Полный текст (538 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وتسابقها في ميدان واحد ترى فيها اختلافا نوعيا، وتباينا بعيدا في الأشكال والألوان والأعمال. فما السبب في هذا التباين والتفاوت؟ وإن سئل دارون عن الأشجار القائمة على غابات الهند والنباتات المتولدة فيها من أزمان بعيدة لا يحددها التاريخ إلا ظنا. وأصولها تضرب في بقعة واحدة، وفروعها تذهب في هواء واحد، وعروقها تسقى بماء واحد. فما السبب في اختلاف كل منها عن الأخر في بنيته وشكل أوراقه وطوله وقصره وضخامته وزهره وثمره وطعمه ورائحته وعمره. فأي فاعل خارجي أثر فيها حتى خالف بينها مع وحدة المكان والماء والهواء؟ أظن لا سبيل إلى الجواب سوى المعجز عنه "جمال الدين الأفغاني: ٤٢-٤٣".
ويشير الأفغاني إلى فكرة أخرى لدارون فيقول: ومن واهياته، أي داروين ما كان يرويه من أن جماعة كانوا يقطعون أذناب كلابهم، فلما واظبوا على عملهم هذا قرونا، صارت الكلاب تولد بلا أذناب، كأنه يقول حيث لم تعد للذنب حاجة كفت "أي توقفت" الطبيعة عن هبته "أي إعطائه". ويرد الأفغاني على ذلك بقوله: وهل صمت أذن هذا المسكين عن سماع خبر العبرانيين والعرب وما يجرونه من الختان ألوفا من السنين، ولا يولد مولود حتى يختن. وإلى الآن لم يولد واحد منهم مختونا إلا لإعجاز "المرجع السابق: ٤٤-٤٥".
стр. 142
دورة الحياة:
إن النظرة الدينية في الإسلام والرسالات السماوية الأخرى ترى أن الحياة البشرية بدأت بخروج آدم من الجنة ونزوله إلى الأرض أو الحياة الدنيا لتعميرها بما حباه الله من عقل وجسم وقدرات مختلفة هو وذريته من بعده حتى تنتهي هذه الحياة لتبدأ دروة حياة أخرى هي حياة الآخرة. فهذه الدورة البشرية من الحياة دورة تاريخية لكنها لا تتكرر. وقد يختلف المفكرون ورجال الدين وغيرهم تفاؤلا وتشاؤما فيما يتعلق بالحياة الآخرة التي وصفت بأن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقد وصفها الله في قرآنه الكريم بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ . بيد أن هذه الأرض التي نطؤها بأقدامنا ليست كتلة من جسد أموات كما وصفها المعري والخيام في أشعارهما. بل إنها كائن حي
стр. 143
يتدفق قوة وحيوية تبذر فيها البذور فتترعرع نباتا غضا طريا يتغذى به الإنسان والحيوان.
إن قدرة الله وعظمته تتجلى في مظاهر الطبيعية الكون. وقد أمرنا أن نتأمل هذه المظاهر، وأن نفكر فيها حتى يزداد إيماننا به بدلا من التفكير في ذاته فنضل. وهذا الكون هو مجال عمل الإنسان عليه أن يرعاه. وأن ينميه، وأن يحافظ عليه، وأن يشكر الله على ما حباه من نعم وخيرات فيه.
هل هناك حياة أخرى في الكون خارج هذه الأرض التي نحيا عليها؟ إن الإجابة على هذا السؤال تستدعي منا التفكير في بعض الآيات القرآنية: منها قوله في سورة الشورى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ . فالفهم العام الذي يتبادر إلى الذهن من ضمير التثنية في كلمة "فيهما" يوحي بأن هناك حياة أخرى لأن الدابة هو كل ما يدب على الأرض حتى الإنسان يقال له دابة. وفي تفسير هذه الآية يقول ابن كثير بأن من آيات الله الدالة على قدرته وعظمته خلق السماوات والأرض وما ذرأه فيهما أي خلقه في السماوات والأرض من دابة. وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم. وقد فرقهم في أقطار السماوات والأرض. ويذهب إلى نفس التفسير محمد فريد وجدي في تفسيره المعروف بالمصحف المفسر فيقول: ومن آياته خلق السماوات والأرض على ما فيها من عجائب الإبداع وما نشر فيها وقت يشاء. ويقول الله تعالى أيضا في سورة النحل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ﴾ فتكرار اسم الموصول مرتين مرة متعلقة بالسماوات والأخرى متعلقة بالأرض يؤكد نفس المعنى الذي ذهبت إليه الآية السابقة. وهكذا يذكر القرآن الكريم ما يشير إلى وجود حياة خارج الأرض التي نحيا عليها.
стр. 144
ما تصلح به حال الدنيا:
يقول الماوردي تحت هذا العنوان: "اعلم أن ما تصلح به الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة ... ستة أشياء أو أمور هي: دين متبع وسلطان قاهر وعدل شامل وأمن عام وخصب دائم وأمل فسيح". فهو يرى أن الدين أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها لأنه يصرف النفوس عن شهواتها ويعطف القلوب عن إرادتها حتى يصير قاهرا للسرائر زاحرا للضمائر، رقيبا على النفوس في خلواتها نصوحا لها في ملماتها. كما أن الدين به صلاح الآخرة أيضا. ومن هنا كان على العاقل أن يكون به متمسكا وعليه محافظا.
أما الأمر الثاني الذي تصلح به الدنيا هو السلطان القاهر فيقول الماوردي إن برهبته تتألف الأهوار المختلفة وبهيبته تجتمع القلوب المتفرقة وبسطوته تنكف الأيدي المتعالية ومن خوفه تنقمع النفوس المتعادية ولأن في طباع الناس من حب المغالبة والمنافسة على ما آثروه والقهر لمن عاندوه ما لا ينكفون عنه إلا بمانع قوي ورادع تلي وقد أفصح المتنبي في ذلك بقوله:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعله لا يظلم
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم". وروى عنه قوله ﷺ أيضا: "إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن".
أما الأمر الثالث وهو العدل الشامل فإنه كما يقول الماوردي يدعو إلى الألفة ويبعث على الطاعة وتعمر به البلاد وتنمو به الأموال ويكثر معه النسل ويأمن به السلطان. وإذا كان العدل إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به ولا صلاح فيها إلا معه، وجب أن يبدأ بعدل الإنسان في نفسه ثم بعدله في غيره فإذا عدل الإنسان في نفسه فيكون بحملها على المصالح وكفها عن القبائح. وأما عدله مع غيره فيكون بعدل الإنسان فيمن دونه، كالسلطان في رعيته. ويكون بعدل الإنسان مع من فوقه كالرعية مع سلطانها. ويكون بعدل الإنسان
стр. 145
مع أكفائه.
أما الأمر الرابع الذي تصلح به الدنيا وهو الأمن العام فإليه تطمئن النفوس وفيه تنتشر الهمم وفيه يكن البريء ويأنس الضعيف. فليس لخائف راحة ولا لحاذر طمأنينة. وقد قال بعض الحكام: الأمن أهنأ عيش والعدل أقوى جيش.
وأما الأمر الخامس وهو خصب الدار ووفرة العيش فيه تتسع النفوس ويشترك فيه ذوو الإكثار والإقلال. فيقل في الناس الحسد وينتفي عنهم تباغض العدم. ولأن الخصب يئول إلى الغنى. والغنى يورث الأمانة والسخاء. وقال بعض السلف: "إني وجدت خير الدنيا والآخرة في التقى والغنى، وشر الدنيا والآخرة في الفجور والفقر". وقد قال الشاعر في هذا المعنى:
ولم أر بعد الدين خيرا من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر
أما الأمر السادس وهو الأصل الفسيح فإنه يبعث على اقتناء ما يقصر العصر عن استيطابه. ويبعث على اقتناء ما ليس يؤمل في دركه بحياة أربابه. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: $"الأمل رحمة من الله لأمتي ولولاه ما غرس غارس شجرا ولا أرضعت أم ولدا". وقد قال الشاعر في هذا المعنى:
وللنفوس وإن كانت على وجل ... من المنية آمال تقويها
فالصبر يبسطها والدهر يقبضها ... والنفس تنشرها والموت يطويها
ويفرق الماوردي بين الآمال والأماني. فالآمال ما تقيدت بأسباب والأماني ما تجردت عنها. أي أن الأمل يتعلق بتحصيل شيء يمكن حصوله. أما الأمنية فهي رجاء وتمني لشيء من الصعب أو المحال تحقيقه.
стр. 146
ثانيا: المعرفة في الإسلام " مدخل ابستمولوجي "
مدخل
...
ثانيا: المعرفة في الإسلام "مدخل أبستمولوجي"
شغل علماء المسلمين بالبحث في العلوم والمعارف وأنواعها وتصنيفاتها والمفاضلة بينها. ويقول ابن خلدون: "ومن الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم من العجم لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية إلا في القليل النادر. وإن كان منهم العربي في نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي". "والسبب في ذلك أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة ... والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين". وقد فاضل علماء المسلمين بين العلوم شريفها ووضيعها ومحمودها ومذمومها. وكانت الفلسفة أكثر العلوم موضعا للجدل. فقد نظر إليها الغزالي على أن كثيرها مذموم لما تؤدي إليه من الشك أو الإلحاد، واعتبرها ابن خلدون صناعة عاطلة.
وقد ورد عن الجاحظ أنه مدح الفلسفة وذمها فيما مدحه وذمه من العلوم معربا عن قدرته على الكلام وبعد شأوه في البلاغة. قال مادحا الفلسفة: إنها أداة الضمائر وآلة الخواطر ونتائج العقل وأداة لمعرفة الأجناس والعناصر وعلم الأعراض والجواهر، وعلل الأشخاص والصور واختلاف الأخلاق والطبائع والسجايا والغرائز. وقال في ذم الفلسفة: إنها كلام مترجم وعلم مرجم بعيد مداه قليل جدواه مخوف على صاحبه سطوة الملوك وعداوة العامة. ومن المعروف أن الجاحظ كان من المعتزلة وهي إحدى فرق الكلام الإسلامية التي تحتكم إلى العقل في منهجها الفلسفي.
وهكذا نجد أن المتقدمين من المسلمين قد اختلفوا في تقديرهم للفلسفة بين مادح وقادح، لكنهم لم يصلوا إلى درجة المبالغة في معاداة الفلسفة وتحريم الاشتغال بها على غرار ما نجده عند بعض علماء المسلمين الذين جاءوا في فترة متأخرة. فالشهرزوري أحد علماء القرن الثالث عشر يذكر في فتواه فيمن يشتغل بالمنطق والفلسفة تعلما وتعليما قوله:
الفلسفة أس السفه والانحلال ومادة الحيرة والضلال ومثار الزيغ والزندقة.. من تلبس بها تعليما وتعلما قارنه الخذلان والحرمان واستحوذ عليه الشيطان.. وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه من إباحة الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين ... ومن زعم أن يشتغل مع نفسه بالمنطق والفلسفة لفائدة يزعمها فقد خدعه الشيطان ومكر به. فالواجب على السلطان أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم ويخرجهم عن المدارس ويبعدهم ويعاقب على الاشتغال بفنهم "مصطفى عبد الرازق: ص٨٥".
