ابن أبي الفتوح بْن عمران ومحمد بْن عَبْد العزيز بْن عَبْد البر الزاذاني وحيدر وأحمد ونصر وحمد وظفر وعَبْد الرزاق بنو أبي بكر بْن حيدر وعَبْد اللَّه بْن أبي الفتوح بْن عمران وابنه مُحَمَّد أبو الفتوح ومحمود بْن مُحَمَّد ابن نصر الخلفاني أبو المكارم والقاضي الحسين بْن أَحْمَدَ بْن الحسين بْن بهرام والحسين مُحَمَّد بْن الهمداني أبو عَبْد اللَّه ومحمد بْن القاسم الطبري أبو بكر ومحمد ومحمود ابنا منصور الطبري ويوسف بْن علي بْن أثال الشيباني البسطامي ومحمد بْن المأمون بْن الرشيد المطوعي.
العراقي وعبيد اللَّه أبنا مُحَمَّد بْن العراقي الطاوسي وأبو بكر بْن ناصر الصوفي وإبراهيم بْن مُحَمَّد مدوار الشامهاني وعَبْد الكافي بْن أبي علي بْن مُحَمَّد ومحمد بْن محمود بْن أبي زرعة السوادي وحيدر بْن عَبْد الواحد بْن حيدر الشابوري وعَبْد المجيد بْن سعد اللَّه بْن عَبْد المجيد بْن ناصر الأبهري ومحمد ابن أَحْمَد بْن إسماعيل أبو إسماعيل الطالقاني وعَبْد الواسع بْن عَبْد الكافي ابن عَبْد الواسع الخليلي وأبو بكر بْن عمر بْن يعلى وأبو بكر بْن محمود ابن مُحَمَّد بْن الرافعي ومحمد بْن أَحْمَدَ بْن عَبْد الواسع البابائي.
أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن روشنائي الفقيه ومحمود بْن عَبْد السلام بْن أبي العباس الخزنيني ومحمد بْن أبي الوفاء المثيلي وإبراهيم بْن أبي المعتمر ابن الحسن أبو العز العصاري وأحمد بْن موسى بْن بادويه الخطيب ومحمود بْن مُحَمَّد الأشتريني وعَبْد الرحمن بْن أبي الفوارس أبو الحارث الزاكاني وعلي بْن عَبْد الواحد الفقيه الفارسي والخليل بْن إبراهيم التومكي ويحيى بْن أبي منصور والرشيد الإسماعيلي وبرغش بْن عَبْد اللَّه عتيق
стр. 387
الطاوسية ومحمد بْن الحسن بْن مُحَمَّد الغزنوي ثم الزنجاني وعطاء اللَّه بْن عَبْد الرشيد بْن أبي عنان الطاؤسي أبو النجيب وأخوه أبو عنان سعد.
أَحْمَد بْن الحسين بْن أَحْمَدَ الأصبهاني والحسن بْن شيرويه البيع وعزيزي بْن الوفاء وعَبْد الرشيد بْن شيرزاد المؤدب والقاضي مُحَمَّد بْن عمر بْن عَبْد الحميد الماكي وأبو بكر بْن أَحْمَدَ بْن عثمان الأجنبي وأبو عَبْد اللَّه نصر بْن علي بْن أبي القاسم الخيارجي ومحمد بْن الحسن بْن عَبْد الكريم الرافعي وأبو الفرح أَحْمَد بْن أبي القاسم الحسن المقرىء الزنجان وأبو زرعة الحسن بْن عبد الكريم المقرىء ومحمد بْن أبي بكر اللوزي وأبو حنيفة مُحَمَّد ابن أبي الفرح بْن أَحْمَدَ الديلمي وأبو العشائر بْن مُحَمَّد بْن ناصر الديواني وأبو الوزير بْن بابا بْن بشار الحامدي والشبلي بْن مسعود بْن مُحَمَّد وعَبْد الصمد بْن أبي الفوارس بْن المظفر الجبلي وأبو بكر بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الخواري الصوفي وإبراهيم بْن أبي سعد المعلمي ومسعود بْن شاه خسرو بْن خليفة الجيلي الننكي١ سمع منه بنيسابور سنة ست وأربعين وخمسمائة ثم بقزوين.
وممن سمع منه بأبهر بشار بْن عثمان بْن بشار وأحمد بْن عَبْد الرحيم العبشمي أبو جعفر وعربشاه بْن المشرف بْن مالك الأسدي وعلي بْن أبي نعيم الرازي وأبو المعالي بْن مُحَمَّد بْن الفضل الرافعي ومحمد بْن هبة اللَّه ابن أبي مُحَمَّد الأحمد كالي.
ممن سمع منه بزنجان مُحَمَّد بْن القاسم بْن أبي الفرح بن أبي نصر
стр. 388
الزنجاني وأبوه وأبو المظفر سعد بْن مُحَمَّد بْن أبي الفوارس المعروف بكندمة وأسفنديار بْن حاجي الفهاد وأبو المجد بْن الماجد بْن المهتدي العبشمي الأبهري.
ممن سمع منه بتبريز عثمان الغزالي وعمر بْن أبي المعالي أبو المكارم البرطلي وعثمان بْن سليمان بْن الوفاء أبو عمر البروجردي وأبو الكرم ابن أبي المعمر بْن عثمان وإبراهيم بْن أبي الحسن بْن أبي طاهر وعمر وأحمد أبنا أبي البدر التبريزي وعمر بْن مُحَمَّد بْن عمر أبو الفضائل المستوفي ومحبوب بْن الوحيد الشرواني ومحمد عمر بْن اقبوري ومحمد بْن علي بْن أبي القاسم الحصري وأسعد بْن مسعود بْن الحسن الخوارزمي.
عَبْد المحسن بْن شفا بْن أبي المعالي أبو المحاسن التراسي المراغي وعلي بْن أبي بكر بْن أبي مُحَمَّد بْن المظفر وأبو الفضل بْن أبي الخير بْن عدنان وأحمد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَدَ الأصبهاني وموسى بْن إبراهيم بْن موسى ومولاه مبشر ويونس بْن سفاء بْن علكان الفقيه وعمر بْن مُحَمَّد المجندي وداؤد بْن أبي المعالي وجلدك مولى الإمام أبي منصور المعروف بحفذة وأبو الكرم بْن الفرح بْن محمود.
ممن سمع منه بخلاط أبو بكر بْن عَبْد اللَّه الأسدآباذي وعلي بْن زيد المراغي وأبو طاهر أَحْمَد بْن مُحَمَّد النسائي ومحمد بْن زكريا الكازروني وأبو المكارم عَبْد الصمد بْن أَحْمَدَ الزنجاني والحسن بْن إسماعيل بْن علي الخوئي وعَبْد الرحيم بْن الحسين بْن المؤمل الخلاطي ويونس بْن محمود الخوئي وإبراهيم بْن الخليل الواني والحسن بْن علكويه ومحمد بن المظفر
стр. 389
ابن عَبْد الواحد بْن رشيق أبو الفتح ورجب بْن نصر ومسعود بْن مُحَمَّد بْن سعد أبو جعفر المستوفي وعَبْد العزيز بْن أَحْمَدَ البغدادي أبو مُحَمَّد ومحمد بْن أبي علي بْن حيدو.
سمع منه بدهخوارقان يعقوب بْن تركانشاه وعَبْد المجيد بْن مُحَمَّد الخطيبي وأبو بكر بْن محمود الحكيمي ومحمد بْن ساوى الباني وأبو القاسم ابن يوسف بْن صالح المراغي.
فصل في مصنفاته
له في التفسير كتاب التحصيل في تفسير التنزيل وهو كتاب كبير يشتمل على ثلاثين مجلدة في نسخة الأصل أورد فيها الأقوال التي يتضمنها التفاسير المشهورة ووجوه القراآت وعللها وما يتعلق بالنظم والمعنى وشحنها بالأحاديث وحكايات المشائخ على الطرز الذي أعتيد عقد الحلقة له بقزوين في مواضع من المسجد الجامع.
في الحديث الحاوي الأصول من أخبار الرسول ضمنه معظم الأحاديث التي يشتمل عليها ثمانية من الأصول موطأ مالك ومسند الشافعي والصحيحان وجامع أبي عيسى الترمذي وسنن أبي داؤد وسنن أبي عَبْد الرحمن النسائي وسنن أبي عَبْد اللَّه ابن ماجة رحمة اللَّه عليهم.
