ناداهم إنسان برواية لا يبتدروا العمل [بروايته ما لم يبحثوا عن حالته ويطلعوا على باطن عدالته ومن ظن أنهم كانوا يعملون] برواية كل مجهول الحال فقد ظن محالا وظهور ذلك مغن عن [تقريره] وإذا كنا نتعلق في العمل بالرواية بإجماعهم [فإن لم نتحقق إجماعهم على التوقف في العمل برواية المستور لم نجد متعلقا نتمسك به في قبول روايته] فكيف وقد استمر لنا قطعا منهم التوقف في المجهول المستور الحال؟
٥٥٤- والذي أوثره في هذه المسألة ألا نطلق رد رواية المستور ولا قبولها بل يقال رواية العدل مقبولة ورواية الفاسق مردودة ورواية المستور موقوفة إلى استبانة حالته ولو كنا على اعتقاد في حل شيء فروى لنا مستور تحريمه فالذي أراه وجوب الانكفاف عما كنا نستحله إلى استتمام البحث عن حال الراوي وهذا هو المعلوم من عادتهم وشيمهم وليس ذلك حكما منهم بالحظر المترتب على الرواية وإنما هو توقف في الأمر فالتوقف عن الإباحة يتضمن الانحجاز وهو في معنى الحظر فهو إذا حظر مأخوذ من قاعدة في الشريعة ممهدة وهي التوقف عند بدء ظواهر الأمور إلى استتبابها فإذا ثبتت العدالة فالحكم بالرواية إذ ذاك.
٥٥٥- ولو فرض فارض التباس حال الراوي واليأس من البحث عنها بأن يروي مجهول ثم يدخل في غمار الناس ويعسر العثور عليه فهذه مسألة اجتهادية عندي والظاهر أن الأمر إذا انتهى إلى اليأس لم يلزم الانكفاف وانقلبت الإباحة كراهية.
٥٥٦- فإن قيل: أليس روى أن أعرابيا شهد عند رسول الله ﷺ على رؤية الهلال فأمر النبي ﵇ بالصيام ولم يبحث عن حال الأعرابي قلنا: لعله علمه وأحاط به علما فلا يصح التمسك بمثل هذا مع تعارض الاحتمالات فيه والمطلوب القطع.
٥٥٧- فإن قالوا: الأصل نقيض الفسق فليطرد قبول الرواية إلى تحقق الفسق قلنا: هذه دعوى عرية عن البرهان وهو في التحقيق اقتصار على ترجمة المذهب فإنا نقول: الرواية قبولها موقوف على ظهور العدالة ومن يخالف يزعم أن الرد منوط بظهور الفسق وعلى الجملة لسنا نرتضي التمسك بالتخييلات في مسالك القطعيات وفي كل أصل من الأصول قاعدة كلية معتبرة فكل تفصيل رجع إلى الأصل فهو جار على السبيل المطلوب وكل ما لم نجد مستندا فيه ومتعلقه تخييل ظن فهو.
стр. 247
مطرح والأصل في العمل بالأخبار إجماع الصحابة وقد قررنا سبيله فما ذكروه ليس قادحا فيه فلا يحتفل به.
٥٥٨- فإن قيل: ثبت في الشرع الأمر بتحسين الظن [بآحاد] المسلمين إلى أن يظهر ما يناقض ذلك وإذا رددنا رواية المستور كان ذلك منافيا لتحسين الظن به قلنا هذا من الطراز الأول فلا احتفال به.
على أنا أمرنا بتحسين الظن حتى لا تطلق الألسنة بالمطاعن فهذا فائدة تحسين الظن فأما أن يقال: [نبتدر] إلى إراقة الدماء وتحليل الفروج برواية كل هاجم على الرواية بناء على تحسين الظن فهذا لا يتخيله إلا خلو من التحصيل والله الموفق.
стр. 248
فصل: في التعديل والجرح .
٥٥٩- إذا تقرر أن الفاسق مردود الرواية وواضح أن القبول متوقف على ظهور العدالة ولا يقع الاكتفاء بظاهر الستر فنحن نذكر وراء ذلك التعديل والجرح المعتبرين في الرواة ونقدم على غرضنا أصلا وهو مرجوع الكتاب وأصل الباب في أخبار الآحاد.
فنقول: قد لاح لنا [على] السبر والمباحثة أن المعنى المعتمد في قبول الرواية ظهور الثقة بقول الراوي وكل ما لا يجزم الثقة فليس شرطا في [الرواية وما يجزم] الثقة ففيه الكلام وليس في الرواة والروايات تعبدات شرعية كما وردت توقيفات الشرع بأمثالها في رتب الشهادات [ومنازل] البينات من نحو اعتبار العدد وألفاظ مخصوصة ومكان معلوم إلى غير ذلك ومن التعبدات المرعية في الشهادة اشتراط الحرية فليتخذ الناظر الثقة في الرواية معتبره فيما يأتي ويذر فعليه إحالة معظم الكلام.