стр. 147
ويذكر الشيخ جمال الدين أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي عالم القرن العاشر الميلادي في الرد على الفلاسفة: هم قوم من اليونانيين تحذلقوا في المعقولات حتى وقعوا في وادي الحيرة والخباط ... ويزعمون أنهم أكيس خلق الله وسياق مذهبهم يدل على أنهم أجهل خلق الله وأحمق الناس. وأساس الإلحاد والزندقة مبني على مذهبهم والكفر كله شعبة من شعبهم. وكانوا يترهبون لقطع النسل. ورئيسهم أفلاطون الملحد لعنه الله وإخوانه كأرسططاليس وسقراط وجالينوس كلهم ملاحدة العصر وزنادقة الدهر يقينا. ثم إن الله علم خبث سرائرهم فأرسل عليهم سيلا ففرقهم. وعلومهم المشئومة عربتها أقوام في عهد المأمون الخليفة بإذنه ووصيته ... فهم مشركون ملحدون لعنهم الله.
وواضح هنا أن الكلام عن الفلسفة اليونانية ولا يمكن أن يفهم منه أن الخوارزمي يعادي الفلسفة بصفة عامة. بل إن الخوارزمي يورد في نفس الكتاب ما يؤكد أن النظر والتفكير واجب بل هما من الفرائض الإسلامية. ولعل هذا ما حدا بمؤلف العبقريات الإسلامية أن يجعل عنوان أحد كتبه: التفكير فريضة إسلامية: أليس هذا سندا شرعيا كافيا للفلسفة؟
وهناك مثال آخر للعلماء المعادين للفلسفة الذين ظهروا في فترة متأخرة نجده فيما يذكره أحمد بن مصطفى المعروف بطاش كوبري زاده عالم القرن السادس عشر الميلادي في كلامه عن موضوعات العلوم فيقول: وإياك أن تظن من كلامنا هذا أو تعتقد كل ما أطلق عليه اسم العلم حتى الحكمة المموهة التي اخترعها الفارابي وابن سينا ونقحها نصر الدين الطوسي ممدوحا. هيهات هيهات إن كل ما خالف الشرع فهو مذموم سيما طائفة سموا أنفسهم حكماء الإسلام عكفوا على دراسة ترهات أهل الضلال وسموها الحكمة، وربما استجهلوا من عرى عنها وهم أعداء الله وأعداء أنبيائه ورسله المحرفون علم الشريعة عن مواضعه. ولا تكاد تلقي أحد منهم يحفظ قرآنا ولا حديثا وإنما يتجملون برسوم الشريعة حذرا من تسلط المسلمين عليهم ... فالحذر الحذر منهم وإن الاشتغال بحكمتهم حرام في شريعتنا.
стр. 148
وعلى النقيض من ذلك نجد إخوان الصفا يعتبرون الفلسفة أشرف الصنائع البشرية بعد النبوة. واعتبرها آخرون ضرورية لفهم الدين بل إن الشرع يحث على تعلمها. ويقول ابن رشد في "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" إن النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع بل إن الشرع يحث على تعلم الفلسفة لأن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات كما أن الشرع قد حث على معرفة الله تعالى وسائر موجوداته بالبرهان. وكان من الأفضل أن الأمر الضروري لمن أراد أن يعرف الله ﵎ وسائر الموجودات بالبرهان أن يعرف أنواع البراهين وشروطها وكيف يختلف القياس البرهاني عن القياس الجدلي والقياس الخطابي والقياس المغالطي، وهذا بدوره يقتضي معرفة القياس وأنواعه وأجزائه ومكوناته وغير ذلك من الأساليت التي تقتضيها طبيعة النظر في الموجودات.
ويعرض الغزالي في "معارج القدس ص٤٦" لفكرة أهمية العقل وضرورته كأساس فيقول: "فالعقل كالأس والشرع كالبناء ولن يغني أس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس ... فالشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما متعاضدان بل متحدان". ويقول ابن رشد في نفس المعنى: "إن الحكمة هي صاحبة الشرعية والأخت الرضيعة وهما المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر والغريزة" ويقول الدكتور دراز: في كتابه: الدين ص٥٣. "إن من الأهداف الرئيسية للفلسفة معرفة أصل الوجود وغايته ومعرفة سبيل السعادة الإنسانية في العاجل والآجل وهذا أيضا موضوعا الدين بمعناه الشامل للأصول والفروع".
يقول فرانسيس بيكون في الرد على اتهام معاصريه له بالإلحاد: "إن القليل من الفلسفة يميل بعقل الإنسان إلى الإلحاد ولكن التعمق فيها ينتهي بالعقول إلى الإيمان ذلك لأن عقل الإنسان قد يقف عندما يصادفه من أسباب ثانوية مبعثرة فلا يتابع السير إلى ما وراءها ولكنه إذا أمعن النظر فشهد سلسلة الأسباب كيف تتصل حلقاتها لا يجد بدا من التسليم بالله".
كل تلك الأمثلة السابقة أردنا أن نوضح بها الصلة بين الدين والفلسفة. وقد درس علماء المسلمين أيضا علاقة المنطق بالفلسفة ويمثل علم المنطق في نظر
стр. 149
إخوان الصفا وغيرهم ميزان الفلسفة وأداة الفيلسوف.
وقد اختلف علماء المسلمين في المفاضلة بين العلوم الحسية والعلوم العقلية أو النظرية فذهب فريق منهم أبو العباس القلانسي إلى تفضيل العلوم النظرية العقلية على الحسية. وذهب فرق آخر منهم أبو الحسن الأشعري إلى تفضيل العلوم الحسية على العلوم النظرية العقلية لأنها أصول لها ويقول ابن خلدون في المقدمة: "وأما العلوم العقلية أيضا فلم تظهر في الملة إلا بعد أن يميز حملة العلم ومؤلفوه واستقر العلم كله صناعة، فاختصت بها العجم وتركها العرب وانصرفوا عن انتحالها فلم يحملها إلا المعلمون من العجم شأن الصنايع كما قلنا".
وقد قسم ابن طاهر البغدادي العلوم النظرية أي التي تعتمد على النظر والعقل إلى أربعة اقسام:
- القسم الأول: يقوم على الاستدلال بالعقل والقياس مثل مباحث الغيبيات والإلهيات والوجود وغيرها.
- القسم الثاني: يقوم على التجارب والعادات مثل علوم الطب والدواء والحرف والصناعات.
- القسم الثالث: هي العلوم المعلومة من جهة الشرع مثل معرفة أصول الدين وأحكام الفقه.
- القسم الرابع: هي العلوم المتحصلة عن طريق الإلهام وهي علوم يختص بها بعض الناس دون البعض مثل معرفة فنون الشعر وصناعة الألحان وما شابهها.
ويقول الدكتور محمد عبد السلام عالم الفيزياء العالمي المسلم المشهور "إن الذي لا يرى والذي لا يدركه البشر والذي لا يمكن معرفته هو ما تعبر عنه الكلمات العربية الأصيلة في قوله : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ "محمد عبد السلام: ٤٥".
стр. 150
طبيعة المعرفة وأنواعها:
شغل المسلمون بالحديث عن طبيعة المعرفة في الإسلام وتكلموا عن
خصائصها وقد انقسموا إزاءها إلى رأيين:
- أحدهما يرى أن المعرفة توقيفية أي أنها توقيف من الله على عبده ويستدلون على ذلك بقوله : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ فإذا كان آدم أبا البشر والله علمه الأسماء كلها فهو قد علمها لذريته من بعده. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ .
- والرأي الثاني يرى أن المعرفة مكتسبة وهو رأي يستند إلى أسانيد من القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
كما شغل علماء المسلمين بالحديث عن المعرفة وأنواعها ومصادرها. ويشير أبو حنيفة إلى أن مصادر المعرفة في الإسلام أربعة: كتاب ناطق وخبر مجتمع عليه واجتهاد وإجماع. ويمكن القول بأن أهم أنواع المعرفة التي تقوم عليه التربية الإسلامية هي:
١- المعرفة اللدنية:
المعرفة اللدنية هي المعرفة التي يكشفها الله للإنسان، قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ . وقال : ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ . والله في معرفته غير المحدودة يلهم بعض الناس المختارين ويوحي لهم بتعاليمه ليحملوها إلى الناس وتكون متاحة أمام جميع الجنس البشري. وهذه المعرفة بالنسبة للمسلمين توجد في القرآن الكريم والسنة. والشخص يتقبلها على أساس الإيمان ويعمل على دعمها كلما أمكن ذلك بالعقل والخبرة. والمسلم الصحيح هو الذي يتقبل ما جاء من عند الله على لسان نبيه الكريم على أنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فالقرآن أو الكتاب هو كلام الله تعالى، المنزل على محمد ﷺ ، بلسان عربي مبين، تبيانا لما به صلاح الناس في دنياهم وآخراهم وهو حجة واجبة العمل بما ورد فيه من أحكام، وهو قانون واجب الاتباع والرجوع إليه، ومصدر التشريع وأحكامه، ومنبع هداية وإرشاد، والدليل على ذلك أنه من عند الله وقد احتوى
стр. 151
على الأمر الصريح بوجوب اتباعه، والعمل بما تضمنه من الأحكام قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ .
ويمكن أن نستمد المعرفة من القرآن فيما يتعلق بالأمور الآتية:
١- العقائد التي يجب التصديق بها كالإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وهو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر.
٢- الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة التي تهذب النفوس وتصلح من شأن الفرد والجماعة.
٣- الإرشاد وطلب النظر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله فيها.
٤- قصص الأولين أفرادا وجماعات.
٥- الأحكام العلمية، فقد وضعها أو وضع أصولها وكلفنا اتباعها وما ينظم علاقة البشر بربهم، وعلاقتهم مع بعضهم البعض.
والسنة في اللغة الطريقة، فإذا أضيفت إلى الرسول ﷺ لفظا أو دلالة كان المراد ما أثر عنه من قول أو فعل أو تقرير والسنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي وهي مكملة له. وهي تنقسم إلى قسمين:
- السنة المتواترة: وهي ما رواها عن رسول الله ﷺ جمع عن جمع يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، وذلك من أول السند إلى منتهاه.
- السنة غير المتواترة: وتسمى السنة الآحادية عند غير الحنفية، وهي التي لم تتواتر في جميع العصور الثلاثة.
