← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7436

التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية

محمد منير مرسي

Полный текст (538 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمات نبذة تفصيلية عن المؤلف ... نبذة تفصيلية عن المؤلف: الاسم بالكامل: محمد منير مرسي البري، وشهرته منير مرسي. ولد في ٢١/ ٩/ ١٩٣٣ ببركة السبع، محافظة المنوفية. كان والد ﵀ من رجال التربية والتعليم. حصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة العياط الابتدائية بمحافظة الجيزة عام ١٩٤٧، وعلى شهادة التوجيهية من مدرسة الإبراهيمية الثانوية بجاردن سيتي بالقاهرة عام ١٩٥٢، وعلى ليسانس كلية دار العلوم - جامعة القاهرة ١٩٥٢. وعلى الدبلوم العامة في التربية ١٩٥٧ والدبلوم الخاص في التربية ١٩٥٨ ودرجة الماجستير في التربية ١٩٦١ من كلية التربية - جامعة عين شمس. وحصل على درجة دكتوراه الفلسفة في التربية ".PH. D" من جامعة لندن - إنجلترا عام ١٩٦٩. عمل مدرسا بمدرسة النقراشي النموذجية الإعدادية في بداية حياته المهنية، ثم عمل بإدراة تعليم الكبار وإدارة البحوث الفنية بوزارة التربية والتعليم. أعير للعمل أستاذا للغة العربية بجامعة تاجيكستان بالاتحاد السوفيتي سابقا في الفترة من ١٩٦٠-١٩٦٢. وبعد عودته كتب كثيرا من المقالات عن الثقافة العربية وعن تجربته العلمية والدراسات العربية في مجلة "المجلة" ومجلة "الرسالة" ومجلة "الثقافة". وكان لتشجيع الكاتب الكبير يحيى حقي أثر كبير في ذلك. وترجم وقتها إلى العربية بعض الكتب القيمة بالروسية عن الأدب والشعر والثقافة العربية منها: "مع المخطوطات العربية" لكراتشكوفسكي" و"الشعر العربي في الأندلس" له أيضا، وأراجيز الملاح العربي لفاسكودي جاما أحمد بن ماجد، وهي أطروحة علمية لشوموفسكي، والرسالة الثانية لأبي دلف من تأليف أنس خالدوف. حصل عام ١٩٦٥ على بعثة حكومية لكلية التربية جامعة عين شمس لدراسة الدكتوراه بجامعة لندن بإنجلترا. وحصل على درجة دكتوراه الفلسفة في التربية تخصص تربية مقارنة منها عام ١٩٦٩. وكان أستاذه المشرف عليه هو عالم التربية المقارنة المعروف "جوزيف لاواريز". كما تعلم وقتها أيضا من نجوم مرموقين يعتبرون الآن روادا يشار إليهم بالبنان في الميدان من أمثال "نيقولا هانز" و"برايان هولمز"

стр. 2

و"إدموندكنج"، والمؤرخ العربي المشهور عبد اللطيف الطيباوي ﵀، والذي حصل على أرفع الدرجات العلمية من جامعة لندن "D.Lit" وصاحب المؤلفات العربية والإنجليزية القيمة في تاريخ العرب والإسلام. ومن أحدث كتبه باللغة الإنجليزية كتابه عن التربية الإسلامية بين التقليد والمعاصرة. وبلغ من ثقته العلمية في شخصية صاحب النبذة أن طلب منه قراءة أصول الكتاب قبل طباعته. ولم ينس أن يشكره على ذلك في مقدمة الكتاب بعد صدوره باللغة الإنجليزية. بعد عودته إلى مصر عام ١٩٦٩ التحق بالعمل مدرسا بقسم أصول التربية بكلية التربية جامعة عين شمس. ثم لم يلبث أن انتقل إلى قسم التربية المقارنة والإدارة التعليمية بنفس الكلية. ثم رقي إلى أستاذ مساعد بنفس القسم عام ١٩٧٤ ثم إلى أستاذ بنفس القسم عام ١٩٧٩ بناء على قرار اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة بجلستها بتاريخ ٢٧/ ٩/ ١٩٧٩. ثم عين أستاذا بجامعة قطر بقرار مجلس الجامعة بتاريخ ٢٦/ ١٢/ ١٩٧٩. عند عودته من البعثة الدراسية أحس بحاجة ميدان التربية بصفة عامة وميدان التربية المقارنة والإدراة التعليمية بصفة خاصة إلى المصادر العربية الحديثة التي يستعين بها في تدريس مقرراته للطلاب. وبدأ بالتدريج في توفير هذه المصادر عن طريق الترجمة من الإنجليزية مبتدئا بترجمة جزء من رسالته للدكتوراه صدر بعنوان إدارة وتنظيم التعليم العام. وفي نفس الوقت اتجه إلى ترجمة مجموعة حديثة مختارة من الكتب الإنجليزية بالتعاون أحيانا مع بعض زملائه. منها كتاب المدرسة الشاملة "لروبين بيدلي" ومدارس بلا فشل "لجلاسر" والتعليم والتنمية القومية من تحرير آدامز" وانثروبولوجيا التربية "وفلسفة التربية" لجورج نيللر" والتاريخ الاجتماعي للتربية لروبرت لك. واتجه أيضا إلى التأليف فألف وقتها كتاب "الإدارة التعليمية أصولها وتطبيقاتها "و"التعليم العام في البلاد العربية" و"الإدارة المدرسية الحديثة". أعير للعمل بجامعة قطر ابتداء مع العام الجامعي ٧٥/ ١٩٧٦. وعمل بها أستاذا مساعدا ثم أستاذا طيلة فترة عمله بها حتى عام ١٩٩٠. كان المدير المؤسس لمركز البحوث التربوية بجامعة قطر منذ تأسيسه عام ١٩٨٠ حتى انتهاء عمله بجامعة قطر في أكتوبر ١٩٩٠.

стр. 3

ألف خلال حياته العلمية والمهنية كثيرا من الكتب، وقام بكثير من الدراسات والبحوث. ونشر كثيرا من المقالات باللغة العربية والإنجليزية مما يتضح من قائمة المؤلفات في نهاية الكتاب. أشرف على عدة رسالات علمية لدرجة الماجستير والدكتوراه، كما اشترك في مناقشة كثير من الرسائل العلمية. قام بتحكيم كثير من الدراسات والبحوث والأعمال العلمية والأكاديمية في ميدان التخصص منها أعمال علمية للترقية إلى وظائف أعلى لهيئة التدريس "أستاذ مساعد، أستاذ" في عدة دول عربية منها الأردن والعراق والسعودية واليمن والكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة. شارك في أعمال استشارية ومهمات علمية تطويرية تجديدية وتدريبية كثيرة في مختلف الدول العريبة منها اليمن وليبيا والسعودية والبحرين والكويت ودولة الإمارات وقطر وماليزيا. اشترك في كثير من المؤتمرات التربوية الدولية في كثير من بقاع العالم منها أمريكا وإنجلترا وفرنسا والفلبين والمكسيك وماليزيا، وشارك في أعمال هذه المؤتمرات بالجهود العلمية كتابة وتحدثا. وله صلات علمية بالجامعات البريطانية والأمريكية. حاضر في كثير من الجامعات الأجنبية والمصرية منها جامعات الاتحاد السوفيتي سابقا وبريطانيا وجامعات والإسكندرية وطنطا والزقازيق والمنصورة والأزهر وكلية التربية وكليات البنات بجامعة عين شمس وكلية التربية بجامعة قطر. قام بزيارة بلاد أخرى كثيرة منها تركيا وباكستان والهند وهونج كونج وماليزيا وتايلاند ودول بحر البلطيق وإيطاليا وهولندا وألمانيا وسويسرا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا والمكسيك والفلبين. اسمه مدرج في الموسوعة القومية للشخصيات المصرية الهامة التي أصدرتها مصلحة الاستعلامات في مصر عام ١٩٢٢. وهي تتضمن معلومات وبيانات تفصيلية أخرى عنه.

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: على الرغم من الأهمية الحيوية لموضوع التربية الإسلامية فإن المكتبة العربية تعاني من فقر شديد في الكتابات الحديثة عن هذا الموضوع. وما زالت الحاجة ماسة لكتابات أصيلة عن التربية الإسلامية تسبر أغوارها. وتكشف جوانبها لتعمق فهمنا لما ينبغي أن يكون عليه طريقنا في تنشئة الأجيال الصاعدة تنشئة صحيحة. وهذا الكتاب يتناول التربية الإسلامية من حيث أصولها ومبادئها واتجاهاتها وتطورها في البلاد العربية عبر تاريخها الطويل منذ ظهور الإسلام حتى العصور الحديثة. والكتاب خطوة متواضعة، بيد أنه يسد حاجة قائمة. وهو يهم بالدرجة الأولى كل المشتغلين بالتربية والمعنيين بشئونها بصفة خاصة. والتربية الإسلامية خاصة، ويهم كل المربين والمعلمين والآباء والأمهات. والكتاب أيضا يهم كل مسلم لأنه بحكم إسلامه راعٍ وهو مسئول عن رعيته. ومن هذا فإن هذا الكتاب يمثل اهتمامًا مشتركًا لكثير من أبناء أمتنا الإسلامية. وقد صدرت أول طبعة من هذا الكتاب عام ١٩٧٧. وهو يخرج في هذه الطبعة الجديدة في صورة مزيدة ومنقحة. فقد أضفنا جزءا عن الماوردي وابن مسكويه وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وآرائهم التربوية. ونقحنا وأضفنا وعدلنا أجزاء متفرقة من الكتاب حتى يخرج في صورة أفضل للمهتمين بموضوعه. وشعاري الذي أتمسك به دائما هو قوله تعالى : ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . القاهرة، ٢١ سبتمبر ١٩٩٩ أ. د. محمد منير مرسي

стр. 5

الفهرس: نبذة تفصيلية عن المؤلف ١ مقدمة ٤ تمهيد: مشكلات منهجية في الكتابة عن التربية الإسلامية ٧ الفصل الأول: التربية الإسلامية: مدخل أولي ١٧ الفصل الثاني: أهداف التربية الإسلامية وأسسها وأساليبها ٤٨ الفصل الثالث: فلسفة التربية الإسلامية: ٩٩ أولا: الإسلام والكون: مدخل أنطولوجي ٩٩ ثانيا: المعرفة في الإسلام: مدخل إبستمولوجي ١٢١ ثالثا: الأخلاق في الإسلام: مدخل إكسيولوجي ١٣٨ الفصل الرابع: تربية الطفل في الإسلام ١٩٥ الفصل الخامس: تعليم المرأة في الإسلام ٢٢٧ الفصل السادس: المعلم في التربية الإسلامية ٢٤٢ الفصل السابع: تطور التربية الإسلامية وأهم سماتها في العصور الوسطى ٢٥٥ الفصل الثامن: مراكز التعليم الإسلامي ٢٨٣ الفصل التاسع: أعلام التربية الإسلامية في العصر الوسيط. ٣٠٧ ١- ابن سحنون وآراؤه التربوية. ٣٠٧ ٢- القابسي وآراؤه التربوية. ٣١٣ ٣- ابن مسكويه وآراؤه التربوية. ٣١٩ ٤- الماوردي وآراؤه التربوية. ٣٣٨ ٥- الغزالي وآراؤه التربوية. ٣٦٠