والدليل القاطع فيه الرجوع إلى شيم الأولين فإنا نعلم أنهم كانوا يقبلون الرواية عند ظهور الثقة من المرأة والمملوك قبولهم من الحر وقد رددنا [على] من يتخيل اعتبار العدد في الرواية فإذا تمهد ذلك وستكون لنا عودات إليه فالكلام في التعديل والجرح متفرع على ذلك ونحن ننقل المذاهب فيهما ونؤثر المختار عندنا ونؤكده بالحجاج اختيارا للإيجاز إن شاء الله تعالى.
стр. 249
٥٦٠- فالتعديل والجرح يقعان على وجهين أحدهما التصريح والثاني: الضمن فأما وقوعهما تصريحا فقد قال قائلون: لا بد من ذكر أسبابها جميعا ولا يكفى إطلاق التعديل والجرح.
قال الشافعي ﵀: إطلاق التعديل كاف فإن أسبابه لا تنضبط ولا تنحصر وإطلاق الجرح لا يكفي فإن أسبابه مما اختلف الناس فيه فقد يرى بعض الناس الجرح بما لو أظهره لم يوافق عليه فلا بد لذلك من ذكر أسباب الجرح وهذا مذهبه ﵁ في تعديل الشهود وجرحهم.
وقال بعض الأصوليين: يكفي إطلاق التعديل والجرح جميعا ولا حاجة إلى التعرض للأسباب فيهما.
وقال القاضي ﵁: إطلاق الجرح كاف فإنه يخرم الثقة وهي المعتبرة وإطلاق التعديل لا يحصل الثقة حتى يستند إلى أسباب ومباحثات وهذا الذي ذكره القاضي ﵁ أوقع في مآخذ الأصول.
٥٦١- والذي أختاره أن الأمر في ذلك يختلف بالمعدل والجارح فإن كان المعدل إماما [موثوقا به في الصناعة] لا يليق به إطلاق التعديل إلا عند علمه بالعدالة الظاهرة فمطلق ذلك كاف منه فإنا نعلم أنه لا يطلقه إلا عن بحث واستفراغ وسع في النظر [فأما] من لم يكن من أهل هذا الشأن وإن كان عدلا رضا إذا لم يحط علما بعلل الروايات فلا بد من البوح بالأسباب وإبداء المباحثة التامة.
والجرح أيضا يختلف باختلاف أحوال من يجرح والعامى العرى عن والتحصيل إذا جرح ولم يفصل فلا يكترث بقوله فأما من يثير جرحه المطلق خرم الثقة فمطلق جرحه كاف في اقتضاء التوقف.
فهذا بيان المذاهب والإيماء إلى مستند كل فريق وذكر المختار مؤيدا بمعتبر الباب هو بيان التصريح بالتعديل والجرح.
٥٦٢- ثم قال المحققون: يكفي في التعديل والجرح قول واحد وذهب بعض المحدثين إلى اشتراط العدد وهذا مما ليس يحتفل به فإنه قد ثبت أن أصل الرواية لا يعتبر فيه العدد فلا معنى للاحتكام باشتراطه في التعديل والجرح ولا يشك منصف أن الصديق ﵁ وغيره من جلة الصحابة ﵃ لو فرض.
стр. 250
انفراده بتعديل أو جرح لما كان أهل العصر يعتبرون انضمام قول آخر إلى قول المعدل أو الجارح وهذا كله [مرتبط] بالثقة كما تقدم فإذا كان قول الواحد يفيد الثقة كفى وإذا كان الجارح الواحد يخرمها أفاد جرحه ردا أو توفقا.
٥٦٣- فأما التعديل والجرح الواقعان ضمنا فلتقع البداية بالتعديل فمما عد في التعديل ضمنا إطلاق الرجل العدل الرواية عن الرجل من غير تعرض له بجرح أو تعديل فهذا مما اختلف في المحدثون والأصوليون:
فذهب ذاهبون إلى أن إطلاق الرواية تعديل ومنع آخرون ذلك والرأي فيه عندي التفصيل فإن ظهر من عادة ذلك الراوي الانكفاف عن الرواية عمن يتغشاه ريب واستبان أنه [لا يروي إلا] عن موثوق به فرواية مثل هذا الشخص تعديل وإن تبين من عادته الرواية عن الثقة والضعيف فليست روايته تعديلا وإن أشكل الأمر فلم يوقف على عادة مطردة لذلك الراوي في الفن الذي أشرنا إليه فلا يحكم بأن روايته تعديل وهذا من أصناف ما يعد تعديلا ضمنا.
٥٦٤- ومما يذكر في هذا القسم عمل الراوي بما رواه مع ظهور إسناده العمل إلى الرواية وقد قال قائلون: إنه تعديل وقال آخرون: ليس بتعديل.
[والذي أرى] فيه أنه إذا ظهر أن مستند فعله ما رواه ولم يكن ذلك من مسالك الاحتياط فإنه تعديل وإن كان ذلك في سبيل الاحتياط لم يقض بكونه تعديلا فإن المتحرج قد يتوقى الشبهات كما يتوقى الجليات وهذا ينعطف أيضا على الثقة واعتبارها.