وقد أثبت المحققون من العلماء كثيرا من الأحكام التشريعية بالسنة القولية والعلمية واعتبروها حجة، وأصلا من أصول التشريع، ومصدرا من المصادر الشرعية والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وهذا النوع من السنة هو ما يعرف بالسنة التشريعية الملزمة. وهناك نوع آخر من السنة لا يحمل طابع التشريع أو الإلزام وهو يشمل الأحاديث التي تتعلق بحياة الرسول البشرية مثل حبه لبعض الأطعمة والأشربة واللباس وما
стр. 152
شابه ذلك من الأحاديث التي لا تمت بصلة مباشرة إلى الشريعة بمعناها العام ولقد وضع النبي ﷺ ذلك بقوله: "أنتم أعلم بأمور دنياكم فإنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر"، يقول الراغب الأصفهاني "توفي ٥٠٢هـ/ ١١٠٨م" أحد أئمة السنة في كتابه "تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين": واعلم أن العقل بنفسه قليل الغناء لا يكاد يتوصل إلا إلى معرفة كليات الأشياء دون جزئياتها ... والشرع يعرف كليات الأشياء ويبين ما الذي يجب أن يعتقد ولا يعرفنا العقل مثلا أن الخنزير والدم والخمر محرم وألا تنكح ذوات المحارم وألا تجامع المرأة في حال الحيض فإن أشباه ذلك لا سبيل إليها إلا بالشرع. فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة.
٢- المعرفة الوثقى:
هذه المعرفة تصدر عن كبار العلماء والمختصين. فالمعرفة الموجودة بدوائر المعارف الإسلامية، والفتاوى الكبرى المشهورة وكذا أمهات الكتب الإسلامية مثل الرسائل العلمية والمطبوعات المتخصصة التي اضطلع بها أناس متمكنون معترف بهم كلها أمثلة للمعرفة الوثقى، ولهذه المعرفة قيمتها الكبرى لأنها تصدر عن مصادر موثوق بها. ويحدث ذلك في كل العلوم بصرف النظر عن طبيعتها الدينية أو العلمية ونحن مثلا في التعليم المدرسي نقبل دون مناقشة صيغا لحل بعض المسائل الرياضية مثلا أو نستظهر بعض القواعد والصيغ والقوانين أو المعادلات، وبوسعنا أن نتحقق من صحة هذه الصيغ والقوانين شخصيا، ولكننا نفضل تقبلها بقصد الاقتصاد في الوقت والجهد، وفي نهاية الأمر تحظى هذه القواعد بالاحترام في أنظار الثقاة في العلم لمدة طويلة. وكثير من معرفتنا الواقعية يقوم على هذه الثقة وأصبح لها قيمة كافية لتخليدها والاحتفاظ بها.
٣- النقل عن السلف:
وهو يمثل مسلك الخبر الصادق الذي يفيد العلم والمعرفة، وهناك أخبار
стр. 153
مقطوع بصدقها مثل أخبار القرآن الكريم ورسله وأنبيائه ومن هم في مرتبتهم وهناك الأخبار التي يرجع صدقها واشترط الإسلام لقبولها بالنسبة للأخبار العادية من علمية وتاريخية أن يتوافر في صاحبها ثلاثة شروط: العدالة وهي ألا يكون قد عهد عليه كذب أو معصية، والأهلية الفكرية لنقل الأخبار دون تعرض لنسيان أو اضطراب، وأخيرا اتصال الراوي بمصدر الخبر أو بمن رواه.
ويعتبر النقل عن السلف مصدرا من مصادر المعرفة في الإسلام، وهو يمثل خلاصة تجارب أسلافنا الصالحين وخبرتهم، ويهمنا أن نعرف ما قاله هؤلاء السلف حتى ننسج على منوالهم ونواصل حياتنا من حيث انتهوا إليه. ولهذا يجب أن نهتم بتراثنا الأصيل وأن نخلصه من الشوائب ونقدمه لشبابنا ونشئنا في صورة مقبولة تحببهم فيه.
٤- التقليد:
يقول ابن عبد البر النمر القرطبي في جامع بيان العلم وفضله "ص١٢، ٤٥" إن حد العلم عند العلماء هو ما استيقنته وتبينته. وكل من استيقن شيئا وتبينه فقد علمه ومن لم يستيقن الشيء وقال به تقليد لم يعمله. والتقليد عند جماعة العلماء غير الاتباع. لأن الاتباع هو أن تتبع القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه فهذا هو التقليد الأعمى. وقد قيل لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد. ومن منظوم القرطبي في التقليد قوله في هذا المعنى: "ج٢، ص١٤٠".
يا سائلي عن موضع التقليد خذ ... عني الجواب بفهم لب حاضر
لا فرق بين مقلد وبهيمة ... تنقاد بين صنادل ودعائر
تبا لقاض أو لمفت لا يرى ... عللا ومعنى للمقال السائر
فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الـ ... ـمبعوث بالدين الحنيف الطاهر
ثم الصحابة عند عدمك سنة ... فأولاك أهل نهى وأهل بصائر
وكذاك إجماع الذين يلونهم ... من تابعيهم كابرا عن كابر
إجماع أمتنا وقول نبينا ... مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر
وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد ... ومع الدليل فمل بفهم وافر
стр. 154
وعلى الأصول فقس فروعك لا ... تقس فرعا بفرع كالجهول الحائر
والشر ما فيه فديتك أسوة ... فانظر ولا تحفل بزلة ماهر
وهذا يعني أن التقليد بدون فهم أو وعي لا يجوز لأهل العلم والعلماء.
أما العامة من الناس فلا خلاف في أنهم يقلدون علماءهم وهم المقصودون بقوله : ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . وقد أجمع العلماء على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره من الثقات إذا أشكلت عليه معرفة القبلة. فكذلك من لا علم له ولا بصر لا بد له من تقليد عالمه.
ويقصد بالتقليد في معنى من المعاني المعرفة التي تؤخذ عن رجال يطمأن عليهم ويوثق في علمهم وهو ما صنفناه تحت المعرفة الوثقى. ولكن التقليد الذي نقصده هنا هو الاقتداء تمشيا مع قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وقد ضرب لنا الرسول ﷺ مثلا عندما قال لأصحابه: "صلوا كما رأيتموني أصلي" والتقليد بهذا المعنى مصدر من مصادر المعرفة.
بيد أن ما يعنيه الإسلام هو التقليد الواعي الحكيم الذي يتحقق به منفعة محققة للإنسان. أما القليد الأعمى فهو مكروه في الإسلام لما يترتب عليه من عدم تمييز بين الخير والشر والحق والباطل والصالح والطالح، والإنسان قد يتوصل إلى أشياء مفيدة ونافعة نتيجة اجتهاداته الشخصية وتقليده في هذه الحالة مفيد، وكذلك يصبح تقليد القدوة الصالحة مسلكا مرغوبا في الإسلام حث عليه كمنهج سليم للتربية وضرب له مثل الجليس الصالح والجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير. ومن الأمور العادية المعروفة أن الصغير يقلد الكبير والابن يقلد أباه والبنت تقلد أمها والتلميذ يقلد معلمه. والتقليد مهم إذن في التربية الخلقية وفي تزكية السلوك الرشيد. والتقليد يترسخ بالتقليد وهي نقطة هامة ينبغي أن تولي التريبة اهتمامها بها وأن تكون المدرسة نموذجا يقتدى للتقاليد الإسلامية السليمة.
стр. 155
٥- المعرفة العقلية:
من المعارف ما يكتسب عن طريق العقل والتأمل الفكري من مسالك اكتساب المعارف والعلوم وما يرتبط بذلك من تحليل وتركيب وقياس واستنتاج وربط. والقرآن الكريم حافل بالأمثلة التي تحث المسلمين على استخدام عقولهم وتفكيرهم في الاختيار والتمييز والمفاضلة، بل وتحث المسلمين أيضا على تحكيم العقل في الأمور التي لم يرد فيها نص ديني صريح، ولقد ارتقى الله بالإنسان بأن جعل له عقلا يميز به وهو مطالب بأن يستخدم هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه. والعقل مصدر هام للمعرفة التي منها نستمد أحكاما يتسق بعضها مع بعض. فمثلا نجد أن الحقائق المنطقية والرياضية هي أنواع من المعرفة التي تحتكم إلى العقل. خذ مثلا القضية القائلة بأن القوانين المتناقضين لا يمكن أن يكونا صادقين في نفس الوقت، أو القضية القائلة بأن الخطين المتوازيين لا يلتقيان. فهاتان القضيتان مستقلتان عن الأمثلة الواقعية وغير مستمدتين من الحواس. إنهما صحيحتان بغض النظر عن خبرتنا بهما. هؤلاء الذين يؤكدون أن العقل هو العامل الهام في المعرفة في شكل حقائق مجردة وفي شكل انطباعات منفصلة، ولكنهم يعتقدون أن الفكر يقوم بتفسير وتنظيم هذه الأجزاء الضئيلة من المعلومات فيما يمكن أن نطلق عليه اسم المعرفة الثابتة ذات القيمة.
إن المعرفة عند ابن سينا تنقسم إلى ثلاثة أنواع: معرفة بالفطرة، ومعرفة بالفكرة، ومعرفة بالحدس، فأما المعرفة بالفطرة فهي المبادئ الأولى كقولنا: "إن الواحد نصف الاثنين". وأما المعرفة بالفكرة فهي معرفة مكتسبة وتكون أكبر من مجهود النوع الأول ولا يدركها إلا من وصل إلى مرتبة العقل المستفاد. وهناك نوع ثالث من المعرفة هو المعرفة بالحدس ... فمن الناس من لا يحتاج في أن يتصل بالعقل الفعال إلى كبير عناء وإلى تخريج وتعليم، بل تراه كأنه يعرف كل شيء بنفسه حدسا بلا قياس وبلا معلم كأن فيه روحا قدسية. وهذا الاستعداد الحدسي ليس على درجة واحدة في جميع الناس وإنما هو متفاوت تفاوتا لا ينحصر في حد.
على أن المعرفة المستفادة من خلال العقل لها حدود عامة. فهي تنحو إلى
стр. 156
أن تكون مجردة. ذلك أنها تتناول عالم العلاقات والمعاني ولا تقدم سوى فهم ضئيل لعالم الأشياء. وحيث إن حياتنا منغمسة بلا مناص في العالم الفيزيائي المادي، فإننا بحاجة إلى عون من الأنماط الأخرى من المعرفة، وأكثر من هذا فإن عملياتنا العقلية قد تكون متأثرة بالتحيزات والاهتمامات والميول التي تمنع العقل في الغالب من أن يكون موضوعيا. ولهدا انتقد الغزالي ومن بعده الفيلسوف الألماني "كانط" العقل واتهماه بالعجز والقصور في التوصل إلى إدراك الذات الإلهية أو المعبود الأعلى.
ويستخدم العقل الصرف في نطاق أضيق في الوقت الحاضر عما كان عليه الحال في العصور القديمة للفلسفة عندما اعتقد الإنسان أن العقل وحده هو المهيمن. وعلى هذا فما يزال هو الفيصل والقاضي في المعرفة إذا ما أريد للمعرفة أن تكون معقولة. فهنا يجد العقل نفسه في ضع صعب بلا ريب. وذلك لأن العقل البشري كما يبدو يجب أن يحكم على نفسه بالفعل. وقد حث الإسلام على استخدام العقل والتفكير وجعلهما أساسا للمسلم الحق الذي يتقي الله حق تقاه قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . وقد جعل الإسلام العقل أساس التكليف وأسقطه عمن ذهب عقله أو أصابه الخبل، ومن لا يعقل فهو من شر الدواب. قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ .
ومن أهم مبادئ الإسلام: "خاطبوا الناس على قدر عقولهم" وقد أشار الغزالي إلى هذا بقوله: أن يقتصر المعلم بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقي إليه ما لا يبلغه فينفره أو يخبط عليه عقله".. وقد اقتدى الغزالي في ذلك بسيد البشر ﷺ عندما قال: "نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلمهم على قدر عقولهم".
فقد وضع الدين الإسلام العقل موضعا عظيما فجعل طريقه هداية للناس بمدى كمال عقولهم فلا يخاطب العاقل بما يخاطب به الجاهل ولا يخاطب ذوو العقول الخفيفة بما يخاطب به العقلاء ذوو العقل الكامل، وقد قال ﷺ : "ما أحد يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كانت فتنة على بعضهم". فهنا
стр. 157
يراعي الرسول ﷺ مستوى العقول رعاية عظيمة فلا يخاطب الأذكياء بما يخاطب به الأغنياء، ولا يخاطب الخاصة بما يخاطب به العامة، فالذكي يفهم الشيء بالإشارة، والغبي ربما لا يفهمه إلا بعد أن يكرر له عدة مرات، ولذلك قيل: كِلْ لكل عبد بمعيار عقله وزن له بميزان فهمه حتى تسلم منه وينتفع بك وضع كل شيء في موضعه.
ويعتبر الاجتهاد نمطا من أنماط المعرفة ومصدرا من مصادرها في التربية الإسلامية، وقد كان الاجتهاد دائما دليلا على تقدم المسلمين ورقيهم لأنه يساعدهم على تطويع أمور دينهم لدنياهم على اختلاف أحوالها على مر السنين. ويرتبط الاجتهاد بالعقل والقياس كما أنه يرتبط بالمعرفة الوثقى التي سبق أن عرضنا لها.
٦- المعرفة الحسية:
تعرف المعرفة التي تأتي عن طريق الحواس بالمعرفة الحسية. فنحن نشكل صورتنا عن العالم من حولنا عن طريق البصر والسمع والشم واللمس والذوق، وبذا تتكون المعرفة من أفكار تتشكل وفق وقائع تمت ملاحظتها. ونحن نكتسب المعرفة الحسية عندما نرى أو نسمع أو نلمس أو نشم أو نتذوق بينما نكتسب المعرفة العقلية عندما نتأمل الأشياء من خلال العقل.
فهناك من المعارف ما يكتسبه الإنسان عن طريق استخدام الحواس الظاهرة بشكل مباشر. فمن الأشياء ما يبصر العين أو يلمس باليد أو يشم بالأنف هكذا. ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وهذه الحواس تساعدنا على إدراك ما حولنا في الكون والفضاء وما يجري فيه من أمور مختلفة من حركات وسكنات وألوان وأصوات وغيرها، نحس بالأشياء إحساسا مباشرا الصلبة منها واللينة والثقيلة والخفيفة كما نحس بالسعادة والحزن والألم والفرح والحب والكراهية وغير ذلك من المشاعر والأحاسيس.
стр. 158
ويؤكد الفارابي في نظريته للمعرفة على أهمية الحس فيقول: "فالمعارف إنما تحصل على النفس بطريق الحس" ... ويستشهد بقول أرسطو في كتاب "البرهان": "إن من فقد حسا فقد علما" ... بيد أن الفارابي لا يلغي دور العقل بل يؤكده لأنه يرى أن المعرفة لا تحصل للإنسان بمجرد مباشرة الحس للمحسوسات وإنما بعد تدخل قوى نفسية. يقول الفارابي:
" ... وقد يظن أن العقل تحصل فيه صورة الأشياء عند مباشرة الحس للمحسوسات بلا توسط وليس الأمر كذلك، بل بينهما وسائط، وهو أن الحس يباشر المحسوسات فتحصل صورها فيه ويؤيدها إلى الحس المشترك حتى تحصل فيه فيؤدي الحس المشترك تلك الصور إلى التخيل والتخيل إلى قوة التمييز ليعمل التمييز فيها تهذيبا وتنقيحا ويؤديها منقحة إلى العقل ... ".
إن المعرفة عند الغزالي نوعان: نوع محسوس يعرف عن طريق الحواس ونوع معقول يعرف عن طريق العقل، ويقول في ذلك: "فإذا عرفت انقسام الموجودات إلى محسوسات وإلى معلومات بالعقل ولا تباشر الحس والخيال. فأعرض عن الخيال رأسا وعول على مقتضى العقل فيه".
ويرى الغزالي أن المعرفة المستمدة من الحواس مثلها مثل المعرفة المستمدة من العقل غير يقينية لما تنطوي عليه من خداع. وفي ذلك يقول في "المنقذ من الضلال": "من أين الثقة بالمحسوسات وأقواها حاسة البصر وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفا غير متحرك وتحكم بنفي الحركة؟ ثم بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة تعرف أنه متحرك.. وتنظر إلى الكواكب فتراه صغيرا في مقدار دينار ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار ... فقلت قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا". ويتفق في هذا الرأي مع الغزالي الفيلسوف الفرنسي المعروف "ديكارت". فهو يرى أن المعلومات المستمدة من الحواس قابلة للشك. وحجته في ذلك أن ثمة أحلاما نراها وأوهاما نتصورها، ونعتقد اعتقادا جازما في وجودها مع أنها مجرد أحلام وخيالات. "عمارة نجيب: ٣٦".
ويعتبر الغزالي تمشيا مع المدرسة المثالية أن المعرفة المستمدة من العقل تعلو في قيمتها على المعرفة المستمدة من الحواس لأن الحواس، في نظره خادعة
стр. 159
ومضللة. ولذلك جعل معرفة العقل حاكما ومسيطرا على معرفة الحواس يقول الغزالي: "فقالت المحسوسات: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقا بي فجاء حاكم العقل فكذبني. ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي".
بيد أن الغزالي يتشكك في المعرفة العقلية ويعتبر أن هناك نوعا من المعرفة يعلو فوق مستوى العقل، وهو يقول في ذلك "فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر إذا تجلى كذب العقل في حكمه كما تجلى العقل فكذب الحس في حكمه. وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالته" ويرى الغزالي أن الشك الفلسفي هو الذي يوصلنا إلى أن المعارف العقلية والحسية لا تؤدي بنا إلى المعرفة اليقينية التي يسعى إليها الفيلسوف.
وابن حزم القرطبي "٣٨٤هـ - ٤٥٦هـ" يعلي من شأن العقل ويمجده ويقول: "من أبطل العقل فقط أبطل التوحيد إذ لولا العقل لم نعرف الله " وهو يعتبر العقل والحواس مصدرين رئيسيين للمعرفة في الإسلام ويقول: "المعرفة تكون بشهادة الحواس بأول العقل ببرهان راجع من قرب أو من بعد إلى شهادة الحواس".
ومن الطريف أن بعض علماء المسلمين ومتكلميهم اهتم بالمفاضلة بين حاستي السمع والبصر فذهب فريق إلى القول بأن السمع أفضل من البصر لأن الإنسان يسمع من كل الجهات كما أنه يسمع في النور والظلمة على السواء. في حين أن الإنسان يبصر ما يراه أمام عينيه فقط ويقتصر إبصاره على النهار أو الضوء دون الليل أو الظلمة. وذهب فريق آخر هو أكثر المتكلمين إلى تفضيل البصر على السمع لأن البصر يدرك الأشياء كلها من أجسام وألوان وأشكال مختلفة في حين أن السمع يقتصر على إدراك الصوت والكلام فقط.
وهذه المفاضلة لا تعني بالطبع الاهتمام بحاسة وإغفال الأخرى وإنما تعني توضيح الأهمية النسبية لكلتا الحاستين كمصدرين هامين للمعرفة مع التسليم سلفا بأن كلتيهما تتساويان في الأهمية ولا غنى للإنسان عنهما في اكتساب المعرفة.
стр. 160
بيد أن المعرفة المستمدة من الحواس يكون مجال الاتفاق عليها عادة أكثر من تلك المستمدة من العقل. وعلى الرغم من أننا نعتمد على حواسنا بالنسبة لمعرفتنا المتعلقة بالحياة اليومية، فإن هذه الحواس تخدعنا في بعض الأحيان. كما هو الحال في المثال التقليدي الخاص بالعصا التي تبدو منحنية في الماء. ولكن يتضح أنها مستقيمة عندما تقوم بلمسها. ولقد تؤثر أيضا في انحيازاتنا في طريقة رؤيتنا.. ففي بعض الأحيان نرى ما نحب رؤيته، لا ما هو واقع بالفعل. ولقد نقل دقة حواسنا أكثر فأكثر بسبب العوارض التي تطرأ على الإنسان ومنها المرض أو بسبب بعض العناصر المؤثرة كالبرد والضباب والحرارة والصوت. ومع هذا فإن للحواس دورها الخاص الذي تلعبه في تشكيل المعرفة.
ويرتبط منهج العلم ارتباطا وثيقا بهذا الجانب بالذات من نظرية المعرفة، وذلك لأن العلم الحديث تجريبي. والعلوم التجريبية أو الطبيعية تُعنى بدراسة عالم الأشياء المحسوسة أو عالم المادة وهي تبحث في الأشياء الواقعة تحت التجربة أو الذرات فإن العلم التجريبي يستطيع أن يفسرها بغيرها. والعقل يدخل في دراسة هذه العلوم. فالأصوات والألوان وما شابهها تتوقف على عقل الشخص المدرك لها. فعندما نرى لون ماء البحر أزرق أو السماء زرقاء فهذا لا يعني أن الزرقة صفة موجودة في ماء البحر. وشكل السماء، وإنما هو إحساس "بهذا اللون مرهون بفعل المادة وتأثيرها. فإدراك الألوان أو الأصوات أحوال ذاتية للشخص المدرك وليست جزءا من الطبيعة. يقول محمد إقبال "ص٥٢":
إن ما نسميه بالعلم ليس نظرة واحدة متسقة للحقيقة، بل هو مجموعة من النظرات الجزئية لها. فالعلوم الطبيعية تبحث في المادة وفي الحياة وفي العقل، ولكنك إذا سألت عن كيفية العلاقة المتبادلة بين هذه الأمور الثلاثة وهي المادة والحياة والعقل أخذت تتجلى لك عند ذلك جزئية العلوم المختلفة التي تتناول البحث فيها، وتبين لك عجز كل واحد منها عن أن يجيب وحده عن سؤالك إجابة شافية". فكل علم من العلوم يدرس جزءا من الحقيقة وجانبا منها. وهكذا نرى أن العلوم الطبيعية أو التجريبية جزئية بطبيعتها.. وهي لا تستطيع أن تقيم
стр. 161
نظرياتها مع اعتبار أنها رأي كامل عن الحقيقة. ومن ثم فإن الدين وهو ينشد الحقيقة على أنها كل لا يتجزأ لم يكن ليخشى أي رأي من الآراء الجزئية عن الحقيقة. وليست المعرفة التجريبية بالضرورة أكثر أنواع المعرفة وثوقا من بين أنواع المعرفة الأخرى كما قد يزعم البعض. فهي تتخذ مكانها جنبا لجنب مع الأنماط الأخرى كإحدى الطرق المؤدية إلى فهم الحقيقة. ويستطيع المعلم مساعدة الطلاب على الفهم والتمييز بين الرأي والواقع وبين الاعتقاد والإيمان والمعرفة.