стр. 6

٦- ابن تيمية وآراؤه التربوية. ٣٧٥ ٧- ابن خلدون وآراؤه التربوية. ٣٩٦ الفصل العاشر: التربية في الشرق العربي الإسلامي في العصور الحديثة ٤٠٩ الفصل الحادي عشر: أعلام النهضة التربوية في العصر الحديث: ٤٢٨ ١- محمد بن عبد الوهاب وآراؤه التربوية. ٤٢٨ ٢- رفاعة الطهطاوي وآراؤه التربوية. ٤٣٣ ٣- علي مبارك وآراؤه التربوية. ٤٤٨ الفصل الثاني عشر: الاتجاهات التربوية في العصر الحديث ٤٥٦ ١- اقتباس النظم التعليمية. ٤٥٦ ٢- ظهور حركة التربية الحديثة. ٤٥٧ ٣- استقدام الخبراء الأجانب. ٣٦٠ ٤- الاهتمام بإعداد المعلمين. ٤٦٢ ٥- إنشاء الجامعات الحديثة. ٤٦٣ ٦- ظهور الاتجاهات التعليمية المتميزة. ٤٦٣ ٧- تطوير الأزهر. ٤٦٧ المراجع. ٤٧١ كتب أخرى للمؤلف ٤٨٢

стр. 7

تمهيد: مشكلات منهجية في الكتابة عن التربية الإسلامية قد يعجب دارس تاريخ التربية من إغفال مراجع التربية المؤلفة في الغرب لموضوع التربية الإسلامية على الرغم من أن التربية الإسلامية قد عاشت أزهى فتراتها في وقت خيم فيه ظلام العصور الوسطى على الغرب. وإذا كانت هذه الفترة من الظلام قد ميزت القرون الخمسة الأولى من العصور الوسطى في الغرب فإن شمس الحضارة كانت تشرق عالية في الشرق. بل إن النهضة الأوربية التي بدأت في النصف الثاني من القرون الوسطى قد اعتمدت في غذائها الثقافي والفكري على نتاج الثقافة العربية والإسلامية إبان عصرها الذهبي. ولعل العذر في هذا الإغفال من جانب المؤلفين الغربيين يرجع إلى عدم اهتمامهم بالموضوع رغم أهميته أو لجهلهم به أو ربما لتحيزهم وتعصبهم في بعض الأحيان. ويذكر كاتب هذه السطور أنه عندما قام مع زميلين له بترجمة كتاب التاريخ الاجتماعي للتربية لمؤلفه روبرت بك من الإنجليزية إلى العربية؛ تم الاتصال بالمؤلف الأمريكي لاستئذانه في الترجمة العربية مع طلب مقدمة منه لهذه الترجمة. وفي رده عبر عن إحساسه بهذا النقص من الكتاب وعلل ذلك بعدم معرفته بهذا الجانب الهام من التربية في الشرق. وقد نشرت الترجمة ولم تنشر معها المقدمة لأنها وردت متأخرة. وقد تكون دهشة دارس تاريخ التربية أشد عندما يرى أن المؤلفات العربية تعالج موضوعات التربية الإسلامية عند الكلام عن التربية في العصور الوسطى وكأن دراسة الموضوع تقف عند هذه الفترة الزمنية. صحيح أن التربية الإسلامية -كما قلنا- عاشت أزهى عصورها في هذه الفترة التي أعقبها فترة تدهور وانحطاط. لكن هذا لا يقلل من دراسة التربية الإسلامية خلال تلك الفترة لمتابعة تطورها ونمو اتجاهاتها حتى نأتي إلى العصور الحديثة لتكتمل الصورة.

стр. 8

وللأسف الشديد أن الفجوة في تتبع دراسة تطور التربية الإسلامية حتى العصورة الحديثة ما زالت قائمة، ولا توجد حتى الآن محاولة جادة في هذا الاتجاه. وليس من قبيل التواضع القول بأن ما يقدمه المؤلف في هذا الكتاب ليس إلا خطوة على الطريق أو هي جهد المقل إن صح هذا التعبير. وعلى الرغم من وجود محاولات متزايدة للكتابة عن التربية الإسلامية في السنوات الأخيرة، فإن هذه المحاولات تقصر في الأغلب والأعم عن إشباع حاجات وتطلعات المهتمين بهذا النوع من الدراسات. وتبقى الكتابة عن التربية الإسلامية كالصخرة التي تتحدى ناطحها. وقد أردنا من هذه السطور أن نعرض لأهم المشكلات والصعوبات التي تكتنف الكتابة عن هذا الموضوع الحيوي الهام. ونحب أن نوضح منذ البداية أن ما نعنيه بالتربية الإسلامية هنا هو ليس مفهومها العام وإنما مفهومها الاصطلاحي الذي يخص المربين وأساتذة التربية والذي يتصل بالمفاهيم والأسس والمبادئ التي تحكم النظرية التربوية في الإسلام بأبعادها المختلفة. وسنحاول في السطور التالية أن نعرض لأهم هذه المشكلات المنهجية في الكتابة عن التربية الإسلامية. أولا: أن الكتابة عن التربية الإسلامية تحتم على الباحث أو الكاتب الخوض في التراث، وهي عملية ليست سهلة وتكتنفها صعوبات كثيرة سنشير إلى بعضها فيما بعد. لكن مما يتصل بكلامنا هنا من هذه الصعوبات ما يتعلق بتناثر الكتابات عن التربية الإسلامية في التراث بصورة تحول دون الإلمام بشتاتها، وتحتاج هذه الكتابات إلى محاولات منسقة لحصرها وتصنيفها وتبويبها بحيث تقدم في صورة متكاملة يمكن للمربين والمشتغلين بالعلوم التربوية أن يستفيدوا منها. ومع أن هناك بعض الدراسات والمحاولات الجادة التي عملت في هذا السبيل فإنها تعتبر محاولات مرحلية لعبت دورها في تمهيد الطريق لدراسات أخرى تالية تستفيد منها وتضيف إليها. إن إحدى الملاحظات التي يمكن أن تؤخذ على هذه الدراسات هو منهجها في البحث والتحليل الذي قد يفتقر أحيانا إلى النظرة الشمولية والاستقصائية والربط والتفسير والوصول إلى الاتجاهات أو المبادئ العامة. مثلا إحدى هذه

стр. 9

الدراسات عن التربية الإسلامية استعرضت آراء مختلفة عن أغراض أو أهداف التربية الإسلامية ووصلت بعد هذا الاستعراض إلى أن الصواب في نظر صاحب الدراسة هو ذكر صاحب المذهب ثم ذكر الغرض من التعليم الذي يلائم هذا المذهب. فهل هذا الاستنتاج صحيح؟ وهل هذا هو نوع الاستنتاج العام الذي نريد الوصول إليه؟ ثانيا: أن الكتابة عن التربية الإسلامية في معظمها تأخذ المنظور التاريخي الجزئي. بمعنى أنها تنظر إلى التربية الإسلامية على أنها فترة تاريخية معينة وعادة ما تكون هذه الفترة هي فترة العصور الوسطى التي تشمل فترة مجد الإسلام وازدهاره وبرز فيها علماء كثيرون كتبوا عن التربية والتعليم. ولذلك تهتم هذه الكتابات عادة بعرض الآراء. ومن الطبيعي أن يأتي عرض هذه الآراء حسبما اتفق دون نظام فكري معين. وغالبا ما تتكرر الآراء دون تمييز للسابق على اللاحق. وكثيرا ما يصعب على القارئ أن يخرج بصورة متكاملة مترابطة. كما يصعب على القارئ أن يربط بين ما قرأه وبين الوضع الراهن للتربية والتعليم بحيث يمكن أن يستفيد منه كمعلم أو كمربٍّ أو كمتخصص في علوم التربية. ثالثا: أن الكتابة في التربية الإسلامية قد يغلب عليها الأسلوب الإنشائي أو الخطابي أو أسلوب الوعظ والإرشاد. وهو أسلوب وإن كان له استخداماته فإنه لا يصلح للمعالجة الموضوعية والدراسة العلمية للتربية الإسلامية بمفهومها المهني الذي يفهمه المربون وأساتذة التربية وليس بمعناها العام كما أسلفنا ويتصل بذلك الخلط الذي يحدث كثيرا بين مفهوم التربية ومفهوم التعليم. فالتربية أعم من التعليم، وصلة التعليم بالتربية هي صلة الخاص بالعام. وهذا يعني أن التربية كعملية ليست مسئولية المدرسة وحدها وإنما تشترك معها كل القوى الأخرى المربية في المجتمع. كما أن المدرسة وإن كان معظم وظائفها تعليمية فإن لها أيضا وظيفة تربوية. وبالمثل يمكن الكلام عن المعلم فهو معلم بالمعنى الخاص ومربٍّ أيضا بالمعنى العام. فالمعلم في علاقته بالتلميذ لا يمكن أن

стр. 10

يقتصر تأثيره على المادة العلمية أو التخصصية التي يدرسها وإنما يتعدى تأثيره إلى ما هو أبعد من ذلك من حيث القيم أو المثل أو السلوك وغيرها من المجالات التي يؤثر فيها المعلم على التلميذ. وعلى هذا ونظرا لهذا التداخل بين مفهومي التربية والتعليم نجد على سبيل المثال أن بعض المشتغلين بالتربية الإسلامية قد يرفض على غير حق اعتبار أسلوب الوعظ والإرشاد كأحد أساليب التربية الإسلامية. وينظر إلى أن أساليب التربية الإسلامية إنما تقتصر على الإلقاء أو الحفظ أو التلقين أو التسميع أو المحاورة أو الإملاء وغيرها من الأساليب التي تكون ألصق ما يكون بمفهوم التعليم. رابعا: أن الكتابة في التربية الإسلامية قد تصطدم بمشكلة وضوح الرؤية في تتبع مسار الأصالة والتجديد للفكر الإسلامي عبر العصور المختلفة. فمن المعروف أن الفكر الإسلامي وإن كان يرجع في أصوله المتفق عليها إلى أصول واحدة هي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. فإنه تعرض لتأثير عناصر فكرية غريبة عنه حتى منذ العصور الأولى للإسلام. فبعض المسلمين دخلوا الإسلام ليهدموه ويروجوا البدع فيه وهم في حمايته وتحت رايته. وقصة عبد الله بن سبأ مع علي بن أبي طالب معروفة. فعبد الله بن سبأ يهودي أسلم ورأى مرة سيدنا عليا يرفع بيده ثقلا كبيرا يصعب على إنسان واحد أن يرفعه ولعله غطاء بئر على ما أذكر. فقال له عبد الله بن سبأ: والله ما رفعته بقوة جسمانية، وإنما بقوة ملكوتية، مرددا بذلك نظرية الفيض الإلهي عند المجوس، التي هي غريبة على روح الإسلام، وعندها نجد أن الإمام عليًّا يدرك المغزى وينكر على ابن سبأ هذا القول ويهدده بقوله: والله لو عدت إلى هذا القول لرجمتك. وهذا مجرد مثال واحد أردنا أن نورده للتدليل على دخول أفكار غريبة في الإسلام على يد أناس أسلموا ليكونوا معاول هدم الإسلام. وكم في الإسلام أناس من أمثال عبد الله بن سبأ. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: "تتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها واحدة والباقون هلكى" قيل: ومن الناجية؟، قال: "أهل السنة والجماعة". قيل: وما السنة والجماعة؟ قال: "ما أنا عليه اليوم وأصحابي".

