← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7436

التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية

محمد منير مرسي

Полный текст (538 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الرحلة في طلب العلم: حث الإسلام على طلب العلم وألا يدخر الإنسان جهدا في سبيل تحصيله ولو كان في الصين. واعتبر السفر في طلب العلم جهادا في سبيل الله. ورد عن النبي ﷺ قوله: "من سافر في طلب العلم كان مجاهدا في سبيل الله"، ومن مات وهو مسافر بطلب العلم كان شهيدا، فالعلم ضالة المسلم المؤمن ينشدها حيث كانت". ومن الأقوال المأثورة: سافر ففي الأسفار خمس فوائد: تفريج هم

стр. 37

واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد. ويتفق علماء المسلمين على مشروعية شد الرحال من أجل طلب العلم شأنه في ذلك شأن زيارة الأرحام والسعي وراء الكسب لأن هذه الأشياء كما يقول أحمد بن حجر "ص٤٥" وردت بها أوامر شرعية. وهكذا كانت الرحلة في طلب العلم ملحما متميزا لتربية الإسلامية منذ عصورها الأولى ... وكان طلاب العلم يتكبدون الصعاب في الارتحال والأسفار. ومع ذلك فإنهما كانوا يستهينون بكل صعب في سبيل طلب العلم من مناهلة ودراسته على أيدي المشاهير من رجاله. ويقول الزرنوجي "ص٤٥" لا بد من تحمل التعب والمشقة في سفر التعلم. وقد قال الله تعالى على لسان موسى ﵇ في سورة الكهف ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ ، فسفر العلم لا يخلو من التعب لأن طلب العلم أمر عظيم وهو أفضل من الجهاد عند أكثر العلماء. والأجر على قدر التعب. وقد أفرد ابن خلدون فصلا في أن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم. وهو يشير إلى أن الرحلة لا بد منها في طلب العلم واكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال. ويفسر ذلك بأن الرحلة في طلب العلم تمكن الطالب من لقاء شيوخ كثيرين. ولكل شيخ من مشاهير الشيوخ في البلاد المختلفة طريقة خاصة في البحث والدراسة والتعليم. ولذا فإن مخالطة الطالب لهم واحدا بعد الآخر تفيده في معرفة طريق الدراسة التي يتبعها كل شيخ في تدريسه وما يتصل بها من التمييز بين المفاهيم والمصطلحات العلمية. وهكذا يحصل الطالب على ملكة علمية أقوى مما لو درس على يد شيخ واحد. ويقول ابن خلدون: "إن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما يتحلون به من المذاهب والفضائل تارة عملا وتعليما وإلقاء وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة، إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا. فعلى قدر كثرة الشيوخ تكون تربية الملكات ورسوخها ... فالرحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال". ويجب أن يقصد طالب العلم جهابذة العلم والعلماء الراسخين فيه. وقال شاعرنا العربي: لا تأخذ العلم إلا عن جهابذة ... بالعلم نحيا وبالأرواح نفديه

стр. 38

أما ذوو الجهل فارغب عن مجالسهم ... قد ضل من كانت العميان تهديه وكان الطلاب المغاربة أول ما يمرون بمصر فيأخذون من علمائها العظام أمثال أشهب وابن القاسم والإمام الشافعي ثم يؤمون الحجاج لأداء فريضة الحج والسماع من علماء المدينة الكثيرين أمثال: مالك بن أنس وسفيان الثوري وشيوخهما وتلاميذهما. فلذلك مال أهل المغرب إلى المغرب إلى المذهب المالكي واختصوا به. "إبراهيم التورزي ص١٤٥". ولم تكن الرحلة في طلب العلم مقصورة على أهل المغرب وإنما كانت ظاهرة عامة في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه. ويقول نيكلسون NICHOLSON في كتابه A LITERARY HISTORY OF THE ARABS "وكان جلة الباحثين وطلاب العلم يرحلون في حماسة ظاهرة عبر القارات الثلاث ثم يعودون إلى بلادهم ليرووا شغف الجماهير التي كانت تنتظر عودتهم لتلتف حولهم فينالوا من علومهم ومعارفهم زادا وخيرا عميما، كما كان هؤلاء الباحثون يعكفون أحيانا على تدوين ما جمعوا وما سمعوا ثم يخرجون للناس كتبا هي بدوائر المعارف أشبه مع نظام رائع وبلاغة عذبة. وهذه الكتب هي المصادر الأولى للعلوم الحديثة بأوسع ما تحتل كلمة العلوم من معنى ... وهي مرجع العلماء والباحثين، ومنها يستمدون فنونا من الثقافة والمعرفة أعمق بكثير مما يظن الناقدون". "وكانت قيمة الطالب في نظر الناس تتناسب مع ما قام به من رحلات لطلب العلم ومع عدد المدرسين الذين تلقى عنهم. وكل هذه الظروف شجعت الطالب أو قل دفعته ليتلقى أفانين من العلم في أي بقعة من بقاع الأرض. ولم تكن هذه الحماسة مقصورة على طلاب العلوم الدينية ولكنها شملت أيضا طلاب الدراسات اللغوية والفلسفية والطب وغيرها". "أحمد شلبي: ص٣٢٠". وهكذا كان الطلاب يرتحلون في طلب العلم على يد مشاهير العلماء حيثما كانوا وكانوا يتكبدون في سبيل ذلك المشاق والصعاب وأحيانا كان العلماء يسافرون المسافات الطويلة حاملين كتبهم على ظهروهم أحيانا، ويروى أن التبريزي العالم اللغوي المعروف الذي عمل فترة من حياته أستاذا في المدرسة

стр. 39

النظامية ببغداد حمل على ظهره أيام شبابه معجما كبيرا من تبريز إلى بلاد الشام لكي يدرسه عند شاعر معروف النعمان المشهور أبي العلاء المعري. ويقال إن هذا المعجم كان يبدو في مظهره بعد موت التبريزي مبللا بالعرق من طول ما حمله التبريزي على ظهره. "كراتشكوفسكي: ص٢٣". كما يروى أن أبا القاسم سليمان بن أحمد الطبراني الذي ولد بطبرية ٢٦٠هـ اختلف إلى كثير من البلاد ثلاثا وثلاثين سنة سمع فيها من ألف شيخ. كما أثر عن القاضي عبد الله محمد بن أحمد مولى عبد الرحمن الناصر الأندلسي أنه رحل من قرطبة وتنقل ببلاد الحجاز ومصر والشام وأخذ العلم على مائتين وثلاثين شيخا ثم عاد إلى الأندلس سنة ١٤٥هـ. "حسن إبراهيم ج٣، ٢٣٩". وكان طلاب العلم في المغرب الإسلامي كما أشرنا يرحلون في طلب العلم مارين بمصر فيتلقون العلم على يد علمائها ومنهم الشافعي ثم يرحلون إلى الحجاز لأداء الحج والتتلمذ على يد علماء المدينة من أمثال مالك بن أنس. وكثير من علماء شمال إفريقيا رحلوا في طلب العلم وعانوا في سبيل تحصيله منهم أسد بن الفرات المولود ١٤٢هـ وارتحل من القيروان إلى المشرق ودرس على يد علمائه، ومنهم الإمام أبو سعيد سحنون بن حبيب التنوخي الذي ولد بالقيروان عام ١٦٠هـ ورحل إلى مصر والحجاز والشام وتعلم الفقه على يد علماء هذه الأمصار. ومنهم محمد بن سحنون التنوخي القيرواني المولود سنة ٢٠٢هـ وأول من كتب في التربية والتعليم من العرب المسلمين، وكتابه المعروف "آداب المعلمين" وقد رحل في طلب العلم إلى الشرق. ومنهم أيضا أبو الحسن القابسي الذي ولد في القيروان عام ٣٢٤هـ "٩٣٥م" صاحب الكتاب القيم الذي يعرفه دارسو التربية الإسلامية "الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين"، وقد ارتحل إلى الشرق واستمع إلى علمائه في مصر والحجاز، ومنهم ابن القزاز التميمي شيخ اللغة والأدب في إفريقيا ومؤلف أكبر معجم لغوي عرف في عصره هو "الجامع في اللغة" وغيرهم كثيرون. بل وقد حث العلماء أنفسهم على السفر لما فيه من فوائد ليس أقلها طلب العلم واكتسابه.

стр. 40

وقد درجت الدول العربية الإسلامية في العصور الحديثة على إرسال طلابها في طلب العلم والدراسة في مختلف المعاهد والجامعات بدول العالم المختلفة. ومع أننا بهذا نحيي سنة قديمة سنها سلفنا الصالح فإنه يبدو في بعض الأحيان وجود تخوف من نتائج إرسال البعثات العلمية الدراسية إلى الخارج ولا سيما لدول غير الإسلامية التي تختلف في ثقافتها ونظامها الاجتماعي. وقد تردد هذا التخوف في توصية للمؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة سنة ١٩٧٧م فأشارت التوصية إلى قصر إرسال هذه البعثات على التخصصات النادرة بعد مرحلة الليسانس نظرا لما يتعرض له الشباب في الخارج من فتنة جارفة في عقيدته. وهذه التوصية تستحق في الواقع وقفة لعدة أمور أشرنا إليها في تعليقنا على هذه التوصية. وهو ما سيأتي ذكره. وينبغي أن نشير هنا إلى أن الرحلة في طلب العلم ظلت طيلة القرون الأربعة الأولى من مجيء الإسلام الوسيلة الأساسية لطلب العلم لأنه لم تكن هناك مدارس آنذاك. وفي آخر القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجري ظهرت المدارس وانتشرت وضمت المشايخ والعلماء. فكانت وسيلة أيسر من الرحلة في طلب العلم، وصار طالب العلم في غنى عن الارتحال في طلبه وبدأ طلاب العلم يرتحلون إلى المدارس بل ويقيمون فيها حيث يتلقون العلم على يد شيوخها وعلمائها.

