← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7436

التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية

محمد منير مرسي

Полный текст (538 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

صعب في عصرنا الراهن لتزايد اعتماد حياة سكان المدينة على المطاعم والمخابز والأكلات المعدة أو الجاهزة. ولكن ما زال الكلام يصدق على محلات الأكل غير النظيفة والمشبوهة والباعة الجائلين أو المتنقلين. ٧- لا بد لطالب العلم من الهمة العالية في العلم، فإن المرء يطير بهمته كالطير يطير بجناحيه. وقد قال الشاعر: إذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام ولا بد لطالب العلم من سهر الليالي. فمن طلب العلا سهر الليالي كما يقول الشاعر. ومن مأثور الحكم اتخذ الليل جملا تدرك به أملا. وقال الشاعر في هذا المعنى: من شاء أن يحتوي آماله جملا ... فليتخذ ليله في دركها جملا أقلل من طعامك كي تحظى به سهرا ... إن شئت يا صاحبي أن تبلغ الكملا ٨- يقول الزرنوجي "ص٣٨": لا بد لطالب العلم من المذاكرة والمناظرة والمطارحة. فإن المناظرة والمذاكرة مشاورة، والمشاورة إنما تكون لاستخراج الصواب. وفائدة المطارحة والمناظرة أقوى من فائدة مجرد التكرار. ومثل مطارحة ساعة خير من تكرار شهر إذا كانت المطارحة مع منصف سليم الطبع. ويحذر المتعلم من المذاكرة مع متعنت غير مستقيم الطبع. فإن الطبيعة متسربة والأخلاق متعدية والمجاورة مؤثرة. أي أن التعنت ينتقل إلى المتعلم ويعديه. وقد تفقه أبو حنيفة بكثرة المطارحة والمذاكرة في دكانه حين كان يزازا "أي بائع ثياب". ومن هنا تعلم أن تحصيل العلم قد يجتمع مع كسب العيش. وكان أبو حفص الكبير ﵀ يكتسب الرزق ويحصل العلوم. فإن كان لا بد لطالب العلم من الكسب لمعيشة عياله أو غيرهم فليكتسب وليذاكر ويتعلم ولا يكسل. وهناك أمثلة كثيرة لأناس عصاميين شقوا طريقهم في الحياة وهو يكسبون عيشهم ويحصلون تعليمهم في وقت واحد. ومن فوائد المصارحة والمناظرة الأخذ والعطاء. وقد سئل أبو يوسف ﵀ بم أدركت العلم؟ قال: ما استنكفت من الاستفادة وما بخلت بالإفادة.

стр. 247

٩- وينبغي لطالب العلم أن يكون متأملا في جميع الأوقات في دقائق العلوم ويعتاد ذلك فإنما تدرك الدقائق بالتأمل. ولهذا قيل: تأمل تدرك. ولا بد من التأمل والتفكير قبل الكلام حتى يكون صوابا. فإن الكلام كالسهم فلا بد من تقويمه بالتأمل قبل الكلام حتى يكون مصيبا. وقيل رأس العقل أن يكون الكلام بالتثبت والتأمل. ١٠- على طالب العلم إذا مل من علم أن يشتغل بعلم آخر. وكان ابن عباس ﵁ إذا مل من الكلام يقول: هاتوا ديوان الشعر. وكان محمد بن الحسن لا ينام الليل وكان يضع عنده الدفاتر. وكان إذا مل من نوع ينظر في نوع آخر. وكان يضع عنده الماء ويزيل نومه بالماء. وكان يقول: إن النوم من الحرارة فلا بد من دفعه بالماء البارد كما أشرنا. ١١- ينبغي أن يكون طالب العلم مستفيدا في كل وقت حتى يحصل له العقل بطريقة الاستفادة أن يكون معه في كل وقت قلمه وكشكوله حتى يكتب ما يسمع من الفوائد العلمية. وينبغي عليه أن يأخذ العلم من أفواه الرجال لأنهم يحفظون أحسن ما يسمعون ويقولون أحسن ما يحفظون. ١٢- يقول الزرنوجي "ص٢٥": وينبغي لطالب العلم ألا يختار نوع العلم بنفسه بل يفوض أمره إلى الأستاذ فإن الأستاذ قد حصلت له التجارب في ذلك فكان أعرف بما ينبغي لكل أحد وما يليق بطبيعته. ويقول أيضا "كان طلبة العلم في الزمان الأول يفوضون أمرهم في التعليم إلى أستاذهم فكانوا يصلون إلى مقاصدهم ومرادهم. والآن يختارون بأنفسهم فلا يحصل مقصودهم من العلم والفقه. وهذه نظرة ثاقبة من الزرنوجي سبق بها ما تنادي به التربية الحديثة وهو ما سبق أن أشرنا إليه. ١٣- ألا يشتغل بتعلم الاختلافات المشكلة والشبه الملتبسة في تحصيله للعلم ما لم يتهذب في قوانين ما هو بصدده حتى لا تتولد له شبهة تصرفه عن التوجه فيؤدي ذلك إلى الارتداد عن تحصيل العلم. ١٤- أن يعتني بتصحيح درسه الذي يحفظه قبل حفظه تصحيحا متقنا على شيخه أو غيره ممن يكون أهلا لذلك، ثم يكرر عليه بعد حفظه تكرارا جيدا.

стр. 248

ومنها أن يذاكر محفوظاته ويديم الفكر فيها ويعتني بما يحصل فيها من الفوائد. ١٥- أن يحسن تقسيمه لأوقات ليله ونهاره واغتنام ما بقي من عمره. ويقول العلموي: "إن أجود الأوقات للحفظ والأسحار، وللبحث الإبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل. وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات. ومنها أن يبكر بدرسه لخبر: "بورك لأمتي في بكورها". ويجعل ذلك "البكور" يوم الخميس. وفي رواية "بورك لأمتي في بكورها يوم سبتها وخميسها". وجاء في الخبر أنه ﷺ قال: "اطلبوا العلم يوم الاثنين فإنه ييسر لطالبيه". ورأيت كثيرا من مشايخنا يتحرون الابتداء من يوم الأحد، فينبغي مزيد الاعتناء بهذه الأيام وهذه الأوقات إلا تجري عادة الشيخ بغير ما ذكر، فلا يعترض عليه. ويقول الزرنوجي: أفضل أوقات التحصيل شرخ الشباب ووقت السحر وما بين العشاءين. كما يقول أيضا لا بد لطالب العلم من المواظبة على الدرس والتكرار في أول الليل وآخره فإن ما بين العشاءين ووقت السحر وقت مبارك. ١٦- في آداب المتعلم مع الكتب وهي أداة العلم يقول العلموي: "ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها في العلوم النافعة ما أمكنه شراء أو إجارة أو عارية، لأنها آلة التحصيل، ولا يجعل تحصيلها وجمعها وكثرتها حظه من العلم، ونصيبه من الفهم وقد أحسن القائل: إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع

стр. 249

شروط تحصيل العلم: يورد الزرنوجي شروط تحصيل العلم، وفيها تشابه مع ما ذكر عن آداب التعلم، ويورد الزرنوجي بعض أشعار تنسب لعلي بن أبي طالب تحدد ستة شروط لتحصيل العلم هي: ألا لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن مجموعها ببيان ذكاء وحرض واصطبار وبلغة ... وإرشاد أستاذ وطول زمان

стр. 250

والبلغة هنا معناها ما يكفي لسد الحاجة كما أن من معانيها أيضا "المداس" أو ما يلبس في الرجل والمقصود بطول زمان طول معايشة العلم والاشتغال به. وقد فصل الزرنوجي الكلام عن هذه الشروط وغيرها بالنسبة لطالب العلم وما يجب أن يتحلى به من أخلاق وصفات. وفي شروط تحصيل العلم الجد والمواظبة والملازمة. وقد قيل "من جد وجد" ومن قرع الباب ولج ومن زرع حصد. ومن نظم الإمام الشافعي في هذا المعنى الجد يدني كل أمر شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق وقال شاعر آخر: بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي ومن رام العلا من غير كد ... أضاع العمر في طلب المحال وقيل: من أسهر نفسه بالليل فرح قلبه بالنهار، ولا بد لطالب العلم من المواظبة على الدرس والتكرار في أول الليل وآخره. فإن ما بين العشاءين ووقت السحر وقت مبارك. وقد قال الشاعر في هذا المعنى: يا طالب العلم باشر الودعا ... وجنب النوم واترك الشبعا داوم على الدرس لا تفارقه ... فالعلم بالدرس قام وارتفعا ولا بد لطالب العلم من الهمة العالية. فإن المرء يطير بهمته كما يطير الطير بجناحيه. وقد قال أبو الطيب المتنبي: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم وعلى طالب العلم أن يتجنب الكسل لأنه كما يقول الزرنوجي شؤم وآفة عظيمة. وقد قال الشاعر: الجد في الجد ... والحرمان في الكسل وقال شاعر آخر:

стр. 251

فكل ذي عمل في الخير مغتبط ... وفي بلاء وشؤم كل ذي كسل ونظم الزرنوجي في هذا المعنى: دعي نفسي التكاسل والتواني ... وإلا فأثبتي في ذا الهوان فلم أر للكسالى الحظ يعطي ... سوى ندم وحرمان الأماني وقال الشاعر في هذا المعنى: لا تصحب الكسلان في حالاته ... كم صالح بفساد آخر يفسد عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... كالجمر يوضع في الرماد فيخمد وعلى طالب العلم ألا يكتب شيئا لا يفهمه لأن ذلك كما يقول الزرنوجي يورث كلالة الطبع ويذهب الفطنة ويضيع الوقت. ويجب أن يجتهد طالب العلم في الفهم والتفكير والتأمل فإنما تدرك الدقائق بالتأمل. ولا بد له من المناظرة والمطارحة بدون شغب أو غضب. ولا تكون نيته من المناظرة إلزام الخصم أو قهوة أو التضليل أو التمويه أو الحيلة وإنما تكون لإظهار الحق والحقيقة. ويرى الزرنوجي أن المطارحة والمناظرة أكثر فائدة لطالب العلم من مجرد الحفظ والتكرار. فمطارحة ساعة خير من تكرار شهر. وعلى طالب العلم أن يستفيد في جميع الأحوال والأوقات من جميع الأشخاص. فقد قال رسول الله ﷺ : "الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها". ويروى أن أبا حنيفة ﵀ تفقه في العلم بكثرة المطارحة والمذاكرة في دكانه حين كان بزازا أي بائع ثياب. وعلى طالب العلم أن يتحرز عن الشبع وكثرة النوم وأكل طعام السوق إن أمكن لأن طعام السوق كما يقول الزرنوجي أقرب إلى النجاسة والخباثة وأبعد عن ذكر الله وأقرب إلى الغفلة ولأن أبصار الفقراء تقع عليه ولا يقدرون على الشراء منه فيتأذون بذلك فتذهب بركته "الزرنوجي: ص٥٣". وهو ما أشرنا إليه. وعلى طالب العلم أن يتحرز عن الغيبة والنميمة ومجالسة المكثار في الكلام. لأن الإكثار في الكلام في نظر الزرنوجي يسرق العمر ويضيع الوقت. ولذا وجب على المتعلم أن يتجنب أهل الفساد والمعاصي والتعطيل ويجاور الصلحاء. وقد

