب ... وسجدة ملاح العجم نحوه وبما أن الريح تعلقت بحضنه ... نثرت الغالية فى جيب الدنيا ولما رفعت الريح طرف كسوته السوداء ... اكتحلت عين الروح من حجره «فتوح الحرمين» مسألة: (١) إذا ما أمكن الدخول فى بيت الله حين يخلو المكان من الازدحام بدون مشقة ويمكن الصلاة فيه بسكينة وهدوء فالصلاة فيه حلال، ولكن الدخول فيه عندما يزدحم المكان ويضيق فحرام، وبما أن ستة أذرع من ناحية حجر إسماعيل يعد من داخل البيت الحرام فأولى بالإنسان أن يدعو فى هذا المكان. قال الزاهدى وجلبى فى شرح القدورى والإمام مالك والإمام الشافعى فى بعض أقوالهم: لا يجوز أداء الفرائض فى داخل كعبة الله، وأعلن بعض الأئمة عدم جواز التنفل أيضا. مع أن النبى ﷺ قد أدى فيه الصلاة أربع مرات.

стр. 811

والواجب فى هذه المسألة أن يستقبل الإنسان بعض جهات البيت الأعظم لذا أجاز أئمة المذهب الحنفى أداء الفرائض أو النوافل، وبناءا على هذا يجوز أن يصلى فوق كعبة الله أيضا، إلا أنه مكروه لأنه إخلال بتعظيم البيت، حتى إن فوق الكعبة المكان السادس من الأماكن التى كره فيها النبى ﷺ ، الصلاة كما جاء فى هذه الأبيات. نهى الرسول أحمد خير البشر ... عن الصلاة فى بقاع تعتبر معاطن الجمال (١) ثم المقبرة (٢) ... مزبلة (٣) طريقهم (٤) ومجزره (٥) وفوق بيت الله (٦) والحمام (٧) ... والحمد لله على التمام الأثر الثامن: قرب بئر زمزم هذا المكان بين مبانى بئر زمزم وشبكة مقام إبراهيم، ويمكن للإنسان أن يجد فيه مكانا يدعو فيه متى شاء. إن عمق بئر زمزم ١٣٤ قدم و ٣ بوصات، وقطر فتحتها العليا ثمانية أقدام وبوصتان ويبعد من الجدار الذى على فتحته ناحية جدار الكعبة المعظمة ٤٧ قدم و ٩ بوصات، ومقام إبراهيم ٢١ قدم و ٩ بوصات. وقد أعطى النبى ﷺ شرف سقاية زمزم إلى عمه عباس بن عبد المطلب، وكانت السقاية تنتقل إلى أبناء وأحفاد بنى عباس، ولما فضل بنو عباس عدم الإقامة فى مكة كانوا يقومون بهذه الخدمة بتوكيل أحد مشايخ بنى الزبير، وحينما انتقلت الخلافة إلى بنى العباس أديت خدمة السقاية فترة طويلة بالوكالة،

стр. 812

وذهب فيما بعد أحد مشايخ بنى الزبير ورجا أن تجعل خدمة السقاية فيهم بالأصالة، ولما حصل على الإذن بذلك أصبحت السلالة التى تنتهى إلى عبد الله بن الزبير تقوم بخدمة السقاية الكريمة. وقد أديرت خدمة السقاية عدة عصور كما شرحنا من قبل إلا أنه مع كثرة الحجاج وزيادة السكان أصبح حصر هذه الخدمة كما كان فى عهد بنى عباس، أو فى عهد شيخ زمزم من أبناء وأولاد الزبير بن العوام، فى شخص واحد غير ممكن لإرواء الحجاج والأهالى، ولذلك اتخذ من قبل شيخ السقاية فى كل ركن من أركان الحرم الشريف سقاء لإرواء الموجودين، ولكن بعد عصر من الزمن رئى أن هذا النظام أيضا لا يكفى لإرواء آلاف الحجاج والأهالى، فزيد من عدد السقائين. حتى لا يتعرض الحجاج المسلمون لبلوى العطش، وحتى يجد بعض الفقراء وسيلة لكسب مصادر الرزق، فقد عين لحجاج كل ولاية من الولايات الإسلامية سقاء، وجعل هؤلاء السقاءون تحت رياسة الشخص الذى تعهد بالقيام بمهمة السقاية من المشايخ الزبيرية، والآن كل بلد إسلامى له سقاء معروف، وكل واحد من هؤلاء مكلف بحسن معاملة الحجاج الذين يتبعون له. كما أن حجاج ذلك البلد يلجأون إلى السقاء الذى عيّن لهم فى أمور السقاية، وهكذا استراح الحجاج من مشكلة السقاية، كما أن كثيرا من أهل مكة وجدوا مصادر رزق فعاشوا فى رفاهية. ولكل سقاء الآن فى كل سنة خمسة أو عشرة وأحيانا عشرون وثلاثون أو أكثر من الحجاج، يأتون إلى مكة ويذهبون. ولما كان كل سقاء يقوم بإقامة وليمة حسب حاله مرة لحجاجه الجدد لأجل ذلك يطيب الحجاج خواطر السقائين بإعطائهم بعض النقود عند وصولهم إلى مكة، وعند حلول عيد الأضحى، كما أن كل حاج يحاول أن يرضى سقاءه عند عودته إلى بلاده، كما أنهم يساهمون فى تسهيل معيشة أسرة السقاء بإعطائه بعض النقود كل أسبوع.

стр. 813

ويؤوى السقاءون حجاجهم فى وكالات جيدة ويحرصون على خدمة مرضاهم، ويأخذون سجاجيد صلواتهم ويفرشونها فى الأماكن التى يود الحجاج أداء صلواتهم الخمس فيها، قبل حلول وقتها. ويجد كل حاج قبل صلاته سجادته التى فرشت له، وبهذا يؤدى صلواته الخمس فى هدوء وراحة، ولذا يجب على الحاج أن يقابل خدمات سقائه بإعطائه بعض النقود، كما سبق أن ذكرناه، كما أن على السقائين أن يراعوا حجاجهم ويحسنوا معاملتهم ويعدون العدد الكافى من الناس حتى يقوموا بمهمتهم على أحسن حال. فهم علاوة على فرش سجاجيد الصلاة فى الأماكن التى تعود الحاج أداء صلاته فيها حين حلول وقت الصلاة، يقدمون لحجاجهم عقب أداء فرائض الصلاة طاسا من ماء زمزم البارد، كما أنهم يحضرون الماء لحجرات الحجاج كل صباح من ماء زمزم. إن شرب زمزم فى داخل الحرم الشريف ليس حكرا على المواقع التى يوجد بها السقاءون، لأن هناك فى شرق المسجد الحرام وغربه سبل يستطيع الحجاج العطشى أن يزيلوا ظمأهم بالشرب من هذه السبل، وإذا أرادوا أن يشربوا يستطيعوا أيضا بالشرب من الدلاء التى فى داخل مبانى بئر زمزم. وبما أن ما يعطيه الحجاج لسقائيهم من النقود لا تقابل ما يدفعه السقاءون سواء أكان لضيافة الحجاج أو للخدمة الذين يستخدمونهم إلا أن الحجاج الذين أسقطوا عن كواهلهم فريضة الحجاج يرسلون فى كل سنة من بلادهم رسالة ومعها جرة معينة يستطيع السقاءون أن يتعيشوا بها فى غير مواسم الحج. ويخجل السقاءون حجاجهم بأن يقدموا لهم فى الأيام الحارة مياه زمزم مبردة والسبب فى تبريد المياه هم الحجاج الذين تعودوا أن يرسلوا الرسائل للسقائين. لأن الحجاج يكتبون أسماءهم أو أسماء أصدقائهم وهم فى مكة على أوانى

стр. 814

الماء التى يطلق عليها الزورق بحبر لا يمحى ويتركونها لسقائيهم. وعندما تصل الرسائل التى اعتاد إرسالها أصحاب الزوارق يملئون هذه الزوارق بماء زمزم ويصفونها على الساحة الرملية فى الحرم الشريف، ويغطونها بالحصر فيبرد الماء فى داخلها غاية البرودة وعندما تحل أوقات الصلاة يوزعون الزوارق على الحجاج الكرام. إن خدمة السقاية المباركة تدار الآن بالطريقة التى ذكرت، يعنى يملئون زوارقهم بماء زمزم، ويأخذون بعضها إلى غرف الحجاج كما يبردون كثيرا من الزوارق فى الحرم لسقى الحجاج، ولما كانت سقاية الحجاج إلى الآن فى أيدى المشايخ الزبيريين فأبنية بئر زمزم وأبوابها تفتح من قبل واحد منهم كما أن أحدهم يطلق عليه اسم شيخ زمزم ورئيسه. ولما كان الإشراف على المؤذنين ورئاستهم فى يد المؤذن الشافعى فشيخ زمزم هو الذى يتولى هذا الأمر، ولما كان أول من يبدأ بأداء صلوات الفجر أئمة المذهب الشافعى فشيخ بئر زمزم يغلق باب بئر زمزم كل ليلة، ويفتحه كل صباح فى الوقت الذى اعتاد فتحه، وبهذا يعلن لسقاة الحرم الشريف أن الوقت قد حان للحصول على ماء زمزم، والشيخ الذى يتولى مهمة السقاية يأخذ من بئر زمزم عدة أوان من الماء قبل أن يفتحه للآخرين لشربه، أو لتقديمه لأصحابه، ولما كان هذا الماء زبدة ماء زمزم فطعمه لذيذ جدا ولونه لامع وصاف ولا يشبه ماء زمزم الذى يأخذه السقاة، وليكن فى علم الشاربين أن ماء زمزم كفاية عن خلاصة قطرة واحدة لماء عين تسنيم، وماء الكوثر، ماء الحياة الذى هو زبدة خالصة ومن هنا يستحق أن يطلق عليه الزبدة. ولما كان الشراب من زبدة ماء زمزم يفيد فى تصفية الدم ولإدامة صحة الإنسان عامة فمن يريد أن يشرب من هذا الماء يجب عليه أن يحل عند شيخ زمزم. شيخ زمزم فى عصرنا هذا هو الشيخ عبد الله (١) بن على بن محمد بن عبد

