صورة أداء صلاة العيد:
بعد ما تمضى أيام رمضان كما سبق تعريفه وبعد أداء صلاة العيد وانتهاء الخطبة والدعاء يتجه الناس عموما إلى الحجرة المعطرة للدعاء والتضرع. ويقفون أمام رسول الله ﷺ ليسلموا على النبى ﷺ ويعرض كل واحد منهم ما فى ضميره على النبى ﷺ ويعود إلى بيته.
ومن عادة سكنة المدينة المنورة القديمة الاحتفال بالعيد ثلاثة أيام وثلاث ليال مثل أعياد دار السعادة، تطلق المدافع من القلعة الخارجية عند حلول الأوقات الخمسة وفى هذه الفترة يتزاور الناس ويقبل الصغير يد الكبير وينال دعوته الطيبة، وتقبيل الأيادى فى المدينة المنورة ليس قاصرا على الأعياد. إذ يقبل جماعة المصلين سواء أكان غنيا أم فقيرا أيدى من فى يمينه ويساره.
стр. 947
الصورة السابعة
فى تعريف الهيئة الكاملة لمسجد السعادة فى الوقت الحالى .
تقع مدينة مهجر الرسول-على صاحبها أفضل التحية-فى نقطة متوسطة من المدينة الساحرة ويقع مضجع حبيب الله-أى الحجرة المعطرة التى كانت سببا لاشتهار مدينة طيبة المقدسة-أمام الموقع الذى تطلق عليه «صفة أصحاب الصفة» وبالجانب الشرقى المتصل بالروضة المطهرة.
فالمؤرخون الذين قاسوا مساحة عرض المسجد الشريف المقدس اختلفوا فى أقوالهم ومن ضمن هؤلاء «مولانا عبد الرحمن» الجامى-قدس الله سره السامى-إذ قال فى أثره القيم (١) إن المسافة من حائط مسجد النبى الجنوبى إلى جداره الشمالى طولا مائتان وخمسون ذراعا وعرضه من الجدار الشرقى إلى جداره الغربى مائة وخمسون ذراعا إلا أن طوله وعرضه فى عهد رسول الله ﷺ كل واحد منهما مائة ذراع. وأضاف «إننى قست الروضة المطهرة وصفة أهل الصفة كل واحدة على حدة وعددت أعمدتها الموجودة واحدا واحدا فوجدت طول الروضة المطهرة خمسة وثلاثين ذراعا وطول الصفة الشريفة اثنى عشر ذراعا ووجدت عرض الروضة المطهرة عشرين ذراعا وعرض الصفة عشرة أذرع كما أخبر أن هذا الذراع ذراع شرعى.
قد قست أنا المؤلف ساحة مسجد السعادة من الخريطة المسطحة التى رسمت بعد أن قيست من قبل المهندسين الذين أرسلوا فى عهد السلطان عبد المجيد- طيب الله ثراه-بالذراع المعمارى فوجدت طول المسجد مائة وستة وخمسين ذراعا وثمانية أصابع وعرضه جنوبا سبعة وتسعين ذراعا وثمانية عشر إصبعا وشمالا
стр. 948
تسعة وثمانين ذراعا وستة أصابع إلا أن الجدار الشرقى للمسجد قد زيد فى عهد السلطان المغفور له ما يقرب من ثمانية أذرع فوصل عرض جهته الجنوبية إلى مائة وخمسة أذرع معمارية.
وللمسجد الشريف خمسة أبواب هى: «باب السلام، باب الرحمة، باب جبريل، باب النساء، باب التوسل» ونافذتان تعرفان باسم «نافذة جبريل» و «نافذة المواجهة» وله خمسة محاريب تعرف باسم محراب النبى، محراب عثمان، المحراب السليمانى، محراب التهجد ومحراب النساء. و «باب التوسل» فتح فى عهد السلطان عبد المجيد.
وقد أطلقت هذه الأسماء لبيان الأماكن التى صليت بها، فمحراب النبى المكان المقدس الذى صلى فيه النبى ﷺ مؤتما لأصحابه، ومحراب عثمان المحراب الذى اتخذ فى عصر عثمان-رضى الله عنه-والمحراب السليمانى المحراب الذى صنعه السلطان سليمان بن السلطان سليم وخصه لأئمة المذهب الحنفى ومحراب التهجد هو المحل الذى كان يؤدى فيه الرسول ﷺ صلاة التهجد ومحراب النساء هو المكان الذى فى داخل باب النساء وفى مؤخرة حرم السعادة وخاص بالنساء والذى ميز بأقفاص خضراء، وقد أسس «محراب النساء» فى عصر السلطان عبد المجيد خان عصر المبرات عند تجديد مسجد السعادة الأخير.
ولمسجد السعادة فى جهاته الأربعة خمس مآذن، وفى داخل الحرم الشريف أربعمائة وثلاثة وعشرون عمودا وله أربعون قبة؛ عشر منها كبيرة وست عشرة منها أبيض وأربع وستون منها متوسطة الحجم والباقية صغيرة، وله ألف وسبعمائة وواحد وتسعون قنديلا، وخمسة وعشرون شمعدانا، وثلاث عشرة ثريا، وتوقد مائتان واثنان وعشرون من القناديل المذكورة فى ليالى الأيام العادية والبقية فى إحياء ليالى السلطان الشريف وفى الزمن الذى قاسه فيه حضرة «الجامى» كان سبعة وعشرون من أعمدته مصنوعا من الآجر الملون وسبعة وخمسون منها من الرخام وبعضها من الحجر العادى والبقية منحوتة من الخشب.
وعند التعمير الأخير يعنى عندما جدد المرحوم السلطان عبد المجيد المسجد وأحياه جعل جميع أعمدته من الرخام وخفض عدد الأساطين إلى «٣٢٧».
стр. 949
يقال للأعمدة المصنوعة من الرخام «أسطوانة» فأكثر الأعمدة المصنوعة من الآجر الملون فى داخل الروضة المطهرة وبعضها فى الأماكن الخاصة بإقامة خدمة الحجرة المسعودة والأساطين العادية فى مواقع أخرى.
مائة وأربعة وستون من هذه الأعمدة مربعة، ومائتان وتسعة وخمسون منها مستديرة، وفى التعمير الأخير قد جعل كلها مستديرا فأربعة وخمسون منها فى داخل جدران الجهات الأربعة واثنان وعشرون منها فى داخل الحجرة السعيدة وبيت فاطمة والباقى منها أبواب الحرم السعيد والجهات الأخرى.
يقال لإحدى المآذن «الرئيسية» وللثانية «باب السلام» وللثالثة «باب الرحمة» وللرابعة «المجيدية» وللخامسة «العزيزية» وكل هذه المآذن قصيرة الطول بالنسبة للأخريات وأعلى هذه المآذن المئذنة الرئيسية الخاصة برئيس المؤذنين وباب هذه المئذنة مقابل نافذة الحجرة المعطرة وعلى الركن الشرقى لجدران القبلة.
ويقع المرقد النبوى السعيد فى الجهة الشرقية من الجدار القبلى للمسجد الشريف والروضة المطهرة بين الحجرة المضيئة والمنبر المنير والقبر اللامع لفاطمة الزهراء-رضى الله عنها-يقع فى نهاية الحجرة المعطرة الشمالية.
يروى أن قبر السيدة فاطمة الزهراء فى حظيرة ضريح عباس بن عبد المطلب وبجانب قبره فى مقبرة بقيع الغرقد والذى يؤيد صحة هذه الرواية أكثر من الروايات الأخرى قراءة زوار البقيع اليوم الفاتحة لروح السيدة فاطمة وهم يزورون ضريح عباس بن عبد المطلب.
وأطراف الحجرة المعطرة محاطة بشبكة حديدية، ويطلق على المكان الذى يقع بين المنبر المنير والمكان الذى يرقد فيه رأس النبى «الروضة المطهرة»،وعلى الجهة اليمنى لقبر الرسول «المواجهة الشريفة» وعلى اليسار من قبر الرسول حيث محل إقامة خدام الحجرة الشريفة «الدكة»،وللربع الذى فى داخل الشبكة اللطيفة حيث قبر الرسول «الحجرة المعطرة».
ولما كانت الروضة المطهرة والمواجهة الشريفة والدكة اللطيفة خارج شبكة الحجرة المعطرة لا يستطيع الدخول فيها إلا العظماء والسادات والسعداء من أهل المدينة من طينة طيبة أما الزوار السعداء الآخرون فيقفون أمام نافذة المواجهة الشريفة التى فى خارج الشبكة المنورة ويؤدون مراسم الزيارة.
стр. 950
الجهة اليسرى من جدار القبلة ابتداء من باب السلام إلى سبيكة النور شبكة القبر الشريف مفروشة بالرخام، والجهة اليمنى لهذه الأرض المفروشة بالرخام إلى اتصال العمود الشرقى للشبكة اللطيفة أى جهة الاتصال بجدار القبلة محدود بالسور الخشبى (١) فى ارتفاع ذراع ونصف ذراع معمارى وحول محراب النبى والمحراب السليمانى من اليمين واليسار بابان ينفتحان إلى جهة الروضة المطهرة.
إن هذه الساحة الرخامية طريق خاص بالزوار الذين يريدون أن يذهبوا لزيارة الحجرة المعطرة وهو متسع قدر ذراع ونصف ذراع معمارى وهناك ساحة رخامية أخرى تنتهى إلى الساحة الرخامية لباب السلام من الجهة الداخلية وهذه الساحة الرخامية أيضا طريق للزوار الذين يريدون أن يزوروا الحجرة المعطرة من باب الرحمة.
ويقع محراب النبى ﷺ بين شبكة مرقد السعادة الشريف والمنبر المنير وفى وسط الروضة المطهرة. وقد كتب فوق طاقتى البابين اللذين فى اليمين والشمال كتب فوق أحدهما الحديث النبوى «ما بين قبرى ومنبرى روضة من رياض الجنة» (٢) (حديث شريف) وفوق طاقة الباب الآخر «من زارنى فى مماتى فكأنما زارنى فى حياتى» (٣) (حديث شريف)،وكتب فوق طاقى البابين على جانبى المحراب السليمانى الذى يقع فى جهة باب السلام من المنبر كتب فوق طاق أحدهما «من زار قبرى وجبت له شفاعتى» (٤) وفوق طاق الثانى الآية الكريمة ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (الأنبياء ١٠٧).
стр. 951
وقد نقش بالذهب فوق كمر نافذة المواجهة السعيدة الحديث الشريف «إنما الأعمال بالنيات» (١).