стр. 41

التعليم الإسلامي بين الأصالة والتجديد: إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ماذا نعني بالأصالة والتجديد؟ وللإجابة على هذا السؤال نجد إذا نحن اتجهنا أولا إلى المعاجم اللغوية. أن المعجم الوسيط يعرف الأصالة بأنها أصل الشيء الثابت الذي يبنى عليه. وأصالة الرأي جودته وأصالة الأسلوب ابتكاره وأصالة النسب عراقته. ويعرف التجديد بأنه استحداث الشيء وجعله جديدا. وتكون الأصالة في ثقافتنا الإسلامية بالارتباط بالعقيدة التي كانت دائما حجر الزاوية في كيان الأمة. وينبغي في أي محاولة للتجديد أن نحرص على مقومات العقيدة الإسلامية وما يتصل بها من التوحيد والإيمان بالله وإفراده بالألوهية والربوبية، وما يتصل أيضا بماهية الإنسان والغرض من خلقه وبيان مآله في اليوم الآخر. وما هي وسائل تحسن سلوكه، وما السبل الممكنة في الحياة الدنيا والارتقاء بها "هنري لاوست: ٤٨، ٤٩". وكان السلف الصالح من علماء المسلمين يعنون بالتجديد إحياء السنة وإماتة البدعة وإحياء ما اندرس والرجوع بالإسلام إلى مصادره الأولى لتصحيح العقيدة. ويرى ابن تيمية أن التجديد ارتقاء وتقدم بالأمة لتسلك طريقها مرة أخرى كلما بعدت عن الصحيح الأصيل المتوارث.. ويرى المسلمون في التجديد عملية دورية تتم على رأس كل مائة عام لقول رسول الله ﷺ : "إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها". كما يرون أن التجديد عملية مستمرة حتى يتحقق للإسلام الصلاحية الدائمة لكل زمان ومكان، ومسايرة تقدم الإنسانية وترقيها. كما يتحقق له أيضا القدرة الدائمة على الاستمرار والبقاء. ولذلك يعتبر المسلمون التجديد واجبا على علماء الجماعة الإسلامية أو ساستها أن يقوموا به. وقد ارتبط التجديد عند المسلمين بالاجتهاد وعدوه من ضرورات ودعائم تقدم المجتمع الإسلامي لدرجة أنهم قالوا بعدم جواز خلو عصر من مجتهد. وبعضهم اشترط ألا يقل عدد المجتهدين في كل عصر عن ثلاثة. ونعى الإمام جلال الدين السيوطي "ت ٩١١" على الأمة الإسلامية تناقص المجتهدين فيها فيقول بأنه كان أول طبقات الصحابة وهم مائة وأربعة عشر ألف نفس كلهم مجتهدون ثم طبقة التابعين وهم يقاربون هذ العدد، وهم مجتهدون. ثم تناقص الأمر في وسط الملة. ومع ذلك يكون في العصر الواحد من العلماء الأئمة ألوف. منهم من هو بصفة الاجتهاد نحو مائة أو أكثر، بحيث إن المصنفين في الأصول حكوا خلافا: هل يجوز قلة المجتهدين في عصر بحيث ينقصون عن عدد التواتر فمنهم من منع ذلك وقال إنه مستحيل الوقوع، ومنهم من جوزه إلى ثلاثة وقال لا يجوز أن يكون في العصر الواحد أقل من ثلاثة مجتهدين. ومنهم من جوزه إلى واحد، وقال بجواز قلة المجتهدين والعياذ بالله بحيث لا يكون في العصر الواحد إلا مجتهد واحد. ولا يجوز خلو عصر من مجتهد، ثم يبدي

стр. 42

السيوطي أسفه أخيرا بقوله: "فيا ليت أولئك الذين لم يجوزوا قلة المجتهدين في عصر ونقصهم عن عدد التواتر يقومون من قبورهم فينظرون إلى هذا الزمان". وقد ألف بعض علماء المسلمين كتبا عن التجديد والمجددين في الإسلام، فألف السيوطي "القرن العاشر الهجري" "تحفة المهتدين في بيان أسماء المجددين" وهي منظومة. وله كتاب منشور مخطوط منه نسخة في دار الكتب المصرية بعنوان "التنبئة بمن يبعث الله على رأس كل مائة". وللحافظ ابن حجر كتاب "الفوائد الجمة فيمن يجدد الدين لهذه الأمة". وهذه مجرد أمثلة. ويعتبر علماء المسلمين الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز المجدد الأول في الإسلام على رأس المائة سنة الأولى. وعلى رأس المائة الثانية هارون الرشيد والإمام الشافعي. وعلى رأس المائة الثالثة المقتدر بالله مع ابن شريج القاضي البغدادي. وعلى رأس المائة الرابعة القادر بالله مع أبي حامد الإسفراييني. وعلى رأس المائة الخامسة المستظهر بالله مع حجة الإسلام الإمام الغزالي ... وهكذا. وكان من طلائع المجددين في العصر الحديث محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية وجمال الدين الأفغاني وتلميذه الأستاذ الإمام محمد عبده في مصر. وقد يفضل بعض علماء المسلمين مجددا آخر، ويرجحون عليه مثل ما فعله السبكي في طبقات الشافعية عندما فضل ابن شريج الفقيه الشافعي على أبي الحسن الأشعري المتكلم المعروف. في حين فضل ابن عساكر أبا الحسن الأشعري ورجحه على ابن شريج. وقد يتعدد المجددون في القرن الواحد، ولكل منهم ميدانه العلمي الذي يشتغل به. ويتفق المسلمون على اختيار واحد منهم. وإذا لم يحدث هذا الاتفاق فقد يكون هناك أكثر من مجدد واحد. وقد يقول أحد علماء المسلمين برأي جديد لم يسبق له، أو قد يرجع أو يعدل عن رأي قديم له. وهذا يرجع إلى تغير الزمن، أو تغير الأحوال الظروف، أو تطور الرأي. وهي سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا. ونحن في محاولة البحث عن التجديد والسعي إليه ينبغي ألا نجري وراء الأمم الأخرى لتقليدها، لأننا بذلك نكون قد ابتعدنا أو نبذنا نموذجنا الحضاري

стр. 43

الإسلامي الذي صمد الزمن مئات من السنين. وذلك أن آفة التقليد تأتي عندما ننس أصالتنا. وينبغي هنا أن نشير إلى الحكمة النبوية في الحديث الشريف الذي رواه البخاري "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون "الأمم" قبلها شبر بشبر وذراعا بذراع". وينبغي أن نميز في محاولتنا للتجديد بين تقليد مقومات الشخصية والعقائد والتصورات الدينية والثقافية وبين تقليد النتائج العلمية والأخذ بها. إذ لا وطن للعلم ولا جنسية للاكتشافات والبحوث الإنسانية في مختلف ميادين العلم والمعرفة. لأنها نتاج جهود البشرية على اختلاف جنسياتها وأوطانها. فليس هناك طب أوروبي أو هندسة أمريكية أو فلك روسي أو جيولوجيا يابانية "هنري لاورست: ٤٨، ٤٩". ومن المعروف أن العلماء المسلمين قد أسهموا في هذه الميادين جميعا وفي غيرها بجهود لا ينكرها إلا جاحد.

стр. 44

كيف نبدأ ؟: الواقع أن أي بداية لتأصيل التعليم الإسلامي أو تجديده ينبغي أن تضع في اعتبارها الصورة الكاملة لتطور التعليم الإسلامي عبر العصور المختلفة حتى الفترة الواهنة. وينبغي أن تكون الرؤية واضحة لهذه الصورة الكاملة بكل تفاصيلها. وهناك بالطبع كثير من الدروس المستفادة التي يمكن أن نخرج بها ... وبصرف النظر عن الدخول في التفصيلات التي لا يتسع لها المقام هنا فإنه يمكن القول بأن التعليم الإسلامي في حركة تطوره عبر العصور المختلفة شهد عدة تطورات هامة سواء من حيث الشكل أو المضمون. فمن حيث الشكل اعتمد التعليم الإسلامي في العصور الإسلامية الأولى على المسجد والكتاب والمكتبات كمراكز للتعليم ... ثم ظهرت المدارس فيما بعد في القرن الخامس الهجري على يد نظام الملك الوزير السلجوقي الذي أنشأ المدرسة النظامية في بغداد وغيرها من المدارس في البصرة والموصل وبلخ وأصفهان. وازدهرت حركة إنشاء المدارس في العالم العربي الإسلامي فيما بعد حتى الفترة التي خضعت فيها البلاد العربي للحكم التركي العثماني. وعندها أخذت حركة التعليم والمدارس في الذبول، وكان ذلك نتيجة طبيعية للسياسة التركية في الأقطار العربية من ناحية وضعف

стр. 45

الدول العثمانية وتأخرها من ناحية أخرى. وعندما نصل بسرعة إلى بداية الاستقلال والتحرر الوطني في البلاد العربية نجد الاهتمام بتطوير نظم التعليم والمدارس. وقد سار هذا التطوير في اتجاهين رئيسيين: الاتجاه الأول تمثل في محاولة إصلاح معاهد التعليم القائمة ومراكزه التقليدية كالأزهر والقرويين والزيتونة والكتاتيب. وقد ارتبط بهذا الاتجاه عدة محاولات إصلاحية هامة منها محاولة الإمام الشيخ محمد عبده والشيخ العروسي والطهطاوي وعلي مبارك. أما الاتجاه الثاني فقد تمثل في إنشاء المدارس الحديثة على غرار المدارس الأوربية ولا سيما الفرنسية منها. وقد ترتب على هذا الاتجاه وجود نظامين للتعليم أحدهما النظام الديني التقليدي والثاني النظام الحديث المقتبس. وقد شكل هذا الوضع ثنائية تعليمية كان لها أثار بعيدة على الوحدة الفكرية والثقافية بل والاجتماعية للبلاد العربية. وبصرف النظر عن اختلاف التربويين في تقييم الآثار المترتبة على اقتتباس المدارس الحديثة فإنها قد استطاعت أن تقوم بدور هام في سد احتياجات البلاد ومتطلباتها الثقافية في نهضتها الحديثة. بل واستطاعت هذه المدارس أن تؤثر من حيث الشكل والمضمون على نظام المدارس التقليدية. وهناك نتيجة هامة أخرى ترتبت على وجود نظام المدارس الحديثة هي وجود سلطة من غير رجال الدين للإشراف على هذه المدارس. وينبغي ألا يفهم من ذلك أن تعليمنا الإسلامي التقليدي قد فقد أصالته لما طرأ عليه من هذا التغيير في الشكل وإنما يجب أن ينظر إلى هذا التغيير على أنه مرحلة تطورية لم يكن لها أن تحدث ما لم تكن مناسبة لثقافتنا وقيمنا الإسلامية. وهناك كثير من الأمثلة على أن الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل قد انفتحت على الثقافات الأخرى واقتبست منها ما يناسبها سواء في نظام الحكم أو الإدارة أو التجارة أو الزراعة أو الصناعة أو الثقافة أو التعليم. ولم يشعر السابقون بغضاضة في ذلك. فما بالنا لا نتعظ بهم. إن عالمية الرسالة الإسلامية تعني فيما تعني انفتاح المسلمين على العالم كله بخبراته وتجاربه عن وعي وبصيرة وإدراك حقيقي دون ترك الحبل على الغارب بالطبع. أما التطور الذي