له كتاب تحفة الغزاة ونزهة الهداة وكتاب فضائل الشهور الثلاثة وجمع الأخبار الواردة في تلقين المختصر والميت وزيارة القبور
стр. 390
ويليق بها وأملى مجالس في المسجد الجامع وفي مدرسة الخليلية وجمع فهرست مسموعاته وأورد فيه من كل كتاب من الكتب المشهورة حديثا ومشيخته وأورد عن كل شيخ ثلاثة أحاديث وحكاية وشعرا.
له أربعينيات منها كتاب الأربعين في متن كل حديث منه ذكر الأربعين وله تعليقات في الأصول ومختصر في الخلاف كتبه بنيسابور وكان بالآخرة قد أخذ في جمع مذهبي١ ولم يتيسر الأطراف من أول العبادات وشرع في جمع تاريخ الأنبياء والملوك بالفارسية ولم يتم له ملتقطات ومنتخبات في كل فن فيها ما يدل على جودة الرأي وحسن الاختيار.
فصل في صلابته في الدين وديانته
كان ﵀ إذا سمع بثلمة في الدين أو وهن في المسلمين أو بلغه سوء اعتقاد عمن يخاف منه فتنة أو أغارت الملاحدة على بعض النواحي أو استشهد مسلم اشتد حزنه ولم يتهنأ بالطعام والشراب أياما إذا توجه طائفة من الغزاة إلى الروذبار أو غيرها من ديار الملاحدة أقبل على الدعاء والصدقة بما تيسر سرا وجهرا ولم يزل مفكرا مضطربا إلى أن يرجعوا أو يبلغ خبرهم.
حين بنت الملاحدة القلع المعروفة بأرسلان كشاد واحتيج إلى استنهاض العساكر لاستخلاصها كان له سعي جميل في ترغيب الملوك فيه وتخشين القول وتلبينه لهم بحسب الحاجة إلى أن يسر اللَّه فتحها
стр. 391
إلى أن يسر اللَّه تعالى فتحها وأتذكر أنه كان يحكي له أحوال سنية عن بعض المتساهلين المنتسبين إلى فن الأوائل وهو الملقب بالشمس القاشاني فيعظم اكتئيابه لذلك خوفا من أن يفتتن به أحدا وبسوء اعتقاده.
استنابه أسعد بْن مُحَمَّد الخليلي في القضاء حين وليه فقام به يومين أو ثلاثة بم استعفى منه وتركه ولم يظهر له سببا ثم ذكر بعد مدة أنه خرج إلى صلاة الصبح مغلسا في يوم من تلك الأيام فإذا هو برجل على باب الدار ينتظره فسلم عليه وعرض عليه شيئا مشدودا وقال أنا أحد المتداعيين أمس في واقعة كذا فإن رأيت أعنتني فهاله ذلك وقال:
إن السلامة من سلمى وجارتهما ... أن لا تمر على حال بواديها
كان يخرج من المسجد الجامع ذات يوم مستعجلا لمهمة سانح فنادى المؤذن بالإقامة فوقف في الموضع الذي انتهى إليه ولم يخرج حتى صلى وذكر الحديث المعروف من سمع النداء وخرج من المسجد فقد عصى أبا الْقَاسِمِ ﵌ وكانت عنده شهادة في حادثة فالتمس منه بعض أرباب الجاه تأخير أدائها أو زيادة فيها وتوعده لو لم يجبه إليه فلم يبال المقامة ومقاله وأداها على ما يجب فصرف اللَّه تعالى المكروه ولم يمض إلا أياما قلائل حتى جاء الرجل تائبا معتذرا وفي المشهور المأثور أن من أرضى اللَّه تعالى لسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس.
стр. 392
فصل في بره بأقاربه وأولاده وجيرانه وسائر الناس
ما ورثه من أبويه من العقار والمنقول ولم يكن بالتافه آثر به أخواته وصرفه إلى أجهزتهن حين عزم على السفر وخرج مجردا وكان لا يترك تعهد الماضين من ذوي رحمه بالدعاء والزيارة والصدقة وإذا مر بقبورهم في شغل عرج ودعاء وقال إذا مررت بباب الصديق ولم تقرعه فقد جفوته وكان بعض بني أعمامه في ذي الصالحين ثم ابتلى بفترة وتهتك وشرب الخمر فوجم لذلك ولم يزل يراجعه لطفا وعنفا ويعمل كل تدبير في استصلاحه وأحضره داره وهو سكران مرتين إشفاقا عليه من أن يعربد وتجهيلا له فأثر فيه ذلك وتاب.
كان ﵀ وافر الشفقة على أولاده معتنيا بشأنهم مبالغا في ضبطهم وتأديبهم ومن عظيم إحسانه بي إحتياطه في أمر تربيتي طعاما وأداما وكسوة فسمعته ﵀ غير مرة يقول لم أطعمك ولم ألبسك إلا من وجه طيب إلى أن تم لك سبع سنين ثم كثر الأولاد والمؤن ولا آمن تداخل الشبهات وربما بكى عند ذلك وقال نجا المخفون كنت أخدمه في مرض وفاته إشالة وأسناد أو إضجاعا وأرفق به بقدر الطاقة فوقع ذلك منه الموقع ودعا لي بالسعادة مرارا وهو من ذخائري وكان يبر إلى الجيران ويلاطفهم وربما استحضرهم واستمع
стр. 393
كلام الملهوفين منهم وكان في أوقات المجاعة يضع رغيفين أو أكثر في كمه عند الخروج من الدار يتناول منه الضعفاء والصبيان وبلغ من كلفه بأقاربه أنه أقام نفسه مقامهم في حوادث ضاق الأمر عليهم فيها وجادل عنهم حتى دفع من كان يبغي عليهم بعون اللَّه تعالى.
فصل في تبجيله لشيوخه وأساتذته
كان ﵀ يوقرهم ويبالغ في تبجيلهم أما حياتهم وحضورهم فقد سمعته يقول كنت أصدر في الأكل والشرب والدخول والخروج والمهمات المتكررة عن أمر الإمام ملكداد بْن علي وإشارته فضلا عما له وقع وخطر وسمعته يقول كنت لا أملأ العين من النظر إلى الإمام مُحَمَّد بْن يحيى لعظم وقعة في قلبي وكان يشاور الكبار منهم فيما يعزم عليه سمعته يقول عزمت على الخروج من نيسابور فدخلت على الإمام العارف مُحَمَّد بْن أبي علي القايني ﵀ لأشاوره وأودعه وكنت قد هيآت أسباب الرحيل فقال إنك لا تخرج الآن من نيسابور فاهتممت وخرجت من عنده متفكرا فرمدت عيني تلك الليلة وفترت العزيمة وبقيت هناك سنة أخرى.
وأما بعد وفاتهم فكان إذا حكى عنهم لم يخل بالتوفير والثنا وإذا روى عنهم لفظا أو كتابة لم يخل ذكرهم عن صالح الدعاء ومن كانت استفادته منه أكثر كان تعظيمه له أوفر وكان يخصص الإمام ملكداد بْن علي بمزايا الحسن تربيته إياه والإمام مُحَمَّد بْن يحيى لعلو
стр. 394
مرتبته ولما رجع من السفر كان قد بقي جماعة ممن درس عليهم وكان يحافظ على شرط الأدب والاحترام ولا يسير بسيرة المغرورين بأنفسهم إذا أنسوا منها رشدا وظهر لهم فهم وتمكنوا من تصرف.
فصل في غيرته وأمره بالمعروف
كان ﵀ شديد الإنكار على منكرات الشرع يدفعها بيده ولسانه بحسب وسعه وإمكانه وإذا لم يستطع الدفع تأثر به اغتياظا وربما ارتعد وأخذته الحمى وفيما روى عن عطاء الخراساني عن ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: "يأتي على الناس زمان يذوب قلب المؤمن كما يذوب الملح في الماء". قيل: يا رسول اللَّه مم ذاك؟ قَالَ: "مما يرى من المنكر ولا يستطيع تغييره".
كان لصدقه يهابه أهل الفسق ويهربون منه وإذا احس الصبيان في المحلة لقربه منهم في مروره تفرقوا وتركوا اللعبة وإذا دخل الحمام احتاط الحاضرون في ستر العورات وأسبلوا الأزار وكانت فيه حدة منشأها الغيرة واستواء الظاهر والباطن والبعد من الغوائل والتلبيسات وهذه صفات تحمل على الإفصاح بحقيقة الحال وقد لا يحتمل فينسب صاحبها إلى الحدة.