الميدان الواقع فى شمال الحرم السعيد مفروش برمل أصفر وهذه الساحة مكشوفة وجهاته الأربعة مغطاة بقبة الفلك الربانى ويطلق على الجهة الجنوبية الشرقية وعلى محاذاة صفة أهل الصفة «روضة الرسول» ﷺ وهى حديقة مربعة الأضلاع قد أحيطت بسور خشبى جميل وفى داخل هذه الحديقة: نخلتان كبيرتان وستة من أشجار النخيل وشجرة تمر هندى وشجرة سدر وفى الطرف الذى تهب منه الرياح بئر ذات ماء حلو. وماء هذه البئر فى غاية اللذة وهو ماء مقبول لدى الأهالى وقيم مثل ماء زمزم.
وقد ذهب بعض الرواة إلى أن روضة الرسول هى حديقة الرسول ﷺ وأشجار النخيل التى فى داخلها قد غرسها بيده الشريفة، إلا أن روضة الرسول وحديقة السيدة فاطمة-رضى الله عنها-قد غرس بعض أشجار النخيل التى فى داخلها شيخ الخدمة «عزيز الدولة» وقال ابن جبير: إنه كان فيها فى وقت عزيز الدولة خمس عشرة شجرة. وقال مجد الدين اللغوى: كان فيها أكثر من خمس عشرة شجرة. وأشار ابن فرحون إلى أن أشجار النخيل هذه غرست قبل زمن عزيز الدولة.
همّ بعض سادات المدينة ألا يستحسنوا وألا يستصوبوا فكرة غرس عزيز الدولة أشجار النخيل فى الساحة الرملية للحرم السعيد ولكنهم اختاروا الصمت مراعاة لخاطره وتوقيا من سوء معاملته. وكانت الرياح العاصفة التى هبت فى عصر شيخ الخدمة ياقوت الرسول قد جففت هذه الأشجار، ولكنه انتزع الأشجار اليابسة وغرس مكانها أشجارا جديدة.
واعترض الأهالى فى هذه المرة على غرسه لأشجار النخيل قائلين «قد ابتدعت
стр. 952
شيئا جديدا» إلا أنهم خسروا دعواهم، وأراد الشيخ طوعان أن يزيد عدد هذه الأشجار فى سنة ٨٧٣ ولكنه لم يوفق نتيجة لاعتراض الناس ومخالفتهم، ولما كانت هذه المسألة موضع اختلاف بين العلماء فلا قيمة لاعتراض الأهالى حينئذ.
وقد حكم بعض العلماء بكراهية غرس الأشجار فى حرم مسجد السعادة بينما أباحه الآخرون.
قال مؤلف «زهر البساتين»:ويجوز غرسه مع الكراهة إذا لم تزعج أغصانها الجماعة وإذا غرس بنفسه فهو حرام.
«وقال ابن حجر» تنتفع الجماعة من ظلها واختلف فى حق ثمارها فحكم بعض العلماء قائلين: «فثمارها مباحة لجميع المسلمين مثل ثمار الأشجار التى تنبت فى المقابر» واعترض ابن حجر على هذا الحكم قائلا: «بما أن غرسها جائز فهى ملك لمسجد السعادة فلا يجوز أكل ثمارها يجب أن تباع ويصرف ثمنها لأمور المسجد».
ما زالت أشجار النخيل التى غرسها ياقوت الرسول موجودة وثمارها السنوية خاصة لأغوات حرم السعادة، وتظل أحيانا نخلة واحدة وأحيانا تزيد وتصل إلى ثلاث أو أكثر من النخلات ويقتطف أغوات الحرم الشريف تمر هذه الأشجار ويهدونه إلى عظماء البلاد الإسلامية وأعيانها.
وقد جدد المسجد النبوى منذ الهجرة النبوية إلى الآن كما ذكر فى الوجهة السابعة سبع مرات وآخر مرة جدد وعمر فى «١١٢٧ و ١٢٧٧» هـ.
وإنه لا ينكر ما بذل من الجهود وما أنفق من النقود فى سبيل تعمير وتجديد مبانى مسجد السعادة فى عهود الملوك الأموية والخلفاء العباسيين وملوك الشراكسة المصرين؛ إلا أن ما بذل من المساعى وما أنفق من النقود فى عهد السلاطين العثمانية الخالية من الجهود، ولا سيما فى عهد سلطنة الخليفة عبد المجيد خان والد سلطاننا كثير المحامد، تفوق جميع الجهود التى بذلت فى عهد جميع الملوك السابقين ولا تقاس هممهم بهمم الحكام المسلمين السابقين.
стр. 953
الصورة الثامنة
فى بيان وذكر أبواب حجرة السعادة المعطرة أبوابها وقناديلها وشمعداناتها
وعدد خدمها المؤقتة والدائمة عناوينهم، ما معنى الفراشة والقسم، ترتيب، التأديب والمجازاة فى حق الأغوات نوبة الحراسة فى مسجد السعادة ليلا، وتعريف أداء صلاة الفجر وذكر محاسن الأصول.
للحجرة المعطرة أربعة أبواب هى: باب فاطمة (١)،الباب الشامى (٢)،باب الروضة (٣)،باب الوفود (٤) ولها أربعة وثمانون قنديلا مثل النجوم.
وشمعدانان من الذهب وإن كانت أبوابها فى عصرنا أربعة إلا أن لها باب مسدود يطلق عليه «باب التوسل».
موقع الباب المسدود هو المحل المبارك الذى يوقف فيه فى الجهة المسعودة، وإذا ما دقق النظر قليلا يفهم أن ذلك المكان مكان الباب القديم، ويروى أن نعش أبى بكر الصديق-رضى الله عنه-قد أدخل من هذا الباب.
وقد وضعت القناديل التى ذكرت سالفا فى الأماكن المناسبة من الحجرة المنيفة ويوقد واحد من الشمعدانين الذهبيين لشرف رأس النبى ﷺ والآخر فى ناحية قدميه الشريفين. ويستخدم صنفان من الأغوات فى الحجرة المعطرة حتى لا تترك خالية ليلا ونهارا ويقال لأحد أفراد الصنف الأول «بطال» ولأفراد الصنف الآخر
стр. 954
«خبزى» ويقوم بمراقبة انضباطهم وإدارتهم ضباط يطلق عليهم «البواب، حامل المفتاح» واسم أفراد أغوات البطالين «عجمى» وأفراد هذا الصنف أقل درجة من أفراد الخبزيين والخبزيون أقل درجة من طاقم «البوابين» وهؤلاء أقل من حاملى المفتاح الذى يقال لهم «السبعة الكبار» وكل واحد منهم يحترم الآخر ويطيعونهم حسب رتبهم.
وكان هؤلاء الخدم الذين يطلقون عليهم الأغوات لا يزيد عددهم ولا يقل عن ثمانين شخصا ويؤخذ مكان الأغوات الذين يموتون من صنف الخبزيين أقدم الأغوات من صنف البطالين، ويؤخذ مكانهم ملازمى صنف البطال ستة عشر من الخبزيين بوابون ويحملون عناوين «نائب الحرم، مستسلم الحرم، خازن الحرم، نقيب الحرم» وفيهم أربعة ضباط وكان أكبرهم «شيخ الحرم» وكان يبعث ويعين من مقام الخلافة الجليل (١) وكانت المحافظة على الحجرة المعطرة تتبع نظاما مستحسنا وكان عدد البوابين عند نوبة الحراسة أربعة وكانوا يظلون فى داخل الحجرة المعطرة فى أثناء الحراسة وكانوا يقسمون فيما بينهم ما ينفحهم به الزوار فى أثناء الحراسة وكان الضباط يرقون إلى درجة أعلى حسب أقدميتهم.
وكانت من أحكام القواعد التى اتخذت أن يتواجد فى داخل الحجرة المعطرة تسعة وعشرون شخصا من الحراس خمسة وعشرون منهم من أغوات الخبزيين أو أغوات البطال غير أربعة بوابين. والذين يخرجون من نوبة الحراسة يجلسون فوق صفة أصحاب الصفة على ركبهم يشغلون وقتهم بالذكر والتهليل وقراءة الأحزاب الشريفة والأوراد المباركة إلى أن تتم نوبة حراستهم وكان خدم الفراشة يدخلون فى داخل الحجرة المعطرة ويوقدون القناديل التى كلفوا إيقادها وخفضوا مؤخرا عدد الأغوات إلى خمسة أشخاص وأبلغوا عدد الخدم الآخرين وزادوه إلى العدد الذى درج فى الفهرس الأسفل، وكان أحد الأغوات الخمسين مستسلما وأحدهم
стр. 955
نقيبا واثنا عشر فيهم بوابا وتسعة عشر منهم خبزيا وأربعة عشر بطالا وثلاثة منهم من أفراد الملازمين.
سبب وتاريخ استخدام الأغوات فى الحجرة المنيفة
يقول خير الدين إلياس المدنى نقلا عن المرحوم فلاح الفلاح راويا: «لم يكن هناك أصول استخدام الأغوات فى الحجرة المعطرة إلى ظهور الدول التركية».
قد استحسن بعض المنتمين إلى الشهيد نور الدين لبعض الأسباب استخدام الأغوات فى الحجرة المنيفة وأبلغوا الأمر بواسطة بعض الأمراء الذين كشفوا الأمر إلى الشهيد نور الدين وأخذوا موافقته على هذا الأمر، وبناء عليه اختاروا اثنى عشر أغا كلهم من حفظة القران الكريم وأرسلوهم إلى المدينة المنورة.
واشترطوا فيمن يعين مكان الذين يتوفون منهم فوق حفظه للقرآن الكريم أن يكون حبشيا إن أمكن وإلا من أهل الروم وإذا لم يوجد أن يكون هنديا وسقط حكم هذا الشرط بعد فترة فأرسلوا كلهم من الهنود ثم ترك أصول إرسالهم من الهند فعين الأغوات الحاليون وفق النظام الأخير.
وقد أبلغ صلاح الدين الأيوبى عدد الأغوات إلى أربعة وعشرين وعين شخصا يسمى الشيخ بدر الدين ضابطا عليهم ووقف إيراد بلدتى «نقادة وقيادة» عشر محاصيلها لإدارة الأغوات وإعاشتهم. وكان الأغوات الذين يستخدمون لذلك الوقت يخدمون حسبة لله ويتعايشون بالهدايا والعطايا التى يرسلها أصحاب البر والخير. وأخذ يطلق على شيخ الخدم بدر الدين الأسدى «شيخ الحرم» فزاد قدرا ومكانة، وسواء كان الشيخ بدر الدين أو الأشخاص الذين أصبحوا فيما بعد شيوخا للحرم كانوا يلاقون من موظفى المدينة المنورة ومن وزراء وأمراء المسلمين الذين يزورون المدينة المنورة احتراما وتوقيرا، وذلك تعظيما لصاحب الروضة «عليه وعلى آله أكمل التحية».
والنظام الذى وضعه صلاح الدين الأيوبى نقض فيما بعد وأرسل الأغوات إلى الحجرة المعطرة من قبل ملوك المغاربة والسودان وسلاطينها حتى تجاوز
стр. 956
عددهم مع توابعهم وعبيدهم مائتى شخص، وظهرت النفرة والعداوة بينهم وبين أهل المدينة حتى أدت هذه الحالة فى النهاية إلى قيام الجدال والقتال بينهم.