وهذا نجاز الكلام في هذا الفن.
مسألة:
٥٦٥- قال القاضي أبو بكر ﵁ إذا لم نجد معتصما مقطوعا به في العمل بخبر الواحد قطع برده وإن لم يظهر له قاطع ناص في الرد وبنى ذلك على أن معتمدنا في العمل بأخبار الاحاد قطعا إجماع من قبلنا فحيث لا نجد قاطعا لا نحكم بالعمل إذ لو حكمنا به لكنا بانين القطع بالعمل على غير قاطع وهذا لا سبيل إليه.
стр. 251
وهذا الذي ذكره وإن كان مخيلا فالذي أراه [أنه] يلتحق بالمجتهدات ويتعين على كل مجتهد فيه الجريان على حكم اجتهاده.
والدليل القاطع فيه أنا نعلم أنه كان يقع في عصر أصحاب رسول الله ﷺ أحاديث يقبلها بعض ويتوقف عن قبولها اخرون ثم كان القابلون لها لا يعابون ولا يكثر النكير عليهم من الرادين وكانوا يجرون ذلك مجرى المجتهدات في مظان الاحتمالات فإذا [قطعنا] بوقوع ذلك منهم وإلحاقهم ذلك بمواقع التحري والتوخي فقد صادفنا قاطعا في وجوب العمل بالاجتهاد في مجال الظن وهذا بالغ حسن فإذا جرت أمثال من المجتهدات أحلناها على هذا القانون.
مسألة:
٥٦٦- جرى رسم الأصوليين بعقد مسألة في فن من التعديل والجرح مشتملة على تعديل صحب رسول الله ﷺ وإنما تمس الحاجة إليها في أصول الإمامة [ولكنها] قد تتعلق ببعض مسائل الشرع ففي الفقهاء من طرق مسالك الطعن والغمز إلى أقوام من مشاهير أصحاب رسول الله ﷺ كأبي هريرة١ وابن عمر٢ وغيرهما.
ونحن نذكر نكتا قاطعة يتخذها المرء وزره ومعتضدة إذا عارضه طعان يحاول مغمزا في [رواة] أخبار رسول الله ﷺ من الصحابة.
٥٦٧- فمما نصدر القول به الآيات المشتملة على تقريظهم وإطرائهم وحسن الثناء عليهم كآية أهل البيعة بيعة الرضوان فإنه تعالى قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٣ والآيات الواردة في المجاهدين مع رسول الله ﷺ [كثيرة] واتفق المفسرون على أن قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٤ واردة في أصحاب رسول الله ﷺ فإذا هم معدلون بنصوص الكتاب مزكون بتزكية الله تعالى [إياهم] .
стр. 252
٥٦٨- ومن أقوى ما يعتصم به على الجاحدين المعاندين سيرة رسول الله ﷺ فإنه كان يعرف أهل النفاق بأعيانهم لا يخفى عليه [مضمر] الشقاق بينهم وقد سماهم بأعينهم لصاحب سره ومؤتمنه حذيفة١ بن اليمان وكان ﵇ يبجل أهل الإخلاص منهم وينزلهم منازلهم ويحل كلا على خطره في مجلسه وكانوا ﵃ معدلين بتعديله ﵇ مزكين أبرارا وكان رسول الله ﷺ يعتمدهم في نقل آثاره وأخباره ويسألهم عن أخبار غابت عنه وكانوا عنه ناقلين ومخبرين واشتهر ذلك من سيرته ﷺ فيهم فكان ذلك مسلكا قاطعا في ثبوت عدالتهم بتعديل الرسول ﵇ إياهم عملا وقولا.
٥٦٩- ومما يتمسك به في أبي هريرة٢ ﵁ أن عمر مع تنزهه عن المداراة والمداجاة والمداهنة اعتمده وولاه في زمانه أعمالا جسيمة وخطوبا عظيمة وكان يتولى زمانا على الكوفة وكان يبلغه روايته عن رسول الله ﷺ فلو لم يكن من أهل الرواية لما كان يقرره عمر٣ ﵄ مع العلم بإكثاره.
وقد اجتمع السابقون على الرواية عن هؤلاء وكذلك الأئمة المعتبرون من أهل الحديث قال محمد٤ بن إسماعيل البخاري روى عن أبي هريرة سبعمائة من أولاد المهاجرين والأنصار وأما ابن عمر فلا يتعرض للقدح فيه إلا جسور وقد زكاه جبريل ﵇ إذ قال لرسول صلى الله عليه وسلم٥: "نعم الرجل عبد الله".
فقد ثبت تعديلهم بنصوص الكتاب وسيرة الرسول ﵇ واتفاق الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ﵃ أجمعين ولا احتفال بعد ذلك بمطاعن النابغة الثائرين بعد انقراض الأئمة الماضين.