استدعى منه بعض المتوجهين في البلدان يعاملة نسيئة من وجوه عما السور حين كان يتولاها عن الوزير قاضي المراغة ﵀ فقال أنا وكيل والوكيل لا يعامل بالنسئية فراجعه مرارا فلم يزد على هذا
стр. 395
الجواب فتأذى الطالب ووشى به إلى صاحب المال بما سيسأل عنه.
فصل في ثناء المعتبرين عليه
كان أساتذته من أول نشئه وابتداء تحصيله يكرمونه وثنون عليه لرشده وسداده واستقامة سيرته ولزومه الطريقة المثلى وحين عزم على الخروج من نيسابور كتب له الإمام مُحَمَّد بْن يحيى بْن ﵀ بخطه المتين فصلا في جزء أؤديه على وجهه نقلا عن خطه كتب على ظهر الجزء تذكرة لصاحبه من مُحَمَّد بْن يحيى أصلحه اللَّه وفي باطنه.
بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحمد لله شكرا على نواله ونشرا لأنعامه وإفضاله والصلاة على خير خلقه مُحَمَّد وآله وبعد فإن الشيخ الإمام الأجل الزاهد الولد جمال الدين فخر الإسلام أبا الفضل مُحَمَّد بْن عَبْد الكريم ابن الفضل الرافعي القزويني أطال اللَّه بقاه وأدامها إلى مراقي العز ارتقاءه شاب نشأ في عبادة اللَّه نقي الجيب أمين الغيب زكي النفس عن الشين والعيب يرجع إلى عقل رزين ودين متين ورأى في المكرمات مبين وطال ما أخبر جانبي سره وجهره وأسبر طرفي خيره وشره فلم أعثر منه إلا على الورع والعفاف والقناعة بأقل من الكفاف والتوقي من المطامع الدنية والمطاعم الوبية والترقي من حضيض السفلة إلى يفاع الرتب العلية.
كيف وقد طالت مدة مقامه بين يدي وامتدت نوبة اختلافه إلي ولم يزل كان متشوفا إلى درك الحقائق متعرفا للجليات منها والدقائق
стр. 396
حتى أطلع على غوائل المسائل وأغوارها وعثر من المعضلات على أسرارها فها هو الآن مليء بعلم الأصول وفروع الأحكام غير مقتنع منها بالشروع دون الإتمام لعمري وقد بلغ الغاية القصوى في الإتقان والأحكام يستقل بالإقادة والتدريس وقواعد النظر بالتمهيد والتأسيس لا تروج عليه شبة التلبيس والتدليس.
متى سئل أجاب وإذا أفتى أصاب ويتوب اللَّه على من تاب وبحق أقول لو ساعدني الأقدار وألقت إلي زمام الاختبار لم أسمح بأن يفارق هذه الديار غير ان الجد والجد قل ما يجتمعان والحرص والحرمان لا يفترقان:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
فكثيرا من بحثت وفتشت وجناح الذل افترشت فلم أعثر منه على مزعج غير داعية الارتحال إلى ما بين العمومة والأخوال ورأيته ينشد بلسان الحال:
بلاد بها نيطت علي تمائي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
ولولا نزوع النفس إلى مسقط الرأس ودائره الميلاد لم ينزل ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ . وقد صدق ابن الرومي حيث قال:
стр. 397
وحبب أوطان الرجال إليهم ... مأرب قضاها الفؤاد هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبي فيها فحنوا لذالكا
وأخرى تحبونها فأنى أحببت أن أتحف بلدة طيبة طاهرة وتربة سنية سنية ظاهرة مثل هذا العالم الدين ذي السمت والهدي البين لقصير رباع الفضل به معمورة وأعلام السنة والجماعة منشورة مشهورة ورسوم أهل الزيغ والبدعة مغلوبة مقهورة فإن العالم الورع الذي يصدق قوله فعله ويحقق علمه عمله لحري بأن يقتدى بآثاره ويقتبس من أنواره.
فمن علم وعمل وعلم يدعى عظيما في ملكوت السماوات وإني لأرجو من اللَّه سبحانه أن يجيب له دعائي ولا يخيب فيه رجائي فإنه سميع مجيب وممن دعاه قريب وإذا تأملت الفضل لم يخف عليك ما فيه من جميل الذكر وجزيل الثناء وما يفيد أنه من كامل السنا والسنا وعرفت ما كان عند ذلك الإمام من قدر المثنى عليه ومرتبة لديه رحمهما اللَّه.
أثبت الإمام عمر بْن أَحْمَدَ الصفار بخطه بعض ما سمع منه والدي حجة له وفيما أثبت يقول العَبْد المفتقر إلى رحمة اللَّه تعالى ابن الصفار عمر بْن أَحْمَدَ بْن منصور من الاتفاق الحسن المستفاد في كرور الزمن الالتقاء بالولد العزيز الشيخ الإمام الأجل جمال الدين شرف الإسلام
стр. 398
فخر الأئمة أبي الفضل مُحَمَّد بْن عَبْد الكريم الرافعي القزويني أدام اللَّه حراسته وأقام عليه رعايته وتيسر اختلافه إلي في اقتباس المعارف الدينية وتحصيل السماع في العلوم النقلية ومن جملتها كتاب كذا وحصل السماع بقرائته على إتقان وإحكام إذ هو من أفراد الأئمة والأعلام بارك اللَّه له في علومه ورده سالما إلى مولده على أيسر رسومه ودعا له في موضع آخر بما هو مأخوذ من نسبته.
فكتب الإمام الأجل جمال الدين أبو الفضل مُحَمَّد بْن عَبْد الكريم الرافعي رفع اللَّه قدره ومهد أمره اتفقت له نهضة إلى تبريز بعد رجوعه من نيسابور وقيل إن أولا كان يقرأ بها شرح السنة لمحييها الحسين البغوي على الإمام أبي منصور العطاري ﵀ ويحضر لسماعه الجم الغفير وكانوا يراجعونه ويستكشفون في مواضع الحاجة وهو يجيبهم بإشارة الشيخ ويصغي هو إلى كلامه ويستحسنه.
كتب له الإمام أبو المحاسن الدمشقي حين عزم على الخروج من مدينة السلام صحبني القاضي الإمام الأجل جمال الدين فخر الإسلام شرف الأئمة أبو الفضل مُحَمَّد بْن عَبْد الكريم الرافعي مد اللَّه في عمره ونفع بما علمه وقرن له سعادة الآخرة أحسن صحبته وحصل من العلوم والمعارف ما فاق به أهل زمانه حتى حصل لي الأنس بفوائده والاستظهار لمحاورته فلما عزم على التوجه إلى وطنه ضاق لذلك صدري وحصل لي من الوحشة لمفارقته ما لا يمكن التعبير عنه ورغبته في المقام يكل ما يدخل تحت الوسع.
стр. 399
فلم يرغب وأبى إلا القصد إلى الوطن ليستروح بفوائده كل منتظر ويستفيد من أنفاسه كل طالب ويحيي تلك البقع الشريفة بمكانه ويعيش ما دثر من العلوم في أيامه فأذنت له في الرحيل عن طيب قلب لما يتوقع فيه من الفوائد فالله تعالى يرضى عنه كما كنت راضيا عنه ويختار له في جميع أحواله في حركته وسكونه وغيبته وحضوره وينفعه وينفع به أنه ولي الإجابة.
كتب الفقير إلى رحمة اللَّه تعالى سفيان بْن عَبْد اللَّه بْن بندار الدمشقي ثم الأئمة من بعد ورؤساهم كانوا يتبركون به ويثنون عليه ويراجعونه وكان الإمام مُحَمَّد بْن أبي سعد الوزان ﵀ يدعو له على رأس المنبر وينقل الشيء بعد الشيء عن تفسيره ويسنده إليه وكتب الإمام كمال الإسلام عبيد اللَّه الخجندي اسمه في خلال.
فصل
فقال الإمام مُحَمَّد بْن عَبْد الكريم الرافعي رفع اللَّه درجته وأنشده الإمام أبو سليمان الزبيري ﵀ مودعا له إما عند سفرته الأولى الطفيفة الكيل أو الثانية الطويل الذيل.