ويستطيع المدرس أيضا أن يناقش الطرق التي تكتسب المعرفة بواسطتها سواء عن طريق الله أو الوحي أو النقل عن السلف أو الحدس أو العقل أو الحواس أو التجريب. واليوم نجد أن المعرفة المستمدة من خلال التجريب العلمي هي أكثر المعارف شيوعا. وهذا لا يعني أن الطرائق الأخرى خاطئة أو بلا فائدة، بل على العكس فإن المدرس يستطيع أن يظهر أن الطرق المختلفة تكمل بعضها بعضا. فالإدارك الحسي وحده سوف يوفر وقائع ومعلوما ت مجزأة. ولكننا بحاجة إلى العقل لكي نفسر المكتشفات التجريبية ونوحد بينها في نظرية أو قانون. بيد أن التفكير المنطقي إذا ما ترك يعمل وحده، فإنه سوف يصبح خاويا من المضمون وتعمل كل من المعرفة اللدنية والمعرفة الحدسية والمعرفة الوثقى والنقل عن السلف أحسن من غيرها من مواقف الحياة المختلفة.
والواقع أن الحياة متباينة جدا وغير قابلة للتنبوء بالنسبة لأي شخص بحيث لا يستطيع أن يقدم قضايا نهائية حولها. والسؤال الهام بالنسبة للمدرس هو "كم من الوقت والجهد ينبغي أن يكرس لكل من هذه الطرائق؟ ". ولسوف تعتمد الإجابة إلى حد بعيد على المادة التي يقوم بتدريسها. فالمواد تختلف في طبيعتها والتالي تختلف في استخدام نوع المعرفة الموصل إليها، فالمعرفة اللدنية تكون أكثر استخداما في العلوم الدينية والمعرفة العقلية في العلوم الطبيعية والرياضية وكلتاهما يستخدم لمساعدة الطالب على تكوين أسلوب رشيد له في الحياة.
стр. 162
تعلم الإنسان من غيره من المخلوقات:
يقول الراغب الأصفهاني في تفصيل النشاتين "ص١١٠": إن الله تعالى قد نبه على منافع جميع الموجودات وأطلع الخلائق عليها، إما بألسنة الأنبياء ﵈ وإما بإلهام بعض الأولياء. وكما أن حق الإنسان أن يعرف منافع الحيوانات في ذواتها فينتفع بها في المطاعم والملابس والأدوية فحقه أن يعرف أخلاقها وأفعالها فينتفع بها في اجتناب ما يستحسن واجتناب ما يستقبح منها فقد أحسن من قال: "تعلمت من كل شيء أحسن ما فيه حتى من الكلب حمايته على أهله ومن الغراب بكوره في حاجته" وقديما تعلم قابيل "ابن آدم" من الغراب كيف يواري جثة هابيل في التراب بعد أن قتله، قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ وقد أشار الله إلى ذلك أيضا في وضف النحل فقال : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ فنبه إلى أن الإنسان حقه أن يقتدي بالنحل في مراعاته لوحي الله . وهناك أمثلة كثيرة على تعلم الإنسان من غيره من مخلوقات الله. فقد تعلم الطيران والغوص والحياة تحت سطح الماء من الأسماك.
стр. 163
ثالثا: الأخلاق في الإسلام مدخل إكسيولوجي
مقدمة:
تمثل الأخلاق أهمية كبرى للأفراد والجماعات والشعوب. فهي المقوم الرئيسي لوجودها وحياتها. وقد بعث النبي محمد ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق وقد عبر الشاعر أحمد شوقي عن أهمية الأخلاق في حياة الأمم والشعوب فقال:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وقال أيضا:
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم ... فأقم عليهم مآتما وعويلا
إن التربية في جوهرها عملية أخلاقية، وفي ذلك يقول جون ديوي: "إن
стр. 164
عملية التربية والعملية الأخلاقية شيء واحد ما دامت الثانية لا تخرج عن أنها انتقال الخبرة باستمرار من أمر سيئ إلى أحسن منه وأفضل" "جون ديوي: تجديد في الفلسفة: ص٢٩٩" ويقول في مكان آخر: "إن النمو الأخلاقي هو الغاية القصوى من العمل المدرسي كله "جون ديوي: المبادئ الأخلاقية في التربية ص٥٤" "وقيل جون ديوي ذهب "جون لوك" إلى أن هدف التربية هو غرس الفضيلة في النفوس.
بيد أن التربية الأخلاقية ليست عملية سهلة، وإنما هي عملية صعبة شاقة تقتضي منا الفكر والنظر، وفي ذلك يقول هربرت سنسر في كتاب التربية "ص٩٠": "ولم يهمل ولاة الأمور شيئا إهمالهم إنعام الفكرة في تأديب أطفالهم والخطب سهلا فحسبوا أنهم قادرون بلا فحص ولا بحث أن يردعوا طبائع صبيانهم ما شاءوا من المناقب. ولم يعلموا أن علم تهذيب النفوس علم صعب المآخذ وعر الملتمس. وحق لمغفله أن يخيب في تأديب غلامه".
اهتمام الإسلام بالأخلاق:
اهتم الإسلام بالأخلاق الحميدة واعتبرها الأساس الذي تستند إليها كل معاملات الإنسان مع خالقه ومع نفسه ومع الآخرين. ولقد امتدح رب العزة نبيه الكريم ووصفه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . وقد جاء الإسلام بكل خلق حسن وحث المسلمين على التحلي به. لقد قال أكثم بن صيفي من حكماء العرب في دعوته لقومه إلى الإسلام: "إن الذي يدعو إليه محمد لو لم يكن دينا لكان في أخلاق الناس حسنا". ونختتم كلامنا عن هذه النقطة بما ورد عن النبي ﷺ خاصا بها.
- "خير الناس أنفعهم للناس".
- "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".
- "أكمل المؤمنين أحسنهم أخلاقا".
- "الإسلام حسن الخلق".
стр. 165
- قال ﷺ لأبي هريرة: "عليك بحسن الخلق، إن أحسن الناس خلقا أحسنهم دينا".
- وقال ﷺ : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
- وفي القول المأثور من حسن خلقه حسن دينه، فكمال دين الفرد هو من كمال خلقه. قال النبي ﷺ : "أكمل المسلمين إيمانا أحسنهم أخلاقا".
- وفي الحديث الشريف: "كل شيء يرجى له توبة إلا سوء الخلق" وفي حديث آخر "إن سوء الخلق ذنب لا يغفر".
يقول الرسول ﷺ : "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسم كله وإذا فسدت فسد الجسم كله إلا وهي القلب" والمقصود بالقلب هنا الضمير وهو ميزان الأخلاق.
لقد أولى الإسلام التربية الخلقية للفرد والمجتمع أهمية كبيرة، ويذكر الإمام الغزالي أن ما يقرب من ربع آيات القرآن الكريم تتعلق بالأخلاق وحدها، وقد صنف الغزالي الآيات التي تتعلق بالأخلاق في القرآن إلى قسمين: قسم يتصل بالأخلاق النظرية وعدد آياته ٧٦٤ آية قرآنية وقسم ثان يتصل بالأخلاق العملية والسلوك وعدد آياته ٧٤١ آية قرآنية ومجموع آيات هذين القسمين معا ١٥٠٤ آيات تمثل في مجملها ربع آيات القرآن تقريبا.
وقد أحصى الإسلام الفضائل كلها وعددها وأكد عليها. وطالب الإنسان بتعلمها والعمل بها والتمسك بها. وفاضل علماء المسلمين بين الفاضل والمفضول من الأخلاق والرذيل والمرذول منها ليتبين للمسلمين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. ولينيروا الطريق أمام من يريد التحلي بالأخلاق الحسنة والفضائل المستحبة.
الاتجاهات النظرية للأخلاق:
يبجث علم الأخلاق في أعمال الناس وتصرفاتهم من حيث هي خير أو شر، كما يبحث في غايات الحياة ومثلها العليا التي ينبغي أن يستهدفها الناس في سلوكهم. ويعرف علم الأخلاق أيضا بأنه علم الواجب. ويمكننا أن نميز ثلاثة
стр. 166
اتجاهات رئيسية في النظر إلى الأخلاق:
- الاتجاه الأول هو الاتجاه الروحي الذي يعتبر الغاية من الأخلاق، هو التحلي بالفضيلة وتهذيب النفس وترويضها والسمو بالروح وتصفيتها من الشوائب. ويمثل هذا الاتجاه أهل التصوف أو المتصوفون؟
- الاتجاه العقلي في الأخلاق ويتزعمه المعتزله كما يمثله ابن سينا وابن مسكوية فالمعتزلة يرون أن الحسن ما حسنه العقل والقبح ما قبحه العقل وبنوا التكاليف على العقل. والمعروف أن أرسطو هو أصل الاتجاه العقلي في الأخلاق. وقد ذهب إلى القول في كتاب الأخلاق بأن الفضيلة مقترنة بالعقل.
- الاتجاه الروحي العقلي الذي يجمع بين الاتجاهين السابقين ويمثله ابن مسكويه وحجة الإسلام الإمام الغزالي. وسيشار إلى آرائهما في التربية الخلقية فيما بعد عند تناولنا الكلام عنهما.
الأخلاق في الثقافات الأخرى:
تختلف الأخلاق في الإسلام عن غيرها في الديانات أو الحضارات الأخرى. فالأخلاق عند الإغريق القدماء تقوم على اللذة والمتعة والسعادة الدنيوية للإنسان. والأخلاق المسيحية تقوم على الاتصال الروحي بالله، والمحبة والتسامح بين البشر. والأخلاق في الفلسفة البراجماسية نفعية ووسيلية وتتغير بتغير الأحوال والظروف. فإذا كنا مثلا نفضل العدالة على الظلم فذلك يرجع في نظرهم إلى أن العدالة نافعة ومفيدة والظلم ضار وغير مفيد.