стр. 253
٥٧٠- فأن قيل: ما تمسكتم به من تعديل الرسول ﵇ إياهم وإكرامه لهم إن سلم لكم فإنه ليس متضمنا نصا بعصمتهم في مستقبل الزمان وقد أحدث بعضهم هنات واقتحموا موبقات يزول بأدناها نعت العدالة واستقامة الحالة وربما اندفعوا في أقاصيص وأحوال جرت في مثار الفتن ولو تتبعناها لطال المغزى والمرام وتعدى الكلام حد الاختصار.
فالوجه المحصل لغرضنا القاطع الشغب عنا أن نقول: لا يتعلق متعلق بشيء يبغى به طعنا إلا وينقدح مثله متطرقا إلى من يعدله الطاعن ويؤدي مساق إلى الطعن في جميع أصحاب رسول الله ﷺ وكل مسلك يفضي إلى تعميم الطعن في جلة أصحاب رسول الله ﷺ فهو مردود من سالكه فهذا وجه مقطوع به عظيم الوقع والخطر.
٥٧١- والذي يعضد ذلك أن من تعلق بشيء من المطاعن في معين من الصحابة فعورض بمثله فيمن يوافق على تعديله فسينتهض الطاعن لحمل ما عورض به على محامل في الجواز وتحسين الظن ويتجه أمثالها وأجلى منها فيمن ذكره وإذا تعارضت الأقوال على نحو واحد وعسر الجمع بينها والقضاء بها ولم يكن بعضها أولى من بعض فالوجه سقوطها والإضراب عنها والاستمساك بما تمهدت به عدالتهم من المسالك المتقدمة.
٥٧٢- وإنما تعدينا طور الاقتصار قليلا لسؤال به اختتام الإشكال وفي جوابه تحقيق الانفصال وهو أن قائلا لو قال غايتكم حملكم ما نقل من هناتهم على وجوه ممكنه في الجواز ولستم قاطعين بها بل وافقتم الطاعنين على أنه لا يجب عصمة غير المرسل ﵇ فإذا ترددت أحوالهم فليقتض ترددها [وقوفا] عن تعديلهم فإن التردد يناقض الحكم البات.
وسبيل الجواب عن هذا أن نقول هذا أولا نزول عن التصريح بالطعن ورضا بأن ينكف عن تعديلهم ففيه ظهور بطلان القطع بالطعن.
على أنا نقول: ما ذكرتموه مدفوع بالإجماع فإن الأمة مجمعة على أنه لا يسوغ الامتناع عن تعديل جميع أصحاب رسول الله ﷺ وما ذكره هذا السائل يوجب التوقف في تعديل كل نفر من الذين لابسوا الفتن وخاضوا المحن ومتضمن هذا الانكفاف عن الرواية عنهم وهذا باطل من دين الأمة وإجماع العلماء فانتهض الإجماع على.
стр. 254
بطلان هذا [الطرف] حجة باتة على بناء الأمر على تحسين الظن وردهم إلى ما تمهد لهم من المآثر بالسبيل السابقة وهذا من نفائس الكلام.
ولعل السبب الذي أتاح الله الإجماع لأجله أن الصحابة هم نقلة الشريعة ولو ثبت توقف في رواياتهم لانحصرت الشريعة على عصر رسول الله ﷺ ولما استرسلت على سائر الأعصار.
стр. 255
فصل: في المراسيل ١ والمسندات وذكر المذاهب فيها وإيضاح المختار منها.
٥٧٣- نصدر هذا الفصل بذكر صور المرسلات ثم ننقل المقالات ونشير إلى عمدة كل فريق ونختتم الكلام بالمرتضي المختار عندنا.
فمن صور المراسيل أن يقول التابعي:٢ قال رسول الله صلى الله عله وسلم فهذا إضافة إلى الرسول ﵇ مع السكوت عن ذكر الناقل عنه٣ وهذا يجري في الرواة بعضهم مع بعض في الأعصار المتأخرة عن عصر رسول الله ﷺ .
وإذا قال واحد من أهل عصر: قال فلان وما لقيه ولا سمى من أخبر عنه فهو ملتحق بما ذكرناه.
ومن الصور أن يقول الراوي: أخبرني رجل عن رسول الله ﷺ أو عن فلان الراوي من غير أن يسميه٤.
ومن الصور أن يقول: أخبرني رجل عدل موثوق به رضا عن فلان أو عن
стр. 256
رسول الله ﵇.
ومن صور المراسيل: إسناد الأخبار إلى كتب رسول الله ﷺ وإنما التحق هذا القسم بالمرسلات من جهة الجهل بناقل الكتب ولو ذكر من يعزو الخبر إلى الكتاب ناقله وحامله التحق الحديث [بالمسندات] فهذه صور المراسيل.
حكم العمل بالمراسيل وقبولها.
٥٧٤- وأبو حنيفة١ قائل بجميعها قابل لها عامل بها والشافعي٢ ﵄ لا يعمل بشيء منها ومتعلق أصحاب أبي حنيفة أن الراوي إذا كان في نفسه عدلا ثقة فروايته محمولة على وجه يقتضي القبول ولو عين من روى عنه وعدله وكان من أهل التعديل لقبل تعديله كما قبلت روايته فإذا أرسل الحديث جازما وأطلق الرواية باتة أشعر بنهاية الثقة.