стр. 252

قال الشاعر العربي في فضل السكوت وذم الكلام: النطق زين والسكوت سلامة ... فإذا نطقت فلا تكن مكثارا ما أن ندمت على سكوت مرة ... ولقد ندمت على الكلام مرارا وعلى طالب العلم أن يتحمل المعاناة لا سيما من السفهاء. فقد ورد عن عيسى ﵇ قوله: "احتملوا من السفيه واحدة كي تربحوا عشرا". "الزرنوجي: ص٤٩". ويجب على طالب العلم ألا يجهد نفسه إجهادا ولا يضعف نفسه حتى ينقطع عن العمل فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. بل يستعمل الرفق مع نفسه والرفق أصل عظيم في جميع الأشياء كما يقول الزرنوجي. وينصح الزرنوجي طالب العلم باحترام أستاذه وتقديره فيقول: "اعلم بأن طالب العلم لا ينال العلم ولا ينتفع به إلا بتعظيم العلم أهله وتعظيم الأستاذ وتوقيره". ويورد قول علي كرم الله وجهه: "أن عبد من علمني حرفا واحدا. وإن شاء باع، وإن شاء أعتق، وإن شاء استرق". ويروي ذلك بعبارة أخرى تقول: من علمني حرفا صرت له عبدا. وقال الشاعر: إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما فاصبر لدائك إن جفوت طيبه ... واقنع بجهلك إن جفوت معلما ويقول الزرنوجي أيضا: لا بد لطالب العلم من تحمل المشقة والمذلة في طلب العلم والتملق مذموم إلا في طلب العلم فإنه لا بد له من التملق للأستاذ للاستفادة منه. وقد قيل: العلم عز لا ذل فيه لا يدرك إلا بذل لا عز فيه. وقال الشاعر في هذا المعنى: أرى لك نفسا تشتهي أن تعزها ... فلست تنال العز حتى تذلها ويتفق الماوردي مع الزرنوجي في هذه النقطة فيقول "ص٧٥": "اعلم أن المتعلم في زمان تعلمه تملقا وتذللا. إن استعملها غنم. وإن تركها حرم. لأن التملق للعالم يظهر مكنون علمه والتذلل له سبب لإدامة صبره. وبإظهار مكنونة تكون الفائدة، وباستدامة صبره يكون الإكثار. وقد روى معاذ عن النبي

стр. 253

صلى الله عليه وسلم: "ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم" وقال بعض الحكماء: من لم يحتمل ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا. وقد روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من وقر عالما فقد وقر ربه". ويورد الماوردي تسعة شروط لتحصيل العلم يتوفر بها علم الطالب وينتهي معها كمال الراغب وهي تتفق إلى حد كبير مع ما أشار إليه الزرنوجي. وهي: ١- العقل الذي يدرك به حقائق الأمور. ٢- الفطنة التي يتصور بها غوامض العلوم. ٣- الذكاء الذي يستقر به حفظ ما تصوره وفهم ما علمه. ٤- الميل والاهتمام الذي يسميه الماوردي بالشهوة التي يدوم بها الطلب ولا يسرع إليها الملل. ٥- الاكتفاء بمادة "مال" تكفيه عن كلف الطلب. ٦- الفراغ الذي يكون معه التوفر ويحصل به الاستكثار. ٧- عدم القواطع "أي الموانع والحوائل" المذهلة من هموم وأشغال وأمراض. ٨- طول العمر واتساع المدة لينتهي بالاستكثار إلى مراتب الكمال. ٩- الظفر أو الفوز بعالم أي أستاذ سمع بعلمه متأن في تعليمه. فإذا استكمل طالب العلم هذه الشروط التسعة فهو أسعد طالب وأنجح متعلم. وقد قال الإسكندر: يحتاج طالب العلم إلى أربع: مدة، وجدة، وقريحة، وشهوة "اهتمام" وتمامها في الخامسة وهي معلم ناصح. ويقول الماوردي: لن يدرك العلم من لا يطيل درسه ويكد نفسه. وكثرة الدروس كد لا يصير عليه إلا من يرى العلم مغنما والجهالة مغرما، فيحتمل تعب الدرس ليدرك راحة العلم وينفي عنه معرة الجهل فإن نيل العظيم بأمر عظيم وبحسب الراحة يكون التعب. وربما استثقل المتعلم الدرس والحفظ واتكل بعد فهم المعاني على الرجوع إلى الكتب والمطالعة فيها عند الحاجة فلا يكون إلا كمن أطلق ما مصاده ثقة بالقدرة عليه بعد الامتناع منه. فلا تعقبه الثقة إلا خجلا والتفريط إلا ندما. ويرجع الماوردي السبب في ذلك إلى ضجر المتعلم من معاناة

стр. 254

الحفظ ومراعاته، وطول الأمل في التوفر عليه عند نشاطه. وليس يعلم أن الضجور خائب وأن الطويل الأمل مغرور. والعرب تقول في أمثالها: "حرف في قلبك خير من ألف في كتبك". وقد يكون السبب أيضا عناية المتعلم بالحفظ من غير فهم أو تصور حتى يصير حافظا للألفاظ دون فهم المعاني. ويروي بغير روية ويخبر عن غير تجربة. فهو كالكتاب الذي لا يدفع شبهة ولا يؤيد حجة. وقد روي عن النبي ﷺ قوله: "همة السفهاء الرواية وهمة العلماء الرعاية". وقال ابن مسعود ﵁: "كونوا للعلم رعاة ولا تكونوا له رواة. فقد يرعوي من لا يروي، ويروي من لا يرعوي" وهناك سبب آخر يذكره الماوردي هو أن يكون المتعلم قد اعتمد على حفظه وتصوره وأغفل تقييد العلم في كتبه ثقة بما استقر في ذهنه. وهذا خطأ منه. لأن الشك مفترض والنسيان طارئ. وقد روى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: "قيدوا العلم بالكتاب". وروي أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ النسيان فقال له: "استعمل يدك" أي أكتب حتى ترجع إذا نسيت إلى ما كتبت. وقد قيل: لولا ما عقدته الكتب من تجارب الأولين لا نحل مع النسيان عقود الآخرين. وقال بعض العلماء: إن هذه الآداب نوافر تند "أي تنفر" عن عقل "قيود" الأذهان فاجعلوا الكتب عنها حماة والأقلام لها رعاة.

стр. 255

خاتمة: فهذه لمحات عن تربية الطفل في الإسلام حاولنا خلالها أن نتحدث بلسان النصوص القرآنية والأحاديث، وما ورد عن علماء المسلمين ومربيهم السابقين. ولقد أردنا أن نؤكد أن في هذه النصوص زادا لكل مرب معاصر يستطيع أن يجد فيها أصول الفكر التربوي الحديث. وأردنا من ناحية أخرى أن نبين أن ميدان التربية الإسلامية ميدان خصيب يحتاج إلى جهود مخلصة للكشف عنه والغوص في جوهره. فحركة العلم دائمة لا تتوقف، وهي متجددة باستمرار، ومن تعاليم ديننا الحنيف أن الإنسان يظل عالما ما دام يطلب العلم. وفي هذا فليتنافس المتنافسون.

стр. 256

الفصل الخامس: تعليم المرأة في الإسلام مقدمة: قلما نجد في أي دين من الديانات أو نظام من المجتمعات ذلك التكريم الذي أعطاه الإسلام للمرأة. ففي كل المجتمعات التي سبقت ظهور الإسلام على اختلاف زمانها ومكانها لم تكن المرأة تتمتع بنظرة محترمة، وكانت مكانتها الاجتماعية تتسم بالدونية بدرجات متفاوتة في هذه المجتمعات تشتد حينا وتخف حينا آخر. ففي الهند القديمة كان ينظر إلى المرأة على أنها دورة للروح في حياة شريرة، وكان الهنود يؤمنون بتناسخ الأرواح. وفي مصر الفرعونية كانت المرأة أقل من الرجل في قيمتها ومكانتها الاجتماعية رغم أننا نجد نساء وصلن إلى مرتبة الحكم مثل: حتشبسوت وكليوباترا. وفي وصية الحكيم أني لابنه يقول له: "احذر أن تمشي في طاعة أنثى أو تسمح لها بأن تسيطر على رأيك". وعند اليونان والرومان كانت المرأة ظلا للرجل ومجرد تابع له، ولا تملك من أمرها شيئا. وفي المسيحية كان ينظر للمرأة على أنها فخ نصبه الشيطان للرجل، وأنها سلاح إبليس للفتنة والإغراء. ورغم أن تقديس العذراء مريم قد رفع من النظرة إلى المرأة فإن ذلك لم يغير شيئا كثيرا من الوضع الاجتماعي للمرأة. وفي أوربا لم يكن للمرأة أي حقوق حتى العصور الحديثة، وكان القانون الإنجليزي في أوائل القرن التاسع عشر يبيح للزوج أن يبيع زوجته بمبلغ زهيد. وفي الجاهلية كانت المرأة في وضع لا تحسد عليه فقد كانت مخلوقا للخدمة والمتعة للرجل. وجاء الإسلام ليشرع للمرأة أول قانون كامل يضمن لها منزلتها وكرامتها ويحقق لها حياة تتفق مع طبيعتها ورسالتها. وكان النبي ﷺ المثل الأعلى في معاملة زوجاته. ويقول في ذلك "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في ماله وعرضه"

