← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7436

التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية

محمد منير مرسي

Полный текст (538 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

خصومهم في الدين. ويعني بهم من دخل الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس والدهريين وأثاروا كثيرا من الشبهات والشكوك حوله لأنهم لم يكونوا منصفين أو مخلصين في إسلامهم. وقد تصدى المعتزلة لهم وجادلوهم جدالا عنيفا وردوا عليهم شبهاتهم وشكوكهم. الاتجاه الثالث: الاتجاه التوفيقي أو الوسط: الذي يقف في منتصف الطريق فلا يسلب الإنسان من إرادته وفي نفس الوقت هو مجبر وقادر معا. فهو مقيد بقوانين الطبيعة ويمارس حرية الإرادة في ظل هذه القوانين. ومن أنصار هذا الاتجاه ابن مسكويه والغزالي وابن رشد والأشاعرة من المتكلمين المسلمين. فالإنسان يكون مجبرا في مواقف مختلفة لا يملك إزاءها حرية في التصرف منها الجبرية الميتافيزيقية التي تتمثل في الموت الذي هو ملاقيه باعتباره قضاء مقدر عليه. ومنها الجبرية الطبيعية التي تتمثل في حاجاته الأساسية التي تكفل هل الحياة من طعام وشراب وراحة ونوم وغيرها. فليس أمام الإنسان مجال للاختيار في هذه النواحي، وعليه سواء رغب أو لم يرغب أن يأكل وأن يشرب وأن يرتاح وأن ينام وإلا تعرضت حياته للخطر. والإنسان يكون مخبرا في المواقف الأخرى التي يكون أمامه فيها بدائل للاختيار ويبدو ذلك بوضوح في المواقف الحياتية والأخلاقية والمعاملات وتحمل المسئولية. ففي المواقف الكثيرة التي تتضمنها هذه المجالات يطرح الموقف أكثر من بديل للتصرف، ومهمة التربية هنا هي تمكين الإنسان من اختيار البديل الأفضل في السلوك. ولفهم حرية الإرادة في الإسلام ينبغي أن نعرف أن الحرية بمعناها المطلق غير موجودة فلا حرية مطلقة ولا حرية في فراغ وإنما تستمد الحرية مضمونها ومغزاها من النظام والأصول والقواعد. فهل سير القطار على القضبان تقييد لحركة القطار؟ إن القضبان في الواقع شرط لحرية القطار في الحركة. وإلا لما سار على الإطلاق. خذ على سبيل المثال سائق السيارة الذي يسير في الشارع وعليه أن يتوقف عندما يرى الضوء الأحمر ولا يسير إلا إذا رأى الضوء الأخضر. هل يعتبر ذلك قيدا على حريته؟ وهو يمكن له أن يدعي بأنه حر في قيادة السيارة دون مراعاة القواعد والأصول؟ إن حريته هنا مرتبطة بالنظام. وبالمثل يمكن

стр. 212

التمثيل بلاعب الكرة في الملعب هل هو حر في أن يضرب الكرة في أي اتجاه أم أن حريته مقيدة بأصول اللعبة وقوانينها. خذ مثالا آخر لرجل ترك وحده في الصحراء. هل يعتبر هذا الرجل حرا يتصرف كما شاء أم أن حريته محدودة بظروف المكان فهو إن أراد أن يأكل أو يشرب مثلا لا يجد ما يأكله أو يشربه فأين حريته إذن؟ والواقع أن هناك عدة عوامل تحدد الحرية منها عوامل داخلية وأخرى خارجية. أما العوامل الداخلية فهي تتعلق بالإنسان نفسه. ذلك أن التركيب الجسمي والعقلي والنفسي للفرد يحدد مدى حريته. فالإنسان ذو الجسم الضعيف الهزيل أو الذي يعاني من مرض أو نقص جسمي لا يعتبر حرا في نطاق القيود التي تفرضها عليه هذه الأبعاد الجسمية. فهو ليس حرا أن يأكل ما يشاء أو يحيا كما يشاء، وليس حرا في أن يتخلص من الألم الذي يعانيه. وبالعكس يمكن القول عن الجسم الصحيح، فصحة البدن إذن شرط للحرية، ولذلك يعتبر كل تقدم في الميدان الصحي في البلاد عاملا مهما لتحقيق حرية الأفراد كما أن التربية الحديثة لا بد أن تتضمن العناية بالجسم وتقويته. والناحية العقلية للفرد شرط آخر لحريته. ذلك أن الذكاء الإنساني ضروري للحرية. فنجاح الإنسان في حياته يتوقف على تصرفه الذكي. وأمور الحياة لا تستقيم لإنسان غبي. بل إن الحياة نفسها تلفظه وتحاربه باستمرار وحيثما كان. والإنسان الذكي هو الإنسان القادرة على الفهم السليم والتصرف وإدراك العلاقات بين الأشياء في أهدافها القريبة والبعيدة. هو الإنسان المبدع المفكر القادر على التخيل الذي يساعده على تشكيل إمكانيات المستقبل واحتمالاته. والحرية لا يستقيم عودها مع الجهل. فكيف يكون الإنسان حرا لفهم ما حوله من ظواهر الكون والحياة والتعامل الاجتماعي الرشيد وهو جاهل. إن الجهالة قيد على عقله وفكره، وبالتالي لا يمكن أن يكون حرا. وهناك مثل معروف يقول: كلما تعلم الإنسان زادت حريته. ولهذا فإن ذكاء الإنسان وتثقيف عقله وفكره ضرورة تفرضها حريته. وعلى أي برنامج تربوي أن يولي هذه الجوانب عناية كبرى. وكذلك الناحية النفسية للفرد بأبعادها المختلفة من

стр. 213

حب وكره وتعصب وتحيز وتقبل ورفض كلها تحدد سلوك الإنسان. فكيف يستطيع الإنسان ادعاء حريته وهو في الواقع عبد لنزعات النفس وخلجاتها وعبد للعادات التي كونها. خذ مثلا الشخص الذي أصبح التدخين عادة متأصلة لديه، ومستحكمة فيه هل يستطيع أن يمتنع عنها؟ إنه قد يدخن رغم أنفه بحكم قوة العادة وسيطرتها عليه حتى مع أنه من الناحية العقلانية يعرف مضار التدخين على ماله وصحته. فهل تعتبر هذا الإنسان حرا؟ إن حرية الإرادة شرط ضروري لحرية الإنسان ولا يمكن لإنسان أن يكون حر الإرادة وهو غير قادر على التحكم فيها إذ إنه يستسلم لرغباته ونزواته أو دوافعه الجامحة. ولذلك يجب على التربية أن تهدف إلى غرس العادات عند الإنسان منذ بواكير الطفولة, وأن تهتم بالقدوة الصالحة والبعد عن قرناء السوء. وأن تربي الفرد على التحكم في نفسه ليستطيع أن يكبح زمامها وأن يسيطر عليها. كما ينبغي أن نربي ضمير الفرد لأنه خير عاصم له. وعندها يمكن أن يكون الإنسان حرا. ذلك أن الحرية الحقيقية لا تتوافر إلا في ظل الشخصية الكاملة المتكاملة. أما كيف يكتسب الإنسان هذا الكمال والاكتمال فهو موضوع التربية برمته. أما العوامل الخارجية التي تحد من حرية الإنسان فتمثل البيئة المادية والاجتماعية التي تحيط بالإنسان. هذه العوامل الخارجية الهامة هي التي تحدد حريته. فالفقر والغنى مثلا صورتان لمدى ما يتيحه أي مجتمع من ثروة لأفراده. وكلتاهما تحدد مدى الاختيارات والإمكانيات المتاحية للإنسان وبالتالي تحدد حريته. ولذلك يعتبر تحسين مستوى معيشة الأفراد عاملا هاما نحو الحرية ومن ناحية أخرى نجد أن الإنسان الحديث قد استطاع السيطرة على ثرواته المادية والطبيعية بمقدار ما أتيح له من تقدم تكنولوجي هائل. وهو شرط ضروري لحرية المجتمعات المدنية. إلا أن التقدم في هذا الجانب كان بمعدل أسرع من معدلات النمو في الجوانب الأخرى الداخلية والخارجية المحددة للحرية. ويجب على التربية أن تزود الأفراد بالمهارات المعرفية والسلوكية التي تحكمهم وتمكنهم من زيادة دخلهم وتحسين مستوى معيشتهم في الحياة وتنمي تطلعاتهم وآمالهم في الحياة. كما يجب على التربية أن تزود الإنسان أيضا

стр. 214

بالمهارات المعرفية والعملية التي تمكنه من السيطرة على بيئته المادية واستغلال ثرواتها الطبيعية. ومن ناحية أخرى نجد أن الإنسان نفسه يعتمد على غيره منذ أن كان نطفة أو علقة في بطن أمه وهو محتاج إلى العناية والرعاية. وهذا الاحتياج يعني عدم حريته. فالإنسان المحتاج ليس إنسانا حرا. وهو بعد ولادته يظل محتاجا لهذه العناية. وفي تعامله وهو كبير راشد مع الآخرين محتاج إلى تعاونهم اعتماد الناس بعضهم على بعض بصورة متزايدة في المجتمعات الحديثة. وبدون مساعدة الآخرين لن يجد رغيف الخبز الذي يأكله أو الملبس الذي يلبسه أو المواصلة التي يركبها. وغيرها من الأمثلة التي لا تحصى. وهذا يعني تزايد اعتماد الناس بعضهم على بعض. كما يعني ارتباط حرية الفرد بحرية الآخرين. وكذلك نجد أن المعايير والقيم الاجتماعية السائدة في المجتمع وقوانينه وتشريعاته كلها تمثل حدودا لمدى حرية الفرد. وهذا يعني لأي برنامج تربوي ضرورة العناية بتكوين الاتجاهات الصحيحة للفرد نحو نفسه ونحو مجتمعه. وتنمية حساسيته الاجتماعية نحو النظام الاجتماعي وقيمه السائدة. وتعريفه بهما وتعويده على احترامها. وكذلك احترام القوانين والتشريعات وحماية الملكية العامة. إن أعلى مراتب الحرية الكاملة التي ترتبط بالله ، فهو الذي خلق الكون وأحسن صنعه وخلق الإنسان فأحسن تقويمه. ورتب الناس أمور حياتهم بما يحقق لهم الخير في الدنيا والآخرة. ولذلك يجب ألا يستمد الحرية التي ننشدها للفرد والمجتمع إلا منه وأصولها من المبادئ السامية التي رسمها لنا. وهكذا يصبح الفرد مقيدا في حريته بتأثير البيئة الاجتماعية والطبيعية وما نسميه بحرية الاختيار أو الإرادة هي حرية ظاهرة مقيدة بالنظام فالله بين لعباده الحلال والحرام وطريق الخير وطريق الشر، وعلى الإنسان أن يختار بينهما إما شاكرا وإما كفورا. فالإنسان إذن مخير وحر الإرادة في الإطار الاجتماعي، وإلى الحد الذي يستطيع معه أن يمارس هذا الاختيار. وهو مجبر أو مسير بمقدار ما تتحكم فيه البيئة الاجتماعية والطبيعية، وبمقدار