стр. 46

حدث للتعليم الإسلامي وهو التطور في المضمون فمن المعروف أن التعليم الإسلامي بدأ بالعلوم النقلية وهي علوم القرآن الكريم وما يتصل بها من تفسير وفقه وعبادات ثم أضيفت إليها علوم اللغة واللسان باعتبارها علوما مساعدة لفهم العلوم النقلية ومعرفتها. وفيما بعد دخلت العلوم العقلية من رياضيات وطب وكيمياء وفلك وفلسفة وغيرها. وقد تطورت هذه العلوم وتنوعت نتيجة للتقدم المعرفي الهائل الذي شهده العالم. وينبغي ألا يكون لدينا أي تخوف من الاستفادة من هذه العلوم ما دامت هي مصدر قوة للمسلمين. وما دامت تعمق فهمنا للدين وتمكننا من السيطرة على الكون ومعرفة قوانينه التي تدل على عظمة الخالق . كما تساعدنا هذه العلوم أيضا على تعمير الأرض واستغلال ثرواتها وخيراتها التي خلقها الله لنا. لقد جعل الله الإنسان خليفته على الأرض وأمره بأن يسكنها ويعمرها ويستفيد من خيراتها ورزقها. وفضل الله الإنسان على كثير من خلقه ووهبه هذا العقل الذي يستطيع أن يتميز به عن سائر المخلوقات. وهو مطالب بأن يستخدم هذا العقل وأن يسخره في أداء الرسالة التي كلف بها على الأرض. وهكذا نعتبر كل العلوم علوما إسلامية ما دامت تزيد من فهمنا لديننا وتعمق إيماننا بربنا وتمكننا من الاستفادة من نعم الله التي خلقها لنا في الكون. بيد أن أهم نقاط الضعف التي جعلت تعليمنا المعاصر يبتعد عن أصالته الإسلامية تتمثل في أن تدريس العلوم العقلية المختلفة يفتقر إلى توجيهه الوجهه الإسلامية الصحيحة. فهذه العلوم تدرس موضوعاتها عادة على أن معرفتها هدف في حد ذاتها ولهذا نجد أنه لا فرق بين تدريس هذه المواد في مدارسنا ومدارس غيرنا اللهم إلا في كونها مكتوبة بلسان عربي. وعلينا إذا أردنا أن نؤصل هذه العلوم العقلية أن نوجه تدريسها وجهة إسلامية. وهذا يعني أن يتمشى تدريسها مع الأهداف التي تسعى التربية الإسلامية إلى تحقيقها. ومن ثم يجب أن تدرس هذه العلوم لبيان عظمة الخالق وترسيخ إيماننا به وإحكام سيطرتنا على الطبيعة والكون واستغلال ثرواتها ولكن ماذا عن النظريات العلمية التي لا تتمشى مع الفكر الإسلامي كنظرية

стр. 47

التطور مثلا أو نظرية النشوء والارتقاء؟ ... هل نمنع تدريسها في مدارسنا؟ الواقع أنه ينبغي ألا يكون هناك مجال لمثل هذه النظريات في المراحل الأولى من التعليم. وربما جاز لنا تدريس بعض هذه النظريات في المرحلة الأخيرة من التعليم الثانوي. ويكون تدريسها بهدف نقدها في ضوء النظرية الإسلامية وإبراز نقاط الضعف فيها. أما في التعليم الجامعي والعالي فالمجال يتسع لنقد المذاهب الفكرية أو النظريات العلمية المغايرة. بحيث يكون الطالب أكثر نضجا وأكثر إيمانا بدينه وعقيدته. ولنا في سلفنا الصالح أسوة حسنة. فجمال الدين الأفغاني على سبيل المثال ألف رسالة في الرد على الدهريين وانتقد فيها نظرية دارون ولامارك في التطور. ولقد أردت بهذا المثال أن أؤكد على ألا يحجر على عقول الشباب المسلم بحجة عصمته وحمايته، وإنما ينبغي أن نحرر فكره من الجمود في ظل إيمان لا يتزعزع وعقيدة إسلامية راسخة. وهذا يتطلب ضرورة العناية باختيار موضوعات المناهج الدراسية الإسلامية الصحيحة التي تخدم أغراض التربية الإسلامية كما سبق أن أشرنا. ويجب على من يتصدى لهذا العمل أن يكون على حظ كبير من المعرفة بأمر دينه. وعقيدته إلى جانب تخصصه العلمي. وأن يكون قادرا على توجيه تخصصه وجهة إسلامية صحيحة، ومع أن تحقيق ذلك ليس بالأمر السهل كما يبدو فإنني أعتقد أن هذا هو الطريق الصحيح لتأصيل تعليمنا الإسلامي. وهناك نقطة ضعف أخرى جعلت تعليمنا الإسلامي يبتعد عن أصالته الإسلامية. وهي تتمثل في قلة عنايته بالعلوم الدينية وعدم إعطائها المكانة التي تستحقها بل وعدم تقديمها في أسلوب محبب إلى النفس وبصورة يجد فيها المتعلم مجالا كبيرا للاستفادة منها وتطبيقها في حياته ... إن افتقار الناحية الوظيفية في برامج التربية الدينية والعلوم الإسلامية في مدراسنا من أكبر عوامل هدمها ونفور التلاميذ منها. ولهذا إذا أردنا أن نؤصل هذا الجانب في تعليمنا الإسلامي والتجديد، فإلى أي حد يكون التجديد في نطاق الأصالة وإلى أي حد نمتد بالأصالة في نطاق التجديد؟ إن حل هذه المعادلة يستند إلى روح الإسلام الحقة التي تقوم على التوسط والاعتدال. فخير الأمور الوسط ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ

стр. 48

أُمَّةً وَسَطًا﴾ وفي هذا الإطار ينبغي ألا نجعل يبدنا مغلولة إلى عنقنا وألا نبسطها كل البسط. فعلينا أن نجعل لتدريس العلوم الدينية مغزى وظيفيا في حياة التلميذ يرتبط بحياته التي يحياها كما يرتبط بمعاملاته الفردية والاجتماعية. ويجب أن تستهدف هذه العلوم الدينية مساعدة الإنسان المسلم على معرفة أصول دينه وأحوال دنياه وأن تنمي فيه الانتماءات الإسلامية الصحيحة. إن تجديد التعليم الإسلامي مطلوب بمقدار حرصنا على أصالته. والأصالة لا تتعارض مع التجديد. ذلك أن التعليم الإسلامي في حركته إلى الإمام ينبغي أن يكون أصيلا متجددا في نفس الوقت. لأنه رسالة أصيلة متجددة صالحة لكل زمان ومكان ومناسبة لكل الناس على اختلاف دوران أمورهم وأحوالهم. ولكن قد تبدو المعادلة صعبة ومع ذلك فإن التجديد ينبغي أن يأخذ بأسباب الأصالة، وبهذه الروح فقط يصبح للتجديد معناه الحقيقي.

стр. 49

حول توصيات المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي: عقد المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي في مكة المكرمة في الفترة من ٢١-٢٠ ربيع الثاني سنة ١٣٩٧هـ "٣١ مارس-٨ إبريل ١٩٧٧م" وقد دعت إلى هذا المؤتمر جامعة الملك عبد العزيز تحت رعاية جلالة الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود. ويمثل عقد هذا المؤتمر أهمية خاصة لعدة اعتبارات رئيسية من أبرزها أنه أول مؤتمر من نوعه. فلم يشهد التعليم الإسلامي من قبل هذا الاهتمام الكبير الذي تمثل في هذا المؤتمر الضخم الذي ضم ٣١٣ عضوا يمثلون أربعين بلدا، وقدم فيه من البحوث حوالي ١٥٠ بحثا إلى جانب الدراسات المسحية عن حالة التعليم في البلاد الإسلامية. يضاف إلى ذلك التنظيم الرشيد الذي وضع لهذا المؤتمر والضمانات المختلفة التي تضافرت على إنجاحه وتوفيقه، فقد عقد هذا المؤتمر في مكان أحسن اختياره، إنه مكان محبب إلى قلب كل مسلم ونعني بذلك مكة المكرمة مهبط الإسلام وحصنه الحصين. وتعتبر توصيات المؤتمر على جانب كبير من الأهمية باعتبارها خلاصة جهد المؤتمر وعمله، ولما يرتجي منها من إثارة الوعي والاهتمام بالتعليم الإسلامي من ناحية وتوجيه مساره في الطريق الصحيح من ناحية أخرى.