أبا الفضل هجرك لا يحمل ... ولست ملوما بما تفعل
وأنك من حسنات الزمان ... وقدما علي بها يبخل
أنشدها القاضي مُحَمَّد بْن خالد الخفيفي الأبهري قَالَ أنشدها الأفضل بديل الحقائقي الخاقاني في مدح الإمام أبي الفضل الرافعي وقد
стр. 400
تلاقيا بتبريز رحمهمها اللَّه:
إلى اللَّه في الحشر بعد النبي ... أي ثاني الشافعي شافعي
لئن أصبح الدهر لي خافضا ... فبابويه الرافعي رافعي
وأنشد الشيخ الإمام مُحَمَّد الطنطراني فيه:
يا جنة منك فتحت أبواب ... في بلدة قزوين ومن يرتاب
هذا خبر وشاهدت عيني ... في قزوين إذا الجمال منها باب
في الرباعية مغالطة لا يخفى وكان للمشهور في فنه أبي الفتوح فضل اللَّه ابن علي بْن الموفق الخواري وغيره من أهل الفضل إلى والدي رحمهما اللَّه كتب رأيت فيها مقطعات لا بأس بها ولا أدري أين ذهبت ورأيت بخط الإمام أبي بكر عَبْد اللَّه بْن أَحْمَدَ الزبيري كتب إلى جلال الدين أبي الفتوح الخواري لأعرضه على الإمام أبي الفضل الرافعي في معاتبة بينهما.
إني أجلل أن أقول ظلمتني ... والله يعلم أنني مظلوم
فصل في فوائد منقولة من معلقاته
كان ﵀ لحرصه على العلم وجمعه يعلق كثيرا مما يسمع من أفواه الناس ويجده في بطون الأوراق على ظهور الدفاتر ويثبتها تارة على ظهور تعاليق الفقه وأخرى في أجزاء مفردة وأنا أثبت طرفا منها بلا ترتيب ولا تبويب نقلا عن خطه بالمعنى من مناجاة إلهي أشكو إليك كمدي وتفتت كبدي وضعفا في جسدي إلهي أرفع إليك قصة تنطق عن شجني وأنشر بين يديك غصة تخبر عن حزني إلهي ليس
стр. 401
بيدي إلا الأسف والأسى وقول لعل وعسى وتذكر لما سلف ومضى وتأسف على ما ذهب وانقضى إلهي كل المصائب دون حدسك جلل وكل دمعة تسكب إلا على فرقتك باطل وكل حزب إلا على بعدك ضائع وكل سرور إلا بك محال وكل شمس إلا في يوم وصلك منكسفة وكل مشرب دون حضرتك متكدر تعاليت يا جليل الوصف.
كتب الشيخ أبو سعيد بْن أبي الخير ﵀ لبعض أصحابه وقد أراد سفرا هذا الحرز بسم اللَّه الرحمن الرحيم بسم اللَّه ماشاء اللَّه لا يأتي بالخير إلا اللَّه بسم اللَّه ما شاء اللَّه لا يصرف السوء إلا اللَّه بسم اللَّه ما شاء اللَّه وما بكم من نعمة فمن اللَّه بسم اللَّه ما شاء اللَّه لا حول ولا قوة إلا بالله بسم اللَّه الذي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم بسم اللَّه الشافي بسم اللَّه الكافي بسم اللَّه المعافي بسم اللَّه ذي الشان شديد السلطان عظيم البرهان ما شاء اللَّه كان أعوذ بالله من الشيطان وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين تحصنا بالحي الذي لا يموت ورمينا من أراد بنا سوأ بلا إله إلا أنت وتمسكنا جميعا بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم.
سمعت الإمام عَبْد الرحمن الأكاف ﵀ يقول كان من مريدي الشيخ أبي سعد بْن أبي الخير شاب أعرج يقال له عَبْد الكريم يتولى خدمته التي يختص بنفسه كمناولة الخلال ونحوها وكان يخصه الشيخ بالنظر فقدم في بعض الأيام إلى أصحاب الخانقاه لغدائهم قليل زبيب
стр. 402
ووضع نصيب كل واحد منهم على طرف سجادته فغضب عَبْد الكريم ونثر الزبيب ثم ندم على ما فعل وخرج من الخانقاه خجلا فاتفق أنه دخل خانقاه البيهقي وقعد في بيت متفكرا وكان البيت ملاصقا لدار أبي القاسم الإمام أستاذ إمام الحرمين رحمهما اللَّه وفي أعلا الجدار كوة ينفذ منها الصوت.
فسمع الإمام يقول لجارية هندية له كانت تخدمه تدعى سبزيا سبزاني أشتهى منذ مدة رغيفا حارا مع خل وبقل فقالت الجارية هذا سهل نبدل رغيفا برغيف ونشتري برغيف بقلا وعندنا من شيء من الخل وذهبت لتجمعها فلما أدبرت ناداها أن ارجعي فإني أستحي من أن أشتغل بقضاء شهوتي فتعجب عَبْد الكريم من ذلك ولام نفسه ورجع إلى خدمة الشيخ وتاب.
سمعت الإمام عَبْد الرحمن الأكاف يقول كان للإمام أبي القاسم الأنصاري قمقمة يتوضأ منها فلما كبر وضعف كان يعسر عليه حملها عند الوضوء فأتى بقمقمة خفيفة يشتريها ويتوضأ منها فسأل عن ثمنها فقالوا ثمان دينار فقال لا يتهنأ لي أن أضيف قمقمة إلى قمقمة وعلى سبع عشر درهما دينا وردها.
سئل الإمام عَبْد الرحمن عن علامة قبول العمل فقال: تسأل عن القبول الأدنى أم عن القبول الأعلى فقال: أسائل عنهما جميعا فقال أما القبول الأدنى فعلامته رعاية حدود الشرع والاشتغال بمثله بعد الفراغ منه وأما علامة القبول الأعلى فأن يستنكف من عمل نفسه كما يستنكف
стр. 403
من الشرك سمعته يقول سمعت الإمام أبا نصر القشيري يقول إذا قرأ المصلي الفاتحة فقال بسم اللَّه أو الحمد لله بترك الألف بين اللام الثانية وبين الهاء لم تصح صلاته.
سمعت الإمام أبا طاهر العطاري يقول: رأيت الإمام أبا حامد الغزالي ﵀ في المنام بعد وفاته بأربع ليال فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: اللَّه يعطي في الدنيا ويزيد في الآخرة سمعت الإمام أبا الفتح الأنصاري يقول: تجوز رؤية اللَّه تعالى في المنام في الصور والأشكال مع تعالى ذاته عن الصور والأشكال.
حكى عن أبيه الإمام أبي القاسم الأنصاري أنه قَالَ: رأيت اللَّه تعالى في المنام فجرى على لساني:
وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ثم انتبهت فأتممت البيت وقلت: ولكن من يبصر جفونك يعشق قَالَ: ورأيته مرة أخرى وكان القيامة قد قامت ورأيت جماعة على منابر وحول كل واحد منهم خلق كثير يزدحمون عليه ورأيت الأستاذ أبا القاسم القشيري على أقرب المنابر إلي واحتف بي ناس وهو يرمي إلى كل واحد منهم قطع كاغذ صغيرة فسألت عنه فقيل يعطيهم الأستاذ الجواز إلى الجنة فقال اللَّه تعالى: أذهب إلى أبي القاسم فخذ جوازك فقلت: إلهي لا أريد الجنة ولا الحوالة على غيرك١
стр. 404
سمعته يقول: سئل والدي عن شيخه فقال: كان شيخي في أول الأمر أبو سعيد بْن أبي الخير ثم الأستاذ أبو القاسم ثم شاب من كفار الهنود فتعجب السائل فقال دخلت بلاد الهند مرة فألح علي جماعة في الدخول على صنمهم الأكبر فدخلت فجيء بشاب ووقف بحذاء الصنم فسجد له ثم قام وأخذ آخذ بيمينه وآخر بيساره وجاء ثالث بموسى فوضعها على هامته ورفع الجلد واللحم والعظم حتى ظهر دماغه.
فوضع فيه فتيلة وأشعلها ولم يزل الرجلان آخذين بضبعيه والفتيلة تتقد حتى مات فأخرجوه من البيت فسألت عن شأنه فقالوا هذا فتى ادعى عشق الصنم فبذل نفسه وتقرب بأن يستضيء الصنم بالشعلة في دماغه وهكذا يفعل عشاقه.
سمعت الإمام أبا طاهر العطاري يقول حضرت يوم عيد عند الإمام أبي القاسم الأنصاري في طائفة فأحضر الطعام ووضع على المائدة حمل مشوي فأشار الإمام علي بالتناول منه وكنت أمسك يدي إلى أن بسط الشيخ يده فقال: تناول منه وأنا أحكي لك حكاية فامتثلت أشارته ولما فرغنا سألته عن الحكاية فقال: اشتهيت في منصرفي من خوزستان حملا مشويا آكل منه من حيث أريد وكان في صحبتي نفر وقفوا على ما اشتهيت فلما وصلنا إلى الري ذكر بعضهم ذلك لخادم الخانقاه فهيأه.