стр. 215

ما يتعامل مع القوانين الإلهية التي لا سلطان له عليها. الإنسان إذن مجبر ومسير معا، فهو مجبر لأن الله منحه عقلا وإرادة يوازن بهما بين الأشياء. ويختار لنفسه ما يحلو له بمحض إرادته. وقد بين الله للإنسان طريق الخير وطريق الشر وهو الذي يختار لنفسه الطريق الذي يسير فيه ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ وهو مسير لأن الله خلق الكون وما فيه وفق نواميس وقوانين تتحكم في الإنسان وتوجيهه. والإنسان محدود في قدرته الجسمية والعقلية وله حدود لا يتعداها والإنسان يحاول أن يفهم هذه القوانين ما وسعه إلى ذلك سبيلا وقد يستطيع أن ينجح في تسخير قوى الطبيعة والسيطرة عليها. ولكنه في النهاية مقيد بحدود الزمان والمكان. تلك سنة الله في خلقه ولله في خلقه شئون. وهذا يعني بالنسبة للعملية التربوية والمنهج المدرسي أن نعني بتزويد التلميذ بما يمكنه من معرفة الكون والقوانين التي تحكمه بترتيب وانسجام هو من صنع الخالق . كما يجب أن يربى التلميذ على احترام النظام واتباع أوامر الدين واجتناب نواهيه. فالله خلقنا نتحمل المسئولية وأعطانا ضميرا وإرادة حرة. ولكنه أيضا أقام الدين وتعاليمه كقوة تربوية عليا توجهنا وترشدنا فإذا كنا عقلاء، فإننا سوف نتقبل توجيهها ونسير على هديها. وعلى الإنسان أيضا أن يؤمن بالقدر خير وشره فذلك من تمام إيمانه من ناحية واعترافا منه بحكمه الخالق التي قد يعز على الإنسان أن يحيط بها. وينبغي أيضا أن يربى الإنسان على الإيجابية لا السلبية فإذا كانت الصحة والمرض من عند الله فإن هذا لا يعني عدم الوقاية ولا عدم سعي الناس للطبيب لعلاجهم إذا مرضوا. فالله خلق الداء وخلق الدواء وطالب عباده بأن يتطيبوا وأن يذهب الإنسان إلى الطبيب لعلاجه إذا مرض. كما يجب ألا يربى المسلم على أن يكون متواكلا سلبي الإرادة. وإنما يجب أن يعرف له دورا يقوم به ومسئولية يجب أن يتحلمها وأنه في ضوء معرفته لقوانين الكون والطبيعة قادر على تسخير ما فيها لتحقيق رفاهيته وسعادته. كما أن الإنسان وهو يمارس حرية الإرادة أو حرية الاختيار في أعماله لا بد وأن يخضع لمبدأ المسئولية والجزاء فهو

стр. 216

مسئول عن أعماله وما يترتب عليها من خير أو شر أو نفع أو ضرر وينبغي أن يحاسب عليها. معرفة الإنسان لنفسه: قال رسول الله ﷺ : "من عرف نفسه فقد عرف ربه". ويقول الأصفهاني في كتابه تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين "ص٦١": إن أول شيء يلزم الإنسان معرفته نفسه وقد احتلت معرفة الإنسان نفسه مكانة كبيرة في الفكر الفلسفي والعقائدي فقديما اتخذ سقراط لنفسه شعارا "اعرف نفسك بنفسك" ولذلك يقال إنه أنزل الفلسفة إلى الأرض أي الاهتمام بالنفس بدلا من الغيبيات. وقالت بعض فرق المتكلمين الإسلاميين منهم الأشاعرة إلى أن أول ما يجب على الإنسان معرفة الله. ويقول الأصفهاني ليس هناك تناقض بين القولين "معرفة النفس ومعرفة الله" لأن من عرف نفسه فقد عرف الله. فقد روي أن ما أنزل الله كتابا إلا وفيه اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربك. ولمعرفة الإنسان لنفسه جوانب متعددة من أهمها "الأصفهاني: تفصيل النشأتين ص٦٢-٦٦": ١- أن الإنسان من خلال معرفته لنفسه يتوصل إلى معرفة غيرها ومن جهلها جهل كل ما عداها. لأن نفس الإنسان مجمع الموجودات ومن عرفها يعرف حقائق هذه الموجودات فانيها وباقيها وحقيقة السماوات والأرض. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ . ٢- أن من عرف نفسه عرف أعداءه الكامنة فيه المشار إليها بقوله ﵇: "أعدى عدو لك نفيسة بين جنبيك". ٣- أن من عرف نفسه عرف أن يسوسها، ومن أحسن سياسة نفسه أحسن سياسة العالم فيصير من خلفاء الله المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ . ٤- أن من عرف نفسه لم يجد عيبا في أحد إلا رآه موجودا في ذاته إما ظاهرا أو كامنا فيه كمون النار في الحجر. فلا يكون همازا ولمازا وعيابا

стр. 217

طرق معرفة الله الإنسان لعيوبه: يقول الغزالي إن الله إذا أراد بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه ويورد طرقا أربعة لعمل ذلك: الطريقة الأولى: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس مطلع على خفايا الآفات ويحكمه في نفسه ويتبع إشارته في مجاهدتها. وهذا شأن المريد من شيخه والتلميذ مع أستاذه. فيعرفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه ويعرفه طريق علاجه. ويعلق على هذه الطريقة بأنه قد عز في الزمان وجودها. الطريقة الثانية: أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا فينصبه رقيبا على نفسه ليلاحظ أحواله وأفعاله. فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبهه إليه. فهكذا كان يفعل الأكياس والأكابر من أئمة الدين. ويضرب مثلا بداود الطائي الذي اعتزل الناس، فقيل له: لما لا تخالط الناس؟ فقال: وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي؟ وهذا يعني أن على الناس أن يتنبهوا لعيوبهم بتنبيه غيرهم لهم. الطريقة الثالثة: أن يستفيد من ألسنة أعدائه في معرفة عيوب نفسه لأنه عين السخط تبدي المساويا على حد تعبير الشاعر في قوله: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا ولعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن يذكره عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه. ويعلق الغزالي على ذلك بقوله إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدو وحمل ما يقوله على الحسد. ولكن البصير لا يخلو من الانتفاع بقول أعدائه لأن مساوئه لا بد وأن تنتشر على ألسنتهم. الطريقة الرابعة: أن يخالط الناس، فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق يقيس نفسه عليه. لأن المؤمن مرآة المؤمن. فيرى عيوب نفسه من خلال عيوب غيره. ويعمل على تطهر نفسه من كل ما يشينه ويعيبه. وهذا يعتبر تأديبا له. ولو أن الناس تركوا ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب. ويورد الغزالي قول عيسى ﵇ عندما سئل من أدبك؟ قال: ما أدبني أحد رأيت جهل

стр. 218

الجاهل شينا "أي معيبا". فاجتنبته. "الإحياء ج٣ ص٦٢-٦٣". الإسلام يعترف بضعف الإنسان: إن الإسلام يتمشى مع الطبيعة الإنسانية. ونظرا لأن هذه الطبيعة الإنسانية يجتمع فيها نوازع الخير والشر والخوف والحب لذلك دعا الإسلام إلى مخافة الله وخشيته وحبه وطاعته. فالنفس الأمارة بالسوء لا ترتدع عن الشر إلا بالخوف والوعيد. وفي حين أن النفس المطمئنة تكون مدفوعة بالحب وطاعة الله نحو فعل الخير والتمسك بالفضيلة. اعترفت التربية الإسلامية بموضع الضعف في الطبيعة البشرية ومنها الخطأ والنسيان والاستكراه. ولا يحاسب المسلمون على الأعمال التي يمليها عليهم هذا الضعف. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". والإسلام يخفف عن المسلم في حالة ضعفه.. ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ . و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . يقول الشاعر: ما سمي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أن يتقلب وقال تعالى في سورة الكهف: ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ . وقال في سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . واعترف الإسلام بجوانب أخرى من ضعف النفس الإنسانية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ وهذه النفس إذا ضعفت قد تدفع الإنسان إلى الشر ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ . كما وصف القرآن الإنسان بكثير من الصفات التي تدل على ضعفه. قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ وروي عن النبي ﷺ قوله: "لولا أن الله تعالى أذل ابن آدم بثلاث ما طأطأ رأسه لشيء: الفقر والمرض والموت" "الماوردي: ٢٣٩". وقد ورد في الأثر: "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون". ويقول الماوردي: "إن الله قد خلق الإنسان وجعله أكثر حاجة من جميع الحيوان؛ لأن من الحيوان ما يستقل بنفسه عن جنسه والإنسان مطبوع على الافتقار إلى جنسه". كما وصف الإنسان بالهلع والجزع إذا مسه

стр. 219

الشر بالطغيان وإذا غنى ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ . ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ . وهذا يعني بالنسبة للتربية الإسلامية أن يهتم المعلم بأن يبرز لتلاميذه أن قدرة الإنسان محدودة مهما تقدم ومهما بلغ من العلم وأنه مهما بلغ من القوة لا يخلو من نقاط ضعف. قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . ولهذا ينبغي أن يعرف الإنسان حدوده وألا يتكبر وأن يكون متواضعا وأن يصبر على المكاره كما يجب أن يتذكر نعمة الله عليه ويشكره في حالة اليسر والرخاء. وقال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ . مصير الإنسان: يقول الأصفهاني في "الذريعة إلى مكارم الشريعة" "ص١٥" إن الإنسان في هذه الدار كما قال علي ﵁: الناس سفر والدنيا دار ممر لا دار مقر وبطن أمه مبدأ سفره والآخره مقصده وزمان حياته مقدار مسافته وسنوه منازله وشهوره فراسخه وأيامه أمياله وأنفاسه خطاه يسافر به سير السفينة براكبها. فالإنسان في دنياه مسافر ويحتاج في رحلة حياته في الدنيا إلى التزود بما يلزمه في السفر. وعليه في سبيل ذلك أن يكد ويكدح حتى ينتهي إلى دار القرار. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ "الأصفهاني تفضيل النشأتين: ص١٣٦" وبالموت يتم كمال الإنسان وفي ذلك يقول الأصفهاني: اعلم أن الموت المتعارف الذي هو مفارقة الروح البدن هو أحد الاسباب الموصلة للإنسان إلى النعيم الأبدي وهو انتقال من دار إلى دار ... ولولا هذا الموت لم يكمل الإنسان. فالموت إذًا ضروري في كمال الإنسانية "تفضيل النشأتين: ص٢٠٠".