стр. 257

ويقول أيضا: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخيارهم لنسائهم" وقوله في آخر خطبة له: "استوصوا بالنساء خيرا". وروى البخاري عن النبي صلى الله عليه سلم قال: "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين". وروى البخاري أيضا عن النبي ﷺ قال: قالت النساء للنبي ﷺ : غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك فواعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن. وقد أسهمت المرأة المسلمة في كثير من جوانب الحياة الإسلامية منها السياسية وشئون الحكم وإدارة شئون الدولة التي تزخر بها كتب التاريخ. وسنعرض لبعض الأمثلة في كلامنا عن المرأة والتعليم. وقد عبر أحمد شوقي أمير الشعراء عن مكانة المرأة في الإسلام بقوله: هذا رسول الله لم ... ينقص حقوق المؤمنات العلم كان شريعة ... لنسائه المتفقهات وكذا التجارة والسياسة ... والعلوم الآخريات وحضارة الإسلام تنطق ... عن مكان المسلمات كما عبر عن خطورة جهل المرأة وعدم تعليمها بقوله: وإذا النساء نشأن في أمية ... رضع الرجال جهالة وخمولا ليس اليتيم من انتهى أبواه من ... هم الحياة وخلفاه ذليلا إن اليتيم هو الذي تلقى له ... أما تخلت أو أبا مشغولا المرأة والحجاب: من الأخطاء الشائعة التي روج لها المغرضون أن حجاب المرأة نظام جاء به الإسلام وأصبحت المرأة المحجبة رمزا للمرأة المسلمة. والواقع أن حجاب المراة كان معروفا في المجتمعات القديمة قبل الإسلام ففي الهند القديمة كان نظام "البردة" Purda معروفا. وتعني البردة "الستار" أو "الطرحة" تغطي بها المرأة

стр. 258

المرأة والحجاب: من الأخطاء الشائعة التي روج لها المغرضون أن حجاب المرأة نظام جاء به الإسلام وأصبحت المرأة المحجبة رمزا للمرأة المسلمة. والواقع أن حجاب المراة كان معروفا في المجتمعات القديمة قبل الإسلام ففي الهند القديمة كان نظام "البردة" Purda معروفا. وتعني البردة "الستار" أو "الطرحة" تغطي بها المرأة ووجهها عند خروجها من المنزل. كما كان لها في المنزل مكان خاص لها تنعزل فيه. وكان حجاب المرأة وعزلتها في المنزل وخارجه معروفا لدى اليونان القدماء. ويشير هوميروس في "الأوديسة" إلى "بنيلوب" زوجة يوليسس كمثال على الزوجة الشابة المخلصة لزوجها الواقرة في منزلها. وكان الرومان يحرمون على المرأة الظهور متزينة في الشوارع. بل وحرموا عليها المغالاة في التزين في البيوت. وكان حجاب المرأة معروفا عند العبريين من عهد إبراهيم ﵇، وظل معروفا عندهم ما بعد المسيحية. وقد تكررت الإشارت إلى "البرقع" في العهد القديم. والتوراة و"العهد الحديث" أي "الإنجيل". ففي الإصحاح الرابع والعشرين من سفر التكوين عن "رفقة" أنها رفعت عينها فرأت إسحاق "فنزلت عن الجمل وقالت للعبد: من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائي؟ فقال العبد: هو سيدي فأخذت البرقع وتغطت". ويقول "بولس" الرسول في رسالة "كورنشوس الأولى" إن النقاب شرف للمرأة، فإن كانت ترخي شعرها فهو مجد لها لأن الشعر بديل من البرقع ... ". وكانت المرأة عندهم تضع البرقع على وجهها حين تلقى الغرباء وتخلعه حين تنزوي في الدار بلباس الحداد "عباس العقاد: المرأة في القرآن ص٦٣". ويقول العقاد: "جاء الإسلام والحجاب في كل مكان وجد فيه تقليد سخيف وبقية من بقايا العادات الموروثة لا يدري أهو أثرة فردية أو وقاية اجتماعية. بل لا يدري أهو مانع للتبرج وحاجب للفتنة أم هو ضرب من ضروب الفتنة والغرابة. فصنع الإسلام بالحجاب ما صنعه بكل تقليد زال معناه وتختلف بقاياه بغير معنى، فأصلح منه ما يفيد ويعقل، ولم يجعله كما كان عنوانا لاستحواذ الرجل على ودائعه المخفية. بل جعله أدبا خلقيا يستحب من الرجل ومن المرأة ولا يفرق بين الواجب على كل منهما إلا لما بين الجنسين من فارق في الزينة واللباس والتصرف بتكاليف المعيشة وشواغلها". وقد نهى الإسلام الرجال عن الزينة المخلة بالرجولة ونهى النساء عن التبرج

стр. 259

وعدم إبداء زينتهن إلا ما ظهر منها. قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ إلى آخر الآية الكريمة. وقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ . وقد استدعت هذه الآية الأخيرة اجتهاد المفسرين فجمهور المفسرين. وغالبيتهم يفهمون من قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أنه أمر بالقرار أو الجلوس في البيت وبعضهم يرى أن هذا الأمر مقصور على نساء النبي ﷺ فقط لأنهن المخاطبات في هذه الآية الكريمة. وبعض آخر يرى تعميم هذا الأمر على كل النساء باعتبار أن نساء النبي قدوة حسنة لغيرهن من المسلمات. وبعض الشراح أو المفسرين استنتج من ذلك المكان الطبيعي للمرأة هو المنزل وقيدوا خروجها منه. وهناك تفسير آخر يورده أبو الأعلى المودودي في كتابه "الحجاب" ولم أقرأه عند أحد غيره هو أن الأمر في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ يعني الأمر بالوقار أي الاحتشام والتأدب. وهذا تخريج لطيف لمعنى الفعل "وقر" الذي يحتمل المعنيين كما جاء في المعاجم اللغوية. تقول وقر في بيته وقرا ووقورة أي جلس ووقر فلان وقارا أي رزن رزانة. "المعجم الوسيط ط١ ص١٤٩". وقد استخدمت الكلمة بهذا المعنى الأخير في القرآن في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ . ويقول العقاد: إن المفهوم من الحجاب في الإسلام ليس إخفاء المرأة وحبسها في المنزل. فلا حجاب في الإسلام بمعنى الحبس والحجر والمهانة، ولا عائق فيه لحرية المرأة حيث تجب الحرية وتقضي المصلحة. وإنما هو الحجاب مانع الغواية والتبرج والفضول وحافظ الحرمات وآداب العفة والحياء "عباس العقاد: المرأة في الإسلام ص٦٦".

стр. 260

قضية تعليم المرأة وقضية تربيتها: ينبغي أن نميز بين قضيتين مهمتين توضيحا للأمور: قضية تعليم المرأة وقضية تربيتها. فتعليم المرأة وإن اتصل بأمر تربيتها إلا أنه يختلف عنها في الغاية والوسيلة. فغاية التعليم التنور والعرفان واكتساب المعارف العقلية والمهارات اليدوية والعملية ووسيلته التمدرس والالتحاق بالمدارس. أما التربية فغايتها إكساب الفضيلة والآداب والأخلاق الحميدة ووسيلتها التنشئة الأسرية السليمة وعناية الآباء بتربية الأبناء. فعلى الأسرة والمنزل تقع المسئولية الكبرى في تعليمهم. ومع الآباء قد يقومون بدور تعليمي لأطفالهم كما أن المدرسة قد تقوم بدور تربوي لهم، إلا أن هذه الوظيفة ثانوية تأتي مصاحبة للوظيفة الأساسي لكل من الآباء والمدرسة. إن التعليم في حد ذاته لا يعتبر سببا في فساد أخلاق المرء أو سوء تربيته، كما أنه لا يعصم المرء من سوء الخلق والتربية. فمن النساء سواء كن متعلمات أو جاهلات من هن فضليات ومنهن من لا خلاق لهن ويسئن معاملة الآخرين. وكثير منهن يعرفن الحلال والحرام والحسن والقبيح. ويتبعن هذا ويعرضون عن ذاك، وأخريات لا يتبعهن هذا ولا يعرضن عن ذاك. وما ذلك إلا لأنهن لم يتعودن الفضيلة والأخلاق الحميدة منذ صغرهن وعلى طول سنوات تربيتهن في المنزل. ومن هنا ندرك الفرق بين قضية تعليم المرأة وقضية تربيتها. ونستطيع أن نميز بينهما. وهذا التمييز مهم لنقنع به أولئك الذين ما زالوا يتخوفون من تعليم المرأة ويتشككون فيه. يقول قاسم أمين وهو أحد دعاة الإصلاح عن أهمية تعليم المرأة: "إننا نجد في هدي نبينا ما ينبغي أن نقتدي به حين قال في شأن عائشة: "خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء". وعائشة امرأة لم تؤيد بوحي ولا بمعجزة وإنما سمعت فوعت وعلمت فتعلمت. ولذا ينبغي أن نبدأ بتربية المرأة تربية تنقذنا من جميع العيوب التي يقذفنا بها الأجنبي كل يوم.. ولكن ما بال الرجال يعارضون تعليمها وتثقيفها في الوقت الذي يشكون فيه مر الشكوى من جهالتها؟ لقد رسخ في أذهانهم أن تعليمها وعفتها لا يجتمعان. وقال بعضهم في ذلك حكايات غريبة ونوادر استدلوا بها على أن تعليم المرأة يزيدها براعة في الاحتيال ويعطيها سلاحا جديدا تتقوى به على تنفيذ شهواتها.. وبالجملة فإنا نرى أن