стр. 815

السلام من نسل سيدنا عبد الله بن الزبير (رضى الله عنهم) وقد تعهدوا بأداء هذه الخدمة المشكورة سنة ١٢٨٢ هـ. إننى - المؤلف - قد تلاقيت مع عبد الله أفندى وحضرت مجالسه ونلت شرف شرب زبدة ماء زمزم كل صباح فى صحبته ودلالته. كان المرحوم السيد عبد الله من الأشخاص الذين يتمعتون بخصال حميدة وفضائل جليلة وكان من أذكياء علماء مكة، شخص خزانة علم، فريد فى الحلم والحكمة، ملكى الصفات، والسعداء الذين يتشرفون بصحبته يتمنون ألا يفارقون صحبته دقيقة واحدة. تطهير بئر زمزم الشريف نضبت مياه بئر زمزم فى عهد العباسيين وكادت أن تنقطع وبعد ما عمقها بناء يقال له محمد بن ضحاك قدر ستة أذرع لم ينقص ماؤها أبدا. وكان أهل مكة يعتقدون أن مياه بئر زمزم يفور فى الليالى المباركة ويفيض، وأن مياه الكوثر تختلط بمياه زمزم فى تلك الليالى، وبناء على ذلك كانوا يهجمون على بئر زمزم ويقتحمونها بقوة حتى يخاف أن يصاب بعضهم بعاهات فى تلك الليالى، وهم يبذلون الجهد لأخذ مياه زمزم ولكن تحقيقاتنا لم تثبت ما يدعونه. وقد حصلنا على روايتين بخصوص فيضان بئر زمزم. الرواية الأولى: اختلاط بعض المياه الجارية بماء زمزم ولما كان باب بئر زمزم يغلق فى الليالى المباركة من العصر إلى المساء؛ لذا كان يزيد الماء الموجود فى البئر قدر شبر. والرواية الثانية: عندما انسدت البئر المذكورة توارد إلى مكة كثير من الروحانيين، وفى تلك الليلة تغير طعم ماء زمزم وردوا ذلك إلى سبب سؤر الروحانين فى البئر. والحكاية الآتية كافية لتصديق هذه الرواية وتأكيدها.

стр. 816

القصة: استيقظ أحد الفضلاء من المشايخ الزبيريين وقام من نومه ظنا أن وقت الترحيم قد حان، واتجه إلى الحرم الشريف، وبعد الطواف بالبيت صعد إلى المكان الخاص برؤساء مؤذنى الشافعية، وفوجئ بأن أبواب بئر زمزم قد فتحت، وأشعلت القناديل ودخل كثير من الناس فى أبنية بئر زمزم، وتعجب من الأمر، لأن من الأصول المتبعة أن يكون مفتاح بئر زمزم معه، ولكنه قال لنفسه: لا بد وأننى استيقظت متأخرا وهؤلاء بعثوا إلى بيتى وأخذوا المفتاح. وبناء على هذه الملاحظة لم يقم من مكانه يتحقق من الأمر، ومن شدة حيرته وتعجبه لم يخطر على باله أن ينظر إلى الساعة، وبعد فترة أدرك أن المؤذنين لم يصلوا بعد، فظل جالسا فى هذا المقام قائلا: ما هذه الحال؟! وبينما هو يفكر فى هذا الأمر غلبه النوم وراح فى سبات، واستيقظ بعد فترة فإذا بالقناديل مطفئة وأبواب مبنى بئر زمزم مغلقة، فبادر بالقيام وأخرج ساعته من جيبه فرأى أن وقت الترحيم لم يحل بعد؛ فتوهم من هذا الأمر وخاف، وأخذ يتلو القرآن، وبعد ما وصل والده بفترة قص عليه الحكاية بكل تفصيلها، فقال له والده - يا بنى إن ما تشربونه صباحا من بئر زمزم من ماء حلو قائلين إنه زبدة ما هو إلا سؤر أولياء الله الروحانيين، ولا يشبه ماء زمزم الذى يأخذه السقاة: إذ يأتى أولياء الله الصالحون بعدما ينسحب الزوار فى الليل، وبعدما يطوفون بالبيت الحرام يدخلون فى مبنى بئر زمزم، ويشربون ماء زمزم حتى الصباح، ولا يمنعهم لا الباب ولا المدخنة، وبهذا الرد اطلع على هذا السر شديد الخفاء. انتهى. وفى الواقع أن الماء الذى قلنا عنه الزبدة من ماء زمزم لا يشبه ماء زمزم الذى يؤخذ منها سواء فى الطعم أو اللون، إن طعم الزبدة فى غاية اللذة ولونها فى غاية الشفافية يفوق عن التصوير والتعريف. وقال بعض المدققين إن لماء زمزم الصافى خاصية زيت الزيتون، وبما أن ماء زمزم غير قابل للامتزاج بالمياه الجارية الأخرى فعندما يغلق باب أبنية بئر زمزم فماء زمزم يطفح فوق الماء، كما يطفح

стр. 817

زيت الزيتون؛ لذلك يختلف طعم ماء زمزم الذى يؤخذ صباحا. إن هذا التوجيه الوجيه غير قابل للاعتراض؛ لأنها خاصية ينفرد بها ماء زمزم عن المياه الأخرى مهما كانت لطيفة خفيفة لا يمكن منعها من الامتزاج. فإذا ما أضيف قدح ماء مر إلى قدحين أو ثلاثة أقداح ماء حلو فيفسد طعم الماء الحلو، ومهما ترك من الوقت فالماء الحلو لا يطفح فوق الماء ويسترد لذته الأولى. إن بئر زمزم الشريف يقع فى مواجهة باب كعبة الله المعظمة، وفى داخل مبانى حجرته (١) ولمبانيها ثلاث نوافذ مقابل باب كعبة الله. وينظر باب إلى الجهة الشرقية وفوقها خاص بمؤذنى الشافعية. ولا سيما شيخ زمزم أى الخاص برؤساء مؤذنى الشافعية. ومن هنا ينبه لأداء أذان صلوات الأوقات الخمسة. لم يكن فى الأزمنة الأولى سور لفتحة بئر زمزم، وكان يحيط بها سور منخفض. وحدث فى عهد أبى جعفر المنصور من خلفاء بغداد أن سقط أحد الناس قضاء فى داخله، وحتى يمنع وقوع مثل هذه الحوادث قرر أن يبنى على فتحتها سورا بناء على الأمر الوارد من الخليفة. وبعد البحث والتحرى وجدوا حجرا فى ارتفاع ٦ أقدام و ٣ بوصات واستدارة قطره ٢٥ قدم فثقبوا وسطه ووضعوه فى فتحة البئر. ثم أحاطوه دائرا ما دار بشبكة حديدية، ومع ذلك بعض العشاق وأصحاب الشوق كانوا يرمون أنفسهم فى البئر ويغرقون، ولما أطلع السلطان أحمد خان الأول على هذا الأمر أراد أن يحول دون أن يقتل الناس أنفسهم، فأمر بصنع شبكة حديدية فى إستانبول وأرسلها إلى مكة المكرمة فى سنة (١٠٢٤ هـ) فأنزلت تلك الشبكة إلى البئر وربطت بسلاسل حديدية تحت الماء بعدة أذرع. ولله الحمد لم تقع بعد ذلك حوادث محزنة مثل ما حدث.

стр. 818

إن مبانى البئر الشريف الموجودة فى يومنا هذا من آثار السلطان عبد الحميد خان الأول كما هو موضح فى التاريخ الذى فوق الباب. وعمق بئر زمزم المكرم ٩٩ قدما و ٣ بوصات كما ذكر آنفا، وماؤه فى كل آن وزمان (٤٥ قدما)، إذا ما نظرنا إلى أقوال المسنين من السقاة الذين يوثق بهم أنه إذا ما سحب الماء من بئر زمزم ليلا ونهارا ولفترة طويلة من الصعب أن ينزح ماؤه. مساحة بيت الله الأكرم قال المرحوم السيد غبارى لأحد أحبائه وهو مؤلف كتاب مساحة بيت الله الأكرم: «سقط شخص فى بئر زمزم فى عهد السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم، وأرادوا أن يطهروا البئر وفقا للشريعة بأن ينزحوا كل مياه البئر، وسحبوا المياه وبثمانية دلاء فى خمسة أو عشرة أيام على الدوام، ومع ذلك لم يستطيعوا أن ينقصوا المياه ولو بقدر إصبعين، وكان فى البئر ذلك الوقت ما يقرب من تسعة أذرع فلم يزد هذا الماء ولم ينقص، وقد تعجبت من هذه الحالة وقلت لنفسى ما الحكمة فى عدم نقص المياه فى البئر مع سحبها ليلا ونهارا؟ وأخذت أسأل عن سبب ذلك ممن أتوسم فيهم الصدق وأثق فيهم دون كلل، وفى أحد الأيام قابلت البناء محمود الذى تجاوز المائة من عمره والذى يتوسم فيه قول الصدق. فسألته وبجانبه بضعة أشخاص متقدمين فى السن موضحا له زيادة فضولى بهذا الخصوص، وقد تلقيت منه هذا الجواب: جواب غبارى أفندى كما تلقاه من البناء محمود: قال غبارى أفندى: «لم ينزل المطر الذى يسبب سيولا فترة تقرب من إحدى عشرة سنة فى عهد السلطان قايتباى المصرى، وجفت مياه جميع آبار مكة المكرمة، وأخذ الناس يأتون من بعيد وقريب مضطرين للحصول على المياه من بئر زمزم، وإننى كنت فى ذلك الوقت شابا، ولما كنت متضخم الجسم كنت صبى البناء، وحدث أن سقط أحد فى البئر كما حدث الآن. ونقصت المياه بمقدار أربعة