стр. 220

الفصل الرابع: تربية الطفل في الإسلام مقدمة: تمتاز التربية الإسلامية بكثير من مميزات التربية الحديثة في شمولية النظرة إلى التربية كعملية ونتيجة معا. وتعني التربية الإسلامية في مفهومها المطلق بلوغ الكمال الإنساني بالتدريج. والكمال لله وحده . وهو مسألة نسبية، لذلك قلنا في مفهومها المطلق. ويبرر هذا الكمال قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ كما أن الإسلام آخر الديانات وأكملها وأتمها. ويضاف إلى ذلك أيضا التشريف والتكريم الذي خص الله به الإنسان وحده دون غيره من سائر المخلوقات وتفضيله إياه على كثير من خلقه. بل وجعله خليفته في الأرض بما تتضمنه هذه الخلافة من رسالة إنسانية سامية. وقلما نجد نظير للتربية الإسلامية في الاهتمام بالطفل وتكريمه. فقد أوجب الإسلام العناية به حتى وهو جنين في بطن أمه وحرم إيذاءه أو إلحاق الضرر به بأي شكل من الأشكال بما في ذلك الإجهاض. وعند مولده يحتفى به ويكرم، ومن مظاهر هذا التكريم ما يعرف في اصطلاح الفقهيين "بالعقيقة" وهي شاة تذبح له في اليوم السابع احتفاء بمولده. وقد حدد الإسلام مراحل نمو الطفل ابتداء من النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم الجنين. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . ويذكر ابن قيم الجوزية في كتابه تحفة المودود بأحكام المولود أن الطفل عند مولده يسمى رضيعا طالما أنه يرضع اللبن فإذا فطم عنه فهو فطيم. فإذا درج فهو صبي. فإذا قارب السبع سنوات فهو غلام مميز. وإذا بلغ العشر سنوات فهو غلام ناشئ ويسمى مراهقا حتى سن البلوغ. إذا قارب الحلم فهو غلام بالغ. فإذا اخضر شاربه لم يعد غلاما وإنما هو فتى أو شاب للذكر وفتاة أو شابة للأنثى. ويسمى

стр. 221

بهذا حتى سن الأربعين. وبعدها حتى سن الستين يكون كهلا وبعدها يكون شيخا. وقد اعترف الإسلام بحقوق الطفل منذ لحظة خروجه حيا إلى الدنيا فأوجب له حق الميراث كالكبير. كما أوجب اختيار أحسن الأسماء له. وإذا مات الطفل فإنه يعامل معاملة الكبير فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن. وإذا كان الإسلام قد حرم قتله قبل خروجه إلى الدنيا فمن الطبيعي أن يمتد هذا التحريم إلى ما بعد خروجه إليها قال تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ . ومن أهم الأشياء التي أوجبها الإسلام للطفل حق الرعاية والتربية حتى ولو كان الطفل لقيطا أو منبوذا. فقد أوجب الإسلام تربية الطفل اللقيط أو المنبوذ ورعايته والإحسان إليه حتى يكبر. وهناك كثير من الأدلة التي تؤكد أن تربية الطفل وتعليمه هي من أوجب الأشياء على ولي الأمر نحو ولده. والأحاديث النبوية التالية هي بعض أمثلة على ذلك: - "ما نحل والد ولدا أفضل من أدب من حسن". - "رحم الله عبدا أعان ولده على بره بالأحسان إليه والتآلف له وتعليمه وتأديبه". - "لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع على المساكين". - "حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي". ويقول ابن قيم الجوزية: "من أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة. وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم". ويتساوى في هذا الاهتمام بالتعليم الولد والبنت على السواء، فتعليم البنت حق كالولد، ويعترف المربون المسلمون منهم القابسي وغيره بحق البنت في التعليم انطلاقا من أن التكاليف الدينية واجبة على الرجل والمرأة. وهذا يتفق مع روح الإسلام الحقيقية التي جعلت من طلب العلم فريضة

стр. 222

على كل مسلم ومسلمة. ومع تسليم المربين المسلمين بهذا الحق للبنت فإن بعضهم ومنهم ابن سحنون والقابسي على سبيل المثال، يذهب إلى عدم الخلط بين الصبيان والإناث في التعليم لاعتبارات أخلاقية تربوية، كما ينبغي أن تعلم البنت ما فيه صلاحها ويبعدها عن الفتنة. من أين تبدأ: من الأمور الطبيعية أن تبدأ تربية الطفل بتنمية الجسم حتى يشب صحيحا قويا. أما التعليم المنظم فيبدأ عندما يصل الطفل إلى سن العقل أو التمييز، ولنستعرض أولا هذه النصوص: - قال ﵊: "أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم". وقال ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع". ومما يروى: "لاعب ولدك سبعا وصاحبه سبعا ثم اترك حبله على غاربه". ويقول ابن سينا: "إذا فطم الصبي عن الرضاع بدأ تأديبه ورياضة أخلاقه قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة، فإن الصبي تتبادر إليه مساوئ الأخلاق فما تمكن منه ذلك غلب عليه فلم يستطع له مقاومة"، "وإذا أتى عليه "الطفل" من أحواله ست سنين فيجب أن يقدم إلى المؤدب والمعلم" لأن في هذه المرحلة "تشتد مفاصل الصبي ويستوي لسانه ويتهيأ للتلقين ويعي سمعه". ومما يروى أيضا: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد". ويذكر ابن أبي أصيبعة في "عيون الأنباء" في ترجمته لعلي بن رضوان المصري نصا قاله عن نفسه ذكر فيه أنه بدا تعليمه في السادسة فيقول: "فلما بلغت السادسة أسلمت نفسي في التعليم". ويقول أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن: "وللقوم في التعليم سيرة بديعة وهي أن الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب". ومن الأمثلة السابقة يتضح أن سن التربية في الإسلام بمفهومها الواسع الشامل يبدأ منذ لحظة الميلاد، أما بداية التعليم المنظم فتكون عند بلوغ سن العقل والإدراك والتمييز. وهذا السن يتراوح عادة بين السادسة والسابعة. وليس هناك ما يمنع من أن يكون قبل ذلك إذا كان ما يبرر ذلك أو يقتضي

стр. 223

ذلك من مصلحة أو منفعة. ومن المعروف أن علم وظائف الأعضاء قد توصل إلى أن اكتمال نمو العين عند الأطفال يكون في سن السادسة وقبل هذه السن يكون الطفل إما طويل النظر أو قصير النظر. أليس ذلك مبررا لجعل هذه السن بداية سن التعليم المدرسي المنظم في كثير من النظم التعليمية المعاصرة. وتبعا لاختلاف نمو الصبيان في بلوغ سن العقل والتمييز. ومع تقدم السن تزداد مطالب التعليم وتنمية العقل. كما يتضح أيضا أن مرحلة ما قبل سن التعليم المنظم تنصرف إلى تنمية الجسم وبنائه بناء صحيحا قويا. وهكذا تبدأ تربية الطفل بتربية الجسم وتحقيق مطالب نموه. وفي هذه المرحلة تكون تربية الجسم موزعة بين الغذاء واللعب والاستجمام والراحة كمطالب رئيسية. يقول ابن سينا: "إذا انتبه الصبي من نومه فالأحرى أن يستجم ثم يخلي بينه وبين اللعب ساعة ثم يطعم شيئا يسيرا ثم يطلق له اللعب وقتا أطول ثم يستجم ثم يغذى".

стр. 224

نشاط الطفل دليل صحة: أدرك المربون المسلمون أن من طبيعة الطفل أن يكون نشيطا كثير الحركة، وأدركوا أن نشاط الطفل دليل على صحة جسمه ويقظة عقلة وصفاء ذهنه. وإذا بدا الطفل هادئا قليل النشاط فإن ذلك يعتبر أمرا غير طبيعي بالنسبة له وقد يرجع ذلك لمرض أصابه أو أمر أحل به، وهكذا عكس ما هو شائع لدى الكثير من الناس إذ ينظرون إلى الأطفال كثيري الحركة على أنهم "أشقياء" وأما قليلو الحركة والنشاط فينظرون إليهم على أنهم "عقلاء" ومتزنون. فطرة الطفل محايدة: قال ﷺ : "ما من مولود إلا ويولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". وقال ابن مسكويه في "تهذيب الأخلاق" عن نفوس الأطفال في مرحلة المهد إنها: "ساذجة لم تنتبش بصورة" وقال "ابن الجزار" علام القرن الرابع الهجري في "سياسة الصبيان" وتدبيرهم: "وليس لهم "الصبيان" عزيمة تصرفهم عما يؤمرون به من المذاهب الجميلة والأفعال الحميدة

стр. 225

فمن عود ابنه الأدب والأفعال الحميدة والمذاهب الجميلة في الصغر حاز بذلك الفضيلة ونال المحبة والكرامة وبلغ غاية السعادة". ويقول الغزالي في نفس المعنى: "الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يقال فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه كل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له". وهكذا تؤكد هذه النصوص أن فطرة الطفل محايدة عند مولده وأنها تتشكل فيما بعد تبعا للون التربية الذي تتلقاه. التعليم في الصغر كالنقش على الحجر: يرى الكثير من علماء المسلمين، منهم الغزالي وابن خلدون وغيرهما، أن التعليم في الصغر يكون أشد رسوخا كما أنه يكون أصلا لما بعده. وهكذا ينبغي أن يبدأ تعليم الصبيان من صغرهم فقد ورد في الأثر: "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر" وقد سبق أن أشرنا إلى ما يؤكده الغزالي على سبيل المثال عندما يقول عن الصبي "وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش عليه". وقد ردد هذا القول "جون لوك" بعد حوالي ١٣ قرنا من الزمان عندما ذهب إلى أن عقل الطفل صفحة بيضاء تنقشه الخبرة والتعليم. الصبي عن الصبي ألقن: من المبادئ التربوية التي أخذ بها المربون المسلمون تعلم الصبيان من بعضهم فالصبي يتعلم من الصبي ويأخذ عنه. وعبر ابن سينا عن ذلك أحسن تعبير عندما قال: "ويكون مع الصبي في مكتبه "مدرسته" صبية حسنة آدابهم مرضية عاداتهم لأن الصبي عن الصبي ألقن وهو عنه آخذ وبه آنس". ومن قبيل المقارنة نشير إلى أن هذا المبدأ التربوي القديم في التربية الإسلامية هو من المبادئ التي تقوم عليها التربية الحالية في مدارس روسيا أو الاتحاد السوفيتي سابقا وبعض البلدان الأخرى.

