← История

История · id 742

موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب

أيوب صبري باشا

Полный текст (2 187 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أيام، بعد أن يعدوا لهم الجمال التى ستنقلهم إليها، وبعدما يكونون قد أروهم الأماكن التى تزار فى جده، وبعد العصر يذهب إلى مكة المكرمة من جده، إما بحمار أو جمل، والذين يذهبون بالجمال يصلون إلى مكة المكرمة فى ليلتين والذين يركبون الحمير فى ليلة واحدة، ويعلم الوكلاء الأدلاء قبل وصول الحجاج المنتسبين إليهم بالبريد، ويبينون فى رسالتهم عدد الحجاج وأسماء الجمالين الذين حملوا الحجاج وأسماءهم وينتظرونهم ليلة وصولهم فى خارج المدينة ويستقبلونهم. إن استقبال أدلاء مكة الحجاج قد اتخذ توصيل الحجاج إلى مكة ليلا نظاما لدى الجمالين لذا ترى الدليل الذى استلم رسالة من جده يخرج إلى ضريح الشيخ محمود قبل وصول قافلة جده بعدة ساعات، وينتظرون وعندما تصل القافلة يقفون أمام الجمال ويبادرون فى البحث عن حجاجهم قائلين: هل السيد الفلانى من المكان الفلانى موجود هنا؟ والحجاج الذين يجدونهم يبعثونهم إلى منازلهم فى رفقة أبنائهم أو خدمهم، ويجد الأدلاء حجاج الممالك التى يتولون دلالتهم، ويرحبوا بهم أعظم ترحيب ويرسلونهم إلى منازلهم، ويضع الأدلاء الأشياء التى على الجمال فى أماكنها المطلوبة، ثم يأخذونهم إلى المسجد الحرام حيث يقومون بمناسك الحج من الطواف والسعى، وبعد مرور عدة أيام يهيئ لهم الدليل وكالة حيث يأويهم. ويعتبر حفل الضيافة الذى يقيمه الأدلاء من العادات الطيبة القديمة لدى الأدلاء. وإقامة وليمة عظيمة للحجاج بعدما يتم تسكينهم فى الوكالات حتى لو كان حاجا واحدا. ويطوف به الكعبة طوال وجود الحاج فى مكة المكرمة. الخدمات التى يؤديها الأدلاء للحجاج: لما كان الحجاج محتاجين لعون أدلائهم سواء كان فى الطواف والزيارة والبيع والشراء فى النهوض والحركة، فالأدلاء يفتخرون بأداء هذه الخدمات للحجاج بكل صدق وإخلاص.

стр. 912

ومن هنا ترى أن الدليل يقابل الحاج منفردا عدة مرات، ويستفسر عن حاله ويهيئ له ما يحتاج إليه. كيف يقابل الحجاج خدمات الأدلاء: ذكرنا الخدمات التى يؤديها الأدلاء للحجاج فهم يقابلون هذه الخدمات والترحيب بالنقود، وكل حاج يرى دينا عليه أن يدفع عقب الوليمة التى تقام له قدرا من النقود حسب حاله. وفى عيد الفطر يوم عودته مقدارا من النقود، وكذلك ينفحه من أسبوع لآخر عدة قروش، وبما أنه يلزم إعطاء وكيل الدليل الذى فى جده بعض النقود يعطى، الحاج فى اليوم الذى يتحرك من جده إلى مكة المكرمة مقدارا مناسبا من النقود كهدية، وكل هذه الهدايا تعد من نوع الصدقة الشرعية. وكل هذه الأشياء يمكن تحقيقها باللجوء إلى ظل السلطان الظليل، السلطان عبد الحميد الثانى، إمام المسلمين، وخليفة الأرض وبالدعاء إلى الله بمد عمره وزيادة قوة دولته كما هو مبين فى الخاتمة الآتية الذكر؛ لأن تأمين الحرمين المحترمين من تسلط المتسلطين وإخلائهما من اللصوص الناهبين وجعلهما ساحة آمنة مصونة، يؤدى الحجاج فيهما مناسكهما فرحين مبتهجين آمنين؛ متوقف على وجود خليفة ذو صفات قدسية وأولاده وأحفاده إلى يوم القيامة على وجود خليفة عادل كل همه: خير الأمة الإسلامية. ***

стр. 913

الخاتمة ضرورة وجود السلطان ووجوب الطاعة والانقياد له إن السلامة والفلاح سواء أكانت فى هذه الدنيا ساحة تجلى القدرات، أو فى حياة الآخرة الباقية يتوقف على وجوب الطاعة والخضوع لأوامر خليفة العصر ونواهى السلطان الذى يصدق عليه معنى الأثر القائل والسلطان ظل الله فى الأرض، ويأوى إليه كل مظلوم. كان علماء السلف الصالح يرجعون إلى السلاطين أصحاب الإمامة والخلافة فى عصورهم لحل الخلافات، وإزالة الشبهات؛ وهذا يدل دلالة قطعية على وجوب عرض الأمور الهامة على إمام المسلمين للعصر فى كل آن وزمان، ولكن حتى تكون الإجابة الصادرة من جانب الخليفة حائزة لرضا الله يجب على العلماء أن يوضحوا كل فقرة من فقرات القضية المفروضة وفقا للقواعد الشريفة القومية، حتى تصان الأجوبة التى ستصدر مؤيدة بإلهام إلهى من شائبة الإبهام والشك، وحتى لا تظهر الإجابة منافية للمقصود، لعدم وضوح المسائل المعروضة، ومع هذا فنظرة الخلفاء الثاقبة وأحكامهم تشمل على خلاصة الأمور الهامة المعروضة عليه ومضمونها العام لأن الخلافة وأعبائها الثقيلة التى يحملونها فوق أكتافهم تحول دون الاطلاع على مفردات الأمور وجزئياتها. ولما كان الخلفاء مطمئنين واثقين من أن تدقيق الأمور وتحقيقها تقع على أكتاف العلماء والوزراء، كما أنهم مسئولون عن موافقة المسائل المعروضة للأحكام الشرعية والقوانين العرفية، وهذه قاعدة مشروعة متفق عليها بالإجماع، فتدقيق المسائل وتحقيقها يخرجان عن إطار مهماتهم المقدسة، ومن هنا فالمسئولية المادية والمعنوية تقع على كاهل عارضى المسائل. فإذا ما اطلع على أى صحيفة من صفحات كتب التاريخ القديمة فى العالم،

стр. 914

وإذا ما دقق وحقق فى المعاملات الجارية للأقوام الذين أتوا إلى الدنيا، مكمن العبر ثم غادروها وعمّق النظر فيها لسلّم أن الدنيا ليست دار ثواب وعقاب، ولكنها نموذج للحياة الآخرة بكل ما فيها من المجازاة الشرعية وقوانينها العرفية، هذه هى خلاصة الخلاصة التى تستنبط من فحوى الكتب الشرعية. وإن كان لا ينكر أن الدنيا دار كسب وعمل وتقدم، إلا أن الحصول على السعادة المطلوبة فى الدنيا والآخرة والتمتع بالنعم الجليلة والأخذ بالحظ الوافر منهما يتوقف على الانصياع لأوامر الخليفة المقتدى به وتدابيره. ولما كان منصب الخلافة أصلا قويما يجمع بين المناصب الدينية والدنيوية فقد فوض تنظيم أمور العباد وفقا للقوانين الشرعية، والحكم والتصرف ليد الخليفة القديرة، فالخدمات الدينية والوظائف التى توجه إلى رجال الدولة والمصالح العامة برمتها متشعبة من ذلك الأصل ومتفرعة منه. وإذا لم يخف بنو البشر من سياسة الخوف والجزاء لأخلوا بالنظام وراحة الناس بحكم طبيعتهم البشرية، ولقاموا بارتكاب أعمال غير مرضية. إن ضرورة وجود خليفة مقتدر به فى كل عصر قد ثبت بالنص الجليل: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (ص: ٢٦) إن الله خلق ورتب وسائل صيانة صلاح بنى البشر ونظام معاده ومعاشه خاليا وجوده وبقائه من الفساد والخلل وفق الحكمة الربانية، وجعل الخليفة وسيلة فى تدبير أموره لأن ترك بنى البشر لأنفسهم يؤدى إلى الظلم والبغى والتعدى وإفنائهم وانقطاع نسلهم وانفصامهم. وهذه الحال تنافى أحكام المشيئة الإلهية، لهذا لزم وجود خليفة حكيم قادر على دفع الظلم والعدوان، مدبر للشئون محافظة على حياة الإنسانية، وعلى هذا يجب أن تقوم صلاحية الخليفة الشرعية وأن نعلم من ذلك الشخص الذى يستحق أن يطلق عليه اسم الخليفة.

