المنهج المدرسي الإسلامي:
هناك بعض الاعتبارات الرئيسية التي تتحكم في اختيار المواد الدراسية والعلوم التي تقدم للمتعلم في الإسلام. ويأتي في مقدمة هذه الاعتبارات أهمية العلوم ونقاوتها في الدرجة والشرف وأشرف العلوم وأعلاها ما يتعلق منها بمعرفة الله ، وهو أمر يتمشى مع الهدف الأسمى من التربية الإسلامية وهو معرفة الخالق وما يتصل بها من علوم اللسان واللغة التي تمهد لدراسة العلوم الدينية. فالعلوم عند أهل الديانات ثلاثة كما يقول ابن عبد البر القرطبي: علم أعلى وعلم أسفل وعلم أوسط، فالعلم الأعلى عندهم علم الدين والعلم الأوسط هو معرفة علوم الدنيا كعلم الطب والهندسة والعلم الأسفل هو أحكام الصناعات وضروب الأعمال مثل السباحة والفروسية والخط وهي التي تحصل بتدريب الجوارح. "ابن عبد البر القرطبي: ج٢ ص٤٦".
стр. 107
وسائل التدريس ١:
أشهر وسائل التدريس عند علماء المسلمين هي السماع والإملاء والإجازة وهي تتفاوت فيما بينها من حيث الأهمية. فالسماع يكون بأن يقرأ الأستاذ من كتابه أو من ذاكرته ما يريد روايته لطلبته وهو أعلى طرق التعليم. ولم يكن مسموحا للطلاب بأن يكتبوا أثناء قراءة الأستاذ مما اضطر الأساتذة إلى عقد مجالس الإملاء. وقد يكون السماع بأن يقرأ الطالب من كتاب أستاذه أو من نسخته هو أو من ذاكرته بحضور أستاذه، وهذا يسمى "العرض"، ومن العلماء من كان لا يحبذ السماع أو العرض خشية أن يكون الطلبة غير منتبهين لما يقرأ عليهم أما الإملاء فقد عده أغلب العلماء خير وسائل التعليم حتى لمن يأخذون بأسلوب السماع. وكانت مجالس الإملاء تعقد يوم الجمعة في الغالب. ويكون الإملاء من الكتب أو الذاكرة، وعندما تكون المجالس كبيرة يستعان بالمستملين الذين يمكن أن يسموا مدرسين مساعدين أو "معيدين" مهمتهم إعادة ما يلقيه الأستاذ ليسمعه البعيدون عنه. وقد يتعدد المستملون حسب كثرة عدد الحاضرين. وقد عرف بعضهم بقوة الصوت، وهذه هي أهم صفاتهم. إلا أنه كان
стр. 108
من واجبهم معرفة الموضوع الذي يملونه وإجادة اللغة مع صحة التلفظ. وقد وجد بين هؤلاء المستملين علماء من ذوي الشهرة. وفضلا عن ذلك كان عليهم أن يتحلوا بسعة الصدر لا سيما عندما يطلب إليهم إعادة الإملاء أكثر من مرة. ويبدو أن الأساتذة هم الذين كانوا يعينون المستملي. وكان البعض يتخذ الاستملاء مهنة يعيش منها. وقد يطلب الأستاذ إلى أحد طلابه أن يساعده في الإملاء إذا لم يتيسر وجود مستمل. والمستملي يقف عادة على رجليه بخلاف الأستاذ والطلبة إلا إذا وجد مقعدا عاليا يجلس عليه بحيث يراه الطلاب ويسمعونه، ومن طريق ما يروى أن أحد المستملين ارتقى نخلة وصار يملي منها. وكان على المستملي أن يعيد قراءة ما أملي في نهاية المجلس ويعد نسخة مكتوبة للدرس كله. إلا أن بعض الطلبة كانوا لا يحبون السماع إلا من الشيخ نفسه بدون واسطه رغم أن المستملي ينقل ما يسمع حرفيا وليس له أن يغير شيئا منه بل حتى ولا يصحح ما قد يقع من أغلاط.
أما الإجازة فهي السماح بنقل العلم إلى الآخرين. ولها ستة أشكال منها:
المناولة وذلك أن يعطي الشيخ كتبه أو بعضها لتلميذه أو لأحد العلماء مؤكدا لهم أنها بخط يده، ويخبره باسم الشيخ الذي أخذ ما فيها عنه وشكل إجازته له بها ويجيزهم بإعطائها للآخرين. وبعض العلماء يعدون المناولة كالسماع في القوة. وتوسع البعض فيها فيجيز الشيخ كتب مكتبته كلها. ومنها أن يجيز الشيخ جميع قراءته ومسموعاته للآخرين وهذا هو الشكل الثاني ولم يقبله بعض الشيوخ.
الشكل الثالث هو أن يرسل أحاديث معينه أو أجزاء من كتب الحديث المكتوبة ويجيزها لمن أرسلت إليه. والشكل الرابع هو إجازة شخص ما برواية الأحاديث الصحيحة في كتاب ما دون تحديد. وهذا النوع لقي أيضا بعض المعارضة، أما الشكل الخامس فهو أن يتقدم أحدهم بورقة مكتوب فيها حديث أو رأي ويسأل الشيخ عما إذا كانت هي له فإذا أيدها ذلك الشيخ أصبحت إجازة لصاحبها. والشكل السادس هو أن يصدر الشيخ إجازة لغيره برواية ما تلقاه هو بالإجازة.
وهناك نوع رابع من وسائل التدريس نشأ حوله بعض الخلاف يسمى "الوجادة" من وجد، وهو أن يتبنى الإنسان شيئا وجده أو قرأه في كتاب أو تعليق ولم يطلب الإجازة من كاتبه ولم يسمعه منه. وقد انتفع العلماء أو على الأقل بعضهم بهذا النوع من التدريس ولكنهم في الغالب اتهموا بالسرقة أو على الأقل اتهموا بأنهم يروون شيئا لم يجازوا بروايته. وكان التعليم يتم أيضا خلال الأسفار والرحلات ومواسم الحج. وقد أوعز الخليفة المهدي للإمام مالك بن أنس بروايته كتابه "الموطأ" أثناء موسم الحج ليتلقاه عنه علماء الأمصار.
стр. 109
مساكن الطلبة:
كانت هناك بيوت يستأجرها الطلبة الغرباء للإقامة فيها، كانت المساجد أكثر الأماكن ارتيادا منهم وكان بعض الأساتذة يدعون طلابهم الغرباء للإقامة معهم في بيوتهم حتى إن أحدهم وكان غنيا استضاف خمسين طالبا منهم. هذا بالإضافة إلى وجود الخانات والفنادق في المدن الكبرى حيث يحل عادة المسافرون الغرباء.
стр. 110
الجمع بين طلب العلم والتكسب:
يقول الزرنوجي: إن كان لا بد لطالب العلم من الكسب لنفقة عياله وغيرهم فليتكسب وليكرر وليذاكر ولا يكسل. وكان الناس في الزمان الأول يتعلمون الحرفة ثم يتعلمون العلم حتى لا يطمعوا في أموال الناس. وفي الحكمة من استغنى بمال الناس افتقر. والعالم إذا كان طماعا لا تبقى له حرمة علم ولا يقول بالحق. وقد كان الإمام أبو حنيفة يطلب العلم ويشتغل به في الوقت الذي كان فيه يبيع الثياب ليتكسب معاشه.
ويعيب الماوردي من شغلته المعيشة واكتساب الرزق عن التماس العلم ومع أنه يلتمس العذر له أكثر من غيره إلا أنه يقول إن الواجب عليه أن يصرف للعلم خظا من زمانه. فليس كل الزمان زمان اكتساب. ولا بد للمكتسب من أوقات استراحة وأيام عطلة. ومن صرف كل نفسه إلى الكسب حتى لم يدرك لها فراغا إلى غيره فهو من عبيد الدنيا وأسراء الحرص. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لكل شيء فترة -أي زمان سكون- فمن كانت فترته إلى العلم فقد نجا".