فلما أحضر أخذتني حمى شديدة ولم أقدر على الأكل ثم لما دخلنا إسفرائن ذكروا ذلك للخادم فهيأه ووضع بين أيدينا وكنت قد افتصدت في أول النهار فلما مددت يدي انفتح العرق وسال الدم
стр. 405
فنبهني الحاضرون فقمت اشتغلت بغسله وخجلت مما جرى ولم أعد إليهم فلما دخلنا أرغيان ذكر ذلك لقاضيها فاتخذ دعوة ودعانا إلى داره وأخذنا المجلس مجتمعين ثم رأيت نفسي في آخر الليل في دار خالية على مضربة مفروشة فوق سرير.
فتعجبت من ذلك وكانوا قد وكلوا بي من يرعاني فقال قد هاج بك وجد في خلال السماع وغشي عليك فنقلت إلى هذه الدار وقد تفرق القوم وذهب الليل فعاهدت أن لا أقضي هذه الشهوة لما توالت هذه العلائق وقلت لعل الصلاح في تركه أنشدني الإمام أبو منصور الرزاز للإمام أبي مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن القاسم الشهرزوري.
وما نظرت من بعد بعدك مقلتي ... إلى أحد إلا وشخصك ماثل
ولا رقدت إلا وجدتك في الكرى ... كأنك فيما بين جفني منازل
أنشدني الإمام أبو منصور أنشدني أبو الفضل الفرضي أنشدني أبو الجوائز الواسطي لنفسه:
يا من أراق دمي ثم انتهى فرقا ... من شاهد الدم عد فالدمع يمحوه
وإن تخوفت قومي أن يروا أثرا ... من سيف لحظك بي فالوصل يعفوه
أنشدني الشيخ أَحْمَد الشارآباذي بتبريز وقت وداعي له:
стр. 406
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتهها ... فكم تلبث النفس التي أنت قوتها
ستبقى بقاء الضب في الماء أو كما ... يعيش ببيدا المهامة حوتها
أنشدني الإمام أبو سليمان أَحْمَد بْن حسنويه الزبيري ﵀:
ذكر اللَّه راجلين بخير ... عرجوا ساعة بنا ثم مروا
وأقروا بوصل سعدى عيونا ... أي عين بواصلها لا تقر
قرب سعدى وبعد ضرات سعدى ... لست أدري بأي نعمى أسر
أنبأ عَبْد الرشيد مُحَمَّد بْن عَبْد العزيز الطبري أنبأ أبو عَبْد اللَّه كثير ابن سعيد بْن شماليق البغدادي أنشدنا أبو الحسن مُحَمَّد بْن علي بْن أبي الصفر الواسطي لنفسه:
من عارض اللَّه في مشيته ... فما من الدين عنده خبر
لا يقدر الناس باجتهادهم ... إلا على ما جرى به القدر
كان شيخي صدر المعالي أبو القاسم ﵀ لا يقول في كلامه أنا وأنت ولكن يقول لهم فعلوا كذا وهم يفعلون ويذكر أن الشيخ
стр. 407
أبا سعيد بْن أبي الخير ﵀ كذلك كانت عادته وحكى أن بعض أصدقاء الشيخ أهدى إليه كتابا بعد ما ترك مطالعة الكتب فعرض الخادم الكتاب عليه وطالع صفحة منه في يد الخادم فلما أمسوا ودخل الشيخ بيت خلوته سمعه أهل الدار يقول غير مرة الأمان الأمان تبت فقيل له من الغد سمعناهم البارحة يقولون كذا فما سببه فقال عوتبوا على مطالعة ذلك الكتاب فتابوا فقبلت توبتهم قَالَ والدي فقلت للشيخ رحمهما اللَّه ما معنى العتاب على مطالعة الكتاب فقال لا يحسن العود إلى الطريق بعد الوصول إلى المقصد.
سمعت صدر المعالي يحكي عن أبي القاسم المعروف بحدبان المدفون بقرميسين وكان من الكبار أنه قَالَ كنت أجول في جبال لكام أطلب لقيا القطب فقيل لي إن في موضع كذا واديا أخضر في وسطه صخرة هو قاعد عليها إن رأيته بالليل رأيت على كتفيه عمودي نور يذهبان في السماء فلم أزل أسعى حتى انتهيت إلى ذلك الموضع فرأيت على الصخرة التي وصفت لي شابا أشقر يديم النظر إلى السماء ورأيت أفواجا ينزلون من السماء ويطوفون حوله ويقبلون يده ويرجعون إلى السماء فأخذتني هيبة عظيمة ثم انبسطت فطفت أنا أيضا حوله وقبلت يده وأقمت مدة فما رأيته يغير عن تلك الحالة إلا أنه يصلي المكتوبات الخمس وكنت أريد أن أسمع كلامه وأنظر من أين يأكل فقيل لي يا سليم القلب أتطمع في ذلك وأنه من مائة سنة وأكثر على هذه الحالة لا يتغير عنها.
سمعت الإمام عَبْد الرحمن الأكاف سمعت أبا القاسم الأنصاري
стр. 408
سمعت الأستاذ أبا القاسم سمعت من الأستاذ أبي علي الدقاق يقول في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ . يطعمهم من حيث لا يطعمون ويشوش عليهم تدبيرهم ولا يشمت بهم عدوهم قَالَ عَبْد الرحمن يطعمهم من حيث لا يظعمون ليقطعوا النظر عن الأسباب ويشوش عليهم تدبيرهم ليتبروا عن حولهم وقوتهم وإذا أطمع العدو فيهم خيبة ولم يشمته بهم.
سمعت الإمام عَبْد الرحمن لو كانت في الوجود ثلمة يجد الناس منها مهر بالكثر الازدحام عليها حتى تكاد تخرج عن الانتفاع.
سمعت بعضهم يقول: كان في خدم الوزير نظام الملك ﵀ فتى يختصه بنظرة اسمه محمد كان يناديه باسمه عند الاستخدام إذا كان راضيا عنه وإذا بدا منه سوء أدب لم يخاطبه باسمه وقال يا غلام أفعل كذا فخرج الوزير ذات يوم بكرة ولم يسمعه فحاسب الفتى نفسه ولم يعرف ما يستحق به العتاب فراجعه في ذلك فقال كنت جنبا فلم أرد أن يجري على لساني اسم مُحَمَّد ﵌.
سمعت بعض الأئمة يقول: دخل الشيخ أبو مُحَمَّد الجويني ﵀ داره وابنه أبو المعالي إمام الحرمين مقموط في المهد فبلغ صوت بكائه واضطرابه فسأل عن حاله فقالوا: كانت أمه غائبة وهو يبكي فدعونا من دار فلان جارية فأرضعته فزاد بكاؤه فحل أبو مُحَمَّد القماط وأخذ برجليه ولم يزل يحركه منكسا حتى عرف أنه قد خرج ما ارتضع منها احتياطا منه في تربية ولده.
стр. 409
سمعت بعضهم: يقول دخل إمام الحرمين أبو المعالي ﵀ داره يوما وقعد يبكي ويتضرع فسئل عن سببه فقال كنت أمشي في السوق فسمعت رجلا يقول لآخر أن في دارك صورا وهي محرمة فقال رأيت في دار أبي المعالي صورا وقد دخلناها يوم كذا فلو كانت محرمة لما اتخذها فما عذري في هذا عند اللَّه تعالى.
سمعت الإمام العارف مُحَمَّد بْن أبي علي القائي ﵀ يقول رأيت أمير المؤمنين عليا ﵁ في المنام فدفع إلى ذا الفقار وقال اضرب رقبتها وأشار إلى صورة هناك فنظرت فإذا الصورة كحلقة مدورة عليها عيون كثيرة مصطفة فضربت به الصورة فانقطع طرف منها واتصل أيضا فقال لي اضرب فقلت يا أمير المؤمنين أنت أقوى ضربا وذو الفقار في يدك أحسن فقال إنما هي نفسك فعليك الضرب والمجاهدة وهذه الحكايات قد سمعت أكثرها بالمعنى من والدي ﵀.