وقد دامت المنافرة بينهم فترة فى الواقع وأخذ عدد الأغوات فيما بعد يزيد وينقص ولم ينحصر إرسال الأغوات إلى الحجرة العطرة فى سلاطين المغاربة والسودان وسلاطينهم إذ أخذ بعض أصحاب الخير يشاورون عبيدا أو يوقفونهم لخدمة الحجرة المنيفة فاختلط جنس الأغوات وزاد فيما بينهم أصحاب الأخلاق الطيبة وتحولت العداوة التى بينهم وبين الأهالى إلى المودة والأخوة فانخفضت العداوة بينهم كليا فتعاملوا فيما بينهم مثال الأخوة.
لأغوات مسجد السعادة والحجرة المنيفة وظائف شهرية مخصصة لكل واحد منهم حسب موقعه ومكانته ولهم نظم جارية وقوانين مرعية مثل حراسة المسجد والحجرة المطهرة وتنظيف القناديل وإيقادها وقضاء الليل فى داخل المسجد ولهم أرزاق ومرتبات معينة من قبل السلاطين العثمانيين الكرام. ولهم ثكنات موقوفة من قبل أصحاب البر والخيرات وحدائق ذات محاصيل ولهم صرر تبعث من قبل أصحاب البر فى جميع البلاد الإسلامية وتقسم هذه الصرر بعلم شيوخهم ورؤسائهم وتوزع عليهم كلهم. وجميع الأغوات الذين فى زماننا هم من أصحاب الصلاح والخير ويتسمون بالوقار ويوثق بهم. وإذا ظهرت من بعضهم الرعونة-حسب البشرية-فإنها لا تجاوز الدائرة المنجية للشريعة الغراء وبما أنهم يخدمون ويرعون ملك الكائنات-عليه أكمل الصلوات-يلزم ألا يؤاخذوا على ذلك فإذا ما أدوا وظائفهم فى وقار تام وأدب تام فلا يتصور عمل أشرف ببنى البشر من أعمالهم.
ينقسم الأغوات الذين ينحصر عملهم فى إيقاد القناديل وإطفائها إلى قسمين يقال لقسم منهم «سندبليس» والقسم الآخر «مكادة»،وبما أن كل جهات حرم السعادة قد عينت وخصصت لأفراد منهم فعندما يحل الوقت المعين ينشغل كل واحد منهم بعمله ولا يجوز لأى واحد منهم أن يوقد أو يطفئ قناديل الآخر
стр. 957
وبهذا لا يتدخلون فى خدمات بعضهم بعضا ولا توصف السرعة التى ينجزون بها أعمالهم.
تعريف مقدار خدمة الفراشة الشريفة الجليلة:
تطلق على الخدمة القيمة للكعبة المعظمة والحجرة المعطرة الفراشة الشريفة وقد هيئت هذه الخدمة ووضعت وفق عدد قناديل الحجرة الشريفة ومشاعلها.
قد رتب واضع خدمة الفراشة الجليلة مائة وأربعين قطعة من الفراشة على أن تكون كل قطعة منها أربعة وعشرين قيراطا. وخص أربعة وعشرين قيراطا منها بالخليفة العالى الشأن واثنى عشر قيراطا بأشراف مكة المكرمة وست قراريط بالمنتسبين للحجرة المعطرة وست قراريط لنقباء الفراشين وقسم كل قيراط من اثنتين وتسعين قطعة لخمسة أو ستة أو ثمانية أو عشر أشخاص فأوجد بهذا خمسة آلاف أو ستة آلاف من خدمة الفراشة السعيدة. وقد وضع هذا النظام فى عصر الدولة العثمانية عصر الميراث للمشتاقين لخدمة رسول الله ﷺ التى تستوجب المفخرة وقد خصص لكل قيراط منها حبوب وافية لتكريم أهالى المدينة المنورة ومكة المعظمة، والحبوب التى خصصت لكل قيراط تعطى من قبل الشخص الذى نال هذا القيراط بالبراءة والإذن إلى الأشخاص الذين وكلهم لأداء الخدمة اللازمة من أهالى الحرمين. كما أن أصحاب الفراشة يرسلون كل عام إلى من وكلوهم من أهل الحرمين مقدارا من الهدايا باسم «الصرة» غير الحبوب فوكلاء خدمة الفراشة من أهالى الحرمين يمضون أوقاتهم قانعين بما يأخذون من مرتبات من خزانة الأوقاف السلطانية، وما يرد إليهم من الصرر من موكليهم.
إن الخدمة الجليلة للفراشة قد قسمت إلى مائة وأربعين قطعة وجزاءا كما سبق ذكره أعلاه ولكنها قسمت فيما بعد إلى سبعة آلاف قطعة أو ثمانية آلاف ووزعت على أهالى الممالك الإسلامية بإذن من السلطان وكل من نال ربع قيراط من خدمة الفراشة يوكل أحدا من أهالى الحرمين-كما سبق ذكره-ويرسلون للأشخاص الذين وكلوهم صرة نقدية كل سنة، وبناء على هذا يمكن أن يوكل
стр. 958
فراش واحد من قبل عشرة أشخاص أو أزيد وبهذا يوجد من وظيفته أن يوقد «شمعة» أو «قنديلا» كل خمسة عشر يوما أو عشرين باسم موكله وبهذا يمكن لوكلاء الفراشة أن يتعايشوا بما يأخذون من الوقف السلطانى من المخصصات وما يرسله أصحاب البراءات العالية من الصرر.
أغلب أهالى الحرمين يتعايشون وفق ما حرر أعلاه والمشتاقون لخدمة النبى ﷺ يبتهجون ويتباهون بحصولهم على ربع قيراط من خدمة الفراشة الجليلة، وهذا يبين مدى رعاية السلاطين العثمانية للمرقد النبوى الجليل وحرم المسجد الحرام وعظم تقديرهم لها.
يطلق على رؤساء الوكلاء الذين تعهدوا بالقيام بخدمات الحجرة المعطرة بدلا من أصحاب الفراشة الشريفة «شيخ الفراشين» وقد أمسك هذا الشخص دفترا لتقييد أسماء الوكلاء وتسجيلها وقد تحققت أنه قد قيد فى الدفتر الحالى أسماء ما يقرب من ألف وكيل.
ولما كان الشيخ المشار إليه شخصا عظيم القدر ذا صفات عالية عند أهل المدينة فمن وظائفه أن يدخل إلى الحجرة المنيرة عند إيقاد قناديلها مع شيخ الحرم ونائبه وخازن خزانة الحرم ومن وظيفته الإشراف على عشرين شخصا هنديا المعينين لتعمير الثريات والقناديل وترميمها وتنظيفها.
مقام أبى بكر وعمر رضى الله عنهما:
فى داخل الحجرة المعطرة وتحت الغطاء القماش المصرى المزركش لقبر السعادة.
وحيثما وجد هذان القبران فى الحجرة المسعودة قد نسخ فوق قطعة القماش التى تغطى القبر اسم صاحبه كما أن اسم النبى الطاهر قد زين ونقش باللآلئ الغالية.
وأرضية الغطاء القماش أخضر اللون، وخطوطه بيضاء، وقد زين الغطاء-غير الأسماء السابقة-بالصلوات الشريفة وأسماء النبى ﷺ بخطوط نفيسة.
стр. 959
ولما كان غسل داخل الحجرة المعطرة كل سنة فى اليوم التاسع من ربيع الأول وفى غرة رجب الفرد والثامن عشر من ذى القعدة من الأصول المتبعة فإنها تطيّب وتغسل فى الأيام المذكورة.
وإن كان قد خصص ثلاثة أيام لغسل الحجرة المعطرة إلا أن القيام بهذا العمل على ما هو المطلوب غير ممكن لذا أضيف لتلك الأيام المذكورة يوم لكل واحد منها ففى الأيام الأولى تنظف وتغسل الشمعدانات والقناديل. وفى اليوم الثانى ينظفون داخل الحجرة المنيفة وخارجها ويعطرونها وفق الأصول الآتية:-
صورة غسل حجرة السعادة
يقف أغوات الخبزيين العجمى كلهم أمام الباب الشامى منقسمين إلى ثلاث فرق-وذلك فى الأيام التى تغسل فيها وتمسح الحجرة المعطرة-وفى أيادى فرقة منهم مقاشط خاصة بالحجرة المعطرة والفرقة الثانية معهم مكانس مصنوعة من سعف النخيل والفرقة الثالثة يمسكون بقطع من الإسفنج الكبير ويرتب كلهم صفوفهم، ثم يفتحون الباب الشريف المذكور ويدخلون فى داخل الحجرة المعطرة بكل أدب وسكون يقشطون ما يلزم قشطه وبعد أن يكنسوها جيدا ويمسحونها بقطع الإسفنج ثم يخرجون واحدا تلو آخر خارج شبكة القبر الشريف يوزعون الباقى من الماء المستعمل على سادات سكان المدينة فينالون العطايا.
ويستمر الأغوات الذين فى داخل الحجرة الشريفة فى أثناء الغسل فى ذكر «لا إله إلا الله محمد رسول الله» والأشخاص الذين اجتمعوا فى الحرم الشريف من أصحاب الشوق والإخلاص يصلون ويسلمون على النبى ﷺ فى صوت واحد، ولا يستطيع أصحاب الوجد أن يمسكوا دموعهم فى هذا الوقت الذى قد امتلأ فيه مسجد السعادة بالصفاء والدهشة والمهابة وهذه الحالة المليئة بالروحانية لا يمكن وصفها ولا بد من رؤيتها رؤية العين.
الخدمة الدائمة للخدم:
لما كان نيل سعادة خدمة الحجرة المسعودة غير ممكن التصور لأنها خدمة عظيمة
стр. 960
الشأن فالذين ينالون هذه السعادة من الأمور الطبيعية بالنسبة لهم أن يقوموا بأعمالهم بالوجد والحب والحرص الشديد على أداء أعمالهم على خير وجه؛ لذا يجتمع الفراشون بمسجد السعادة والآخرون من المخلصين والمحبين بعد أداء الصلوات المكتوبة كل صباح أمام مخزن الزيت (١) الكائن فى نهاية مسجد السعادة فيدعون حسب العادة.
وبعد إتمام الدعاء يذهبون فى تؤدة إلى الروضة المعطرة وهم يصلون ويسلمون وقد أخذ كل خادم إناء نحاسيا صغيرا ودستة من فتيل مزيت وبعد أن يعطوا لأربعة منهم إبريقا مزينا مملوءا بزيت الزيتون.