стр. 11

ومن المعروف أن الأقوام الكثيرة التي دخلت الإسلام حملت معها بالطبع عاداتها وتقاليدها وعقائدها وتاريخها. فاليهود عملوا على ترويج أخبارهم ونشرها بين المسلمين فيما عرف فيما بعد بالإسرائيليات. والنصارى ساروا على نفس النهج، وكذلك الفرس الذين روجوا من الأخبار ما لا يخلو من العصبية والأفكار الغريبة عن الإسلام. ويعتبر كعب بن مانع -المشهور باسم كعب الأحبار المتوفى ٣٤هـ وهو يهودي يمني أسلم في خلافة أبي بكر- أكبر مروج للإسرائيليات التي تفشت في كثير من الكتب الإسلامية. وكان من الذكاء وسعة الاطلاع بحيث استطاع أن يؤثر في عدد غير قليل من علماء المسلمين الأولين منهم ابن عباس وأبو هريرة. وكانت فيه جرأة غريبة لدرجة أنه كما يقول ابن سعد في طبقاته الكبرى كان يجلس في المسجد وأمامه أسفار التوراة غير متحرج من ذلك "مصطفى الشكعة ص٣٢" ومع أن كثيرين من علماء المسلمين قد أخذ رواياته بكثير من الحيطة والتحفظ إلا أن بعضهم نقل عنه مثل الكسائي الذي نقل عنه قصص الأنبياء. إن مثل هذه الأفكار الغريبة سواء كان دخول بعضها مغلفا أو مكشوفا أصبح جزءا من التراث ويحتاج منا إلى جهود جادة لغربلة هذه الشوائب وتنقيتها. وهي عملية ليست سهلة كما يبدو. وإنما تحتاج إلى تضافر جهود مخلصة واعية قادرة. وبدون ذلك يظل طريق الكتابة عن التربية الإسلامية محوطا بالأشواك. يضاف إلى ذلك أيضا عناصر الفكر اليوناني التي شقت طريقها بسلطان إلى الفكر الإسلامي من خلال التراجم العربية لفلسفة الإغريق وقيام الفلاسفة المسلمين أنفسهم بترويج هذه الآراء على ألسنتهم بعضها أشعار نرددها دون وعي أحيانا. فنحن قد نردد قصيدة ابن سينا في النفس والتي يقول فيها: "هبطت إليك من المحل الأرفع" دون أن نعرف أنها ترديد لأساطير أفلاطون. وهذا أبو حامد الغزالي حجة الإسلام وأكثر المدافعين فيه يردد على لسانه آراء أفلاطون وأرسطو وغيرهما. ومن قبله ابن مسكويه في كتابه "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق" نجده متأثرا بفلاسفة الإغريق. بل إنني تعجبت جدا عندما

стр. 12

قرأت كتاب ابن قيم الجوزية "تحفة المودود بأحكام المولود" ووجدت أنه يورد آراء علماء الإغريق في هذا الكتاب الذي يحمل عنوانا لا نتصور معه وجود مكان فيه لمثل هذه الآراء. وعلى هذا تواجه الكتابة عن التربية الإسلامية مشكلة التمييز فيما يورده علماء المسلمين من آراء بين ما هو أصيل ودخيل. هناك بالطبع أشياء يمكن لنا تحديدها ومعرفتها. فنحن نعرف مثلا أن كتابات كل من ابن سحنون عالم القرن الثالث الهجري والقابسي عالم القرن الرابع الهجري والماوردي، عن التربية والتعليم هي كتابات إسلامية أصيلة خالصة. وهم من أوائل من كتبوا عن التربية الإسلامية كتابة متخصصة. ونعلم أيضا أن القرن الرابع الهجري يعتبر نقطة تحول واضحة بالنسبة للفكر الإسلامي عندما بدأت روافد الفكر الإغريقي تأخذ طريقها مع حركة الترجمة التي شهدت العصر العباسي الزاهر، ولهذا نجد أن الكتابات التي تلت ابن سحنون والقابسي بدأت تختلط بالعناصر الإغريقية، وهذا يصدق على ابن مسكويه عالم القرن الرابع الهجري والغزالي عالم القرن الخامس الهجري ومن بعدها. إن إحدى المشكلات التي تثيرها الكتابة عن التربية الإسلامية في محاولة تتبع تطور الفكر التربوي في الإسلامي تتمثل في جانبين رئيسيين: الجانب الأول: تحديد الآراء المتميزة لكل عالم إسلامي على حدة: فمن المعروف أن الخلف ينقل عادة من السلف. فالقابسي نقل عن ابن سحنون، والغزالي نقل عن مسكويه، وابن خلدون والطهطاوي نقلا عن سابقيهما وهكذا. وقد يكون لكل منهما اجتهاده الخاص إلى جانب الآراء الأخرى التي نقلها عن غيره. فليس كل ما يرد على لسان عالم من العلماء يمثل آراءه هو، وإنما قد يكون كثير منها قد تردد لدى سابقيه ونقله عنهم. إننا نجد رسائل علمية للماجستير أو الدكتوراه تبحث في الآراء التربوية لعالم من علماء المسلمين ولا تنتبه إلى هذه النقطة وترد الآراء التي يذكرها هذا العالم على لسانه في مؤلفاته على أنها آراؤه هو بصرف النظر عن مدى التحقق من كون هذه الآراء هي له حقيقة أم أنه مجرد ناقل لها عمن سبقه. مثلا يشار إلى عبارة "الإنسان

стр. 13

مدني بالطبع" على أنها لابن خلدون مع أنها ترددت قبله بما يزيد عن ثلاثة قرون ونصف عند ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق، وعند الماوردي في أدب الدنيا والدين والأصفهاني في الذريعة. الجانب الثاني: تحديد الأصيل والدخيل على الفكر الإسلامي فيما يرد على لسان العلماء من آراء: وهذه نقطة على جانب كبير من الأهمية سواء بالنسبة لموضوع التربية الإسلامية أو غيرها من جوانب الفكر الإسلامي عامة. إن كثيرا من الآراء الغريبة قد دخلت إلى الفكر الإسلامي على ألسنة العلماء المسلمين أنفسهم وفي ظل قوة سلطانهم. خذ كلام فلاسفة المسلمين عن النفس والعقل وهو موضوع ألصق ما يكون بفلسفة التربية الإسلامية تجد أن معظم ما يوردونه يمثل آراء فلاسفة الإغريق. وبعض علماء المسلمين يقسمون المنهج المدرسي إلى علوم إسلامية هي العلوم النقلية واللسانية، وعلوم غير إسلامية هي العلوم العقلية. فهل هذا تقسيم مقبول؟ أليست كل العلوم علوما إسلامية ما دامت في الحدود التي رسمها لنا الله؟ وقد يصل الخلط أحيانا إلى تشويه ما هو إسلامي خالص بخلطه عن غير وعي وإدراك بمتشابهات غير إسلامية. مثلا نردد كثيرا أن الإسلام هو دين التوسط والاعتدال. وهذا الكلام إسلامي خالص، ثم قد نتبع ذلك بالقول بأن الفضيلة توسط بين ذيلتين فالشجاعة فضيلة تتوسط الجبن والتهور، وأن علاج الرذيلة يكون بالمبالغة في ضدها حتى يحصل التوسط فعلاج الجبن الإسراف في الشجاعة وعلاج البخل الإسراف في الكرم. هذا الكلام غير إسلامي لأنه تردد على ألسنة فلاسفة الإغريق من قبل وعلى رأسهم أفلاطون وأرسطو. وقد نردد أيضا عبارات مثل الإنسان حيوان عاقل أو مفكر ناطق أو غيرها.. ووصف الإنسان بالحيوان أو ما جاء على لسان أرسطو. ومثل هذا الوصف غريب على الفكر الإسلامي. والمصدران الرئيسيان للإسلام لم يصفا الإنسان بهذا الوصف، بل إنهما كرما الإنسان غاية التكريم، وجعله الله خليفته في الأرض وفضله على كثير من خلقه. ألم يصف الغزالي الإنسان بأنه أشرف