فصل في كثرة كتابته للعلم وشغفه بالعلم وحرصه على جمعه
حمله على الإكثار من الكتابة لكتاب بتمامه تارة والتقاطا وانتخابا أخرى وكان في قلمه شرعة وغالب الظن أن مكتوباته لا تنقص عن ثلاثمائة مجلدة ضخمة أو خفيفة وقد حافظ فيما كتب على أمرين مستحسنين أحدهما أنه لا يوجد فيما كتب شيء من الفنون المذمومة
стр. 410
لا كما يفعله المكثرون لأغراض صحيحة أو غير صحيحة بل لم يكتب إلا العلوم الشرعية وما يتبعها ويتعلق بها وقد قيل:
ولا تكتب بخطك غير شيء ... يسرك في القيامة أن تراه
والثاني أنه قيد وضبط الكثير من مواضع الحاجة وربما أثبت في المتن أو على الحاشية ما يوضح المقصود ويكشفه مما سمعه من غيره أو وقع له من المعاني وذلك كما أنه كتب فيما التقط مسند أبي عوانة الأسفرائني أنه سأل أبان القارىء معبدا المغني عن دواء الحلق فقال: حدثني أم جميل الحدثية أنها سألت الجن عنه فقالوا دواؤه الهوان وكتب عقيبه سمعت بعض الحفاظ يقول معناه إن دواه أن تستهين به ولا تمتنع من القول فإن الصوت يطيب بكثرة القول.
كتب في تهذيب الأسرار لأبي سعد الخركوشي ما ورد في الحديث عن اللَّه تعالى أنه قَالَ أنا جليس من ذكرني ونقل ما حكاه صاحب الكتاب في معناه ثم قَالَ ويقع لي أن معناه أنى أؤنسه بذكري كما أن الجليس يؤنس الجليس.
من احتياطاته أنه ربما كتب وروى بالإجازة عن شيخ ما هو مسموع له لأنه لم يتذكر سماعه قرأت عليه في بعض معلقاته أخبركم الأستاذ إبراهيم بْن عبد الملك المقرىء إجازة أنبأ أبو متصور المقومي أنبأ أبو الفتح الراشدي أنبأ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْن عَبْد العزيز الرازي سمعت أبا مُحَمَّد جعفر بْن مُحَمَّد بْن نصير الخواص سمعت أبا العباس بن
стр. 411
مسروق سمعت حسين بْن علي سمعت سفيان يقول سألت اللَّه أن يوفق للغزو أربعين سنة فسمعت هاتفا في جوف الليل يقول كف عن هذا الكلام فإنك غزوت أسرت وإن أسرت تنصرت ثم تحققت أنه سمع منه الجزء المنقول منه هذه الحكاية بتمامه من أبي إسحاق سنة ست وعشرين وخمسمائة.
فصل في مناجاته
رأيت في وريقة أثبتها بخظه يقول أبو الفضل: الرافعي أصلحه اللَّه رأيت رسول اللَّه ﵌ فِي المنام بنيسابور مرتين مرة كأنه يمتشط لحيته ويسرحها وأخرى رأيته قد أقبل علي وقال: "احفظ اللَّه يحفظك احفظ اللَّه تجده أمامك تعرف إلى اللَّه في الرخا يعرفك". وهذا حديث مشهور يروى عن النبي ﵌ بروايات وعبارات مختلفة منها أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أبي طالب المقرىء بقرأة وَالِدَيَّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ أَنَا سَعْدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي زَكَرِيَّا ثَنَا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَزْرَةَ ثَنَا يَحْيَى بْنُ مَيْمُونٍ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نَصْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: "يَا غُلامُ أَوْ يَا غُلَيْمُ يَا غُلامَ احْفَظْ عَنِّي كَلِمَاتٍ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِنَّ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ احْفَظْ فِي الرخاء
стр. 412
يَعْرِفْكَ فِي الشَّدَّةِ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهِ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ عَنْ غَسَّانَ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غَفْرَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ لِي يَا غُلامُ أَلا أُعَلِّمُكَ شَيْئًا يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: "احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احفظ اللَّه تجده أمامك تعرف إلى اللَّه في الرخا يعرفك في الشدة إذا سالت فسأل اللَّهِ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ جَفَّ الْعِلْمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فلو جهد الخلائق أن يضروك بشيء لم يكتبه اللَّه لك لم يقدروا ولو جهد الخلائق أن يضروك بشيء لم يكتبه اللَّه عليك لم يقدروا على ذلك".
رواه بعضهم فلم يدخل بين عمر وابن عباس عكرمة وفي تلك الورقة ورأيت أبا بكر وعمر ﵄ في المنام ليلة العيد أو ليلة البراءة وأنا مشتغل بالصلاة المأثورة في الليلة وهي مائة ركعة وذلك قبل أن أسافر بغداد.
رأيت عليا ﵁ في المنام في العشر الأول من شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين ورأيت عَبْد اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ في المنام على باب جامع قزوين الذي ينفذ إلى العصارين ومعه رأية علم طويل على رأس العلم شبه قلنسوة مغربية وكأني أقول لابن عباس أليس كان لرسول اللَّه ﵌ قلنسوة مضربة قَالَ: نعم, كانت
стр. 413
له قلنسوة مضرية وكنت أقول: إن بعضهم يقول: مصرية وأنا أقول مضرية فقال لا بل مضربة وأنا أعتقد أن تلك القلنسوة هي التي على رأس العلم.
رأيت قدام ابن عباس عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فارسا خلف عسكر يتقدمونه فأقبل على ابن عباس وقال: كنيتك أبو فلان غير الكنية المشهورة وقد أنسيت ما قَالَ ابن عباس كنيتي أبو فلان والشهيد فقال علي أبو فلان والشهيد أيضا فقال: نعم, سماني رسول اللَّه ﵌ وأجازهما عَبْد الملك بْن مروان ورأيت الأوزاعي ﵀ في المنام جالسا على رأس حشيش.
رأيت في المنام شيخنا مُحَمَّد بْن يحيى ليلة الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين كأنه أعطاني كمثراة وأنا أعتقد أنه أكلا ثلاثها وأتبرك بما أعطاني فقسمته قطعا وفرقته على جماعة من المتفقهة أعرفهم بأعيانهم وأكلت منه ورأيت قبل ذلك حين تم عليه ما تم بسبب الغز الخارجين بخراسان كأنه جالس في المدرسة النظامية في الموضع الذي كان يجلس فيه وأنا أظهر التأسف على ما أصابه فأقبل علي وقال لا تتأسف فقد كان ذلك قضاء قضى لنا ثم قرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ . وأعاد كلمة لنا مرتين فقال: لنا لنا ثم قَالَ: لا علينا.
قد سمعت مضمون هذه المناجات من لفظه غير مرة وفي كتب التعبير أن من رأى الصحابة أو واحدا منهم في الأحيا دلت رؤياه على أنه
стр. 414
ينال عزا وشرفا ويعلوا مرة وإن من رأى أبا بكر ﵁ حيا أكرم بالرأفة والرحمة والشفقة على عباد اللَّه تعالى وإن من رأى عمر ﵁ حيا أكرم بالصلابة في الدين والعدل في القول والفعل وإحسان السيرة بمن تحت أمره وإن من رأى عليا ﵁ حيا أكرم العلم ورزق في السخا والشجاعة والزهد.
فصل في كراماته
سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحِيمِ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ الْمُؤَذِّنَ يَحْكِي أَنَّ الْوَالِدَ ﵀ خَرَجَ لِصَلاةِ الْعِشَاءِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي الْمُظْلِمَةِ وَأَنَا أَنْتَظِرُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَحَسِبْتُ أَنَّ فِي يَدِهِ سِرَاجًا فَتَعَجَّبْتُ مِنْهُ لأَنَّهُ مَا كانت يَعْتَادُهُ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ لَمْ أَجِدْ مَعَهُ شَيْئًا فَدَهِشْتُ ثُمَّ ذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ مَنْ بَعْدُ فَمَنَعَنِي مِنْ حِكَايَتِهِ وَإِفْشَائِهِ أُحْضِرْتُ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ تَقْرِيبًا مَجْلِسَ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ ﵀ فَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي بِنَاءِ الْمَجْلِسِ عَلَى الأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ وَذَكَرَ فَضْلَ الذِّكْرِ الَّذِي رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ عَلَّمَهُ فَاطِمَةَ ﵂ وَهُوَ: "يَا أَوَّلَ الأَوَّلِينَ وَيَا آخِرَ الآخِرِينَ وَيَا ذَا الْقُوَّةِ الْمَتِينِ وَيَا أَرْحَمَ الْمَسَاكِينَ وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".