٥٧٥- وقال بعض أئمة الحديث إذا قال التابعي: قال رسول الله ﷺ كان ذلك أولى من ذكره معينا منهم فإنه لا يحكم بإثبات قول رسول الله ﷺ مع السكوت عن ذكر من نقله إلا مع انتفاض قلبه عن الشبهات وطرق الريب وإذا ذكر معينا فكأنه لا يتقلد صحة الرواية وإنما يكل الأمر إلى الناظرين فيمن روى عنه.
٥٧٦- ومما تمسك به القائلون بالمراسيل أن أخبار أصحاب رسول الله ﷺ مقبولة وإن كان في بعضها إرسال لا سيما أخبار الذين كانوا صبية في عهد رسول الله ﷺ ثم وفرت حظوظهم من العلوم بعد انقلاب رسول الله إلى ﵀ ﷺ كابن عباس٣ وابن الزبير٤ وغيرهما ﵃ ثم كانت أخبارهم مقبولة في الصحابة والتابعين مع القطع بأن معظمها مراسيل ونحن نتتبع ذلك على ما ينبغي عند ذكرنا ما نختاره إن شاء الله تعالى.
٥٧٧- وأما الشافعي ﵁ فإن استدل على رد المراسيل بأن الراوي.
стр. 257
إذا لم يذكر من روى له فهو مجهول في حقوقنا وقبول خبر من نجهله ولا نعرفه مستجمعا للصفات المرعية لا وجه له وربما علم الراوي تعديل من روى الحديث ولو ذكره لغيره لعرف المخبر عنه ما لم يعرفه فإذا الإضراب عن ذكر الراوي يخرم الثقة ويطرق إلى القلوب التردد فإذا سمى الراوي من حدثه وعدله وطرد الناظرون الجرح إن وجدوه واستمر الزمن ولم يعثر على [سبب] جارح فيحصل به الثقة وإذا لم يسم المروى عنه فليست العدالة مقطوعا بها لأن معتمدها أمور ظاهرة وأسباب الجرح أخفى منها والتعديل على الإبهام مع تركه تسمية المعدل لا يتضمن الثقة في حق غير المعدل هذا معتمد الشافعي ويقوى كلامه جدا في بعض الصور كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى.
٥٧٨- وما اعتمده أصحاب أبي حنيفة ﵁ أولا يعارض هذا المسلك فيوهنه.
وما ذكروه من أمر الصحابة ﵃ وإرسالهم الحديث فقد قال القاضي منتصرا للشافعي: ثبوت الاحتجاج بما أطلقه أحداث أصحاب رسول الله ﷺ من الروايات مع ترددها بين الإسناد والإرسال لا يثبت الاحتجاج بما تحقق الإرسال فيه إلا من جهة القياس والأقيسة الظنية المعنوية منها والشبهية يقتضي ما يصح منها على السبر العمل ولا يسوغ استعمالها في القطعيات في النفى والإثبات.
حاصل التمسك بذلك اعتبار ما تحقق فيه الإرسال بما تعارض فيه احتمال الإسناد والإرسال فقد بطل على ما زعم هذا المسلك.
٥٧٩- فإذا وضح اعتبار ما تمسك به النفاة والمثبتون فقد جاز أن نوضح المختار قائلين: وقد ثبت أن المعتمد في الأخبار ظهور الثقة في الظن الغالب فإن انخرمت اقتضى انخرامها التوقف في القبول وهذا الأصل مستندة الإجماع الذي ثبت نقله من طريق المعنى استفاضة وتواترا فإذا سبرنا ما ردوه وما قبلوه يحصل لنا من طريق السبر أنهم لم يرعوا صفات تعبدية كالعدد والحرية وإنما اعتمدوا الثقة المحضة [فلتعتبر هذه قاعدة في الباب] .
ومساقها يقتضي رد بعض وجوه الإرسال وقبول بعضها فإذا قال الراوي سمعت رجلا يقول: قال فلان فليس في هذا المسلك من الرواية ما يقتضي الثقة فالوجه القطع بردها وإن قال سمعت رجلا موثوقا به عدلا رضا يقول سمعت.
стр. 258
فلانا وكان الراوي من يقبل تعديله لعدالته واستقامة حالته وعلمه بالجرح والتعديل ودرايته فهذا يورث الثقة لا محالة.
٥٨٠- وليست الثقة على قضية واحدة بل هي على أنحاء ولها مبتدأ ومنتهى ووسائط بينهما ويبعد أن يشترط في الراوي أن يعرفه كل من يبلغه خبر مسند حتى يسنده إليه وإذا استحال اشتراط هذا لزم على الاضطرار تعديل حال من يلتزم موجب الإخبار على تعديل الأئمة المشهورين وعرفانهم فإذا قال أخبرني الثقة أو من لا أتمارى فيه خيرا ونبلا فقد أفضى ذلك إلى المطلب المقصود في الثقة أو من لا أتمارى فيه خيرا ونبلا فقد أفضى ذلك إلى المطلب المقصود في الثقة وكذلك إذا قال الإمام الراوي قال رسول الله ﷺ فهذا بالغ في ثقته بمن روى له فليطرد الطارد ما ذكرناه طردا وعكسا في صور الإرسال وليحكم في رده وقبوله بموجب الثقة.