стр. 915

وقسم حكماء علماء الإسلام حكومة الملوك وسياستهم التى تكفل انتظام حياتهم الدنيوية وأحوالها إلى ثلاثة أقسام هى الخلافة ، السياسة والطبيعية. الخلافة: إحدى أقسام الحكومات الثلاثة ويطلق عليها الإمامة أيضا حكومة الخلافة، وهى دولة عادلة وسلطنة فاضلة. ويقوم صاحب هذه الدولة بجعل أحكام الشريعة نصب عينيه فى جميع الأمور العامة والخاصة. وبما أنه يحكم ويتصرف فى عامة المصالح الدينية والدنيوية وفقا لقوانين الشرع والعدل فمدار الخلافة الأصلى هو حفظ قواعد الشريعة، وضبط سياسة الأمة قائما مقام صاحب الشريعة (عليه أفضل التحية)، وكائنا سلطانا ذو شوكة وقوة، وبناء على هذا سمى هذا النوع من الملك والحكومة: «الخلافة». ٢ - يطلق على القسم الثانى من الحكومات الثلاث حكومة سياسة. لما كان هذا النوع من الحكومة سلطنة فالهيئة التى تشكل هذه الحكومة تتخذ إعمال الفكر والنظر دستورا لها، وتدبر دولتها بما ينظم عقلاؤها وحكماؤها من القوانين والنظم. إن النظم والقوانين التى رتبت بناء على العقل البشرى القاصر والفكر الفاتر لا تستطيع أن تؤمن ما يحتاج إليه الأفراد من سبل المعاش، وتنظيم أمور المعاد كما يبين ذلك قول الله ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (الروم: ٧) فمثل هذه السلطنة التى تنشغل بالمنافع الدنيوية فقط ليست مقبولة لدى الشرعيين. ٣ - يسمى النوع الثالث من الحكومات حكومة طبيعية لا يأخذ المفسرون الساعون إلى تشكيل الحكومة التى يطلق عليها حكومة طبيعية فى الاعتبار

стр. 916

مقتضيات العقل والشرع، وإنما يقصرون حكمهم - مثال قطاع الطرق والبغاة الظلمة - على العنف وغصب الأموال وقتل النفوس والحركات غير المشروعة والتعديات الظالمة. وبما أن هؤلاء قد سلموا زمام أمرهم وتدبيرهم للنفس الأمارة بالسوء، ولما كان بصرهم وبصيرتهم فى غاية الظلام من ناحية الخير، فهم لا يستهدون إلى الخير أبدا، ولا يسلمون أبدا من الخطأ والقتل وفقا لمدلول قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (النور: ٤٠) وقد أنعم الله على البشر بالعقل والقدرة والرشد والبصيرة، وبين لهم فى الكتب المنزلة ما ينفعهم ويصلح من شأنهم، وما يخص معاشهم ومعادهم، وحذرهم من الانهماك فى الشرور والمفاسد، لأن جزاء الخير والشر يعود لفاعله، وانقراض دول ملوك الطوائف وبغاة المسلمين الذين لوثت أفعالهم المذمومة صفحات كتب التاريخ لدليل واضح على إثبات ذلك. قد انقرضت تلك الدول بظهور سلاطين الدول الإسلامية الذين حكموا بالعدل، وكانت القوة والمتانة من أحلافهم، وبناء على هذا من واجب الأمة البحث عن إمام عادل تعيش تحت حكومته العادلة وسلطنته الفاضلة، وقد ثبت ذلك باتفاق آراء الصحابة العظام والتابعين الكرام واتفق على هذا علماء المسلمين الأعلام بإجماع الأمة، وحينما ارتحل النبى ﷺ ، عن دنيانا إلى مقر الراحة الأبدية أسرع الصحابة بمبايعة الصديق الأكبر. ومازالت البيعة تجرى على هذا النهج إلى عصرنا هذا، ولم يترك أحد هذه السنة السليمة الغاية فى أى عصر من العصور مدعيا الانفراد والاستقلال برأيه، والإجماع القطعى سند قوى فى الدلالة على الأحكام الشرعية وصحتها، وبناءا

стр. 917

على هذا يكون قد ثبت وجوب انخراط المسلمين فى كل العصور فى سلك إدارة خليفة ثابت بأدلة قطعية لدى المسلمين. وطاعة خليفة العصر والزمان واجبة شرعا، وكذا الخضوع لكل أوامره ونواهيه التى توافق القوانين العادلة التى اقتبست من مشكاة أنوار الشريعة الغراء. ومن المصلحة العامة إخراجها إلى حيز الوجود، كما يجب شرعا تنفيذ أوامر إمام المسلمين إذا كان ما طلب من الإنسان مباحا، وكان الخليفة يؤدى مهمة الخلافة وأفعالها وفقا للأحكام الشرعية ويطبقها فقد صرح له أن يستقل برأيه فى اتخاذ القرارات بناء على قول الله تعالى ﴿فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ (آل عمران: ١٥٩) وإن كان مأمورا باستشارة عقلاء قومه، فإن الذى يتولى مقام الخلافة الجليل ملهم من الله ومؤيد بأوامره ونواهيه، وبما أن السلاطين العثمانيين أعدل من ملوك الأسلاف فى إجراءاتهم الدينية وحركاتهم بأدلة شرعية متعددة، وإنهم أتم وأكمل منهم فى خدمة الدين ورعاية جانبه، وبما أن أساس سلطنتهم مبنى على قواعد الشرع الكريم؛ فكل أمر يصدر من مقام الخلافة الجليل وفى أى وقت فالخضوع له وتنفيذه قد وصل إلى درجة الوجوب، ويكفى لإيضاح هذه الحقيقة أن سكان الأراضى الحجازية السعيدة التى كانت مطلع أنوار الإيمان والدين، وهدف المسلمين وغايتهم يراجعون دار الخلافة السنية لإزالة شبهاتهم الدينية، وحل خلافاتهم، ويستدل على مراعاة السلاطين العثمانيين فى أعمالهم وأفعالهم الموافقة لتعاليم الدين العديد من الكتب التى تزين دور الكتب مصنفات الأسلاف القيمة، حتى أن رمزا من رموز العلوم الباقية وهو عثمان باشا الغازى كان قد كتب عدة كتب قبل أن يرفع علمه مغادرا الحياة، يظهر فيها عدالة سلاطين الدولة العثمانية، وكيفية استهلال حكمهم وكيف يستطيع رعاياهم أن يعيشوا قريرى العين، مرفهين آمنين تحت حمايتهم.

стр. 918

وندرج هنا ما كتبه سيد الآراء والقدسية المعنوية وصدرها السيد «صدر الدين» القنوى فى مقال له فى شرح الشجرة كما هى حتى نقيم دليلا على مدعانا. صورة المقالة واعلم أن لهذه الدولة تأصيل نسب وعلو مرتبة بأصل صحيح، يعلم منه شرف مقاماتهم العلية، وذلك التأصيل فى الآية الشريفة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ (فاطر: ٣٢) فقد دخلوا ضمن الآية الشريفة لكونهم من أمة محمد ﷺ ، مع من أشارت إليه الآية فلا شك أنهم فى سلكها مندرجون ومن التأصيل المشار إليه أيضا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ أى الصلاحية لهم، فهم بالنسبة لغيرهم من أصلح الدول بعد الصحابة والتابعين؛ لوجود النعت فيهم وانقيادهم للشرع الشريف، وتمكينهم من رتبة العبادة والخدمة كالصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وملازمة الجماعة واتباع السنة وحسن العقيدة، وقل أن يوجد ذلك بكماله فى دولة من الدول الذين تقدموا وأما لفظة (لبلاغا) فهى إشارة تفيد العلم بالوقت المنتظر، وكفى بذلك توفيقا لمن أيقظه الله تعالى وفتح عين بصيرته فرأى الصلاح فيهم ظاهرا، وسيظهر ذلك إن شاء الله تعالى ونشاهده عند ظهور دولتهم، فافهم. فائدة عظيمة، لا يستغنى عنها: اعلم أن ظهور هذه الدولة قد حكاه ونبه عليه صاحب الأصل فى خطبة البيان بإشارة واضحة. وذكر أن ظهورها الإحاطى فى (بكلظ) وانتهاء ظهورها فى «دسغ» وإنها ستظهر على غالب المعمور من وجه البسيطة ويقهرون من ناوأهم، وينتهى سير جنودهم إلى الجزيرة الكبرى يفتحها الله على يد (م وح) من المدن

стр. 919

المنسوبة إلى معنى الإشارة، وتفتح (م) بالتسليم وأخرى (و) بهول عظيم وأخرى (ح) بحسب رحيم وأخرى برعب عميم». (عن شرح شجرة لصدر الدين القنوى) هذه المقالة العظيمة التى كتبها أرباب الإيمان بمحض الإلهام من الله والتى تتضمن إشارات معنوية مقتبسة من الحقائق الكونية، والتى تشير إلى الفتوحات. وفى عام ٩٢٢ هـ دخلت مصر فى حوزة التسخير، وتلقب سلطان العثمانيين ب «خادم الحرمين» إلى غير ذلك أيضا مما يشير إلى نبوءات أهل الإيمان، بظهور أمير المؤمنين سلطان الموحدين الغازى عبد الحميد خان الثانى الذى تجلى العدل وعم فى عهد سلطنته. وبقطع النظر عن التبشيرات المعنوية للمقالة المذكورة؛ فإنه فى الوقت ذاته، لما كان تجديد قوة أساس بنيان هذه الدولة المهون بين الدول المتحفزة كان منوطا بالإرادة الجليلة للمولى ، ندعو الله أن يؤيد سلطاننا العادل، ويديم للخلافة سلطانا عادلا عاملا، فهو منذ يوم جلوسه المبارك على عرش الدولة وهو يعمل ليل نهار على إحياء مجد الدولة، وراحة رعاياها وذلك بجدية وإيثار، وغير هذا فآثار خليفة سيد المرسلين الذى يحمل لقب «خادم الحرمين» ظاهرة فى كل آن وزمان لعيون المسلمين، كما أن المجاورين والأهالى يسعدون بما ينعم عليهم من خيرات لا تعد ولا تحصى، كما أنه بذل الجهد وأنفق الأموال لتكون مكة المكرمة (شرفها الله تعالى إلى يوم القيامة) أجمل البلاد، بل تمتاز عليها جميعها وذلك تقديرا لمكانتها وقداستها، وكل هذه الأعمال ظاهرة لأعين الحجاج مما يعجز القلم عن تفصيلها وذكر مفرداتها، وخلاصة القول فهؤلاء الذين أدركوا عصر هذا السلطان الذى يصرف كل أفكاره العادلة ويوجهها