стр. 226

ليس الكل سواء: تسلم التربية الإسلامية بأن الأطفال يختلفون في استعداداتهم وما هيئوا له، وأن بينهم فروقا في القدرة على التعلم وأن بعض الأطفال أقدر من غيرهم في تعلم مجالات معينة من العلم. كما أن منهم من لا يصلح تعليمه إلا لحد معين لا يتعداه. ويرى المربون المسلمون ضرورة توجيه الطفل أو الصبي إلى ما يناسبه من تعليم، وأن يترك ما لا يقدر عليه إلى ما يقدر عليه. ويقول أبو يحيى الأنصاري في اللؤلؤ النظيم في روم التعليم: "إن على كل صبي أن يعرف طرفا من العلوم الضرورية في الحياة كالقراءة والكتابة والحساب. ثم عليه بعد ذلك أن يتجه إلى العلم أو الحرفة على حسب استعداده وتكوينه إذ ليس كل أحد يصلح لتعلم العلوم يصلح لجميعها" ويقول الزرنوجي في "تعليم المتعلم طريق التعليم": "إنه لا ينبغي على المتعلم أن يختار نوع العلم بنفسه بل يفوض أمره إلى الأستاذ فإن الأستاذ قد حصل له من التجارب في ذلك ما يفيد فهو أعرف بما ينبغي لكل واحد وما يليق بطبيعته". ويقول ابن جماعة: "وإذا علم "المعلم" أو غلب على ظنه أنه "أي المتعلم لا يفلح في فن أشار عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فيه فلاحه". - وقد قال الشاعر: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع ويقول ابن سينا: "ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مواتية، ولكن ما شاكل طبعه وإنه لو كانت الآداب والصناعات تجيب وتنقاد بالطلب والمرام دون المشاكلة والملاءمة ما كان أحد غفلا من الأدب. وإذن لأجمع الناس كلهم على اختيار أشرف الآداب وأرفع الصناعات، فينبغي لمدرب الصبي إذا رام اختيار صناعة أن يزن أولا طلب الصبي ويسبر قريحته ويختبر ذكائه مبينا له الصناعات طبقا لذلك". كما يرى ابن سينا أن بعض الناس لا يصلحون للتعليم فيقول: "ربما نافر طباع إنسان جميع الآداب والصنائع فلم يعلق منها بشيء" ويضرب لذلك مثلا فيقول: "إن إناسا من أهل العقل رأوا تأديب أولادهم واجتهدوا في ذلك وأنفقوا فيه الأموال فلم يدركوا من ذلك ما حاولوا".

стр. 227

مراحل التربية الخلقية: يميز علماء المسلمين بين مرحلتين رئيسيتين في التربية الأخلاقية للطفل، المرحلة الأولى ويسمونها بمرحلة "التخلية" أي تخلية طبع الطفل من كل رذيلة وإبعاده عن كل مؤثرات الشر والسوء وعدم مخالطته لقرناء السوء, فقد نهانا الرسول عن قرناء السوء فقال: "إياك وقرين السوء" وقال ﷺ : "لا تصاحب الفاجر فتتعلم فجوره" وقال: "إن الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل". أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التحلية والتزكية ويقصد بها تحلية الطفل بالفضائل الكريمة والأخلاق المحمودة عن طريق تشربه لهذه الأخلاق واكتسابه العادات الحسنة من مخالطته للقدوات الصالحة. والمسلم الكامل هو الذي اكتملت أخلاقه بإكمال دينه وإيمانه. يقول الرسول ﷺ : "خيركم إسلاما أحاسنكم أخلاقا إذا فقهوا". يضاف إلى ذلك أيضا ما سبق أن قلناه عن التربية الإسلامية باعتبارها تربية متدرجة. التدرج في تربية الطفل: التربية الإسلامية كما سبق أن أشرنا تربية متدرجة تتمشى مع طبيعة نمو الإنسان، وقد جاء الإسلام نفسه متدرجا في أحكامه التي ربي عليها المسلمون الأوائل، ومن مظاهر تدرج التربية الإسلامية الاهتمام بتربية الجسم في السنوات الأولى من حياة الطفل حيث تكون هذه التربية ألزم ما تكون لنموه الجسمي السريع في هذه المرحلة. ثم تأتي مرحلة التأديب والتهذيب والتعليم بعد هذه المرحلة عندما يصل الطفل إلى سن العقل والتمييز، ولهذا تكون التربية في هذه المرحلة تربية عقلية أخلاقية. وأخيرا تأتي مرحلة النضج والاكتمال حيث يكون الإنسان قد وصل إلى المرحلة التي فيها المسئولية كاملة ويقوم بواجباته وأدواره الاجتماعية في الحياة كراشد مسئول يتحمل فيها نتائج تصرفاته وأعماله. وعلى مستوى تعليم الصبيان أشار علماء المسلمين إلى ضرورة التدرج في تعليم الصبي والبدء بالأشياء السهلة ثم الانتقال منها إلى ما هو أصعب.

стр. 228

ويطالبون المعلم بألا يخوض في العلم دفعة واحدة بل يتدرج فيه مع مراعاة الترتيب بالأهم. وكذلك ينبغي عليه ألا يخوض في علم إلا بعد أن يستوفي ما قبله، فالعلوم مرتبة ترتيبا ضروريا وبعضها طريق بعض. ويميز ابن خلدون بين ثلاث مراحل سماها "تكرارات" في التعليم. المرحلة الأولى يكون التعليم فيها إجمالا والثانية تفصيلا والثالثة تتناول ما استشكل في العلم ومسائل الخلاف فيه. وسنشير إلى تفصيل رأي ابن خلدون. ويؤكد الغزالي على ضرورة فهم المعلم لطبيعة الصبي، وهذا يتأتى من دراسته لنفسية الصبيان الذين يعلمهم فهم ليسوا سواء، وهذه الدراسة تساعده من ناحية أخرى على إيجاد الصلة الإنسانية بينه وبينهم. وعلى المعلم أن يتدرج في تعليم الصبي وأن يبدأ معه من السهل إلى الصعب. وفي ذلك يقول الغزالي: "إن أول واجبات المربي أن يعلم الطفل ما يسهل عليه فهمه لأن الموضوعات الصعبة تؤدي إلى ارتباكه العقلي وتنفره من العلم". تعلم آداب المأكل والمشرب والملبس وبعض الآداب العامة: وضع الإسلام للمأكل والمشرب والملبس آدابا كما وضع آدابا عامة ينبغي أن يتحلى بها كل مسلم. كما ينبغي على كل مسلم أن ينشئ أولاده وأهله عليها. فمن الآداب العامة في كل هذه الأمور الاتزان، والاعتدال، وعدم المبالغة فيها، أو التباهي بها، أو التفاخر. فقد ورد في الأثر "حسب ابن آدم من طعامه لقيمات يقمن صلبه". و "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه". و "جوعوا تصحوا". و "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع". وقد حدثنا ديننا على أن نراعي في مطعمنا ومشربنا ألا نملأ معدتنا بالطعام حتى لا نصاب بالبطنة وهو مرض يصيب المسرفين الجشعين في الطعام والشراب، وأن نراعي أن يكون ثلث معدتنا للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس. كما أن الإنسان يأكل ليعيش ولا يعيش ليأكل. قال ابن قدامة: "شهوة البطن من أعظم المهلكات وبها أخرج آدم ﵇ من الجنة. ومن شهوة البطن تحدث شهوة الفرج والرغبة في المال، ويتبع ذلك آفات كثيرة كلها من بطر الشبع". وهذا يذكرنا بما ورد في الأثر عن جماعة من الناس "قوم إذا جاعوا سرقوا وإذا شبعوا زنوا". وبالنسبة للملبس أو

стр. 229

اللباس فالغرض منه ستر العورة وحماية الجسم. ويجب أن يتخير المرء من اللباس ما يحقق هذا الغرض بدون إسراف أو رغبة في التفاخر، وأن يتخير لنفسه ولأهله من اللباس ما لا يرهقه بالمال أو لا يقدر عليه فالمثل يقول: "على قدر لحافك مد رجليك". ومن الآداب التي نادى بها علماء المسلمين في تربية الأطفال والصبية على آداب الطعام أن نعودهم منذ البداية إذا جلسوا على مائدة الطعام ألا يبادروا أو يسرعوا إلى الطعام بل عليهم أن ينتظروا حتى يجتمع شمل الجميع ويبدءوا جميعا في الأكل معا. كما لا ينبغي لهم ألا يقبلوا على الطعام بنهم أو شره أو أنانية ولا يأخذوا منها إلا كمية قليلة تقل عن حاجتهم فإذا أرادوا المزيد فليتزودوا بحيث لا يتركون فائضا من الطعام في طبقهم أو أمامهم. وعليهم ألا يبلعوا الطعام أو يزدردوه ازدرادا بل عليهم أن يحسنوا مضغة لأن في جودة المضغ تسهيل لهضمة ولا ينبغي للأطفال أو الصبية أن يديموا النظر أو يمنعوه في أنواع الطعام الموجودة أمامهم وأن يتناولوا منها ما هو أقرب إليهم وألا يزاحموا أحد آخر إذا كان قد سبقهم إلى نوع من الطعام. بل عليهم الانتظار قليلا حتى ينتهي من سبقهم ويأتي دورهم. وينبغي على الصبي ألا يحدث صوتا أثناء الأكل أو أثناء مضغ الطعام أو أثناء شرب الماء وأن يصغر لقمته بمقدار فمه ولا يملأ فمه بالطعام المتواصل وتوالي اللقم بسرعة بل ينتهي أولا من مضغ ما أكل وبلعه ثم يبدأ في تناول غيره. وينبغي على الصبي أيضا ألا يلطخ أو يوسخ يده أو فمه أو ثوبه بالطعام لأن هذا يثير اشمئزاز الجالسين معه ولو كانوا أهله وأخوته. وينبغي ألا يلحظ من يؤاكله ولا يتتبع بنظره مواقع يده من الطعام وأن يؤثر غيره بما يليه وإن كان أفضل مما عنده وأن يضبط شهوته ويقتصر على أدنى الطعام. وينبغي أن يربي الصغير على أن الطعام يراد به صحة الجسم للعيش لا لذة الطعام والإسراف فيها لأننا نأكل لنعيش ولا نعيش لنأكل كما سبق أشرنا. ويرى بعض علماء المسلمين أن تكون الوجبة الرئيسية هي العشاء وليست الغذاء كما يجري العادة لأن ذلك يساعد على عدم الكسل أو النوم أثناء النهار. كما يرون أن من الأنفع للصبي عدم الإسراف في أكل اللحم أو الحلوى لأن الأكثار منها يضر الجسم كما