ولما كان فى أيادى أغوات الحراسة الذين يسيرون أمام الفراشين عصيان ذات كلاليب فكل واحد منهم ينزل القناديل الخاصة به وبعد أن يغير (٢) الفراشون الذين بجانبهم فتائلها يعلقونها فى أماكنها، ثم يصلون صلاة الإشراق ويعودون إلى أماكنهم. وبعد أن ينتهى الفراشون من مسح القناديل وتغيير فتائلها والكناسون من كنس الحرم الشريف ينادى أحد الخدم الذين اجتمعوا أمام الباب الشامى «يا كناس» وكأنه يريد أن يبين لزملائه أن وقت كنس الحجرة المعطرة قد حان، ويسرع الكناسون للاجتماع أمام الباب الشامى من الحجرة المعطرة ويدخلون فى الحجرة المنيفة ويكنسونها وهم يوحدون ويهللون ثم يخرجون.
تأديب الأغوات المتهمين:
من مقتضيات الأصول المرعية أن يقف الأغوات كلهم من خبزيين والعجمى حسب رتبهم مصطفين بعد الانتهاء من خدماتهم فى تنظيف الحجرة اللطيفة والمسجد الشريف، كما سبق تحريره، وذلك لتأديب الأغوات المتهمين. ويأتى الأغا الذى كانت عليه نوبة الحراسة بالمتهمين فى الميدان وينسحب إلى مكانه وعندئذ يتقدم أحد ضباط الأغوات عدة خطوات ويقدم للمتهم بعض النصائح ثم يأمر بإحضار العصا كما أن استجواب المتهمين ومحاكمتهم يتمان فى مكان آخر
стр. 961
وعند ثبوت التهمة يتم إحضار المتهم وضربه من مقتضيات القانون القديم الخاص بالأغوات.
ولما يؤتى بالعصى يدخل المتهم بواسطة اثنين من الأغوات إلى خزانة الشموع التى تقع أمام الحجرة الشريفة وتدخل رجلاه فى الفلقة (١) ويؤخذ فى ضرب المتهم على رجليه والجهر بكلمة الشهادة عند الضرب بينما يقف الأغوات الآخرون خارج باب خزانة الشموع فى حالة انتباه.
ويأخذ المتهم الذى أدرجت رجلاه فى الفلقة فى الصياح والاستغاثة، وإذا وجد من يشفع له يخلى سبيله وإذا لم يوجد من يشفع يضرب إلى أن يقول «الفاتحة» ويغلق باب خزانة الشموع بعد الفاتحة، ويجلس الأغوات الذين عليهم نوبة الحراسة فوق صفة أصحاب الصفة متجهين إلى القبلة بينما يذهب الذين أنهوا نوبة حراستهم إلى تناول الطعام بعد أن يمسحوا ظهرهم على العمود الذى يقع فى الجهة اليمنى لمحراب التهجد وتقبيل أيادى الحراس السابقين.
تأسف: يجهل التاريخ وقت اختراع بدعة ضرب الأغوات وتأديبهم فى داخل مسجد السعادة ولما أصبح هذا النظام فى حكم القانون ولم تفترضه أية جهة فمثل هذا العمل يعد بدعة، خارجا عن دائرة الأدب، ومخالفا لأحكام الشريعة؛ فقد أحضروا للفاروق الأعظم فتى يستحق الضرب والتأديب، ولما كان عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-فى داخل المسجد أمر بأن يخرج المتهم خارج المسجد حيث يضرب ويؤدب، أما فى زماننا فإن الأمر تجاوز حد ضرب وتربية الأغوات بعضهم بعضا إلى ضرب شيوخ الخدمة وتأديب أى واحد منهم ارتكب هفوة حتى ولو كان أمام قبر الرسول دون خجل واستحياء، فيصرخ المضروبون ويولولون دون أن يراعوا الأدب فى المكان المقدس. وللأسف الشديد فإن السلوك الذى نهى عنه حضرة الفاروق قد أصبح بدعة مستحسنة بل أخذ حكم الطاعة والعبادة.
ذيل: سألت أحد أهالى المدينة الكرام قائلا: «إن الضرب فى داخل الحرم
стр. 962
الشريف يخالف الآداب السلوكية يا ترى ضرب الأغوات-كما سبق ذكره-يستند إلى دليل موثوق؟
«فأجابنى ذلك الرجل على هذا الوجه: «فى الواقع ضرب الإنسان فى داخل مسجد النبى سوء أدب! ولكن لضرب الأغوات وتأديبهم فى داخل المسجد فائدتان:
١ - الفائدة الأولى: إنقاذ واحد من جماعات المسلمين-من الزوار، أو المجاورين-المتهم من الضرب. إذا جاء وقبل يد الضارب يجب أن تقبل شفاعة هذا الرجل ورجاؤه وإن كان رجلا قليل الشأن ويعفى عن المتهم.
٢ - الفائدة الثانية: أن يضرب المتهم فى داخل الأصناف فإذا ما ضرب المتهم خارج المسجد وفى مكان خفى فإن الأغوات قد يضربونه إلى أن يموت لما فطروا عليه من الرعونة والشدة! وإذا قال المتهم تحت الضرب وإننى لم أرتكب هذا الذنب، فإنكم تضربونى بدون وجه حق أو يخرج من فمه-كثيرا-ألفاظا مخلة بالآداب فيستمرون فى ضربه قائلين: «إنك تعصى من هو أعلى منك رتبة».
قد شوهد تكرار الضرب حتى فى داخل المسجد عدة مرات!! وذات يوم قال شيخ الحرم شوكت باشا: «إن ضرب إنسان فى داخل مسجد السعادة مخل بالآداب. وبعد هذا اليوم فليبلغ عن كل من يرتكب جرما من قبل ضابطه ثم تشكل هيئة من ضباط الأغوات لاستجواب المتهم ثم يسجن ويؤدب ويضرب فى مكان مناسب».
وألغيت عادة تأديب المتهمين بهذا الشكل داخل مسجد السعادة. وأراد ضباط الأغوات أن يبينوا خطأ رأى شوكت باشا وردهم لهذه الفكرة فقالوا: «إن زمرة الأغوات تتكون من طائفة العجمى فإذا ما ترك هؤلاء أحرارا يضلون كما يشاءون فيصعب الحفاظ على مسجد السعادة ولا سيما الحجرة المعطرة، فتقع الأمانات والأشياء النفيسة المباركة فى يد السفلة. ومن هنا يقتضى الأمر تربية هؤلاء ولا بد لهم أن يحترزوا من رؤسائهم» إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقنعوا شوكت باشا برأيهم. ولما أصبح عادل باشا شيخا للحرم، كرر الأغوات مطالبهم السابقة
стр. 963
ورجوا منه أن يسمح لهم بإجراء أحكام عاداتهم السابقة وأصروا عليه. فقال لهم عادل باشا موافقا: «اعملوا وتصرفوا وفق عاداتكم القديمة» والآن يتصرفون كما كانوا يتصرفون من قبل.
وعندما يقترب المساء وقبل حلول وقت صلاة المغرب بعشر دقائق يشير الموقدون إلى الفراش الذى عين لإيقاد الشموع والذى ينتظر تحت محفل المؤذنين فيعلن هذا الفراش بصوت مرتفع حلول الوقت قائلا: «بسم الله» وعندئذ يجتمع الخدمة كلهم وقد سمعوا الصوت عند شيخ الحرم النبوى ويقفون أمام قبر الرسول ﷺ ، فيرفع شيخ الحرم يده داعيا وفقا للأصول ويخرج من خزانة الشموع الشمعدانين الذهبيين فيعطى أحدهما لشيخ الحرم والآخر لنائب الحرم فيدخلان إلى حجرة السعادة، ويسيران فى داخل الحجرة المعطرة بكل أدب وتعظيم ويضع شيخ الحرم أحد الشمعدانين ناحية رأس النبى ﷺ والآخر ناحية قدميه، وبعد أن يتمسحا بقبة قبر الرسول ﷺ يخرجان. ثم يدخل شيخ الحرم إلى الحجرة الشريفة مرة أخرى بعد أن يعطى لشيخين شمعتين مدببتين لإيقاد قناديل الحجرة وإناء مدببا من النحاس (١) لكل واحد منهما.
ومن القوانين القديمة ومقتضياتها أن من يضع الشمعدان الذى يوضع بجانب رأس النبى ﷺ هو شيخ الحرم وأن يدخله بذاته، كما أن الشمعدان الذى يوقد بجانب قدمى النبى ﷺ يدخل من قبل نائب الحرم ويخرج كذلك. كما أن القوانين المرعية أن يحمل خازن خزانة الحرم فى أثناء ذلك مبخرة وينهمك شيخ الفراشين بالدعاء؛ إلا أن نقل المبخرة الذى يستوجب الفخر وإن كان خاصا بالخازن قد شوهد أحيانا قاضى المدينة المنورة ومدير الحرم السعيد قد حملاها متناوبين.
بعد أن يؤدى شيخ الحرم ونائب الحرم مهمتهما مصلين مسلمين يعودان متقهقرين أحدهما من يمين القبر والآخر من يساره، وبما أن الأشخاص المكلفين بإيقاد القناديل يؤدون مهمتهم ومعهم المشار إليهما، يؤذّن بعد ذلك وينصرف كل واحد إلى جهة لأداء الصلاة.
стр. 964
إخطار
إن السعداء الذين يتواجدون فى المدينة المنورة لزيارة قبر الرسول ﷺ وهم يحملون البراءة السلطانية لخدمة الفراشة يستطيعون أن يؤدوا وظائفهم بأنفسهم بدلالة وكلائهم وذلك مثل إيقاد القناديل. انتهى.
وبعد أن تؤدى صلاة العشاء وتتفرق جماعة المصلين يغلق أغوات الخبزى والعجمى أبواب الحرم وقد أمسكوا فى أياديهم فوانيس ملونة ويخطرون من يصادفونهم من الأفراد بضرورة خروجهم من المسجد قائلين «بسم الله» أو «لا إله إلا الله» وبعد أن يغلقوا أبواب المسجد يستقبلون حجرة السعادة ويصيحون قائلين «الصلاة والسلام عليك يا رسول الله» وهم واقفون أمام باب الرحمة ويصلون على النبى ﷺ مجتمعين فى صوت واحد.
وروحانيته عندما تنضم آيات الفيوضات النبوية إلى سكون مسجد السعادة وهدوئه وروحانيته فإن المهابة والدهشة المعنوية اللتين تحدثهما الصلوات التى يطلقها الأغوات، تلك الصلوات المليئة بالوجد المحمدى تصيبان الإنسان بالقشعريرة وتوقفان شعر بدنه ترفرف روحه حول بدنه كأنها أثير، ولا يمكن لهؤلاء الذين يستمعون لهذه الأصداء التى تثير الأشواق إلا أن يبكوا وإن كانت قلوبهم قدت من صخر.