стр. 920

لتأييد أحكام الشريعة الغراء وتطبيقها وتأمين رفاهية الأهالى وسعادتهم وسعادة الخلق جميعا. وها هو ذا محرر هذه الحروف أدرك عصر ذلك الخليفة الذى انتشر فيه عدله الملوكى، وأتم الجزء الأول من «مرآة الحرمين» وهو «مرآة مكة» وطبعه. وإننى لأعتبر نفسى أسعد الناس من الناحية المادية والمعنوية إذا وفقت فى أن أعرض هذا الكتاب، وأن أضعه تحت الأنظار السلطانية وهذا شرف أقدمه على جميع أنواع المزايا الجليلة وقدمتها. والسلام على من اتبع الهدى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآلهم أجمعين وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين. ***

стр. 921

تقديم إن الحمد والثناء والمحامد لله الذى فاض نوره وتقدست ذاته والذى تجلت أنواره الفياضة فى سناء الوجود وتلألأت أنواره اللامعة فى عيون الشهود والذين اعترفوا بألوهيته إذ استجابوا قائلين «لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ» (غافر: ١٦) لسؤاله بديع المعنى والمآل «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ» جل شأنه قد جعل طيبة الطيبة مجتلى سلطنة الذى خلق من أجله الكون والمكان، وجعل ذلك الوادى المقدس نتيجة المفاجآت وملجأ الفلاح والنجاة لأفراد أمته القلقين، كما جعل لموسى وادى طوى منار الهدى عندما استجاب لأمره البليغ فى «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» والصلاة والسلام، لحظة فلحظة، على صاحب الروضة الرضية ﷺ تلك الروضة التى تفوح منها روائح ورود رياض الثقلين، الصلاة والسلام عليه إذ ملأ عقول الباحثين عن الحقيقة بالهداية السرمدية، كما هدى الضالين وأفعم قلوبهم بعطور الرشد والسعادة، ولتهب نسمات رحمة الله على آله وأصحابه حراس العقيدة واليقين الذين كانوا كل واحد منهم مظلة الهداية والسلام لسكان الصحراء الذين ظلوا فى الفيافى وخزعبلاتها. أما بعد-فلا يخفى على أنظار أصحاب الرأى المستنير أن وقائع الحرمين الشريفين التى حدثت فى عهد الأسلاف، والتى تحمل العبر والعظات، ظلت مدة مديدة مرتدية رداء اللغة العربية أمام أهل الرأى والمطالعة، لكن العثمانيين الذين كانوا ذوى دين وشوق إلهى ظلوا محرومين من القيام بمراسم الترحيب لهذين المشهدين على مراحل التوحيد، إذ ظلوا بعيدين عن أحداثهما لجهل معظمهم باللغة العربية الفصيحة واللغة الفارسية المزخرفة، وفى عصر السلطان الغازى

стр. 922

«عبد الحميد» العصر المبرور الذى شاهد نشر المعالى والعلوم، ظهرت إحدى هاتين الجملتين مرتدية ملابس اللغة العثمانية وذلك بإيعاز وتشجيع من صاحب السلطنة، تحت عنوان «مرآة مكة» أما الأخرى فلم يكتب لها الظهور لتقلب أحداث عجلات الزمان تقلب لون الحرباء. وأخذ المطلعون على أحوال الحرمين الشريفين المقانع (١) من أصحاب الوجد يرجوننى قائلين: «لتلبس تلك الحسناء العربية ملابس الفتاة الرومية»،كما أن الأصدقاء الكرام ضموا أصواتهم لرغبة هؤلاء إذ رأوا أن ظهور أحد شعارى التوحيد مكتسيا بالزى العثمانى وترك الآخر على المحرومين من مشاهدة الروضة المطهرة واشتراكهم مع المحبين فى مجلس الصحبة-مما لا يتماشى مع شيمة العدل والتدين وبهذه البراعة فى الاستهلال دفعونى إلى القيام بهذا العمل، كما أننى أقبلت على هذا العمل مكررا ببعض قدرتى وقلة حيلتى، آخذا من كتاب الإمام السمهودى «خلاصة الوفاء بأخبار دار المصطفى» هذا الكتاب الذى انتشر فى أرجاء العالم الأربعة حاويا الأفكار البديعة والأخبار الشيقة مستمدا منه مادتى العلمية اللازمة لكتابتى، مضيفا إليه معلوماتى الشخصية وما حصلت عليه من الأخبار من تحقيقاتى الذاتية وبهذا ألبست تلك المحبوبة الجميلة ما قمت بتفصيله من الزى العثمانى، وبما أنه سيعكس أنوار عيون أصحاب الدين سميته «مرآة المدينة». كما أن كتابى هذا الذى لا يخلو من الأخطاء نتيجة لقلة بضاعتى قد يبدو عديم القيمة والأهمية، ومع هذا فهو أول كتاب يشتمل على الأحوال العامة والخاصة للمدينة المنورة باللغة التركية، ومن هنا حاز شرف الأولية، كما أنه صدر فى عهد خلاصة السلالة العثمانية كهف الثقلين وخادم الحرمين ولى نعمتنا السلطان ابن السلطان ابن السلطان الغازى عبد الحميد خان الثانى وبهذا نال شرفا آخر.

стр. 923

فإذا ما نال هذا الكتاب شرف شمول نظرات السلطان الحكيمة سيكتب له قيمة سرمدية لا حد لها وبهذا الأمل أقدمه على عتبات نظرات الخليفة ظل الله على أرضه وأدعو الله أن يستجيب لدعائى هذا: اللهم اجعل عرش ظلك الظاهر السلطان عبد الحميد خان مستقرا ما استمرت الدنيا قائمة، ومن الله التوفيق.

стр. 924

الوجهة الأولى وتحتوى على عشر صور فى تعريف الأحوال الجغرافية لمدينة طيبة مهجر النبى ﷺ وتورد عادات أهلها.

стр. 925

الصورة الأولى فى ذكر الأحوال الجغرافية للمدينة الميمونة والبلدة الطاهرة وأوضاع أسوارها الجديدة والقديمة: طرزها وهيئاتها ومتانتها. المدينة المنورة على صاحبها الصلاة والتحية من الممالك المعمورة والبلاد المنتظمة، الثانية فى البلاد الحجازية، ولا يوجد بلد يشبهها من حيث المياه الجارية والرياض المتعددة والأبنية المنتظمة المزينة. لم يهتم بها فى الزمن الجاهلى، كما ظلت فى صدر الإسلام لفترة طويلة فى حالة خراب، ولكن كلما تقدمت العصور الإسلامية وتجددت وترفت، أنفق السلاطين العظام أموالا زاخرة وبذلوا المساعى الجمة حتى أصبحت مدينة جديرة بمهجر سيد الأنبياء-عليه وعليهم التحايا-وذاع صيتها بذلك. إن المدينة المذكورة والبلدة الطيبة المباركة تقع فوق واد مسطح مرتفع بين درجة ٢٠،٢٥ دقيقة فى الشمال عرضا وبين درجة ٣،٣٧ دقائق فى الشرق طولا، ويحدها من الشمال جبل أحد ومن الشرق جبل الطبرى. يروى أن عدد سكان المدينة المنورة وضواحيها يبلغ ثلاثين ألف نسمة إلا أنه لم يبق من ذرية الصحابة الكرام اليوم على أصح الروايات إلا رجل وبضع إناث، أما الباقون فقد أتى أجدادهم مجاورين واستوطنوا فى المدينة. لأن حجاج المسلمين يريدون أن ينالوا الأسرار الجليلة التى صدرت فى شفاعة النبى ﷺ فى حديثه: «ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة» (١) (حديث شريف) ويقبلون على زيارة «الروضة المطهرة» قبلة العاشقين والمتضرعين والمتوسلين بغية

стр. 926

نيل الشفاعة الموعودة ويدخلون فى «الحجرة المعطرة» حيث يحلو لبعضهم أن يظلوا مجاورين لهذه الأماكن المباركة. وقد بلغ عدد هؤلاء أو الذين تركوا ديارهم مع أولادهم وعيالهم محتاجين الإقامة مجاورين الرسول محبة فيه، بلغ عدد هؤلاء اليوم ألفين أو ثلاثة آلاف شخص (١).وأولاد المجاورين الذين ولدوا وعاشوا فى المدينة الطاهرة، يعدون من أهل البلدة الطيبة، وبهذا يكون أغلب سكان المدينة من ذرية أسلاف المجاورين الذين تكاثروا جيلا بعد جيل وكونوا جماعة كبيرة واشتهر بعضهم بأولاد «برى» كما اشتهر بعضهم بأولاد السمهودى كما اشتهر الآخرون بأسماء أخرى. إن الذوات الذين عرفوا باسم أولاد «برى» أصلهم من الغرب، وأبناء السمهودى من البلاد المصرية المجاورة، والآخرون ينتمى كل واحد منهم إلى بلد ما. تقع هذه البلدة السعيدة فى الجهة الشمالية الغربية من مكة المكرمة وعلى بعد أربعمائة كيلومتر منها، وعلى بعد مائة كيلومتر من الجانب الشرقى من البحر الأحمر وفى نهاية صحراء عظيمة، وطريقها البرى الواصل إلى مكة المعظمة عبارة عن صحراء رملية وجبال صخرية ووديان قابلة للزراعة. وهى محاطة بسور على شكل قطع ناقصة وجميلة من جهاتها الأربعة، والجهات الأربعة لهذا السور محاطة بجبال متسلسلة ومحددة، وفى جهتها التى تهب منها رياح السموم قطعة واحدة من صخرة نصبت حولها قلعة قديمة ولكنها متينة تعرف بقلعة «أروج حصار». وطول هذا السور «١٤٠٠٠ ذراع» تخمينا وارتفاعه عشرون ذراعا وسمكه عشرة أذرع، وأحجاره فى غاية الصلابة والمتانة، وله خمسة أبواب اشتهرت بأسماء: درب المصلى، درب الصغير، درب الشامى، درب السوارقية، درب البقيع. درب المصلى: ويطلق عليه درب السويقة وباب السوق وباب المصر، وقد كتب