стр. 230

أنه يعود الصبي النهم والشره ومحبة الأكل. وينبغي أن يعود الطفل على الأكل في مواعيد منتظمة كما ينبغي أن يقتصد جهد الطاقة فيما يدخل بطنه من أطعمه أو حلوى أو مشروبات بين الوجبات أو بين كل أكله وأخرى. وينبغي أن يبدأ طعامه بالبسملة وينهيه بحمد الله وشكره والدعاء بإدامة النعمة من الله. كما ينبغي عليه أن يستخدم يده اليمنى في الأكل لقوله ﷺ ينصح غلاما: "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك" وينبغي أن يغسل يديه وفمه بعد الأكل ويفضل أن يستخدم السواك أو الفرشاة لتنظيف أسنانه بعد كل وجبة لا سيما بالليل وفي أول الصباح. وبالنسبة للباس والزينة فيجب أن يقتصد الصبي فيها على قدر الحاجة ولا يتشبه بالنساء في اللباس أو لبس الخواتم أو السلاسل أو الساعات الذهبية أو المصنوعة من الذهب أو الجواهر الثمينة أو ما يوحي بحب الظهور أو التفاخر. ولا يجب أن يفتخر الصبي على أقرانه بأي شيء يملكه بل يجب أن يكون متواصعا مع كل من يعامله من الرفاق. كما ينبغي أن يعود الصبي على عدم ترك شعره طويلا بل يبادر إلى قصه وحلاقته كما يقص أظافره ويقلمها أيضا كلما طالت. ومن الآداب العامة الأخرى التي ينبغي تعويد الطفل عليها أن يعود على طاعة الله وطاعة والديه ومعلميه ومؤدبيه وأن يمنع من الكذب وعدم الحلف صادقا أو كاذبا وأن يتعود الصمت وقلة الكلام ويكون للرد أو الجواب دون لغو في القول، وأن يمنع من السب والشتم واللعن، وأن يعود التأدب والوقار والاحتشام والتواضع، وأن يحترم ويوقر من هو أكبر منه وأن يعطف علي ويرحم من هو أصغر منه وأن يعود خدمة نفسه ومن وهو أكبر منه. وأن نربيه على الإيثار لا الأنانية وحب الذات. كما نربيه على السعي في الخير وأداء الواجب وعدم التقصير فيه ومراعاة حقوق الغير كالجار والصديق والفقير والمريض والمحروم واليتيم والضعيف وما شابه ذلك. ويجب أن يحبب إلى الصبي العلم وتلقيه والحرص عليه وأن نطالبه بحفظ ما تيسر من القرآن الكريم وجيد الشعر والنثر ومحاسن الأخبار وسير العظماء. وعلى الأهل والآباء أن يمتدحوا في الصبي كل ما يبدو منه من فعل جميل وخلق

стр. 231

نبيل وسلوك حسن. وأن يكرموه ويكافئوه عليه. وفي حالة الخطأ أو التقصير لا يجب أن يكاشف به ولا يوبخ عليه ويتغافل عنه لا سيما إذا حاول الصبي إخفاءه وستره لأنه عندئذ يكون قد أحس بخطئه ولهذا تترك له الفرصة لتقويم نفسه بنفسه؟ فإن عاد إلى ذلك وكرره أو لم يحاول إخفاءه وجب توجيهه وإرشاده بطريقة غير مباشرة. ولا يجب أن يستخدم التأديب أو اللوم أو التقريع أو الضرب لتأديب الصبي لأن ذلك يسبب له بلادة الحس وينمي في نفسه نزعة التمرد والعصيان. ويكون استخدام مثل هذه العقوبات بقدر يسير دون زيادة في الألم في حالة الضرورة وفي نهاية المطاف على طريقة العرب في العلاج والتي يحددها القول المعروف "آخر العلاج الكي" ويرى بعض علماء المسلمين منهم الغزالي وابن مسكويه أن يؤذن للصبي في بعض الأوقات باللعب لعبا جميلا يستريح إليه من عناء التعب والتعليم وحضور الدروس وأن يكون لعبه في غير ألم أو عنف أو تعب شديد. وقد أشرنا إلى تفصيل ذلك في كلامنا عن الغزالي ويستحسن الرجوع إليه. تعلم آداب الاستئذان: ومن الآداب التي يتعلمها الطفل من صغره أيضا أدب الاستئذان. إذ يجب عليه أن يتعلم الاستئذان في الدخول على أهله ولا سيما في أوقات معينة مثل وقت الراحة والنوم حين يكون الإنسان معرضا لظهور عورته فيطلع عليها الطفل. قال تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ . وإذا بلغ الطفل الحلم ويبلغ الرجال فليستأذن: قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ . الدين أصل الأخلاق: يعتبر المربون المسلمون الذين أصل الأخلاق، فالدين أساس التربية الخلقية في الإسلام، ولذلك يجب أن يعمل التعليم على تهذيب الأخلاق، وأساس

стр. 232

الأخلاق عنده الضمير الخلقي الحي المستمد من الدين الذي يعتمد على ما ورد عن النبي ﷺ عندما سئل: ما الإيمان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". ويكون اكتساب الأخلاق عن طريق التعليم والقدرة، ولذلك كانت سيرة الرسول ﷺ ذا فائدة تعليمية خلقية عظيمة. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ويبين ابن مسكويه أثر الدين في أخلاق الصبيان فيقول: "والشريعة هي التي تقوم الأحداث وتعودهم الأفعال المرضية وتعد نفوسهم لقبول الحكمة وطلب الفضائل والبلوغ إلى السعادة الإنسانية". "وعلى الوالدين أخذهم بها وبسائر الآداب الجميلة بضروب السياسات من الضرب إذا دعت إليه الحاجة أو التوبيخات أو الإطماع في الكرامات أو غيرها مما يميلون إليه من الراحات أو يحذرونه من العقوبات، حتى إذا تعودوا ذلك واستمروا عليه مدة من الزمان كثيرة أمكن فيهم حينئذ أن يعلموا براهين ما أخذوه تقليدا". الطاعة أساس الفضائل: تعتبر الطاعة أساس الفضائل في التربية الإسلامية، وقد أوجبها الله بقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ . فالطاعة لكل هؤلاء مظهر للخلق الكريم. ويقول ابن مسكويه: "وينبغي أن يعود الطفل طاعة والديه ومعلميه ومؤدبيه وأن ينظر إليه بعين الجلالة والتعظيم ويهابهم". الفضائل والرذائل: إن الفضائل من تمام كمال الإنسان وقد تنبه المسلمون إلى أثر تكوين العادة في اكتساب الفضائل لدى الإنسان، ولذا يوصون المعلم بتوجيه الصبيان إلى العادات الحسنة وإبعادهم عن الرذيلة، وأول الصفات الطيبة التي يتحلى بها في نظرهم هي الطاعة كما سبق أن أشرنا. ومن الصفات الطيبة النظام، فالفوضى مفسدة للصبيان ويقتضي النظام من الصبيان الانتظام في الحضور وعند الانصراف من الدرس والتحلي بالنظام في

стр. 233

الدرس والأعمال المدرسية. والعبادات الإسلامية خير ما يعود على الطاعة والنظام، ولذا كانت ممارستها واجبة. والمعلم مطالب بتعليمها للصبيان باعتبارها أصل الفضائل وعصمة الرذائل -كما أشرنا أيضا. ويؤكد ابن الجزار على أخذ الصبيان بالأدب منذ الصغر، لأن العادة طبيعة ثانية وقد قال أحد الفلاسفة: "إن أكثر الناس إنما أوتوا سوء مذاهبهم من عادات الصبا إذا لم يتقدمهم تأديب وإصلاح أخلاقهم وحسن سياستهم فلذلك أمرنا نحن أن يؤدب الصبيان وهم صغار لأنهم ليست لهم عزيمة تعرفهم بما يؤمرون من المذاهب الجميلة والأفعال الحميدة والطرائق المثلى، ولم تغلب عليهم بعد عادة رديئة تمنعهم من اتباع ما يراد بهم من ذلك. فمن عود ابنه الأدب والأفعال الحميدة والمذاهب الجميلة في الصغر حاز بذلك الفضيلة ونال المحبة والكرامة وبلغ غاية السعادة، ولما كان للعادة هذا التأثير الكبير وجب أن يؤدب الأطفال ويعودوا على الأشياء الجميلة وتربيتهم تربية فاضلة. وقد قال الشاعر: وينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عوده أبوه ويقول ابن الجزار القيرواني عالم القرن الثالث الهجري "التاسع الميلادي" في كتابه سياسة الصبيان وتدبيرهم: أن يؤخذ الصبيان بالأدب منذ الصغر لأنهم أسلس قيادة وأحسن مواتاة وقبولا. فإن قال لنا قائل: قد نجد من الصبيان من يقبل الأدب قبولا سهلا، ونجد منهم من هو كثير الحياء ونجد منهم من يعني بما يعلمه ويتعلمه بجد واجتهاد ونجد من هو يمل التعليم ويبغضه، وقد نجد أيضا ذوي العناية منهم وذوي العلم من إذا مدح تعلم علما كثيرا. ومنهم من يتعلم إذا عاتبه المعلم ووبخه، ومنهم من لا يتعلم إلا للخوف من الضرب. وكذلك نجد اختلافا كثيرا ومطردا في الذين يملون التعليم ويبغضونه. ويبدو أن ابن الجزار يأخذ في تربية الأطفال بمبدأ الطبع من التطبع أي أن طبائع الأطفال إنما تكون بتطبعهم وتربيتهم، وهذا مبدأ إسلامي سليم، ويتمشى

стр. 234

ابن الجزار أيضا مع المبدأ الإسلامي في تربية الطفل بأن آخر العقاب الضرب بعد أن تفشل الوسائل الأخرى مثل الترغيب والترهيب. العدل في المعاملة: إن أساس المعاملة في الإسلام هو العدل، يستوي في ذلك الصغار والكبار على السواء. فقد أوجب الإسلام على الآباء العدل بين أولادهم. قال ﷺ : "اعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يعدل بينكم" وقال ﷺ : "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم". كما أوجب على الآباء المساواة بين الأبناء وعدم التمييز بينهم في المأكل والملبس والعطاء والمحبة والتقدير. احترام الطفل ومعاملته باللطف: تؤكد التربية الإسلامية على ضرورة احترام الطفل واحترام شخصيته وعدم التقليل من شأنه لصغره. كما يجب معاملته باللطف واللين، ومن الشواهد على ذلك: أن النبي ﵊ كان إذا مر على الصبيان سلم عليهم، واقتدى صحابته به في ذلك. وفي حديث النبي ﷺ : "ليس منا من لا يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا" وكان النبي ﷺ يلاطف الأطفال ويمازحهم ليدخل السرور على قلوبهم كما كان يهش ويبش في وجوههم. ويروى أن أناسا من الأعراب قدموا على الرسول ﷺ فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قال: "نعم" قالوا: لكنا والله ما نقبل: قال صلى الله عليه سلم: "أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلوبكم" وقال ﷺ : "من كان له صبي فليتصاب له". الرفق في المعاملة: من الاعتبارات الإسلامية الهامة في معاملة الصبي الرفق به، وعلى المعلم أن يترفق بتلاميذه ولا يتشدد معهم. ومن حسن رعايته لهم أن يكون بهم رفيقا وعليه أن يجريهم منه مجرى بنيه. وإذا ما أخطأ الصبي منتهكا الطريق السوي راضه المعلم مبينا له السبيل التي ينبغي سلوكها وأول سبل الرياضة الإفهام والتنبيه. يقول ابن مسكويه: "وإذا أخطأ الصبي فأولى ألا يوبخ عليه ولا يكاشف بأنه أقدم عليه بل