صورة تسكين الأغوات:
ينسحب الأغوات عقب الصلاة والسلام على محمد ﷺ إلى الساحة الرملية لحرم السعادة، وينامون فى مكان مخصوص لهم أمام باب النساء على وضع غريب، ولكل أغا فرش للنوم يشبه الخيمة، وحينما ينفردون للنوم يضع كل واحد منهم عمته فوق فراش النوم ثم يتجهون برءوسهم نحو الروضة المطهرة وبأرجلهم نحو باب النساء ونصف أجسامهم تحت الخيمة والنصف الآخر خارج الفراش الذى يشبه الخيمة. فإذا ما رأى أحد هذه العمم فوق الفراش يظن أن الأغوات قد وقفوا لأداء الصلاة مصطفين.
стр. 965
ومن أحكام القوانين القديمة أن يظل أحد الأغوات فى داخل مسجد السعادة لنوبة الحراسة وأن يفتح الباب كل ليلة لرئيس المؤذنين الذين يؤذنون قبل الصباح بثلاث ساعات من باب النساء وينادى مخاطبا أغوات الحراسة قائلا: «لا إله إلا الله»؛فيجيب الأغا الذى فى نوبة الحراسة من الداخل «محمد رسول الله» العبارة المنجية ويفتح له الباب. وبعد ما يفتح باب النساء ويضع الأغوات فرشهم فى المكان الخاص بها يقف رئيس المؤذنين أمام المئذنة الرئيسية يأخذ الدستور وهو يصلى على النبى ﷺ قائلا: «اللهم صل وسلم وزد وأنعم وبارك على أسعد العرب والعجم إمام طيبة والحرم سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد وسلم ورضى الله تعالى عن كل الصحابة أجمعين الفاتحة»،ثم يصعد على المئذنة سابقة الذكر ويأخذ فى التهليل والتسبيح ويوقظ سكنة دار السكينة من نوم غفلتهم ثم يتبدد الصوت وهو رخيم حزين محرق فى الأذان والذين يسمعون الأذان يستيقظون ويتوضئون ويوقظون أهل البيت ثم يذهبون إلى المسجد الشريف ويواظبون فى قراءة الأذكار إلى أن يحين وقت الصلاة، وذلك لأداء الصلاة والسلام فوق المآذن إلى طلوع الفجر وبعد ذلك يؤذن للإعلان عن حلول وقت صلاة الفجر.
ومن أحكام القوانين الجارية بين الأغوات إغلاق باب النساء بعد دخول المؤذن وعندما يصل المؤذنون الآخرون يفتح الباب المذكور مرة أخرى ويغلق بعد دخولهم وتستغرق الأوقات غير أذان المغرب نصف ساعة وتستغرق التهاليل والتسليمات والتسابيح التى تلقى قبل صلاة الفجر ساعتين ونصف ساعة ويتناوب المؤذنون سواء كان فى الأذان أو التسابيح والتهاليل. ومن عادات أهل المدينة التى لا يطرأ عليها التغيير، صعود رئيس المؤذنين على المئذنة الرئيسية قبل طلوع الفجر بساعة، وإبقاء الأغوات القناديل والثريات عندما يبدأ المؤذن فى الصلاة والسلام، ووصول الأهالى واحدا تلو آخر ليظلوا فى انتظار حلول وقت صلاة الفجر.
وفى الوقت الذى يمضى بين الأذانين ينهمك بعض الجماعة فى تلاوة القرآن وبعضها فى ذكر الله والبعض الآخر يسفحون دموع الندامة من عيونهم، ويحل
стр. 966
فى المسجد بإصدار أصوات الحفاظ همهمة تخرج أصحاب الوجد والإخلاص من شعورهم، وفى هذه الحالة من السعادة ينزل المؤذنون من المآذن وينادى الذين فى المحفل قائلين، الفاتحة، ويؤدى العلماء الكرام مع الجماعة ركعتى السنة وعند الإقامة يصلون فرض صلاة الفجر مقتدين بإمام المذهب الشافعى ثم يدعون ويبتهلون ثم تبدأ رحلة الوعظ والنصيحة ويستمع إلى القرآن الذى يتلوه الحفاظ المحترمون.
ويمضى الوقت على هذه الحالة ما يقرب من ساعة ثم ينادى أغوات نوبة الحراسة قائلين «الصلاة» فينهى العلماء دروسهم ونصائحهم ثم تقام الصلاة مرة أخرى فتصلى جماعة المذهب المالكى، وبعد أداء الصلاة والدعاء يفتح باب الحجرة ويلج شيخ الحرم ونائب الحرم فى الحجرة الطاهرة ويخرجان الشمعدانين منها ويدعوان بعد إطفاء القناديل.
خدمات خدم مسجد السعادة الدائمة والمؤقتة:
وكان للمسجد الشريف قديما غير أغوات حجرة السعادة مائة وعشرون شخصا من الخدم والموظفين، وكانوا ينقسمون إلى ثلاثة أقسام هى «البوابون، الفراشون، والكناسون» وكان كل قسم تحت رياسة شيخ ما، كما كان يستخدم ثلاثون شخصا من الخارج يطلق عليهم «وكلاء الخدم» وكان للمسجد الشريف فى تلك الأوقات خمسة وعشرون إماما حنفيا، اثنا عشر إماما شافعيا، وعشرون خطيبا حنفيا، وعشرة خطباء من المذهب الشافعى، وخطيب مالكى وآخر حنبلى، وخمسة وثلاثون مؤذنا، وكان هؤلاء كلهم يؤدون خدماتهم بالمناوبة، ومع مرور الأيام زاد عدد الخدم حتى وصلوا إلى العدد الذى سيرى فى الفهرس الآتى:
الخطباء والأئمة فى الحرم النبوى الشريف
العدد الشخص
٤٦ الخطباء الكرام «يقومون بالإمامة أيضا بعض الأوقات»
стр. 967
٣٧ الأئمة الكرام
٣١ مراهقون
٣٤ صغير
١ نقيب
١٤٩ المجموع
١ شيخ
٣٨ رؤساء
٣٩
مكبرو الحرم الشريف
١ شيخ
٢٥ مكبر
٢٦ المجموع
١٩ (١)
٧
١ برقى
١ نقيب الرؤساء
١ موقت الحرم الشريف
٣ المجموع
стр. 968
بوابو الحرم الشريف
٢ بواب باب الرحمة
٢ بواب باب السلام
٢ بواب باب النساء
٢ بواب باب التوسل
٢ بواب باب جبريل
١ بواب السور الخشبى
١١ المجموع
سقاء والحرم الشريف
١ الشيخ
٩ السقاءون
١٠ المجموع
الحراس الذين يقفون مصطفين عندما يفتح باب الحجرة المعطرة صباحا ومساء
١ شيخ
استطراد
لم يكن فى صدر الإسلام أمام خطباء المدينة المنورة مؤذن منبر، وبعد ما احترق مسجد السعادة وخرب وضع نظام وجود أحد الأشخاص أطلق عليه مؤذن المحراب لحماية الخطباء من اعتداءات الأشقياء، وكان أكبر دافع لوضع هذا النظام هو اعتداء فرقة من غلاة الفرقة الإمامية وإساءتها، وقد استولت تلك الفرقة المذكورة على المدينة المنورة قبل الحريق وبالتدريج تغلب أفرادها على أفراد مذاهب الحق بالتدريج وسيطروا على مسجد السعادة وعلى جميع المساجد الأخرى والأضرحة التى أداروها وفق تعليمات وطقوس مذهب الرفض والإلحاد ومنعوا أصحاب المذهب الحق من الدخول فى مسجد السعادة وطبقوا فى المسائل الشرعية أحكام مذهبهم وحرفوا دقائق الكتب الفقهية كيفما شاءوا.
стр. 969
وانتزعوا زمام الحكم فى فترة ما واغتصبوا دور إفتاء مذاهب الحق، وتدخلوا فى الأحوال الشخصية لهذه المذاهب الحقة من حيث عقد النكاح وأخضعوا على الأحكام الفرعية لمذهبهم وأصبح لا يعقد النكاح دون الاستئذان من قضاة تلك الطائفة ودون وجود أحد أئمتهم. وطفح كيل أهل المدينة من مظالمهم التى لا تطاق وتشتتوا فى أطراف البلاد الأخرى فرادى ومثانى، واتحد أفراد الملاحدة واتفقوا على ألا يدخلوا أحدا من علماء المذاهب الحقة فى دار الهجرة، وطردوا العلماء الذين فى داخل المدينة واحدا تلو آخر؛ وبهذا أصبحت المدينة المنورة تحت أيدى طائفة الرافضة وخلع كل واحد منهم برقع الحياء والأدب وخرجوا جميعا من دائرة الشرع المنجية، وابتدعوا بدعا كثيرة متعددة وارتكبوا مساوئ تستدعى غضب الله، وهكذا كانوا سببا فى احتراق مسجد السعادة، حتى إنهم رأوا بعض الأبيات كتبت على جدران المسجد الباقية دون الاحتراق من قبل الرحمن وأخبروا ذلك وكانت الأبيات المشهودة تبين إساءات الطائفة المذكورة وقد سطرت أيضا فى الصورة من الوجهة الأولى، ولما استمرت وقاحة هذه الطائفة بعد تجديد مسجد السعادة أيضا قويت إرادة أحد ملوك «نصير» الشراكسة فعين مفتيا لموحدى المذهب الحق فى المدينة المنورة، وهكذا أرسل إلى طيبة الطيبة المفتى «شاهى» من أفاضل الفقهاء، ولما وصل المفتى المرسل من «نصير» إلى المدينة رأى أن أفراد المذاهب الحقة لا حكم لهم فى المدينة المذكورة لأجل ذلك فضل أن يؤدى مهمته فى مسجد ينسب إلى أبى بكر الصديق وقد أصبح مسجد السعادة تحت سيطرة غلاة الملاحدة وأخذ يصلى هناك ليلا ونهارا يعظ وينصح الناس فى خفاء وعزلة، وقد ظهر فى أثناء ذلك كثير من الموحدين الذين احترقت أكبادهم بنار الغيرة على الإسلام، وبذل المفتى جهده للتغلب على طائفة الملاحدة واستطاع بتصرفه الحكيم أن يدخل فى المسجد الحرام مع جم غفير ممن التفوا حوله من أتباعه وأخذ يعظ هناك وينصح وبهذه الطريقة الأصيلة استطاع أن يزيد عدد أتباع جماعات المذهب الحق يوما بعد يوم وبهذا ظهرت علامة إمكانية التغلب على الملاحدة.