стр. 111
الدولة والتربية في الإسلام:
لفهم علاقة الدولة بالتربية في الإسلام ينبغي منذ البداية أن تذكر أن الإسلام دين ودولة. وهو بهذا يحتل مكانة متميزة بين الديانات السماوية الأخرى، كما أنه يتميز أيضا عن النظم الوضعية الدستورية والمدنية. ومنذ العصور الأولى للإسلام كانت السلطة الدينية والمدنية تتمثل في شخص واحد هو أمير المؤمنين فهو إمامهم وحاكمهم العادل، وعلى الرغم من التطور الذي حدث للإسلام فيما بعد فما زال حاكم المسلمين راعيا ومسئولا عن مصالحهم الدينية والدنيوية على السواء، ويتضح الدور الهام في الإسلام مما ذكره الحسن البصري لعمر بن عبد العزيز عندما طلب منه أن يصف له الإمام العادل فكتب إليه الحسن البصري يقول:
"اعلم يا أمير المؤمنين أن الله قد جعل الإمام العدل قوام كل مائل وقصد كل جائر وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف ونصفه كل مظلوم ومفزع كل ملهوف والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المرعى، ويذودها عن مراتع الهلكة. ويحميها من السباع يكنها من أذى الحر والقر. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده. يسعى لهم صغارا ويعلمهم كبارا، يكتسب لهم في حياته ويدخر لهم بعد مماته، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها حملته كرها ووضعته كرها وربته طفلا تسكن بسكونه ترضعه تارة وتفطمه أخرى وتفرح بعافيته وتهتم بشكايته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين موصي اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم ويمون كبيرهم. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده. والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله، ويسمعهم وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال وشرد العيال، فأفقر أهله وفرق ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزع بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من
стр. 112
يليها، وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم. واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده من الفزع الأكبر. واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحباؤك، ويسلمونك في قعرة فريدا وحيدا، فتزود له بما يصحبك ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ واذكر يا أمير المؤمنين إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور، فالأسرار ظاهرة والكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها، فالآن يا أمير المؤمنين وأنك في مهل، وقبل حلول الأجل وانقطاع الأمل لا تحكم يا أمير المؤمنين بحكم الجاهلين. ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة. فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك. ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك ويأكلون الطيبات في دنياهم بذهاب طيباتك في آخرتك. لا تنظر إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غدا، وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقف بين يدي الله في مجمع الملائكة والنبيين والمرسلين ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ . وإني يا أمير المؤمنين، وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النهى من قبلي لم آل من شفقة نصحا، فأنزل كتابي عليك كمداوي حبيبه بسقية الأدوية الكريهة لما يرجو له من العافية والصحة والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته". وهكذا يتضح الدور الهام الذي يلعبه حاكم المسلمين في تصريف شئونهم والرعاية على مصالحهم. ومنه بالطبع ما يتعلق بالتربية والتعليم وغيرها من أمور العباد. فولاة أمور المسلمين رعاة على أمورهم وهم مسئولون عن رعيتهم في تصريف أمور دينهم ودنياهم وحياتهم على السواء ويعتبر فقهاء المسلمين أن أوجب حقوق الأمة على الخليفة "نشر العلوم والشريعة وتعظيم العلم وأهله ورفع مناره ومحله ومخالطة العلماء والأعلام النصحاء لدين الإسلام ومشاورتهم في موارد الأحكام ومصادر النقض والإبرام". وهذا يعني أن على الدولة في الإسلام مسئولية تعليم أبناء المسلمين. وكانت الدولة في صدر الإسلام بالفعل تخصص نفقات لدور العلم وإن كانت هذه النفقات في صدر الإسلام قليلة وذلك يرجع إلى زهد القائمين بالتعليم واعتبار ما يقومون به واجبا
стр. 113
دينيا. فقد لعن الإسلام من يخفي علمه على الناس كما أنهم اكتفوا بما كانوا يصيبونه من الفيء والصدقة. وكان الخلفاء يقدمون مساعدات مالية للعلماء والزهاد الذين حبسوا أنفسهم في المساجد للعبادة. وقد أثر عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى والي حمص: انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا فأعط كل رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ما هم عليه من بيت المال حتى يأتيك كتابي هذا فإن خير الخير أعجله والسلام "حسن إبراهيم: ط١ ص٥٢٣". ومن المعروف أن عمر بن الخطاب أمر ببناء بيوت المكاتب ونصب الرجال لتعليم الصبيان وتأديبهم.
وقد نشأت المدارس مرتبظة بالحكم من ناحية وبهدف الترويج لمذهب ديني معين من ناحية أخرى، ولعل من الأمور المتميزة في علاقة الدولة بالتربية في الإسلام أن الخلفاء والحكام أنفسهم كانوا يهتمون بالعلم والثقافة ويسعون إليها. وكان منهم العلماء والشعراء والأدباء وكانوا يجعلون من قصورهم منتدى للفكر والثقافة والأدب يجتمع فيها العلماء والآدباء. وكانت تعقد المناظرات العلمية والأدبية بين هؤلاء العلماء والأدباء كما كان يلقى بها الدروس أيضا، ومن أشهر المجالس العلمية والأدبية ما كان يعقده الخلفاء الأمويون والعباسيون من أمثال هارون الرشيد وولده المأمون وسنوا بذلك تقليدا تبعه من جاء بعدهم من الحكام والأمراء الذين كانوا يبعثون في استقدام مشاهير العلماء والأدباء إلى قصورهم.
وإلى جانب هارون الرشيد والمأمون كان هناك خلفاء آخرون كثيرون اهتموا بالعلم والتعليم، منهم نظام الملك الذي كان أول من أنشأ المدراس في الإسلام ونور الدين زنكي والحاكم بأمر الله وصلاح الدين الأيوبي. وفي الأندلس البعيدة كان الحاكم المستنصر صاحب المكتبة المعروفة في قصره بقرطبة والذي يصفه المقري بأنه كان غزير العلم واسع الإطلاع ذا معرفة بالأخبار والأنساب.
وقد ارتبطت علاقة الدولة بالتربية باعتبارها أن الإسلام دين ودولة. إلا أن هذه العلاقة كانت مرهونة باحتياجات نشر الدين الجديد وتثبيته. فالنبي ﷺ ترك معاذ بن جبل في مكة بعد فتحها ليعلم المسلمين مبادئ الدين الإسلامي وعمر أرسل بعض الصحابة إلى الأمصار الإسلامية لنشر مبادئ الدين الجديد وتعليمها.
стр. 114
وكانت الدولة هي التي تنشئ المساجد وتساعد العلماء القائمين بالتدريس فيها لكن بصورة منظمة، كما أن الدولة أيضا كانت تقوم ببناء المكتبات والرباطات، وكلها كانت تقوم بخدمات تثقيفية وتعليمية، وقد أصبح للدولة دور رئيسي في التربية مع حركة إنشاء المدارس، فالدولة هي التي قامت بإنشاء هذه المدارس للدعاية لمذهبها وهي التي كانت تنفق على أجور المعلمين ونفقات الطلاب ومعيشتهم. وكان يخصص لهذه المدارس مميزات سنوية، وقد ورد أن نظام الملك كان ينفق على التعليم ٦٠٠ ألف دينار سنويا كما كان للمدارس أوقاف تدر عليها أموالا سنوية، وظلت علاقة الدولة بالتربية تتدعم على مر الأيام إلى أن أصبحت الدولة الآن في البلاد الإسلامية هي التي تتولى شئون التعليم بكل أنواعه بل يمتد سلطانها أيضا إلى ميدان التعليم الجامعي. وهكذا يتأكذ ما يقوله جمال الدين الأفغاني وهو أحد زعماء الإصلاح في العصر الحديث إن الإسلام أوجب على الدولة تعليم أبنائها وتنوير عقولهم بالمعارف والعلوم.
стр. 115
أهل الحسبة ورعاية المصالح العامة والتعليم:
الحسبة كما يقول ابن خلدون هي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين يعين لذلك من يراه أهله. ويحدد ابن خلدون الوظائف التي تقوم بها أهل الحسبة فيما يأتي:
١- البحث عن المنكرات وتعزيز وتأديب من يرتكبها.
٢- حمل الناس على المصالح العامة في المدينة مثل منع المضايفة في الطرقات ومنع الحمالين من الإكثار في الحمل.
٣- الحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة.
٤- الضرب على أيدي المعلمين في المكاتب وغيرهم لمبالغتهم في ضرب الصبيان المتعلمين.
٥- الحكم في دعاوي الغش والتدليس في المعايش والمكايل والموازين.
٦- حمل المماطلين على الإنصاف والوفاء بالتزاماتهم.
وهكذا نجد أن وظيفة الحسبة متعلقة بالعدل والقضاء فيما يتعلق بالمصالح العامة للمسلمين ومنها "التعليم".
стр. 116
وجوب التعليم:
تعتبر كلمة "إلزامية التعليم" من الكلمات الحديثة التي برزت في الفكر التربوي نتيجة لغلبة المؤسسات الديمقراطية وظهور مفاهيم العدالة والرفاهية الاجتماعية. كما تأكدت بشكل واضح على المستوى العالمي في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. وقد استخدم علماء المسلمين كلمة وجوب تعليم الصبيان واعتبروا أن من حق الصبي على والده أن يعلمه. واستشهدوا في ذلك بما ورد عن النبي ﷺ : "ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن" وقوله ﷺ : "رحم الله عبدا أعان ولده على بره بالإحسان إليه والتآلف له وتعليمه وتأديبه". وقوله ﷺ : "لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق في كل يوم بنصف صاع على المساكين".
ويعتبر القابسي أول من نادى بوجوب التعليم جميع الصبيان بصرف النظر عن حالتهم المالية، واعتبر تعليمهم ضروريا وواجبا شرعيا. ويرى رفاعة الطهطاوي ضرورة تعميم التربية وشمولها لجميع أبناء الأمة ذكورا وإناثا على السواء وفي ذلك يقول: "وبالجملة فتربية أولاد الملة وصبيان الأمة وأطفال المملكة ذكورا وإناثا من أوجب الواجبات".
стр. 117
التعليم في الإسلام فرض وابج وليس مجرد حق
...