وفي مقابل الأخلاق النفعية وهي شخصية فردية تفضل مصلحة الفرد دائما هناك أخلاق الواجب وهو مذهب الفيلسوف الألماني المعروف "كانط" "١٧٢٤-١٨٠٤" وله باع كبير في الأخلاق والفلسفة الحديثة. وقد تميز منهجه بنقد العقل وبيان قصوره. وله في الأخلاق نظرات ثاقبة. والقيمة الأخلاقية حسب هذا المذهب هي في ضمير الإنسان ولا وجود لها خارجه. فالإنسان عندما يسلك وفق أخلاق الواجب فإنه يتسامى ويرتفع فوق ذاته، ويرتفع فوق ملذاته ونزواته الشخصية. ويجب أن تكون الأخلاق من أجل الإنسانية الكريمة. والواجب
стр. 167
قيمة أخلاقية تقوم على أساس ما ينبغي أن يكون لا ما هو قائم بالفعل. والواجب كقيمة أخلاقية يفرض نفسه على الضمير الأخلاقي. وعندها يتحدد سلوك الإنسان وتصرفه، ويسلك حسبما تمليه أخلاق الواجب، وهو ما يقول به المعتزلة ويتبعهم في ذلك الفيلسوف الألماني "كانط" الذي بنى فلسفته الأخلاقية على مبدأ الواجب الأخلاقي. وتتميز الأخلاق في الإسلام بأنها أخلاق دنيا ودين معا وهو ما سيأتي تفصيل الكلام عنه.
الإنسان والأخلاق:
إن نظرة الإسلام إلى الإنسان هي نظرة أخلاقية بصفة أساسية. ذلك أن الهدف من حياة الإنسان هو عمل الخير في الحياة الدنيا. ولا يكتمل عمل الخير للإنسان في الدنيا إلا بإقامة شعائر الله والتمسك بالأخلاق الحسنة. وغاية الأخلاق الحسنة تحقيق سعادة الفرد في الدارين. والشريعة هي التي تربي نفس الإنسان على الآداب الحسنة والأخلاق الكريمة حتى تتعودها النفس وتصبح لها طبعا وسليقة. والمسلمون في الإسلام سواسية ويتفاضلون على بعضهم بالتقوى وصالح العمل. وقد ورد في الأثر "المسلمون كأسنان المشط في المساواة، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى وصالح العمل "كما ورد أيضا" المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم".
اختلاف الأخلاق باختلاف النفوس:
تختلف الأخلاق باختلاف النفوس. فمن الناس من جبلت نفوسهم على الخير. ومنهم من جبلت نفوسهم على الشر. ويمكن تحسينها بالنصح والإرشاد والتوجية والزجر والعقاب والوعد والوعيد. وهناك نوع ثالث لا يقبل طبعه الأخلاق الحسنة لخبث معدنه. وهذه الطائفة في نظر بعض علماء المسلمين من جملة الأشرار الذين لا يرتجى صلاحهم. كما أن الأخلاق تختلف باختلاف الأمم والشعوب فلكل أمة أخلاقها الخاصة بها. ومن الطبيعي أن يكون للأمة الإسلامية أخلاقها الخاصة بها. كما أن الأخلاق تختلف باختلاف العصور والأزمنة. ومنها الثابت الأصيل ومنها المتغير حسب أحوال الناس وتغير زمانهم.
стр. 168
الأخلاق من تمام الإيمان والكمال الإنساني:
تعتبر الأخلاق في الإسلام من تمام الإيمان والكمال الإنساني. وذلك أن الإيمان يكتمل بالأخلاق. قد سئل النبي ﷺ : أي المؤمنين أكمل إيمانا؟ قال: "أحسنهم خلقا". وعندما سئل ﷺ عن أحب عباد الله إليه، قال: "أحاسنهم أخلاقا". ويعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القواعد الأخلاقية الإسلامية الأصيلة، ومن تمام كمال المسلم.
الأخلاق بالتخلق:
عندما يتحرى الإنسان في سلوكه مراعاة الأخلاق الحسنة الالتزام بآداب السلوك وما تمليه الفضيلة فإنه يصبح بالتدريج إنسانا خلوقا فاضلا. فقد روي عن النبي ﷺ قوله: "إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتخير الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه" وقد قيل في ذلك. اجعلوا أقوالكم أقوى لكم لا تجعلوا أفمالكم أفعى لكم ولا تجعلوا أعمالكم أعمى لكم. ويروى عن النبي ﷺ قوله: "خالق الناس بخلق حسن".
من الأخلاق الإسلامية ما هو صدقه:
بلغ من حرص الإسلام على حث المسلم على اتباع السلوك الأخلاقي المرغوب أن جعله صدقه يثاب عليها. فالكلمة الطيبة صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أمر الضلال صدقة. وإناطة الأذى عن الطريق صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة. فهذه كلها وما شابهها أمور أخلاقية من تمام كمال الإنسان. وهي صدقات ينال المرء ثوابها إلى جانب قيمتها الأخلاقية.
القدوة ضرورية لتعليم الأخلاق:
وهذا يعني أن تعليم الأخلاق من خلال النصح والإرشاد والتوجيه لا يؤتي ثماره إلا إذا كان القائم به يعمل بما يقول. وللأسف أننا نجد أن كثيرا من الآباء والمعلمين ينصحون أبناءهم بعمل شيء وهم أنفسهم لا يعلمونه أو يعملون عكسه فكلاهما ينهي الأبناء عن التدخين مثلا وهما يدخنان. والأب قد يأمر ابنه
стр. 169
بالصدق في القول وعدم الكذب ولكنه في موقف آخر يقول له مثلا: إذا سأل فلان عني فقل له إنني غير موجود. ومن هنا كان من الضروري في الأخلاق تطابق القول مع العمل. ويروى أن الإمام "سفيان الثوري" كان يعظ الناس يوما فدخلت عليه امرأة وسلمته رقعة وانصرفت. فأخذ يقرؤها فإذا فيها:
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح به وأنت سقيم
ونراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبدًا وأنت من الرشاد عديم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
فلما قرأ الإمام النوري هذا الكلام تأثر به وقام واعتزل الناس واعتكف في بيته حتى وافاه الأجل.
الأخلاق طريق العيش والكسب:
ذلك أن الإنسان الذي حسنت أخلاقه وصفاته يجد أبواب الحياة أمامه مفتوحة. ويرضى عنه الناس كما يرضى عنه ربه لأن رضا الله من رضا الناس. ويجعل الله في وجهه القبول، ويحبه الناس ويثقون فيه ويطمئنون إلى التعامل معه. وهذه كلها صفات تؤهله لفتح أبواب الرزق أمامه. وقد قال تعالى في سورة القصص على لسان بنت النبي شعيب ﵇: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ . فهاتان الصفتان إحداهما جسمية وهي القوى والأخرى خلقية وهي الأمانة. وكلتا الصفتين أهلت صاحبها إلى أن يكون أفضل من غيره في الاستخدام والتقبل الاجتماعي. وهو ما سبق أن أشرنا إليه.
الفضيلة هي المعرفة:
إن الفضيلة كما يقول سقراط الحكيم هي المعرفة وبدون المعرفة لا يتم العمل. فكل فضيلة علم. فالتقوى مثلا هي العلم بما يجب على الإنسان نحو ربه وخالقه. والعدالة هي العلم بما يجب على الإنسان نحو الآخرين. والقناعة هي
стр. 170
العلم بما يجب على الإنسان نحو نفسه. وهكذا. "جورج غريب: ١٥".
الأخلاق قابلة للتعديل:
ينظر الإسلام إلى الأخلاق على أنها قابلة للتغيير والتعديل. وهذا على عكس الرأي الذي يرى أن الأخلاق ثابتة من حيث إنها مقتضى المزاج والطبع، وإن الخلق صورة الباطن. وقد انتقد الغزالي هذا الرأي كما سنشير فيما بعد وذهب إلى القول بقابلية الأخلاق والسلوك للتعديل مستدلا في ذلك بقول النبي ﷺ : "حسنوا أخلاقكم". فلو كانت الأخلاق ثابتة لما كانت قابلة للتعديل أو التحسين. وكون الأخلاق قابلة للتعديل والتحسين فإن هذا يفتح الباب أمام التربية لتقوم بدور هام في التنشئة الأخلاقية للفرد.
ضرورة التأديب:
يقول الماوردي في ضرورة التأديب "فالنفس قائمة على أخلاق وآداب لا يستغنى عنها. ولا يعتمد على العقل فقط دون الأدب لقول الرسول ﷺ : "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وقد شبه العالم عديم الأدب بالبنيان الخراب الذي كلما علا اشتدت وحشته. وشبه أيضا بالنهر اليابس الذي كلما كان أعرض وأعمق كان أشد لوعورته، وبالأرض الجيدة المعطلة التي كلما طال خرابها ازداد نباتها غير المنتفع به التفافا، وصار للهوام مسكنا". ويقول ابن المقفع: "ما نحن على ما نتقوى به على حواسنا من المطعم والمشرب بأحوج إلى الأدب الذي هو لقاح عقولنا. فإن الحية المدفونة في الثرى لا تقدر أن تطلع زهرتها إلا بالماء الذي يعود إليها من مستودعاتها.
طبيعة القرارات الصحيحة:
إن الموقف الأخلاقي يطرح أكثر من بديل للتصرف فعلى سبيل المثال في موقف ما قد يكون البديلان المطروحان هما: ادفع بالتي هي أحسن، أو الشر بالشر، وفي موقف آخر قد يكون البديلان: اصنع جميلا ولو في غير موضعه أو "من يصنع المعروف في غير أهله يندم" وغيرها من الأمثلة. فبأي البديلين يأخذ الفرد في الموقف الأخلاقي. وما هي المعايير الأخلاقية التي يهتدي بها في
стр. 171
اختيار أفضل البديلين؟ وهنا يكون دور التربية لأن مهمة التربية في الجانب الأخلاق أن تزود الفرد بما يساعده على اختيار البديل الأفضل والمناسب للموقف. إن أحكامنا وقراراتنا تعتمد في مدى صحتها ومناسبتها على مدى فهمنا للموضوع وما نعرفه عنه من معلومات واختلاف الحكم أو القرار قد ينتج عن اختلاف في الفهم واختلاف في درجة المعلومات المتاحة. ومن هنا كان من الضروري للوصول إلى قرار سليم أن يتحرى الإنسان فهم الموضوع من جوانبه المختلفة وهذا يتطلب الحصول على كل المعلومات الممكنة التي تساعد الفرد على هذا الفهم. وتعتمد أحكامنا وقراراتنا أيضا في اختلافها وتباينها على اختلاف القيم والمعتقدات العامة للفرد وما يعتقد أنه صحيح أو غير صحيح. ويبدو هذا بوضوح في القرارات الأخلاقية التي نتخذها في المواقف المختلفة، وقد يكون القرار مصحوبا بالمعاناة الأخلاقية عندما تكون البدائل المتاحة متعارضة أو حلوها مر أو مشحونة بالانفعالات والمشاعر المتعارضة والضغوط الاجتماعية المختلفة.
ودور التربية ينبغي أن يتركز على مساعدة الفرد على تكوين فلسفة رشيدة له في الحياة توجهه بصفة عامة وتجعله قادرا على حسن التصرف في المواقف المختلفة. ويمكن القول بصفة عامة بأن هناك عوامل رئيسية تحدد اتجاه القرار الذي يتخذه الفرد من أهمها:
- النفعية والمصلحة وبالعكس الضرر والخسارة.
- سمو المقاصد والغايات وبالعكس سوء النوايا والمقاصد.
- النتائج المحتملة لأعمالنا وأفعالنا سواء كانت مادية أو معنوية من سعادة أو ألم أو فرح أو حزن.