стр. 235

ويتغافل عنه تغافل من لا يخطر بباله أنه قد تجاسر على مثله ولا هم به ولا سيما إن ستره الصبي واجتهد في أن يخفي ما فعله عن الناس". "فإن عاد فليوبخ عليه سرا ... ويحذر من معاودته فإنك إذا عودته التوبيخ والمكاشفة حملته على الوقاحة وحرضته على معاودة ما كان استقبحه وهان عليه سمع الملامة". "والذنب الأول الذي يرتكبه الصبي يعفى عنه والثاني يعاتب عليه عتابا غير مباشر كأن يقال له: إن فعل كذا وكذا قبيح والثالث يعاتب عتابا مباشرا. فإن عاد إلى ذلك ضرب ضربا خفيفا. فإذا استعمل المعلم هذه الطرق ولم ينته الصبي فعليه أن يتركه مدة ثم يعود إليه بنفس الطرق". الشدة مضرة بالمتعلم: عقد ابن خلدون فصلا في مقدمته عن الشدة على المتعلمين وأنها مضرة بهم قال فيه: "إن إرهاق الجسد في التعليم يضر بالمتعلم ولا سيما في أصاغر الولد لأن من كان مرباه بالعنف والقهر من المتعلمين ذهب نشاط نفسه ودعاء ذلك إلى الكسل وحمله على الكذب والتظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه. وربما صارت له هذه عادة وخلقا فتفسد معاني الإنسانية عنده وتكسل نفسه عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل". ضرورة المدح والتشجيع: يتفق المربون المسلمون على ضرورة مدح الطفل وتشجيعه إذا ما أظهر أي شيء يستحق المدح، وذلك تشجيعا له. ويقول ابن مسكويه في "تهذيب الأخلاق": "ويمدح الصبي بكل ما يظهر فيه من خلق جميل وفعل حسن يكرم عليه" "وعلى المعلم أن يغبطه على إحسانه ... ليعرف وجه الحسن من القبح فيدرج على اختيار الحسن". لزوم التأديب: إن تأديب الطفل كما يقول الماوردي يلزم من وجهين: أحدهما ما لزم الوالد لولده في صغره. والثاني: ما لزم الإنسان في نفسه عند نشأته وكبره. فأما

стр. 236

التأديب اللازم للأب، فهو أن يأخذ ولده بمبادئ الآداب ليأنس بها، فينشأ عليها فيسهل عليه قبولها عند الكبر، لاستئناسه بمبادئها في الصغر، لأن نشأة الصغير على الشيء تجعله متطبعا به، ومن أغفل في الصغر كان تأديبه في الكبر عسيرا. وقد روى عن النبي " ﷺ ": أنه قال: "ما نحل والد ولده نحلة أفضل من أدب حسن يفيد إياه أو جهل قبيح يكفه ويمنعه منه" وقال بعض الحكماء: بادروا بتأديب الأطفال قبل تراكم الأشغال وتفرق البال ... وقال بعض الشعراء: إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولا يلين إذا قومته الخشب قد ينفع الأدب الأحداث في الصغر ... وليس ينفع عنده الشيبة الأدب وقال آخر: ينشو الصغير على ما كان والده ... إن الأصول عليها ينبت الشجر وقال شاعر آخر في هذا المعنى: وينشأ ناشئ الفتيان منا ... على ما كان عوده أبوه وذلك لأن النفس البشرية تحتاج دائما على التطبع بالخصال الحميدة وإلا خرجت عن طبيعتها. وقد قال البوصيري في بردته المشهورة: والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم آخر العقاب الضرب: إن العقوبة مشروعة في الإسلام وجعل الله لنا في القصاص حياة. وقد أقر المربون المسلمون مبدأ عقاب الصبيان، لكنهم اشترطوا الرفق بهم تمشيا مع روح الإسلام التي تتسم بالرحمة والعفو. كما أن منزلة المعلم من الصبي هي منزلة الوالد. وهو مطالب أن يكون رفيقا به عادلا في عقابه غير متشدد فيه، ومن الرفق ألا يبادر المعلم إلى العقاب إلا إذا أخطأ الطفل، وإنما ينبهه مرة بعد أخرى فإذا لم ينتصح لجأ إلى العقاب. وقد نهى المربون المسلمون عن استخدام أسلوب الحرمان من الطعام والشراب في العقاب، لما له من أثر على صحة الطفل في هذه المرحلة، ونهوا المعلم عن الانتقام في العقاب، وضرب الصبيان في حالة الغضب

стр. 237

حتى لا يكون "ضرب أولاد المسلمين لراحة نفسه". وأشاروا إلى اتباع أسلوب الترغيب والترهيب في معاملة الصبيان. فأقروا الضرب كعقوبة إلا أنهم اشترطوا لها شروطا من أهمها: ١- لا يجوز ضرب الأطفال قبل العاشرة لقوله: "واضربوهم لعشر". ٢- لا يجوز ضرب الطلاب الذين تقدمت أعمارهم. ٣- ألا يوقع المعلم الضرب إلا على ذنب وللضرورة القصوى ولا يكثر فيه. ٤- أن يكون العقاب على قدر الذنب لا للتشفي. ٥- أن يكون الضرب من واحدة إلى ثلاث، ويستأذن ولي الأمر فيما زاد عن ذلك. ٦- أن يقوم المعلم بالضرب بنفسه ولا يوكله لواحد من الصبيان. ٧- أن يكون الضرب على الرجلين ويتجنب الضرب على الوجه والرأس أو الأماكن الحساسة من الجسم. ٨- أن تكون آلة الضرب هي الدرة أو الفلقة، ويجب أن يكون عود الدرة رطبا مأمونا. ضرورة الترويج واللعب: من المعروف أن الطفل يقضي جزءا كبيرا من سنوات عمره الأولى في اللعب ... وبعض صغار الحيوانات على سبيل المثال كالقطط والجراء وهي صغار الكلاب تقضي وقتا كبيرا من حياتها تلعب وتمرح. والأم سواء بالنسبة للإنسان أن الحيوان تشارك الصغار في هذا اللعب. ويميل الأولاد عادة إلى اللعب بالأشياء الميكانيكية الآلية والعسكرية وبناء القلاع والحصون. أما البنات الصغيرات فيملن إلى اللعب بالعرائس والمنازل والحيوانات. وهذه الأشياء كما يبدو تتصل بحياة وأعمال الكبار. وقد لا يكون للأطفال الاختيار في لعبهم لأن الكبار هم الذين يقدمونها لهم. وهم بذلك يحددون نوع اللعب المناسبة للبنت والولد في ضوء أفكارهم وقيمهم وتوقعاتهم. وقد أكد المربون في الشرق والغرب أهمية اللعب في التربية لأن الطفل من

стр. 238

خلاله يكتسب مهارات معرفية وحركية وجسمية فضلا عن أنه عن نفسه بل إن بعض الباحثين يرى أن البحث العلمي ما هو إلا استمرار لنزعة اللعب عند الصغار وامتدادها لحياة الكبار "Pickering: p.١١". وفي الغرب أكد المربون من أمثال جون لوك وجان جاك روسو وياسيدو وكومينيوس على أهمية اللعب في التربية. بل إن فرويل الذي أنشأ رياض الأطفال كان معلما ناجحا واستخدم اللعب كوسيلة تربوية للأطفال. وفي الشرق نجد أن التربية الإسلامية تهتم بتربية الطفل خلال اللعب والترويح عن نفسه. وفي تربية الولد يشير الغزالي إلى ضرورة الترويح عن الصبي، وأشار إلى موضوع اللعب الذي قال: إن له ثلاث وظائف: يروض جسم الصغير ويقويه، ويدخل السرور على قلبه، ويريح الصبي من تعب الدروس، ويروح عن تعب النفس كللها ومللها. ويقول ابن مسكويه في نفس المعنى: "وينبغي أن يؤذن له في بعض الأوقات أن يلعب لعبا جميلا ليستريح إليه من تعب الأدب، ولا يكون في لعبه ألم ولا تعب شديد". أفضل الأوقات: أفضل الأوقات لطالب العلم شرخ الشباب بالنسبة للعمر ووقت السحر وما بين العشاءين للاستذكار كما يقول الزرنوجي. وينبغي لطالب العلم أن يستغرق جميع أوقاته فإن مل من علم يشتغل بعلم آخر. وهذه نظرة ثاقبة من الزرنوجي تتفق مع أحدث نظريات وآراء علم النفس التعليمي. ويشير الزرنوجي إلى ابن عباس ﵁ أنه كان إذا مل من الكلام يقول: هاتوا ديوان الشعراء. وكان محمد بن الحسن لا ينام الليل وكان يضع عنده الدفاتر. وكان إذا مل من نوع ينظر في نوع آخر. وكان يضع عنده الماء ويزيل نومه بالماء. وكان يقول: إن النوم من الحرارة فلا بد من دفعه بالماء البارد. توجيه المتعلم إلى دراسة ما يناسبه: يشير الزرنوجي إلى ما يعرف الآن بالإرشاد الأكاديمي ودور المعلم في توجيه المتعلم إلى نوع الدراسة الملائمة له فيقول: "وينبغي لطالب العلم ألا يختار