стр. 927

فوق طاقته ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل:٣٠) وقد طرحت مبانيه وأسست من حجر أسود فى غاية الإحكام إلا أن بعض أماكنها أخذت تتشقق والباب المذكور فى الجهة الغربية من السور وفى جهة «مصلى عيد النبى» وما بينه وبين باب السلام «ستمائة خمسة وأربعون» ذراعا. الدرب الصغير: ويقع بالقرب من حصن الأمير وفى جهة درب المصلى. الدرب الشامى: ويطلق عليه الدرب الكبير أيضا. درب البقيع: هو الباب الكبير الذى يقع فى الجهة الشرقية من السور، وهو الباب الذى يعرف بباب الجمعة، وبينه وبين باب جبريل مسافة أربعمائة ثلاثة وثلاثون ذراعا. إخطار الذراع الذى أذكره فى تعريف هذا السور هو الذراع المعمارى، ولكن فى قياس الحجرة المعطرة أو ساحة مسجد السعادة، اعتبر الذراع الذى يستخدم فى البلاد المصرية والحجازية، وعلى هذا يلزم أن يكون هذا المقياس مقياسا فى طول شبرين، لأن الذراع الآدمى ومقياس مصر والحجاز ذراع وثلث ذراع. درب البقيع: ظل هذا الباب مسدودا إلى سنة خمس وسبعين وسبعمائة، وقام الملك الصالح المصرى بفتح هذا الباب فى خلال تلك السنة وأدخل السرور فى قلوب سكان هذه الجهة، ولكنه سده مرة أخرى بعد فترة، واندرس أساسه وانمحى شكله وبهذا أصبح عدد أبواب أسوار المدينة أربعة. ولما وفق والد السلطان كثير المحامد فى تجديد مسجد السعادة أمر بفتح الباب الشامى لتسهيل نقل أنقاض مبانى مسجد السعادة عند تجديده وبهذا أصبحت أبواب المدينة المنورة خمسة أبواب مرة أخرى. إن الأبواب الخمسة أكثر الأبنية نظاما بالقياس للمبانى الموجودة فى البلاد

стр. 928

الحجازية، وكل واحد منها قد أسس وفتح تحت أبراج منقوشة بألوان متنوعة ومستحكمة بنيت لصد هجمات عربان البوادى، ويبعد كل واحد عن الآخر مسافة منزل رصاص وبنيت مطابقة لفن وقواعد بناء القلاع والحصون على شكل نصف دائرى، وصنع فوق جدران الأسوار بعض الأبراج وزرعت فى داخل المدينة وخارجها أشجار نخيل لا تعد ولا تحصى وذلك بمساعدة وفرة المياه وجودة الهواء. ولم يكن فى عصر السعادة أسوار ولا مستحكمات، وكانت دور أجداد الأنصار من قبائل «الأوس والخزرج» متصلة بعضها ببعض مثل قرى متسلسلة، لذا كان شكل المدينة الطاهرة بلدة طولية جسيمة وقد وصل أحد أطرافها إلى قرية «قباء» التى تثير الشوق إليها. وقد دام عمارها الذى حدث فى عصر النبى ﷺ إلى واقعة الحرّة الشهيرة، وبعد ذلك آلت إلى الخراب تدريجيا، وبما أنها قد صغرت إلى أقصى حد فى عهد طائع الله بن المطيع لله العباسى، فقد أخذ العربان الذين يسكنون الصحراء يثورون من حين لآخر ويطوفون ويمضون ثم يغيرون على المدينة وينهبون أموال الأهالى ويستولون على كل ما يمتلكون، فأراد عضد الدولة (١) ابن بويه أن يحمى سكان دار السكينة وأموالهم من نهب أشقياء البدو وأن يخلصهم من تسلطهم، فأحاط تلك المدينة بسور متين فى سنة «٣٦٠ هـ» (٢)، ودام السور الذى بناه عضد الدولة وأسسه ما يقرب من مائتى عام، إلا أنه لم يعمر ولم يصلح ولم يرمم لفترة طويلة فآلت أبراجه وجدرانه بالتدريج إلى الخراب واندرس حتى لم يبق أثر لأسسه، وأخذ العربان الذين لا يذعنون فى إزعاج الأهالى، لذا بنى صاحب رباط العجم (٣) «جمال الدين محمد بن أبى منصور» الأصفهانى سورا جديدا قويا فوق أنقاض السور القديم المندرس، وبهذا

стр. 929

أنقذ الأهالى الضعاف من شقاوة الأشقياء وذلك فى سنة ٤٥٠ هـ مع أن هناك روايات مختلفة كثيرة يتناقلها الناس بخصوص القلعة القديمة التى قام بتجديدها المرحوم جمال الدين فمن المحقق أن تلك القلعة هى التى جددها جمال الدين المذكور إذ قال شهاب الدين ابن أبى شامة فى كتابه نقلا عن ابن الأثير: بينما كان ابن الأثير يؤدى صلاة الجمعة فى مسجد المدينة المنورة، رأى أن أحد الأشخاص يطيل فى الدعاء لجمال الدين الأصفهانى فسأله عن سبب ذلك؟ فكان رد الرجل: إن أهل دار السكينة يدينون فى كل وقت وآن وساعة بالدعاء لجمال الدين؛ وكيف لا يدعون له؟! أليس هو الذى أنقذ سكان مدينة الرسول من إساءة العربان ومضرة أهل العدوان، إذ أحاط المدينة بالسور الذى تراه وكانوا قبل ذلك أسرى فى أيادى العربان وكان أشقياء العرب يهاجمونهم فى كل آن وينهبون أموالهم ويغتصبون حيواناتهم ويغيرون عليهم. ولسنا وحدنا نخصه بالدعاء حتى خطباء منبر السعادة يقولون فى أثناء خطبهم اللهم صن حريم من صان حريم نبيك بالسور، محمد بن على بن أبى منصور، فرحمه الله ورضى الله عنه. إن رواية ابن أبى شامة هذه تؤيد القول الذى يحكى أن بانى هذا السور ومجدده هو جمال الدين محمد بن أبى منصور. ويجرح ابن خلكان القول الذى يقول إن هذا السور قد بنى من قبل عضد الدولة قائلا إن «إسحاق بن محمد الجعدى» هو الذى كان قد بنى سور المدينة القديم فى خلال سنة مائتين وثلاث وستين، وكان للسور الذى بناه إسحاق بن محمد أربعة أبواب فى ذلك الوقت يفتح أحدها إلى جهة مقبرة بقيع الغرقد والثانى إلى عضد الدولة وادى العقيق والثالث إلى قبور الشهداء والرابع يفتح إلى جهة الغرب؛ وقد خرب هذا السور الذى بناه إسحاق بن محمد، وهذا هو سبب نسبة السور القديم إلى عضد الدولة ابن بويه وحكم بهذا المقال أن السور القديم من آثار إسحاق بن محمد وبعض المؤرخين يؤيدون هذه الرواية أيضا

стр. 930

قائلين إن الذى بنى السور القديم هو معز الدولة، وجدده فى سنة أربعمائة وخمسين صاحب رباط عجم جمال الدين الأصفهانى، وإن تمسك المؤرخون بادعائهم هذا إلا أن الرواة الذين نقلوا خبر ابن بويه من الأشخاص الذين يوثق فى أقوالهم وهذا يقتضى ترجيح هذه الرواية على الروايات الأخرى. والمؤرخون الذين رأوا آثار خرائب السور القديم الذى بناه عضد الدولة ذهبوا إلى أن هذا السور يمتد من جبل سلع إلى وادى بطحان يحتوى فى داخله ما نسميه فى زماننا «بمسجد النبى» والذى كان مصلى العيد المصطفوى، ومبانيه وما حوله من جميع البيوت وبهذا ادعوا أن السور القديم كان سورا عظيما. وبعد أن جدد المرحوم جمال الدين سور المدينة وأنقذ الأهالى من أن يداسوا تحت سنابك خيول العربان وخلصهم من شرورهم، أخذ سكان مدينة الرسول يزيدون يوما بعد يوم وبناء على هذا أصبح لازما بناء البيوت خارج السور وامتلك فقراء الناس قطعان من الأرض فى خارج السور وأخذ كل واحد منهم يبنى بيتا على قدر طاقته، إلا أن أشقياء العربان الخبثاء أخذوا يزعجون فقراء السكان فى خارج السور كلما وجدوا فرصة نتيجة لما جبلوا عليه من الخسة إلى أن ورد إلى المدينة الشهيد «نور الدين» وقد ذهب الشهيد نور الدين بغتة إلى المدينة الزاخرة بالرحمة بناء على رؤيا رآها-كما ذكر فى الوجهة التاسعة والصورة الأولى- وانتهز أصحاب البيوت التى فى خارج السور الفرصة وقدموا طلبا يفيد لجملة ما يأتى: يا أيها الملك! لم تبق لنا طاقة لتحمل غارات أشقياء العربان، إذ يغيرون علينا من حين لآخر ويستولون على حيواناتنا ويأسرون أولادنا وعيالنا، نرجو أن تنقذنا من شرور هؤلاء بأن تصدروا أمركم ببناء سور يحيط بمنازلنا، وما كان من الملك إلا أن أسعف رجاء الأهالى وأمر بهدم السور القديم الذى آل للسقوط والخراب وأسس سورا جديدا يحيط بالمنازل والمحال التى بنيت فيما بعد وما زال هذا السور مشهورا إلى يومنا هذا، وهكذا أنقذ أصحاب المحلات الجديدة والبيوت من تسلط عربان الصحراء وإضرارهم وذلك فى سنة «٥٥٨».