стр. 50

وقد انتهى المؤتمر إلى ٣٨ توصية تدور كلها حول ما فيه خير التعليم الإسلامي وترسم له اتجاهات تطويره وإصلاحه. وقد وضع المؤتمر التربية والتعليم في مكانها الصحيح من الأهمية البالغة في حياة الأمم، وعبر عن إحساسه بعظم المسئولية الملقاة على كاهل علماء المسلمين وقادة الفكر والعاملين في ميدان التربية والتعليم في دعم التضامن الإسلامي وخدمة قضايا المسلمين. كما عبر المؤتمر في توصياته عن إحساسه بعدم الرضا عن الأوضاع التعليمية الحالية السائدة في معظم البلاد الإسلامية لأنها لا تمثل الصورة الصحيحة للإسلام. وأكد المؤتمر أن العلوم المختلفة من طبيعية ورياضية وإنسانية نظرية كانت أو تجريبية أو تطبيقية كلها علوم إسلامية، ما دامت متفقة مع الإطار الإسلامي الصحيح وما دامت لا تنحرف إلى استخدامها في الفساد والشر والعدوان. وبهذا التأكيد وضع المؤتمر حدا لما يثار عادة من تقسيم العلوم في الإسلام إلى علوم إسلامية وغير إسلامية أو علوم عقلية ونقلية، وأن الأولى ليست مرغوبة بنفس درجة الثانية. وقد أبرز المؤتمر التربية الإسلامية ودورها في تنشئة الإنسان المسلم الذي يعبد الله ويعمر أرضه ويستثمرها ويسخر ما أودعه الله فيها من ثروات، وأكد المؤتمر أيضا على دور التربية الإسلامية في تقوية الروابط الإسلامية بين المسلمين ودعم قضاياهم وتضامنهم الإسلامي. وهذه ولا شك عناصر رئيسية في أهداف التربية الإسلامية. وكنا نود أن يولي المؤتمر اهتمامه للعناصر الرئيسية الأخرى التي تكون المفهوم الحضاري الشامل للتربية الإسلامية ومنها على سبيل المثال أن التربية الإسلامية تربية إسلامية عالمية تقوم على الأخوة في الإسلام فالمسلم أخو المسلم. والرسالة الإسلامية رسالة إنسانية موجهة إلى الخير وما فيه الخير وهي رسالة عالمية للناس قاطبة. ومنها أيضا أن التربية الإسلامية تربية متجددة فهي تمتد من المهد إلى اللحد وتتجدد مطالبها بتجدد أحوال الناس لأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان. وفي توصيات المؤتمر عن مصادر المعرفة في التصور الإسلامي يرد تقسيمها

стр. 51

إلى نوعين: أ- الوحي وذلك في الجوانب التي يعلم الله أن الإنسان لا يهتدي فيها إلى الحق من تلقاء نفسه. ب- العقل البشري وأدواته في تفاعله مع الكون المادي نظرا وتأملا وتجربة وتطبيقا في الأمور التي تركها الله لاجتهاد هذا العقل. وهناك بالطبع مصادر أخرى للمعرفة غير هذين النوعين كنا نحب ألا يغفلها المؤتمر ما دام قد تعرض لهذه القضية، ومنها حواس الإنسان من سمع وبصر وحس، فقد خلق الله هذه الحواس ليهتدي بها الإنسان وجعله مسئولا عنها: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ . وهناك أيضا النقل عن السلف وهو مصدر هام للمعرفة في الإسلام فقد كان للسلف فضل اجتهادهم وتجاربهم، ويعتبر ذلك مصدرا هاما لمعرفتنا المعاصرة، وهناك أيضا القياس والاجتهاد، وهناك تحفظ على اعتبار الوحي مصدرا للمعرفة ذلك الوحي خاص بطبقة محدودة من الناس هم طبقة الأنبياء ومن في مرتبتهم. ولا يمكن أن نتصور المسلم العادي يعتمد على الوحي في الحصول على المعرفة التي تأتي من عند الله ، ويتصل بذلك أيضا الكلام عن "الحدس" أو الإلهام الإلهي وهو بالطبع شيء مختلف عن الوحي. ويمكن الرجوع في هذا الكتاب إلى الكلام عن مصادر المعرفة في الإسلام. وقد أشارت التوصيات إلى ضرورة الأخذ بمفهوم متكامل للتربية الإسلامية يقوم على تربية الجسم والعقل والنفس وهو ما يؤكد تكامل النظرة إلى الطبيعة الإنسانية في التربية الإسلامية وهي ناحية على جانب كبير من الأهمية تتحرر بها التربية الإسلامية من النظرة الثنائية أو الجزئية للطبيعة الإنسانية والتي سادت على تفكير المربين في الغرب قرونا طويلة. وكنا نود أن تشير التوصيات إلى بلوغ الكمال كهدف رئيسي للتربية الإسلامية. ومع أن الكمال لله وحده إلا أن الإنسان خليفته على الأرض وعليه

стр. 52

أن يشد الكمال وأن يسعى إليه وله في هذا السعي لذة والكمال الإنساني أمر يفرضه أيضا كمال الدين الإسلامي نفسه باعتباره الدين الذي أتم به الله علينا ديننا وأكمل به نعمته علينا. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ وهو أمر أيضا تفرضه طبيعة الرسالة الإسلامية "وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وقد أكد المؤتمر تأكيدا كبيرا على تدريس العلوم الإسلامية والاهتمام به في كل المراحل ولا سيما مرحلة التعليم العام. وهي نقطة في غاية الأهمية نظرا لتفاوت الدول الإسلامية في درجة الاهتمام بتدريس هذه العلوم في مراحل تعليمها المختلفة. ويجب أن نتذكر أن الإسلام دين ودولة وهو أسلوب متكامل للحياة ويجب أن تأخذ العلوم الدينية نصيبها من الاهتمام في المناهج المدرسية بل وفي الحياة المدرسية بصفة عامة. كما أكد المؤتمر على ضرورة تبني فكر إسلامي أصيل في مختلف العلوم يبتعد بهذه العلوم عن كل ما هو دخيل أو غريب على الإسلام وهي أيضا نقطة هامة لأن الثقافة الإسلامية بالرغم من أن أصولها واحدة إلا أنها لم تسلم من الشوائب التي علقت بها. وقد وضع المؤتمر اللغة العربية في البلاد الإسلامية في مكانها الصحيح فنادى بضرورة العناية بتعليمها لأنها مفتاح فهم القرآن والدين، وأوصى المؤتمر باعتبار اللغة العربية مادة إجبارية في كل العالم الإسلامي. وهذا في الواقع هو المسار الصحيح للوحدة الإسلامية. وعروبة القرآن بمعنى نزوله بلسان عربي مبين تحتم على كل مسلم أن يعرف اللغة العربية. وبدون أي خلط بين تفضيل عربي على عجمي تقول بأن اللغة العربية هي تمام كمال المسلم بل ومن تمام دينه. وهناك تخوف من إرسال البعثات العلمية الدراسية إلى الخارج فأشارت التوصيات إلى قصر هذه البعثات على التخصصات النادرة بعد مرحلة الليسانس نظرا لما يتعرض له الشباب في الخارج من فتنة جارفة في عقيدته. وهذه التوصية تستحق في الواقع وقفة طويلة بعض الشيء لعدة أمور منها: أولا: أرجو ألا يفهم من هذه التوصية أنها دعوة ضد الدراسة في الخارج

стр. 53

أو أنها ضد الانفتاح الفكري والثقافي للعالم الإسلامي على تجارب وعلوم المجتمعات الأخرى، لأن العالم الإسلامي كما هو معروف بلغ قمة ازدهاره بانفتاحه على الثقافات الأخرى. ثانيا: أن الرحلة في طلب العلم كانت دائما سمة مميزة لسلفنا الصالح من علماء المسلمين، والأمثلة على ذلك لا يعيها الحصر، فقد كان العلماء يرتحلون في طلب العلم سنين طويلة يتلقونه على أهله وثقاته. قد يقال إن سلفنا كان يتلقى العلم عن أيدي علماء المسلمين فالمسلمون يتعلمون عن المسلمين وهذا صحيح إلا أن تراثنا الإسلامي لم ينكر تلقي العلم وأخذه على يد غير المسلمين من العلماء أو أن يرتحل في طلبه إلى أقاصي البلاد "اطلبوا العلم ولو في الصين" بل إن الرسول ﵇ قبل أن يعلم الكفار واليهود أبناء المسلمين، وكان يفك أسر من يعلم منهم عشرة من صبيان المسلمين كما هو معروف. والنبي ﷺ لم يجد غضاضة أو حرجا في الاستعانة بخبرة دليل مشرك هو عبد الله بن أريقط ليدله على الطريق أثناء هجرته هو وأبي بكر من مكة إلى المدينة. ثالثا: أن العلم لا وطن له وحيثما يزدهر نوع من العلوم التي يحتاج إليها المسلمون لتضيف إلى قوتهم فإنه ينبغي أن يحرصوا على تحصيلها، وإذا كان من يتعلم لغة قوم يأمن شرهم فإن تحصيل علومهم من باب أولى إذا كان فيها ما يخدم مصالح المسلمين في إطار الإسلام الصحيح. قال ﷺ : "الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها". رابعا: أن التخوف من فتنة طلاب البعثات الدراسية أو فرض القيود عليها إنما تكون بوضع الضمانات التي تكفل تحقيق الأهداف التي تنشدها منها. وفي مقدمة هذه الضمانات حسن اختيار العناصر الصالحة من الطلاب وتوفير الرعاية المالية والاجتماعية لهم أثناء دراستهم وتوفير المكان المناسب والمرتب المناسب لهم بعد عودتهم. هو ما أشارت إليه التوصيات فيما بعد. وأعتقد أن هذه هو الطريق الصحيح لحسن توجه بعثاتنا الدراسية إلى الخارج. وهذه الملاحظات لا تقلل بالطبع من أهمية التوصيات التي تعتبر بحق نقطة

стр. 54

تحول هامة في الانتقال بالتعليم الإسلامي والتربية الإسلامية من مرحلة الدراسات التاريخية التي تقوم على دراسة تطور التربية الإسلامية عبر العصور إلى مرحلة تطوير التعليم الإسلامي المعاصر ليكتسب صورته الإسلامية الصحيحة. وهناك توصيات أخرى كثيرة لم نشر إليها ولها أهميتها الكبرى تتعلق بتعليم المرأة بما يتناسب مع طبيعتها ورسالتها في الحياة ومنها ما يتعلق بتعليم أبناء المسلمين في فلسطين المحتلة وتعليم الأقليات الإسلامية في الدول المختلفة وضرورة العمل على مساندة كل الجهود التي تبذل من أجل العناية بتعليم هذه الأقليات ودراسة أحوالهم وغيرها من الجوانب الأخرى الهامة التي ينبغي قراءتها والرجوع إليها في تقرير المؤتمر وتوصياته. وإني أعتقد أن الحل العملي لتنفيذ هذه التوصيات كان من صنع المؤتمر عندما حالفه التوفيق بإنشاء مركز عالمي للتعليم يسمى المركز العالمي للتعليم الإسلامي بمكة المكرمة ليقوم بتنفيذ هذه التوصيات. وإنني أدعو الله مخلصا أن أرى هذه التوصيات وقد أخذت طريقها إلى حيز التنفيذ لتعيد للإسلام مجده الذي فقدناه عندما فرطنا في أمرنا وقد آن الآوان لينهض العالم الإسلامي ويحتل مكانته ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ .

стр. 55

الفصل الثاني أهداف التربية الإسلامية مدخل ... الفصل الثاني: أهداف التربية الإسلامية وأسسها وأساليبها تعتبر كلمة التربية بمفهومها الاصطلاحي من الكلمات الحديثة التي ظهرت في السنوات الأخيرة مرتبطة بحركة التجديد التربوي في البلاد العربية في الربع الثاني من القرن العشرين. ولذلك لا نجد لها استخداما في المصادر العربية القديمة. وما كانت تستخدمه هذه المصادر هي كلمات مثل "التعليم" و"التأدبيب" و"التهذيب" وهي مرتبطة بالتربية كما نفهمها اليوم أوثق الارتباط وقد وردت كلمة "التربية" عند ابن خلدون بمعنى التنشئة في كلامه في المقدمة عن مراتب الملك والسلطان والألقاب. "مقدمة ابن خلدون: ص٢٣٥". وترجع كلمة التربية في أصلها اللغوي العربي إلى الفعل "ربا" "يربو" أي نما وزاد. وفي التنزيل الحكيم ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي نمت وزادت لما يتداخلها من الماء والنبات. وتقول رباه بمعنى نشأه ونمى قواه الجسدية والعقلية والخلقية. وفي التنزيل الحكيم ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ... ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ . وقد كتب الذين ألفوا عن التعليم في الإسلام من المتقدمين عن أغراض التعليم، ونقل عنه المحدثون وتناولوه في كتابتهم عن أغراض أو أهداف التربية الإسلامية. وبعضهم يجمل الكلام عن هذه الأهداف فيركزها في الهدف الديني الذي يقوم على تعلم القرآن ومعرفة العبادات المفروضة، أو بعبارة أخرى: معرفة الدين علما وتطبيقا. وهذا هدف كبير يمكن أن يشمل التربية الإسلامية كلها باعتبار الدين الإسلامي دينا ودولة، وبعضهم ولا سيما المحدثون يفصلون هذه الأهداف إلى أهداف دينية وعقلية وثقافية ونفسية "أسماء فهمي: ١٩٤٧" وبعضهم يقسمها إلى أهداف دينية وعقلية واجتماعية ومادية "خليل طوطح: ص٣٥٢".

стр. 56

وواضح أن هناك اشتراكا كبيرا وشبه اتفاق على هذه الأهداف مع اختلاف المعالجة في التركيز أو التفضيل. ويصبح من الصعب إذن أن نتقبل ما يذهب إليه أحد المؤلفين في التربية الإسلامية من المحدثين عندما يقول: "والرأي عندنا أنه لا يوجد أغراض للتربية عند العرب تعمهم على الإطلاق وإنما الصواب أن نذكر صاحب المذهب ثم نذكر الغرض من التعليم الذي يلائم هذا المذهب" "أحمد الأهواني: ص٢٩". وتميز إحدى الدراسات بين ثلاثة أنواع من الأهداف في التعليم الإسلامي: الأداتية أو الوسيلية "Instrumental" والمعلنة "Expressive" والمعيارية NORMATIVE "WILK: P.٣٣٤". وتكون أهداف التعليم أداتية عندما يتركز الاهتمام على تحقيق شيء ما أو الحصول عليه. كأن ينظر المتعلم إلى التعليم على أنه للحصول على الشهادة الدراسية أو المؤهل الدراسي كوسيلة للحصول على وظيفة أو عمل. هنا يكون التعليم مجرد وسيلة أو أداة لغرض معين في نفس المتعلم. وعلى هذا فإن الأهداف الأداتية بصفة عامة تعمل على تشجيع النزعة الفردية التنافسية بين التلاميذ أكثر من تشجيعها لهم على التعاون والعمل الجماعي. أما الأهداف المعلنة فهي على العكس من ذلك تعمل على تكوين رابطة توحد بين التلاميذ وتحقق المساواة بينهم. وهي أهداف معلنة لأنها تعبر عن النموذج المثالي أما الأهداف المعيارية فهي تهتم بتنمية أنماط معيارية للسلوك والمعتقدات لدى المتعلم من خلال التعلم. والتربية الإسلامية كما أشرنا في مكان آخر لا تعلق أهمية كبرى على الحصول على المؤهلات والشهادات الدراسية كما هو ملاحظ في التعليم الرسمي في الدول العربية وغيرها من الدول. ولذلك فإن التربية الإسلامية تركز على الأهداف المعلنة والمعيارية، وقد عبر ابن خلدون عن أهمية الأهداف المعيارية بقوله إن كل علوم الحديث تقوم على أساس المادة الشرعية للقرآن والسنة وهما القانون الذي أرسله الله ورسوله. إن بعض النقاد يدعون على غير حق أن الإسلام يعوق النمو والتقدم، وماكس ويبر MAX WEBER هو أحد نقاد الإسلام. وحجته تستند جزئيا على أن

стр. 57

الإسلام لا يعطي أولوية كبرى للأهداف الأداتية "TUNER: ١٩٧٤" وهو يدعي أن الإسلام تحكمه أخلاقيات الحرب والجهاد. وأنه بسيطرته الجامدة على أبنائه يحد من نمو الاتجاهات الرأسمالية وأنشطة العمل. وهو يقارن ذلك بنظرة المسيحية البروتستانتية التي يرى أنها أكثر فردية وتنافسية. ويشارك "ويبر" في هذه النظرة كارل ماركس وإنجلز رائدا النظرية الشيوعية الماركسية وهما يريان على غير حق أن الإسلام ضد التطوير وضد التحديث. إن "إنجلز" يرى أن الغزو الفرنسي للجزائر كان خطوة هامة محظوظة نحو تقدم الحضارة وأن الفرنسيين جلبوا الصناعة والنظام وتنويرا نسبيا على الأقل لمجتمع "بربري" وهي دعوى مسمومة يرددها أعداء الإسلام. إن أي تصور لأهداف التربية الإسلامية لا بد أن يضع في اعتباره أن مجيء الإسلام يمثل بداية تربية جديدة للمجتمع العربي، وأنه كان من الطبيعي إذن أن يرسم الإسلام مثلا أعلى للحياة مغايرا لما كان عليه حال العرب في الجاهلية أو قبل الإسلام. وعلى هذا يمكن القول بأن أهم أهداف التربية الإسلامية هو بلوغ الكمال الإنساني لأن الإسلام نفسه يمثل بلوغ الكمال الديني فهو خاتم الأديان وأكملها وأنضجها. ويقول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ويقول : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . ومن تمام الكمال الإنساني مكارم الأخلاق، وقد جاء الإسلام ليصل بهذا الكمال الإنساني إلى قمته. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وهكذا يعتبر بلوغ الكمال الإنساني هدفا رئيسيا للتربية الإسلامية. ومع أن الكمال لله وحده فإن الإنسان لا بد أن يتصف بالكمال باعتباره خليفة الله على الأرض. قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ . وعلى الإنسان أن يسعى إلى هذا الكمال وله في هذا السعي لذة تحفزه دائما إلى مزيد من الكمال. يقول الغزالي: "إن أشرف مخلوق على الأرض هو الإنسان، وقد كرمه الله على كثير من خلقه". وهذا التشريف والتكريم يدفع الإنسان دائما على بلوغ مزيد من الكمال.

стр. 58

إن موضوع التربية الإسلامية شأنها شأن غيرها من أنواع التربية هو الإنسان لكل مقوماته الجسمية والعقلية والنفسية والوجدانية ذلك أن طبيعة الإنسان من المنظور الإسلامي تتضمن كل هذه المقومات لتحقيق حياة خلق من أجلها ورسالة كلف بأدائها. ومن ثم فإن التربية الإسلامية تقوم على أساس أن الكمال موجود بالقوة في طبيعة الإنسان، بمعنى أن الإنسان قادر على بلوغ هذا الكمال إذا ما وجد من الرعاية والعناية والتربية ما يساعده على ذلك. وتصبح الوظيفة الرئيسية للتربية في الإسلام هي الانتقال بهذا الكمال الموجود بالقوة إلى كمال موجود بالفعل يكتسبه الإنسان من خلال أساليب التربية والتنشئة التي يتعرض لها في مراحل حياته المختلفة. ومن أهداف التربية الإسلامية أيضا تحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة وهو هدف تتزن فيه أسس التربية الإسلامية كما سيتضح من كلامنا عن هذه الأسس فيما بعد. وتقوم التربية الإسلامية على أساس الواقع المادي والروحي للإنسان دون اقتصار على جانب واحد فقط. فهي لا تريد أن يعيش الإنسان في السماء وهو في الأرض، ولا تريد كذلك أن يعيش منغمسا في الحياة الأرضية المادية وحدها لأن في كيانها وجودا روحيا. فعالمه أوسع من عالم الحياة المادية الأرضية وحدها وأوسع من الحياة السماوية الروحية وحدها كذلك. "مقداد يالجن: ص٤٥". إن التربية الإسلامية في اهتمامها بالواقع المادي والدنيوي للإنسان تسعى إلى الاهتمام بالجانب الروحي على قدم المساواة. وتهدف من رواء ذلك إلى أن تمتد بحياة الإنسان إلى ما هو أبعد من حياة الأرض قصيرة الأجل وتعده لحياة سعيدة أبدية في الدار الآخرة. وتهدف التربية الإسلامية إلى تنشئة الإنسان الذي يعبد الله ويخشاه، فالله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وطريقة عبادة الله وخشيته إنما تكون بالعلم، فإنما يخشى الله من عباده العلماء. والعلم هو سبيل التقوى الصحيحة إلى معرفة الله ، ولذلك حث الإسلام على العلم والسعي في طلبه وفضل أهله على غيرهم ورفعهم درجات. ومن ثم يرى