стр. 14

مخلوق على الأرض؟ إن الإنسانية ضد الحيوانية والبهيمية ولا يجوز في الفكر الإسلامي الصحيح أن نجري وراء أرسطو أو داروين أو سبنسر أو غيرهم لنعتبر الإنسان من صنف الحيوان ثم نضفي عليه بعد ذلك الصفات الأخرى من العقلانية أو الاجتماعية أو غيرها. إن الإنسان جنس من صنف الأجناس التي خلقها الله. وهو مميز بذاته وكرمه الله على كثير من خلقه وجعله خليفته على الأرض. وقد يقال مثلا إن الحيوانية من الحياة، ومن ثم فوصف الإنسان بأنه حيوان يعني أن به حياة. وأنا أعتقد أن هذا المعنى هو آخر ما يتوارد على عقولنا عندما نصف الإنسان بذلك. إن ما أقصده هنا هو وضع الأمور في إطارها الصحيح وفي منظورها الإسلامي السليم دون تمحك أو تكلف في التخريج. خامسا: أن محاولات تجديد الفكر الإسلامي في العصور الحديثة لم تصل إلى غاياتها ولم تستطع أن تصل حاضر المسلمين المتخلف المؤسف بماضيهم التليد الزاهر، فقد خيم على العالم الإسلامي فترة ركود فكري وثقافي امتدت عبر قرون طويلة، وبدأت بخطوات سريعة منذ تدمير المغول لحضارة الإسلام ودار السلام في بغداد ثم ما تلا ذلك من فترة الحكم التركي العثماني. فالذي لا شك فيه أن السياسة التركية العثمانية قد أدت إلى ظهور تيارات ثقافية مختلفة وفكرية متباينة في العالم العربي والإسلامي وخلقت أوضاعا غريبة. ففي ظل الحكم التركي العثماني ظهرت الدعوات الشعوبية كالدعوة الطورانية أو الجامعة التركية التي كانت ترمي إلى سلخ تركيا عن الإسلام والبعد عن الجامعة الإسلامية التي دعا إليها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. وظهرت أيضا الدعوة الفرعونية في مصر والفينيقية في الشام والآشورية في العراق والبربرية في المغرب وهكذا. وفي ظل هذه البلبلة الفكرية كان هناك أيضا الدعوة إلى القومية العربية في مقابل الأمة الإسلامية. فمن المعروف أن لا شعوبية في الإسلام، والإسلام للناس كافة ولكل شعوب الأرض على اختلاف شاكلتهم وألوانهم وأجناسهم. وقد حسمت هذه الدعوى الشعوبية منذ فجر الإسلام فلا فضل لعربي على عجمي إلا

стр. 15

بالتقوى وصالح العمل. والناس كأسنان المشط في المساواة. والمسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة. ومع أن دعوى القومية العربية غريبة عن روح الإسلام فإنها في العصور الحديثة إلى العالم العربي تحت تأثير عاملين رئيسيين: العامل الأول: هو سياسة التمييز الديني الذي سارت عليه السياسة التركية العثمانية، وعاملت المسيحيين العرب واليهود العرب معاملة الأقليات الأجانب، وعلى هذا كان من حقهم إنشاء المدارس الخاصة بهم لتعليم أبنائهم باللغة العربية في حين عومل المسلمون العرب معاملة باقي أرجاء الخلافة. فكان تعليمهم يسير على نظام المدارس التركية. وكانت اللغة التركية هي اللغة الرسمية للاتصال والتعليم معا. فاستعجمت العربية في عقر دارها وعاشت كلغة هامشية. وكان تأثير كل هذا أن ظهر بين المسيحيين واليهود من العرب من قاد حركة الثقافة الفكرية العربية خلال القرنين ١٩، ٢٠، كما أن المسيحيين العرب كان عليهم أن يجدوا لأنفسهم ما يربطهم بهذا الوطن العربي الذي عاش عليه أجدادهم في حين أن تركيا تنظر إليهم كأغراب فيه. ووجد هؤلاء المسيحيون في الدعوة إلى القومية العربية ما يحقق انتماءهم إلى وطنهم العربي ويربطهم به. العامل الثاني: نمو الحركة القومية في أوربا بصورة متزايدة خلال القرن التاسع عشر تحت تأثير من فكر هيجل أن الأمة المثالية هي التي تنتمي إلى قومية واحدة. ووجد المسيحيون العرب في هذه الدعوى ضالتهم المنشودة التي تجعل منهم مواطنين لا رعايا في أوطانهم. وارتبطت هذه الحركة القومية عند المسيحيين العرب بتعريب الكنائس العربية واستخدام اللغة العربية في الصلوات والطقوس والترانيم. وكانت المحصلة النهائية لكل هذه الدعوات المختلفة إضافة المزيد من التناقضات التي تعمق من فرقة العالم الإسلامي. وعندما نسأل أنفسنا: من نحن؟ لا نجد إجابة واحدة. وتجديد الفكر الإسلامي لا بد أن يضع في اعتباره العمل على تخليصنا من التناقضات الثقافية والفكرية. وحتى يتم ذلك ستظل الكتابة عن التربية

стр. 16

الإسلامية تبحث لنفسها عن مخرج، وعندما نطرح سؤالا عن أهداف التربية الإسلامية أو العربية فكيف تكون إجابتنا عن هذا السؤال في ظل كل تلك التناقضات؟ وكيف نستطيع إذًا أن نحدد منطلقاتنا الرئيسية للعمل التربوي الجاد ونحن نواجه منذ البداية بهذه الصعوبات. إن أمامنا عملا كبيرا يتطلب جهودا مخلصة متضافرة تعمل على دفع حركة الفكر الإسلامي في تيارها الصحيح بما يمكن الباحثين من العمل الإيجابي الهادف البناء سواء في ميدان التربية الإسلامية أو غيرها من الميادين. سادسا: أن البلاد العربية في محاولة تجديد أوصالها والنهوض من كبوتها في العصور الحديثة اعتمدت على اقتباس النظم التعليمية من الغرب فأنشأت المدارس الحديثة على النظام الأوربي، وتركت مؤسسات التعليم الإسلامي على حالها حتى انطفأت تدريجيا. وهكذا نشأ نظام تعليمي جديد عرف بنظام التعليم الحديث تمييزا له عن النظام التعليمي القديم أو التقليدي كما يشار إليه أحيانا. وقد ترتب على ذلك وجوه ثنائية تعليمية بين النظامين انتهت بغلبة النظام الجديد وذبول أو اندثار النظام القديم، بل إن ما بقي من مؤسسات تعليمية إسلامية كالأزهر مثلا قد أدخل عليه تطوير كبير في أول الستينيات من هذا القرن غير كثيرا من صورته السابقة. والمشكلة التي تتحدى عصرية الكتابة عن التربية الإسلامية أو الوضع الراهن لها تتمثل في عدم وجود مؤسسات أو نظم واضحة لها وجود في العالم الإسلامي يمكن أن نطلق عليها مؤسسات تعليمية إسلامية. وبمعنى آخر إذا أردنا أن نتكلم الآن عن مؤسسات التربية الإسلامية في البلاد العربية، فعن أية مؤسسات نتكلم؟ لقد كان ذلك وما زال مصدر حيرة لمؤلف هذا الكتاب. ففي طبعته الأولى كان هناك فصل عن التعليم في البلاد العربية في العصور الحديثة، ثم صدرت الطبعات التالية للكتاب بدون هذا الفصل. وما زال التساؤل قائما. وقد وجهته لبعض قمم علماء المسلمين المعاصرين ممن أعرفهم ولم أخرج بإجابة شافية.

стр. 17

الفصل الأول: التربية الإسلامية تربية العرب قبل الإسلام مدخل ... الفصل الأول: التربية الإسلامية تربية العرب قبل الإسلام: اعتمدت التربية عند العرب قبل الإسلام على التقليد والمحاكاة، فكان الصغار ينشئون على تقليد ومحاكاة الكبار، وكانت القبيلة وما بها من عشائر وبطون تقوم بتعليم صغارها وفقا للمبادئ والقيم الاجتماعية السائدة في القبيلة. فكان للعرب قيمهم التي كانوا يفتخرون بها ويتغنون بها في أشعارهم. أما العلوم التي كانوا يعرفونها فيقول الشهرستاني في "الملل والنحل": "اعلم أن العرب في الجاهلية كانت على ثلاث أنواع من العلوم. أحدها علم الأنساب والتواريخ والأديان ... وثانيها علم الرؤيا، وكان أبو بكر ﵁ ممن يعبر الرؤيا في الجاهلية ويصيب فيرجعون إليه ويستخيرون عنه. وأما النوع الثالث فهو علم الأنواء وذلك مما يتولاه الكهنة". أما الشعر فهو ديوان العرب وكانوا يتطارحونه في الأسواق. وكان العرب في جاهليتهم أميين لا يعرفون القراءة والكتابة لاعتمادهم على المشافهة والرواية في النقل، وكان للشعر رواته الذين يحفظونه ويروونه، ولكن هذا لا يعني عدم وجود من يعرف القراءة والكتابة وإن كان عدد هؤلاء قليلا. ويشير ابن خلدون إلى إن الحجاز تعلموا الكتابة من أهل الحيرة وهؤلاء تعلموها من الحميريين. ويقول الجاحظ في البيان والتبيين: إن العرب كانوا أميين لا يكتبون ولذا لم يكن لهم كتب موروثة فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم والتحم بصدورهم. ويروي لنا البلاذري في "فتوح البلدان" أن الإسلام دخل وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح وطلحة بن الزبير ويزيد بن أبي سفيان وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وحاطب بن عمرو وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي وأبان بن سعيد بن العاص بن أمية وأخوه خالد بن سعيد وعبد الله بن أبي سرح العامري وخويطب بن عبد العزى العامري وأبو سفيان بن حرب ومعاوية بن أبي سفيان وجهيم بن الصلت والعلاء بن الحضرمي". ويروي أيضا أن قليلا من نساء العرب

стр. 18

كن يعرفن الكتابة منهن "حفصة بنت عمر إحدى زوجات النبي ﷺ ". وكانت عائشة أم المؤمنين تقرأ ولا تكتب. وكذلك أم سلمة. وهما أيضا من زوجات النبي. ويروي البلاذري أن بعض اليهود كان يعلم الصبيان بالمدينة الكتابة العربية في الزمن الأول قبل الإسلام. وهكذا كانت معرفة القراءة والكتابة مقصورة على عدد قليل جدا من العرب قبل الإسلام. وكان ظهور الدين الإسلامي مرحلة جديدة للعرب قبل الإسلام. ومعها بدأت صفحة جديدة لتربية جديدة قوامها الإسلام الذي أكد منذ البداية على العلم والمعرفة كقيمة رئيسية في هذه التربية الجديدة، وهو ما سنتناوله في السطور التالية:

стр. 19

فضل القلم: القلم من أدوات تحصيل العلم والاشتعال به. وقد قال العتابي في فضل القلم: الأقلام مطايا الفطن، وببكاء الأقلام تبتسم الكتب. وقال ابن أبي داود: العلم سفير العقل ورسوله ولسانه والأطول وترجمانه الأفضل. وقال طروح بن إسماعيل الثقفي: عقول الرجال تحت أسنان أقلامهم. وقال عبد الحميد بن يحيى الكاتب: القلم شحرة ثمرها الألفاظ والفكر بحر لؤلؤه الحكمة. وفيه ري العقول الظميئة. وقال الشاعر في فضل القلم وأعلم بأن العلم أرفع رتبة ... وأجل مكتسب وأسنى مفخر فاسلك سبيل المقتنين له تسد ... إن السيادة تقتني بالدفتر والعالم المدعو حبرا إنما ... سماه باسم الحبر حمل المحبر ويضمر الأقلام يبلغ أهلها ... ما ليس يبلغ بالجياد الضمر

стр. 20

فضل الخط: الخط والكتابة من أدوات تسجيل العلم وتداول تعلمه. وقد قال أفلاطون: الخط عقال العقل. وقال إقليدس الإغريقي: الخط هندسة روحانية وإن ظهرت بآلة جسمانية. وقال أبو دلف رحالة القرن العاشر الميلادي: الخط رياض العلوم. وقال النظام المعتزل: الخط أصيل في الروح وإن ظهر بحواس البدن. ويورد ابن النديم في "الفهرست" ما معناه أن المصريين علموا الإغريق القدماء الخط والكتابة، وفي ذلك يقول: "لم يكن اليونانيون يعرفون الخط في القديم حتى ورد رجلان من مصر يسمى أحدهما قيمس والآخر أغنور. ومعهما ستة عشر حرفا فكتب بها اليونان. ثم استنبط أحدهما أربعة أحرف فكتب بها ثم استنبط آخر أربعة فصارت أربعة وعشرين". "نقلا عن: عبد اللطيف محمد العبد: ص١٢".