стр. 261

تربية العقل والأخلاق تصون المرأة ولا يصونها الجهل. بل هي الوسيلة العظمى لأن يكون في الأمة نساء يعرفن قيمة الشرف وطريق المحافظة عليه. وأرى أن من يعتمد على جهل امرأته مثله كمثل أعمى يقود أعمى مصيرهما أن يترديا في أول حفرة تصادفهما في الطريق. "نقلا عن: ماهر حسن فهمي: ص١٢١". وعن أهمية تعليم المرأة أيضا يقول قاسم أمين في كتابه "المرأة الحديدة" "ص٩٩" إن على الأم أن تعرف أفضل الطرق لتغذية الطفل لأهميتها في نمو جسمه، وكيف تقي جسم ولدها من أعراض الحر والبرد؟ وما هو الماء الذي ينبغي استعماله في نظافة جسمه من حار وفاتر أو بارد؟ وعليها أن تعرف أن للهواء والشمس أثرا حميدا في الصحة فلا تحرمه من التمتع بهما. وهكذا يقال في الأشياء الأخرى كالنوم واللعب وما أشبه ذلك. ثم يجب عليها من جهة أخرى أن تكون على علم تام بعلم نفس الطفل ووظائف قواه العقلية والأدبية وإلا كانت أول عامل في فساد أخلاق ولدها. وهو يعيب على المرأة المصرية أسلوب تعاملها مع طفلها. فهي تمنعه من اللعب كي لا يشوش عليها وهي لا تدري أنها بمنعها له من اللعب تقف في سبيل نموه. وإذا أرادت أن تؤدبه هددته بما لا تستطيع أو بما لا تريد أن تنفذه، أو خوفته بموهومات تثير في ذهنه خيالاته ومخاوف ربما لازمته مدة حياته "أمنا الغولة أو أبو رجل مسلوخة". وإذا أرادت أن تكافئه وعدته بوعود لا تفي بها فتكون له بذلك قدوة في الكذب وتحدث في نفسه ضعف الثقة بالقول. وهي في أغلب حالاتها تظهر الغضب عليه وتنهره بالصوت الشديد وتزعجه بحركات التهديد. وربما كان السبب الذي أثار غضبها لا يستحق من ذلك كله شيئا. فإذا رأت منه انفعالا مما صدر منها, لم تلبث أن تضمه وتقبله وتظهر له غاية الندم على ما صدر منها. والولد المسكين لا يدري كيف استحق غضبها أولا ثم رضاها ثانيا. ويخلص إلى القول بأن جميع العيوب التي تشاهد عند الأطفال مثل الكذب والخوف والكسل والحمق هي ناشئة عن جهل أبويه بقواعد التربية. وهو يرى أن

стр. 262

مدار تربية الطفل كلها على الأم. فسواء كان ذكرا أو أنثى لا يعرف ولا يرد على حواسه إلا الصور التي تعرضه لها، فنفسه صحيفة بيضاء وأمه تنقشها كما تشاء. ومن هنا وجب على كل أب وكل أم أن يلم بهذه القواعد وأن يحسن تربية الأبناء. ويرى كثير من علماء المسلمين ومربيهم ومصلحيهم أن من المهم في تنشئة الطفل العناية بتربيته الدينية والروحية حتى ينشأ منذ صغره على الفضيلة والآداب الحميدة. ويتجنب الرذيلة والأخلاق الفاسدة. والمسئولية الأولى في ذلك تقع على أسرته ووالديه. يقول أحد العلماء المسلمين: إن التربية الناقصة للطفل تنجم عنها خسارات كبيرة يتجرعها الطفل وأبواه أولا ثم يجني المجتمع ثمارها حنظلا مريرا. فإهمال تربية البنين جريمة الآباء في حق الأبناء. وقد قال الشاعر العربي في هذا المعنى: إهمال ترية البنين جناية ... عادت على الآباء بالنكبات ويعلق على أهمية الأم المتعلقة فيقول إن الأم المتعلمة أقدر على متابعة العملية التربوية لأولادها في المنزل وإدراك حاجات الطفل الجسمية والعقلية. كما أنها أقدر على تفهم طبيعة الحياة والمجتمع وتطلعاته وأقدر على أداء دورها في ارتقائه "عبد المتعال محمد الجبري: ص٦٥". ويقول الغزالي في هذا المعنى: اعلم أن الطريق إلى رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال إليه. فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة. وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له مؤدب. وإن عود الشر وأهل إهمال البهائم شقي وهلك. وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له. ومن هنا تتضح أهمية دور الأم في تربية الأبناء. ولكي تستطيع أن تقوم بذلك علينا أن نحسن تربيتها من البداية.

стр. 263

المرأة والتعليم: لم يرد نص من القرآن أو السنة يحرم تعليم البنت أو يفرض قيودا على تعليمها بل إننا نجده على العكس من ذلك حث على طلب العلم وجعله فريضة على كل مسلم. وتنكير كلمة مسلم هنا يفهم منها الاستغراق كما يقول علماء البلاغة بمعنى أن تستغرق كل المسلمين وتشمل الذكر والأنثى على السواء. وروي عن النبي ﷺ قوله: "من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان فأدبهن وأحسن إليهن وزوجهن فله الجنة". وورد في الأثر "أيما رجل كانت عند وليدة -أي عبدة أو أمة- فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران". وهناك كثير من الأمثلة والشواهد التي تلقي الضوء على تعليم المرأة في عصور الإسلام الأولى منها: ١- يروي البلاذري في فتوح البلدان أنه عند مجيء الإسلام كان هناك خمسة من نساء العرب يكتبن منهن الشفاء بنت عبد الله العدوة التي كانت تعلم حفصة واستمرت في تعليمها بناء على طلب الرسول ﷺ حتى بعد زواجه منها. وروى الواقدي أن عائشة وأم سلمة زوجتي رسول الله ﷺ تعلمتا القراءة والكتابة. ٢- وقد ورد النبي ﷺ قوله: "خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء" يقصد زوجته عائشة التي روت عنه ألف حديث رواية مباشرة. وهو ما لم يتوافر لسواها كما أنها برعت في قول الشعر وروايته ونقده. ٣- وقد عقد محمد بن سعد جزءا من كتابه "الطبقات الكبرى" لرواية الأحاديث عن النساء ذكر فيه ما يزيد على سبعمائة امراة روين عن الرسول ﷺ وعن أصحابه الثقات. ٤- ترجم ابن حجر في كتابه "الإصابه في تمييز الصحابة" لكثير من النساء المحدثات الثقات العالمات. ٥- خصص كل من النووي في كتابه "تهذيب الأسماء" والخطيب البغدادي في كتابه "تاريخ بغداد" والسخاوي في "الضوء اللامع" حيزا كبيرا للحديث عن النساء اللائي كن على ثقافة عالية لا سيما في العلوم الدينية ورواية الحديث. ومن بين هؤلاء الشهيرات في العلوم الدينية نفيسة بنت الحسن بن

стр. 264

زيد بن الحسن بن علي، وكانت من خير المحدثات في عصرها وسمع عنها الإمام الشافعي عندما حضر إلى مصر. كما كان هناك عالمات يجلسن للتدريس في المساجد للرجال والنساء على السواء، وكان يجلس في حلقاتهن مشاهير العلماء والمجتهدين. ٦- كان عيسى بن مسكين "٢٧٥هـ" يعلم طلبته في الصباح وبعد العصر كان يعلم بنتيه وبنات أخيه وحفيداته. وكذلك علم أسد بن الفرات بنته أسماء وعني الإمام سحنون بتعليم بنته خديجة وكانت لها حلقة لتعليم النساء. ٧- يذكر ياقوت في معجم الآدباء أن الخطيب البغدادي صاحب تاريخ بغداد قرأ صحيح البخاري على كريمة بنت أحمد المروزي، وأنه كان لها دور كبير في تكوين هذا العالم الكبير، كما يذكر أيضا أن ابن عساكر في تعداده لأساتذته وشيوخه الذين تلقى عنهم العلم ذكر من بينهم إحدى وثمانين امرأة. ٨- وهناك أدلة كثيرة على وصول النساء العربيات إلى مكانة عالية في العلوم والمعارف المختلفة، وكان من بينهن عالمات فاضلات تعلم على أيديهن كثير من رجالات الإسلام. فقد ذكر ابن خلكان أن السيدة نفيسة بنت الحسن الأنور التي يرجع نسبها إلى الحسن بن علي بن أبي طالب والتي ولدت بمكة الكرمة "١٤٥هـ" وتوفيت بمصر سنة "٢٠٨هـ" ولها مقام معروف باسمها كان لها في مصر مجلس على حضره الإمام الشافعي نفسه وسمع عليها في الحديث، وذكر أبو حيان من بين أساتذته ثلاثا من النساء هن: مؤنسة الأيوبية بنت الملك العادل أخي صلاح الدين الأيوبي. وشامية التيمية وزينب بنت المؤرخ والرحالة المعروف عبد اللطيف البغدادي صاحب كتاب "الإفادة والاعتبار". ٩- كتب التاريخ والأدب حافلة بأسماء مشاهير النساء المسلمات اللائي برعن في الأدب والشعر، وقد ترجم السيوطي في مخطوطه "نزهة الجلساء في أشعار النساء" لسبع وثلاثين شاعرة. كما أن هناك نساء مسلمات برعن في صناعة الطب والجراحة والمداواة، وكانت لهن شهرة كبيرة وقد ترجم ابن أبي أصيبعة لبعضهن في كتابه "طبقات الأطباء". واشتهرت كثيرات في الطرب والغناء وقد عرض الأصفهاني في كتابه الأغاني لذكر أسماء كثير منهن.