стр. 239

نوع علم بنفسه. بل يفوض أمره إلى الأستاذ. فإن الأستاذ قد حصلت له من التجارب في ذلك فكان أعرف بما ينبغي لكل أحد، وما يليق بطبيعته". ويورد قول الإمام الأجل الأستاذ برهان الدين: "كان طلبة العلم في الزمان الأول يفوضون أمروهم في التعليم إلى أستاذهم فكانوا يصلون إلى مقاصدهم ومرادهم. والآن يختارون بأنفسهم فلا يحصل مقصودهم من العلم والفقه". ويحكى عن الإمام البخاري أنه كان يتعلم شيئا آخر على يد محمد بن الحسن فنصحه ﵀ بأن يذهب ويتعلم الحديث لما رأى أن ذلك العلم أليق بطبعه. فطلب علم الحديث. فصار فيه مقدما على جميع أئمة الحديث. ويشير الدكتور أحمد شلبي في كتابه عن التربية الإسلامية "ص٢٩٩" إلى ما ورد في مناهج المتعلم من حديث طريف عن اختبارات الذكاء يقرر أنه يجب على المعلم أن يشخص طبيعة المتعلم المبتدئ من حيث الذكاوة والغباوة. ويعلمه على مقدار وسعه. كما يشير إلى أن المربين المسلمين كانوا يعتمدون على التجربة. فهم يعلمون الطفل ثم يحكمون عليه بمقدار النتيجة التي يستطيع أن يحصل عليها. كما كانوا يختبرون ذاكرة التلميد ليروا ما إذا كان يميل إلى الحفظ أو التعمق في التفكير فإذا كانت الأولى فليدرس علم الحديث مثلا وإن كانت الثانية فليدرس الفلسفة والمناظرة وعلوم الجدل والكلام. ويقول ابن جماعة في كتابه: "تذكرة السامع والمتعلم في آدب العالم والمتعلم" إذا علم المعلم أن تلميذا لا يفلح في فن أشار عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فيه فلاحه. وقد روي أن يونس بن جبيب كان يختلف إلى الخليل بن أحمد يتعلم منه العروض فصعب عليه تعلمه. فقال له الخليل يوما: من أي بحر قول الشاعر: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع ففطن يونس لما عناه الخليل فترك العروض وأخذ يتعلم النحو وقواعد اللغة حتى أصبح في ذلك إماما وعالما شهيرا. وقد سبق أن أشرنا إلى أن الإمام البخاري كان يتعلم الفقه على يد محمد بن الحسن فوجهه لدراسة الحديث لما رأى أنه أكثر مناسبة له. وقد بز البخاري علماء عصره في ذلك وأصبح أحد كبار مشاهير رجال الحديث.

стр. 240

تربية بالقدوة: للقدوة دور هام في التربية ولا سيما في مرحلة الطفولة، فالطفل يقتدي بمن يراهم ويقلدهم في أعمالهم وسلوكهم, ولذلك عنيت التريبة الإسلامية بالقدوة الحسنة. وقد قال عمرو بن عتبة لمؤدب ولده: "ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك فإن عيونهم معقودة بك فالحسن عندهم ما فعلت، والسيئ عندهم ما تركت. علمهم كتاب الله وروهم من الحديث أشرفه ومن الشعر أعفه ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم وعلمهم سنن الحكماء وجنبهم محادثة النساء". وينصح ابن المقفع من نصب نفسه للناس إماما في الدين أن يبدأ بتعليم نفسه وتقويمها في السيرة والرأي واللفظ، فيكون تعليمه للناس بسيرته أبلغ من تعليمه بلسانه قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . وفي هذا المعنى قال الشاعر: يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسه كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح به وأنت سقيم ونراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبدا وأنت من الرشاد عديم لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم ويؤكد المربون المسلمون على أهمية القدوة بالعلم والعمل وضرورة توافرهما في العالم والمعلم حتى يهتدي بها المتعلم. ولذلك اعتبروا أخذ العلم مباشرة من العلماء لا من بطون الكتب. فالإمام الشافعي ومن بعده ابن جماعة وغيرهما يرفضون التعلم من بطون الكتب أو تمشيخ الصحيفة. وفي ذلك يقول الشافعي: "من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام. وكان بعضهم يقول: من أعظم البلية تمشيخ الصحيفة. أي الذين تعلموا من الصحف".

стр. 241

تربية بالموعظة: إن القرآن الكريم حافل بالمواعظ والعبر والحكم التي يمكن أن تساعد المربين على تربية النشء تربية إسلامية صحيحة ويقدم لهم المادة والمواقف والأحداث التي تمكنهم من عمل ذلك. ولا شك في أن العظات ذات المغزى الخلقي الكريم ومثيلتها من العبر والحكم والنصائح لها فعل السحر في نفوس الناس صغارا أو كبارا لأنها تتبع الأسلوب غير المباشر في التوجيه وغرس القيم الخلقية والدينية المرغوبة. ومن أساليب التربية بالمواعظة أسلوب الخطاب العقلي المشحون بالمشاعر مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ . وقوله في سورة يوسف: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وهناك الأسلوب القصصي الذي يعتبر أهم مصدر للصغار والكبار للتربية بالموعظة. فهو أسلوب مشوق وحبب للنفس يستطيع المربون من خلاله أن ينشئوا أولادنا على المثل العليا والأخلاق الإسلامية النبيلة. قال تعالى في سورة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ ، وقوله في سورة الأعراف: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . من هذه القصص قصص الأنبياء ﵈ مثل سيدنا نوح ولقمان ويعقوب وإبراهيم وموسى وعيسى. ومنها قصة مريم وقصة يوسف وقصة فرعون وثمون وعاد ولوط وذي القرنين وبلقيس ملكة سبأ وهاجر وإسماعيل وهناك أيضا قصص الطير والحيوان. تربية بالمخالطة: تهتم التربية الإسلامية بالأثر الذي تحدثه مخالطة الصبي لرفاقه وتأثير هؤلاء الرفاق على سلوكه وشخصيته. ولذلك تحرص على حسن اختيار الرفاق الذين يصاحبهم أو يخالطهم، واشترطت أن يكونوا من ذوي الأدب والخق حتى ينشأ الصبي نشأة صالحة؛ لأنه في مخالطته لهم يقتدي بهم في سلوكه كما أن هذا الاختلاط يساعد بعضهم بعضا على التعلم. وقد ضرب لنا الرسول ﷺ مثل الجليس الصالح والجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير. ويقول ابن سينا. "ينبغي أن يكون مع الصبي في مكتبه صبية من أولاد الجلة حسنة آدابهم

стр. 242

مرضية عاداتهم. فإن الصبي عن الصبي ألقن وهو عنه آخذ وبه آنس. وانفراد الصبي الواحد بالمؤدب أجلب الأشياء لضجرهما، فإذا راوح المؤدب بين الصبي والصبي كان ذلك أتقى للسآمة وأبقى للنشاط وأحرى للصبي على التعليم والتخرج فإنه يباهي الصبيان، والمحادثة تفيد انشراح العقل وتحل منعقد الفهم لأن كل واحد من أولئك إنما يتحدث بأغرب ما رأى وأغرب ما سمع فتكون غرابة الحديث سببا للتعجب منه والتعجب منه سببا لحفظه وداعيا إلى التحدث به ... ثم إنهم يترافقون ويتعارضون الزيارة ويتكارمون ويتعارضون الحقوق، وكل ذلك من أسباب المباراة والمساجلة والمحاكاة، وفي ذلك تهذيب لأخلاقهم وتحريك لهمهم وتمرين لعاداتهم. وينصح الزرنوجي في "تعليم المتعلم" الطالب بألا يصادق من زملائه إلا المجد الورع وصاحب الطبع المستقيم وأن يفر من الكسلان والمعطل والمكثار والمفسد والفتان ويورد قول الشاعر: عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي فإن كان ذا شر فجانبه سرعة ... وإن كان ذا خير فقارنه تهتدي وقو آخر: لا تصحب الكسلان في حالاته ... كم صالح بفساد آخر يفسد عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... كالجمر يوضع في الرماد فيخمد العلم يكون بالمثابرة: يكون تحصيل العلم بالجد والمثابرة على الدرس والقراءة والاطلاع. فالعلم لا يفتح أسراره لقارئ عابر أو دارس طارئ. ذلك أن مغالق العلم وأسراره لا تنفتح إلا بكثرة البحث في سبيل معرفتها والمعاناة من أجل التوصل إليها. وقديما قال الشاعر: أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجأ وقال آخر: "من طلب العلا سهر الليالي". وقال ابن راشد: "لا يحصل العلم إلا بالعناية والملازمة والبحث والنصب والصبر على الطلب". كما حكى

стр. 243

الله تعالى عن موسى ﵇ أنه قال للخضر: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ وأنه قال لفتاه: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ وقال سعيد بن المسيب: "إني كنت أرحل في طلب العلم والحديث الواحد مسيرة الأيام والليالي" ولهذا ساد أهل عصره وسمي سيد التابعين. وقال مالك ﵁: "أقمت خمس عشرة سنة أغدو من منزلي إلى منزل ابن هرمز وأقيم عنده إلى صلاة الظهر" ولهذا ساد مالك أهل عصره وسمي إمام الهجرة. وهكذا يجب على طالب العلم أن يتحلى بالصبر والمثابرة في طلب العلم وتحصيله، وعلى المعلم أن يساعد تلاميذه على تكوين الاتجاهات الصحيحة نحو العلم وتحصيله وأن يبين لهم أنه بقوة الإرادة والعزيمة يستطيع الإنسان أن يتغلب على صعاب العلم وأن يصل في النهاية إلى المكانة التي يريدها.

стр. 244

آداب المتعلم: يورد علماء المسلمين منهم الزرنوجي والعلموي والأصفهاني في "الذريعة إلى أحكام الشريعة "ص١٤٩": عدة آداب يجب أن يتحلى بها المتعلم من أهمها: ١- أن يطهر نفسه من رديء الأخلاق كما تطهر الأرض للبذر من خبائث النبات لأن الطاهر لا يسكن إلا بيتا طاهرا. ويعتبر الزرنوجي الأخلاق الذميمة كلابا معنوية أي مؤذية. وعلى المتعلم أن يحذر منها. كما ينبغي عليه أن يبتعد عن الكسل لأنه شؤم وآفة عظيمة. وقد قال الشاعر: فلم أر لكسالى الحظ يعطي ... سوى ندم وحرمان الأماني ٢- أن يقلل من الاشتغال الأعمال الدنيوية ما دام يدرس ليتوفر فراغه على العلوم الحقيقية. أي يتفرع للعلم والاجتهاد في تحصيله بما لا يصرفه عنه. وقد قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ . وأن يغتنم للتحصيل وقت الفراغ والنشاط وحال الشباب وقوة البدن ونباهة الخاطر، وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة. ٣- ألا يتكبر على معلمه وأن يعلم أن ذله لشيخه عز، وخضوعه له فخر،