٥٨١- ثم مخالفة الشافعي في أصول الفقه شديدة وهو ابن بجدتها وملازم أرومتها ولكني رأيت في كلام الشافعي ما يوافق مسلكي هذا وتقر به الأعين.
قال ﵀: مرسلات ابن المسيب١ حسنة وشبب بقولها والعمل بها وقال في كتاب الرسالة العدل الموثوق به إذا أرسل وعمل بمرسله العاملون قبلته.
وقد تعرض القاضي لتفصح كلام الشافعي في هذا الفصل فقال قوله مراسيل ابن المسيب حسنة لست أدري ما الذي يحسنها؟ وقد بلغت عن هذا الحبر أنه قال في بعض مجموعاته تتبعت مراسيل سعيد فألفيت معظمها مسندا من غير طريقه.
وهذا فيه نظر فإن التمسك بإسناد من أسند وعليه إحالة العمل والقبول لا على المراسيل فأما العمل إن لم يكن على وفاق فلا وقع له وإن كان على وفاق فالتمسك [بالإجماع] فهذا معترضه على الشافعي.
٥٨٢- والذي لاح لي أن الشافعي ليس يرد المراسيل ولكن يبغي فيها مزيد تأكيد بما يغلب على الظن من جهة أن الإرسال على حال يجر ضربا من الجهالة في المسكوت عنه فرأى الشافعي [أن يؤكد الثقة] فليثق الناظر بهذا المسلك الذي ذكرته فعلى الخبير سقط وقد عثرت من كلام الشافعي على أنه إن لم يجد إلا المراسيل مع
стр. 259
الاقتران بالتعديل على الإجمال فإنه يعمل به فكأن إضرابه [عن] المراسيل في حكم تقديم المسانيد عليها وهذا إذا اقترن المرسل بما يقتضي الثقة وهذا منتهى القول في ذلك والله أعلم.
٥٨٣- وقد سمى الأستاذ أبو بكر بن فورك ﵀ قول التابعي قال رسول الله ﵇ وقول تابع التابعي: قال الصحابي - منقطعا وسمى ذكر الواسطة على الإجمال مرسلا مثل أن يقول التابعي قال رجل: قال رسول الله ﷺ وفي كلام الشافعي إشارة إلى هذا وليس ذلك متعلقا بفرق معنوي وإنما هو ذكر ألقاب في الباب ذكرناها حتى يطلع الناظر عليها إذا وجدها في كلام الأئمة والقول في الرد والقبول على ما تفصل وتحصل.
стр. 260
فصل: في تحمل الرواية وجهة تلقيها ومن يصح منه تحملها .
٥٨٤- فنقول: إذا روى الشيخ الذي منه التلقي شفاها ونطق بما سمعه لفظا ووعاه السامع وحواه فهذا هو التحمل والتحميل.
٥٨٥- ولو كان الحديث يقرأ والشيخ يسمع نظر: فإن كان يحيط بما يحرفه القارئ ولو فرض منه تصريف وتحريف لرده فسكوته والأخبار التي تقرأ بمثابة نطقه والحديث يستند بذلك فإن قيل: هذا تنزيل منكم للسكوت منزلة القول وهذا من خصائص من يجب له العصمة قلنا: إخباره تصريحا ونطقا كان تحميلا للرواية من جهة أنه أفهم بما أسمع السامع من عباراته.
فإذا كان الحديث يقرأ وهو يقرر ولا يأبى مع استمرار العادات في أمثال ذلك فهذا على الضرورة حال محل التصريح بتصديق القارئ ومن لم يفهم من.
هذه القرائن ما ذكرناه فلا يفهم أيضا من الإخبار النطقي.
وأما ما ذكره السائل من أن السكوت [إنما ينزل منزلة التقرير ممن يجب عصمته فيقال: السكوت مع القرائن التي وصفناها] ينزل منزلة النطق ثم النطق ممن لا يعصم عرضة للزلل أيضا ولكنا تعبدنا بالعمل بظواهر الظنون مع العلم بتعرض النقلة لإمكان الزلل وتعمد الخلف والكذب ثم ما ذكرناه يتأيد بإجماع أهل الصناعة فما زالوا يكتفون بما وصفناه في تلقى الأحاديث من المشايخ وهذا إذا كان الشيخ يدري ما يجري.
стр. 261
ويلتحق بهذا القسم أن يكون عنده للأحاديث التي تقرأ عليه نسخة مهذبة وكان ينظر فيها فهذا ثبت يكتفي [بمثله] ولا يشترط استقلال الشيخ بحفظ الأحاديث عن ظهر قلبه.