стр. 59

المربون المسلمون أن من المعايير الهامة التي تقوم عليها أهداف التربية الإسلامية والتي تحدد بالتالي المضمون التربوي التعليمي في الإسلام قيمة هذا المضمون وأثره في تربية الإنسان لبلوغ الفضيلة وكمال النفس عن طريق العلم بالله وحسن التوجيه إلى الحياة الخيرة الفاضلة، وتنمية العقل وكسب الرزق، وكذلك قيمة هذا المضمون في نفع الإنسان في دنياه وآخرته على السواء. فالعلم فضيلة وتعرف فضيلة العلم بثمرته وهي التقرب من الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أما في الدنيا فثمرته العز والوقار والاحترام وبلوغ المكانة والبعد عن السؤال. إن الإنسان متدين بالطبع وبالفطرة: قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ومهمة التربية الإسلامية تربية فطرة المسلم على الإيمان الصحيح وخشية الله وعبادته. والتعليم والقدوة أساس الفضيلة والأخلاق، ولذلك كانت سيرة الرسول لها قيمة تربوية خلقية. وقد أمرنا الله بأن نتبع الرسول وأن نأخذ ما آتانا وبه وننتهي عما نهانا عنه.. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ . كما أن الدين ضرورة اجتماعية لأنه ينظم حياة الناس والعلاقات بينهم ويربط بينهم بسياج متين والدين أيضا ضرورة نفسية للفرد يدفعه إلى بلوغ الكمال في الحياة، والسعي والحركة والنشاط. كما يساعد على التغلب على كثير من المشكلات الاجتماعية والنفسية التي يواجهها الفرد في حياته. خذ مثالا بسيطا عندما تضيق الدنيا في وجه إنسان وتنسد أمامه السبل والمسالك عندها يجد في الدين تفريجا عن كربه وتهدئة لنفسه. ويتصل بالعبادة أيضا دور الإنسان في تعمير الأرض وتسخير ما أودعه الله فيها من ثروات لخدمة حياة الإنسان وتحقيق الخير، وما يتطلبه ذلك من استخدام للعلوم المختلفة. وهكذا تصبح العلوم المختلفة من طبيعية ورياضية وإنسانية ونظرية كانت أو تجريبية أو تطبيقية كلها علوما إسلامية ما دامت

стр. 60

متفقة ومتمشية مع الإطار الإسلامي الصحيح وما دامت لا تستخدم استخداما سيئا يخرج بها عن غرضها فتنحرف إلى الفساد والشر والعدوان. ومن أهداف التربية الإسلامية أيضا تقوية الروابط بين المسلمين ودعم تضامنهم وخدمة قضاياهم. ويتم ذلك عن طريق ما تقوم به التربية الإسلامية من توحيد الأفكار والمشارب والاتجاهات والقيم بين المسلمين في مشارق الأرض وجمع شملهم وتكتيل جهودهم وجعلهم جميعا على قلب رجل واحد. والتربية الإسلامية تربية لضمير الإنسان باعتباره الرقيب على كل تصرفاته وخير عاصم له، وصلاح الإنسان مرهون بصلاح ضميره. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ . ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ ، وهذا يعني أن الله رقيب على الرقيب من نفس الإنسان. ولا خير في الضمير إذا لم يكن حيا. فإذا تبلد الضمير أصبح الإنسان كالحيوان وتبلد معه الشعور ونامت الفضيلة والنخوة لديه، فالشخص بلا ضمير هو إنسان ميت الحس، وتربية الضمير تكون بالإيمان الصحيح بالله الذي يعلم السر والجهر وتكون بعبادته: "أن تعبد الله كأنك تراه".

стр. 61

لماذا خلقنا ؟ إن أي تحديد لأهداف التربية ومضمونها لا بد أن يتعرض بالضرورة منذ البداية إلى السبب الذي نحيا من أجله، ولماذا خلقنا في هذا العالم؟ وما الهدف من وجودنا في هذه الدنيا؟ هل نحن نعيش لنأكل أم نأكل لنعيش؟ وما هو نوع الحياة التي ننشدها؟ ولا شك في أن الإجابة عن هذه الأسئلة تختلف باختلاف المنطلقات الإنسانية والفلسفية والدينية والاجتماعية. ويهمنا هنا المنظور الإسلامي. يذكر الراغب الأصفهاني في كتابه "الذريعة إلى مكارم الشريعة" ثلاثة أسباب أو مقاصد خلق من أجلها الإنسان لتحقيق رسالته في الحياة على وجه الأرض هي: ١- عمارة الأرض المذكورة في قوله تعالى ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ لتحصيل المعاش

стр. 62

لنفسه ولغيره. ٢- عبادة المولى المذكورة في قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ والعبادة هنا تعني كل أفعال الإنسان وتصرفاته في الحياة تجاه الله والآخرين والامتثال لما أمر به الشرع في كل أمور الحياة. ٣- خلافته في الأرض المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ وغيرها من الآيات، وقوله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ويستحق الإنسان الخلافة بتحري مكارم الشريعة بطهارة النفس والحكمة والعفة والصبر والعدل والإحسان وحسن سياسة نفسه وبدنه وما يختص به وحسن سياسة غيره من دونه وأهل بلده. ولا يصلح لسياسة غيره من لا يصلح لسياسة نفسه. ولهذا ذم الله تعالى من ترشح لسياسة غيره فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وهو غير مهذب في نفسه فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ . هذه المقاصد الثلاثة التي يحددها الأصفهاني لخلق الإنسان تحدد أهداف تربية الإنسان في الإسلام لتهيئته لما خلق له. إن قيمة الإنسان في هذا الكون ومنزلته فيه كبيرة وعالية دون سائر الكائنات. فالإنسان سيد هذا الكون. وكل منا خلق فيه لأجله ومسخر لمنفعته وخدمته. وهذا تكريم من الله للإنسان خليفته على هذه الأرض، وقد أوجد الله تعالى كل ما في العالم من أجل الإنسان ومن أجل نفعه وخدمته وراحته. وقد خلق الله الإنسان من بين سائر الكائنات خلقة تؤهله للدارين: الدنيا والآخرة. وفي تفسير ذلك يقول الراغب الأصفهاني في تفصيل النشأتين "ص٩٠": إن الله تعالى قد أوجد ثلاثة أنواع من الأحياء: نوعا لدار الدنيا وهو الحيوانات ونوعا لدار الآخرة وهو الملأ الأعلى "الملائكة"، ونوعا للدارين وهو الإنسان. وهو كالحيوانات في الغذاء والتناسل والشهوة البدنية والمهارشة

стр. 63

والمنازعة وغير ذلك من أوصاف الحيوانات، والملائكة في العقل والعلم وعبادة الرب والصدق والوفاء ونحو ذلك من الأخلاق الشريفة. وهكذا اجتمعت له القوتان وتحققت فيه الصفتان الدنيوية والآخروية حتى يصلح لعمارة الأرض وخلافة الله وعبادته. وقد ضرب أمير المؤمنين علي ﵁ لذلك ثلاثة أمثال فقال: إن مثل الدنيا والآخرة ككفتي الميزان لا تترجح إحداهما إلا بنقصان الأخرى، وكالمشرق والمغرب كل من قرب من أحدهما بعد عن الآخر، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، ولذلك يرى قوم أكياسا في تدبير الدنيا بلهاء في تدبير الآخرة وقوم أكياسا في أمور الآخرة بلهاء في أمور الدنيا، حتى قال ﵊ "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" "الأصفهاني: الذريعة إلى أحكام الشريعة ص٩٦". وبلوغ الكمال والتمام في العقل والخلق أمر صعب عسير ولذلك يقع الإنسان في الذنب والخطأ مهما كانت درجته، ولذلك قال النبي ﷺ : "ما منا نبي إلا أذنب أو هم". ويبين الله في كتابه العزيز أن الغاية المستهدفة من خلق الإنسان هي الخلافة في الأرض. وفي توضيح معنى الخلافة في تحقيقه لكتاب النشأتين وتحصيل السعادتين للراغب الأصفهاني يقول الدكتور عبد المجيد النجار "ص١٠٥": "والخلافة هي الخلافة عن الله بمعنى القيام في الأرض بتطبيق أوامره ونواهيه التي تجتمع كلها عند تحقيق مصلحة الإنسان الشاملة عبر التفاعل مع الكون بما يؤدي إلى الترقي الروحي عقلا وفضيلة، الترقي المادي باستثمار الكون في الأغراض المادية بهذا المعنى، فإن الخلافة تتم بالعبادة جهادا للنفس وجهادا للتعمير، ويتحقق نقع الإنسان في الدنيا والآخرة. وقد أوجد كل ما في الكون من أجل الإنسان ومن أجل نفعه ومصلحته وراحته وخدمته. وأباح الله الانتفاع بهذه النعم جميعا ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ . فللإنسان أن ينتفع بكل ما في العالم في غذائه ودوائه وملبوساته ومشموماته ومركوباته وزينته والالتذاذ بصورته ورؤيته والاعتبار به واستفادة علم منه والاقتداء بفعله فيما يستحسن منه

стр. 64

والاجتناب عنه عما يستقبح منه "الأصفهاني: تفصيل النشأتين: ص١١٠". ويوضح الدكتور عبد المجيد النجار الفرق بين الإنسان وسائر المخلوقات في الغاية من خلقها بقوله: "إذا كانت الموجودات جميعا خلقها الله لحكم وغايات فإن الفارق بين الإنسان وغيره في تحقيق الغاية أن الإنسان يحقق غايته باختياره وسائر الموجودات تحقق غاياتها بالطبع. وذلك مظهر تكريمه وعنوان علوه" "الراغب الأصفهاني: تفصيل النشأتين ص١١٠".