стр. 970
ولما رأت الطائفة المذكورة ازدياد أتباع المذهب الحق أخذت تتبع المفتى حيثما يذهب وتؤذيه فى جسمه وترجمه بحجارة الجور والإهانة حيثما يعظ وينصح من المساجد، إلا أن المفتى قد فتح صدره بالصبر لتحمل اعتراضات الملاحدة وزاد من عدد جماعته يوما بعد يوم وبهذه الطريقة استطاع أن يعظ ويخطب أحيانا حتى فى مسجد السعادة إلا أن جور ملاحدة الإمامية وأذاهم زاد قدر سعيه وجهده إذ أخذوا يرجمونه حينما يخطب فى المسجد حتى وهو يستأذن النبى ﷺ واقفا أمام قبره وتعرض إلى غير ذلك من الأذى والتعب حتى أصبح يخاف على نفسه فقلت جرأته-وفق عادات البشر-وأراد أن يحصر وظيفته-الإمامة والخطابة-فى المسجد الذى ينسب لاسم الصديق الأكبر-رضى الله عنه-ومع هذا لم يتركوه على راحته حتى فى مسجد أبى بكر ولم يستطع أن يؤدى مهمته مستريحا.
وقد تأثر أفراد سادات المذاهب الحقة من هذا الوضع وثقل عليهم، لذا قرروا فى مجلس عقدوه لبحث هذا الموضوع أن يخطب المفتى فى مسجد السعادة فإذا ما التزمت الطائفة المذكورة طريقة الإساءة والأذى والتسلط كان له أن يقاومهم بالسلاح وقد كثر عددهم وعلى هذا عادوا يوما لأداء الصلاة فى مسجد السعادة، وقد اتحد مردة دائرة الرفض والإلحاد على أن يؤذوا ويسيئوا للخطيب فى داخل جماعته إلا أنهم جبنوا عن ذلك لما وصلهم من اتفاق أهل المدينة على المقاومة وأنهم كلهم متسلحون وعلى هذا لم يستطيعوا أن يتسلطوا على الخطيب بالرجم بل أطالوا ألسنتهم وأظهروا خبثهم بهذا الشكل.
وأخذ المفتى بعد هذه الواقعة يكثر من خطبه ومواعظه فى مسجد السعادة. إلا أن هذا العمل أثار غيظ علماء الطائفة المذكورة وغضبهم لذا فكر عقلاء الأهالى أن يحموا شخص المفتى ذو المحاسن من سهام إهانة الأشقياء وعن سوء قصد الملاحدة وقرروا أن يسير أمام الخطيب المفتى حينما يقوم من مكانه الخاص ويتجه إلى منبر السعادة حارسا وشخصا آخر أطلقوا عليه مؤذن المنبر، وفى الواقع إن هذا القرار كان صائبا ومناسبا لوقته.
стр. 971
وبناء على ما عرف-فى الصورة العاشرة من الوجهة الثالثة-أن الأمور سارت على ذلك المنوال فترة ما إلا أن الأهالى تغلبوا على جماعة الملاحدة المكروهة وأخرجوهم كافة من بلدة المدينة المنورة المباركة إلا أن الأهالى قد أبقوا خدمة مؤذن المنبر لسبب ما، ومن ذلك الوقت أصبح من العادة أن يسير أمام خطباء الحرمين مؤذن منبر فى أيام الجمع والأعياد، والآن يوجد مؤذن منبر أمام الخطباء الذين يتجهون لإلقاء الخطبة رعاية لهذا النظام سواء أكان فى المدينة المنورة أو مكة المكرمة وفى بعض البلاد العربية.
ولا ينكر فوائد هذا النظام الشامل للمحاسن فإن كان مثل هذا النظام فى باب السعادة لما أصيب خطيب جامع الوالدة فى أقسراى بجرح فى أثناء خطبته.
مولد النبى ﷺ يحيى أهالى المدينة ليالى المولد الشريف فى داخل المسجد الشريف ويجتمعون فى حلقات قرب الصباح أمام «باب النساء» وبعد أن يحضروا كرسيا إلى الساحة الرملية لحرم السعادة، يستمعون إلى المولد الشريف من قبل خمسة أشخاص ذوى أصوات رخيمة والشيخ الخطيب ويشربون الشراب الذى يوزع عادة ويعودون إلى منازلهم.
ويشرع فى قراءة القصيدة المذكورة مع طلوع شمس اليوم الثانى عشر من كل سنة وإن كان قرّاء المولد من أئمة مسجد السعادة إلا أن لهم وظائف أخرى، وقارئ المولد الأول خاص بقراءة منقبة مولد السعادة وإنه يصعد فوق كرسى موضوع فى ساحة الحرم الشريف الرملية ويقرأ حديثا ثم يدعو لسلطان الزمان وينزل، ثم يصعد الثانى ويقرأ ولادة النبى ﷺ الباهرة، ويقرأ الثالث الرضاع، والرابع يقرأ جزءا خاصا بالهجرة السنية، والخامس يدعو، وهكذا يؤدى كل واحد منهم وظيفته.
فتح المحال فى يوم مولد النبى للبيع والشراء، والانشغال بأشياء أخرى ممنوع قطعيا بين أهل المدينة المنورة، يلبس فى ذلك اليوم الفيروزى الكبير والصغير الغنى والفقير كلهم ملابس فاخرة ويحتفلون بالعيد ويهنئ بعضهم بعضا قائلين
стр. 972
حينما يتقابلون إن هذا اليوم السعيد اليوم الذى ولد فيه سيد الكائنات إن أجسام الكائنات التى كانت ميتة تقريبا تجددت حياتها، المواسم المقدمة الأخرى خلقت لحرمة هذا اليوم، وقد نزل القرآن الكريم المبين لأجل هذا النبى المختار هذا اليوم يوم العيد الأكبر، هيا نظهر أقصى ما نستطيع من الفرح والسرور ونعلن هذا اليوم بإطلاق المدافع من القلاع وتفجير حشو البارود.
زيارة مشهد حمزة: ولما كان من عادة سكان البلاد الحجازية زيارة ضريح سيدنا حمزة بن عبد المطلب-رضى الله عنه-فى الليلة الثانية عشرة من رجب الفرد من كل سنة، فيذهب أهالى المدينة الطاهرة لزيارة مشهد سيدنا حمزة فى الليلة الثانية عشرة من شهر رجب وبعد الزيارة ينتشرون فى الخيم التى نصبت بجوار مرقد الشهيد المشار إليه ويحتفلون إلى الصباح وهم يطلقون حشو البارود.
ويخرجون فى الثالث والعشرين من رجب لاستقبال قافلة الزوار الذين يطلق عليهم «الرجبية» إلى خارج المدينة، وهؤلاء يفدون من الأطراف والأكناف قاصدين الزيارة، وبما أن هؤلاء الزوار يأتون إلى دار الهجرة راكبين الهجان قد يطلق عليهم «ركاب» أيضا.
وتتكون طائفة الرجبية من الزوار الذين يأتون من اليمن ومكة والطائف وأهالى البلاد العربية وخاصة من البلاد والقرى القريبة المجاورة لدار الهجرة، وكل هؤلاء يأتون راكبين الهجان ومعهم أولادهم وعيالهم وكل قبيلة قد رفعت علمها وجلبوا رئيس قبيلتهم أمامهم ويدخلون بالشوق والإخلاص داخل حرم السعادة وينالون شرف مسح وجوههم على عتبة مرتبة العرش النبوى ويتلون النعوت الشريفة والصلوات الشريفة ويبكون متأثرين بما يحدث هذا الموقف من أثر شديد فى نفوسهم.
عندما يدخل زوار الرجبية فى حرم السعادة يبكون قليلا إذ ترق قلوبهم، يسفحون الدموع الدامية إلى حدّ أن من يرونهم تذوب قلوبهم كالملح وإن كانت فى قساوة الحجر الأسود، إنهم يفدون إلى المدينة المنورة ويقتحمونها مزدحمين
стр. 973
حتى تكاد المدينة طيبة الشهيرة تمتلئ رحباتها يقيمون فى خشوع وخضوع ثلاثة أيام بلياليهن أمام قبر النبى ﷺ وينشدون القصائد والمدائح دون توقف وهى قصائد فى مدح النبى ﷺ ذات أثر بالغ فى النفوس وأناشيد دينية:
مرحبا بك يا محمد ... مرحبا مرحبا مرحبا
إلى آخره.
وينتحبون بشدة من أثر مهابة المجلس الذى يعقدونه فى داخل حرم مسجد السعادة إذ يقف من يشهده شعر جسمه من غلبة المحبة المصطفوية عليه ويسفح من عيونه دموع الحيرة وهو صامت ساكن.
واليوم الرابع لورود الطائفة المذكورة تحل ليلة المعراج وبعد أداء صلاة العصر يوضع كرسى مزين فى ساحة باب الرحمة فيجلس عليه شخص رخيم الصوت جميله ويأخذ الشخص فى تلاوة منظومة «المعراجية» بصوت حزين ذات تأثير ويلقى فى قلوب السامعين نار الوجد والمحبة ويغادر الكرسى.
ويجتمع بمنطقة المعراج المبارك كافة أفراد الزوار من الرجبية وأعيان وأشراف البلدة فيمتلئ مسجد السعادة لآخره من الداخل والخارج حتى يكاد يتحول إلى ساحة عرفات ذات الفيوضات ويهتز كل ركن منه بصياح ونحيب الموحدين حتى غروب الشمس.
ولما كان ينتظر وقوع بعض الفوضى والفساد نتيجة لهذا الزحام الشديد قد وضع بعض العساكر ورجال الشرطة حتى يحولوا دون حدوث ذلك وتتشكل هذه الجماعة فى الطرف الغربى من حديقة الرسول وقارئها شخص واحد منفرد.
وسواء أكان فى الاحتفالات بالمعراج أو المولد الشريف تنصب خيمة فى خارج مسجد السعادة حيث تجهز المشروعات ويسقى الجماعات الذين فى داخل المسجد بأوان خاصة بالمياه. وتظل هذه الخيمة فى مكانها حتى تتفرق الجماعة تماما.
ومن العادات القديمة فى هذين الاحتفالين إرسال شراب حلو إلى منازل ألفين من الموظفين والأهالى ففى الوقت الذى ستزال فيه الخيمة ترسل إلى دائرة
стр. 974
المشيخة ودائرة نائب الحرم وإلى منازل الأغوات والأشخاص الآخرين وإلى العساكر السلطانية وإلى موظفى الحكومة وإلى أعيان البلاد وسادتهم إناءين أو ثلاثة أوان من الشراب وتتحمل كل هذه النفقات خزانة المديرية.
وبما أن وجود زوار آثار السعادة المصطفوية فى ليلة المعراج فى داخل المسجد النبوى من النظم المرعية فطائفة الرجبية يحتفلون فى داخل المسجد توأم الجنة ويزعجون أهالى المدينة بصياحهم وأنينهم حتى الصباح وبعد أن يصلوا صلاة الفجر مقتدين بإمام المذهب الشافعى وبعد أن يمر نصف ساعة من شروق الشمس يمتطون هجانهم ويعودون إلى بلادهم وبعد الوصول يقومون بإجراء مراسم التهنئة فيما بينهم.