стр. 21

فضل الكتب: تضم الكتب بين أوراقها مكنون العلوم. وبالكتب تنتشر العلوم ويسهل تحصيلها. وقد قال بزرجمهر الحكيم: الكتب أصداف الحكم تنشق عن جواهر الشيم. وقال آخر: هذه العلوم موارد فاجعلوا الكتب لها نظاما، وهذه الأبيات شوارد فاجعلوا الكتب لها زماما. وقال الآخر: الكتاب هو المسامر الذي لا يبتدئك في حال شغلك ولا يدعوك في وقت نشاطك ولا يحوجك إلى التجمل له. والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملك والناصح الذي لا يستزلك. وقيل خير أنيس للصحاب كتاب. وقال الشاعر في هذا المعنى: نعم المؤانس والجليس كتاب ... تخلو به إن ملك الأصحاب لا مفشيا سرا ولا متكبرا ... وتفاد منه حكمة وصواب من طريف خصائص اللغة العربية: اللغة العربية هي وسيلتنا في تحصيل العلم. وقد شرفها الله بأن جعلها لغة القرآن الكريم. ومن طريف ما يورده ابن النديم عن خصائص اللغة العربية قوله: عدد حروف اللغة العربية ثمانية وعشرون حرفا على عدد منازل القمر. وغاية ما تبلغ الكلمة منها مع زيادتها سبعة أحرف على عدد النجوم السبعة. وحروف الزوائد اثنا عشر حرفا على عدد البروج الاثني عشر. ومن الحروف ما يدغم مع لام التعريف وهي أربعة عشر حرفا مثل منازل القمر المستترة تحت الأرض، وأربعة عشر حرفا ظاهرة لا تدغم مثل بقية المنازل الظاهرة. وجعل الإعراب ثلاث حركات: الرفع والنصب والخفض لأن الحركات الطبيعية ثلاث حركات: حركة من الوسط كحركة النار، وحركة إلى الوسط كحركة الأرض، وحركة على الوسط كحركة الفلك.

стр. 22

مكانة العلم في الإسلام مدخل ... مكانة العلم في الإسلام: لقد ضرب الإسلام مثلا فريدا يستحق الإعجاب على اهتمامه بقيمة العلم والعلماء والقرآن الكريم والسنة الشريفة بل وتاريخ الإسلام نفسه حافل بالأمثلة التي لا يعيبها الحصر. فقد كانت أول آية نزلت على الرسول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ والإسلام لا يسوي بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وفضل الله الذين أوتوا العلم درجات، وجعل العلماء ورثة الأنبياء. وقد فضل الرسول ﷺ مجلس العلم على مجلس الذكر وساوى مداد العلماء بدماء الشهداء. وورد قوله ﵊: "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة" وأمرنا ديننا بأن نحرص على طلب العلم، وأن نتحمل كل مشقة في سبيله، وقال ﵊: "من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم ومن أرادهما معا فعليه بالعلم". وقد روي عن النبي ﷺ قوله: "فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب". وقوله ﷺ : "إن الحكمة تزيد الشريف شرفا وترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك". وورد عن أبي ذر الغفاري أن النبي ﷺ قال: "حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة، وحضور مجلس علم أفضل من عيادة ألف مريض، وحضور مجلس علم أفضل من شهود ألف جنازة"، فقيل: يا رسول الله، ومن قراءة القرآن؟ فقال النبي: "وهل تنفع قراءة القرآن إلا بعلم". ويقول الغزالي في إحياء علوم الدين إن العلم فضيلة في ذاته على الإطلاق "فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم فهو إذن أفضل الأعمال". ومما يروى أن علي بن أبي طالب ﵁ قال لكميل النخعي: "يا كميل إن هذه القلوب أوعية فاحفظ عني ما أقول: الناس ثلاثة: عالم رباني ومتعلم عنده سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق مع كل ريح يميلون لم يستضيئوا بالعلم ولم يركنوا إلى ركن وثيق. يا كميل العلم خير من المال. العلم يحرسك وأنت تحرس المال. والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق. يا كميل

стр. 23

محبة العلم دين يدان به تكسب المرء الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته. ومنفعة المال تزول بزواله، والعلم حاكم والمال محكوم عليه. يا كميل مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر". وقال رسول الله ﷺ : "تعلموا العلم وعلموه الناس" وقال ﵊: "تعلموا العلم فإن تعلمه لله حسنة، ودراسته تسبيح والبحث عنه جهاد وطلبه عبادة وتعليمه صدقة وبذله لأهله قربة". وروي عن سلمان الفارسي أنه كتب إلى أبي الدرداء: "إن العلم كالينابيع يغشى الناس فيختلجه هذا وهذا فينفع الله به غير واحد، وإن حكمة لا يتكلم بها، جسد لا روح فيه، وإن علما لا يخرج، ككنز لا ينفق، وإنما مثل العلم كمثل رجل عمل سراجا في طريق مظلم يستضيء به من مر به وكل يدعو إلى الخير". وقد ورد عن هارون الرشيد أنه قبل الجزية كتبا. كما أن المأمون دفع وزن ما ترجم ذهبا. وهذا دليل واضح على اهتمام خلفاء المسلمين بالعلم وتقديرهم لأهميته. وما هذه إلا أمثلة معدودة من أمثلة أخرى لا حصر لها أردنا بها أن نؤكد حرص الإسلام على العلم وتقديره لقيمته وقيمة المشغلين به. ومن مظاهر اهتمام المسلمين بالعلم الارتحال في طلبه، فقد كان العلماء ينتقلون من مكان إلى آخر استزادة في العلم ونشرا له. وسنفصل الكلام عن هذه النقطة عند كلامنا عن الرحلة في طلب العلم. وكما يجب على المتعلم أن يلح في طلب العلم يجب على صاحب العلم ألا يخفيه عن الناس يقول، ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ . وروي عن النبي ﷺ قوله: "من علم علما فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" وقوله ﷺ : "لا تمنعوا العلم أهله فإن في ذلك فساد دينكم والتباس بصائركم". كما أن الرسول ﷺ دعا إلى تحبيب الناس في التعليم، فقال: "علموا ويسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا".

стр. 24

فضل المسلمين على العلم: إن فضل المسلمين على العلم لا يحصى فقد ألف العلماء العرب والمسلمون في العلوم المختلفة ومنها النبات والحيوان والكيمياء والصيدلة والطب والفلك والموسيقى، وفي علوم البحار والهندسة وحساب المثلثات وغيرها. كما لا يجحد فضل ابن سينا والبيروني والكندي والغافقي والفارابي والبغدادي والقزويني والجاحظ والخازن وجابر بن حيان وابن البيطار وابن ماجد ملاح فاسكودي جاما والرازي والمقدسي والبتاني، وموسى بن شاكر وغيرهم. وظلت مؤلفات العرب والمسلمين في مختلف العلوم والمعرفة هي المراجع التي تدرس في جامعات أوربا حتى القرن الثامن عشر، واعترف عدد كبير من مؤرخي العلم بفضل المسلمين والعرب على العالم والإنسانية وكان لهم باع كبير في كل الميادين، من أمثلة ذلك أنهم تكلموا عن التطور من وجهة النظر الإسلامية قبل داروين في القرن ١٩، وقد كتب في التطور ابن مسكويه وإخوان الصفا وتحدث المسلمون من أمثال ابن خلدون عن أثر البيئة على الأحياء فهو بذلك سابق لامارك ودارون. وتحدث علماء العرب عن الجاذبية قبل نيوتن فابن الخازن كتب عنها قبل نيوتن بمئات السنين. وابن النفيس شرح الدورة الدموية الصغرى قبل هارفي بقرون، والحسن بن الهيثم كتب عن الضوء وانكساره وقوانينه وسرعته قبل علماء أوربا. كذلك أضاف القباني والفرغاني والكندي والصوفي كثيرا من المعارف الفلكية والرياضية. وابتدع الخوارزمي استعمال الأرقام في الحساب واختار سلسلته من الأرقام الأولى ما يعرف بالأرقام الهندية ١، ٢، ٣، والثانية ما يعرف بالأرقام "الغبارية" العربية ١، ٢، ٣ وتستعمل الأولى في البلاد العربية والثانية في بلاد المغرب العربي وأوربا. كذلك أنشأ الخوارزمي من الحساب والجبر علما بعد أن كان مجرد معلومات مشتتة. والعرب أول من أطلقوا اسم الجبر على هذا العلم كما استعملوا الصفر والإحصاء العشري. وكان الخوارزمي رياضي بلاط المأمون الذي كلفه بأن يؤلف رسالة في الجبر تكون صالحة لاستعمال الجمهور. ومن هذه الرسالة استطاع الغرب أن يطلع على هذا العلم بعد زمن طويل. وفي الطب والصيدلة قضى الإسلام على الكهانة وحارب التنجيم والشعوذة