٥٨٦- وإذا كان لا يحيط بها وكان لا ينظر في نسخة يعتمدها ولو فرض التدليس عليه لما شعر فإذا قرئ عليه على هذه الصفة شيء من مسموعاته فهذا باطل قطعا فإن التحمل مرتب على التحميل فإذا لم يحمل الشيخ السامع الرواية فكيف يحملها وأي فرق بين شيخ يسمع أصواتا وأجراسا لا يأمن تدليسا والتباسا وبين شيخ لا يسمع ما يقرأ عليه؟ والغرض المطلوب الفهم والإفهام.
وتردد جواب القاضي فيه إذا كانت النسخة بيد غير الشيخ وكانت الأحاديث تقرأ وذلك الناظر عدل مؤتمن لا يألو جهدا في التأمل وصغوه [الأظهر] إلى أن ذلك لا يصح فإن الشيخ ليس على دراية فيه فلم ينهض مفهما محملا فلئن جاز الاكتفاء بنظر الغير فينبغي أن يجوز الاكتفاء بقراءة القارىء المعتمد من النسخة المصححة فهذا ما يتعلق بالتحمل وفيه بيان الغرض من التحميل.
٥٨٧- ثم المرعى في صفة [المتحمل] الاستمكان من الفهم والتحمل والمعتبر في صفته هو المعتبر في صفة متحمل الشهادة ثم إذا نجزت النوبة والشيخ على خبرة مما يجرى فلا حاجة أن يقول الشيخ للقارئ: كما قرأت أو أصبت أو ما جرى هذا المجرى من الألفاظ وقد اشترط بعض المحدثين ذلك فإن كان هذا مذكورا للتأكيد والاستقصاء فالأمر فيه قريب وإن ذكر هؤلاء ذلك شرطا في صحة التحمل [والتحميل] فهو ساقط عند قرائن الأحوال كما تقدم وصفها حالة محل التصريح بالقول قطعا والتعويل على وقوع الإفهام والفهم وتحقق الإحاطة والعلم ووضوح ذلك يغنى الناظر عن مزيد البيان.
مسألة:
٥٨٨- إذا قال الشيخ المتلقى عنه: أجزتك أن تروى عني ما صح عندك من مسموعاتي أو عين كتابا وأجاز له الرواية عنه فقد تردد الأصوليون في ذلك.
فذهب ذاهبون إلى أنه لا يتلقى بالإجازة حكم ولا يسوغ التعويل عليها عملا ورواية.
стр. 262
٥٨٩- والذي نختاره جواز التعويل عليها فإن المعتمد في الباب الثقة فإذا تحقق سماع الشيخ وذكر المتلقى منه سماعه وسوغ له إسناد مسموعاته إلى إخباره فلا فرق بين أن يعلق الإخبار بها جملة وبين أن يعلقه تفصيلا وقد تمهد بما تقدم أن إفصاحه بالنطق ليس شرطا فإن الغرض حصول الإفهام وترتب الفهم عليه وهذا يحصل بالإجازة المفهمة.
ثم هي على مراتب:
أعلاها: الإشارة إلى كتاب وربطه إجازة الرواية مع الإخبار عن صحة السماع فيه وقد يؤكد بعض المحدثين هذا القسم بالمناولة وهي أن يناول الشيخ المتلقى عنه كتابا ويقول: دونكه فاروه عني ولست أرى في المناولة مزيد تأكيد.
فإذا فوض المجيز إلى المتلقى تصحيح المسموعات ولم ينص عليها فهذه إجازة مترتبة على عماية والأمر في تصحيحها موكول إلى صحة بحث الراوي عن ثبوت سماع الشيخ مع انتفاض الشيخ عن التحريفات وهذا يعسر دركه ويتطرق إليه جهات من الجهالات تنخرم الثقة بأدناها.
فإن كان المتلقى معولا على خطوط مشتملة على سماع الشيخ فلست أرى ذلك مقنعا.
وإن تحقق ظهور سماع موثوق به فإذ ذاك وهيهات.
٥٩٠- ومما يتعلق بتتميم الكلام في هذا أن الذي مستندة الإجازة يعمل بما يتلقاه ويعمل غيره بما رواه على هذه الجهة ولكن [اللائق به أن يذكر جهة] تلقيه الإجازة فإن ذلك أدفع للبس وأرفع للريب فإن قال: "حدثني" فلان أو أخبرني مطلقا فلست أرى ذلك خلفا محضا لتحقق الثقة وقد تقدم أن نفس لفظ الشيخ ليس شرطا وليس قوله حدثني في الإجازة عبارة مرضية لائقة بالتحفظ والتصون فالوجه البوح بالإجازة.
وللمحدثين مواضعات يرتبونها ويقولون في بعضها: أخبرني وفي بعضها: حدثني وليست على حقائق وليسوا ممنوعين من اصطلاحهم ولكل طائفة في الفن الذي تعاطوه عبارات مصطلحة.
стр. 263
مسألة:
٥٩١- إذا وجد الناظر حديثا مسندا في كتاب مصحح ولم يسترب في ثبوته [واستبان] انتفاء اللبس والريب عنه ولم يسمع الكتاب من شيخ فهذا رجل لا يروى ما رآه.