стр. 265

آراء علماء المسلمين في تعليم المرأة أولا: آراء غريبة عن الإسلام ... آراء علماء المسلمين في تعلم المرأة: كان من الطبيعي بالنسبة لموضوع حساس مثل تعليم المرأة أن تكثر حوله الآراء وتتباين ويمكن بصفة عامة أن نقسم هذه الآراء إلى مجموعتين: المجموعة الأولى: تمثل آراء غريبة عن روح الإسلام وتراثه وتاريخه تفرض قيودا كثيرة على تعليم المرأة ولا سيما في الأمور التي تزيد من حريتها كتعليم القراءة أو الكتابة أو الأمور التي يخشى منها فتنتها وانحرافها مثل قرض الشعر أو دراسته، بل إن التحفظ بلغ أشده في تحريم تعليم المرأة لبعض سور القرآن الكريم مثل سورة يوسف لما يخشى عليها من الغواية. بل إن بعض الآراء تذهب إلى الاقتصار على تعليمها "سورة النور" من بين القرآن الكريم كله. وواضح أن كل هذه الآراء تحركها دوافع الغيرة الشديدة على المرأة والتخوف الشديد من كل ما يحتمل فيه مجال الغواية والانحراف لها. المجموعة الثانية: تمثل الآراء المعتدلة لعلماء المسلمين التي تتمشى مع روح الإسلام وتقاليده وتسلم بتعليم المرأة في إطار من الثقة الكاملة بأن تعليمها هو خير ضمان لعصمتها وحمايتها من الانحراف والزلل. وسنعرض في السطور التالية لكل مجموعة من هذه الآراء: أولا: آراء غريبة عن الإسلام: ترددت بعض الآراء عن تعليم المرأة تعتبر غريبة عن روح الإسلام وبل عن تراثه وتاريخه كما أشرنا. فلقد رأينا كثيرا من النماذج لمسلمات مشهورات كان لهن باع طويل في العلم والتعليم. ومن هذه الآراء الغريبة: ١- لا تعلموا بناتكم الكتاب "أي الكتابة" ولا ترووهن الشعر وعلموهن القرآن ومن القرآن "سورة النور". وقد أورده الجاحظ في كتابه البيان والتبيين "ج١ ص١٨٠" وكأنه يتهكم عليه. كما فند شمس الحق العظيم أبادي أحاديث النهي عن تعليم المرأة الكتابة واعتبرها كلها باطلة، وموضوعة

стр. 266

وألف في الرد رسالته المسماة: "عقود الجمان في جواز تعليم الكتابة للنسوان". ٢- ذهب القابسي إلى تعليم المرأة القرآن والعلم، وأما أن تعلم الترسل والشعر وما أشبه فهو مخوف عليها. ٣- ذهب أبو الثناء الألوسي إلى تحريم تعليم البنت الكتابة، وقد ألف كتابا في هذا المعنى سماه "الإصابة في منع النساء من تعليم الكتابة" "إبراهيم التوزري ط١ ص١٢٢" ويسمى كتابه الإصابة أي وجه الصواب. وهو ليس كذلك كما سنرى من رد علماء المسلمين على ذلك. ٤- أباح بعض علماء المسلمين تعليم الجواري دون الحرائر لأن تعليم الجارية يرفع ثمنها. وإذا كان التعليم يرفع من الثمن أو قيمة الجارية أليس تعليم الحرائر أولى وفيه -أي العلم- كمال صفاتهن وخلقهن كما سنرى في كلام الشيخ الطهطاوي فيما بعد.

стр. 267

ثانيا: آراء معتدلة تتفق مع روح الإسلام: ١- يعترف المربون المسلمون بحق البنت في التعليم انطلاقا من أن التكاليف الدينية واجبة على الرجل والمرأة، وهذا يتفق مع روح الإسلام الحقيقية التي جعلت من طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. ٢- وكان الإمام محمد عبده من المؤمنين بضرورة تعليم المرأة وتنوير عقلها فقد رأى أن المرأة قد ضرب بينها وبين العلم بما يجب عليها في دينها ودنياها. ونادى بتكوين جمعية نسائية تقيم المدراس لتعليم البنات. وقد دافع عن تعلميم المرأة مع تلميذه قاسم أمين فيما جاء بكتاب "تحرير المرأة" عن تعليمها. ٣- يعتبر الطهطاوي التربية أساس صلاح المرأة وتمام كمالها، ويرفع قدرها في نظر الرجل. والتعليم يزيل عنها سخافة العقل والطيش الذي يصيب المرأة الجاهلة. كما أن التعليم يمكن المرأة من العمل على قدر قوتها وطاقتها وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة فإن فراغ أيديهن عن العمل

стр. 268

يشغل ألسنتهن بالأباطيل وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل. فالعمل يصون المرأة عما لا يليق ويقربها من الفضيلة. ويرد الطهطاوي على التخوف من تعليم المرأة فيقول: "إن التجربة في كثير من البلاد قضت أن نفع تعليم البنات لا ضرر فيه". ويستعين أيضا بما روي في كتب الأحاديث وما كان في زمن الرسول من تعليم النساء. والتعليم الذي يليق بالبنات في نظره هو القراءة والكتابة والحساب وبعض الصنائع كالخياطة والتظريز. وهو يرد على من ذهب إلى تحريم تعليمهن القراءة والكتابة والحساب وبعض الصنائع، وأنها مكروهة في حقهن لما قد يؤدي إليه من إساءة استخدام بأن ذلك لا ينبغي أن يكون على عمومه. ويضرب أمثلة بمن كان يعرف القراءة والكتابة من زوجات النبي ﷺ وغيرهن من النساء في كل زمان. ويرجع التشدد في عدم تعليم المرأة إلى المبالغة في الغيرة عليها وفي ذلك يقول: "وليس مرجع التشدد في حرمان البنات من الكتابة إلا التغالي في الغيرة عليهن من إبراز محمود صفاتهن أيا ما كانت في ميدان الرجال تبعا للعوائد المحلية المشوبة بحمية جاهلية، ولو جرب خلاف هذه العادة لصحت التجربة".

стр. 269

التعليم المختلط: أشرنا في مكان آخر من هذا الكتاب إلى أن المرأة تتساوى مع الرجل في حق التعليم سواء كان فرض عين أم فرض كفاية وذلك لتساويها معه في التكاليف الشرعية وفي الحساب يوم القيامة. ويرى علماء المسلمين أنه لا يجب الجمع بين البنين والبنات في التعليم في مدرسة واحدة وإنما يجب الفصل بينهما في مدارس خاصة بكل منهما. ويجوز أن يقوم بأمر التعليم في كل من النوعين من المدارس الذكور والإناث من المعلمات على السواء وقد يجمع بين الأطفال الصغار ذكورا وإناثا معا في مرحل التعليم الأولى في دور الحضانة ورياض الأطفال. وقد تجمع بينهم في مدرسة واحدة أو معهد واحد مع وضع ضمانات وأنظمة للفصل بينهما في أماكن الجلوس أو ممارسة الأنشطة الرياضية. وينبغي أن نشير إلى أن في كثير من دول العالم المتقدم مثل أمريكا وروسيا وإنجلترا وفرنسا واليابان توجد مدارس خاصة بالبنات لا يختلطن فيها بالذكور. وبالنسبة للتعليم الجامعي والعالي والثانوي توجد معاهد وكليات منفصلة لكل من البنين والبنات. بل توجد في داخل التعليم الجامعي أنظمة للفصل بين البنين والبنات بحيث يدرس كل منهما في انعزال تام عن الآخر. وهذا موجود بالفعل في بعض الدول العربية والإسلامية.

стр. 270

التربية الزوجية: اشتمل القرآن الكريم على ثقافة الزواج والتزاوج ينبغي على كل مسلم ومسلمة صغيرا أو كبيرا أن يتفهمها بمقدار حاجته "أو حاجتها" إليه.. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة يمكن أن يستمد منها المربون مادة مناسبة للتربية الزوجية للفتى والفتاة من هذه الآيات: - قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ . - قوله تعالى في سورة الدهر: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . - قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ . - قوله في سورة البقرة: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ . - قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ . - وقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ . وقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ .

стр. 271

- قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ . ويقول عبد الله علوان في كتابه تربية الأولاد في الإسلام "ص: ٥٩٨": "ولا يمكن أن يقول متبصر عاقل إن على المربي أو المعلم أن يطمس معاني هذه الآيات بتفسيرات أخرى لا تمت إلى المعنى المراد بصلة أو أن يمر عليها مرور الكرام دون توضيح لها أو تفسير لمضمونها. لأن هذا المسلك غير سليم يتنافى مع قواعد التربية الإسلامية الأصيلة، ويتناقض مع دعوة القرآن الكريم إلى فهمه وتدبيره". وينبغي أن يراعى في التربية الزوجية للنشء المرحلة العمرية التي يمر بها وأنسب هذه المراحل مرحلة سن المراهقة لأن الفتى أو الفتاة في هذه السن يكون في حاجة إلى تلقي المعلومات الصحيحة عن التغيرات الجسمية والجنسية التي يمر بها. فالمثل يقول إنما يطرق الحديد وهو ساخن. كما أن الشباب في هذه السن يحتاج إلى فلسفة رشيدة في الحياة توجه سلوكه الاجتماعي والأخلاقي. ويحتاج أيضا إلى معرفة الدور الاجتماعي لكل من الذكر والأنثى وكيف يختار زوجة أو تختار زوجها؟ وإعداد نفسه أو نفسها لمستقبل الحياة الاجتماعية والوظيفية. وينبغي أن يقوم بمهمة التربية الزوجية معلم للذكور ومعلمة للإناث. وقد يكون ذلك من خلال توجيه الأب لابنه والأم لابنتها. كما يمكن تقديم المعلومات المطلوبة من خلال دروس التربية الدينية أو من خلال دروس الأحياء وعلم البيولوجيا أو في دروس مستقلة تعد خصيصا لهذا الغرض ضمن المنهج المدرسي.

стр. 272

حق الزوجة على زوجها: أشار الغزالي إلى صلة الرجل بالمرأة والزوج بزوجته فقال: إن سيادة البيت تكون للرجال. وبدون ذلك لا تستقيم الحياة ولا توجد السعادة. وقال: من أطاع المرأة وملكها نفسه فقد عكس القضية. إذ حق للرجل أن يكون متبوعا لا تابعا وقد أشار إلى ذلك بقوله في سورة النساء: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ وسمي الزوج سيدا فقال تعالى في سورة يوسف: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ . ولكن الغزالي من ناحية أخرى يعطي للمرأة حقوقا مقدسة ويفرض على الرجل واجبات يؤديها لها. ويقول الغزالي في ذلك: "ليس الخلق مع المرأة كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها والحلم عند طيشها وغضبها". ويأمر الغزالي الرجل بأن يكون هاشا باشا مرحا مع زوجته. فيطيب قلبها بالمزاح والمداعبة ولا يقتر عليها في الإنفاق عليها. بل يجب عليه أن يتحفها دائما بالهدايا والحلوى. كما أن عليه أن ينظر في حاجة المرأة إلى حقوق البدن وندائه. وهو أساس التحصين والعفة. كما يطالب الرجل بالاعتدال في الغيرة على زوجته ولا يبالغ في الظن والتعنت وتجسس البواطن. فهذه قاعدة السعادة والهناء في الحياة الزوجية. ذلك أن مبدأ الاعتدال في الغيرة من أسمى المبادئ بل هو أصل من الأصول المؤدية إلى هناء العش الزوجي وإطلاق النور والمحبة والصفاء في رحابه "طه عبد الباقي سرور: ص١١٨-١١٩".