ومن العادات القديمة الجارية بين الأهالى توديع طائفة الرجبية وتشييعهم ففى اليوم الذى ستغادر فيه الطائفة المذكورة يخرج عامة الأهالى إلى خارج القلعة ويعودون مبتهلين بالهم والبكاء وقد تأثروا بنياح المفارقين، وصياحهم، ويطلق بين العرب لهذه الزيارة «حج النبى».
стр. 975
الوجهة الثانية
وتعرف حكم شد الرحال إلى المدينة بغرض زيارة مسجد الرسول
ﷺ
وتفصيل الأحاديث النبوية التى وردت فى الدقة والعناية بآداب الزيارة والمجاورة وفى فضائل المسجد الشريف والمنبر اللطيف والروضة المنيفة.
стр. 976
الصورة الأولى
ذكر الأحاديث الشريفة التى وردت بخصوص شد الرحال لزيارة مسجد
الرسول ﷺ وآراء الفقهاء العظام
وموقفهم فى هذا الباب.
وعد الرسول ﷺ بشفاعة أمته المخلصة عندما قال بأمر من الوحى «من زار قبرى وجبت له شفاعتى» (١) (حديث شريف) وذلك لكل واحد من الذين يزورون قبره.
بما أن هذا الخبر اللطيف قد روى من قبل أئمة الرواة ابن خزيمة والبزار والدّارقطنى والطبرانى عن عبد الله بن عمر-رضى الله عنهما-فلا شك فى صحته.
ذو الشهامة يزورون المرقد ... لا يحرمون من ألطاف الله
لقد بشر أحمد بالشفاعة ... لتكن مجنونا إذا لم تحظ بها
كما أن زوار الرسول ﷺ مبشرون بالحديث الشريف الذى روى مرفوعا عن طريق عبد الرحمن بن زيد عن الإمام البزار عن ابن عمر رضى الله عنهما. «من زار قبرى حلت له شفاعتى» (٢) (حديث شريف)، «من جاءنى زائرا لا يعلم له حاجة إلا زيارتى، كان حقا على أن أكون له شفيعا يوم القيامة» (٣) (حديث شريف).
стр. 977
وبناء على هذا الحديث الشريف فلا شبهة فى أن النبى ﷺ سيشفع يوم القيامة المفزع للذين يشدون الرحال إلى المدينة المنورة لزيارته-﵇-وقد نقل وروى أبو بكر بن المقرى فى «معجمه» مرفوعا عن ابن عمر-رضى الله عنهما-عن طريق مسلمة بن سالم الجهنى هذا الحديث.
وكل من يزور الرسول ﷺ بعد الحج بناء على الخبر الصحيح «من حج فزار قبرى بعد وفاتى كان كمن زارنى فى حياتى» (١) (حديث شريف) يكون كمن شاهد الرسول ﷺ فى حياته، وبناء على قول ابن الجوزى ينال أجر مصاحبة الرسول ﷺ ، وقد روى هذا الخبر الإمام الطبرانى فى كتابيه «الكبير» و «الأوسط» عن زوجة الليث عائشة بنت يونس وعائشة عن زوجها الليث كما أنه رواه عن حفص بن أبى دواد القارى، وبما أن ابن الجوزى قد أخبر أن لفظة «صحبنى» من جملة كلمات هذا الحديث الشريف فلا شك فى أن الذين يوفقون فى أداء الحج وزيارة قبر الرسول ﷺ يكونون قد زاروا الرسول ﷺ فى حياته ونالوا شرف مصاحبته.
ومع ذلك فالذين يذهبون لأداء الحج ولا يزورون قبر الرسول بدون عذر شرعى يكونون قد جفوا الرسول ﷺ ، وهذا قد ثبت بالخبر الصحيح الذى رواه الدارقطنى عن طريق نعمان بن شبل وهو «من حج البيت ولم يزرنى فقد جفانى» (حديث شريف) وقد نقل وروى الحديث المذكور نعمان بن شبل عن الإمام مالك والإمام مالك عن نافع عن ابن عمر «رضى الله عنهما» مرفوعا.
стр. 978
وقد اعترض بعض الرواة على هذا الحديث قائلين «إن نعمان بن شبل قد انفرد بهذا الحديث (١).
وإذا ما نظرنا إلى ما رواه الدارقطنى عن نافع مرفوعا عن ابن عمر رضى الله عنهما، «من زارنى إلى المدينة كنت له شفيعا أو شهيدا» فالذين لا يزورون النبى ﷺ فمن البداهة أنهم يجفون الرسول ﷺ ، لأن الحجاج الذين يذهبون إلى البلاد الحجازية ولا يزورون قبر الرسول ﷺ فكأنهم لم يهتموا بما جاء فى الحديث الشريف من الكرم واللطف والمروءة، لأن رغبة الرسول ﷺ فى الزيارة مبنية على أن ينال الزوار الأجر والمثوبة، لأن الحديث الشريف «من زار بيتى» وعلى قول «من زارنى كنت له شفيعا أو شهيدا ومن مات فى أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة» الذى رواه أبو داود الطيالسى-﵀-يؤكد الحديث الأول كما يؤكد مجافاة الذى لا يزور قبر الرسول ﷺ .
روى منهال بن عمرو عن سعيد بن المسيب: قد رأى بلال الحبشى بعد فتح بيت المقدس فى رؤياه النبى ﷺ وبناء على الأمر النبوى الذى يجب أن يطاع من الكائنات كلها ذهب إلى المدينة وشغل بزيارة قبر الرسول ﷺ .
عمر بن عبد العزيز الذى هو أعدل أهل السلوك وأزهد ملوك بنى أمية بينما كان مستقرا ومقيما فى الشام يأمر بزيارة قبر الرسول ﷺ فى المدينة المنورة فيذهب ويزور قبر الرسول ويعرض سلامه وصلاته عليه.
أما الفاروق الأعظم عندما عاد من فتح بيت المقدس ذهب رأسا إلى حجرة السعادة، فزارها وألقى السلام على صاحب الرسالة ثم عاد إلى بيته.
ويقول يزيد بن المهدى، وعندما كنت سأعود من جنة الشام إلى مدينة الإسلام
стр. 979
زرت مجلس عمر بن عبد العزيز الذى كان أمير مصر، فقال لى الأمير عند توديعه: «يا يزيد عندما تصل إلى دار السلام قبة الإسلام وتزور قبر سلطان الرسالة-عليه أجمل التحية-أرجو أن تعرض سلامى وتحياتى لذلك الجوهرة الفريدة للكونين المدفونة تحت ثرى المدينة ذات عطر كالمسك».
وكان عبد الله بن عمر كلما يعود من سفر من أسفاره، كان يدخل فى الحجرة المعطرة ويزور الرسول الكريم ﷺ وبعده قبر الصديق وبعده والده ابن الخطاب ويسلم عليهم وهذه الرواية الصحيحة منقولة من الإمام نافع، إذ يخبرنا الإمام أن عبد الله بن عمر-رضى الله عنهما-كان يعرض سلامه وتحاياه على الدرة اليتيمة التى تظهر فى داخل حزمتها المنورة الرسول ﷺ ، وإننى قد رأيت ذاته السامية أكثر من مائة مرة وهو يقف فى حضور صاحب الرسالة يقول «السلام عليك يا رسول الله» ثم يقول السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبى ويشغل بالزيارة بهذه الطريقة، بيتى يوصل سلامه إلى المعرض المعلى للرسالة مشافهة ثم إلى رفيقى حياته ومشاركى حجرته الصديق الأكبر والفاروق الأعظم رضى الله عنهما، ثم يعود، وقد دخل على بن أبى طالب-رضى الله عنه-يوما ما فى المسجد الشريف فرأى مرقد فاطمة «رضى الله عنها» وبكى كثيرا وفى النهاية دخل فى الحجرة المعطرة وبعد أن بكى طويلا قال «عليكما السلام يا أخوى ورحمة الله» وهكذا سلم على أبى بكر وعمر-رضى الله عنهما-وعاد بعد ذلك؛ لأجل ذلك فالفقهاء العظام الذين يتشرفون بلقب حجج الإسلام يتجهون إلى المدينة المنورة بقصد زيارة قبر السعادة.
وبعد أن يصلوا إلى المسجد الشريف الذى يقابل البيت المعمور وهم محرمون وقد اهتزت جنباتهم من الابتهاج والفرح، يزورون الروضة الشريفة التى حسدها روض الجنان، ثم المنبر المنير، ثم القبر المنيف الذى يحتوى على الرسول ﷺ ، ثم يزورون الأماكن التى سار فيها وتنزه والأماكن التى جلس فيها مستندا على
стр. 980
الأعمدة التى اتكأ عليها عند نزول الوحى، ثم يزورون ويتبركون برؤية الأماكن الخاصة بالأصحاب الكرام الذين اشتركوا فى بناء المسجد وصرفوا النقود فى تعميره وكذلك التابعين ذوى الشهرة ثم يذهبون إلى آثار الصلحاء وفقهاء الأمة الذين قد أدوا فريضة الحج، فذهاب الحجاج الآن إلى دار الهجرة مبنى على ما فعله الأسلاف.
وقد اختلف علماء الأسلاف فى أفضلية ذهاب الحجاج أولا إلى المدينة أو العودة إليها من مكة بقصد زيارة قبر السعادة وقد التزم جانب أفضلية الذهاب إلى المدينة أولا علقمة وأسود وعمرو بن ميمون، وقال الإمام أبو حنيفة «فالأحسن بالنسبة للحجاج الذهاب إلى مكة أولا ثم العودة إلى المدينة بعد عرفة» وقد رجح أبو الليث السمرقندى فى فتاويه القول الثانى على القول الأول، ولما كان عدد من الأئمة اقتنعوا بجواز القول الأول فصحته محققة أيضا.
إخطار
قد أصبح فى زماننا من حكم العادة ذهاب الحجاج إلى المدينة ورجوعهم منها بين العيدين، ويعود بعض الحجاج إلى بلادهم عن طريق قناة السويس راكبين السفن بعد ذهابهم إلى المدينة بعد وقوفهم بعرفات مع أن الذين يذهبون إلى المدينة بعد عرفة بقصد الزيارة لا يستطيعون أن يبقوا فى المدينة إلا ساعة أو ساعتين ومع هذا يقفون معظم أوقاتهم فى ينبع البحر فى انتظار السفن ويتعرضون لمشكلات كثيرة كما وردت فى ذلك الأخبار الموثوقة، ومن هنا ينبغى على الحجاج الذهاب إلى مكة المعظمة أولا ثم الذهاب إلى المدينة المنورة بين العيدين، والذهاب إلى المدينة بين العيدين بالنسبة للحجاج الذين يعودون بحرا إلى بلادهم، أما بالنسبة للحجاج الذين يعودون برا فمن الخير لهم أن يزوروا المدينة بعد العودة من عرفات.