الأخلاق فطرية أم مكتسبة؟:
هناك وجهتا نظر متعارضتان في النظرة إلى الأخلاق الإنسانية بصفة عامة. إحداها تقول بأن الأخلاق فطرية لأن الإنسان يستطيع أن يميز بفطرته بين الخير والشر وبين ما ينبغي عمله وما لا ينبغي. ويمثل هذا الرأي المثاليون وعلى
стр. 172
رأسهم أفلاطون. فهناك أخلاق السادة وأخلاق العبيد لأن الناس خلقوا إما سادة وإما عبيدا في نظره. كما أن بعض الناس خلقوا أخيارا وبعضهم خلقوا أشرارا. وهذه النظرة تجعل من الطبيعة الإنسانية شيئا جامدا ثابتا لا يمكن تغييره أو تعديله أو إصلاحه وهذا عكس ما هو حادث بالفعل. والواقع أن الإسلام ينظر إلى طبيعة الإنسان على أنها محايدة بالفطرة وتكتسب لونها من خلال التنشئة والتربية. قد ورد عن النبي ﷺ قوله: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". وورد عنه أيضا قوله ﷺ : "حسنوا أخلاقكم" وقوله ﷺ : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". فهذا يدل على أن النظرة الإسلامية إلى الأخلاق على أنها مكتسبة وتتعدل وتتحسن وينصلح حالها بالتوجيه. وهذا يجرنا إلى الكلام عن وجهة النظر الثانية التي نرى أن الأخلاق مكتسبة وليست فطرية. وكون الأخلاق مكتسبة يؤكد أهمية تعليم وتربية النشئ تربية صالحة وتوجيهه من البداية إلى طريق الحق والخير على أساس سليم وإبعاده عن قرناء السوء. لكن الإنسان لا يتعلم شيئا إلا إذا كان مستعدا له غير ممتنع عليه. كالبذرة في الأرض لا تنبت إلا إذا كانت الأرض مستعدا ومهيأة لها ولنموها. ومن هنا كان اختلاف الناس في تقبل الأخلاق معتمدا على استعداد كل منهم لتقبل هذا الخلق أو ذاك. وجميع الناس ليسوا على درجة واحدة أو مستوى واحد في تقبل الأخلاق الحميدة أو غيرها.
الأخلاق عند فلاسفة الغرب وفلاسفة المسلمين:
الأخلاق عند فلاسفة الغرب أخلاق دنيوية تنظم علاقة الفرد مع الآخرين وسلوكه في الحياة الدنيا بصفة عامة وهي تقوم على جانبين رئيسيين: جانب الحق وجانب الواجب. فكل حق يقابله واجب. ولذلك ترتبط الحقوق بالواجبات. ولكي يستمتع الإنسان بحقه عليه أن يؤدي واجبه. والواجب قد يمليه القانون وقد يمليه العرف الاجتماعي وقد تمليه التقاليد والثقافات السائدة وقد يمليه الضمير الإنساني.
أما الأخلاق في الإسلام وعند فلاسفة المسلمين فهي أخلاق دنيا ودين وتشمل جميع أوجه النشاط الإنساني وسلوكه في الحياة الدنيوية في ارتباطه
стр. 173
بالحياة الأخروية. وعلى هذا فالأخلاق الإسلامية تنظم علاقة الإنسان مع نفسه ومع بني جنسه من أفراد مجتمعه ومع غيره من المجتمعات والإنسانية جمعا، والكون بكامله. وأخيرا وليس آخرا تنظم علاقة الإنسان مع ربه وخالقه.
الفرق بين الأخلاق والسلوك:
الأخلاق صورة النفس الباطنة والسلوك هو صورتها الظاهرة التي تدل عليها. ونحن نستدل على طبيعة أخلاق المرء بسلوكه الظاهر.
الضمير الأخلاقي:
الضمير قوة ذاتية في داخل الإنسان تأمره بفعل الخير وتنهاه عن الشر وتحاسبه عن أعماله. وتكون للضمير قيمة عندما يكون يقظا متنبها. أما إذا نام أو تبلد أو مات فإن الإنسان يفلت زمامه ويكون بلا عاصم وينفلت قيد زمامه. ذلك أن صلة الضمير بالأخلاق كصلة العقل بالفكر والأمور العقلية وهو شعور داخلي يحسه الإنسان عندما يقوم بعمل ما. فإذا كان راضيا عن هذا العمل أحس بالارتياح والاطمئنان والسعادة. أما إذا كان غير راض عن هذا العمل فإنه يحس بوخز الضمير وتأنيبه كما يشعر أحيانا بالندم والمرارة والحسرة. وحدة شعور الضمير أو المرارة يتوقف على مدى ضخامة أو فداحة العمل الذي قام به المرء. فالضمير قوة شعورية أخلاقية تحكم على مدى أعمالنا الصالحة منها والطالحة على السواء. فهو بمثابة ميزان العمل في حياتنا. وهو يعمل أيضا كإشارات المرور التي تعطي الضوء الأخضر إذا كان العمل مقبولا ومسموحا به كما تعطي الضوء الأحمر للتحذير والأمر بالامتناع عن العمل. وعندما يصيب الخلل هذا الميزان أو تتعطل عن العمل هذه الإشارات الضوئية فإن الضمير يتوقف عن العمل. وهو ما يحدث والعياذ بالله في حالة الأفراد الذين نصفهم بأنه لا ضمير لهم أو أن ضميرهم نائم أو أنهم متبلدو الضمير. ومثل هذا النوع من البشر يصعب التعامل معه ولا يوثق به ويحتاج إلى رعاية وتوجيه وإرشاد متصل لإعادته إلى جادة الطريق الصحيح. والضمير يتكون لدى الإنسان منذ مولده ومن خلال تربيته وتنشئته طول أيام حياته. وتزداد حساسية الضمير لديه أو نقل أو تحدث تبعا
стр. 174
لنوع التربية التي ينشأ فيها وحسب الظروف الاجتماعية التي يمر بها. ومع أن الظروف الاجتماعية القاسية والظروف الاقتصادية الطاحنة قد تكون عاملا مؤثرا في تحجير الضمير وإصابته بالبلاد واللامبالاة فمما لا شك فيه أن التربية الدينية السليمة والقدوة الصالحة منذ الطفولة تعتبر خير عاصم للإنسان من أن يتردى في هذه الهاوية. ومن الناس من تسمو ضمائرها لأنها نشأت في بيئات صالحة.
المعنى اللغوي للضمير:
إذا رجعنا إلى المعاجم اللغوية لتحديد معنى الضمير لغويا نجد أنها تورد تحت مادة "ضمر" معان متعددة. فالفعل ضمر ضمورا يعني هزل جسمه وقل لحمه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ . وضمر الفرس للسباق ونحوه يعني ربطه وعلفه وسقاه مرة من الزمن وركضه في الميدان حتى يخف ويدق. ومدة التضمير عند العرب أربعون يوما. وأضمر في نفسه شيئا يعني عزم عليه بقلبه دون أن يظهره للناس، ومنه الضمير. وهو ما تضمره في نفسك ويصعب الوقوف عليه. وتحدد هذه المعاجم معنى الضمير بأنه استعداد نفسي لإدراك الخبيث والطيب من الأعمال والأقوال والأفكار والتفرقة بينها واستحسان الحسن واستقباح القبيح منها. والجمع ضمائر "انظر المعجم الوجيز مادة ضمر" ونحن في اللغة العربية نقول: "هو" ضمير الغائب و"هي" ضمير الغائبة و"هم" ضمير الغائبين و"هن" ضمير الغائبات. وهذا المعنى يرتبط ارتباطا وثيقا بالمعنى السابق للضمير لكمال الاتصال بينها.
الضمير في القرآن الكريم:
إذا رجعنا إلى القرآن الكريم نجد أنه لا ترد به من مادة "ضمر" إلا كلمة "ضامر" في الآية التي سبق أن أشرنا إليها. لكنه يستخدم عبارات أخرى تدل عليه مثل قوله في سورة يوسف: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [سورة يوسف: ٦٨] وقوله في نفس السورة: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [سورة يوسف: ٥٣] . وقوله في سورة الشمس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس: ٧] . وقوله في سورة المائدة: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ .
стр. 175
[سورة المائدة: ١١٦] ، وقوله أيضا في نفس السورة: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة المائدة: ٣٠] . وقوله في سورة طه: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [سورة طه: ٩٦] ، وقوله في سورة يوسف: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [سورة يوسف: ٧٧] . وقوله في سورة "ق": ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [سورة ق: ١٦] . وقوله في سورة الإسراء: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [سورة الإسراء: ٢٥] . وقوله في سورة البقرة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٥] . وقوله في نفس السورة: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٤] . وفي سورة يوسف: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [سورة يوسف: ٨٣] . وقوله في سورة إبراهيم: ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة إبراهيم: ٢٢] . وقوله في سورة آل عمران: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة آل عمران: ٣١] ، وقوله في سورة الرعد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الرعد: ١١] ، وقوله في سورة الأنبياء: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٦٤] . وقوله في سورة المجادلة: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [سورة المجادلة: ٨] .
والقرآن الكريم من ناحية أخرى يذكر أوصافا متعددة للنفس. فهناك "النفس اللوامة" التي أشار إليها رب العزة في سورة القيامة بقوله: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ . وهناك "النفس المطمئنة" التي أشار إليها القرآن في سورة الفجر: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ . وهناك النفس "الأمارة بالسوء" التي تشير إليها سورة يوسف: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ وهذه الأوصاف تصدق أيضا على الضمير. وإذا نحن رجعنا إلى التعريف اللغوي للضمير الذي سبق أن أشرنا إليه بأنه استعداد نفسي أمكننا القول بكمال الاتصال بين الضمير وبين النفس.