стр. 273

الفصل السادس: المعلم في التربية الإسلامية مقدمة: اعتبر المسلمون التعليم من جملة الصنائع التي تحتاج إلى المعرفة والدربة التي تؤهل صاحبها للاشتغال بهذه الصناعة. قال ابن عبدون في رسالته: "والتعليم صناعة تحتاج إلى معرفة ودربة فإنه كالرياضة للمهر الصعب الذي يحتاج إلى سياسة ولطف وتأنيس حتى يرتاض ويقبل التعليم". وعقد ابن خلدون فصلا خاصا في مقدمته عن أن "التعليم للعلم من جملة الصنائع" قال فيه: "وذلك أن الحذق في التعلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة إلى مشاهير المعلمين فيها معتبرا عند كل أهل أفق وجيل ... ويدل أيضا على أن تعلم العلم صناعة لاختلاف الاصطلاحات فيه. فلكل إمام من الأئمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به شأن الصنائع كلها". ولم تكن صناعة التعليم في البداية وظيفة حكومية كالقضاء والحسبة وغيرها، وإنما كان الشيوخ والمعلمون يقومون بالتدريس احتسابا لوجه الله وابتغاء لمرضاته، فمن آنس منهم في نفسه المقدرة على تعليم العلم حبس للتدريس. وهكذا كان التعليم في الملة الإسلامية واجبا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهو كالجهاد فرض كفاية إن قام به البعض سقط عن الكل. وكل هؤلاء الشيوخ يتكسبون ويعيشون من كد يمينهم أو من مساعدة الملوك والأمراء وأهل الخير من العامة. كما أن الشيوخ والعلماء كانوا يتلقون أحيانا الهدايا والعطايا السخية من رجال الدولة وكبار الأعيان. وكانت الهدايا تشمل في بعض الأحيان حمولة دواب من الطعام والعسل والزيت إلى جانب النقود والمال. وكان الموسرون من الطلبة لا يبخلون بمالهم على مشايخهم ويقدمون لهم الهدايا، وكان الشيوخ والعلماء لا يجدون غضاضة في قبول هذه الهدايا "إبراهيم التوزري: ط١ ص١٤٢".

стр. 274

أهمية المعلم ومكانته: يحتل المعلم مكانة رئيسية في التربية الإسلامية اقتداء بسيد الخلق ﷺ معلم هذه الأمة فيما رود عنه قوله: "إنما بعثت معلما". فالمعلم عنصر رئيسي وهو أحد الأركان الرئيسية للعملية التعليمية. ولذلك أوجب المربون المسلمون أن يؤخذ العلم من شيخ لا من كتاب وسموا من يأخذ من صفحات الكتب فقط صحفيا. ولم يعولوا عليه وكرهوا "تمشيخ" الصحيفة، أي أن يحتل الكتاب مكانة الشيخ والأستاذ. وقد سبق أن أشرنا إلى كلام ابن خلدون في هذا الصدد والذي يقول فيه: "إن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما يتحلون به من المذاهب والفضائل تارة عملا وتعليما وإلقاء وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا. فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون تكوُّن الملكات ورسوخها". وهكذا يؤكد ابن خلدون على أهمية تلقي العلم من المعلم مباشرة. وروي عن سلمان الفارسي أنه كتب إلى أبي الدرداء "إنما مثل المعلم كمثل رجل عمل سراجا في طريق مظلم ليستضيء به من مر به وكل يدعو إلى الخير" وهناك كثير من الأمثلة التي تعلي من شأن المعلمين وتضعهم في مكانة محترمة لائقة بالمهنة الشريفة التي ينتمون إليها. ويروي الثعالبي عن النبي ﷺ قوله: "خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون". ويؤكد الغزالي أهمية الاشتغال بالتعليم، ويعلي من قدر أصحابها ويعظم من شأن وخطر المسئولية الملقاة عليهم، وفي ذلك يقول الغزالي: "فمن علم وعمل بما علم فهو الذي يدعي عظيما في ملكوت السماوات فإنه كالشمس تضيء لغيرها، ومن اشتغل بالتعليم فقد تقلد أمرا عظيما وخطرا جسيما". والمعلم في نظره "متصرف في قلوب البشر ونفوسهم" وهو "يمارس أشرف الصناعات بعد النبوة". ويقول الغزالي: "إن أشرف مخلوق على الأرض هو الإنسان وإن أشرف شيء في الإنسان قلبه والمعلم مشتغل بتكميله وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله ". وقد دافع الجاحظ عما يتهم به معلمو الكتاب من الحمق حتى ضرب بهم

стр. 275

المثل "أحمق من معلم كتاب" فقال: "وكيف نظن الظنون بمعلمي الكتاب جميعا وفيه الفقهاء والشعراء والخطباء مثل الكميت بن زيد وعبد الحميد الكاتب وقيس بن سعد، وحسين المعلم وأبي سعيد المعلم. وما كان عندنا بالبصرة رجل أدرى بصنوف العلم ولا أحسن بيانا من أبي الوزير وأبي عدنان المعلمين". وقد كان الحجاج بن يوسف الثقفي معلم كتاب وهو الخطيب المفوه والسياسي المحنك صاحب الفضل في إرساء قواعد الدولة الأموية. ولا ينكر الجاحظ وجود عناصر سيئة بين المعلمين وهو يبرر ذلك بقوله: "ففي كل طائفة أشرافها وسفلتها فلا يدفعنا ذلك إلى إطلاق الحكم على الطائفة بأسرها بسوء الخلق وصغار النفس والحمق". ويجب أن نميز بين معلمي الكتاب ومعلمي المساجد والمدارس والمؤدبين الذين كانوا يؤدبون أبناء الحكام والأمراء. ومن المؤدبين المشهورين المفضل الضبي الذي كان مؤدبا للمهدي العباسي والكسائي مؤدب الأمين والفراء مؤدب ابن المعتز. وكان هؤلاء المؤدبون يحصلون على أجور مرتفعة ويغدق عليهم الهبات والعطايا من جانب الخلفاء والأمراء، ولهذا كان يحيون حياة رخاء. في حين أن أجور معلمي الكتاب كانت بسيطة متواضعة. ويمكن القول بصفة عامة أن أجور المعلمين بصفة عامة كانت متفاوتة وتتوقف على قيمتهم ومكانتهم العلمية. ويستمد المعلم مكانته وأهميته من تأثيره على تلاميذه، ذلك أن للعلم تأثيرا كبيرا في نفوس الصبيان، فهو قدوة لهم يتأثرون به وبشخصيته. وقد روى الجاحظ من كلام عقبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده قوله: "يكون أول ما تبدأ به من إصلاح بني إصلاح نفسك فإن أعينهم معقودة بعينك فالحسن عندهم ما استحسنت والقبيح عندهم ما استقبحت". ويستمد المعلم أهميته من دوره في العملية التعليمية، وإذا كان الناس قد اختلفوا حول إمكانية حصول العلم بدون المعلم فإن الواقع في مجاري العادات أن لا بد من المعلم كما يقول الشاطبي في "الموافقات" وقد قالوا: إن العلم كان في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب وصارت مفاتيحه بأيدي الرجال، وهذا يقضي

стр. 276

بأن لا بد في تحصيله من الرجال". "إن أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذه عن أهله المتحققين منه على الكمال والتمام". ويقول الشاطبي: "وإذا ثبت أنه لا بد من أخذ العلم عن أهله فلذلك طريقتان: أحدهما المشافهة وهي أنفع الطريقتين وأسلمهما لأن كثيرا من مسائل العلم يقرؤها المتعلم في كتاب ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة، وحصل له العلم بها بالحضيرة، وبه من فوائد مجالسة العلماء إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم ما لا يفتح له دونهم.. ويبقى ذلك النور لهم بمقدار ما بقوا في متابعة معلمهم وتأدبهم معه واقتدائهم به. فهذا الطريق نافع على كل تقدير. ثانيهما: مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين. هو أيضا نافع في بابه لأن المتعلم يحصل له فهم مقاصد العلم ومعرفة اصطلاحات أهله وما يتم له به النظر في الكتب. وذلك يحصل بالطريق الأول من مشافهة العلماء أو مما هو راجع إليه. وهذا معنى قول من قال: "كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب ومفاتيحه بأيدي الرجال". والكتب وحدها لا تفيد الطالب كثيرا دون فتح العلماء لأسرارها بالشرح والتعليق. وعلى المعلم أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد فإنهم أقعد به من غيرهم من المتاخرين "أبو إسحاق الشاطبي: ج١ ص٥١". وبالنسبة للعوامل التي تؤثر على مكانة المعلمين فمن المعروف أن المكانة الاجتماعية للمعلمين تتحدد بكثير من العوامل، منها مقدار ما يأخذه من أجر ومنها سن التلاميذ الذين يعلمهم. فكلما زادت سن التلميذ زادت مكانة الأستاذ فمعلم الصبية أقل من معلم الفتيان. ومنها أيضا الطبقة الاجتماعية للتلاميذ. فإذا كان التلاميذ الذين يعلمهم المعلم من طبقة أعلى زادت قيمته، فمعلم أولاد العامة أقل من معلم أولاد الخاصة. وفي ذلك يقول الجاحظ في البيان والتبيين "ج١ ص١٤٠-١٤١" "والمعلمون عندي على ضربين، فمنهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد العامة إلى تعليم أولاد الخاصة فإلى تعليم أولاد الملوك أنفسهم المرشحين للخلافة فإن ذهبوا إلى معلمي كتاتيب القرى فإن لكل قوم حاشية وسفلة فما هم في ذلك إلا كغيرهم ... ".