стр. 245

وتعظيم حرمته مثوبة, والتشمير في خدمته شرف. قال ﷺ : "تعلموا للعلم السكينة والوقار وتواضعوا لمن تأخذونه منه". وأخذ ابن عباس ﵄ مع جلالته وميزته بركات زيد بن ثابت ﵁، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا, ويقال إن الشافعي ﵀ عوتب على تواضعه للعلماء فقال: أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها وعلى المتعلم أيضا إذا وجد معلما أن يأتمر له ولا يتآمر عليه، ولا يراده فيما ليس بصدده تعلمه ولم يبلغ منزلة معرفته بعد. ٤- ألا يتكبر على العلم. فالعلم خراب للمتعالي كالسيل خراب للمكان العالي ولهذا قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإن أعطيته كلك فإنك من إعطائه إياك بعضه على خطر. ٥- يقول الزرنوجي ليس لصحيح البدن والعقل عذر في ترك العلم والتفقه. وإذا كان عذر المرء هو الفقر فلن يكون أفقر من أبي يوسف رحمه الله تعالى لم يمنعه من التفقه والعلم ومن كان له مال كثير فنعم المال الصالح للرجل الصالح المنصرف في طريق العلم. ٦- يقول الزرنوجي: من الورع في العلم أن يجترز طالب العلم عن الشبع لأن البطنة تذهب الفطنة. كما يحذر من كثرة النوم وكثرة الكلام فيما لا ينفع وأن يتحرز عن أكل السوق إن أمكن لأن طعام السوق أقرب للنجاسة والخباثة. وأبعد عن ذكر الله وأقرب إلى الغفلة. ولأن أبصار الفقراء تقع عليه، ولا يقدرون على الشراء منه. فيتأذون بذلك فتذهب بركته. وحكى أن الشيخ الإمام الجليل محمد بن الفضل ﵀ كان في حال تعلمه لا يأكل من طعام السوق. وكان أبوه يسكن في "الرستاق" وهو موضع فيه بيوت مجتمعة أو قرى ويهيئ إليه طعامه ويدخل إليه يوم الجمعة فرأى في بيت ابنه خبز السوق يوما. فلم يكلمه ساخطا عليه فاعتذر ابنه وقال: ما اشتريته أنا ولم أرض به. ولكن أحضره شريكي. فقال له أبوه: لو كنت تحتاط وتتورع عن مثله لم يجترئ شريكك على ذلك. ويبدو أن تطبيق ذلك

стр. 246

صعب في عصرنا الراهن لتزايد اعتماد حياة سكان المدينة على المطاعم والمخابز والأكلات المعدة أو الجاهزة. ولكن ما زال الكلام يصدق على محلات الأكل غير النظيفة والمشبوهة والباعة الجائلين أو المتنقلين. ٧- لا بد لطالب العلم من الهمة العالية في العلم، فإن المرء يطير بهمته كالطير يطير بجناحيه. وقد قال الشاعر: إذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام ولا بد لطالب العلم من سهر الليالي. فمن طلب العلا سهر الليالي كما يقول الشاعر. ومن مأثور الحكم اتخذ الليل جملا تدرك به أملا. وقال الشاعر في هذا المعنى: من شاء أن يحتوي آماله جملا ... فليتخذ ليله في دركها جملا أقلل من طعامك كي تحظى به سهرا ... إن شئت يا صاحبي أن تبلغ الكملا ٨- يقول الزرنوجي "ص٣٨": لا بد لطالب العلم من المذاكرة والمناظرة والمطارحة. فإن المناظرة والمذاكرة مشاورة، والمشاورة إنما تكون لاستخراج الصواب. وفائدة المطارحة والمناظرة أقوى من فائدة مجرد التكرار. ومثل مطارحة ساعة خير من تكرار شهر إذا كانت المطارحة مع منصف سليم الطبع. ويحذر المتعلم من المذاكرة مع متعنت غير مستقيم الطبع. فإن الطبيعة متسربة والأخلاق متعدية والمجاورة مؤثرة. أي أن التعنت ينتقل إلى المتعلم ويعديه. وقد تفقه أبو حنيفة بكثرة المطارحة والمذاكرة في دكانه حين كان يزازا "أي بائع ثياب". ومن هنا تعلم أن تحصيل العلم قد يجتمع مع كسب العيش. وكان أبو حفص الكبير ﵀ يكتسب الرزق ويحصل العلوم. فإن كان لا بد لطالب العلم من الكسب لمعيشة عياله أو غيرهم فليكتسب وليذاكر ويتعلم ولا يكسل. وهناك أمثلة كثيرة لأناس عصاميين شقوا طريقهم في الحياة وهو يكسبون عيشهم ويحصلون تعليمهم في وقت واحد. ومن فوائد المصارحة والمناظرة الأخذ والعطاء. وقد سئل أبو يوسف ﵀ بم أدركت العلم؟ قال: ما استنكفت من الاستفادة وما بخلت بالإفادة.

стр. 247

٩- وينبغي لطالب العلم أن يكون متأملا في جميع الأوقات في دقائق العلوم ويعتاد ذلك فإنما تدرك الدقائق بالتأمل. ولهذا قيل: تأمل تدرك. ولا بد من التأمل والتفكير قبل الكلام حتى يكون صوابا. فإن الكلام كالسهم فلا بد من تقويمه بالتأمل قبل الكلام حتى يكون مصيبا. وقيل رأس العقل أن يكون الكلام بالتثبت والتأمل. ١٠- على طالب العلم إذا مل من علم أن يشتغل بعلم آخر. وكان ابن عباس ﵁ إذا مل من الكلام يقول: هاتوا ديوان الشعر. وكان محمد بن الحسن لا ينام الليل وكان يضع عنده الدفاتر. وكان إذا مل من نوع ينظر في نوع آخر. وكان يضع عنده الماء ويزيل نومه بالماء. وكان يقول: إن النوم من الحرارة فلا بد من دفعه بالماء البارد كما أشرنا. ١١- ينبغي أن يكون طالب العلم مستفيدا في كل وقت حتى يحصل له العقل بطريقة الاستفادة أن يكون معه في كل وقت قلمه وكشكوله حتى يكتب ما يسمع من الفوائد العلمية. وينبغي عليه أن يأخذ العلم من أفواه الرجال لأنهم يحفظون أحسن ما يسمعون ويقولون أحسن ما يحفظون. ١٢- يقول الزرنوجي "ص٢٥": وينبغي لطالب العلم ألا يختار نوع العلم بنفسه بل يفوض أمره إلى الأستاذ فإن الأستاذ قد حصلت له التجارب في ذلك فكان أعرف بما ينبغي لكل أحد وما يليق بطبيعته. ويقول أيضا "كان طلبة العلم في الزمان الأول يفوضون أمرهم في التعليم إلى أستاذهم فكانوا يصلون إلى مقاصدهم ومرادهم. والآن يختارون بأنفسهم فلا يحصل مقصودهم من العلم والفقه. وهذه نظرة ثاقبة من الزرنوجي سبق بها ما تنادي به التربية الحديثة وهو ما سبق أن أشرنا إليه. ١٣- ألا يشتغل بتعلم الاختلافات المشكلة والشبه الملتبسة في تحصيله للعلم ما لم يتهذب في قوانين ما هو بصدده حتى لا تتولد له شبهة تصرفه عن التوجه فيؤدي ذلك إلى الارتداد عن تحصيل العلم. ١٤- أن يعتني بتصحيح درسه الذي يحفظه قبل حفظه تصحيحا متقنا على شيخه أو غيره ممن يكون أهلا لذلك، ثم يكرر عليه بعد حفظه تكرارا جيدا.

стр. 248

ومنها أن يذاكر محفوظاته ويديم الفكر فيها ويعتني بما يحصل فيها من الفوائد. ١٥- أن يحسن تقسيمه لأوقات ليله ونهاره واغتنام ما بقي من عمره. ويقول العلموي: "إن أجود الأوقات للحفظ والأسحار، وللبحث الإبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل. وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات. ومنها أن يبكر بدرسه لخبر: "بورك لأمتي في بكورها". ويجعل ذلك "البكور" يوم الخميس. وفي رواية "بورك لأمتي في بكورها يوم سبتها وخميسها". وجاء في الخبر أنه ﷺ قال: "اطلبوا العلم يوم الاثنين فإنه ييسر لطالبيه". ورأيت كثيرا من مشايخنا يتحرون الابتداء من يوم الأحد، فينبغي مزيد الاعتناء بهذه الأيام وهذه الأوقات إلا تجري عادة الشيخ بغير ما ذكر، فلا يعترض عليه. ويقول الزرنوجي: أفضل أوقات التحصيل شرخ الشباب ووقت السحر وما بين العشاءين. كما يقول أيضا لا بد لطالب العلم من المواظبة على الدرس والتكرار في أول الليل وآخره فإن ما بين العشاءين ووقت السحر وقت مبارك. ١٦- في آداب المتعلم مع الكتب وهي أداة العلم يقول العلموي: "ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها في العلوم النافعة ما أمكنه شراء أو إجارة أو عارية، لأنها آلة التحصيل، ولا يجعل تحصيلها وجمعها وكثرتها حظه من العلم، ونصيبه من الفهم وقد أحسن القائل: إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع

стр. 249

شروط تحصيل العلم: يورد الزرنوجي شروط تحصيل العلم، وفيها تشابه مع ما ذكر عن آداب التعلم، ويورد الزرنوجي بعض أشعار تنسب لعلي بن أبي طالب تحدد ستة شروط لتحصيل العلم هي: ألا لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن مجموعها ببيان ذكاء وحرض واصطبار وبلغة ... وإرشاد أستاذ وطول زمان

стр. 250

والبلغة هنا معناها ما يكفي لسد الحاجة كما أن من معانيها أيضا "المداس" أو ما يلبس في الرجل والمقصود بطول زمان طول معايشة العلم والاشتغال به. وقد فصل الزرنوجي الكلام عن هذه الشروط وغيرها بالنسبة لطالب العلم وما يجب أن يتحلى به من أخلاق وصفات. وفي شروط تحصيل العلم الجد والمواظبة والملازمة. وقد قيل "من جد وجد" ومن قرع الباب ولج ومن زرع حصد. ومن نظم الإمام الشافعي في هذا المعنى الجد يدني كل أمر شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق وقال شاعر آخر: بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي ومن رام العلا من غير كد ... أضاع العمر في طلب المحال وقيل: من أسهر نفسه بالليل فرح قلبه بالنهار، ولا بد لطالب العلم من المواظبة على الدرس والتكرار في أول الليل وآخره. فإن ما بين العشاءين ووقت السحر وقت مبارك. وقد قال الشاعر في هذا المعنى: يا طالب العلم باشر الودعا ... وجنب النوم واترك الشبعا داوم على الدرس لا تفارقه ... فالعلم بالدرس قام وارتفعا ولا بد لطالب العلم من الهمة العالية. فإن المرء يطير بهمته كما يطير الطير بجناحيه. وقد قال أبو الطيب المتنبي: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم وعلى طالب العلم أن يتجنب الكسل لأنه كما يقول الزرنوجي شؤم وآفة عظيمة. وقد قال الشاعر: الجد في الجد ... والحرمان في الكسل وقال شاعر آخر:
следующие страницы →