التعليم في الإسلام فرض واجب وليس مجرد حق:
لقد ذهب الإسلام إلى أبعد مما نصت عليه دساتير الدول والمواثيق الدولية وميثاق حقوق الإنسان الذي اعتبر التعليم حقا لكل فرد تكفله له الدولة وتوفره. والإسلام يعتبر التعليم ليس مجرد حق وإنما هو فرض واجب وفرض عين على كل مسلم ومسلمة. والفرق كبير لأن كون التعليم حقا يعني أن يناله الإنسان أو لا يناله. فما أكثر الحقوق الضائعة. بل إنه إذا ناله الإنسان فإنه قد يعمل في سبيل تحصيله أو لا يعمل. وأما كونه واجبا وفرض عين فهذا يعني المسئولية الكاملة لكل من الدولة والفرد. فعلى الدولة أن توفره لأبنائها وعلى الفرد أن يعمل من أجل تحصيله والاستفادة منه. يضاف إلى ذلك أن الدولة لو قصرت أو
стр. 118
تقاعست في تقديم التعليم وتوفيره لأبنائها فعلى المسلمين المقتدرين إنشاء المدارس والإنفاق عليها وإيقاف بعض أموالهم لهذا الغرض. كما أن على الفرد المسلم أن يسعى بكل طاقته في تعليم نفسه بالجهد الذاتي وبكل الطرق الممكنة له. قال الشاعر:
ولما رأيت سواد قو ... مي في دجى ليل بهيم
يسقون من أمية ... هي غصة الوطن الكظيم
أيقنت أن الجهل علة ... كل مجتمع سقيم
وروى عن عمر بن الخطاب إنشاده:
تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
وقال الشاعر:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النسب
إن الغني من يقول ها أنذا ... ليس الغني من يقول كان أبي
وقد ميز علماء المسلمين بين تعليم فرض العين وهو على كل مسلم وتعليم فرض الكفاية وهو على مجموعات من الناس دون غيرهم. وتعليم فرض العين هو التعليم الواجب على الدولة أن توفره لأبنائها كما أنه من الواجب على هؤلاء الأبناء أن يتعلموا وأن يستفيدوا من التعليم الذي يقدم لهم وأن يحرصوا على تعليمه ولا يتهاونوا فيه وإلا كانوا مقصرين في أداء فرائض الواجب. ومن مسئولية الآباء التأكد من أن أبناءهم يتلقون هذ التعليم. وهذا النوع من التعليم يعرف الآن في أنظمتنا التعليمية العربية والإسلامية وغيرها بالتعليم العام. وهو يتاح لكل فرد في سن التعليم تقدمه الدولة بالمجان وتضع له الشروط والأنظمة أما تعليم فرض الكفاية فهو تعليم لا يطالب به كل مسلم وإنما تقوم به مجموعة
стр. 119
قادرة لتكفي المسلمين حاجتهم إلى المهن والصنائع والحرف المختلفة. وهذا النوع من التعليم هو للقادرين عليه والمهيئين له عملا بما ورد في الأثر "كل مهيأ لما خلق له" ويتساوى حظ المرأة مع حظ الرجل في تعليم فرض العين وفرض الكفاية لأنها تتساوى معه في التكاليف الشرعية وفي موازين الحساب يوم القيامة.
وهكذا نرى أن الإسلام قد سن مبدأ إلزامية التعليم ووجوبه على كل مسلم بل جعله فرضا وفريضة. كما سن مبدأ مجانية التعليم العام وقيام الدولة بتوفيره. ومن المعروف أن المدارس ومعاهد التعليم الإسلامية في العصور المختلفة كانت بالمجان وكان الطلاب يمنحون المسكن والإقامة والإعانة المالية وتوفير الكتب والغذاء لهم. وبهذا يكون الإسلام سابقا بقرون عديدة كل ما جاء على البشرية من أنظمة تعليمية عصرية ومتقدمة في النظرية التربوية أو تطبيقاتها.
стр. 120
الفصل الثالث: فلسفة التربية الإسلامية
أولا: الإسلام والكون "مدخل أطولوجي "
خالق الكون
...
الفصل الثالث: فلسفة التربية الإسلامية
سنتناول الكلام في هذا الفصل عن فلسفة التربية الإسلامية حسب الطريقة المنهجية المتعارف عليها لدراسة الفلسفة بجوانبها الثلاثة: الجانب الأنظولوجي أو الغيبيات. والجانب المعرفي أو الأبستمولوجي والجانب الأخلاقي أو الأكسيولوجي. وسنتناول كل جانب من هذه الجوانب في السطور الآتية:
أولا: الإسلام والكون "مدخل أنطولوجي"
سنتناول الكلام عن الإسلام والكون تحت عناوين فرعية نبدؤها أولا بالحديث عن خالق هذا الكون وهو الله الذي تجلت قدرته في بديع صنعه.
خالق الكون:
هو الله . والقرآن الكريم حافل بالآيات الدالة على ذلك. منها على سبيل المثال: قال تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤] . ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] . و ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] . و ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] .
صفاته:
إن كلمة الله أو لفظ الجلالة من الناحية اللغوية غير مشتق من أصل آخر ولا يسمى به إلا الله : إنه الاسم الذي تفرد به وأختص لنفسه. بقول الشاعر العربي:
يا ذا الذي قد دنا بالبحث والطلب ... عن سر معنى سما عن رتبة النسب
اقبل نصيحة من قال معترفا ... لا تجعلن إلى التشبيه عن سبب
لاسم الإله الذي قد حل منفردا ... عن اشتقاق من اسم لذي أرب
قد ارتضاه له اسما ونزهه ... بالذكر عن خلف في سائر الكتب
стр. 121
واختصه باسمه في ذاته فأتى ... من بينها سائر الأسماء بالعجب
منها الثناء الذي قد عم مشتملا ... شكرا على نعم والذكر في الخطب
فاعلن به أبدا وأحذره عن خلف ... إن كنت ذا همم أو كنت ذا أدب
وفي كل الديانات السماوية هناك إله واحد هو رب العالمين. وهو فرد صمد لم يلد ولم يولد. ذلك أن التوحيد هو لب العقائد الدينية. وعندما تتعدد الآلهة في الديانات غير السماوية، فهذا يكون شركا بالله وإساءة لاستعمال اللغة. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ .
وقد وصف الله نفسه بصفات كثيرة منها: الحي. القيوم. البصير. العليم. القدير. وفي تفسير هذه الصفات يقول علماء المسلمين إنها صفات تختص بالله وحده دون سواه. وتختلف عما يقصد بها بالنسبة للإنسان خليفته في الأرض. فالله سميع لا كسمعنا، وبصير لا كبصرنا، وهكذا للصفات الأخرى. والواقع أن علماء المسلمين يتحرجون من تصور صفات الله أو حياته على مثال حياة البشر. ولعل هذا التحرج هو الذي حدا بابن حزم العالم الأندلسي المسلم إلى التردد في نسبة الحياة إلى الله. فقال في براعة لبقة: "إن الله ينبغي أن يسمى حيا لا لأنه حي بحياة كحياة البشر، بل لأن القرآن وصفه بالحياة ... ولولا النص الوارد بتسميته تعالى بأنه حي قيوم وقدير عليم، ما اسميناه بشيء من ذلك". "محمد إقبال: ٧١ نقلا عن ابن حزم: الفصل والنحل: ج٢ ص١٥٨، ١١٨". ويعلق محمد إقبال على ذلك بقوله: "ولا بد أن يكون ابن حزم قد أحس بأنه لا يمكن إثبات الكمال للذات الإلهية إلا بنفي الحياة عنها". "محمد إقبال: ٧١".
стр. 122
البرهنة على وجوده:
اهتدى علماء المسلمين للبرهنة على وجود الله ووحدانيته بالأدلة النقلية والعقلية. ومن غير المسلمين نجد أن الفيلسوف الفرنسي ديكارت "١٥٩٦-١٦٥٠" يقول بأن الإنسان يصل إلى معرفة الله بواسطة نور العقل الطبيعي.
وهو ما ذهب إليه بعض المسلمين أيضا. ولكن فلاسفة آخرين منهم "كانط: ١٧٢٤-١٨٠٤" يرى أن العقل لا يستطيع أن يدرك حقيقة المعبود الأعلى لأن العقل لا يستطيع أن يتجاوز عالم الماديات والأشياء. وهو يرى أنه من غير المعقول أن ندعي معرفتنا بشيء ليس موضوعا لتجربة ممكنة. ولما كان المعبود الأعلى ليس موضوعا لتجربة ممكنة فلا يحق للعقل أن يدعي معرفته. وهو يرى أن وجود الله أمر تفرضه ميتافيزيقا الأخلاق. "نازلي إسماعيل حسين. ص١٥٨".
ويقول العارف بالله الإمام عبد الحليم محمود: "وإذا كان هناك حديث في مسألة الاستدلال فإنه لا يكون بشأن الألوهية لأنها فطرية، وإنما يكون بشأن النبوة. ومن أجل ذلك يقول ابن عطاء الله السكندري هذه الكلمات النفيسة في وجه كل من تحدثه نفسه بمحاولة الاستدلال على وجود الله تعالى: "إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟. متى غبت حتى تحتاج إلى دليل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار التي توصل إليك؟ " "عبد الحليم محمود: ١٢٧-١٢٧٨".