стр. 277

واجبات وأدوار المعلم: تتعدد الواجبات والأدوار التي يقوم بها المعلم، فهو يقوم بدور الوسيط بين الأجيال ودور ناقل الثقافة وشارحها ومفسرها وهو رسول المعرفة وباني البشر وهو في كل هذه الأدوار يعتمد على ما لديه من إمكانيات تؤهله للقيام بهذه الأدوار. وإن فاقد الشيء لا يعطيه ولا يمكن للمعلم أن يعطي ما لم يكن لديه ما يستطيع أن يقدمه لتلاميذه من زاد فكري وثقافي وتربوي. ولهذا اشترط المربون المسلمون في المعلم أن تكون لديه القدرة التي تؤهله للتدريس. وأوجبوا على المعلم ألا يتصدى للعمل بالتدريس إلا إذا كان أهلا لذلك وآنس في نفسه المقدرة والكفاءة للقيام به. وقد كتب عن واجبات المعلم كثير من علماء المسلمين منهم عبد الله بن المقفع في أوائل القرن الثاني للهجرة في كتابه "الأدب الصغير" و"الأدب الكبير" وابن سحنون عالم القرن الثالث الهجري في رسالته "آداب المعلمين والمتعلمين" والقابسي عالم القرن الرابع الهجري في رسالته المفصلة عن آداب المعلمين والمتعلمين" والإمام أبو الحسن الماوردي عالم القرن الخامس الهجري في "أدب الدنيا والدين" والإمام أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي عالم القرن الثامن الهجري في كتابه "قناطر الخيرات" والشيخ عبد الباسط العلموي عالم القرن العاشر الهجري في كتابه "المعيد في أدب المفيد والمستفيد" والنمر القرطبي في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" وبرهان الإسلام الزرنوجي في كتابه "تعليم المتعلم طريق التعلم" وغيرهم. وهناك اتفاق كثير بين هؤلاء جميعا على واجبات المعلم. وسنحاول في السطور التالية أن نلخص أهم واجبات المعلم، كما وردت عند هؤلاء العلماء وهي: ١- أن يكون تقيا ورعا قائما بفروض دينه. ٢- أن يكون على معرفة بأصول دينه. ٣- أن يحرص على تعليم غيره لأن أي عالم إذا لم يكن له من يفيده من العلم صار كعاقر لا نسل له، فيموت ذكره بموته. ومتى استفيد بعلمه كان في الدنيا موجودا وإن فقد شخصيته كما قال أمير المؤمنين: "العلماء باقون

стр. 278

ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة". ٤- أن يكون مجيدا للعلم الذي يدرسه وأن يجيد توصيله لعقول الآخرين. ٥- أن يكون عاملا بعلمه لئلا يكون كما قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . ٦- أن يجري المتعلمين منه مجرى بنيه في التعهد بأحوالهم لقوله ﷺ : "إنما أنا لكم مثل الوالد لولده" وأن يوقرهم ويحترمهم لقوله ﷺ : "وقروا من تتعلمون منه ووقروا من تعلمونه العلم". ٧- أن يستعلم أسماء طلبته وحاضري مجلسه وأنسابهم ومواطنهم وأحوالهم وأن يوقر تلاميذ وأن يعظمهم ويحسن خلقه معهم ويرحب بهم إذا لقيهم ويعاملهم بالبشاشة وطلاقة الوجه وأن يخاطب كلا منهم بأحب الأسماء إليه. ٨- أن يكون وقورا مع تلاميذه فلا يرفع التكليف بينه وبينهم ولا يتبسط معهم ولا يضاحك أحدا بشرط ألا يكون عبوسا فذلك من الفظاظة الممقوتة. ٩- أن يكون رفيقا بتلاميذه وألا يعنف متعلما ولا يحقر ناشئا ولا يستصغر مبتدئا لقوله ﷺ : $"علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف" وقوله ﷺ : "لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون". ١٠- أن يوجه المتعلم إلى الفضيلة والابتعاد عن الرذيلة بلطف المقال، وأن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف. قال ﷺ : "لو منع الناس عن فت البعر لفتوه وقالوا ما نهينا عنه إلا وفيه شيء". والتعريض أبلغ من التصريح لأن النفس الفاضلة تميل إليه وبه لا تنتهك أستار الهيبة والحشمة. كما أن للتصريح وجها واحدا وعبارة واحدة، وللتعريض وجوه وعبارات مختلفة. فمن هنا كان أبلغ. وقد يكون صريح النهي داعيا إلى الإغراء على حد

стр. 279

قول الشاعر "دع عنك لومي فإن اللوم إغراء". ١١- أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله لقوله ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلمهم على قدر عقولهم". ١٢- أن يكون عادلا بين تلاميذه وأن يعاملهم معاملة سواء دون اعتبار للمكانة الاجتماعية أو الجاه أو السلطان قال ﷺ : "إيما مؤدب ولي ثلاثة صبية من هذه الأمة فلم يعلمهم بالسوية فقيرهم مع غنيهم وغنيهم مع فقيرهم حشر يوم القيامة مع الخائنين". ١٣- ألا يطيل الحديث ويكثر القول في الأمر لدرجة تبعث الملل والسأم في نفس تلاميذه وتفقدهم الاهتمام بما يقول: فالإنسان يشبع من الكلام كما يشبع من الطعام، وما زاد على ذلك تزهد فيه النفس. وقد قال بعض الحكماء: "خير العلماء من لا يقل ولا يمل" وورد عن المبرد قوله: "من أطال الحديث وأكثر القول فقد عرض أصحابه للملال وسوء الاستماع ولئن يدع من حديثه فضلة يعاد إليه أصلح من أن يفضل عنه ما يلزم الطالب استماعه من غير رغبة فيه ولا نشاط له". ١٤- أن يخلص في تعليم تلاميذه وألا يبخل عليهم بتعليم ما يحسن لقوله ﷺ : "لا تمنعوا العلم أهله فإن في ذلك فساد دينكم والتباس بصائركم". ولا يمنع من إفادة ما يعلم، وأن يجيب ما سأله متعلما، وأن يفيد من عاوده مستفهما ولا يضجر منه وأن يسهل لتلاميذه سبيل طلب العلم ويبذل على جهده من أجل معاونتهم ومساعدتهم. قال ﷺ : "تصدقوا على أخيكم بعلم يرشده ورأي يسدده". وقوله ﷺ : "تعلموا وعلموا فإن أجر المعلم والمتعلم سواء". قيل: وما أجرهما؟ قال: "مائة مغفرة ومائة درجة في الجنة". ١٥- أن يكون أوسع الناس صدرا وأكثرهم صبرا وأجملهم لقاء وأحسنهم أخلاقا، لأن المتعلمين منه يحذون خلائقه ويتخذون طريقه. فلا يمنع طالبا ولا يثبط راغبا ولا ينفر متعلما لما في ذلك من قطع الرغبة منه والزهد فيما لديه.

стр. 280

١٦- ألا يعجل بالجواب إذا سئل وإن كان له حافظا حتى يفكر فيه ويعرفه معرفة صحيحة فيجيب بعلم ويقين فإن ذلك من آداب العلماء لقوله ﷺ : "المؤمن وقاف والمنافق وثاب". ١٧- ألا يشتغل عن تعليم تلاميذه بأي شيء آخر. ١٨- ألا يستخدم تلاميذه لقضاء مصالحه وأغراضه الشخصية. ١٩- ألا يقبح في نفس المتعلم العلوم الأخرى التي يدرسها غيره فهذه أخلاق مذمومة للمعلمين. ٢٠- أن يكون المعلم قدوة حسنة لتلاميذه في كل شيء. ٢١- أن يكون على فراسة في التعرف على قدرات المتعلم، يقول الماوردي: إنه ينبغي أن يكون للعالم فراسة يتوسم بها المتعلم، ليعرف مبلغ طاقته وقدر استحقاقه، ليعطيه ما يتحمله بذكائه. أو يضعف عنه ببلادته، فإنه أروح للعالم وأنجح للمتعلم. وقد روى ثابت عن أنس بن مالك، قال رسول الله ﷺ : "إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم". قال عمر بن الخطاب ﵁: إذا أنا لم أعلم ما لم أره، فلا علمت ما رأيت. وقال عبد الله بن الزبير: لا عاش بخير من لم ير برأيه، ما لم ير بعينه. ٢٢- من المبادئ الهامة في التعليم التي نأخذها عن الإمام الشافعي ﵁ حرصه وهو يلقي درسه على حرية الطلبة العقلية وشعوره باستحالة القهر العقلي ما دام العقل يؤدي عمله. فهو يقول لطلابه: إذا ذكرت لكم ما لم تقبله عقولكم فلا تقبلوه. فإن العقل مضطر إلى قبول الحق. وفي قوله: "إن العقل مضطر" الدلالة على شعوره بضرورة هذه الحرية العقلية "أمين الخولي: ص٨٤ نقلا عن السيوطي في التنبئة"

стр. 281

أخلاق المعلمين: تختلط الآراء فيما كتب عن أخلاق المعلمين فمنهم من يتهمهم بالحمق وروجوا عنهم الأمثال التي تصفهم بذلك مثل قولهم: "أحمق من معلم كتاب" وقد رد الجاحظ على هذا الزعم، وقال: كيف نستطيع أن نزعم أن الكسائي وقطرب وأتباعهما يقال لهم حمقى. ونفى هذه الصفة عن المعلمين بصفة عامة بقوله: "ولا يجوز هذا القول على هؤلاء ولا على الطبقة التي دونهم". وأمير الشعراء أحمد شوقي مع أنه عظم المعلم بقوله: قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا يقول في قصيدته بعنوان "مصاير الأيام": إن عدوى الصبية تمتد إلى المؤدب فتلقبه صبيا مثلهم. يقول شوقي في ذلك: ألا حبذا صحبة المكتب ... وأحبب بأيامه أحبب وياحبذا صبية يمرحون ... عنان الحياة عليهم صبي خليون من تبعات الحياة ... على الأم يلقونها والأب كأنهم بعد تلقي الدروس ... مهار عرابيد في الملعب جنون الحداثة من حولهم ... تضيق به سعة المذهب عدا فاستبد بعقل الصبي ... وأعدى المؤدب حتى صبي وقد ورد أيضا أن معلم الكتاب لا تقبل شهادته، وقد يكون تفسير ذلك على أنه تشكك في ذمة المعلم وضميره وإنما على أنه سد الباب أما ترك المعلم لتلاميذه وعمله للإدلاء بالشهادة. ومن المعروف أن معلم الكتاب كان يحرم عليه ألا يترك عمله ولا ينشغل عن تلاميذه لأي سبب من الأسباب، ولذلك حرم عليه -إلا في حالة الضرورة- أشياء منها عيادة المريض والصلاة على الجنازة أو السير فيها أو الإدلاء بالشهادة في البيع أو النكاح لأن هذه الأشياء تجعله يترك عمله وتلاميذه. بل لا يجوز للمعلم أن ينشغل عن تلاميذه بأن يكتب لنفسه أو لغيره كتب الفقه وغيرها إلا بعد انتهاء عمله مع الصبيان. ويصف ابن جماعة المعلم بأنه "الذي كملت أهليته وتحققت شفقته وظهرت مروءته وعرفت عفته واشتهرت صيانته وكان أحسن تعليما وأجود تفهيما". أما بالنسبة لأخلاق وآداب العلماء فإن الكتابات عن هذا الموضوع تضعهم في مكانة عالية رفيعة، ويجب أن يكونوا نبراسا لغيرهم من المشتغلين بالعلم