وقد اختلفت الآراء ووجهات النظر في تحديد كنه الضمير وماهيته.. فقيل إنه حاسة فطرية يولد بها الإنسان شأنها شأن الحواس الأخرى التي يميز بها الأشياء. فإذا كان الإنسان يستطيع أن يميز بعينه بين النور والظلمة والأبيض والأسود وإذا كان بحاسة الشم يميز بين الطيب والخبيث من الرائحة والتذوق يستطيع أن يميز بين الحلو والمر بحاسة اللمس بين الساخن والبارد، فكذلك
стр. 176
يستطيع أن يميز بضميره بين الخير والشر والحسن والقبيح من الأعمال الخلقية. وممن ذهب هذا المذهب من المفكرين المفكر الفرنسي "روسو" والفيلسوف الألماني المثالي "كانط" وقيل إن الضمير مكتسب من خلال التنشئة الاجتماعية للفرد. وهي وجهة نظر مناقضة لوجهة النظر السابقة التي تقول بأن الضمير فطري يولد مع الفرد. وكون الضمير مكتسبا يعني أهمية التربية في تكوينه وتشكيله. ومن أنصار هذا الرأي "جون لوك" و"دور كايم" و"كونت". وكلتا النظريتين لا تقدمان تفسيرا كاملا لمعنى الضمير. فوجهة النظر الأولى تعني أن التربية لا دخل لها في تكوين الضمير شأنه في ذلك شأن حواس الإنسان الخمس لا يحتاج إلى تربيتها. وهذا غير صحيح ولا يستقيم مع الخبرة البشرية وتجاربها. ذلك أن الضمير كما هو مشاهد بالتجربة يخضع للتربية. وكذلك الحواس وإن كان لها جانب فيها فطري إلا أن هناك أيضا جانب الاكتساب. فالذوق واللمس والشم والنظر والسمع كلها تخضع للتعلم والاكتساب في بعض جوانبها. ويستطيع أن يتحكم الفرد فيها بالتوجيه وتحديد الغرض. بل إنها تتلون بحالته النفسية والجسمية وقد عبر الشاعر العربي عن هذا المعنى بقوله:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
فالحواس تمرض وكذلك ضمير الإنسان قد يمرض. من ناحية أخرى نجد أن النظرة القائلة بأن الضمير مكتسب لا تفسر لنا لماذا يختلف الأفراد في ضمائرهم مع أنهم تعرضوا لتربية واحدة؟ ولماذا نجد من الصعب تربية ضمير بعض الأفراد؟ ومن هنا نخلص إلى القول بأن الضمير فطري ومكتسب شأنه شأن ذكاء الإنسان وطبعه ومزاجه وحواسه. ويطلق "كانط" على الضمير الأخلاقي اسم "العقل العملي" وأخلاق الواجب التي تستند إليها نظريته في الأخلاق هي أخلاق نداء الضمير الداخلي.
الضمير والقلب:
يرى بعض علماء الأخلاق من المسلمين أن هناك صلة بين الضمير والقلب ويستندون في ذلك إلى التحليل اللغوي لكلمة الضمير. فالضمير كما تعرفه المعاجم اللغوية هو السر أو الخاطر وأضمر الشيء في قلبه. ومن هنا قالوا بأن
стр. 177
محل الضمير هو القلب. ولكن يمكن الرد على ذلك بأننا نقول أيضا أضمر الشيء في نفسه وهنا يكون الضمير من وظائف النفس الإنسانية. وهناك دليل آخر للربط بين الضمير والقلب لدى علماء المسلمين وهو ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال عندما سئل عن الإيمان "بأنه ما وقر في القلب وصدقه العمل". وما روي عنه ﷺ أيضا: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"، وقوله في سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ . وما ورد عن النبي ﷺ في رده على وابصة بن معبد عندما سأله عن البر والإثم فقال النبي ﷺ : "يا وابصة استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس. والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن افتاك الناس وأفتوك".
الضمير والحاسة الخلقية:
هناك من يرى أن الإنسان مزود بحاسة خلقية فطرية تصرف أفعاله الخلقية وتصدر الأحكام عليها. وهذه الحاسة شأنها شأن بقية حواس الإنسان يستخدمها الإنسان للتمييز بين الخير والشر. وهي قوة داخلية لا تحتاج إلى قوة خارجية لتصريف أمورها أو التحكم فيها. ويطلق البعض على هذه الحاسة الخلقية لفظ الضمير.
وظيفة الضمير:
للضمير وظيفتان رئيسيتان أحدهما في توجيه سلوك الإنسان إلى الخير وإبعاده عن الشر. والثانية الحكم على سلوك الإنسان تقبلا ورفضا واستحسانا واستهجانا. وهو بالوظيفة الأولى يعتبر قائدا وموجها وبالوظيفة الثانية يعتبر قاضيا وحكما.
والضمير إذا كان حيا يبعث في الإنسان الإحساس بالندم إذا أقدم على فعل متهور أو متسرع لم يحسن التصرف فيه. والضمير حالة فردية تتعلق بالشخص. وهو يختلف من فرد لآخر باختلاف حساسيته وحيويته فمن الأفراد من يكون ضميره حيا كما أشرنا ومنهم من يكون ضميره ميتا متبلدا والعياذ
стр. 178
بالله. ويندرج تحت هذا الصنف من البشر الذين يستبيحون حرمات الله ويأكلون مال الناس بالباطل. وقد يستخدم الضمير بصورة مجازية فتقول ضمير الجماعة أو ضمير الأمة أو ضمير الشعب. ونحن نقول أحيانا "نداء الضمير" ونعني به الصوت الخفي غير المسموع الذي يلح على الإنسان بالقيام بعمل معين. هذا العمل هو ما يسميه الفيلسوف الألماني "كانط" بالواجب أي "فعل الواجب". وقد شهر كانط بهذا الجانب الأساسي في فلسفته الأخلاقية والتي تعرف "بأخلاق الواجب" وعندما لا يطيع الإنسان نداء ضميره فإنه يكون قد خالف ضميره. وقد يحدث له إذا كان ذا ضمير حي ما يسمى "بأزمة الضمير". أما إذا كان الضمير متبلدا فلن يكون له هذا النداء أو الصوت. ومن ثم لا توجد لدى صاحبه أزمة ضمير على طريقة قول الشاعر "ما لجرح ميت إيلام". وقد يحدث لبعض الناس أن يبيع ضميره بالمال أو الجاه أو المنفعة العارضة أو الخوف أو التهديد. وهذا مندرج تحت ما يعانيه المجتمعات من أمراض اجتماعية بسبب مرض نفوس بعض أبنائها.
الشهوة والضمير والعقل:
تعرف المعاجم اللغوية الشهوة بأنها الرغبة الشديدة وما يشتهي من الملذات المادية والجمع شهوات. والشهواني هو الشديد الرغبة في الملذات المادية وهو نسبة إلى الشهوة. وفي القرآن الكريم ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [سورة آل عمران: ١٤] . وتأتي الشهوة في القرآن الكريم مرتبطة بالنفس. قال تعالى في سورة "فصلت": ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ ، وفي سورة الأنبياء: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ ، وفي سورة الزخرف: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ . وواضح من هذا العرض أن الشهوة رغبة شديدة للنفس يترتب على إشباعها لذة نفسية ومادية كما في شهوة الجنس والمال والبنين والأموال والذهب والفضة وما شابه ذلك. وقد تزداد حدة الرغبة فتصبح شهوة عارمة أو جامحة أو جارفة بمعنى أن الإنسان لا يستطيع أن يقاومها وتضعف أمامها إرادته وضميره. وهنا نتساءل: أيهما أقوى الشهوة أم الضمير؟ وللإجابة على هذا السؤال نستعين بما يذكره
стр. 179
محمد ضياء الدين الكردي في كتابه عن الأخلاق الإسلامية والصوفية "ص٥٧" يقول ما معناه: إن معظم الناس اتباع شهواتهم. تدفعهم الشهوة أولا ويحاسبهم الضمير ثانيا. فالشهوة قوة أولية والضمير قوة ثانوية. وبمقدار تسلط الشهوة على الإنسان يكون عجز إرادته عن إيقاظ ضميره. والشهوة أكثر انتصارا وأقل من الضمير اندحارا. والشهوة للخير أقل من الشهوة للشر كما أن للشهوة منازل ودرجات. وهو يدلل على أن الشهوة أقوى من الضمير فعلا في النفس بأن الضمير لا يستيقظ إلا نادرا وبعد وقوع الفعل في الغالب. فالشهوة إذًا أقوى من الضمير أثرا في السلوك الإنساني. والضمير محتاج إلى العقل لموازنة الفعل من الناحية الخلقية. كما أن الشهوة محتاجة أيضا إلى تحكيم العقل لكبح جماحها والسيطرة على حد تعبير الشاعر العربي:
أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الإقدام ويحك لن تراعي
فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع
وينبعي أن نشير إلى أن الضمير في حد ذاته لا يصدر عنه خير أو شر وإنما ما يضمره الإنسان في نفسه قد يكون خيرا وشرا. ولكي يتحول ما يضمره الإنسان إلى فعل يحتاج إلى عزم وإرادة وسلوك.
والإسلام لا يحاسب المرء على ما يضمره في نفسه من خير أو شر وإنما يحاسبه على أعماله وأقواله وما يصدر منه من أفعال. قال ﷺ : "إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". وقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" لا يعني محاسبة المرء على النية وإنما العمل هو الصورة الظاهرة للنية ويدل عليها. ولكل امرئ حسب نواياه من الأفعال إن خيرا أو شرا. ومن مأثور القول "النية محلها القلب". والقلب هنا لا يقصد به معناه الجسمي الذي ينصب على العضلة المعروفة وإنما يقصد به داخل الإنسان وسريرته وهو مرادف هنا أيضا لمعنى الضمير ومعنى النفس. وهذا المعنى المعنوي غير الجسمي للقلب هو المقصود بقوله ﷺ : "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". وكلمة "مضغة" وهي التي تعني لغويا القطعة الصغيرة من اللحم
стр. 180
تسوغ فهم القلب على أساس جسمي أيضا. ومن المعروف أن لقلب الإنسان دورا رئيسيا هاما في حياة الإنسان. والواقع أن للقلب هذه الصفة المزدوجة في اتصاله بكل من البدن والروح. ولتوضيح هذه النقطة يقول أحد علماء المسلمين: "إذا حاولنا أن نفسر اتصال الروح بالبدن فإننا لن نستطيع تفسير ذلك إلا عن طريق القلب. فكما ارتبطت به الحياة الظاهرة عن طريق ضخ الدم. وارتبطت به الحياة الباطنة عن طريق اتصاله بالروح" "المرجع السابق ص٦٢". ولذلك نجد أن القرآن الكريم عندما يتحدث عن صلاح الإنسان وفساده في الحياة الباطنة يشير إلى القلب. قال تعالى في سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ .
المنطق والأخلاق:
يدرس المنطق أصول وقواعد التفكير السليم. أما الأخلاق فتدرس أصول وقواعد الأخلاق السليمة. وهكذا يكون المنطق متعلقا بالعقل وسلامة التفكير والأخلاق تتعلق بالنية والإرادة وتقويم السلوك. ويتفق المنطق مع الأخلاق في أن كليهما يضع للإنسان المعايير التي يقيس بها سلوكه وأعماله.
معايير السلوك الأخلاقي في الإسلام:
يحدد الإسلام معايير واضحة للسلوك الأخلاقي من خلال المحللات والمحرمات. فالحلال بين والحرام بين ولكن بينهما أمور متشابهات. والحلال درجات منه ما هو واجب يتحتم على المرء الالتزام به، ومنه ما هو مندوب ويتعلق بالأمور التي يثاب الأمر عليها إذا فعلها ولا يعاقب عليها إذا تركها. وثمة ما هو مباح ويتعلق بالأمور التي ترك الإسلام الخيار للمرء بين فعلها وتركها. والأصل في الأشياء الإباحة ما لم يكن هناك نفي بقيدها أو يحرمها. ومن الحلال ما هو مكروه ويتعلق بالأمور التي نهى الشرع عنها نهيا غير جازم. ويكون من الأفضل تركها.
وهناك عدة معايير للحكم على جانبي الحسن والقبح أو الخير والشر في العقل أو السلوك الأخلاقي من أهمها:
следующие страницы →