стр. 25

وقاوم استخدام السحر في معالجة الأمراض، واتجه المسلمون بالطب من الخرافة والشعوذة إلى الطب العلمي التجريبي واستعانوا بالآلات في طب الجراحة وجعلوا لهذه الآلات قسما مستقلا من أقسام الطب كما أنشئوا المستشفيات والبيمارستانات. كما كان لهم الفضل في وضع نظام الترخيص الشرعي لممارسة الطب والصيدلة. وهم بذلك أول من ارتقى بالطب إلى المهنة القائمة على الاحترام والاحتراف معا. هذا في الوقت الذي حرمت فيه الكنيسة في أوربا طب علاج الأمراض لأن المرض عقوبة من الله. ومن أعلام الطب التجريبي في الإسلام الشيخ ابن سينا أعظم من كتب في الطب في العصر الوسيط. وقد ولد في ميشن ببخارى عام ٩٨٠م وتوفي في همذان عام ١٠٣٧م. وهو من أعظم علماء الإسلام، فهو أول من جعل للتجربة مكانا عظيما في دراساته وطبه. ومن أشهر كتبه "القانون" في قواعد الطب بأجزائه الخمسة، واهتم به علماء أوربا، وترجم إلى اللاتينية، وطبع في أوربا حوالي خمس عشرة مرة. وظل المرجع الذي يدرس في الطب في جامعات أوربا حتى القرن الثامن عشر أي طيلة ستة قرون. كما ظل يستخدم حتى القرن التاسع عشر في كلية مونبليه التي أنشأها العرب قبل ذلك بألف سنة. وله أيضا كتاب "الأدوية القلبية" وعدد من قصائد في الطب. وعلي بن العباس الذي عاش في أواخر القرن العاشر طبيب آخر نال شهرة كبيرة وهو صاحب مؤلف كامل في الطب سماه "الملكي" ويشمل كتابه عشرة أجزاء في الطب النظري وعشرة أجزاء في الطب العملي وأظهر في كتابه أخطاء كثيرة لبقراط وجالينوس وأريباسيوس. وترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية عام ١١٢٧م. وهو كتاب "التصريف لمن عجز عن التأليف" وهو أشهر كتاب في الجراحة في أوربا زهاء خمسة قرون، ومنهم ابن زهر الإشبيلي الطبيب اللامع في القرن الثاني عشر وأستاذ ابن رشد. وابن رشد نفسه حجبت شهرته شارحا

стр. 26

لأرسطو مكانته العلمية كطبيب. ولابن رشد شرح على القانون لابن سينا وعلى مؤلفات جالينوس وله أيضا رسالة في الترياق في السموم والحميات. ومن الكتب الهامة التي شاعت في العالم اللاتيني من أطباء القرون الوسطى كتاب "زاد المسافر" من تأليف ابن الجزار المتوفى عام ١٠٠٩م. وقد ترجم إلى اللاتينية وفيه شروح للأمراض الباطنية. وكتاب ابن زهرة "التيسير في المداواة والتدبير" وهو مؤلف في فن الاستشفاء. وكتاب "التذكرة" أو تذكرة الكحالين لعلي بن عيسى أعظم أطباء العيون في القرون الوسطى. وقد ولد في أوائل القرن العاشر ببغداد وظل كتابه يدرس في أوربا حتى القرن الثامن عشر، وكتاب الحاوي أضخم مؤلف طبي لمؤلفه أبي بكر الرازي الذي كان حجة الطب في ترجم الكتاب إلى اللاتينية، وكان مرجعا لعلماء أوربا والمدارس والجامعات حتى منتصف القرن الرابع عشر. وهو مؤسس الكيمياء الحديثة في الشرق والغرب. وقد شغل العرب بالطب منذ القرون الأولى للهجرة. ولخص ابن أبي أصبيعة في كتابه "طبقات الأطباء" تراجم أكثر من ٤٠٠ طبيب ومؤلفاتهم. وعرف عن المسلمين أنهم أول من أنشأ فن الصيدلة وتحضير الأقربازين أي الأدوية. ويقال أن ابن البيطار اكتشف ما يقرب من ألف وأربعمائة دواء من النباتات. كما عرف المسلمون الرقابة على الصيدلة والصيدليات وكانوا أول من أسس مدارس الصيدلة ووضع المؤلفات فيها. كما أنهم عرفوا التخدير في العمليات الجراحية. وفي الفيزياء والكيمياء يعتبر العرب مؤسسين حقيقيين للعلوم الطبيعية إلا أنه مما يؤسف له أنه ضاع كثير من المؤلفات العربية الهامة في علم الفيزياء ولا تعرف بعضها في الوقت الحاضر إلا بعناوينها فقط، بيد أن ما وصل إلينا بالفعل من هذه المؤلفات العربية يشيد بطول باع العرب في هذا المضمار. وليس من المبالغة في القول بأنه لا وجود للكيمياء كعلم قبل العرب. وكان علم الفلك أول علم جذب اهتمام المسلمين. وقد عني به كثير منهم في المشرق والأندلس وكذلك كثير من السلاطين السلجوقيين والجنكيزيين

стр. 27

والتيموريين. وكان لجميع المدن الكبرى في الإمبراطورية الإسلامية مراصدها ومن أشهرها مراصد بغداد والقاهرة وقرطبة وطليطلة وسمرقند. ونالت مدارس الفلك ببغداد والقاهرة والأندلس بصفة خاصة شهرة كبيرة. ومع أن العلماء المسلمين اتخذوا من مؤلفات علماء اليونان نقطة لانطلاق دراستهم فإن هؤلاء العلماء لم يتقيدوا بالقواعد المقررة في هذه المؤلفات. فقد انتقدوا بشدة نظريات بطليموس على سبيل المثال. وكان لهذا التحرر الفكري للعلماء المسلمين أثره الكبير في تحقيق اكتشافات علمية في ميدان الفلك. ومن أشهر الفلكيين في القاهرة ابن يونس عالم أوائل القرن الحادي عشر مخترع المزولة وابن الهيثم الذي ألف أكثر من ٨٠ كتابا من أهمها مجموعة الأرصاد الفلكية وتفسير المجسطي وتفسير آخر للتعاريف في مبادئ إقليدس ورسالة البصريات. وقد كان أول من أوصى بإنشاء سد أسوان لرفع مستوى النيل. وكان للعرب فضل كبير في الجغرافيا, ويرتبط فضلهم في الجغرافيا بفضلهم في علم الفلك، ولعل رسالة النضر البصري التي ظهرت عام ٧٤٠م أقدم كتاب عربي في الجغرافيا. ثم يأتي وجيز الإصطخري الذي نشر في منتصف القرن التاسع. وكان الولع بالأسفار والرحلات من أبرز صفات العرب المسلمين وكتبوا بها أنصع الصفحات في تاريخ البشرية، وكان للملاحة العربية دور هام ويكفي أن نشير إلى أنه مع التفوق الكبير الذي أحرزته إسبانيا والبرتغال في القرنين ١٥ و١٦ كانت السيادة البحرية للعرب. بل إن الملاح الذي مكن فاسكودي جاما البرتغالي من الوصول إلى الشرق كان الملاح العربي أحمد بن ماجد. وكانت مؤلفات المسعودي وابن حوقل والإصطخري عامرة بالمعلومات القيمة عن شتى الأماكن والحياة والطباع لدى سكان البقاع البيعدة. فالمسعودي الذي ولد في آواخر القرن التاسع وتوفي في القاهرة عام ٩٥٦ مؤلف مروج الذهب قضى ما يقرب من ربع قرن من حياته في الأسفار في شتى أنحاء الخلافة. فزار الهند وسيلان ومدغشقر وزنجبار. وشرح في مروج الذهب وصف الممالك والدول والبلدان والجبال والوديان والأنهار وشعوب العرب والعجم. والإدريسي الذي ولد في سبتة بالأندلس عام ١٠٩٩م ودرس في قرطبة ثم

стр. 28

استقر به المطاف ليعمل في جزيرة صقلية في بلاد ملكها "روجر" كان حلقة الوصل بين جغرافية المدرسة اللاتينية وجغرافية المدرسة الإسلامية. وكان الأستاذ الذي علم أوربا هذا العلم طيلة ثلاثة قرون. ولم تكن لأوربا خريطة العالم إلا ودرسها الإدريسي. ولم يقع الإدريسي في الأخطاء التي وقع فيها بطليموس في كتابه المجسطي. ومن المعروف أن العرب صححوا ما في هذا الكتاب من أخطاء وعملوا جداول فلكية مدققة. بل إن كتاب الإدريسي يعتبر أكمل بحث جغرافي ورثته أوربا عن العرب وهو ما جاء على لسان دائرة المعارف الفرنسية. وابن بطوطة أكثر رحالة بالمسلمين شهرة قام بعدة أسفار في طول القارات وعرضها. وقد ولد في طنجة بالمغرب عام ١٣٠٤ وجاب شمال إفريقيا ومصر وزار مكة وسوريا وفلسطين وآسيا الصغرى والقسطنطينية والهند مارا بنهر الفولجا في روسيا وزار خوارزم وبخارى وأفغانستان والصين وسيلان والبنغال وكثيرا غيرها. انظر إلى أعظم الكشوف الجغرافية مثل كشوف كولمبس لأمريكا أو فاسكو دي جاما لرأس الرجاء الصالح والشرق الأقصى. إن هذين الكشفين العظيمين إنما تما على أيدي البحارة العرب الذين قادوا هذه الرحلات، وما كان ذلك ليتم بدون ارتقاء علوم الجغرافيا والملاحقة عند العرب، ومن المعروف أن المسلمين كشفوا منابع النيل قبل الإفرنج، وكان المسلمون حيث ينزلون يمهدون السبل ويعمرون المرافق ويقيمون الفنادق والرباطات ويرتبون سير القوافل، كما كانت المدن الإسلامية أوساطا تجارية كبرى. ويلمع ابن مسكويه وهو من أهم علماء الأخلاق في الإسلام وله كتاب "تهذيب الأخلاق" ولا يعرف شيء كثير من حياته فمنها أنه كان خازنا لدى السلطان البويهي عضد الدولة، وأنه مات عام ١٠٣٠م، وفي كتاب "تجارب الأمم" يبحث ابن مسكويه في تاريخ قدماء الفرس وفي تاريخ العرب حتى عصره. وفي التاريخ هناك أبو جعفر الطبري "٨٣٩-٩٢٢م" صاحب التاريخ المشهور وابن الأثير المولود عام ١١٦٠م الذي واصل تاريخ الطبري ووضع خلاصة