وإلى جانب الاستدلال الفطري أو البديهي على وجود الله، يتعرض الدكتور عبد الحليم محمود لقضية إثبات وجود الله بطريق العقل المحض من خلال قصة "حي بن يقظان" لابن طفيل. وقد تحرى في كتابة هذه القصة أربعة أهداف هي: "المرجع السابق: ١٣٣-١٣٧".
١- هل يصل الإنسان بعقله إلى إثبات وجود الله تعالى وإلى رسم طريق للسلوك يرضى عنه الله ؟
٢- هل يصل الإنسان روحيا إلى القرب من الله تعالى وإلى المعرفة عن طريق مباشر؟ أو بتعبير آخر. هل طريق الرياضة الروحية موصل إلى ذلك؟
٣- هل يلتقي الطريق العقلي والطريق الروحي في انسجام لا اختلاف فيه.
٤- هل يلتقي ذلك كله بمبادئ الوحي أو بالطريق الديني في تناغم ووحدة وائتلاف؟
стр. 123
ومن أجل الإجابة على هذه الأسئلة كتب ابن طفيل قصته المشار إليها وهي قصة خيالية عقلية لطيفة يعرضها لنا الأستاذ عبد الحليم محمود في السطور الآتية:
إنها قصة طفل نشأ في جزيرة منذ طفولته الأولى وأخذ ابن طفيل يتدرج معه في تطوره الجسمي إلى أن اكتمل جسميا وأخذ يتدرج معه في تطوره العقلي من فكرة إلى فكرة، ومن مبدأ إلى مبدأ حتى وصل الفتى إلى إثبات وجود الله بطريق العقل المحض ... ثم بدأ فتانا يفكر فرأى أن كل موجود يمكن الاتصال به على وضع يليق به، فأخذ يفكر في كيفية الاتصال.. ونحن نحب أن ندع ابن طفيل نفسه يتكلم: إنه يرى أن هناك رتبة من المعرفة ينتهي إليها بطريق العلم النظري، والبحث الفكري، وهذه الرتبة تعتبر طورا من أطوار "حي بن يقظان". وبعد أن شب وترعرع وبلغ دور التمييز، وانتهى إلى مرحلة التعقل، والاستدلال، والبرهان، أدرك بطريق النظر حقيقة الجسم، وأنه منتاه، وأدرك أبدية العالم، وحصلت عنه فكرة نظرية عما وراء الطبيعة، واستقام له الحق بطريق البحث والنظر. فلما انتهى من هذه المرحلة بدأ في المرحلة الثانية: مرحلة الوصول إلى الحكمة بطريق الرياضية الروحية. وكان مما يقوم به من هذا الارتياض أنه كان يلازم الفكرة في الوجود الواجب الوجود. ثم يقطع علائق المحسوسات، ويغمض عينيه ويسد أذنيه، ويضرب جهده عن تتبع الخيال، ويروم بمبلغ طاقته ... ألا يفكر في شيء سواه، ولا يشرك به أحدا. ويستعين على ذلك بالاستدارة على نفسه، وبالاستحثاث فيها، فكان إذا اشتد في الاستدارة غابت عنه جميع المحسوسات، وضعف الخيال، وسائر القوي التي تحتاج إلى الآلات الجسمانية، وقوي فعل ذاته، التي هي برئية من الجسم. وكانت فكرته في بعض الأوقات قد تخلصت من الشوب، ويشاهد به الموجود. والواجب الوجود. ثم تكر عليه القوى الجسمانية فتفسد عليه حاله، وترده إلى أسفل السافلين، فيعود من ذي قبل فإن لحقه ضعف يقطع به عن غرضه، تناول بعض الأغذية بحسب شرائط معينة، ثم انتقل إلى شأنه. ثم رأى أن الحركة من أخص صفات الأجسام، وكان يريد طرح الأوصاف الجسمية عن ذاته، فأخذ يقتصر على السكون في مغارته مطرقا، غاضا بصره، معرضا عن جميع
стр. 124
المحسوسات، والقوى الجسمانية، فتجتمع الفكرة في الموجود، الواجب الوجود وحده دون شركه. فمتى سنح لخياله سانح سواه، طرده عن خياله جهده. ودافعه وراض نفسه على ذلك، وذهب فيه مدة طويلة، بحيث تمر عليه عدة ايام لا يتغذى فيها ولا يتحرك.
وفي خلال شدة مجاهدته هذه، وربما كانت تغيب عن ذكره وفكره جميعا الأشياء إلا ذاته، فإنها كانت لا تغيب عنه في وقت استغراقه بمشاهدة الموجود الأول الحق، الواجب الوجود. فكان يسوءه ذلك، ويسلم أنه شوب في المشاهدة المحضة، وشركه في الملاحظة.
وما زال يطلب الفناء عن نفسه والإخلاص في مشاهدة الحق، حتى تأتي له ذلك وغابت عن ذكره وفكره السماوات والأرض وما بينهما، وجميع الصور الروحانية، والقوى المفارقة للمواد، والتي هي الذوات العارفة بالموجود الحق، وغابت ذاته في جملة تلك الذوات، وتلاشى الكل، واضمحل، وصار هباء منثورا، ولم يبق إلا الواحد الحق، الموجود الثابت الوجود، وهو يقول بقوله، الذي ليس معنى زائدا على ذاته: "ولمن الملك اليوم، الله الواحد القهار". ففهم كلامه، وسمع نداءه، ولم يمنعه عن فهمه كونه لا يعرف الكلام ولا يتكلم واستغرق في حالته هذه، وشاهد ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
وبعد أن وصل إلى الله بطريق العقل وبطريقة الرياضة الروحية، تأمل في ثمرة الطريقين فوجد أن نتيجتها واحدة، وأنهما لا تختلفان إلا في درجة الوضوح، وأبان عن ذلك، وبذلك يكون قد وصل إلى الإجابة عن السؤال الثالث وأتاحت المصادفة للشيخ -حي بن يقظان- أن يلتقي برجل يدين بدين منزل صحيح وتفاهم معه في كل ما وصل إليه عقله، وما وصل إليه قلبه، فوجد التطابق التام. ووصل ابن طفيل برسالته اللطيفة الحجم إلى كل ما كان يرجو أن يصل فيه إلى جواب صحيح يرضي العقل ويرضي الدين. وكانت آمال وأماني فلاسفة الإسلام الوصول -عن طريق المحاولات العقلية المستمرة- إلى التوفيق بين الدين والفلسفة.
стр. 125
وكان كل ما وصل إليه ابن طفيل عن طريق هذه الرياضة منسجما تماما -فيم يزعم- وما وصل إليه عن طريق العقل. ويستطرد الأستاذ عبد الحليم محمود فيقول: "وابن طفيل في هذا يسير على نمط سار فيه ابن سينا من قبله، وهذا التوافق بينهما بالغ الأهمية: إنهما من كبار المفكرين، ويكاد فكرهما يكون متطابقا تماما في أن العقل الإنساني يصل إلى الله بالدليل والبرهان، وفي أن القلب الإنساني يصل إلى الله بالرياضة الروحية: العبادة، صلاة وصياما وذكرا. ولقد أثبت ابن سينا وجود الله بالفعل. ودليله المرتكز على "الإمكان والوجود" معروف مشهور.. أما جانب الرياضة الروحية فيقول عنها ابن سينا في كتابه الذي كان يعتز به كثيرا. والذي ألفه في أواخر حياته وهو كتاب الإشارات".
والواقع أن التفكير في ذات الله من المباحث الفلسفية والفكرية العالية التي يختص بها كبار المفكرين وعلماء المسلمين، ولا يجوز لغيرهم الخوص أو الدخول فيها. بل إن الإسلام نهانا عن التفكير في ذاته حتى لا نضل وننحرف وأمرنا بدلا من ذلك أن نفكر في خلقه وبديع صنعه، فهذا أدعى إلى تثبيت إيماننا به.
стр. 126
الفرق بين التصديق والإيمان:
هناك فرق بين التصديق والإيمان. فالتصديق يعني عدم الرفض أو عدم الشك في موضوع التصديق، وتقبله بدون تفكير أو مناقشة. فأنت قد تصدق خبرا سمعته لأنه صادف هوى في نفسك. وقد تقف موقف التردد عندما تسمع إشاعة مغرضة، أما الإيمان فهو أعلى من التصديق لأنه يأتي عن قناعة، ولا بد أن يرتبط بالعمل. ولذلك عندما سئل النبي ﷺ عن الإيمان أجاب بأنه "ما وقر في القلب وصدقه العمل" والمسلم القوي، قوي بإيمانه، وهو خير من المسلم الضعيف. ويقول حجة الإسلام الإمام الغزالي إن العلم طريق الإيمان بالله. وهو يقسم الإيمان إلى ثلاثة مراتب:
أ- إيمان العوام الذين يصدقون ما يسمعون ومثلهم مثل من قيل لهم فلان بالدار فصدقوا.
ب- إيمان العلماء وهو مبني على الاستنباط ومثلهم مثل من سمعوا ورأوا ما يدل على أن فلانا بالدار فصدقوا.
ج- يقين العارفين الذين يشهدون الحق دون حجاب ومثلهم مثل من دخلوا الدار ورأوا بأعينهم وهو الأنبياء والرسل ومن في مرتبتهم.
стр. 127
خلق السموات والأرض
...