стр. 819

أمتار، وقرر الأشراف أن يخرجوا الشخص الذى سقط وأن ينظفوا البئر فى نفس الوقت، وبناء على رأى معلمى أحمد البناء قد ركبنا فى بكرات البئر ثمانية دلاء كبيرة، وأخذنا ننزح البئر وكنت أعمل بجانب معلمى أحمد، وبعد فترة استطعنا أن ننقص قليلا من مياه البئر، فنزلت مع أستاذى فى قاع البئر لتنظيفه وتطهيره، وإذا بعيون ماء ثلاث فوق خزانة ماء البئر، اثنتان تحاذيان البيت الأعظم، والأخرى تحاذى جبل أبى قبيس، وكانت المياه التى يقال إنها تمتزج بماء زمزم تأتى من هذه العيون. ويؤيد قول محمود البناء ما قاله عبد الله بن المبارك: إن عين الماء التى تجرى من ناحية ركن الحجر الأسود عين ماء، كما يؤيد قول ابن شعبان: إن الماء الذى ينصب فى بئر زمزم من ناحية الحجر الأسود عين من عيون الجنة. قد انخفض ماء البئر عن العيون التى سبق ذكرها ولذلك كان مزيتا قليلا، فسددنا تلك العيون سدا محكما، ونزحنا الباقى من المياه ثم ملأنا الدلاء بالطين المتراكم، وطهرنا خزانة الماء وظهر فى الطين الذى أخرج كأسان من البلور، وواحدة من الزنك وثلاثة من النحاس، وأربعة أعداد من الصحون الصينية، وعددان من عقد مرصع، وكان غير ذلك كثيرا من قطع خشب الأبنوس والخردوات المتنوعة. وبعد أن نظفنا البئر من الطين حتى أصبح البئر خاليا من قطرة ماء بعد أن طهرناها ونظفناها أدى كل واحد منا فى سطح قاع البئر ركعتين، وفتحنا العيون التى سددناها وخرجنا إلى ظاهر البئر، وبعدما خرجنا من البئر أخذت المياه تتدفق من العيون التى ذكرناها فى غاية القوة حتى ملأت البئر فى نفس اليوم، وتعدت المياه ما كانت عليه من قبل قدر شبر واحد». «انتهى». وقد صدق الشيوخ الذين كانوا مع محمود على قوله قائلين: «نعم كل هذه الأقوال صحيحة، ونحن أيضا كنا حاضرين فى ذلك الوقت». إن هذه الحكاية تؤيد تماما القول الذى يقول إن مياه أخرى تمتزج بماء زمزم.

стр. 820

وقد عرف البناء محمود شكل داخل البئر وقال إن مقدار ٦٦ قدم و ٨ بوصات من البئر، قد طلى بما يقال له لوكون (١) ومقدار ١٠ أقدام و ٨ بوصات قد بنى بحجارة منحوتة، وقال عن خزانة الماء: إنها حفرة ذات تراب ممتزج بالزيت، إن التراب الممزوج بالزيت يشبه كلسه (نوع من الصلصال الذى تستخدمه النساء فى الحمامات). والعيون الثلاث تنبع من هذا الطين وأن هذه العيون فى خارج خزانة الماء قليلا. انتهى. وفى خلف أبنية بئر زمزم الجسيمة قبة الفراشين، وخلفها قبة العباس وهما قبتان فى غاية الجمال، ويحفظ فى قبة الفراشين قناديل البيت وفى عصر النبى ﷺ ، كان الماء يوزع على الحجاج الكرام. وقبة الفراشين مخزن متصل بأبنية دار التوقيت والمكتبة من ناحية باب الصفة، وكان أغوات البيت الأعظم يحفظون فيها الشمعدانات والمباخر الخاصة بالكعبة المعظمة والشموع وأشياء أخرى مباركة. وحينما هدموا مبانى المكتبة ودار التوقيت؛ هدموا هذا المخزن وسووا مكانه وضموه إلى البيت الحرام، وهذا المكان ساحة خالية تؤدى فيها الحاجات المسلمات صلواتهن. والأشياء التى كانت تحفظ فى ذلك المخزن توضع الآن فى قبة العباس المتصلة بأبنية بئر زمزم. ولما كان سقف قبة العباس عاليا، فحينما هدمت قبة الفراشين فى سنة ١٢٩٩ هـ رأى القائم مقام صادق بك من مهندسى أركان الحرب أن يضيف لقبة العباس ما يشبه طابقا، ووضع تحت الأشياء المبروكة الخاصة بالبيت الأعظم فى هذا المكان. فوق بئر زمزم: مكان مقبب يطلق عليه مظلة مؤذنى الشافعية، هذا المكان محفل مؤذنى

стр. 821

الشافعية، وفى الأول كان له سقف بدون قبة، ولما سقطت أبنية ذلك المكان مع سقفها؛ جدده الملك المؤيد المصرى بشكل جميل. وبينما كان السلطان مراد الثالث يجدد المسجد الحرام فى سنة (٩٨٥ هـ)، جدد تلك المظلة أيضا وبنى عليها قبة جميلة. وبما أنها لم تعمر ولم يعتن بها فترة طويلة مالت فجأة إلى الانهيار بعد أن أصابها الوهن، ولأجل ذلك قد عمر وشيد تلك القبة مدير الحرم الشريف سنة ١٢٩٦، كما أنه أصلح وعمر خارج المبنى وداخله وزينه. وكان المؤذنون إلى قرب عهد هارون الرشيد، كانوا يؤذنون تحت الشمس صيفا وشتاء. وقد عين المشار إليه عبد الله بن محمد بن عمر واليا على مكة فبنى أيضا مظلة صغيرة وهكذا حفظ المؤذنين من حرارة الشمس. الأثر التاسع: ما خلف مقام إبراهيم إن هذا المكان خلف مبانى مقام إبراهيم المقدس وبين بئر زمزم والمقام الشريف المذكور، والمكان الذى يجب أن يدعو فيه الإنسان فوق الحجر الرخامى الذى يقابل مفتاح الباب الذى يدخل منه إلى ذلك المقام. إن ذلك المكان هو الذى صلى فيه الرسول ﷺ ، ودعا ربه. يجاور هذا المحل اللطيف للجهة اليسرى لمنبر الحرم الشريف، وإن كان أداء الصلاة فيه والدعاء صعبا ولكن بقليل من الانتظار يمكن للإنسان أن يصل إلى أمله. واستجابة الدعاء فيه سريعا مشهورة لدى العلماء إذا ما دعا الداعى فى أوقات الفجر فى ذلك المكان اللطيف. ***

стр. 822

المنبر الشريف يقع المنبر فى الجانب الشمالى لأبنية مقام إبراهيم، وعلى بعد ثلاثة أذرع تقريبا، وهو مرتفع مصنوع من الرخام وفى غاية الزخرفة والجمال. ولم يكن هناك منبر فى ساحة المسجد الحرام إلى أن زاره حضرة معاوية آتيا من الشام، وقد صنع المشار إليه منبرا ذا ثلاث قوائم، وقرأ فوقه الخطبة. وفى سنة (٤٤ هـ) وقبله سواء أكان الخلفاء الكرام أو الولاة العظام يلقون خطبهم وهم واقفون سواء أكانوا عند حجر إسماعيل أو عندما يتجهون إلى كعبة الله المفخمة. (محاضرة الأوائل). وقد أخرج المنبر الذى صنعه ابن أبى سفيان من الحرم عندما ورد المنبر الذى بعثه والى مصر فى عهد هارون الرشيد. وبدل المنبر الخشبى فى سنة (٧٦٦ هـ) حينما أرسل ملك مصر الملك الأشرف منبرا وفى سنة (٧٩٧ هـ) أرسل الملك برقوق المصرى منبرا، وسنة (٨١٨ هـ) أرسل الملك المؤيد منبرا آخر. وفى سنة (٨٨١ هـ) أرسل السلطان قايتباى (١) منبرا خشبيا أيضا، وهكذا كان يتغير موقع المنبر وشكله كلما جددت أبنية المسجد الحرام إلى أن جاء عصر السلطان سليمان - طاب ثراه - فأرسل من باب السعادة منبرا فى سنة (٩٥٦ هـ) ووضع حيث هو الآن. إن المنبر المذكور قد صنع من الرخام، وقد أظهر فى صنعه المهارة اليدوية إلى حد أنه إذا ما رآه من أظهر المعجزات فى نحت الرخام يظل حائرا مبهوتا أمام هذا المنبر. الأثر العاشر: الصفا اسم تل ملتصق بجبل أبى قبيس وسبب تسميته بهذا الاسم نزول (آدم صفى

стр. 823

الله فوق هذا التل عندما جاء إلى مكة أول مرة). ولم يبق الآن أثر للتل وقد أشير إلى محل الأثر بمبنى ذى طاق وكمر. لما كانت الصفا تثير حسد الفلك ووجهك نحو الحجر الأسود اصطفت عليها حشود من الملائكة وظهرك إلى الجبل ذى الكرم ومن يريد السعى يذهب أولا إلى هذا المكان ويصعد إلى مراقى المبنى المعروف بطاق الصفا ومن هناك يبدأ السعى. والمسافة بين طاق الصفا والكعبة المعظمة مائة وستون ذراعا، كما أن المسافة بين المروة والصفا سبعمائة وستون ذراعا، والشخص الذى يريد أن يدعو فى هذا المكان يصعد إلى درجة من طاق الصفا ثم يتوجه إلى الكعبة، ويستدبر الطاق ثم يشرع فى الدعاء، ويمكن للإنسان أن يدعو فى هذا المكان متى شاء إلا أن الوقت المفضل للدعاء فيه أوقات العصر. ***