هَذَا حَدِيثٌ يُرْوَى مُسْنَدًا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ قَالَ أَصَابَتْ عَلِيَّ بْنَ أبَيِ طَالِبٍ ﵁ خَصَاصَةٌ فَقَالَ لِفَاطِمَةَ: لَوْ أَتَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فسألته
الخمس وسألته تيسر مَا قَصَدْتُهُ فَلَمَّا جَاءَ وَقْتُ التِّكْرَارِ وَنَهَضْتُ لَهُ دَعَانِي الْوَالِدُ ﵀ فَسَارَّنِي بِمَا كُنْتُ أَطْلُبُهُ وَكَانَ تِلْكَ تَفَرُّسًا مِنْهُ.
زاحمه بعض أهل العلم في شيء من المناصب المختصة بأهل العلم بغيا منه فشق عليه ضبعيه ودعا عليه فلم يتمتع بعمره ولا بعلمه وانقطع نسله في مدة يسير.
حين كان يقوم بعمارة السور بما يوجهه الوزير قاضي المراغة ﵀ تكلم بعض المجازفين بما فيه يعنيه ولا يعنيه وبسط المقال فيه مسيئا فلم يلبث أن أصابته بشوم إسائته علل منكرة وذكر أنه أنشق جوفه ومات ميتة سوء واشتهر فيما بين من عرف حاله وسمع مقاله إن لحم فلان سمه يعنون أن لحوم العلماء مسمومة.
حمل جماعة من الجسورين الحسودين نساجا أبله على ذكره بالسوء مرارا في مجامع فأصابته عن قريب عاهات في بدنه وصار يسأل الناس في الطرق وعلى الأبواب مهانا.
فصل في نوادره وحسن محاوراته
أنه كان يكثر في محاورته التمثل بالأبيات ومصاريعها وبالأمثال السائرة وإيراد الأحاديث والآثار الجارية مجرى وقد علق بحفظي في الصبى كثير مما كان يورده ويستعمله واستيعابه مما يطول وكان الأفضل الحقائقي المعروف بالخاقاني مشهورا بأنه يكثر الكلام ولا يكله إلى من تلقاه من الملوك والوزراء والعلماء وسائر طبقات الناس كان يرد القول
стр. 417
سردا ويظهر الصعة استعارة وسجعا وتمثيلا وسمعت غير واحد أنه حين ألقى والدي ﵀ بتبريز ترك عادته فكان يكل الكلام إليه وإذا سكن سأله تبركا واستفادة منه وكان ﵀ جيد الفضل حاضر الجواب.
سمعته بقزوين كنا في درس الإمام مُحَمَّد بْن يحيى رحمهما اللَّه فجرى ذكر ملاحدة الروذبار وما بين أهل قزوين وبينهم من المعاداة الشديدة والمقاتلة والمناهبة فعلل بعض الحاضرين تلك المعادات بتزاحمهم على الماء والأرض لما بينهم من المجاورة وزعم أنها غير مبنية على أمر ديني بل سبيلهم سبيل الشيعة وسائر المبتدعة في البلاد إلا أن أهل قزوين يقبحون أمرهم فقلت في نفسي هذا مجلس غاص بأهل العلم الواردين من الأقطار المختلفة ولو اشتغلت بإيراده هم عليه من العقائد الخبيثة والمقالات الشنيعة على ما هو مودع في كتب الكشف لم يتسع الوقت والمجلس ثم لا يقع ذلك من الجاهل بحالهم والمرتاب موقع القبول ولا سبيل إلى الإهمال.
فقلت: بم تعرفون اللعين الحسن المعروف بالصباح فأطبقوا على أنهم يعرفونه بالزندقة والإلحاد والخروج عن دين الإسلام فقلت هؤلاء القوم يقولون نحن على عقيدته ومقالته فهل يتوقف في تكفير من هذا حاله فقالوا لا وانقطع الكلام وسمعته يقول كنا في حلقة الإمام مُحَمَّد بْن يحيى فدخل الحلقة سنور ورام الخروج فكان يدفع من أي وجه توجه إليه فرفع رجله وبال على الحاضرين فجرى على لساني من
стр. 418
غير قصد مني:
لقد ذل من بالت عليه الثعالب
فتبسم الحاضرون وكان ﵀ أصابه مرض شديد في بعض السنين وإذا تفكر في شأن العيال وصغرهم وضعفهم ازداد كربه فكان يردد هذه الآية: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ . ثم يقول لا إله إلا اللَّه ويشير إلى أن اللَّه تعالى ببركة القول السديد يكفي أمر الذرية الضعاف.
قد فسر القول السديد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ . بكلمة لا إله إلا اللَّه لكن ترديده كان على سبيل التعبير عن المعنى المقصود بنظم القرآن لصحة تطبيقه عليه لا على أن ذلك المعنى تفسير الآية والأشهر من تفسيرها أنهم كانوا يقعدون عند المحتضر فيقولون أنظر لنفسك فإن أولادك لا يغنون عنك من اللَّه شيئا يرغبونه في الصدقة والوصية فيقدم الرجل ماله ويحرم أولاده وهذا قبل أن يحضر الوصية في الثلث.
فنهاهم اللَّه تعالى عن ذلك وقال: فليتقوا اللَّه إذا قعدوا عند المحتضر وليقولوا قولا عدلا وهو أن يخلف أكثر ماله لولده ويتصدق بالثلث فما دونه وقيل إن الآية وعظ للأوصياء والمعنى وليخش من لو ترك أولادا صغارا خاف الضيعة والفقر عليهم فليحسن إلى من في كفالته من اليتامى وليتق اللَّه في أمرهم ورأيت بخط الشيخ الإمام أبي بكر عَبْد اللَّه بْن أَحْمَدَ الزبيري كتب إلى الإمام أبو الفضل الرافعي
стр. 419
من نيسابور وأنا ببغداد لأنشده شيخنا أبا المحاسن يوسف بْن عَبْد اللَّه الدمشقي في معنى يناسبه:
لو كان لي سعد لساعدتكم ... لكنني لست بذي سعد
فاستحسنه كل من بلغ
فصل في كيفية إقامته للعبادات واهتمامه بها
كان يحب النظافة في الثوب والبدن ويعجبه قول من قال أدب الظاهر وتطهره عنوان أدب الباطن وتطهيره ويحتاط في الاستبراء وربما أبطأ في الخروج من الخلا لذلك لا لإطالة الجلوس ويداوم على الإستياك خاصة عند الوضوء ويحافظ على آداب الوضوء وسننه سمعت أبا البركات الباذيني يقول لم أر في كثرة مخالطي أهل العلم صفرا وحضرا من يحافظ على تطويل الغرة١ في شدة البرد وفي المضائق العارضة مثل ما كان يحافظ عليها والدك.
كان يحب تجديد الوضوء ولا يؤدي المكتوبات إلا في الجماعة ويقيم الرواتب في البيت وربما صلى في أول الوقت فإذا حضر الجمع أعاد وكان له ورد من التطوعات في أول الليل وآخره ودعاء بكاء وتضرع في الوقتين وكان يكثر الإعتكاف وقراأة القرآن في شهر رمضان وربما أحضرنا في الليالي الطويلة فنقرأ معه دورا وكان أكثر ما سأله من اللَّه تعالى السعادة وحسن العافية ودوام العافية.
كان يحب أهل العبادة والصلاح ويكرمهم ويثني على أهل الخير والمتمسكين بآداب الشريعة ويزجر المفتونين وأصحاب السطح والطامات
стр. 420
ويحافظ على الآداب المنقولة والسنن المأثورة فيما يسنح من الأمور ويتعظ بالحوادث التي هي مظنة الاعتبار ويتذكر ويذكر نفسه بكل ما يرجو نفعه وكان نقش خاتمة من كمال المكارم اجتناب المحارم سمعته ﵀ يقول نقشت هذا علىالخام ليكون مذكرا ومنبها لي كلما نظرت إليه
فصل في لبسه الخرقة وتبركه به
تبرك ﵀ بلبس الخرقة اقتدأ بمشائخ الطريقة وتشوفا إلى التزيي بزيهم والتسير بسيرتهم وتفألا بتعير الزي الطاهر لتبديل الأخلاق الذميمة فلبسها بمحضر جماعة من الأئمة والمشائخ بمدينة السلام في المحرم سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وشيخه فيها صدر المعالي أبو القاسم عَبْد الرحمن بْن طاهر بْن سعيد بْن فضل اللَّه سبط الشيخ أبي سعيد بْن أبي الخير وصحب صدر المعالي الشيخ أبا الفتح طاهر بْن أبي طاهر أباه وأخذ الخرقة منه وأبو الفتح صحب جده الشيخ أبا سعيد بْن أبي الخير وأخذ الخرقة منه والشيخ أبو سعيد لبس الخرقة من الشيخ أبي الفضل الحسن السرخسي.