стр. 931

وقد رأى فريق من المؤرخين فوق الباب الذى فتح فى جهة بقيع الغرقد من السور عبارة: «هذا ما أمر بعمله العبد الفقير إلى الله تعالى محمود بن زنكى بن أقسنقر غفر الله له، سنة ثمان وخمسين وخمسمائة» وذهبوا إلى أن السور المذكور قد شيد من قبل محمود بن زنكى. ومن هنا لا شبهة فى أن السور المذكور من أثر بناء الشهيد نور الدين. والشهيد نور الدين هو «محمد القاسم» ابن الملك المنصور عماد الدين بن أبى الجواد، زنكى أقسنقر. وقد ولد فى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ورحل عن دنيانا سنة تسع وستين وخمسمائة إلى عالم البقاء والخلود وبناء على هذا يكون قد مات وعمره أربع وخمسون سنة ﵀. وقد أمن سور المدينة الطيبة الذى بناه الشهيد نور الدين السكان من تسلط العربان، وحافظ عليهم ما يقرب من مائة وخمسين عاما، إلا أن تقلبات الزمان ومرور الأيام خربت السور الجديد وحفرة الخندق التى حفرت من قبل سعد بن ثابت وأخذت هجمات الأشقياء المتوالية تزعج سكنة دار الهجرة مرة أخرى، وعندئذ جدد الملك الصالح ابن الناصر قلاوون وهو من الملوك الشراكسة المصريين الأماكن الخربة من ذلك السور فى سنة ٧٥٥،كما شيد وأصلح السلطان قايتباى الأماكن التى خربت وانهدمت من ذلك السور. شرع فى حفر الخندق سالف الذكر، بتشجيع سعد بن ثابت جماز من ولاة المدينة واتفاق الأهالى واتحاد الأعيان والسادات فى سنة ٧٥١ هجرية، إلا إنه تم حفره فى عهد وولاية فضل بن جماز الذى أصبح واليا بعد موت سعد بن ثابت. وللأسف الشديد قد امتلأ ذلك الخندق بالأحجار الصغيرة نتيجة للإهمال وأصبح أرضا مستوية حيث أنبتت بعض الخضر والفواكه. وكما لم تجدد أى جهة من جهات السور منذ عصر الملك قايتباى المصرى إلى عصر السلطان سليمان بن السلطان سليم خان عليهما الرحمة والغفران، أخذت

стр. 932

أبراجه وجدرانه تتشقق وتنهار فانفتحت شقوق كبيرة وأخذ البدو يمارسون عاداتهم القديمة المألوفة فيمدون أياديهم إلى أموال الأهالى والمواشى وأخذوا يزعجون سكنة دار السكينة، مما دفع الأهالى إلى عرض أحوالهم على أعتاب السلطان سليمان وإعلامها فى سنة ٩٣٧ هجرية، فصدر الأمر السلطانى بتعمير سور المدينة القديم بشكل متين قوى وإنقاذ الأهالى الكرام من تسلط اللصوص، وتعيين من يقتضى تعيينهم من أجل هذا العمل على وجه السرعة وإرسالهم إلى دار الهجرة، وإشعار ذلك إلى والى ولاية مصر، وبناء على صدور الصحيفة التى تحوى الأمر السلطانى وإرسالها إلى والى مصر، تم تدبير الشخص الذى أنيطت به مهمة أمانة البناء كما دبرت المبالغ اللازمة، وتوجه مستصحبا معه لوازم البناء إلى المدينة المنورة وتحرك من مصر لينال هذا الشرف وعندما وصل إلى دار الهجرة أخذ يقيس الأماكن التى تحتاج إلى التعمير والبناء من السور فتكشف له أن أربعة آلاف ذراع معمارى من الجدران فى حاجة إلى التأسيس والتشييد من جديد ماعدا الأبراج والدعائم، وكان ارتفاع هذا الجدار سبعة عشر ذراعا وسمكه عشرة أذرع، وقد جلب أمين البناء العمال المطلوبين من المدينة المنورة، وابتدئ فى حفر الأساس فى أواسط سنة ٩٣٩.وقد بذل أقصى الجهود وأخلص المساعى فى بناء السور وقدمت التسهيلات اللازمة من جميع الجهات ومع ذلك لم يتم بناؤه. إلا فى ظرف سبع سنوات واكتمل فى أواخر سنة ٩٤٦ وفتحت للسور الخارجى أربعة أبواب وللسور الداخلى الذى يطلق عليه «القلعة الداخلية» بابان. وكان أحد أبواب «القلعة الداخلية» مفتوحا أو مغلقا على صورة دائمة بينما كان الآخر قد صمم على أن يفتح ويغلق فى وقت الحاجة فقط لذلك أطلق عليه «الباب السرى». وقد غطيت مصاريع أبواب القلعة الخارجية والداخلية بألواح حديدية بينما صنع «الباب السرى» من الحديد الخالص وقد رممت بروج القلعة الخارجية أكثر من بروج القلعة الداخلية، وعمقت حفرة الخندق وشيدت جدرانها قوية متينة على قدر الإمكان، وأجرى مقدار كاف من المياه من «عين الزرقاء» حتى لا يحرم

стр. 933

الأهالى فى داخل السور من المياه وفتح منهلان أحدهما خاص بالرجال والآخر بالنساء. قال صاحب «مفتاح السعادة» أنفق السلطان سليمان لتجديد السور ستين ألف قطعة ذهبية وقال «السيد كبريت المدنى» أنفق مائة ألف قطعة ذهبية. وأرسل أربعة عشر ألف أردب من الحبوب مثل الأرز والحنطة والفول والشعير، وما لا يحصى ويعد من العدد والأدوات وكان ما أرسل من الآلات والحبوب والأدوات خارج الحساب المذكور. ولم تنفق كل هذه النقود فى تعمير السور فقط بل أنفقت أيضا-كما سبق فى بحث تعمير الحرم النبوى وتفضيله-فى تقويض الجدار الغربى للمسجد النبوى ومئذنة «الشكلية» و «باب الرحمة» كلها من أساسها وتجديدها فيلزم أن تدخل النقود التى ذكرها صاحب كتاب مفتاح السعادة و «السيد كبريت».والبيت المذكور الذى يقول. (أنظر إلى السلطان سليمان لقد بنى قلعة كسد الاسكندر فاطلب له الرحمة). يؤكد أن السلطان سليمان-عليه رحمة الله المنان-هو الذى قام بتجديد سور المدينة المنورة، وصان أهلها من تسلط العربان، وهكذا يئس أشقياء العرب من التسلط على المدينة ونهب أموال الأهالى ومواشيهم-﵀ رحمة واسعة. وبخصوص القلعة فإنه من المعلومات التى ذكرت هاهنا، يفهم أن المدينة المنورة كان لها سوران: الأول غربى والثانى شرقى وكانت حدود المدينة المذكورة محاطة بهذين السورين. وكل من يسكن بين أحد السورين يطلق عليه مدنيا، وقد جدد السور الغربى بالطوب اللبن فى أوائل الفترة الوهابية من قبل الأهالى على أسس السور القديم.

стр. 934

الصورة الثانية وجوب مراعاة حق جيران رسول الله ﷺ . وقد قال سلطان الكائنات وهو يبين توصية جبريل خيرا بأهل المدينة. «مازال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (١) (حديث شريف).وبناء على هذا يجب أن يخشى قول كلمات غير لائقة فى حق جيران رسول الله، وقد بين الرسول ﷺ وجوب شفاعته للشخص المدنى الذى يظل على إيمانه ويسلم روحه على تلك الحالة فى حديث روى عن الإمام الترمذى وابن ماجة والذى رواه ابن حبان عن عبد الله بن عمر-رضى الله عنهما-من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بها فإنى أشفع لمن يموت بها» (٢) ومن أجل هذا فمن واجب العباد الموحدين أن يحبوا أهل المدينة الميمونة وأن يظهروا لهم حيثما قابلوهم مظاهر التعظيم والتكريم. إن مراعاة جانب أهل المدينة كأنها توقير وتعظيم لسلطان الأنبياء-عليه أفضل التحايا-ولأجل نيل رضا النبى ﷺ قد أبدى «ملوك الأمويين والعباسيين والأيوبيين والشراكسة» أعظم توقير للحرمين الشريفين ورعوا جانب سكانها أعظم رعاية، وبناء على ما سوف يعرف فى الصور الآتية قد تركوا آثارا خيرية كثيرة ستخلد أسماءهم فى صحيفة العالم. وقد فاق السلاطين العثمانيون الملوك السابقين فى هذا الصدد إذ خصصوا لأهالى الحرمين ومجاوريهما جرايات مستوفية وتعيينات من الأشوان والمخازن المحلية، والمعاشات من وزارتى المالية والأوقاف وأنعموا عليهم بالصرر والهدايا وعملوا على تأمين راحتهم وإنقاذهم من غارات أشقياء العربان وأحيوا الآثار المسعودة بالتعمير والتجديد. ونذكر خاصة السلطان عبد المجيد خان-طيب الله