стр. 29

واضحة لتاريخه، وأضاف إليه أخبارا مستقاة من منابع أخرى. وامتد بالأحداث حتى ١٢٣٠م. كما أنه حوى أخبارا كثيرة عن الجزء الغربي من الدولة الإسلامية. وهناك أبو الفدا الأيوبي أمير حماة وكتابه "المختصر في أخبار البشر" وطبع في ليبزج عام ١٧٥٤م. والمقري الذي هو أهم مؤرخي الأندلس الإسلامية وكتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" نشر في ليدن عام ١٨٥٥م. ومنهم أيضا حاجي خليفة مؤرخ الحروب البحرية التركية ومؤلف الكتاب القيم المعروف "كشف الظنون". وفي السياسة والاجتماع نجد في القرن الثالث الهجري "التاسع الميلادي" الكندي من مشاهير الفلسفة الإسلامية وقد عني بالسياسة على الطريقة الإغريقية كعلم مستقل يشكل قسما من الفلسفة. وأبو النصر الفارابي أحد كبار الفلاسفة المسلمين يؤلف "المدينة الفاضلة" عبر فيها عن أهم أرائه وهي: ١- أن الناس خلقوا ليعيشوا في جماعة. ٢- غرض الدولة في نظره أخلاقي بحت هو أن تضمن للمواطنين حكومة كاملة في الدنيا وسعادة أبدية بعد الموت. ٣- يجب أن يقوم بإدارة المدينة الفاضلة أو المثالية رئيس على درجة عالية من الذكاء والفهم والطلاقة. وأن يكون محبا للتعليم والاستفادة، محبا للصدق، عادلا قوي العزيمة. ٤- يفضل النظام الملكي في الحكم إذا كان الملك جامعا للشروط السابقة. وإن كان ينتهي مثل أفلاطون إلى حكومة من الحكماء أو الجمهورية الأرستقراطية. وابن ظفر من عرب صقلية في القرن الـ ١٢م ويقرن كتابه "سلوان المطاع" بكتاب "الأمير" لميكافيللي وفيه الكياسة والمكر. والماوردي "٩٧٢-١٠٥٨م" كان فقيها وقاضيا كبيرا في أستوا القريبة من نيسابور وكتابه "الأحكام السلطانية" يتناول فيه نظم الدولة الإسلامية والسياسة والاجتماعية والقضائية ويقول فيه: "إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين

стр. 30

وسياسة الدنيا" وقد ترجم هذا الكتاب إلى الفرنسية وله كتاب "أدب الدنيا والدين" وهو كتاب عظيم الشأن وقد ترجم إلى الإنجليزية. ومن هذا العرض السريع المركز يبدو فضل العرب والمسلمين على مختلف العلوم. والعجيب أنه رغم هذا الوضوح الزائد لموقف الإسلام من العلم وتلك النهضة العلمية التي شهدها، نجد من بين المتعصبين ضد الإسلام من يتهمونه بمحاربة العلم ويرجعون تخلف المسلمين إلى هذا السبب. وهذا ادعاء باطل لا يستند إلى أساس، واتهام باطل لا يحتاج تفنيده إلى جهد كبير، ويكفي أن أصحابه معروفون بتعصبهم. إن تاريخ الإسلام بالإضافة إلى أنه شاهد عيان على تأكيد أهمية العلم وقيمته لا يعرف مثلا واحدا على اضطهاد العلماء بالصورة التي نجد لها أمثلة كثيرة في أوربا منها على سبيل المثال ما حدث لجاليليو الذي حكم عليه بالقتل لأنه قال بدوران الأرض حول الشمس ولم يسلم من اضطهاد الكنيسة. ومع أنه تراجع في الظاهر عن موقفه حتى يرضي الكنيسة فإنه عاد ونظر إلى الأرض وقال: "ومع ذلك فإنها تدور". ومن أمثلة المتعصبين الذين ادعوا هذا الزعم الباطل ضد الإسلام "رينان" ورغم ذلك فقد اعترف بقيمة العلماء المسلمين فقال: "أجل وجد في البلدان الإسلامية منذ سنة ٧٧٥م تقريبا حتى نحو أواسط القرن ١٣ أي خلال خمسمائة سنة علماء ومفكرون ممتازون ... " بل إن من الغريب أن "رينان" نفسه وهو المعروف بتعصبه ضد العرب عبر عن حسرته أن لم يكن مسلما وفي ذلك يقول أيضا: "إنني لم أدخل مسجدا إلا وخررت خاشعا وشعرت بشيء من الحسرة على أنني لم أكن مسلما" "حيدر بامات: ص٧٧". وقد رد الشيخ جمال الدين الأفغاني على آراء "رينان" وفندها ودحضها. ونختتم كلامنا عن هذه النقطة باقتباس مما يورده محمد إقبال في كتابه "تجديد الفكر الديني في الإسلام". "محمد إقبال: ص١٤٩" إذ يقول: "لقد كانت أوربا بطيئة نوعا ما في إدراك الأصل الإسلامي لمنهجها العلمي، وأخيرا جاء الاعتراف بهذه الحقيقة. وسأتلو عليكم فقرة أو فقرتين من

стр. 31

كتاب "بناء الإنسانية" making of humanity الذي ألفه "بريفو" "briffault". يقول "بريفو" "إن روجر بيكون درس اللغة العربية والعلوم العربية في مدرسة أكسفورد على خلفاء معلميه العرب في الأندلس، وليس لروجر بيكون ولا لسميه الذي جاء بعده الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبي. فلم يكن روجر بيكون إلا رسولا من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوربا المسيحية. وهو لم يمل قط من التصريح بأن تعلم معاصريه للغة العربية وعلوم العرب هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة. والمناقشات التي دارت حول واضعي المنهج التجريبي، هي طرف من التحريف الهائل لأصول الحضارة الأوربية. وقد كان منهج العرب التجريبي في عصر بيكون قد انتشر انتشارا واسعا، وانكب الناس، في لهف، على تحصيله في ربوع أوربا". "لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج. إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في إسبانيا لم تنهض في عنفوانها إلا بعد مضي وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام".

стр. 32

لماذا أنطفأت شعلة العلم الخلاقة في المجتمعات الإسلامية ؟: يقول الدكتور محمد عبد السلام العالم الباكستاني العالمي المشهور في الفيزياء النظرية والحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام ١٩٧٩ في تساؤله عن السر في إنطفاء شعلة العلم الخلاق في مجتمعات الحضارة الإسلامية بأن ذلك يرجع لأسباب داخلية أكثر منها خارجية. وأول هذه الأسباب يتمثل في تقوقع هذه المجتمعات على نفسها وتحولها إلى الداخل وانعزال منشآتنا العلمية. ويتمثل السبب الثاني في عدم تشجيع الإبداع.. بسبب التقليد. فإن الجزء الأخير من القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر -حينما بدأ التدهور- يمثل فترات نزاعات دينية وطائفية عميقة وذات دوافع سياسية، حتى إن رجلا مثل الإمام الغزالي كتب حوالي عام ألف ومائة ميلادية "١١٠٠م" يقول بأنها جريمة ضد الدين يقترفها من يتصور أن الإسلام تتم حمايته برفض العلوم الرياضية. ذلك أنه لا يرى في هذه العلوم ما يتعارض مع جوهر الدين "ص٣٥، ٣٦".

стр. 33

ويرتبط بهذا الموضوع أيضا النقص الكبير في عدد المشتغلين بالعلوم والبحث في الدول العربية والإسلامية. فقد جاء في دراسة قدمت للاجتماع الأول للجنة العلمية التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي في إسلام أباد في الفترة من ١٠-١٣ مايو ١٩٨٣م أن عدد المشتغلين بالبحث العلمي في جميع البلاد الإسلامية حوالي خمسة وأربعين ألف عالم ومهندس مقابل مليون ونصف في الاتحاد السوفيتي سابقا، وأربعمائة ألف في اليابان، وما يقرب من خمسة وثلاثين ألفا في إسرائيل مع الفارق الكبير بينها وبين البلاد الإسلامية في عدد السكان. إذ تصل نسبة سكان إسرائيل إلى سكان العالم الإسلامي حوالي نصف في المائة. ويرتبط بذلك أيضا قلة الأموال التي تخصصها البلاد الإسلامية للبحث العلمي والتكنولوجيا بالنسبة للدول المتقدمة. إذ لا يتعدى ما تخصصه الدول الإسلامية لهذا الغرض ما يقرب من ١% من ناتجها القومي الإجمالي في حين تصل النسبة في الدول المتقدمة إلى حوالي ٦%.

стр. 34

تأثير الفكر الإسلامي في الغرب: إن التيار الرئيسي لتأثير الفكر الإسلامي في الغرب كان عن طريق الكتب العربية في العلوم الطبيعية والفلسفية وغيرها التي ترجمت إلى اللاتينية وغيرها فترجمت كتب الرازي وابن سينا والغزالي والفارابي وغيرهم. وعن طريق ترجمة كتاب الخوارزمي دخلت الأرقام الهندية - العربية إلى بلاد الغرب. وقد أحدثت هذه التراجم كلها في أوربا اللاتينية ثورة عظيمة الخطر؛ ذلك أن تدفق النصوص العلمية من بلاد الإسلام واليونان كان له أعمق الأثر في استثارة العلماء الذين بدءوا يستيقظون من سباتهم، وكان لا بد أن تحدث تطورات جديدة في النحو وفقه اللغة، ووسعت نطاق المناهج الدراسية، وأسهمت بنصيب في نشأة الجامعات ونمائها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. وكان عجز المترجمين عن أن يجدوا مفردات لاتينية تؤدي المعاني التي يريدون نقلها إلى تلك اللغة هو الذي أدى إلى دخول كثير من الألفاظ العربية في اللغات الأوربية. ولم يكن هذا أكثر من حادث عارض في أعمال الترجمة. ولكن أهم من هذا أن الجبر وعلامة الصفر والنظام العشري في الحساب قد دخلت كلها في بلاد الغرب

стр. 35

المسيحية بفضل هذه التراجم، والطب من ناحيته النظرية والعلمية قد تقدم تقدما عظيما بفضل ما قام به العلماء المترجمون اليونان واللاتين والعرب واليهود، وما كان لعلم الهيئة اليوناني والعربي من شأن خطير قد أحدث وكان لا بد أن يحدث، توسعا في علوم الدين، وفي تعديل أفكار العلماء عن الإله، وكان ذلك إرهاصا بتغيير في هذه الناحية أوسع مدى جاء بعد عهد كوبرنيق. وإن في إشارات روجر بيكون المتكررة لابن رشد، وابن سينا، والفارابي لدليلا على ما كان لهؤلاء العلماء من تأثير وحافز جديد، وفي ذلك يقول روجر بيكون نفسه: "لقد جاءت إلينا الفلسفة من العرب"، ومعقول أن الذي دعا توماس الأكويني لتأليف كتابه الجامع في اللاهوت هو أن يحول دون تسرب التفاسير العربية لأرسطو إلى علوم الدين المسيحية. وهكذا رد الإسلام إلى أوربا ما أخذ عن اليونان بطريق بلاد الشام كما قدم لها زادا علميا وفكريا اعتمدت عليه في اندفاعتها القوية إبان عصر النهضة وما بعده. ويقول محمد إقبال في كتابه "التجديد الديني في الإسلام" "ص١٣": لقد أتى على الفكر الأوربي حين من الدهر تلقى فيه وحي النهضة من العالم الإسلامي.. والثقافة الأوربية في جانبها العقلي ليست إلا ازدهارا لبعض الجوانب الهامة في ثقافة الإسلام. لذلك فإنه لا يرى تعارضا في ذلك والاستفادة من نتائج العلم أو الفكر الأوربي، ويقول في ذلك بأنه لا بد أن يصاحب يقظة الإسلام تمحيص بروح مستقلة لنتائج الفكر الأوربي والكشف عن المدى الذي تستطيع به النتائج التي وصلت إليها أوربا أن تعييننا به في إعادة النظر في التفكير الديني في الإسلام "المرجع السابق ص١٤".