стр. 824

الشكل الرابع والعشرون الأثر الحادى عشر: المروة إن المروة فى جهة مستشفى الغرباء، وهى جبل فى اتصال السوق الطويلة التى يطلق عليها السويقة أو الشامية، وسبب تسميتها بهذا الاسم نزول حواء ﵍ فوق هذا الجبل عندما جاءت إلى مكة المكرمة. والكلمة محرفة من كلمة مرأة. وسبب تسميتها بهذا الاسم عند مؤلف القاموس تكون هذا الجبل من حجارة قاسية متينة، صارمة ويطلق اسم مروة على مثل هذه الحجارة. بين المروتين: عندما يسعى الحجاج متحركين من الصفا يأتون إلى هذا المكان وهنا أيضا طاق عال عند أسفله بضع درجات، والداعى يصعد إلى أعلى درجة ويدعو متوجها إلى الصفا. نظم المروة التى بلغت الفلك الأزرق ... على حافة قمتها قدح منقلب إذا كان القمر يطلع مثلك من ... الجبل فإنه يحطم عظمة الفلك (فتوح الحرمين) ويمكن للإنسان أن يدعو فى هذا المكان وقتما شاء إلا أن الوقت المفضل هو وقت العصر، ومن هنا عرفنا أن الصفا والمروة جبلان صغيران من جبال مكة. رواية يروى أن المشركين فى زمن الجاهلية قد وضعوا فوق جبل الصفا صنما يسمى إساف وعلى المروة صنما آخر يسمى نائلة، وكانوا يطوفون حول هذين الجبلين،

стр. 825

وعد المسلمون هذه الفعلة فى يوم فتح مكة من عادات الجاهلية، ورفضوا القيام به معتبرين هذا العمل عارا عليهم، أى أنهم رفضوا أن يسعوا بين المروتين، وبناء على هذا نزل الأمر القرآنى ﴿فَلا جُناحَ﴾ (البقرة: ١٥٨) وأصبح السعى من مناسك الحج الواجبة. وكان العرب فى الجاهلية يصعدون فوق سفوح هذين الجبلين بعد انتهاء مناسك الحج، وكان الذين يجدون فى أنفسهم ما يفتخرون به يفتخرون بحسبهم ونسبهم، كما أن بعضهم كانوا يطلبون أمورا دنيوية. ولم تكن هناك مبان فوق هذين الجبلين إلى عهد أبى جعفر المنصور، وكان الحجاج الذين يريدون أن يسعوا يصعدون فوق قمتى الجبل وينزلون عند سعيهم، فبنى أبو جعفر فوق الصفا طاقا ذا اثنتى عشرة درجة، وفوق المروة طاقا آخر ذا خمس عشرة درجة حجرية، وبهذا أنقذ الحجاج من مشقة الطلوع والنزول فوق الجبلين. سقط طاق المروة فى سنة (٨٠٢ هـ) وانهار فجدد السلطان فرج بن برقوق المصرى طاق (١) المروة المذكور، وكذلك طاق الصفا وجعلهما فى شكل متناسق. إن الطاقات التى صنعت فى عهد أبى جعفر المنصور قد جددت، فى عهد فرج بن برقوق المصرى عدة مرات ورممت وعمرت، ولكنها احتاجت للتعمير والتجديد بفعل الزمان، لذلك عمر وزخرف مدير الحرم الشريف السيد أحمد هذين الطاقين، بعد الاستئذان بشكل جميل وذلك فى سنة (١٢٩٦ هـ). الميلان الأخضران: يوجد ما بين الجبلين ما يطلق عليه ما بين الميلين الأخضرين وهذا مكان مبارك طوله ٢٢ ذراعا معماريا. إن هذا المكان هو الذى رجعت فيه السيدة هاجر بسرعة لرؤية ابنها إسماعيل ﵇ وكان ذلك المكان إلى سنة

стр. 826

(٣٤٧) مخيفا جدا لتركه مظلما، ولم تكن هناك علامات تدل على المكان الذى يجب الجرى فيه. وفى السنة المذكورة أرسل الملك جاقمق من ملوك الشراكسة فى مصر إلى مكة رسولا يطلق عليه سودون المحمدى لتعمير بعض نواحى الحرم الشريف. ورأى سودون المحمدى أن ذلك المكان الذى يلزم الجرى به وهذا يعدّ من مناسك الحج مجهول من الناس، فوضع ميلين أخضرين علامة فى مسافة تمتد بينهما قدر مائة وعشرين ذراعا، ثم علق فوقهما قنديلين وعين شخصا لإيقادهما ليلا، وبهذا أضاء المسعى الشريف وأناره، كما أنه عين المكان الذى هرولت فيه هاجر: (١) ويطلق الآن على ما بين هاتين العلامتين أى ما بين الميلين الأخضرين. صورته فى الصفات قامة الخضر وضفة ماء الحياة أحد أطرافه المروة والطرف الآخر الصفا ليس ساعيه سوى أهل الوفاء أن الناس قاطبة فى هذا المقام وهم يحثون خطاهم فى المسعى لكثرة تلاحم أجنحة الملائكة فيه ليس فيه موضع لقدم الأثر الثانى عشر: المسعى إن هذا الطريق ما بين طرفى الصفا والمروة فهو طريق وسوق ذو مدخلين. ويقع فى الجهة اليمنى بالحرم الشريف بالنسبة للشخص الذى يتوجه من المروة إلى الصفا، وفى الجهة اليسرى بالنسبة للشخص الذى يتجه من الصفا إلى المروة، ولما كان المكان مزدحما جدا ولا يخلو من الناس فيستحسن أن يدعو الإنسان فى أثناء السير والحركة. ويجب أن نقدر هذا المكان وأن نعظمه غاية التعظيم. وأن نتذكر أن جميع

стр. 827

الأنبياء العظام والأولياء الكرام قد سعوا فى هذا المكان، يجب علينا أن ندعو قائلين: «إلهى بحرمة أقدام جميع الأنبياء العظام والأولياء الكرام الذين سعوا بهذا المكان». إنه وادى المسعى وترابه لرفعة منزلته فأصبح درا وكحلا لأهل السلف إن نقش قدمك على هذه الأرض هو روضة الفردوس يوم الدين بما أن قدمك فى طر يق ال صدق والصفاء على أثر قدم المصطفى ما كان من نبى ولا ولى إلا وطأت قدمه هذا المسعى رواية يروى أنه قد دفن فى المسعى سبعون نبيا ذوو شأن ولأجل هذا فالذى يسعى بين المروتين له أجر كمن أعتق سبعين عبدا، ولما كان ما بين الصفا والمروة باب من أبواب الجنة فهذا المكان أيضا من الأماكن المباركة التى يستجاب فيها الدعاء، ويجب ألا يشك فى هذا لأنه مؤيد بالأحاديث النبوية. استطراد: ذهبت أنا الفقير إلى منزل الرجل الورع الحليم الفاضل أحمد خانى أفندى لزيارته، وذلك بينما كانت أتعارف مع كرام الناس لجمع المعلومات عن مكة والكعبة، وقال فى أثناء حديثنا: «وإن كان أهل مكة الآن يبدون بالنسبة إلى سكان أهل مكة فى العصور السابقة، أناسا لا يستحقون رعايتهم واحترامهم، مع أنهم جيران بيت الله، يجب علينا أن نعد أقلهم شأنا أعظم الناس قدرا، وإننى لا أرى ضرورة لأن أذكر لكم أن من يحملون فى قلوبهم هذه النية الصادقة سينالون مطالبهم». يقال: بناء على رواية إنسان يوثق فى كلامه: «كان قديما فى مكة بين أهالى مكة شخص تافه حشاش فاضح للأسرار، لم يعرف رأسه للسجود طريقا، ذهب هذا الرجل فى يوم من الأيام إلى مقهى الحشاشين، وأعطى ما بيده من المخدرات إلى

стр. 828

صاحب القهوة، وطلب منه أن يعد له نارجيلة بما أعطاه، وبينما صاحب المقهى يعد له نارجيلة قال: إلهى إننى لم أسجد لك فى طول حياتى إذا ما قلت بأننى أبكى سيكذبنى أهل بلدتى لما يعرفون عنى»، وأخذ يندم ويأسف على أنه أمضى حياته عبثا، ثم صاح قائلا: «الله»، ثم لفظ أنفاسه الأخيرة. وقبل أن يشيع موت هذا الرجل ألهم أحد الصالحين بالآتى: «قد مات فى مكان فلان أحد الناس، فإذا ما جهزت جنازته بشكل حسن وحملت تابوته فإن الله يرضى عنك ويتقبل أعمالك». وبعد التحقيق عرف أن الذى مات هو ذلك الحشاش الذى يذمه الجميع ويتحاشاه، وقد مات فى مقهى الحشاشين كما بيناه آنفا، فظن الرجل أن ما ورد لقلبه من الإلهام قد يكون خطأ فتحير لذلك كثيرا. وعندما كشف أمره لبعض الذين يتوسم فيهم حسن الظن عرف أنهم ألهموا نفس ما ألهم به، وبناء على هذا لم يبق إلا أن يجهز جنازة الرجل ويغسلها ويكفنها على أحسن وجه وفق السنة بمساعدة أصحابه، ثم وصلوا على جنازته ودفنوها فى قبر هيئ فى مقبرة «المعلا». ولم ير كثرة المشيعين واختلاف أنواعهم فى أية جنازة من أعيان مكة كما حدث فى تشييع جنازة هذا الرجل. وبشر الذين حملوا التابوت فى طريقهم إلى المعلا بهاتف يقول: «قد غفر لكم». وبناء على هذه الرواية فمن الأفضل للإنسان أن يظن خيرا بأهل مكة من أن يظن شرا ناظرا لأحوالهم وتصرفاتهم الظاهرة. ولم يقع هذ الحادث فى عهدى إلا أننى لا أتردد فى تصديقه، وقبل هذا تعرضت مكة المكرمة لمرض وبائى مفزع، وسواء أكان الحجاج أو أهالى مكة كانوا يموتون فجأة وهم سائرون فى الطريق. ومن كثرة الجثث أصبح الذهاب إلى المسجد الحرام غير ممكن، وفى الأيام التى اشتد فيها المرض قد استولى على أنا الفقير خوف وخشية شديدين؛ لذا قررت أن أؤدى الصلوات الخمسة فى بيتى؛ ولكننى لم أستطع أن أضحى