كان لأبي الفتح قدم ثابت في التصوف وسافر الكثير ورجع إلى خراسان وكان أكثر مقامة بنيسابور وسمع بميهنة جده أبا سعيد وبنيسابور أبا القاسم القشيري وببسطام أبا الفضل السهلكي وبقزوين
стр. 421
أَحْمَد بْن الخضر خاموش وببغداد أبا الحسين بْن النقور توفي سنة اثنتين وخمسمائة.
كان الشيخ أبو سعيد تفقه على الخضري خمس سنين ثم بعد وفاته على القفال خمسا أخرى وقرأ الحديث والتفسير على الإمام أبي علي زاهر بْن أَحْمَدَ السرخسي ويروى عنه أنه قَالَ مررت في انصرافي من عند أبي علي زاهر بلقمان السرخسي وكان من عقلاء المجانين فرأيته يخيط خرقة على فروة له خلقة فنظر إلي فقال يا أبا سعيد أرى أن أخيطك مع هذه الخرقة على فروتي ثم قام وأخذ بيدي فمضى إلى خانقاه الشيخ أبي الفضل فدعاه وسلمني إليه وقال هذا منكم فتعهدوه وانصرف فأدخلني أبو الفضل الخانقاه وأجلسني في الصفة وأخذ جزأ واشتغل بمطالعته فخطر لي طلب ما في ذلك الجزء.
فقال الشيخ يا أبا سعيد تريد أن تعرف لم بعث الأنبياء بعثوا جميعا ليأمروا الخلق بأن يقولوا اللَّه فأمروا بها فسمعها سامعون وما زالوا يقولونها حتى صاروا هذه الكلمة واستغرقوا فيها حتى دخلت قلوبهم واستغنوا عن القول قَالَ أبو سعيد فأثر كلامه في قلبي ولم أنم تلك الليلة واستأذنت من الغد في الحضور عند الشيخ أبي علي لدرس التفسير فأذن فلما دخلت عليه كان ورد اليوم ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ . فانشرح صدري لأمور وظهر في تغير عظيم فتنبه له أبو علي وقال لي أين بت البارحة فقلت عند الشيخ أبي الفضل فقال: قم وعد إليه
стр. 422
فالرجوع منه إلى هذا حرام فلما رجعت إلى أبي الفضل ورأى ولهي وتحيري قَالَ لي:
مستك شدة أي همى ندانى بس وبيش
وكان للشيخ أبي سعيد نهضة بعد وفاة أبي الفضل إلى الشيخ أبي العباس القصاب بآمل والشيخ أبو الفضل السرخسي صحب أبا نصر السراج الطوسي ومنه خرقته وأبو نصر صحب أبا مُحَمَّد النيسابوري المعروف بالمرتعش ومنه لبس الخرقة وأبو مُحَمَّد صحب أبا القاسم الجنيد ولبس من يده الخرقة وصحب الجنيد السري والسري معروفا الكرخي ومعروف داؤد الطائي وداؤد حبيبا العجمي وحبيب الحسن البصري والحسن علي بْن أَبِي طَالِبٍ ﵁ ثم عنهم أجمعين ويذكر أن الشيخ أبا سعيد ﵀ توفي في شعبان سنة أربعين وأربعمائة وإن آخر ما سمع منه ﴿لْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وهذه الرباعية مما كان يتمثل به:
آزادي وعشق چون بهم نامدر است ... بنده شدم ونهادم أزيك سو خواست
زين پس چنانكه دار دم دوست رواست ... گفتار وخصومت از ميانة برخاست
ورأيت بخط أبي بكر عَبْد اللَّه بْن أَحْمَدَ الزبيري وسمعت صدر المعالي أبا القاسم يقول يوم إلباسة الإمام أبا الفضل الرافعي الخرقة من لا يلبس الخرقة في الظاهر فليلبسها في الباطن يريد فليتب وليرجع
стр. 423
إلى اللَّه تعالى.
كان والدي ﵀ يتكلم من علوم المشائخ ويوردها أحسن إيراد وقرأ عليه جماعة من أهل المعرفة في أسفاره الأخيرة الرسالة من الأستاذ أبي القاسم القشيري ﵀ قرأة تثبت واستفادة وهو يشرح لهم الفصل بعد الفصل بما يقضي الحاذقون منه العجب وسمعته يقول كان لي في زمان التفقه في السفر إزار واحد اصلي عليه وأتعمم به أحيانا وأجعله شعارا بالليل وأزر به في الحمام وأشد به إلى مأرب آخر ولا أنسى ما كنت أجده من اللذة في ذلك الانكسار والإقلال.
فصل في حليته
كان ﵀ تام القد أجيد مائلا إلى النحافة أصلع أبلج الحاجبين واسع الجبهة أكحل العين أشم دقيق الشفتين متراكب الأسنان لطيفها خفيف اللحية أسمر وهذه الهيات محمودة من الأكثر عند أهل التجربة وكانت الأسقام كثيرا ما تأتيه.
قد روى عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النَّبِيَّ ﵌ أن رجلا أتاه فقال: يا رسول اللَّه كبر سني وسقم جسدي وذهب مالي فقال رَسُولُ اللَّهِ ﵌: "لا خير في جسد لا يبتلى ولا خير في مال لا يزرأ منه وإن اللَّه إذا أحب عبدا ابتلاه وإذا ابتلاه صبره".
عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه
стр. 424
وآله وسلم: "ما من مؤمن ولا مؤمنة يمرض مرضا إلا حط اللَّه عنه خطاياه". وعن عائشة ﵂ أن النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: "إذا اشتكى المؤمن أخلصه ذلك كما يخلص الكير خبث الحديد". وكان ﵀ قليل الغذاء.
في صحيح مسلم عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى الطَّبَّاعِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهُوَ كَافِرٌ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَ حَتَّى شَرِبَ حِلابَ سَبْعِ شِيَاهٍ ثُمَّ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلابَهَا ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّ حِلابَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: "الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي وَعَاءٍ وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعِ أَمْعَاءٍ".
قَالَ الإمام الحليمي في معنى الحديث: اللائق بالكافر إكثارا لأكل لأنه لا يقصد إلا قضاء الشهوة والمؤمن يدع البعض لأنه حرام والبعض إيثارا به على نفسه ويدع التملؤ لئلا يثقل فينقطع عن العبادة ويدع البعض لفرط ما فيه من النعمة خيفة أن لا يقوم بشكره والبعض رياضة لنفسه والبعض لئلا يعتاده فيشتد عليه إذا لم يجده والمعاء في الحديث المعدة والمعنى أن الكافر يأكل أكل من له سبع أمعاء والمؤمن يأكل أكل من له وعاء واحد وقيل فيه غير ذلك.
стр. 425
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ أراد أن يشتري غلاما فألقى بين يديه تمرا فأكل الغلام فأكثر فقال رسول اللَّه ﵌: "إن كثرة الأكل شؤم" وعن الربيع ابن سليمان قَالَ سمعت الشافعي ﵁ يقول ما شبعت منذ عشرين سنة.
فصل في ذكر أسفاره الأخيرة ومرضه.
اتفق له في آخر العهد سفر بقي فيه مدة خرج أولا إلى زنجان ثم إلى تبريز والمراغة ثم إلى خلاط وكان أكثر إقامته بتبريز وحملته على تلك السفرة أسباب أوحشته منها ما حقه الإخفاء ومنها ما لا فائدة في حكايته ولله تعالى أسرار يبرزها من وراء الأستار وقد انتفع أهل تلك البلاد برؤيته وروايته ودرايته وتبركوا بحضوره وسكنت به فتن وحقنت دماء واستدعى أهل كل بلدة منه أن يقيم عندهم وسعى ولاتهم ورؤساءهم في ارتباطه محكمين له فيما يبغيه لنفسه أو لذويه مما يليق بأهل العلم من المناصب فلم يجبهم.
رجع وهو عليل وكانت قد ظهرت في ساقه قرحة أيضا تندمل تارة وتعود أخرى ويتألم منها وامتدت علته بعد العود إلى الوطن قريبا من أربعين يوما وكان ﵀ يعرف أنه مقبوض ويذكر الحال لأولاده ولأقاربه في الأباعد ويوصي كلا منهم بما يريد وذكر لنا ولمن حضر من التواد صبيحة يوم في مرضه إني رأيت البارحة في