стр. 36

الرحلة في طلب العلم: حث الإسلام على طلب العلم وألا يدخر الإنسان جهدا في سبيل تحصيله ولو كان في الصين. واعتبر السفر في طلب العلم جهادا في سبيل الله. ورد عن النبي ﷺ قوله: "من سافر في طلب العلم كان مجاهدا في سبيل الله"، ومن مات وهو مسافر بطلب العلم كان شهيدا، فالعلم ضالة المسلم المؤمن ينشدها حيث كانت". ومن الأقوال المأثورة: سافر ففي الأسفار خمس فوائد: تفريج هم

стр. 37

واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد. ويتفق علماء المسلمين على مشروعية شد الرحال من أجل طلب العلم شأنه في ذلك شأن زيارة الأرحام والسعي وراء الكسب لأن هذه الأشياء كما يقول أحمد بن حجر "ص٤٥" وردت بها أوامر شرعية. وهكذا كانت الرحلة في طلب العلم ملحما متميزا لتربية الإسلامية منذ عصورها الأولى ... وكان طلاب العلم يتكبدون الصعاب في الارتحال والأسفار. ومع ذلك فإنهما كانوا يستهينون بكل صعب في سبيل طلب العلم من مناهلة ودراسته على أيدي المشاهير من رجاله. ويقول الزرنوجي "ص٤٥" لا بد من تحمل التعب والمشقة في سفر التعلم. وقد قال الله تعالى على لسان موسى ﵇ في سورة الكهف ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ ، فسفر العلم لا يخلو من التعب لأن طلب العلم أمر عظيم وهو أفضل من الجهاد عند أكثر العلماء. والأجر على قدر التعب. وقد أفرد ابن خلدون فصلا في أن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم. وهو يشير إلى أن الرحلة لا بد منها في طلب العلم واكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال. ويفسر ذلك بأن الرحلة في طلب العلم تمكن الطالب من لقاء شيوخ كثيرين. ولكل شيخ من مشاهير الشيوخ في البلاد المختلفة طريقة خاصة في البحث والدراسة والتعليم. ولذا فإن مخالطة الطالب لهم واحدا بعد الآخر تفيده في معرفة طريق الدراسة التي يتبعها كل شيخ في تدريسه وما يتصل بها من التمييز بين المفاهيم والمصطلحات العلمية. وهكذا يحصل الطالب على ملكة علمية أقوى مما لو درس على يد شيخ واحد. ويقول ابن خلدون: "إن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما يتحلون به من المذاهب والفضائل تارة عملا وتعليما وإلقاء وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة، إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا. فعلى قدر كثرة الشيوخ تكون تربية الملكات ورسوخها ... فالرحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال". ويجب أن يقصد طالب العلم جهابذة العلم والعلماء الراسخين فيه. وقال شاعرنا العربي: لا تأخذ العلم إلا عن جهابذة ... بالعلم نحيا وبالأرواح نفديه

стр. 38

أما ذوو الجهل فارغب عن مجالسهم ... قد ضل من كانت العميان تهديه وكان الطلاب المغاربة أول ما يمرون بمصر فيأخذون من علمائها العظام أمثال أشهب وابن القاسم والإمام الشافعي ثم يؤمون الحجاج لأداء فريضة الحج والسماع من علماء المدينة الكثيرين أمثال: مالك بن أنس وسفيان الثوري وشيوخهما وتلاميذهما. فلذلك مال أهل المغرب إلى المغرب إلى المذهب المالكي واختصوا به. "إبراهيم التورزي ص١٤٥". ولم تكن الرحلة في طلب العلم مقصورة على أهل المغرب وإنما كانت ظاهرة عامة في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه. ويقول نيكلسون NICHOLSON في كتابه A LITERARY HISTORY OF THE ARABS "وكان جلة الباحثين وطلاب العلم يرحلون في حماسة ظاهرة عبر القارات الثلاث ثم يعودون إلى بلادهم ليرووا شغف الجماهير التي كانت تنتظر عودتهم لتلتف حولهم فينالوا من علومهم ومعارفهم زادا وخيرا عميما، كما كان هؤلاء الباحثون يعكفون أحيانا على تدوين ما جمعوا وما سمعوا ثم يخرجون للناس كتبا هي بدوائر المعارف أشبه مع نظام رائع وبلاغة عذبة. وهذه الكتب هي المصادر الأولى للعلوم الحديثة بأوسع ما تحتل كلمة العلوم من معنى ... وهي مرجع العلماء والباحثين، ومنها يستمدون فنونا من الثقافة والمعرفة أعمق بكثير مما يظن الناقدون". "وكانت قيمة الطالب في نظر الناس تتناسب مع ما قام به من رحلات لطلب العلم ومع عدد المدرسين الذين تلقى عنهم. وكل هذه الظروف شجعت الطالب أو قل دفعته ليتلقى أفانين من العلم في أي بقعة من بقاع الأرض. ولم تكن هذه الحماسة مقصورة على طلاب العلوم الدينية ولكنها شملت أيضا طلاب الدراسات اللغوية والفلسفية والطب وغيرها". "أحمد شلبي: ص٣٢٠". وهكذا كان الطلاب يرتحلون في طلب العلم على يد مشاهير العلماء حيثما كانوا وكانوا يتكبدون في سبيل ذلك المشاق والصعاب وأحيانا كان العلماء يسافرون المسافات الطويلة حاملين كتبهم على ظهروهم أحيانا، ويروى أن التبريزي العالم اللغوي المعروف الذي عمل فترة من حياته أستاذا في المدرسة

стр. 39

النظامية ببغداد حمل على ظهره أيام شبابه معجما كبيرا من تبريز إلى بلاد الشام لكي يدرسه عند شاعر معروف النعمان المشهور أبي العلاء المعري. ويقال إن هذا المعجم كان يبدو في مظهره بعد موت التبريزي مبللا بالعرق من طول ما حمله التبريزي على ظهره. "كراتشكوفسكي: ص٢٣". كما يروى أن أبا القاسم سليمان بن أحمد الطبراني الذي ولد بطبرية ٢٦٠هـ اختلف إلى كثير من البلاد ثلاثا وثلاثين سنة سمع فيها من ألف شيخ. كما أثر عن القاضي عبد الله محمد بن أحمد مولى عبد الرحمن الناصر الأندلسي أنه رحل من قرطبة وتنقل ببلاد الحجاز ومصر والشام وأخذ العلم على مائتين وثلاثين شيخا ثم عاد إلى الأندلس سنة ١٤٥هـ. "حسن إبراهيم ج٣، ٢٣٩". وكان طلاب العلم في المغرب الإسلامي كما أشرنا يرحلون في طلب العلم مارين بمصر فيتلقون العلم على يد علمائها ومنهم الشافعي ثم يرحلون إلى الحجاز لأداء الحج والتتلمذ على يد علماء المدينة من أمثال مالك بن أنس. وكثير من علماء شمال إفريقيا رحلوا في طلب العلم وعانوا في سبيل تحصيله منهم أسد بن الفرات المولود ١٤٢هـ وارتحل من القيروان إلى المشرق ودرس على يد علمائه، ومنهم الإمام أبو سعيد سحنون بن حبيب التنوخي الذي ولد بالقيروان عام ١٦٠هـ ورحل إلى مصر والحجاز والشام وتعلم الفقه على يد علماء هذه الأمصار. ومنهم محمد بن سحنون التنوخي القيرواني المولود سنة ٢٠٢هـ وأول من كتب في التربية والتعليم من العرب المسلمين، وكتابه المعروف "آداب المعلمين" وقد رحل في طلب العلم إلى الشرق. ومنهم أيضا أبو الحسن القابسي الذي ولد في القيروان عام ٣٢٤هـ "٩٣٥م" صاحب الكتاب القيم الذي يعرفه دارسو التربية الإسلامية "الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين"، وقد ارتحل إلى الشرق واستمع إلى علمائه في مصر والحجاز، ومنهم ابن القزاز التميمي شيخ اللغة والأدب في إفريقيا ومؤلف أكبر معجم لغوي عرف في عصره هو "الجامع في اللغة" وغيرهم كثيرون. بل وقد حث العلماء أنفسهم على السفر لما فيه من فوائد ليس أقلها طلب العلم واكتسابه.

стр. 40

وقد درجت الدول العربية الإسلامية في العصور الحديثة على إرسال طلابها في طلب العلم والدراسة في مختلف المعاهد والجامعات بدول العالم المختلفة. ومع أننا بهذا نحيي سنة قديمة سنها سلفنا الصالح فإنه يبدو في بعض الأحيان وجود تخوف من نتائج إرسال البعثات العلمية الدراسية إلى الخارج ولا سيما لدول غير الإسلامية التي تختلف في ثقافتها ونظامها الاجتماعي. وقد تردد هذا التخوف في توصية للمؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة سنة ١٩٧٧م فأشارت التوصية إلى قصر إرسال هذه البعثات على التخصصات النادرة بعد مرحلة الليسانس نظرا لما يتعرض له الشباب في الخارج من فتنة جارفة في عقيدته. وهذه التوصية تستحق في الواقع وقفة لعدة أمور أشرنا إليها في تعليقنا على هذه التوصية. وهو ما سيأتي ذكره. وينبغي أن نشير هنا إلى أن الرحلة في طلب العلم ظلت طيلة القرون الأربعة الأولى من مجيء الإسلام الوسيلة الأساسية لطلب العلم لأنه لم تكن هناك مدارس آنذاك. وفي آخر القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجري ظهرت المدارس وانتشرت وضمت المشايخ والعلماء. فكانت وسيلة أيسر من الرحلة في طلب العلم، وصار طالب العلم في غنى عن الارتحال في طلبه وبدأ طلاب العلم يرتحلون إلى المدارس بل ويقيمون فيها حيث يتلقون العلم على يد شيوخها وعلمائها.
следующие страницы →