стр. 829

بصلاة الجماعة، فذهب إلى الحرم الشريف لصلاة العصر، وبعد أداء الصلاة خرجت من باب الصفا كالعادة واستطعت بصعوبة أن أصل إلى مراقى طاق الصفا، وقد رقد الناس على طرفى الطريق ولم يبق فى طريق المسعى مكانا لقدم من كثرة جثث الموتى المسلمين. ولما رأيت كثرة الجثث وقد رقد زيد على عمرو فزعت بشدة، ولم أستطع أن أتقدم خطوة بعد طاق الصفا وظللت مستندا على مراقى الصفا وكأننى جماد بلا روح. وبعد فترة صفع آذانى هاتف يقول: ألا تستحيى؟! ألا تؤمن بما جاء فى الآية الكريمة: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٤) وإنك عالم بقدر ما، قد قرأت عدة كتب تفسير، وطالعت كتب الأحاديث إن شجرة الإيمان قد مدت جذورها فى روضة قلبك، وإذا ما تخلصت من وهم الخوف الذى استولى عليك وداومت على قراءة سورة ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ (قريش: ١) فلا تحترز من شئ، وإذا ما قلت هذ السر لأى واحد تنقذه مما تلقيه الأوهام عليه. واه! إن هذا لعيب وإثم كبير أيضا! وكأننى كنت ميتا قبل أن أسمع هذا الصوت، وكأن الصوت قد نفخ فى روحا ووهب لجسمى المنتفض الحياة. فلم يبق أى أثر لهذه الأفكار التى أصبت بها فنظرت حولى، فوجدت أن ليس هناك نفر يتنفس، فوقعت مرة أخرى فى براثن الأوهام فسبحت فى أمواج بحر الاضطراب. وفى النهاية فهمت أن الصوت من التلقينات الإلهامية، وأخذت فى قراءة السورة المباركة التى سبق ذكرها، وأخذت الصور العجيبة والأشكال المخيفة التى ألقتها الأوهام فى نفسى تزول تدريجيا، ولما وجدت فى جسمى قوة كافية للتحرك، قمت واتجهت إلى بيتى وأنا أقرأ سورة (لِإِيلافِ) ولما وصلت إلى بيتى نبهت الجميع بلزوم قراءة السورة المذكورة والاستمرار فيها. ولما رأيت أن أوهام الخوف قد زالت عن أهلى أيضا أصبحت أوصى كل من أصادفه بقراءة سورة (لِإِيلافِ). ولم يبق فى جميع الذين استمروا فى قراءة هذه السورة آثار

стр. 830

لأوهام الخوف، ومنذ ذلك الوقت أصبحت أذهب عقب كل صلاة إلى جبل الصفا وأمكث فى هذا المكان المبارك الميمون فترة. نعم: إن المسعى مكان غاية فى اللطف والسعد، وقد دفن فى هذا الطريق أنبياء كثيرون وليس هناك نبى لم يسع بين المروتين، ويجب على الذى يسعى فى هذا المكان أو يمر به أن يتذكر الأنبياء الكرام ويدعو. ويجب الاستمرار فى قراءة سورة ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ليس فقط فى مكة المكرمة، ولكن فى جميع البلاد وكل الأماكن. فالذين يعتقدون بأن هذه السورة تدفع عن الإنسان الفزع والوهم والخوف لا تعتريهم أوهام الخوف». انتهى. وتصيب الإنسان حيرة وهو يرى على جانبى طريق المسعى المحال والدكاكين، ووسط هذه المحال مكان للعبادة، ويدور فى خاطره استحسان رفع هذه السوق من هناك، وإذا ما لاحظنا أن هذه السوق كانت موجودة فى أيام النبى ﷺ ، ولم يأمر بنقلها فلا ينبغى علينا إلا أن نسكت تأدبا قائلين: لا بد أن هناك حكمة من بقاء هذه السوق وهذا من الضرورات الدينية التى يجب أن يسلم بها كل مؤمن. الأثر الثالث عشر: الحجر الأسود هو ذلك الحجر السعيد الذى يشبه رأس إنسان والذى وضع فى الركن الشرقى من الكعبة المعظمة على ارتفاع (٣ أقدام و ١٠ بوصات). وكانت قطعة من هذا الحجر سقطت فى عصر القريشيين وحفظت فى بيت واحد من آل شيبة، وعندما حدد عبد الله بن الزبير بيت الله فى سنة (٦٤ هـ) أحضرها وألصقها بفضة. وحينما حج هارون الرشيد أدخله داخل غلاف فضى وفى خلال سنة (٤١٣ هـ) كسر أحد الملاحدة المصريين فى أثناء طوافه ذلك الحجر بضربة دبوس قائلا: إلى متى سيعبد الحجر ويحترم إن حضرة محمد ﵇ وعلى - رضى الله عنه - يمنعاننى من كسر هذا الحجر، وها أنا ذا كسرت الحجر الأسود بضربة واحدة، وهدمت بيت الله الواحد. وهجم الموحدون الطائفون على ذلك

стр. 831

الرجل وقتلوه. إن أربعة عشر من الفرسان كانوا ينتظرون إنقاذ هذا الرجل، ولما رأوا هجوم الموحدين على القاتل وهلاكه نزلوا من ظهور خيولهم، وشهروا سيوفهم، وزحفوا داخل الحرم الشريف وتكاثروا فيه حتى كونوا جماعة، وخرّبوا بعض الأماكن وأتلفوا كثيرا من النفوس. وسقط الحجر الأسود من صندوق على الأرض فى أثناء هذه الفتنة، وظل فوق الأرضية الرخامية للمطاف، وفى اليوم الثالث جمع شجعان بنى شيبة قطع الحجر الأسود وألصقوها مستخدمين المسك والعجين المسمى لوكون (١)، ووضعوه فى داخل ظرفه وأعادوه إلى مكانه، وتعقب أهالى مكة كلهم القافلة المصرية ونهبوا كل ما يملكونه وقتلوا كثيرين منهم بسيف الشريعة المسلول. وكان الشخص الذى أسقط الحجر الأسود على الأرض بضربة شقيا ذا وجه أحمر، طويلا سمينا كان خبيثا لا دين له ولا إيمان. وبناء على الرواية التى حققها محمد على بن عبد الرحمن العلوى إن هذا الحادث الأليم وقع فى سنة ٤١٣ هـ وبناء على قول ابن كثير أنه وقع فى سنة ٤١٤ هـ. وفى سنة ٤٢١ حدث أن أحد ملاحدة الفرس (من البابيين) دنيئا جهنميا كسر جانبا من الحجر الأسود بضربة سيف، ولكنه ألصق بفضة خام وأحاطوا جوانبه الأربعة بحلقة فضية، وبعد مرور مائة وإحدى وخمسين سنة نزعه الشريف داود بن عيسى بن فليتة عند فتنته المفزعة وشيده وسواه السلطان مراد الرابع فى سنة ١٠٤٣ هـ من جميع جوانبه بطريقة جيدة كما هو الآن، كما أن السلطان مصطفى خان هدم جدران جهاته الأربعة وبناها من جديد. وبعد مرور مائة وإحدى وستين سنة يعنى فى سنة ١٢٠٤ هـ عندما حدث ذلك الحادث المؤلم قد تكسر أحد جوانبه قدر إصبعين، إلا أنهم ألصقوه بلوكون الأسود دون أن يظهر الكسر.

стр. 832

والسبب فى ذلك الحادث القتال الذى شب بين الشريف غالب وأخيه الشريف عبد الله، إذ قام قتال عنيف بين الشريف غالب وابن أخيه الشريف عبد الله فى التاسع والعشرين من شهر صفر الخير. وفى السنة المذكورة أطلقت من القلعة المدافع والبنادق مدة ثلاثة أيام فلم يؤذن فى داخل الحرم لثمانية عشر وقتا من أوقات الصلاة، ولم تصل صلاة جماعة فى تلك الأوقات المذكورة. وقد أصابت رصاصة الحجر الأسود فى أثناء ذلك الحادث وكسرت منه قطعة قدرها ثلاثة أصابع وأسقطتها، فألصقت القطعة المكسورة بمادة لوكون، وفى سنة ١٢٥٩ هـ أمر السلطان عبد المجيد بإدخال الحجر فى ظرف فضى وأعاد تصليح مادة اللوكون بشكل جيد، وإلى الآن فالحجر الأسود على هذه الحالة، ولما كان قد ألصق بمهارة ودقة لا يفرق الإنسان إذا كان ملصقا أم غير ملصق، وهيئة الحجر مربع قريب إلى الاستدارة وحجمه أكبر من شبر وأوسع. ***

стр. 833

معلومات دينية عن الحجر الأسود إن الحجر الأسود الشهير حجر خرج من خزانة الجنة، وهو ياقوت مشع ويقال إنه عندما أنزل على وجه الأرض كان مضيئا وعدوا حدود الحرم الميمونة هى المناطق التى كان يضيئها. إن الله سيبعث الحجر الأسود يوم القيامة بلسان وعينين، وسوف يشهد الحجر الشريف بالخير للذين استلموه بإخلاص ونية صافية، وبالشر للذين استلموه مستهزئين. إن لمس الحجر الأسود والركن اليمانى يمحو الخطايا، وإن هناك بين الركن اليمانى وركن الحجر الأسود باب من أبواب الجنة، بناء على قول الحسن البصرى (رحمة الله عليه)، وكل من يدعو بين الركنين يستجاب دعاؤه، كما أن تحت ميزاب الرحمة مكان يستجاب فيه الدعاء. وبناء على بعض الأقوال أن بجانب الركن اليمان ملكين، وبجانب الحجر الأسود عدد لا يحصى من الملائكة، وإنهم مأمورون بقول آمين لاستجابة دعاء الداعين، وثابت بالحديث أن بين هذين الركنين قد دفن ٩٩ نبيا، وأن ذلك الموقع روضة من رياض الجنة. كان الحجر الأسود فى الأصل ملكا. وعين ليمنع آدم ﵇ من أكل ثمرة الشجرة المنهية وأن يصونه. وقيل له «إذا أراد أن يتناول من هذه الشجرة فنبّهه بأنه منع من أكل ثمرة هذه الشجرة» وبينما شغل ذلك الملك بمشاهدة عجائب الفراديس وجمالها، أكل آدم - لحكمة ما - من ثمرة تلك الشجرة وأخرج من الجنة. وعقب ذلك وجه إليه العقاب الربانى مثل الصاعقة: «يا أيها الملك كنت سببا