стр. 935

ثراه-كان المسجد النبوى قد أشرف على الخراب فى زمنه. كما بين ذلك فى الصورة الخاصة-فأمر السلطان بهدمه من أساسه وبنائه رصينا متينا محافظا على زينته الخارجية. وقد شرع فى بناء المسجد بناء على رغبة السلطان وتم إنشاؤه فى ظرف اثنى عشر عاما، ولا شبهة أن السلطان المذكور قد أبهج روح رسول الله ﷺ بهذه الخدمة المفتخرة وبإظهار الحرمة والتوقير بسكنة الحرمين الشريفين الكرام. وبما أن الرسول ﷺ العارف العالم برموز الحكم قد بين لزوم محبة أهل المدينة جيرانه بأحاديث كثيرة، فيجب عرض المحبة والمودة لأهل المدينة. ومن علامات العبودية الخاصة حبّ من يحبه الرسول ﷺ والابتعاد عمن لا يحبه. ومع كل هذا فمهما أظهر لسكان أهل المدينة من المحبة والوداد والأخوة، فلا يمكن مقابلة ما نراه فيهم من الرعاية والاحترام. والخدمة التى نقدمها لهم، هى إرسال صرة لهم مرة فى السنة مع أنهم يدعون لنا فى صلواتهم الخمسة أمام النبى ﷺ ، وإنهم يلاطفون زوار رسول الله ﷺ غاية الملاطفة، وحيثما رأوهم يستفسرون عن أحوالهم ويحاولون إظهار أية خدمة لهم. وإنهم يخجلون من الواحد منهم الذى يخلو بيته من ضيوف فى مواسم الحج ويوبخونه قائلين معاتبين: «لو كنت رجلا سعيدا مستقيم الأطوار لبحثت عن ضيف وأطعمته» ومن عاداتهم أن يستقبلوا قوافل الحجاج فى ناحية جرف (١) وأن يظهر أطفالهم فرحهم وسرورهم بقدوم الزوار بإنشاد سيد خواجه ... يأكل دجاجة فى صحن صينى ... أنت سليمى وإنهم يسارعون فى استضافة كل من يقابلونه من الزوار سواء أكان فى موسم الحج أو غيره بدعوته إلى منازلهم، وكلهم رجالهم ونساءهم ويطيب خواطر الضيوف، وإذا لم يكن عندهم قدرة لاستضافة من يدعونهم إلى دورهم

стр. 936

يستدينون ليقوموا بواجب الضيافة، وإذا قورن ما يقدمه الزوار من النقود والهدايا بما يقدمه أهل المدينة من الرعاية فلا يساوى ما يقدمونه عشر معشار ما يرونه من حسن الرعاية وما يقدم لهم من الضيافة. قد أقمت أنا مؤلف الكتاب فى سنة ١٢٨٩ هـ فى الدار السعيدة دار ابن نقيب الأشراف، من السادات العلوية محمد علوى بافقى أفندى. وكان معى تسعة من رفقائى، وكان سيد أفندى يحضر لنا فى اليوم مائدتين من الطعام كاملتين، وكان أصدقائى يتحدثون فى أثناء الطعام ويخوضون فى الحديث عن قيمة ما يقدم لهم قائلين إن مثل هذه المائدة يمكن تجهيزها بقطعة ذهبية. يعنى بمائة واثنين وثلاثين قرشا. ولم يفارقنا سيد أفندى لحظة واحدة فى أثناء إقامتنا عنده، كما أنه لم يترك أثرا فى المدينة لم يأخذنا إليه، وإذا انتقل بنا الكلام إلى السيدة والدته فمن العادات المرعية بين نساء المدينة أن تقوم أكبر السيدات سنا بالطبخ، وألا يدخل المطبخ دون وضوء. فالسيدة المذكورة لم تغادر المطبخ مدة إقامتنا تاركة النوم والراحة. ويقتضى الوقوف على دقائق الأحوال فى المدينة وأسرارها، الإقامة فى المدينة فترة ما والاختلاط والائتلاف بوضيعها وشريفها، لذا لا يستطيع أن يعرف دقائق الأمور فى المدينة من يقيم بها يومين أو ثلاثة أيام. البيت: فيمحوك الله فى لحظة مثل الرماد ... لا تطل يدك ولا لسانك لأهل تلك البلدة

стр. 937

الصورة الثالثة فى ذكر وبيان كيفية دفن من أدركه الأجل فى المدينة الطاهرة . فى مقابر البقيع، يصلون الصلاة التى حان وقتها ثم يصلون صلاة الجنازة ويخرجون الجنازة من باب جبريل وينقلونها بالتهليل والتوحيد إلى مقبرة البقيع حيث يدفنونها. وإذا ما وجدت فى المسجد النبوى عدة جنازات سواء أكانت للرجال أو النساء، تصلى عليها فى جماعة واحدة ويصافحون أقارب الميت معزين، وهذه العادة سنة طيبة بقيت بعد وفاة سيدنا «الحسن بن على» رضى الله عنهما، لأن أخاه الحسين وقف بجانب باب مقبرة البقيع بعد دفن الحسن بعد وفاته وتقبل تعازى الناس بكل احترام. ولما كان غسل الموتى من غير رخصة ممنوعا منعا باتا وقد وضعت هذه القاعدة لمعرفة عدد الذين يموتون فى السنة بالمدينة المنورة، لذا تعطى من المحكمة للوفيات قطعة من تذكرة يطلق عليها «إجازة» ولا توجد فى المدينة الطاهرة مقابر متعددة، ومهما يكن المتوفون ينتسبون إلى أسر كبيرة فلابد أن يدفنوا فى مقبرة «بقيع الغرقد». ومقبرة بقيع الغرقد-كما عرّفت فى الصورة الثامنة من الوجهة الثالثة-خارج السور الذى ينسب إلى جمال الدين الأصفهانى وأمام باب الجمعة، لذا تخرج الجنائز من باب جبريل وتحمل عن طريق «باب الجمعة» إلى بقيع الغرقد ومقبرة بقيع الغرقد محاطة بسور وجدار فى ارتفاع ثلاثة أذرع ولها خمسة أبواب وفى داخلها أحد عشر ضريحا. ولما كانت تلك المقبرة الشريفة من أكثر المقابر بركة، فقد دفن فيها الذين

стр. 938

صعدوا إلى عليين وسكنوا قصور الخلد من بنات وأزواج النبى الطاهرات وأكثر أصحاب رسول الله ﷺ المهتدين وعطروا ترابها، ودفن فيها جميع الذين توفوا فى المدينة منذ عصر السعادة، وقد ثبت بناء على أصح الروايات دفن سبعة آلاف من الصحابة بقطع النظر عن التابعين وأتباع التابعين من الصلحاء والأتقياء. فالجنائز التى تدفن فى مقبرة البقيع الشريف توضع فى لحد يسمى «قصقية» ولكل قصقية باب مستقل. وبناء على إخبار من اطلع على الأمور، أن لو فتحت قصقية الجنازة التى دفنت اليوم غدا لدفن جنازة أخرى فلا يبقى أثر من عظام الجنازة الأولى ولا تشم لها رائحة عفونة، وذلك من حكمة الله- وهذه الحالة تصدق مآل الحديث النبوى ﷺ : «كأنهم ينثرون أهل البقيع مثل الورد فى رياض الجنان» (حديث شريف). ليس فى المدينة تابوت خاص فالميت سواء أكان من الرجال أو النساء يدفن بكفنه، وتغلق أبواب وفتحات اللحود الجديدة التى صنعت من أجل الجنازة باللبن والتراب بعد الدفن. والذين يتوفون فى المدينة المنورة ويدفنون فيها ينالون ثواب الشهيد الذى قتل فى سبيل الله كما ورد فى الخبر. بينما كان الرسول ﷺ يوما فى البقيع جاء رجل من الخارج وقال وقد رأى قبرا يحفر «ما أقبح مكان الشخص الذى سيلقى فى هذا القبر» فأجابه الرسول معاتبا. «ما أسوأ ما نطقت» وبهذا بين لذلك الصحابى أنه يجب أن يصحح ظنه وعقيدته فقال الصحابى: إننى أردت أن أقول لو كان هذا الرجل مات فى أثناء قتال العدو بدلا من موته فى الفراش فأجابه الرسول بما معناه: ليس فى الدنيا بلد يماثل هذا البلد، فالذين يموتون هنا كأنهم يستشهدون (١) فى سبيل الله، عندى أن

стр. 939

المكان الذى سيكون قبرى بقعة لا تماثلها بقعة على وجه الأرض. (حديث شريف) وبين أن تلك المقبرة الشريفة مكان فى غاية الاحترام. بيت فلتمت فى قرب أحمد وجواره ... واكتسب الحياة باقيا فى هذا المكان ومن حكم عادات أهل المدينة زيارة البقيع الشريف، الصغار والكبار الرجال والنساء جميعا فى ليلة الجمعة أى بعد عصر يوم الخميس بعد أداء صلاة العصر، ويضع جميع الزوار فوق القبور المعروفة ريحانا ونباتات خضرا، وبما أنهم يعتقدون أن هذا من جملة سنة الرسول السنية يخافون تركه. منظومة ذلك المتوجه إلى أرض البقيع ... أحد العروش بين المقام الرفيع كل جانب منها نور يزين الأرض ... كل تلك النجوم من تلك الجهات الأربع ولأن المنهى هو حصاد للربح المطلوب ... فإن ستارة الورد فتيلة لنور القلوب كان الرجال والنساء يزورون البقيع معا فى الماضى، وقد ألغيت هذه الأصول وأخذ الرجال يجرون السنة المصونة بالذهاب إلى البقيع يوم الخميس بعد أداء صلاة الظهر كما أن النساء يذهبن يوم الجمعة بعد أداء صلاة الفجر.