стр. 981
نصيحة
كان الذهاب إلى الحج بحرا قبل خمس سنوات أو عشر أهون من حيث النفقات وأدعى للراحة البدنية، ولكن منذ ثلاث أو خمس سنوات تغير الحال فالعودة بحرا أصبحت أمرا مضرا ومهلكا لأن المشكلات التى يتعرض لها الذاهبون والآيبون بحرا فى مواقع الحجر الصحى زادت من النفقات بالإضافة إلى ضياع الوقت كما تتسبب فى التعب الجسمانى، فالحاج الذى يريد أن يعود بحرا فى حاجة إلى ما لا يقل عن ثلاثة أشهر وإلى نفقات من خسمين أو ستين قطعة ذهبية من ذات المائة، فضلا عن تخمين ما سيتعرض له من المحن والمشاق.
حتى لا يتعرض الحاج لكل هذه المصاعب والمتاعب منفقا نفقات زائدة يجب عليه أن يذهب إلى أداء الحج بحرا والعودة برا حتى لا يظل مدة طويلة فى الطريق كما أن الحجاج العائدين عن طريق البر لا يتعرضون لمشاق كثيرة ولا يتأخرون فى الطريق وبهذا ينالون شرف زيارة الآثار واجبة الزيارة.
وليس بقليل ما تتعرض له قوافل الزوار والتجار من مشاق عندما يذهبون من ينبع البحر إلى المدينة ومن المدينة إلى ينبع البحر، وكانت هذه القوافل قبل أربعمائة عام تذهب وتجئ عن طريق «ميناء الجار» ولا يقعون فى مخالب أشقياء العربان، ولكن لشدة الأسف استطاع العربان الذين يسكنون بجوار ينبع البحر أن يتغلبوا على العربان الذين يسكنون بجوار «ميناء الجار».
ووفقوا فى جعل ميناءهم ممر القوافل، ولكن إن كان الذهاب إلى المدينة من ميناء «الجار» يستغرق أربعة أيام فالذهاب من ميناء «ينبع» يستغرق خمسة أيام، فضلا على ذلك ما يتعرض له المسافرون من متاعب ومخاوف، فالعربان الذين يسكنون فى ناحية «الجار» ليسوا من أهل الجفاء مثل عربان نواحى ينبع بل هم فى غاية الأنس والقناعة، وإذا أرست السفن مراسيها كما فى السابق فى ميناء الجار وانتقلت القوافل فى ذهابها وإيابها عن طريق منياء الجار، تكون قد نجت
стр. 982
من شرور عربان ينبع كما أنها قللت من النفقات، ويتوقف تحويل الطريق إلى ميناء «الجار» على إقامة عدة دكاكين وبعض المخازن ومواقع حراسة قوية وتأسيسها.
ولما كان ميناء «الجار» شبه جزيرة يستوعب كثيرا من السفن كان فى البداية ميناء مأمونا للفلائك التى ترد من ديار مصر والحبشة، لأنه يقع فى مكان مأمون من المخاطر وهو أقرب الموانى إلى المدينة المنورة.
قد ثبتت زيارة القبر النبوى بإجماع الأمة وذلك بالأدلة التى أتى بها مؤلف «الشفاء الشريف» القاضى عياض والإمام النووى ومن أجل فقهاء الحنفية ابن الهمام-عليهم الرحمة والسلام-حتى اقتنع بعض النحارير الأكابر بوجوب زيارته، زيارة القبور سنة بإرادة صاحب الشريعة «عليه أكمل التحية» ولما كان قبر السعادة سيد القبور كما هو معروف وثابت فزيارته تكون قد ثبتت بالإجماع، وإن كانت زيارة الرسول المشفق على أمته «عليه أعظم التحية» لأصحاب البقيع وشهداء أحد تومئ بأن زيارة القبور منحصرة للرجال إلا أن الآية الجليلة الآتية آمرة بزيارة قبر السعادة ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ (النساء:٦٤).
وبما أن هذه الآية الكريمة تشمل النساء أيضا ويستثنى فى هذه المسألة زيارة قبر الرسول الجليل؛ لذا يستحب العلماء الأعلام قراءة هذه الآية الكريمة عند زيارة القبر المصطفوى التى تستلزم المغفرة.
شد الرحال من قريب أو بعيد إلى المدينة المنورة بقصد زيارة مرقد السعادة خالصا لوجه الله، قد أكد بأحاديث «من زار قبرى» و «من جاءنى زائرا» لذا فزيارة القبور من جملة القربات وهذا برئ من الشبهات والزيارة وسيلة للقربة إذ ثبتت زيارة الرسول لشهداء أحد وهو مسافر من المدينة بالأقوال الصحيحة، وبناء على ذلك فمن يخرج إلى المدينة بأمل زيارة قبر الرسول ﷺ بنية خالصة، قد اتفق علماء الأسلاف أو مدققو الأخلاف على أن هذا العمل إحدى وسائل القربات إلى الله.
стр. 983
ولما كان الحديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» (١)،دليلا كافيا على أن الذهاب إلى المدينة لزيارة مرقد الرسول وسيلة للقربات فإن الذين لا يعرضون سلامهم وصلاتهم على محبوب الله يكونون قد تركوا الأفضل ويستحقون الملامة وجديرون بالهجاء والمذمة لتركهم الواجب.
هناك اختلاف أيضا فى تعيين سبب شد الرحال لغير تلك المساجد المذكورة، قال بعض أئمة الرجال إن شد الرحال لزيارة غير هذه المساجد الثلاثة حرام، وقال بعضهم «إذا كانت الزيارة عن طريق النذر فهى حلال، ويقتضى النظر فى هذا الخصوص إلى نية المتعازم للسفر إذا كان القصد من شد الرحال أداء صلة الرحم أو الدين أو الأمور الخيرية جائز بل واجب، أما إذا لم يكن من الأمور الخيرية فحرام قطعيا (٢).
كان الحسن بن على «رضى الله عنهما» ينهى من يشاهده من الزوار بالقرب من قبر الرسول أن يقتربوا أكثر من ذلك، وكان الإمام زين العابدين يحذر من التقرب لقبر الرسول ذاكرا الحديث الذى يقول «لا تجعلوا قبرى عيدا ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغنى أينما كنت» (٣) (حديث شريف).
هذه الأقوال تحمل على عدم تجاوز حد الاعتدال، حتى أن الإمام مالك كان يكره الجلوس كثيرا بجانب مرقد السعادة، وكان الإمام زين العابدين فى أثناء زيارته لقبر الرسول ﷺ يقف بجانب العمود الذى يتصل بالروضة المطهرة ويصلى ويسلم وكأنه يومئ بأن المحل المذكور هو الجهة التى فيها رأس النبى الشريف، وكانت حجرات زوجات النبى المطهرات، قبل إلحاقها بالمسجد النبوى موقف زيارة
стр. 984
فكان الزائرون الواردون فى؟ صدر الإسلام يقفون فى ذلك المكان وهذا على قول أمام باب الحجرة المعطرة.
وسأل هارون بن موسى الهارونى جده علقمة قائلا: «من أين كان يزار قبر الرسول قبل أن تلحق دور النبى ﷺ بمسجد الرسول؟» فأخذ الرد الآتى: «قد سد باب الحجرة المعطرة قبل وفاة السيدة عائشة-رضى الله عنها-فكان يزار القبر من أمام باب حجرة السيدة عائشة «وهذا منقول عن هارون، والواضح من الحديث ألا يعينوا لزيارة قبر الرسول وقتا خاصا كأوقات الأعياد، وكان اليهود والنصارى يجتمعون لزيارة قبور الأنبياء ويمضون أوقاتهم فى اللهو والطرب بجانب القبور. أو «عدم اللهو واللعب عند زيارة القبور وعقد مجالس الطرب والزينة»،ويجب أن يؤول بأن الذين عزموا على زيارة قبر الرسول يجب عليهم أن يسلموا على النبى ﷺ ويدعون له ثم يمضون بلا توقف وإن هذا التأويل أبلغ من توجيه الحافظ المنذرى وأحسن وهذا التأويل يعد أقوى الأقاويل من جهة التعظيم للرسول ﷺ ، ومن هنا يجب على الزوار المسلمين أن يعرفوا أن زيارة قبر الرسول ﷺ من أفضل القربات والمستحبات المؤكدة، وأن يكثروا من شد الرحال لزيارته مرة بعد أخرى وبما أن العيد مرة واحدة فى السنة فلا يحصروا زيارة قبر الرسول لمرة واحدة فى العمر، بل عليهم أن يزوروه كلما استطاعوا ذلك وأن يعودوا دون أن يتوقفوا كثيرا فى حضور قبر الرسول ﵇.
قال أبو حنيفة لما كانت زيارة قبر الرسول ﷺ من أفضل المندوبات وأكثر المستحبات تأكيدا فالزيارة قريبة من الوجوب.
فالذين ينذرون بزيارة قبر الرسول يلزم عليهم الوفاء بنذورهم بناء على رأى الأئمة الشافعيين، وأما الذين ينذرون بزيارة القبور الأخرى فبناء على رأى بعضهم يجب الوفاء بنذورهم بالزيارة بينما الآخرون يرون عدم الوفاء بنذورهم ولكن القول الأول مرجح على القول الثانى (١).
стр. 985
الصورة الثانية
فى ذكر وبيان فضائل المسجد النبوى الشريف والمنبر اللطيف والروضة النبوية
المنيفة .
قد وصف الله مسجد السعادة فى الآية الكريمة:
﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة:١٠٨).
كما أنه سبحانه بين طهارة هذا المسجد المنيف وجماعته وعرفها فى هذه الآية.
وإن كان العلماء قد اختلفوا فى تعيين أى مسجد نزلت فى حقه هذه الآية إلا أن المفسرين الكرام قد نقلوا أحاديث كثيرة لإثبات أن الآية نزلت فى حق مسجد المدينة المنورة كما استدلوا بنقل قول أبى سعيد الخدرى «إننى قلت لإمام الأنبياء» «عليه أكمل التحايا» ما المسجد الذى أسس على أركان التقوى فتلقيت الرد أنه المسجد الذى أتعبد فيه فى المدينة إن الآية الكريمة لمسجد أسس على التقوى نزلت فى حق مسجد المدينة.
وقال بعض العلماء قد تلا النبى ﷺ هذه الآية مخاطبا أهل قباء وقال (إن الله يثنى عليكم)،وإذا ما نظر لهذا الحديث يلزم أن تكون تلك الآية قد نزلت فى حق مسجد قباء.
إلا أن المفسرين الكرام ردوا على هذا الادعاء قائلين «لما كان أهل قباء فى ذلك الوقت يداومون على الصلاة فى مسجد المدينة فإن هذه الرواية لا تجرح قول أبى سعيد الخدرى.
وقال أبو رشيد إن قول الجليل (من أول يوم) يلمح أن الآية الكريمة فى حق