стр. 834

فى خروج آدم من الجنة» فتجمد الملك من شدة خوفه حجرا ثم أرسل إلى وجه الأرض. قد كتبت هذه الرواية مترجمة فى تاريخ خميس، ويؤيد هذه الرواية الحديث الشريف الذى يقول بأن الحجر الأسود سيبعث ملكا ذا عينين، عندما خلق الله خلاق العالم - الأرواح، خاطبها قائلا: ألست بربكم، وأسرعت الأرواح المخاطبة للإجابة قائلة: بلى، وهذا ثابت عند عموم الناس ومصدق. وحينئذ خلق نهرا باردا أحلى من العسل، وأمر بأن تكتب حجة تتضمن إقرار واعتراف الأرواح التى قالت بلى، واتخذ قلم القدرة الإلهية النهر السالف الذكر مدادا، وكتب نتيجة إقرار الأرواح، ووضعت تلك الاعترافات فى داخل الحجر الأسود وعبئ بها. واستلام الحجر الأسود الآن تصديق بذلك الإقرار الأزلى ويذكر به. لأجل ذلك قال الإمام الباقر فى أثناء استلام الحجر: «اللهم أمانتى أديتها وميثاقى وفيت به ليشهد لى عندك بالوفاء» وهكذا أيد إقراره الأزلى. كان لون الحجر الأسود حينما نزل على الغبراء ناصع البياض نقيا لامعا، ولكن أخطاء البشر المستمرة، ولمس واستلام النساء الحوائض للحجر؛ أدى إلى تغير لونه فأصبح حالك السواد. قال عبد الله بن عمر رضى الله عنه: «إن جبريل ﵇ حمل جوهرة الحجر الأسود من خزانة الجنات، كلما كان ذلك الجوهر الحجرى فى نفوسكم يزيد الخير والبركة ... فلتحذروا أن تستهزئوا به وتحقروه وإلا فجبريل ﵇ يرفعه من هنا ويوصله إلى مكانه القديم». وهكذا كان ينصح أهل مكة ويبين لهم مزيته وعظمته. وفى الواقع أن ذلك الحجر غاب فترة ما فى عهد الجراهمة والعماليق والخزاعيين، وعندما ترك مضاض بن عمرو بن الحارث الجرهمى حكومة مكة الله المعظمة لأحفاد بنى إسماعيل، وتفرق مع قومه فى البلاد المجاورة، أخرج حلية جمال كعبة الله، الخال الأسود، الحجر الأسود من مكانه ورماه فى بئر زمزم.

стр. 835

إن الروايات التى ذكرت ابتداء من اللاحقة كلها صحيحة؛ لأنها نقلت بالأحاديث الصحيحة والأسانيد الموثوقة ولا شك فى ذلك. استطراد: إن مضاض بن عمرو بن الحارث الذى رمى الحجر الأسود فى بئر زمزم هو الثانى عشر من الملوك الذين حكموا القطر الحجازى، وأول من تربع على العرش من ملوك الجراهمة هو جرهم بن قحطان بن عابر. بينما كان يعرب أخوه يحكم فى اليمن مكان أبيه استولى جرهم على أرض الحجاز. وانتقل حكم البلاد الحجازية للجرهم السابق الذكر وبعد وفاته لابنه (عبد يا ليل) وبعد ارتحاله إلى (جرشم) بن ياليل وبعد وفاته إلى (عبد المدان) بن جرشم بعده إلى (ثقيلة) ابن عبد المدان وبعد وفاته إلى (عبد المسيح) بن ثقيلة، وبعده إلى (مضاض) بن عبد المسيح، وبعده إلى (عمرو) بن مضاض، وبعده إلى أخيه (حارث) بن مضاض، وبعده إلى (عمرو) بن حارث، وبعد وفاته إلى أخيه (بشر) بن الحارث، وبعد وفاة بشر إلى (مضاض) بن عمرو بن الحارث، وانتقل حكم الحجاز فى عهده إلى أيادى الخزاعيين الغالبة. عجيبة يحكى أن المستعصم بالله البغدادى كان يملك حجرا أسود، وأنه كان يجعل الناس يزورونه وكان بجانب ذلك الحجر كمرا، وكان ذلك الحجر فى حجم الحجر الأسود وشكله، وكان الكمر الذى بجانبه مستورا بستارة سوداء مصنوعة من قماش الأطلس. وكان من آيات نخوة المستعصم أن من كان يريد أن يقابله من السلاطين والملوك لا يلقاه أحدهم قبل أن يزور ذلك الحجر، ويقبله كما يزورون الكمر المستور. وقد أرسل فى عهد آتابك سعيد مظفر الدين أبو بكر قاضى القضاة مجد الدين واسمه إسماعيل إلى المستعصم حاملا رسالة له، وفى اليوم الذى حدد للقاء الخليفة طلب منه أن يزور الكمر والحجر ويقبله مستلما، ولما كان مجد الدين رجلا تقيا فى غاية التقى وزاهدا أراد أن يعود دون لمس الحجر ورؤية

стр. 836

المستعصم، إلا أن رجال الدولة رجوه ألا يفعل، فدخل عند المستعصم حاملا فى يده مصحفا ووضع المصحف فوق الحجر وقبله وهكذا أدى رسالته. نقل الحجر الأسود إلى ديار هجر انتزع ملاحدة القرامطة الحجر الأسود من مكانه فى ركن الكعبة المعظمة سنة (٣١٧ هـ)، وحملوه إلى ديارهم وأعادوه فى سنة (٣٣٩ هـ) إلى مكانه. كان القرامطة قد أخذوا الحجر الأسود ظانين أنه مغناطيس البشر، وأرادوا أن يجذبوا إليهم الناس، ولما سئلوا عن سبب ذلك قالوا: أخذنا الحجر الأسود مأمورين وأعدناه مأمورين إلى مكانه بشرط أن يكون فى المكان الذى وضعه فيه خليل الرحمن. وقد رأيت أنا المؤلف الفقير أن الحجر الأسود يجذب البشر - رؤية عين - رأيت أن العربان الذين يقطنون فى أطراف مكة ونواحيها يفرون إلى مكة فجأة، وكلهم يقبلون على طواف كعبة الله والسعى قبل مضى الحجاج إلى عرفات ببضعة أيام ولسان حالهم يقول: كأن الحجر الأسود فى وجه الكعبة خالا ... أنا حاج لتقبيله أسعى إليها حالا ويقتحمون المكان بقوة لتقبيل الحجر الأسود ولمسه، فى حال يظن الرائى من بعيد أن كثيرا من رءوس الناس تسير فوق العربان، ثم إن العربان يرضون أن يموتوا دون العودة من غير تقبيل الحجر الأسود، أى لا يرضون بالاستلام فقط، أليس هذا كافيا للدلالة على أن للحجر الأسود خاصية جذب الناس، ومن يريد أن يرى قوة جاذبية الحجر الأسود للناس رؤية العين يقتضى أن يكون فوق المحفل الخاص بمؤذنى الشافعية، والكائن فوق مبنى بئر زمزم حينما يفد البدو. تقول كتب التاريخ وهى تحكى كيفية نقل الحجر الأسود إلى بلاد هجر: قد ظهرت حركة القرامطة فى عهد هارون الرشيد أو المأمون، وعلى قول المقتدر بالله كما سيوضح فيما بعد، ظهرت فى هجر وتجرءوا بعد ذلك تدريجيا على الإضرار

стр. 837

بممالك الشام والعراق والحجاز، إن رئيس هذه الطائفة الباغية الضالة الشقية أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد جنابى، بنى بيتا للضلال فى ناحية هجر (١) فى سنة ٣١٣ هـ أو على رأى آخر فى سنة ٣٠١ هـ. وسمى هذا البيت «دار الهجرة» وأراد أن يصيب سوق كعبة الله بالكساد بتحويل طريق الحجاج إلى ناحية هجر، وابتدر للاستيلاء على مكة المكرمة بمن تجمع حوله من الأشقياء الخبثاء، ودخلوا حرم الله دار الأمن على حين غفلة فى يوم الأحد الذى يوافق يوم التروية فى سنة ٣١٧ هـ وقتل ثلاثين ألفا (٢) من أهل مكة، ومسلمى البلاد الأخرى الذين كانوا فى أرض المطاف والمسجد الحرام داخله وخارجه، وخاصة فى داخل كعبة الله المعظمة، وبعد ما ألقى بأجسامهم فى داخل بئر زمزم وآبار مكة المكرمة الأخرى، ثم خاطب الناس بصوت عال: يا أيها الذين يعتقدون أن من كان فى داخل الحرم آمنا، انظروا لهذا الأمن والأمان، وماذا فعلت بكم؟ وأخذ ينهق مثل الحمار ويهذى بلسان الاستهزاء الملعون. وفى أثناء ذلك أمسك أحد الموجودين الشجعان بزمام دابة أبى طاهر غير الطاهر وقال له: يا ظالم الله ليس معنى الآية الجليلة اللطيف ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ (آل عمران: ٩٧) كما تفهمه، وسكت أبو طاهر غير الطاهر عن الكلمة القذرة، ووجه مطيته نحو باب المعلى لكعبة الله ولم يستطع أن ينال ذلك البطل بضرر. ومع ذلك ازدادت جرأته درجة فدرجة فانتزع بيده - شلت يده - ألواح كعبة الله المزينة، ونهب ستارة بيت الله وما فى خزانة البيت من الهدايا الثمينة، ووزعها على جنوده الضالين وأمر أحد القرامطة أن يصعد فوق سطح الكعبة لينزل الميزاب الذهبى، ولما رأى أنه قد أسقط على الأرض بسهم أطلق من جبل أبى قبيس أمر بصعود قرمطى آخر. واللعين الذى صعد فوق سطح الكعبة فى المرة الثانية وقع رأسا على عقب وهلك، وحينئذ عرف اللعين أنه لن يستطيع أن يقتلع الميزاب الذهبى، وأخذ