стр. 940

الصورة الرابعة توضح وتبين كيف يستقبل شهر رمضان الشريف-مظهر الغفران-من قبل أطفال المدينة وكيف يكون رمضان فى مدينة طيبة . استقبال رمضان الشريف: يجتمع أطفال المدينة الطاهرة-كنوع من ألعاب الأطفال-فى ميدان ما فى التاسع والعشرين من شهر شعبان كل سنة، وبعد ما يعينون من بينهم ثلاثة أطفال يتصفون بطلاقة اللسان ينصبون أحدهم شيخ الحرم والثانى قاضيا والثالث أمير الحج، ويخرجون فى وقت الأصيل إلى خارج السور ويعودون ومعهم رمضان الشريف ويقال لهذه اللعبة بين سكان دار السكينة «استقبال الأطفال لرمضان الشريف». وحيثما مد السمع وأنصت بالدقة فى حين الحيرة لمسجد الحرم النبوى الذى يصير وكأنه قد شعشعت فيه الأنوار كأنها أمواج البحار المتلاطمة تسمع اهتزازات أجنحة الملائكة العظام. وعندما يحل وقت الإفطار وتطلق المدافع ويؤذن فوق المآذن يدعو أصحاب طعام الإفطار من على يمينهم ويسارهم ولا سيما الضيوف إلى الطعام بتعبير مخلص قائلين: «تفضلوا يا أيها الرفاق» ويحسنون ببقية الطعام إلى الزوار الغرباء وبعد خمس أو ست دقائق تتلى الإقامة فيقوم الجميع لأداء صلاة المغرب. وبما أن تأخير الإقامة فى صلوات المغرب فى رمضان من العادات القديمة فالسادة المؤذنون يؤخرون الإقامة رعاية لتلك العادة الطيبة إلى ختام الإفطار. وتتم مراسم الإفطار على الوجه المذكور وبعد أداء الصلاة يستصحب كل شخص من أهل المدينة واحدا أو اثنين من الضيوف ويذهب إلى منزله وبعد الطعام يعود مرة أخرى إلى المسجد وبناء على هذه الأصول تقام فى حرم مسجد السعادة كل ليلة ما يقرب من مائة مائدة للإفطار.

стр. 941

مطالعة ويذكر ما يحدث فى بعض البلاد الإسلامية، ولا ذكرت سيما باب السعادة، من الإفطار قبل صلاة المغرب عادة أهل الحرمين الشريفين التى ذكرت ومن هنا يفهم أنه إنما اتخذت هذه العادة فى الممالك الإسلامية اقتداء بأهالى الحرمين الشريفين. وفى هذه الأصول-أى فى عدم ملء المعدة بالطعام مرة واحدة، بل أكل الطعام بعد إفطار خفيف وأداء صلاة المغرب-منافع طبية عظيمة. لأن ملء المعدة الفارغة مرة واحدة يؤدى إلى صعوبة إجراء المعدة وظيفتها ويسوق إلى مشكلات وهذا مضر من جميع الوجوه، ومن المفيد تعويد المعدة على أداء وظيفتها بطعام خفيف. صورة أداء صلاة التراويح: بعد الآذان يؤدى المصلون صلاة العشاء فى جماعة واحدة. ثم يشرع فى أداء صلاة التراويح وقد انقسمت جماعات المسلمين إلى أربعين أو خمسين فرقة. ولكل فرقة إمامها ومؤذنها وأمامهم شمعدانان كبيران وفوانيس متعددة والفوانيس التى أمام الفرق فى ألوان غير مختلفة وتفترق كل فرقة إلى جهة ما من المسجد فيختم بعضها القرآن فى أثناء صلاة التراويح ويؤدى بعضها صلاتهم بقراءة وتلاوة سور طويلة أو قصيرة. فبعض الأئمة يكبرون وبعض الأئمة يتلون القرآن وهذه الحالة المليئة بالفيوضات الإلهية تجذب الأنظار وتثير الحيرة وينجذب إليها الروحانيون للتأمل والمشاهدة وفى ختام التراويح يجرى مرسم موكب الشموع. سبب إقامة موكب الشموع: يضاف فى ليالى رمضان الشريفة إلى الشمعدانين الذهبيين اللذين يوقدان بشمع النحل فى الحجرة المطهرة فى الأيام العادية، ثمانية شمعدانات أخرى حتى تضاء الحجرة المطهرة بصورة عظيمة. ومن العادات المستحسنة أن يدعى ثمانية أشخاص من ذوى الهيئات من الخارج لإعادة الشمعدانات التى وضعت فى حجرة

стр. 942

السعادة إلى أماكنها فى المخزن، والقيام بهذا العمل والفوز بخدمة سيد الكونين من الأمور الصعبة ألا فليكتبه الله لجميعنا، لأن تلك الخدمة التى تستوجب المغفرة تنحصر فى أكابر المدينة المنورة من أعيانها وأشرافها وبعض الموظفين الكبار المحليين؛ وبناء على هذا يكتب لثمانية أشخاص تذاكر دعوة خاصة ويخطرون بوجودهم فى موكب الشموع. والأشخاص الذين دعوا ليكونوا فى موكب الشموع يذهبون عقب أداء صلاة التراويح مع الخدم ويدخلون فى الحجرة التى فيها قبر الرسول الجليل ويأخذون الشمعدانات التى اعتيد إيقادها فى داخل الحجرة وينقلونها إلى خزانة الشموع (١) الكائنة فى شمال الحرم الشريف ويوصلونها.

стр. 943

الصورة الخامسة فى بيان ترتيب وتشكيل موكب الشموع الذى اعتيد إجراؤه فى مسجد السعادة بعد صلاة التراويح . بينما يحل وقت إجراء موكب الشموع يلبس شيخ الحرم ونائب الحرم (١) جلبابا واسع الأكمام ويشدون وسطهم بشيلان خاصة للاستخدام فى مواكب الشموع ويرسلون أطرافها إلى الأسفل ثم يذهبون مع المدعوين بتذاكر الدعوة والذين لبسوا مثلها إلى أمام باب الحجرة المعطرة الذى يطلق عليه الباب الشامى ويدخل شيخ الحرم ونائبه فى داخل الحجرة المعطرة وبعد فترة يخرجان وقد حملا الشمعدانين الذهبيين والأغوات الخاصة بالحرم يحملون الشموع الخاصة الثمانية بليالى رمضان ويعودون بكل وقار وتعظيم لائق وتكريم فائق إلى الباب الشامى ويعطون الشمعدانات التى فى أيدى أغوات الحراسة إلى الموظفين الذين بقوا خارج الباب وينظمون صفوفهم والأشخاص المدعوين لحمل الشمعدانات يحمل كل واحد منهم الشمعدان الخاص به والذى أشير إليه فى تذكرة الدعوة ويأخذ الفراشون شموع مسجد السعادة والشموع التى مقابل المحراب الشريف ويسيرون منتظمين كل واحد منهم خلف الآخر يتقدمهم حاملو شموع الحجرة المعطرة وهم يصلون على النبى ويسلمون أثناء سيرهم فى وقار وتؤدة نحو مخزن الشموع وفى أثناء ذلك ينشد مؤذن رخيم الصوت قصائد فى نعت النبى ﷺ وهو يستقبل مرقده-﵇-وفى ختام الموكب يدعون لملك الزمان ثم ينادون قائلين «الفاتحة».

стр. 944

بينما ينظم موكب الشموع يقف أولاد الموحدين مجتمعين أمام حديقة النخيل (١) ويستقبلون الموكب ويأخذون الشموع التى فى أيدى المدعوين ويوصلونها إلى الحجرة التى يطلق عليها الخزانة، ثم يعودون. لما كان هذا الموكب العالى يثير فى الناس حالة من الروحانية وشوق وشغف يصر أهالى دار السكينة على مشاهدة هذا الموكب.

стр. 945

الصورة السادسة فى تعريف طريقة أداء صلاة الفجر وصلاة العيد فى شهر رمضان . صورة أداء صلاة الفجر: وتبدأ كافة الجماعات الذين اشتركوا فى موكب الشموع وشاهدوه حتى انجلت قلوبهم فى العودة إلى المسجد وحدانا وزرافات قبل حلول وقت صلاة الفجر بساعة ونصف ساعة ويوقد كل واحد منهم شمعة ويواظبون فى تلاوة القرآن الكريم «ودلائل الخيرات» (١) وأحزابا لطيفة وأذكار منيفة. فتئن أرجاء المسجد الشريف أنينا بأصداء القراء التى تثير الشوق ونداءات وتأوهات للذاكرين. وتعم روائح الحجرة المعطرة والروضة المطهرة جميع الأركان. وينتعش الجميع وهم يشربون من الفيض الربانى ويلفهم الوجد والحيرة. والقصائد المتنوعة التى تقرأ فوق المآذن والصلوات التى تؤدى بين الصفوف والمحامد، والماء البارد الزلال الذى يقدم إلى العطاش الموحدين من قبل سقائى الخير يجدد الحياة. وعندما تصل هذه الحالة من الوجد إلى حد الشوق والكمال ويأخذ المؤذنون فى النزول من المآذن يقف رئيس المؤذنين فى مواجهة نافذة الحجرة الطاهرة ويبدأ فى الأذان الداخلى قائلا الله أكبر ويسكت الحاضرون الكرام عن إصدار الصوت وقد عرفوا أن وقت صلاة الفجر قد حان. وهكذا تنتهى أعمال مشتاقى جمال النبى الجميل، وينهمك الأبرار وقد سمعوا صوت المؤذن «أشهد أن محمدا رسول الله» فى أداء صلاة الصبح مقتدين بالإمام الشافعى المذهب وبعد أداء الصلاة يشنفون أسماعهم بما يسمعون من الوعظ والنصائح من العلماء إلى وقت صلاة الأمام الحنفى (٢).

стр. 946

صورة أداء صلاة العيد: بعد ما تمضى أيام رمضان كما سبق تعريفه وبعد أداء صلاة العيد وانتهاء الخطبة والدعاء يتجه الناس عموما إلى الحجرة المعطرة للدعاء والتضرع. ويقفون أمام رسول الله ﷺ ليسلموا على النبى ﷺ ويعرض كل واحد منهم ما فى ضميره على النبى ﷺ ويعود إلى بيته. ومن عادة سكنة المدينة المنورة القديمة الاحتفال بالعيد ثلاثة أيام وثلاث ليال مثل أعياد دار السعادة، تطلق المدافع من القلعة الخارجية عند حلول الأوقات الخمسة وفى هذه الفترة يتزاور الناس ويقبل الصغير يد الكبير وينال دعوته الطيبة، وتقبيل الأيادى فى المدينة المنورة ليس قاصرا على الأعياد. إذ يقبل جماعة المصلين سواء أكان غنيا أم فقيرا أيدى من فى يمينه ويساره.