خلق السماوات والأرض:
اختلف المفسرون قديما وحديثا في فهمهم لمسألة خلق السماوات والأرض. فمنهم من قال بأن خلق الأرض كان قبل خلق السماء. ومنهم من قال بعكس ذلك أي أن خلق السماء كان قبل خلق الأرض. ومنهم من قال بأنهما خلقتا معا. وفي ذلك يقول ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ . إن السماوات والأرض كانتا شيئا واحدا وفصل الله بينهما بالهواء. ويعلق الدكتور محفوظ علي عزام في كتابه عن "نظرية التطور عند مفكري الإسلام" بأن هذه الحقيقة القرآنية عجيبة كبرى يؤيد القرآن بها العلم الحديث في قوله بأن الكون كله كان شيئا منبثا واحدا قبل أن توجد فيه أرض أو نجم أو سديم "ص٦٠". وقد أجمع علماء الإسلام قاطبة على أن الله قد خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام. كما دل على ذلك القرآن الكريم والسنة المطهرة. قال تعالى في سورة "ق": ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ . وهنا ينبغي أن نشير إلى أن المتأمل في آيات الخلق في القرآن الكريم عليه أن يتذكر أن أيام خلق الكون ليست كالأيام عند الناس، وأن يختار لكل منهما عند تخصيصها معنى يتناسب مع الحقيقة التي قام عليها البرهان عند أهلها من العلماء. فاليوم قد يعني اليوم العادي مثل يوم الجمعة و"يوم بدر" و"يوم حنين". وقد يطلق على الحقيقة من الزمن يتجاوز طولها كل ما يمكن أن يخطر ببال إنسان كما في قوله تعالى في سورة "المعارج": ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ . وقوله في سورة "الحج": ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ . وقوله في سورة "السجدة": ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ . ويلخص لنا أحد الباحثين المسلمين خلق العالم في النقاط الخمس الآتية: "محفوظ على عزام: ٦٤"
١- وجود ست مراحل للخلق عموما.
٢- تداخل مراحل خلق السماوات مع مراحل خلق الأرض.
٣- خلق الكون ابتداء من كومة أولية فريدة كانت تشكل كتلة متماسكة.
٤- تعدد السماوات وتعدد الكواكب التي تشبه الأرض.
٥- وجود خلق وسيط بين السماوات والأرض.
стр. 128
حقيقة الكون:
انقسم الفلاسفة غير المسلمين في نظرتهم إلى حقيقة الكون وجوهره. فقال بعض الفلاسفة بأن طبيعة الكون مادية، وآخرون قالوا بأن طبيعته روحية. ومجموعة ثالثة قالوا بأنها روحية مادية. وهذا هو منشأ الفلسفة الثنائية. وهؤلاء الثنائيون انقسموا فيما بينهم حسب تغليبهم لأي من الجانبين على الجانب الآخر. فبعضهم مهتم بالجانب الروحي أكثر من المادي وهم المثاليون، فهم يرون أن الروح هي الأصل أو الجوهر والمادة مظهر لها. ويضعون الروح في مرتبة أرقى من المادة. ويعتبر رونية أوبير عن هدف التربية في ظل هذه الفلسفة فيقول: "رونية أوبير: ص٢٦٨". بأن هدف التربية أن تقود الإنسان إلى جوهره المثال.
أما الفلسفة الواقعية فهي تقوم على أساس أن الواقع المادي هو أساس هذا الكون. وهي تؤمن بالروح والمادة معا إلا أنها تعطي الجانب المادي والحسي في حياة الإنسان أهمية على الجانب الروحي. وتهتم التربية في ظل هذه الفلسفة بالواقع المادي والطبيعي والاجتماعي إلى جانب الإيمان بوجود الله ووجود الروح.
أما الفلسفة التكاملية فتقوم على تكامل النظرة إلى كل من المادة والروح ولكليهما نفس الأهمية في ظل هذه الفلسفة "ص٤٦" يقول: "إننا نعيش جميعا في عالمين: عالم مادي وعالم روحي، وهذا العالم الروحي هو عالم القيم. ولو أننا ضحينا به في مذبح العلوم أو الاقتصاديات لكان في ذلك هلاكنا".
وهدف التربية في نظر هذ الفلسفة هو النمو المتكامل للشخصية الإنسانية، وقد رض هذا الاتجاه نفسه على الفكر التربوي في العصر الحديث ونادى به كثير من المربين وأصحاب النظريات التربوية في الغرب.
стр. 129
نظرة الإسلام للكون:
يقوم الفكر الإسلامي على تكامل النظر إلى كل من المادة والروح باعتبارها مظهرين متكاملين للكون والحياة، وهناك عدة نقاط رئيسية ينبغي أن نبرزها في نظرة الإسلام للكون هي:
١- أن هذا الكون من بديع صنع الله ، فالله هو خالق كل مظاهر الحياة في هذا الكون وما فيه من ثروات وأجناس من الطير والحيوان والنبات. ومن الآيات القرآنية الكثيرة الدالة على ذلك نستشهد بما يأتي: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ . ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ , ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ .
٢- أن خالق الكون هو الله إله واحد منزه على كل الصفات المادية والبشرية غير محدود بزمان ومكان لا تدركه العقول ولا الأبصار، سرمدي أبدي لا يتغير ولا يتبدل لا شريك له ولا مثيل له. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . لم يلد ولم يولد واحد أحد، فرد صمد، فعال لما يريد بحكمته وعلمه، ، وله المثل الأعلى في الحق والخير والجمال.
٣- أن هذا الكون لم يخلق عبثا ولا لهوا وإنما لحكمة إلهية ربانية، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ، وهو يسير وفق قوانين لا تخطئ ونظام محكم يدل على عظمته . قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
стр. 130
وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .
وهو بالغ الإحكام والإتقان ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ . كما أنه مليء بمظاهر الجمال والزينة. قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ . وقد ورد في كتاب "الله يتجلى في عصر العلم" الذي ألفه مجموعة من العلماء الغربيين قول أحد العلماء: "أينما اتجهت ببصري في دنيا العلوم رأيت الأدلة على التصميم والإبداع والقانون والنظام على وجود الخالق الأعلى".
٤- أن هذا الون ليس ثابتا جامدا وإنما هو متحرك متغير وقابل للزيادة. قال تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ وقال : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ . و ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ .
٥- أن الكون محدث وليس قديما فالله هو الذي خلق هذا الكون بكل ما فيه قانون المادة يقول: "بإن المادة لا تفنى ولا تستحدث" بمعنى أن المادة المكونة لهذا الكون في عناصرها المختلفة تأخذ أشكالا مختلفة ودورات متعاقبة تعود بعدها إلى ما كانت عليه. بمعنى أن الأوكسجين والآيدروجين مثلا عنصران منفصلان فإذا اتحدا بنسبة معينة كونا الماء والماء كما يقول القرآن: يخرج منه كل شيء حي قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أهذا الحي لا بد أن يكون لعمره نهاية عندها يموت ويفنى ويتحلل مرة أخرى إلى العناصر الأصلية ومنها الأوكسجين والآيدروجين اللذان يعودان بدورهما إلى الاتحاد ويكونان الماء وهكذا، ويمكننا أن نضرب أمثلة كثيرة على ذلك منها المادة التي تحرق سواء كانت ورقا أو خشبا أو غير ذلك باحتراقها تتحلل إلى عناصرها الأولية كالكربون وغيره مثلا وهذه العناصر الأولية تعود بدورها إلى الاتحاد مع عناصر أخرى لتكون مادة حية من جديد
стр. 131
يكون مآلها الفناء والتفتت تعود بعدها العناصر الأولية الناتجة إلى دورتها الأولى وهكذا.
٦- أن الكون والطبيعة سلام وأمن للإنسان وليسا حربا عليه. وهذه النظرة على عكس ما تذهب إليه نظرية التطور التي قال بها لامارك وسبنسر وداروين من أن الإنسان يعيش في بيئة غير مطاوعة. وأن يد الطبيعة ملطخة بالدماء وأن البقاء للأصلح. فالطبيعة في نظر الإسلام هي دليل قدرة الخالق وعظمته ومنها يستمد الإنسان قوة لإيمانه بالله. وعليه أن يستخدم عقله وفكره وإمكانياته لمعرفتها والكشف عن قوانيها واستغلال خيراتها وكنوزها لمصلحته ومنفعته. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ .
٧- أن الله قد استخلف الإنسان في هذا الكون دون سائر خلقه لما حباه الله من تفضيل وتكريم عليهم وزوده بالعقل والتفكير الذي يمكنه من السيادة على الكون وتسخير ما فيه من قوى طبيعية وثروات وإمكانيات من أجل خدمته وراحته ومنفعته وتقدمه ورقيه. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ . قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ .
٨- أن هذا الكون ليس واديا للدموع كما تقول المسيحية وليس دارا للبلاء والعذاب والتكفير عن الذنب والخطيئة الكبرى لآدم، وإنما هو دار جعل الله لنا فيها متاعا ومستقرا إلى حين وعلى الإنسان أن يشكر الله عليه. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ ، ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ .
لقد لعن العقد القديم الأرض باعتبارها مستقر للعصاة والآثمين لأن آدم
стр. 132
نزل إليها بعد أن عصى ربه وقد جاء في سفر التكوين الإصحاح الثالث ١٧-١٩ ما نصه: "وقال: آدم لأنك سمعت لقول امرأتك وأكلت الشجرة التي أوصيتك قائلا لا تأكل منها ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك وشوكا وحسكا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها لأنك تراب وإلى تراب" ونقرأ في إنجيل لوقا الإصحاح ١٢: ٢٩-٣٤ قول عيسى ﵇ لتلاميذه: "فلا تطلبوا أنتم ما تأكلون وما تشربون ولا تقلقوا فإن هذه كلها تطلبها أمم العالم. وأما أنتم فأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه بل اطلبوا ملكوت الله وهذه كلها تزاد لكم ... بيعوا ما لكم وأعطوا صدقة. اعملوا لكم أكياسا لا تفنى وكنزا لا ينفد في السماوات". أما الإسلام فعلى العكس من ذلك لا يعتبر الأرض ساحة للعذاب سجنت فيها إنسانية شريرة إنما هي دار متاع واستمتاع للإنسان بحياته كاملا. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ . بيد أن الإسلام كما أشرنا في اهتمامه بالواقع الدنيوي للإنسان إلى ما هو أبعد من حياة الأرض القصيرة ليعده لحياة سعيدة أبدية في الآخرة يجد فيها كل النعيم وما لم يخطر على قلب بشر. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ .
إن على المسلم ألا يذم الدنيا. وقد ذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب ﵁ فقال علي: "الدنيا صدق لمن صدقها ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غني لمن تزود منها ومهبط وحي الله ومصلى ملائكته ومسجد أنبيائه ومتجر أوليائه ربحوا فيها الرحمة واكتسبوا فيها الجنة".
ويحكى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن الربيع بن زياد الحارثي شكا إليه عاصم بن زياد لأنه لبس العباءة وترك الملاءة وغم أهله وأحزن ولده. فأرسل علي ﵁ في طلب عاصم فلما جاء عبس في وجهه وقال: "ويلك يا عاصم أترى الله أباح لك اللذات وهو يكره أخذك منها؟ لأنت أهون على الله من ذلك ... أو ما سمعته يقول: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ . والله إن ابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال. وقد سمعته يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ... وإن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ .
стр. 133
الأنبياء وكتب الشرائع:
يتحدث ابن النديم في كتابه الفهرسب عن الأنبياء وكتب الشرائع فيقول جميع الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي. منهم المرسلون بالوحي شفاها وهم ثلاثمائة وخمسة وعشر نبيا. وجميع ما أنزل الله تعالى من الكتب مائة وأربعة كتب. من ذلك صحيفة أنزلها الله تعالى فيما بين آدم وموسى. فأول كتاب منها أنزله جل اسمه صحف آدم ﵇ وهي إحدى وعشرون صحيفة. والكتاب الثاني أنزله الله على "شيث" ﵇ وهو تسع وعشرون صحيفة. والكتاب الثالث الذي أنزله الله على "أخنوخ" وهو إدريس ﵇ وهو ثلاثون صحيفة. والكتاب الرابع أنزل جل اسمه على إبراهيم ﵇ وهو عشر صحائف. والكتاب الخامس على "موسى" وهو عشر صحائف. فذلك خمسة كتب في مائة صحيفة. ثم أنزل الله ﵎ "التوراة" على موسى ﵇. بعد الصحف بزمان، في عشرة ألواح. فلما نزل موسى من الجبل ووجد أصحابه قد عبدوا العجل، رمى بها فانكسرت. ثم ندم فسأل الله أن يردها عليه. فأوصى الله جل اسمه أني أردها في لوحين. وفعل الله له ذلك. فأخذ اللوحين: "لوح الميثاق" والآخر "لوح الشهادة". ثم أنزل الله على داود "المزامير" هو الزبور الذي في أيدي اليهود والنصارى. وهو مائة وخمسون مزمورا. أنزل الله جل اسمه على موسى التوراة وهي خمسة أخماس. وينقسم كل خمس إلى سفرين. وينقسم السفر إلى عدة "فراسات" ومعناها السورة. وتنقسم كل فراسة إلى عدة "أبسوقات" ومعناها الآيات. ولموسى كتاب يقال له "المشنا" ومنه يستخرج اليهود علم الفقه والشرائع والأحكام. وهو كتاب كبير ولغته "كسداني" و"عبراني" ومن كتب الأنبياء
стр. 134
بعد ذلك: كتاب يهوسع، وكتاب سفطي، وكتاب شمويل، وكتاب سفر أشعيا، وكتب سفر أرميا، وكتاب سفر حزقيل، وكتاب ملخي، وهو سفر داود وأصحابه ويعرف بتفسير ملخي الملوك من كتاب النصارى التي خرجت إلى اللسان العربي كتاب الصورة. وينقسم إلى قسمين الصورة العتيقة والصورة الحديثة. أي العهد القديم والعهد الجديد. فالعتيقة هي السند القديم على مذهب اليهود، والحديثة على عهد مذهب النصارى. والصورة العتيقة "العهد القديم" تستند على عدة كتب. أولها كتاب التوراة وهي خمسة أسفار، وكتاب محتوى ويحتوى على عدة كتب منها: كتاب يوشع بن نون، وكتاب الأسباط، وهو كتاب القضاة، وكتب شماويل وقضية داود، وكتاب أخبار بني إسرائيل، وكتب قضية رعوث، وكتب سليمان بن داود في الحكم، وكتاب قوهلت، وكتاب ابن سيري، وكتاب الأنبياء، ويحتوي على أربعة كتب: كتاب أشعيا النبي ﵇، وكتاب أرميا النبي ﵇، وكتاب الاثني عشر نبيا ﵈ وكتاب حزقيل.
أما كتاب الصورة الحديثة "العهد الجديد" فيحتوي على الأناجيل الأربعة: كتاب إنجيل متى، وكتاب إنجيل مرقس، وكتاب إنجيل لوقا، وكتاب إنجيل يوحنا، وكتاب الحواريين ويعرف "بفراكسيس"، وكتاب "بولس" أربع وعشرون رسالة. "انظر أيضا الدكتور عبد اللطيف محمد العبد: ص٥٥-٥٦".
وعن القرآن الكريم يقول ابن النديم إن أمير المؤمنين أبا بكر طلب من زيد بن ثابت كاتب الوحي لرسول الله ﷺ أن يقوم بجمع القرآن من الرقاع واللخاف والسعف وصدور الرجال. ويقول زيد بن ثابت في ذلك: فوالله لنقل جبل من الجبال كان أهون علي من الذي أمرني به أمير المؤمنين. فقد ألفت كتب في تفسيره ومعانيه، ومجازه ومشكله، وغريبه ولغاته وقراءاته، ونقطه وشكله ولاماته، والوقف والابتداء منه ووقف التمام، واختلاف مصاحفة، وما اتفقت ألفاظه ومعانيه ومتشابهة وهجاء المصاحف أي تهجيها، ومقطوع القرآن وموصوله، وأجزائه، وفضائله، وعدد آية وناسخه ومنسوخه، ونزوله وأحكامه.
стр. 135
الكون والتطور:
تحدث علماء المسلمين عن الثبات والتغير على الكون. كما تحدثوا أيضا عن التطور. ويتفق مفكرو الإسلام ومفكرو الغرب في أن الكون يتطور، وأن التطور هو قانون الكون، لكنهم يختلفون في تفسير طبيعة عملية التطور، والكيفية التي تتم أو تحدث بها. فالقرآن الكريم يقول إن أصل العالم كان شيئا واحدا. أما بالنسبة لمفكري الغرب فإن بداية الكون لديهم غير معلومة، ويختلفون في شرحها. فمنهم من قال بنظرية الانفجار العظيم. وهي تذهب إلى أن الكون نتج عن انفجار كتلة واحدة من المادة، وأنه يتمدد باستمرار. ومنهم من قال بنظرية حالة الاستقرار ومعناها أن الكون كان له دائما تركيبه الحالي، وأن المادة تتشكل باستمرار، وهناك من قال بنظرية التذبذب وهي تعني أن الكون يتمدد ويتقلص بانتظام على مدى آلاف الملايين من السنين. وهذه النظريات هي مجرد نظريات تحتاج إلى البرهنة على صحتها. وعلى الرغم من هذا فإنها لا تقدم لنا إجابة شافية على السؤال الهام: من أين أتت المادة الأصلية أو الطاقة التي تنتج المادة لتشكيل الكون كله؟ وهكذا يظل التكهن ببداية الكون سرا مكنونا لا يزال بعيدا عن تصور العقل البشري "محفوظ على عزام: ١٦٧، ١٦٨".