стр. 282

والتعليم. وإلى جانب بعض الآداب التي سبق ذكرها.. يرى أبو حنيفة أن على العالم المسلم أن يعرف "أن الله إنما بعث رسوله رحمة ليجمع به الفرقة وليزيد به الألفة ولم يبعثه ليفرق الكلمة ويحرش المسلمين بعضهم على بعض" وكذلك من واجبات العالم المسلم أن يبشر ولا ينفر وألا يرمي غيره بالكفر أو غيره من التهم إن اختلفوا معه في الرأي. ولا يجوز أن يصير هذا الخلاف في الرأي خلافا في الدين، فإن صار كذلك كان العالم نفسه مخطئا خطأ تتفاوت حدود امتداده بتفاوت حجم الضرر الناجم عنه. ويقول الماوردي: ومن آدابهم "أي العلماء" نصح من علموه وتسهيل السبيل عليهم والا يمنعوا طالبا ولا ينفروا راغبا ولا يوئسوا متعلما لما في ذلك من قطع الرغبة فيهم والزهد فيما لديهم. ويضيف العلموي إلى ذلك أنه إذا سئل عن شيء لا يعرفه، أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل لا أعرفه فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ وقال ابن عمر أيضا: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية ولا أدري. وقال بعضهم: "تعلم لا أدري فإن قلت لا أدري علموك حتى تدري وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري". قال الحميدي وهو تلميذ الإمام الشافعي: "صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه المسائل ويستفيد مني الحديث". وفي الصحيح أنه ﷺ قال: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوب زور". وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى والخضر ﵉ حين لم يرد موسى العلم إلى الله تعالى لما سئل: هل أحد في الأرض أعلم منك.

стр. 283

أجر المعلم: هناك خلط وسوء فهم في الكتابات العربية عن أجر المعلم وهل يجوز للمعلم أن يأخذ أجرا عن التعليم أم لا. ويرجع هذا الخلط إلى عدم التمييز أو التفرقة بين أخذ المعلم أجرا عن التعليم من المتعلم وبين أخذه أجرا عن التعليم كمهنة يتعيش منها من أولي الأمر. ومن قصد المعنى الأول من علماء المسلمين قال بعدم أخذ المعلم أجرا عن التعليم وإنما يبتغي به مرضاة الله لقوله ﷺ : "قل لا أسألكم عليه من أجر. إن أجري إلا على الله". ومن ذهب إلى هذا القول قلة من علماء المسلمين منهم الغزالي والجيطالي. ومن قصد المعنى الثاني من علماء المسلمين قالوا بأن المعلم يستحق أجرا على تعليم القرآن وغيره وذلك استنادا إلى ما ورد في الأثر: "أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله تعالى". وذهب كل من ابن سحنون والقابسي وغيرهما إلى القول بهذا الرأي, ومنهم الغزالي أيضا عند قصد هذا المعنى إذ يقول: "للمدرس أن يأخذ ما يكفيه ليفرغ قلبه عن المعيشة وليتجرد لنشر العلم فيكون مقصوده نشر العلم وثواب الآخرة. ويأخذ الرزق بلغة ميسرة للمقصود أي مساعدة له على العيش والحياة. ويبرز القابسي إعطاء المعلم أجرا عن التعليم بقوله: لو اعتمد الناس على التطوع لضاع كثير من الصبيان ولما تعلم القرآن كثير من الناس فتكون هي الضروروة القائدة إلى السقوط في فقد القرآن من الصدور، والداعية إلى تثبيت أبناء المسلمين بالجهالة فلا وجه لتضييق ما لم يأت فيه ضيق. ويروى عن ابن مسعود قوله: ثلاثة لا بد للناس منهم: أمير يحكم بينهم ولولاه لأكل بعضهم بعضا، وشراء المصاحف وبيعها ولولاه لقل كتاب الله، ومعلم يعلم أولادهم ويأخذ على ذلك أجرا ولولا ذلك لكان الناس أميين. ويروى أيضا أن سعد بن مالك قدم برجل من العراق يعلم أبناءهم الكتاب بالمدينة ويعطونه الأجر. ويروى عن مالك قوله: لا بأس بما يأخذ المعلم على تعليم القرآن وإن اشترط شيئا كان حلالا جائزا ولا بأس بالاشتراط في ذلك، وحق الختمة سواء اشترطها أم لم يشترطها. وهذه كلها أمثلة تؤكد استحقاق المعلم للأجر على اشتغاله بالتعليم. وكان الإمام مالك وجميع علماء المدينة يجيزون أخذ الأجر على تعليم الصبيان القرآن والكتابة. فقد ورد عن ابن وهب صاحب الموطأ قوله: "سئل مالك عن الرجل يجعل للرجل عشرين دينارا يعلم ابنه الكتاب والقرآن حتى يحذقه. فقال: لا بأس بذلك وإن لم يضرب أجلا. ثم قال: "والقرآن أحق

стр. 284

ما يعلم" وقد ورد في فتح الباري بشرح البخاري ٥/ ٣٦٠ "كتاب الإجازة" قول الحكم: "لم أسمع أحدا كره أجر المعلم". وأورد ابن وهب في موطئه عن عبد الجبار بن عمر قوله: كل من سألت بالمدينة لا يرى لتعليم المعلمين بالأجر بأسا. وهناك أمثلة واقعية لمعلمين كانوا يأخذون أجرا على تعليمهم من أشهرهم المبرد الذي كان لا يعطي الدروس مجانا وكان الزجاج يدفع إليه درهما في اليوم لقاء تعليمه. وقد رد الطهطاوي في العصور الحديثة على من قال بعدم جواز أخذ أجر عن التعليم، وذهب مذهب جمهور المسلمين في القول بأن يأخذ المعلم أجرا على التعليم، وقد كان المعلم في العصور الإسلامية ولا سيما معلم الكتاب يأخذ أجرا يتفق عليه من أولياء الأمور وكان هذا الأجر يدفع عادة إما مشاهرة "بالشهر" أو مساناة "أي بالسنة". وقد يكون نقديا بالمال أو عينيا بالغلال والحبوب وغيرها من الخيرات أو بهما معا. وقد يترك أمر الأجر لتقدير الآباء وحسب كرمهم وأريحيتهم. أما المعلمون أو العلماء الذين كان يعينهم الولاة والحكام في مدارسهم التي كانوا ينشئونها كالفاطميين في مصر ونظام الملك في بغداد ونور الدين زنكي في الشام وصلاح الدين الأيوبي في مصر فكانت لهم أجور منتظمة تدفع لهم من خزانة الدولة ومن بيت المال. وهناك اختلاف بين المؤرخين حول مسألة بدء ترتيب أجور منتظمة للعلماء والمعلمين. فهناك رأي يقول: إن نظام الملك هو أول من رتب الأجور للعلماء والمدرسين في مدارسه النظامية، ورأي آخر يقول: إن ترتيب الأجور للمعلمين بدأ قبل نظام الملك. وهناك رأي يقول: إن الفاطميين أول من رتب أجور منتظمة للعلماء والمعلمين ولكن من المعروف أن العباسيين شيدوا بيت الحكمة في بغداد، وعينوا له العلماء والمترجمين والنساخ ورتبوا لهم المرتبات والأجور. ومن بعدهم بني الفاطميين الأزهر لخدمة المذهب الشيعي ووكلوا إلى رجالهم وعلمائهم الإشراف عليه وتوجيهه. ثم أنشأ نظام الملك عدة مدارس عرفت باسمه أشهرها نظامية بغداد وكان

стр. 285

الهدف من إنشائها مقاومة المذهب الشيعي الذي كان منتشرا في عهد البويهيين، وعملت هذه المدارس على ترويج المذهب السني. وقد عين لهذه المدراس العلماء والمعلمون ورتبت لهم المرتبات والأجور. ويصدق ذلك أيضا على المدارس التي أنشأها كل من نور الدين زنكي في الشام وصلاح الدين الأيوبي في مصر، فكانت هذه المدارس تروج لمذهب فقهي معين تسير الدراسة وفقا له ويقوم بالتدريس فيها علماء المذهب وشيوخه. ولم يكن التعليم هو الوسيلة أو المهنة التي يعتمد عليها المعلم في كسب رزقه إذ كان لكل معلم مهنته الخاصة. وقد قام أحد الباحثين الأجانب١ بإحصاء للعلماء المسلمين في القرنين الثالث والرابع للهجرة فوجد أن ٧٥% منهم كانوا من التجار وأصحاب الحرف. فالزجاج كان يعمل في خرط الزجاج. وكان أبو حنيفة خزازا يبيع الخز وكان الواقدي يضارب بالحنطة. ولذلك نجد أن معظم العلماء كانوا في حالة الاكتفاء من الناحية المادية بل إن بعضهم كان من الموسرين لدرجة أنه كان يساعد طلابه المجتاجين. وكان هناك بالطبع عدد قليل من العلماء الفقراء الذين كانوا يتلقون العون والمساعدة من الخلفاء والأعيان.
следующие страницы →