стр. 947

الصورة السابعة فى تعريف الهيئة الكاملة لمسجد السعادة فى الوقت الحالى . تقع مدينة مهجر الرسول-على صاحبها أفضل التحية-فى نقطة متوسطة من المدينة الساحرة ويقع مضجع حبيب الله-أى الحجرة المعطرة التى كانت سببا لاشتهار مدينة طيبة المقدسة-أمام الموقع الذى تطلق عليه «صفة أصحاب الصفة» وبالجانب الشرقى المتصل بالروضة المطهرة. فالمؤرخون الذين قاسوا مساحة عرض المسجد الشريف المقدس اختلفوا فى أقوالهم ومن ضمن هؤلاء «مولانا عبد الرحمن» الجامى-قدس الله سره السامى-إذ قال فى أثره القيم (١) إن المسافة من حائط مسجد النبى الجنوبى إلى جداره الشمالى طولا مائتان وخمسون ذراعا وعرضه من الجدار الشرقى إلى جداره الغربى مائة وخمسون ذراعا إلا أن طوله وعرضه فى عهد رسول الله ﷺ كل واحد منهما مائة ذراع. وأضاف «إننى قست الروضة المطهرة وصفة أهل الصفة كل واحدة على حدة وعددت أعمدتها الموجودة واحدا واحدا فوجدت طول الروضة المطهرة خمسة وثلاثين ذراعا وطول الصفة الشريفة اثنى عشر ذراعا ووجدت عرض الروضة المطهرة عشرين ذراعا وعرض الصفة عشرة أذرع كما أخبر أن هذا الذراع ذراع شرعى. قد قست أنا المؤلف ساحة مسجد السعادة من الخريطة المسطحة التى رسمت بعد أن قيست من قبل المهندسين الذين أرسلوا فى عهد السلطان عبد المجيد- طيب الله ثراه-بالذراع المعمارى فوجدت طول المسجد مائة وستة وخمسين ذراعا وثمانية أصابع وعرضه جنوبا سبعة وتسعين ذراعا وثمانية عشر إصبعا وشمالا

стр. 948

تسعة وثمانين ذراعا وستة أصابع إلا أن الجدار الشرقى للمسجد قد زيد فى عهد السلطان المغفور له ما يقرب من ثمانية أذرع فوصل عرض جهته الجنوبية إلى مائة وخمسة أذرع معمارية. وللمسجد الشريف خمسة أبواب هى: «باب السلام، باب الرحمة، باب جبريل، باب النساء، باب التوسل» ونافذتان تعرفان باسم «نافذة جبريل» و «نافذة المواجهة» وله خمسة محاريب تعرف باسم محراب النبى، محراب عثمان، المحراب السليمانى، محراب التهجد ومحراب النساء. و «باب التوسل» فتح فى عهد السلطان عبد المجيد. وقد أطلقت هذه الأسماء لبيان الأماكن التى صليت بها، فمحراب النبى المكان المقدس الذى صلى فيه النبى ﷺ مؤتما لأصحابه، ومحراب عثمان المحراب الذى اتخذ فى عصر عثمان-رضى الله عنه-والمحراب السليمانى المحراب الذى صنعه السلطان سليمان بن السلطان سليم وخصه لأئمة المذهب الحنفى ومحراب التهجد هو المحل الذى كان يؤدى فيه الرسول ﷺ صلاة التهجد ومحراب النساء هو المكان الذى فى داخل باب النساء وفى مؤخرة حرم السعادة وخاص بالنساء والذى ميز بأقفاص خضراء، وقد أسس «محراب النساء» فى عصر السلطان عبد المجيد خان عصر المبرات عند تجديد مسجد السعادة الأخير. ولمسجد السعادة فى جهاته الأربعة خمس مآذن، وفى داخل الحرم الشريف أربعمائة وثلاثة وعشرون عمودا وله أربعون قبة؛ عشر منها كبيرة وست عشرة منها أبيض وأربع وستون منها متوسطة الحجم والباقية صغيرة، وله ألف وسبعمائة وواحد وتسعون قنديلا، وخمسة وعشرون شمعدانا، وثلاث عشرة ثريا، وتوقد مائتان واثنان وعشرون من القناديل المذكورة فى ليالى الأيام العادية والبقية فى إحياء ليالى السلطان الشريف وفى الزمن الذى قاسه فيه حضرة «الجامى» كان سبعة وعشرون من أعمدته مصنوعا من الآجر الملون وسبعة وخمسون منها من الرخام وبعضها من الحجر العادى والبقية منحوتة من الخشب. وعند التعمير الأخير يعنى عندما جدد المرحوم السلطان عبد المجيد المسجد وأحياه جعل جميع أعمدته من الرخام وخفض عدد الأساطين إلى «٣٢٧».

стр. 949

يقال للأعمدة المصنوعة من الرخام «أسطوانة» فأكثر الأعمدة المصنوعة من الآجر الملون فى داخل الروضة المطهرة وبعضها فى الأماكن الخاصة بإقامة خدمة الحجرة المسعودة والأساطين العادية فى مواقع أخرى. مائة وأربعة وستون من هذه الأعمدة مربعة، ومائتان وتسعة وخمسون منها مستديرة، وفى التعمير الأخير قد جعل كلها مستديرا فأربعة وخمسون منها فى داخل جدران الجهات الأربعة واثنان وعشرون منها فى داخل الحجرة السعيدة وبيت فاطمة والباقى منها أبواب الحرم السعيد والجهات الأخرى. يقال لإحدى المآذن «الرئيسية» وللثانية «باب السلام» وللثالثة «باب الرحمة» وللرابعة «المجيدية» وللخامسة «العزيزية» وكل هذه المآذن قصيرة الطول بالنسبة للأخريات وأعلى هذه المآذن المئذنة الرئيسية الخاصة برئيس المؤذنين وباب هذه المئذنة مقابل نافذة الحجرة المعطرة وعلى الركن الشرقى لجدران القبلة. ويقع المرقد النبوى السعيد فى الجهة الشرقية من الجدار القبلى للمسجد الشريف والروضة المطهرة بين الحجرة المضيئة والمنبر المنير والقبر اللامع لفاطمة الزهراء-رضى الله عنها-يقع فى نهاية الحجرة المعطرة الشمالية. يروى أن قبر السيدة فاطمة الزهراء فى حظيرة ضريح عباس بن عبد المطلب وبجانب قبره فى مقبرة بقيع الغرقد والذى يؤيد صحة هذه الرواية أكثر من الروايات الأخرى قراءة زوار البقيع اليوم الفاتحة لروح السيدة فاطمة وهم يزورون ضريح عباس بن عبد المطلب. وأطراف الحجرة المعطرة محاطة بشبكة حديدية، ويطلق على المكان الذى يقع بين المنبر المنير والمكان الذى يرقد فيه رأس النبى «الروضة المطهرة»،وعلى الجهة اليمنى لقبر الرسول «المواجهة الشريفة» وعلى اليسار من قبر الرسول حيث محل إقامة خدام الحجرة الشريفة «الدكة»،وللربع الذى فى داخل الشبكة اللطيفة حيث قبر الرسول «الحجرة المعطرة». ولما كانت الروضة المطهرة والمواجهة الشريفة والدكة اللطيفة خارج شبكة الحجرة المعطرة لا يستطيع الدخول فيها إلا العظماء والسادات والسعداء من أهل المدينة من طينة طيبة أما الزوار السعداء الآخرون فيقفون أمام نافذة المواجهة الشريفة التى فى خارج الشبكة المنورة ويؤدون مراسم الزيارة.

стр. 950

الجهة اليسرى من جدار القبلة ابتداء من باب السلام إلى سبيكة النور شبكة القبر الشريف مفروشة بالرخام، والجهة اليمنى لهذه الأرض المفروشة بالرخام إلى اتصال العمود الشرقى للشبكة اللطيفة أى جهة الاتصال بجدار القبلة محدود بالسور الخشبى (١) فى ارتفاع ذراع ونصف ذراع معمارى وحول محراب النبى والمحراب السليمانى من اليمين واليسار بابان ينفتحان إلى جهة الروضة المطهرة. إن هذه الساحة الرخامية طريق خاص بالزوار الذين يريدون أن يذهبوا لزيارة الحجرة المعطرة وهو متسع قدر ذراع ونصف ذراع معمارى وهناك ساحة رخامية أخرى تنتهى إلى الساحة الرخامية لباب السلام من الجهة الداخلية وهذه الساحة الرخامية أيضا طريق للزوار الذين يريدون أن يزوروا الحجرة المعطرة من باب الرحمة. ويقع محراب النبى ﷺ بين شبكة مرقد السعادة الشريف والمنبر المنير وفى وسط الروضة المطهرة. وقد كتب فوق طاقتى البابين اللذين فى اليمين والشمال كتب فوق أحدهما الحديث النبوى «ما بين قبرى ومنبرى روضة من رياض الجنة» (٢) (حديث شريف) وفوق طاقة الباب الآخر «من زارنى فى مماتى فكأنما زارنى فى حياتى» (٣) (حديث شريف)،وكتب فوق طاقى البابين على جانبى المحراب السليمانى الذى يقع فى جهة باب السلام من المنبر كتب فوق طاق أحدهما «من زار قبرى وجبت له شفاعتى» (٤) وفوق طاق الثانى الآية الكريمة ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (الأنبياء ١٠٧).
следующие страницы →