ويعتبر القرن التاسع عشر قرن نظريات التطور في العالم الغربي. من هذه النظريات ما يعرف بنظرية التطور الطبيعي. ومن أهم روادها "لامارك" "١٧٤٤-١٨٢٩" وهو عالم فرنسي في علم الأحياء أو البيولوجيا. ويعتبر أول من وضع نظرية عامة للتطور. وتقوم نظريته على أساس توارث الصفات المكتسبة. بمعنى أن جميع الصفات المكتسبة عن طريق الاستعمال أو غير الاستعمال، والتي تكون بتأثير البيئة، تبقى وتتوارث في الأجيال التالية. ومن رواد نظرية التطور الطبيعي أيضا "داروين" "١٨٠٩-١٨٨٢" وهو عالم إنجليزي في علم الأحياء أو البيولوجيا، صاحب نظرية الاختيار الطبيعي والتطور العضوي. ومن مبادئ هذه النظرية: ميل جميع الكائنات للزيادة بنسبة هائلة للغاية، ومع ذلك يظل عدد كل نوع من الحيوان ثابتا لأن كثيرا منه يهلك نتيجة المرض أو الأعداء أو التنافس أو المناخ. ومن هنا استنتج "داروين" فكرة
стр. 136
التنازع على البقاء، والبقاء للأصلح، نتيجة الانتخاب الطبيعي في الأفراد التي تكون أكثر ملاءمة للحياة، والأصلح يولد صفاته في أجياله ويخلدها فيهم, وتنتقل من جيل لآخر.
ومن الأخطاء الشائعة عن نظرية داروين تسميتها بنظرية النشوء والارتقاء وصحة تسميتها نظرية أصل الأنواع Origin Of Species وهو اسم الكتاب المشهور الذي ضمنه الكلام عن نظريته. ومن الأخطاء الشائعة عنه أيضا أنه قال بأن أصل الإنسان قرد. وهذا غير صحيح. والذي ذكره دارون في كتابه المشار إليه هو أن الإنسان تطور من نوع سابق له من الكائنات بدون أن يحدد هذا النوع السابق. وجاء الفيلسوف البريطاني هاكسلي Huxley واستنتج بنفسه أن ذلك النوع السابق هو القرود، وذلك بمقارنة الهيكل العظمي للإنسان بهياكل الحيوانات الأخرى. إن "دارون" في كلامه عن أصل الأنواع لم يتعرض لأصل الإنسان، لكنه أشار إلى إمكانية الكشف عن أصل الإنسان وتاريخه من خلال نظريته التي تنتهي إلى أن الكائنات تنازعت البقاء وتواءمت مع حاجات هذا التنازع حتى بقي الأصلح الذي استطاع أن يوائم نفسه للمقاومة. أي مقاومة قوى الطبيعة والمخلوقات الأخرى "عمارة نجيب: ٢٩". ومن نظريات التطور ما يعرف بنظرية التطور الكوني العام التي تنسب إلى زعيمها ورائدها "هربرت سبنسر" "١٨٢٠-١٩٠٣". وقد عرض نظريته في كتابه "المبادئ الأولى" الذي نشر لأول مرة عام ١٨٦٠ أي بعد نشر كتاب داروين "أصل الأنواع بسنة واحدة فقط. ولا يمكن أن يقال بأن سبنسر استفاد من داروين لأن نظرية سبنسر تتعلق بالتطور الكوني العام أكثر من كونها في مجال التطور العضوي "محفوظ على عزام: ١٩٣".
وبالنسبة للفكر الإسلامي نجد ما يعرف بنظرية "الكمون" التي تفسر عملية التطور. وتنسب هذه النظرية إلى "النظام" أحد متكلمي المعتزلة. ويوضح الخوارزمي في كتابه "مفاتيح العلوم" معنى الكمون بقوله: "هو استتار الشيء عن الحس كالزبد في اللبن قبل ظهوره، وكالدهن في السمسم. ويذكر "الشهرستاني" في كتابه المعروف "الملل النحل" ما يذهب إليه النظام في نظريته عن الكمون وهو أن الله قد خلق الموجودات دفعة واحدة علي ما
стр. 137
هي عليه الآن، معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا. ولم يتقدم خلق آدم ﵇ خلق أولاده، غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض. فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها". وهكذا يكون "الكمون" طريقة في فهم التطور دون تحول نوع إلى نوع آخر، فلا يولد الإنسان من الحيوان، ولا القمح من الفول، ولا الجراد من السمك، والعكس صحيح. ولهذا نجد من الباحثين الغربيين من قام بعمل مقارنة بين نظرية الكمون ونظرية التطور كما عرضها "لامارك" و"داروين" و"سبنسر" "المرجع السابق: ١٢٩-١٣٠".
إن التطور عند مفكري المسلمين وعلمائهم يعني نوعا من الترتيب والتصنيف والتقسيم للكائنات يعتمد على بيان أفضلية بعضها على بعض، وشرف بعضها على بعض. فهم قسموا الكائنات الحية إلى نبات وحيوان، وقسموا كلا منهما إلى أقسام فرعية. كما قسموا الطير إلى أنواع رئيسية وأخرى فرعية. وعقدوا مقارنات لبيان وجه الشبه بين الإنسان والطير والحيوان من الناحية النفسية والتشريحية. فقارنوا بين الإنسان والحمام، وبين الإنسان والقرد والفرس وبعض الحيوانات الأخرى. وهم يستدلون من ذلك على وجود الخلق والخالق "محفوظ على عزام: ١٥٠" وانظر أيضا: كتاب الحيوان للجاحظ، وحياة الحيوان الكبرى للدميري. ويقولون بأن الله هو الخالق لكل الكائنات، وهو أيضا المطور لها والمغير لها ولأحوالها بالحركة والسكون والزيادة النقصان. قال تعالى في سورة الفرقان: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ . وقال تعالى في سورة فاطر: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وقد اقتضت حكمة الله في الخلق وجود زوجين من كل شيء. قال تعالى في سورة الذاريات: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ، وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ .
إن أصل الحياة في الكون كما يؤكده القرآن هو الماء. قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ . ويقول في سورة النور: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى
стр. 138
رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ . فالله سبحانه خلق جميع أنوع الحيوانات والدواب على اختلاف اشكالها وأنواعها وأصنافها. كما أنه خلق جميع أنواع النبات والزرع والثمار. وهي جميعا تسقى بماء واحد، وتنبت في أرض واحدة. قال تعالى في سورة الرعد:
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . وتكاثر الحيوان والنبات يتم من خلال التزاوج بين العناصر الذكرية والعناصر الأنثوية. قال تعالى في سورة يس: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ . فهناك عملية الإخصاب بالنسبة لتكاثر الإنسان والحيوان. وهناك عملية التلقيح بالنسبة لتكاثر النبات. وهناك الذكر والأنثى من النبات، كما أنه قد يجتمع في النبات الواحد عناصر الذكورة والأنوثة معا.
إن فكرة قانون البقاء للأصلح Survival of The Fittist التي استخدمها "داروين" ومن بعده هربرت سبنسر ترجع في أساسها إلى العالم الرياضي المتشائم المعروف "مالتس" Malthus المشهور بنظريته التشاؤمية عن تزايد السكان. وقبل هؤلاء جميعا تحدث المفكرون المسلمون عن هذا القانون على أنه خاصية أو سمة في الحيوان فطره الله عليها للدفاع عن نفسه والحفاظ على حياته دون أن يترتب على ذلك فناء أي نوع منها لأن الله أعطى لكل كائن وسيلة الدفاع عن نفسه. وقد تحدث عن ذلك "إخوان الصفا" وأشاروا إلى ما في جبلة الموجودات من محبة البقاء وشهوته وكراهية الفناء وبغضه. وما فيها أيضا من طلب المنافع وفرارها من الضرر. وهذا ينطبق على الإنسان والحيوان. ومن الحيوان ما يطلب المنافع بالغلبة والقهر كالسبع. ومنا ما يطلبها بالحيلة "كالعنكبوت" ومنها ما يدفع العدو عن نفسه بالقتال كالسباع وبعضها بالفرار كالأرانب والظباء والطير. وبعضها يتحصن في الأرض كالفأر والزواحف.
وابن مسكويه يرى أن الله أعطى لكل حيوان آلة "وسيلة" يتناول بها حاجاته ويدفع بها الضرر عن نفسه، كما يجلب بها المنفعة. وتحدث ابن خلدون في مقدمته عن هذا القانون فيقول: "ولما كان العدوان طبيعيا في الحيوان جعل الله لكل واحد منها عضوا يختص بمدافعة ما يصل
стр. 139
إليه من عادية غيره".
وتحدث علماء المسلمين منهم ابن خلدون عن تأثير المناخ والظروف البيئية والهواء والحر والبرد على الكائنات الحية، وتأثيرها أيضا على لون بشرة الإنسان ومزاجه وصفاته. ويرى إخوان الصفا أن للبيئة أثرا في اختلاف السنة الناس وألوانهم وطباعهم وآدابهم ومذاهبهم. وكذلك في اختلاف الحيوانات والنباتات والمعادن. كما يرون أن لكل مكان خاصية ليست لآخر. فينبت فيه أنواع معينة من النبات، ويوجد فيه أنواع معينة من المعادن والحيوانات. "محفوظ على عزام: ١٥٧" وقد شرح "أبودلف" رحالة القرن العاشر الميلادي في رسالته الثانية١ عن رحلته في وسط آسيا وما شاهده فيها من أقوام وبلاد وأنهار ونبات وحيوان ومعادن.