стр. 838

يبحث عن حجر مقام إبراهيم ولما لم يجده غضب أشد الغضب، وخرب مبانى بئر زمزم والمبانى الأخرى من الحرم الشريف، وبعد العصر اقتلع الحجر الأسود الأمانة الكبرى وفى يوم الثامن من دخوله فى مكة المكرمة، وعلى قول فى اليوم الحادى عشر منه ثم مضى متجها نحو هجر. وفى هذا العام لم يستطع أحد أن يكمل حجه ذاهبا إلى عرفات غير بضعة من الذين آثروا الموت غير مهتمين بالحياة. ولما وصل ذلك الملعون إلى هجر زاعما أنه قد حقق أمله كتب إلى عبد الله المهتدى من الملوك الفاطميين يخبره بما فعل، ويعرض تبعيته له ويذكره فى خطب الجمعة متقربا منه، ولكنه تلقى منه الرد الذى يستحقه والذى قال فيه: واعجبا، إنك ارتكبت فى بلد الله أنواع الفضائح، ثم اقتلعت الحجر الأسود من مكانه وأخذته معك إلى ناحية هجر فى جرأة بالغة، إنك قد هتكت وأزلت ستارة الكعبة الشريفة التى ظلت معززة ومكرمة منذ العصر الجاهلى، ومع هذا تريد أن تذكرنى فى خطبك ألا فليلعنك الله. وحينما تلقى منه هذا الرد أعلن عصيانه عليه أيضا، واحتفظ بالحجر الأسود فى هجر اثنين وعشرين عاما إلا أربعة أيام؛ رغبة فى أن يتوجه الحجاج إلى هناك لأجل الزيارة، ولكنه تعرض لحكم القضاء الذى يقول «الجزاء من جنس العمل» إذ أصابه مرض الأكلة (١)، وهلك وألقى فى حفرة البوار. لاحقة يروى أن من جملة أوامر أبى طاهر غير الطاهر بقر بطون الجثث وإخراج الأمعاء وملئها بالخمر بعد غسلها. وقطع ألسنة الذين يطفئون القناديل قائلين «بوف» وإقرار اللواط بعدم الإيلاج ب (فرطا)، وسحب الذين يولجون بالإفراط على وجوههم وسحلهم ما يقرب من أربعين ذراعا، وقتل الشبان الذين يمتنعون عن اللواط وتعظيم الزنا.

стр. 839

إعادة الحجر الأسود إلى مكة المكرمة ولما رأت طائفة القرامطة بعد هلاك أبى طاهر أن أفكاره غير قابلة للتنفيذ، ولا تروج قرروا إرسال الحجر الأسود مع شخص يسمى ثبير، أو سنبر بن الحسين إلى مكة المكرمة، وعرضوا الأمر على ثبير ونال ذلك القرمطى شرف وضع الحجر الأسود فى مكانه، إذ وصل إلى مكة فى يوم النحر بعد أن كان قد بدأ رحلته فى أواخر سنة ٣٣٩ هـ. قد سر المكيون أعظم سرور بوصول الحجر الأسود، ووضعوه فى داخل كعبة الله خوفا من حدوث فجيعة أخرى، وبعده أعدوا طوقا فى ثقل (٣٠٣٧) درهما ووضعوا الحجر فى مكانه القديم. وكان السلطان عبد الحميد خان قد جدد ذلك الطوق ومازال عليه طغراء السلطان المشار إليه. قصة غريبة قال: ثبير بن الحسين الذى أحضر الحجر الأسود إلى مكة عندنا حجارة سوداء كثيرة فاختاروا من هذه الحجارة حجرا أسود لكعبة الله. ووضع على الأرض بضعة من الحجارة السوداء، وكانت هذه الحجارة تشبه بعضها بعضا بحيث لا يمكن لإنسان أن يفرق بينها قيد أنملة. لم يستطع أهالى مكة أن يفرقوا بين تلك الحجارة وعرضوا الأمر على أحد الكرام. وطلب ذلك العالم أن ترمى جميع الحجارة فى داخل حوض الماء، فرسبت جميع الحجارة فى القاع إلا حجر، أخذ يطوف فوق الماء وقال عنذئذ هذا هو الحجر الأسود صنوا الجواهر الذى نريده، فأشار بإصبعه إليه، وإذا بالقرمطى ثبير كان قد وضع علامة على الحجارة الأخرى، وقد عاين الحجر الذى اختاره العالم الجليل ثم قال نعم هذا هو الحجر الأسود الذى نقله أبو طاهر إلى بلاد هجر، لأننى كنت وضعت علامة فوق الحجارة الأخرى.

стр. 840

حكمة بينما كان القرامطة ينقلون الحجر الأسود إلى بلادهم التى يسمونها هجر، قد نفق تحت نقل الحجر الأسود (٣٠٠) جملا قويا فى مقتبل العمر أو (٥٠٠) جمل بناء على رواية أخرى. وعندما أعاد ثبير بن الحسين الحجر كان قد حمله فوق جمل نحيل ضعيف، لم يمت من شدة التعب، بل إنه لم يتعب وسمن وتضخم. وكان العباسيون لم يستطعيوا أن يردوا الحجر بالحرب مع القرامطة، وأرادوا أن يعيدوه بدون حرب واعدين أبا طاهر بخمسين ألف دينار، إلا أن هذا الملعون الملحد لم يقبل ذلك، ولكن أعوانه حملوه بدون أن يأخذوا شروى نقير (والله على كل شئ قدير). مظالم القرامطة الخبثاء وجرائمهم أول من خرج من طائفة القرامطة هو الملعون «أبو سعيد بن بهرام جنابى. ويقول الذين يعرفوننا كيف ظهر هذا الرجل وأين أوقد نار الشر أولا. إن صاحب مذهب القرامطة ومخترعه هو الخنزير يحيى بن زكرويه، إذ جاء هذا الرجل فى سنة ٢٧٨ أو ٢٨٩ إلى بلدة القطيف (١). ونزل ضيفا عند على بن يعلى من أعيان البلدة، وأسر له أنه مبعوث من قبل الإمام محمد المهدى، وأن وقت ظهور هذا الإمام قد اقترب وأخذ يدعو أهالى القطيف وسكان الناحية، واستطاع أن يضمّ إليه بعض الجهلة والحمقى من سكان القطيف وسكان ناحية البحرين ويخدعهم، وكما استطاع أن يضم إلى مذهبه أبو سعيد الجنابى من كبار شيوخ القبائل واختفى بعيدا عن العيون. ثم ظهر مرة ثانية وهو يحمل خطابا مزيفا من قبل الإمام المهدى يتضمن أنه قد أمر بدعوة الناس إلى مذهبه، وأن يأخذ من كل واحد ممن اتبعوه مبلغ ستة

стр. 841

دراهم وأربع دوانق (١)، وبعد أن استطاع أن يدخر بهذه الخدعة مبالغ كبيرة من النقود اختفى فترة أخرى، ثم ظهر مرة أخرى وفى هذه المرة أظهر لأتباعه رسالة مزيفة أخرى من قبل الإمام، حيث أمره بأن يأخذ من أتباعه خمس أموالهم ويسلمها له، واستطاع أن يحصل على أموال كثيرة من جميع الأنواع. واستضيف فى هذه الفترة من قبل أبى سعيد الجنابى حيث حل فى داره المنكوبة، وأراد أبو سعيد أن يكرمه غاية الكرم فأنامه على فراش واحد مع زوجته وقبل أن يكون ديوثا. وعندما شاع خبر احتفاء أبى سعيد بيحيى بن زكرويه غاية الحفاوة حتى قدم له زوجته لتنام معه فى فراش واحد وغيره من مراسم الإلحاد والإباحة وأخذ الناس يتناقلون سيرته، استدعى يحيى بن زكرويه من طرف رجال الحكومة وأذل وحقر، وبعد فترة طرد من حدود البحرين بعد أن نكل به. إن هذا الملحد ذو المزاج الكلبى حط عصا ترحاله من بلاده بنى كلاب وحرص على نشر مذهبه الباطل بينهم وزادت قوته بعون بعض الناس والأقوام، فاستولى على أطراف الشام وسفك دماء المسلمين وهتك أعراض نساء الموحدين. ووصل إلى ذروة البغى والشقوة بارتكاب المظالم والفساد، وعندما وصلت قوة ابن زكرويه وشوكته إلى درجة ترهيب خلفاء بغداد أخذ يكر على دمشق بالشام بدون توقف، وهزم الفرقة العسكرية التى واجهته بقيادة طغج بن جف (٢) شر هزيمة، وحاصر دمشق الشام فى سنة ٢٩٠ هـ، وإن كان الجيش الذى سيق من الشام قتل ابن زكرويه؛ إلا أن أخا زكرويه حسين حمد تولى القيادة، واستنجد بكثير من القرامطة وشدد الحصار على دمشق، وفى النهاية انسحب بناء على رجاء الأهالى وطلبهم بعد أن أخذ مبالغ كبيرة من النقود، ولكن عندما انسحب من دمشق هجم أتباعه قوائم الحشرات على حلب واستولوا عليها فى