стр. 65

ما يصلح به حال الإنسان: يقول الماوردي إن ما يصلح به حال الإنسان ثلاثة أمور هي قواعد أمره ونظام حاله وهي نفس مطيعة إلى رشدها منتهية من غبها، وألفة جامعة تنعطف القلوب عليها ويندفع المكروه بها، ومادة كافية تسكن نفس الإنسان إليها ويستقيم أوده بها. أما الأمر الأول وهو النفس المطيعة فلأنها إذا أطاعته ملكها وإذا عصته ملكته ولم يملكها. ويقول الماوردي إن للنفس آدابها هي تمام طاعتها وكمال مصلحتها. أما الأمر الثاني وهو الألفة الجامعة فلأن الإنسان مقصود بالأذية محسود بالنعمة فإذا لم يكن ألفا مألوفا تخطفته أيدي حاسديه وتحكمت فيه أهواء أعاديه فلم تسلم له نعمة، ولم تصف له مدة فإذا كان آلفا مألوفا انتصر بالألفة على أعاديه وامتنع على حاسديه فسلمت نعمته منهم وصفت مدته عنهم وإن كان صفر الزمان عسرا وسلمه خطرا. وقد روى ابن جريح عن عطاء رحمهما الله عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس". ويذكر الماوردي أسبابا خمسة للألفة هي الدين والنسب والمصاهرة والمودة والبر. فالدين يبعث على التناصر ويمنع التقاطع والتدابر. يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ . والنسب من أسباب الألفة لأن تعاطف الأرحام وحمية القرابة يبعثان على التناصر والألفة ويمنعان من التخاذل والفرقة. وقد روي عن النبي ﷺ : "إن الرحم إذا تماست تعاطفت". ولذلك

стр. 66

حفظت العرب أنسابها لما امتنعت عن سلطان يقهرها ويكف الأذى عنها لتكون به متظافرة على من ناواها متناصرة على من شاقها وعادها حتى بلغت بألفة الأنساب تناصرها على القوى الأيد. والمصاهرة كأحد أسباب الألفة هي استحداث مواصلة وتمازج مناسبة صدرا عن رغبة واختيار وانعقدا عن خير وإيثار. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ . أما المؤاخاة بالمودة كسبب للألفة فلأنها تولد المصافاة والإخلاص والوفاء، وهذا أعلى مراتب الألفة. ولذلك آخى النبي ﷺ بين أصحاب من المهاجرين والأنصار. وأما البر كسبب للألفة فلأنه يوصل للقلوب ألطافا ويثنيها محبة وانعطافا. قال تعالى: ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ . وروي عن ابن مسعود أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها". وأما الأمر الثالث فهو المادة الكافية لأن حاجة الإنسان لازمة لا يعرى منها بشر. قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ . فإذا عدم المادة التي هي قوام نفسه لم تدم له حياة ولم يستقم له دين. وإذا تعذر شيء منها عليه لحقه من الوهن في نفسه والاختلال في دينه بقدر ما تعذر من المادة عليه. لأن الشيء القائم بغيره يكمل بكماله ويختل باختلاله. "الماوردي: ٢٠٨".

стр. 67

العبادة غاية الوجود الإنسان وأساس السلوك الأخلاقي ... العبادة غاية الوجود الإنساني وأساس السلوك الأخلاقي: يرى الأصفهاني أن الإنسان تحصل له الإنسانية بقدر ما تحصل له العبادة التي خلق من أجلها. فمن قام بالعبادة حق القيام فقد استكمل الإنسانية، ومن رفضها فقد انسلخ عن الإنسانية فصار حيوانا ودون الحيوان كما قال تعالى في صفة الكفار ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ "الأصفهاني: تفصيل النشأتين ص١٥٠". وهكذا يضع الأصفهاني العبادة أساس الإنسانية والسلوك الأخلاقي عند الإنسان. وهو يقول إن كل شيء يمدح بلفظ نوعه فيقال فلان إنسان وهذا السيف سيف. ولهذا قيل الإنسان المطلق هو نبي كل زمان. ويعلق الدكتور عبد المجيد

стр. 68

النجار على هذه الفكرة بقوله إنها مماثلة لفكرة رائجة عند الصوفية وهي فكرة الإنسان الكامل، ويقصدون بها ذروة الكمال في الإنسان وهي المتحققة في الأنبياء والرسل أو في ورثتهم عند انقطاع الرسل "الأصفهاني: تفصيل النشأتين: ص١٥٢". والعبادة كما يعرفها الأصفهاني في كتاب النشأتين "ص١٥٧" هي "فعل اختياري مناف للشهوات البدنية يصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله طاعة للشريعة". وهو يعتبر الأفعال المباحة كالأكل والشرب ومجامعة المرأة عبادة إذا تحرى بها حكم الشريعة، أي يكون مقصودا بها تحقيق حكم شرعي مأمور به أو منهي عنه كالأكل للقوة على العمل والعبادة والجماع للنسل والامتناع عن الزنا والزينة لإظهار نعمة الله. والعبادة عنده ضربان: علم وعمل وحقهما أن يتلازما. لأن العلم كالأس والعمل كالبناء. وكما أنه لا يغني أس ما لم يكن بناء ولا يثبت بناء ما لم يكن أس كذلك لا يغني علم بغير عمل. ولا عمل بغير علم. والعلم أشرفهما ولكن لا يغني بغير عمل. ولشرفه قال رجل للنبي ﷺ : أيما الأعمال أفضل يا رسول الله؟ فقال: "العلم" فأعاد عليه السؤال فقال: "العلم". فقال الرجل في الثالثة: أسألك عن العمل لا عن العلم. فقال ﵇: "عمل قليل مع العلم خير من عمل كثير مع الجهل". وقال ﵇: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" "تفصيل النشأتين: ص١٥٩". والغرض من العبادة تطهير النفس واجتلاب صحتها ليحقق للإنسان حياة أبدية وسلامة باقية. وطهارة النفس بإزالة رجسها ونجسها. فللنفس نجاسة كما أن للبدن نجاسة، لكن نجاسة البدن تدرك بالبصر ونجاسة النفس لا تدرك إلا بالبصيرة. ومن طهرت نفسه طهر قلبه وفعله لأن السائل من لون الإناء وكل إناء بالذي فيه يرشح، ولهذا قيل: من طابت نفسه طاب عمله ومن خبثت نفسه خبث عمله. وطهارة النفس شرط لخلافة الله وإكمال عبادته وعمارة أرضه "الأصفهاني: الذريعة إلى مكارم الشريعة ص٣٦". وهكذا يبين الأصفهاني أن العبادة هي غاية الوجود الإنساني وأساس السلوك الأخلاقي السليم والسعادة الإنسانية في الدنيا والآخرة.

стр. 69

التكسب واجب: قال عمر بن الخطاب ﵁: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق يقول ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة. وقد حثنا الله على الكسب. قال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ . وقال ﷺ : "من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة". وقال ﷺ : "إن الله يحب العبد يتخذ المهنة ليستغنى بها عن الناس". وقال ﷺ : "عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق" وقال لقمان الحكيم لابنه: يا بني استعن بالكسب الحلال عن الفقر فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته. وأعظم من هذه الثلاث استخفاف الناس به. يعد تكسب الإنسان لمعيشته في الحياة الدنيا من المباحات في الشرع لكنه واجب عليه، ولهذا ذم من يدعي التصوف فيتعطل عن المكاسب. وقد استحسن النبي ﷺ من وفد عبد قيس لما سألهم: "ما المروءة؟ " فقالوا: العفة والحرفة. "الراغب الأصفهاني: الذريعة إلى مكارم الشريعة ص٢٦٧". وقد جعل الله الرزق على قدر العمل. ولهذا قال ﵊: "من رضي من الله بقليل من الرزق ﵁ بقليل العمل". ويقول الراغب الأصفهاني في تفصيل النشأتين "ص١١٢، ١١٣" إن الناس خلقوا على اختلاف في أجسامهم وقواهم وهممهم ليكون كل ميسرا لما خلق له أي إلى صنعة معينة. ويرد محقق الكتاب الدكتور عبد المجيد النجار على هذا القول بأن هذه المقدمة نفسها غير مسلم بها. فهل الأجسام والقوى هي السابقة في الخلقة على الاختصاص بالصناعات التي تناسبها أم أنها نتيجة لاحقة للصنعة نفسها؟ إن الملاحظ بالعيان أن الصنعة المعينة تكسب محترفها من الصفات البدنية بل والنفسية ما كان خلوا منه قبل تعاطيه إياها، ومن هنا فإن القول بأن اختصاص الناس بصنائعهم أمر توفيقي طبيعي يفضي إلى سلب الاختيار وثبوت ضرب من الحتمية الاجتماعية يكون قولا غير مسلم به بل لعله يكون ضعيفا. واختلاف الناس في

стр. 70

صنائعهم الوارد في القرآن. وكذلك التسخير المبني على ذلك الاختلاف لا يحتمان هذه الجبرية الاجتماعية بل ويصحان مع الاختيار. وقد كانت الثقافات القديمة الفرعونية والهندية واليوناينة والفارسية تقوم على تقسيم المجتمع إلى طبقات بحسب الوظائف وكل طبقة لها موضع لا تتعداه في السلم التفاضلي الاجتماعي فيما يشبه الجبرية المهنية الاجتماعية. والإسلام جاء هادما لهذه الجبرية مؤصلا للاختيار في الفعل بما في ذلك اختيار الصناعات والحرف. "الراغب الأصفهاني: تفصيل النشأتين ص١١٣، ١١٤". إن الناس يختلفون في قدراتهم وإمكاناتهم الجسمية والبيولوجية والعقلية والنفسية. فكل ميسر لما خلق له. كما أن البشر يتفاوتون في الأخلاق والقيم والصفات المعنوية. ومن هنا يتفاضل الناس ويتمايزون في كسب المعيشة والرزق وفي الفرص المتاحة لهم في الحياة. وقد أشار القرآن الكريم في بعض آياته في سورة القصص على لسان بنت النبي شعيب ﵇ لأبيها مشيرة إلى موسى ﵇: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ . فهاتان صفتان إحداهما جسمية وهي القوة. والأخرى خلقية وهي الأمانة. كلتا الصفتين أهلت صاحبها وهو موسى ﵇ أن يكون أفضل من غيره في العمل والكسب والاستخدام والتقبل الاجتماعي. ويرى علماء المسلمين أن على الإنسان في طلب الرزق والسعي إليه أن يسلك كل الأساليب والطرق المشروعة من زراعة وتجارة وصناعة وما شابهها انطلاقا من الاعتراف بحريته وقدرته على الفعل والترك. وإذا كان الله هو الرزاق ذو القوة المتين. وأنه خالق الأرزاق ومنزلها ومقسمها، فإن الإنسان هو المسئول عن تحصيل الرزق والسعي في سبيله ما أمكنه إلى ذلك سبيلا مشروعا. فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة كما يقولون. وكسب الرزق والسعي في سبيله واجب عين على القادرين من المكلفين لأن في ذلك دفعا للضرر عن النفس والولد. وهو مما أوجب العقل والشرع والأخذ به وحثا عليه لقوله تعالى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ وعن الرسول ﷺ : "خيركم من أكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده". وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ

стр. 71

صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ . وإذا قصر الإنسان في تحصيل رزقه أو اعتمد فيه على غيره مع قدرته على القيام به كان غيره أفضل منه وأعلى منه رتبة ودرجة لأن اليد العليا خير من اليد السفلى كما ورد في الأثر. وضرب الرسول ﷺ المثل في ذلك حين مر بالمسجد فرأى رجلا معتكفا ليله ونهاره، فسأله عمن يعوله. فقيل له أخوه. فقال ﷺ : "أخوه خير منه". ووجوب السعي في طلب الرزق والكسب تصحح حالة التواكل والكسل التي تظهر في طبقة من الجهلاء والخاملين الذين يعتبرون الدين نوعا من الرهبنة والعكوف في المساجد. ولقد أطلق القاضي عبد الجبار على هذه الطبقة اسم المتآكلة أو المتواكلة الذين يشيعون جو الخمول والكسل بين أفراد الأمة مدعين أن السعي في طلب الرزق نوع من سوء الظن بالله، وأن حسن التوكل على الله يقتضي القعود عن طلب الرزق "محمد السيد الجليند: ٣٣١". وهذا فهم خاطئ لمعنى التوكل والصحيح أن نعقلها أولا ثم نتوكل.

стр. 72

أسس التربية الإسلامية التربية الإسلامية تربية تكاملية شاملة ... أسس التربية الإسلامية: تستند التربية الإسلامية إلى مجموعة من الأسس والركائز الرئيسية تشكل في مجملها المفهوم الشامل للتربية الإسلامية، ويمكننا أن نعرض هذه الأسس فيما يأتي: ١- التربية الإسلامية تربية تكاملية شاملة: وقصد بالتكامل أو الشمول هنا أنها لا تقتصر على جانب واحد من جوانب شخصية الإنسان فالتربية الإسلامية ترفض النظرة الأحادية أو الثنائية إلى الطبيعة الإنسانية التي تقوم على التمييز بين العقل والجسم وسمو العقل على الجسم، وإنما هي تنظر إلى الإنسان نظرة متكاملة تشمل كل جوانب الشخصية فهي تربية للجسم وتربية للنفس والعقل معا. ولا شك أن كل جانب من هذه الجوانب يؤثر في الآخر ويتأثر به، وقديما قالوا: العقل السليم في الجسم السليم. كما أن في الجسم مضغة إذا صحت صح الجسم، وإذا فسدت فسد الجسم ألا وهي القلب. والجسم هو مطية النفس والعقل في أداء الواجبات وتنفيذ أوامر

стр. 73

الشرع، ولأهمية الجسم في التربية الإسلامية أمرنا الإسلام بالعناية بصحتنا وأجسامنا "إن لبدنك عليك حقا"، فهناك حق البدن على صاحبه وجعل طهارة الجسم شرطا للعبادة. كما أمرنا أن نجمل مظهرنا بنظيف الثياب وأن نأخذ زينتنا عند كل مسجد. وتخاطب التربية الإسلامية حواس الإنسان وقواه. وتحتكم إليها ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ . والإنسان مسئول عن الحفاظ على حياته وحمايتها من الخطر والحفاظ على جسمه وضرورة العناية به ووقايته وحمايته وعلاجه إذا ألم به مرض. وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "كان فيمن قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات ... فقال الله بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة". وورد عن النبي ﷺ أيضا قوله: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا. ومن قتل نفسه بحديدة فحديديته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا". والتربية الإسلامية تربية للعقل لأنها تخاطب العقل وتحتكم إليه، والإسلام دين العقل والنظر والتفكير والتأمل. ويحتل العقل في الإسلام مكانا هاما قل أن نجد له نظيرا في غيره من الشرائع. فهو أساس التكليف والاختيار والحساب. واعتبرت المعرفة والعلم وهو غذاء العقل أساس التفاضل بين الناس. والتفكير وهو وظيفة العقل فريضة إسلامية. وهو ما حدا بمؤلف العبقريات الإسلامية عباس العقاد أن يجعله عنوانا لكتاب من كتبه الخالدة. والقرآن الكريم مليء بالآيات التي تحث على إعمال العقل والفكر والنظر والتأمل ووزن الأمور بميزان المنطق، ونبذ ما يتنافى معه من خرافات وأباطيل وأوهام. وقد ذم الله في كتابه العزيز من يسمع القرآن ولا يفقه معناه ولا يتدبره، ومدح من يسمعه ويفقهه، قال تعالى في سورة محمد ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ . والقرآن الكريم يعلمنا من خلال الأمثلة الكثيرة أهمية المعرفة العلمية والتقنية من أجل السيطرة على الطبيعة واستعمار الأرض التي استخلفنا فيها

стр. 74

الله. فضرب لنا مثل داود ﵇ الذي ألان له الحديد وأوحى له أن يعمل منه دروعا، ومثل سليمان ﵇ الذي سخر له الريح لتحمل بساطه هو وخاصته إلى حيث يشاء، وأسال له النحاس وذلل له الجن في استخدام النحاس المذاب أو المصهور ليعمل منه أنواعا من المصنوعات. قال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ . ويضرب لنا القرآن الكريم أيضا مثل ذي القرنين وقيامه ببناء السد والحاجز الحصين لدرء خطر يأجوج ومأجوج وهما قبيلتان مفسدتان من ولد يافث بني نوح ﵇. وتم له ذلك بمساعدة قوة من الفعلة واستخدام كتل الحديد والنحاس المصهور. قال تعالى في سورة الكهف ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا، فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ . والتربية الإسلامية تربية نفسية لأنها تخاطب عاطفة الإنسان ووجدانه وقلبه وضميره وتحتكم إليها ... أمرنا ديننا بأن نربي نفوسنا على الفضيلة والخير وحب الناس والتجرد من الأنانية وحب الذات، وجعل أساس الحساب على الأعمال ما استقر في النفس لا بما ظهر من السلوك. وأمرنا ديننا بالتعفف وعزة النفس ورياضتها وتدريبها والتحكم فيها. بل لقد اعتبر ديننا جهاد النفس جهادا أكبر من جهاد الحرب والقتال، فقد ورد عن النبي ﷺ قوله بعد عودته من الحرب: "رجعت من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: "جهاد النفس". إن التربية الإسلامية تربية تحررية لأنها تحرر العقل من التعصب الأعمى والتزمت أو الانغلاق وضيق الأفق والإيمان بالأوهام والأساطير. كما أنها تحرر النفس من الخوف والعبودية والضعف. فالمسلم القوي خير من المسلم الضعيف. وتحررها أيضا من الخبث والدنس واللؤم وكل ما يشينها، وهي أيضا تحرر الجسم من كل ما يدنسه ويعيبه وتقيمه على الطهارة والنظافة والعناية والاهتمام به كما تحرره من الخضوع للذات والشهوات. ويقول العقاد في هذا المعنى في كتابه "الإنسان في القرآن": إن الإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه كل لا يتجزأ. للجانب الجسمي أو البيولوجي حاجاته ومتطلباته وللجانب الروحي والعقلاني حاجاته ومتطلباته. ومن هنا لا يجوز له الإسراف في مرضاة هذا ولا في مرضاة ذاك.

стр. 75

٢- التربية الإسلامية تربية مثالية واقعية: تستمد التربية الإسلامية خاصيتها المثالية من الشريعة الإسلامية نفسها. فقد استخلف الله الإنسان في الأرض وجعله خليفته فيها. وفي أصل خلقه فقع فيه من روحه وكرمه على كثير من خلقه. وجعله أشرف مخلوق على الأرض. ومن هنا تنشد التربية الإسلامية السمو بهذا الإنسان وبلوغه درجة الكمال والرفعة بالتدريج. وقد أشرنا إلى ذلك في كلامنا عن أهداف التربية الإسلامية. والتربية الإسلامية تربية واقعية، وهي تستمد هذه الخاصية أيضا من واقعية الشريعة الإسلامية. فالتربية الإسلامية. فالتربية الإسلامية تراعي جانب الواقعية في التطبيق تمشيا مع قوله ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . ولذلك قامت التكاليف الإسلامية والعبادات على أساس اليسر والسهولة في أدائها والقيام بها. كما قامت على أساس تجنيب الإنسان المشقة والضيق والحرج. قال تعالى في سورة الحج ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . وقال ﷺ : "بعثت بالحنيفة السمحاء" إشارة إلى قوله تعالى ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ . كما ورد عنه قوله ﷺ : "لا تشددوا على أنفسكم يشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم". فلا رهبنة في الإسلام. ومن قبيل المقارنة نشير إلى أن أحد القوانين المنظمة للرهبنة المسيحية وهو قانون "بنيديكت" قد حدد ثلاثة التزامات على المرء أن يخضع لها في ترهبه وهي: العفة والفقر والطاعة. ويتضمن التزام العفة نبذ العلاقة الزوجية والأسرية واستبدالها بروابط
следующие страницы →