стр. 140
رفض علماء المسلمين لنظريات التطور الغربية:
كان من الطبيعي أن يرفض علماء المسلمين نظريات التطور التي شاعت في الغرب، والتي سبق أن أشرنا إليها عند "لامارك" و"داروين" و"سبنسر". من هؤلاء العلماء إبراهيم الحوراني في كتابه "مناهج الحكماء في النشوء والارتقاء" و"الحق اليقين في الرد على بطل دارون". ومنهم أبو الأعلى الموردي في كتابه "الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة". ويعتبر جمال الدين الأفغاني من أبرز علماء المسلمين في الرد على نظريات التطور، إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق. وقد ضمن رده في رسالته الصغيرة الحجم العظيمة القدر المعنونة باسم "الرد على الدهريين". وفي رده على "داروين" يقول: لو عرضت على دارون الحيوانات المختلفة البنى، والصور والقوى والخواص وهي تعيش في منطقة واحدة، ماذا تكون حجته في علة اختلافها؟ وإن قيل لداروين هذه أسماك بحيرة "أورال" وبحر "كسين" مع تشاركها في المأكل والمشرب
стр. 141
وتسابقها في ميدان واحد ترى فيها اختلافا نوعيا، وتباينا بعيدا في الأشكال والألوان والأعمال. فما السبب في هذا التباين والتفاوت؟ وإن سئل دارون عن الأشجار القائمة على غابات الهند والنباتات المتولدة فيها من أزمان بعيدة لا يحددها التاريخ إلا ظنا. وأصولها تضرب في بقعة واحدة، وفروعها تذهب في هواء واحد، وعروقها تسقى بماء واحد. فما السبب في اختلاف كل منها عن الأخر في بنيته وشكل أوراقه وطوله وقصره وضخامته وزهره وثمره وطعمه ورائحته وعمره. فأي فاعل خارجي أثر فيها حتى خالف بينها مع وحدة المكان والماء والهواء؟ أظن لا سبيل إلى الجواب سوى المعجز عنه "جمال الدين الأفغاني: ٤٢-٤٣".
ويشير الأفغاني إلى فكرة أخرى لدارون فيقول: ومن واهياته، أي داروين ما كان يرويه من أن جماعة كانوا يقطعون أذناب كلابهم، فلما واظبوا على عملهم هذا قرونا، صارت الكلاب تولد بلا أذناب، كأنه يقول حيث لم تعد للذنب حاجة كفت "أي توقفت" الطبيعة عن هبته "أي إعطائه". ويرد الأفغاني على ذلك بقوله: وهل صمت أذن هذا المسكين عن سماع خبر العبرانيين والعرب وما يجرونه من الختان ألوفا من السنين، ولا يولد مولود حتى يختن. وإلى الآن لم يولد واحد منهم مختونا إلا لإعجاز "المرجع السابق: ٤٤-٤٥".
стр. 142
دورة الحياة:
إن النظرة الدينية في الإسلام والرسالات السماوية الأخرى ترى أن الحياة البشرية بدأت بخروج آدم من الجنة ونزوله إلى الأرض أو الحياة الدنيا لتعميرها بما حباه الله من عقل وجسم وقدرات مختلفة هو وذريته من بعده حتى تنتهي هذه الحياة لتبدأ دروة حياة أخرى هي حياة الآخرة. فهذه الدورة البشرية من الحياة دورة تاريخية لكنها لا تتكرر. وقد يختلف المفكرون ورجال الدين وغيرهم تفاؤلا وتشاؤما فيما يتعلق بالحياة الآخرة التي وصفت بأن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقد وصفها الله في قرآنه الكريم بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ . بيد أن هذه الأرض التي نطؤها بأقدامنا ليست كتلة من جسد أموات كما وصفها المعري والخيام في أشعارهما. بل إنها كائن حي
стр. 143
يتدفق قوة وحيوية تبذر فيها البذور فتترعرع نباتا غضا طريا يتغذى به الإنسان والحيوان.
إن قدرة الله وعظمته تتجلى في مظاهر الطبيعية الكون. وقد أمرنا أن نتأمل هذه المظاهر، وأن نفكر فيها حتى يزداد إيماننا به بدلا من التفكير في ذاته فنضل. وهذا الكون هو مجال عمل الإنسان عليه أن يرعاه. وأن ينميه، وأن يحافظ عليه، وأن يشكر الله على ما حباه من نعم وخيرات فيه.
هل هناك حياة أخرى في الكون خارج هذه الأرض التي نحيا عليها؟ إن الإجابة على هذا السؤال تستدعي منا التفكير في بعض الآيات القرآنية: منها قوله في سورة الشورى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ . فالفهم العام الذي يتبادر إلى الذهن من ضمير التثنية في كلمة "فيهما" يوحي بأن هناك حياة أخرى لأن الدابة هو كل ما يدب على الأرض حتى الإنسان يقال له دابة. وفي تفسير هذه الآية يقول ابن كثير بأن من آيات الله الدالة على قدرته وعظمته خلق السماوات والأرض وما ذرأه فيهما أي خلقه في السماوات والأرض من دابة. وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم. وقد فرقهم في أقطار السماوات والأرض. ويذهب إلى نفس التفسير محمد فريد وجدي في تفسيره المعروف بالمصحف المفسر فيقول: ومن آياته خلق السماوات والأرض على ما فيها من عجائب الإبداع وما نشر فيها وقت يشاء. ويقول الله تعالى أيضا في سورة النحل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ﴾ فتكرار اسم الموصول مرتين مرة متعلقة بالسماوات والأخرى متعلقة بالأرض يؤكد نفس المعنى الذي ذهبت إليه الآية السابقة. وهكذا يذكر القرآن الكريم ما يشير إلى وجود حياة خارج الأرض التي نحيا عليها.
стр. 144
ما تصلح به حال الدنيا:
يقول الماوردي تحت هذا العنوان: "اعلم أن ما تصلح به الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة ... ستة أشياء أو أمور هي: دين متبع وسلطان قاهر وعدل شامل وأمن عام وخصب دائم وأمل فسيح". فهو يرى أن الدين أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها لأنه يصرف النفوس عن شهواتها ويعطف القلوب عن إرادتها حتى يصير قاهرا للسرائر زاحرا للضمائر، رقيبا على النفوس في خلواتها نصوحا لها في ملماتها. كما أن الدين به صلاح الآخرة أيضا. ومن هنا كان على العاقل أن يكون به متمسكا وعليه محافظا.
أما الأمر الثاني الذي تصلح به الدنيا هو السلطان القاهر فيقول الماوردي إن برهبته تتألف الأهوار المختلفة وبهيبته تجتمع القلوب المتفرقة وبسطوته تنكف الأيدي المتعالية ومن خوفه تنقمع النفوس المتعادية ولأن في طباع الناس من حب المغالبة والمنافسة على ما آثروه والقهر لمن عاندوه ما لا ينكفون عنه إلا بمانع قوي ورادع تلي وقد أفصح المتنبي في ذلك بقوله:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعله لا يظلم
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم". وروى عنه قوله ﷺ أيضا: "إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن".
أما الأمر الثالث وهو العدل الشامل فإنه كما يقول الماوردي يدعو إلى الألفة ويبعث على الطاعة وتعمر به البلاد وتنمو به الأموال ويكثر معه النسل ويأمن به السلطان. وإذا كان العدل إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به ولا صلاح فيها إلا معه، وجب أن يبدأ بعدل الإنسان في نفسه ثم بعدله في غيره فإذا عدل الإنسان في نفسه فيكون بحملها على المصالح وكفها عن القبائح. وأما عدله مع غيره فيكون بعدل الإنسان فيمن دونه، كالسلطان في رعيته. ويكون بعدل الإنسان مع من فوقه كالرعية مع سلطانها. ويكون بعدل الإنسان
стр. 145
مع أكفائه.
أما الأمر الرابع الذي تصلح به الدنيا وهو الأمن العام فإليه تطمئن النفوس وفيه تنتشر الهمم وفيه يكن البريء ويأنس الضعيف. فليس لخائف راحة ولا لحاذر طمأنينة. وقد قال بعض الحكام: الأمن أهنأ عيش والعدل أقوى جيش.
وأما الأمر الخامس وهو خصب الدار ووفرة العيش فيه تتسع النفوس ويشترك فيه ذوو الإكثار والإقلال. فيقل في الناس الحسد وينتفي عنهم تباغض العدم. ولأن الخصب يئول إلى الغنى. والغنى يورث الأمانة والسخاء. وقال بعض السلف: "إني وجدت خير الدنيا والآخرة في التقى والغنى، وشر الدنيا والآخرة في الفجور والفقر". وقد قال الشاعر في هذا المعنى:
ولم أر بعد الدين خيرا من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر
أما الأمر السادس وهو الأصل الفسيح فإنه يبعث على اقتناء ما يقصر العصر عن استيطابه. ويبعث على اقتناء ما ليس يؤمل في دركه بحياة أربابه. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: $"الأمل رحمة من الله لأمتي ولولاه ما غرس غارس شجرا ولا أرضعت أم ولدا". وقد قال الشاعر في هذا المعنى:
وللنفوس وإن كانت على وجل ... من المنية آمال تقويها
فالصبر يبسطها والدهر يقبضها ... والنفس تنشرها والموت يطويها
ويفرق الماوردي بين الآمال والأماني. فالآمال ما تقيدت بأسباب والأماني ما تجردت عنها. أي أن الأمل يتعلق بتحصيل شيء يمكن حصوله. أما الأمنية فهي رجاء وتمني لشيء من الصعب أو المحال تحقيقه.