стр. 842

الحملة الأولى. وأعلنوا أن اسم صاحب الشام أمير المؤمنين للعهد، وبناء على التعليمات التى تلقوها أمروا بأن يذكروا اسمه فى خطبة الجمعة. وبعد هذا النصر اتخذ صاحب الشام ابن عمر عبد الله وليا للعهد، وسماه المدثر وادعى أن المدثر الذى ذكر فى القرآن هو عبد الله الذى سبق ذكره، وأراد بهذه الطريقة أن يخدع الناس ويبسط سطوته ويوسعها إلا أنه لم يوفق. وهجم صاحب الشام بعد ذلك على حماة بعد حلب والمدن والقرى التى حولها، وأخذ يقتل كل من يصادفه من الأهالى مع أولادهم وعيالهم، وأخيرا وصل إلى بلدة سلمية التى استسلم سكانها دون أن يدافعوا عن أنفسهم فقتلهم جميعا حتى تلاميذ المدارس الصغار (١). لما أزعج ما يرتكبه صاحب الشام من المظالم والغدر مسامع المكتفى بالله البغدادى فتحرك بما جهزه من العساكر الكثيرة من بغداد وتوجه إلى بلد الرقة. ومن هنا وجه جنوده جف وفرق القرامطة، وتقابل البغداديون مع القرامطة فى مكان يبعد عن حماة اثنى عشر ميلا وبدأت حرب ضروس. وإن كان القرامطة هربوا من شدة صولة البغداديين غير قادرين على صد هجومهم إلا أن جنود بغداد لم يتعقبوا فلو لهم المنهزمة وقبضوا على صاحب الشام وكذلك ولى عهده المدثر (٢) وسلموهما للخليفة الذى كان ينتظر النتيجة. بعد ما قضى جنود الخليفة تماما على القرامطة عاد منصورا إلى بغداد حيث صلب صاحب الشام مع رفقاء له وشهر بهم فى سنة ٢٩١ هـ. إن فرقا من القرامطة الذين نجوا من سيوف البغداديين تربصوا فى طريق العراق، وكانوا يسيرون ليلا منها ونهارا، ويهاجمون المارين وعابرى السبيل ويسببون لهم خسائر كبيرة، وكانوا يختفون من الجيوش التى أرسلتها حكومة بغداد فى أماكن خفية. إن هذه الفرقة الخبيثة قد هاجمت قافلة حجاج العراق فى سنة ٢٩٤ هـ،

стр. 843

وقتلت ما يقرب من عشرين ألفا من الأبرياء ونهبت أموالهم. ولما علم المكتفى بالله بهذا الحادث المفجع جهز فرقة عسكرية وساقها ضد الفرقة الحقيرة فتعقبت الفرقة البغدادية القرامطة، وأسرت كثيرين منهم مع قوادهم بعد ما قهرت ودمرت الباقى، ولما كان القائد (١) المأسور للفرقة الباغية جريحا مات متأثرا بجرحه بعد ستة أيام. بعد ما مات صاحب الشام انتقلت قيادة جماعات القرامطة عامة إلى أبى سعيد بن بهرام الجنابى الذى بدوره جهز أفراد الجماعة الخبيثة، وجمعهم وأخذ ينشرهم كالجراد حول بادية الشام وفى الحروب التى كانت تقوم بينهم وبين الجنود الذين ترسلهم حكومة بغداد ينهزمون أحيانا وينتصرون أحيانا. وتفرقوا إلى فرق صغيرة وتكاثروا، وأخذوا يقتلون الناس كلهم حيث تطأ أقدامهم. حتى إنهم فاجأوا قافلة من القوافل الحجازية بالهجوم وأعملوا سيوفهم فى أفرادها حتى قتلوا عشرين ألفا من المسلمين، ولم يبق نفر يتنفس. وقد زاد بعد هذه الفاجعة صاحب الشام من غدره وظلمه حتى استطاع أن ينتزع بلدة القطيف من يد العباسيين بنباح كلاب الإلحاد والإباحة، ثم نهب البحرين ونواحيها وأخذ يتجرأ فى إهانة أهل الإيمان فى صورة مستهجنة. واستولى على البصرة وملحقاتها وأصبح واليا على حشرات الشقوة التى دخلت فى دائرة الرفض والإلحاد، ووسع دائرة الإباحية والخيانة (٢). الاستطراد البحرين مدينة غاية فى المتانة والاستحكام وتقع فى غرب جزيرة البحرين التى تقع فى خليج البصرة فيما بين خطوط الطول ٤١ درجه و ٥ دقائق شرقا، وخط العرض ٢٦ درجة و ٢٠ دقيقة شمالا، بطول ٢٥٤ ميلا و ٧٠ ميلا من الجهة

стр. 844

الشرقية الشمالية لمكان يسمى لا شر، ويحدها شرقا بحر الفرس، وشمالا إقليم البصرة، وغربا نجد العارض، وجنوبا عمان وسكنتها من سلالة عبد قيس. وبما أن الأنهار والعيون تكثر فى هذا الموقع تتزيّن أطراف أنهارها بأشجار الحنة والقطن والسوسن، وكل مكان يحفر فيه قدر ذراعين يخرج منه الماء، ومن يشرب ماءها تصفر ملابسه، وفى هذه البلاد فاكهة مختلفة ولا سيما البلح والأرز متوفران، والسكان يذهبون للتنزه فى الأيام الحارة للحدائق التى تبعد ما يقرب من ميل واحد. فى هذه البلاد رمال متحركة، والتى يطلق عليها بحار الرمال، وما يرى هناك اليوم جبال تراه فى يوم آخر أرضا منبسطة، وما كان اليوم معمورا تراه فى الغد خرابا. والطريق الواسع الذى يبدأ من البحرين تطمسه الرمال فيستحيل السير فيه، لذا يذهب الناس ويأتون عن طريق البحر. كان البرتغاليون قد استولوا على ممالك البحرين قديما والآن فى يد الشيخ «أبو شهر» ومع هذا فلا يطلق البحرين على الجزيرة فقط بل يطلق على الجزر الأخرى التى تحيطها، والتى يستخرج سكانها اللآلئ من البحر، وهناك إقليم يمتد إلى الغرب ويطلق عليه البحرين أيضا، وذلك لاتصال البحيرة التى بالقرب من الإحساء ببحر الفرس. انتهى. بينما كان أبو سعيد يخرب القرى والبلاد لنشر مذهب الإلحاد ساق المقتدر بالله العباسى الذى كان خليفة فى تلك العهود عددا من الجنود بقيادة «عباس بن عمرو الغنوىّ» ليفرق جمع أبى سعيد. وانتصر أبو سعيد عليهم وأسرهم جميعا ثم قتلهم جميعا، وأبقى عباس حيا، وقال: يا عباس إننا القرامطة أناس نعيش فى الصحارى والفيافى ونقنع بالقليل لأنا لسنا طامعين فى الاستيلاء على البلاد، فإذا جمعت جميع جنودك وسقتهم على، أقسم بالله بأننى أنا المنتصر، إن جنودنا يتحملون المشاق ويعتقدون أن حياة الرفاهية حرام، قد تعود جنودكم على قضاء أوقاتهم فى راحة ورغد عيش والتّنعّم بما طاب من الطعام ولذ فى ظل الخليفة،

стр. 845

فإنهم لا يستطيعون القتال، فإذا ما خرج جنودكم فى الصحارى تاركين راحتهم يموتون مثل السمك الذى خرج من الماء. والعساكر الكثيرة الذين سقتهم علينا مثل النمل قد أصابهم التعب والضعف منذ خروجهم من بغداد، وانهزامهم فى أول حرب أكبر دليل يؤيد رأيى، إذا ما أرسلتم جنودا أشجع ممن أرسلتم وأكثر مما سأجهزه أنا من العساكر فإننى أهرب من أمامهم بعد أن أتعبهم، كما أننى أتصدى لهم فى مضيق ضيق فأقطع خط رجوعهم، وأهزمهم وأولى بكم ألا تشغلوا أنفسكم بى، ولا تهلكوا جنودكم عبثا، وقد حقنت دمك حتى توصل هذه الأقوال بالتفصيل إلى الخليفة، دون أن تنقص منها كلمة ثم أطلق سراحه وخلّى سبيله. وقد عاد عباس بن عمرو الغنوى إلى بغداد وهو فى شدة الحيرة من نجاته من يد أبى سعيد. ولما أبلغ عباس ما قاله أبو سعيد إلى المقتدر بالله بالتفصيل خاف الخليفة، واضطرب ولم يستطع أن يذكر اسم القرامطة بلسانه مدة طويلة. ومع هذا استطاع أن ينقذ أهالى الكوفة من اعتناق مذهب القرامطة، إذ ظهرت جماعة من القرامطة وأخذوا فى إضلال الناس فى الكوفة، وبعث الخليفة بجنود من مركز الخلافة وقوة عسكرية قضت على هذه الجماعة. وانتقل أبو سعيد فى سنة ٣٠١ هـ إلى دار البوار (١) بعد أن ارتكب كثيرا من الجرائم إلى تلك السنة تاركا ميدان الخباثة والشقاء إلى ابنه الكبير سعيد. وتولى ابنه سعيد مكانه بعد وفاته، إلا أنه ما كان يشبه أباه فى إلحاق الأذى بالناس، فتولى تدبير الأمور ابنه الأصغر سليمان أبو طاهر، وكان ظلوما غشوما سفاحا، فاستولى على الإحساء والقطيف وسائر بلاد البحرين ونواحى هجر، وبعد أعوام عشرة أغار ليلا على مدينة البصرة، وأثناء مقامه فيها سبعة عشر يوما قتل كل من صادفه، وأعمل السلب والنهب فى الناس جميعا، وكان ذلك عام ٣١١ هـ، وبعد عام من تلك الواقعة المؤلمة أغار على قافلة الحجاج ونهبها.
следующие страницы →