٥٩٢- ولكن الذي أراه أنه يتعين عليه العمل به ولا يتوقف وجوب العمل على المجتهدين بموجبات الأخبار على أن تنتظم لهم الأسانيد في جميعها.
والمعتمد في ذلك أن روجعنا فيه [الثقة] والشاهد له أن الذين كانوا يرد عليهم كتاب رسول الله ﷺ على أيدي نقلة ثقات كان يتعين عليهم الانتهاء إليها والعمل بموجبها ومن بلغه ذلك الكتاب ولم يكن مخاطبا بمضمونه ولم يسمع من مسمع كان كالذين قصدوا بمضمون الكتاب ومقصود الخطاب.
ولو قال هذا الرجل: رأيت في صحيح محمد بن إسماعيل البخاري ووثقت باشتمال الكتاب عليه فعلى الذي سمعه يذكر ذلك أن يثق به ويلحقه بما تلقاه بنفسه ورآه ورواه من الشيخ المسمع.
ولو عرض ما ذكرناه على جملة المحدثين لأبوه فإن فيه سقوط [منصب] الرواية عند ظهور الثقة وصحة الراوية وهم عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول.
٥٩٣- وإذا نظر الناظر في تفاصيل هذه المسائل صادفها خارجة في الرد والقبول على ظهور الثقة وانخرامها وهذا هو المعتمد الأصولي فإذا صادفناه لزمناه وتركنا وراءه المحدثين ينقطعون في وضع ألقاب وترتيب أبواب.
مسألة:
٥٩٤- إذا قال الصحابي: من السنة كذا١ فقد تردد فيه العلماء فذهب ذاهبون
стр. 264
إلى أن قوله: هذا محمول على النقل عن رسول الله ﷺ كأنه قال: قال رسول الله ﷺ كذا فإن السنة إذا أطلقت تشعر بحديث الرسول ﵇.
وأبي المحققون هذا فإن السنة هي الطريقة وهي مأخوذة من السنن والاستنان فلا يمتنع أن يحمل ما قاله على الفتوى وكل مفت ينسب فتواه إلى شريعة رسول الله ﷺ ثم مستند الفتوى قد يكون نقلا وقد يكون استنباطا واجتهادا فالحكم بالرواية مع التردد لا أصل له.
وكذلك إذا قال: أمرنا بكذا١ فهو بمثابة قوله: من السنة كذا فهذا منتهى القول في التحميل والتحمل ويلتحق الآن بذلك مسائل.
مسألة:
٥٩٥- إذا نقل الراوي العدل خبرا من شيخ فروجع الشيخ فيه فأنكره.
فالذي ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وطوائف من المحدثين: أن ذلك يوهى الحديث ويمنع العمل به.
وأطلق الشافعي القول بقبول الحديث وإيجاب العمل به.
وذكر القاضي في ذلك تفصيلا ونزل مطلق كلام الشافعي ﵀ عليه فقال: إن قال الشيخ المرجوع إليه: كذب فلان الراوي عني أو قال: غلط وما رويت له قط ما ذكر فإذا جزم الرد عليه أوجب ذلك سقوط تلك الرواية٢ فإن ردد الشيخ قوله ولم يثبت الرد على الراوي عنه ولكنه قال لست أذكر هذه الرواية فهذا لا يتضمن ردا رواية إذا كان الراوي عن الشيخ موثوقا به.
٥٩٦- فأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم احتجوا بالشهادة على الشهادة فإن الفروع وإن كانوا عدولا إذا شهدوا ولم يمض القاضي قضاءه بشهادتهم حتى
стр. 265
روجع الأصول فتوقفوا في أصل الشهادة اقتضى ذلك أبطال شهادة الفروع وامتنع أيضا التمسك بها والفروع في حكم الناقل عن الأصل شهادته وربما أطلقوا استدلالا وقالوا قد ذكرتم أن التعويل على ظهور الثقة ولا شك أن التردد من الشيخ أو تصريحه بالرد على الراوي عنه يوهى الثقة ويخرمها ويتضمن التوقف.
٥٩٧- وقال الشافعي: أما الشهادة فلا يجوز اعتبار الرواية بها لا فيها من التعبدات التي لا يعتبر شيء منها في الروايات فإذا أمكن حمل ما ذكروه في الشهادة على وجه في التعبد فلا يسوغ اعتبار الرواية بها وإن اتجه للخصم تقدير انخرام الثقة استغنى باتجاه ذلك عن القياس على الشهادة ثم قال الشافعي ﵀ الذي يؤكد سقوط اعتبار الرواية بالشهادة أنه لا يجوز اعتماد شهادة الفروع مع إمكان مراجعة الأصول ويجوز اعتماد رواية الثقة من غير مراجعة لشيخه فيها فوضح بذلك افتراق البابين في غر ما دفعنا إليه ولو شبب مشبب بوجوب مراجعة الشيخ في الرواية عند الإمكان لم يترك [ورأيه] ورد عليه بقاطع لا استرابة فيه وهو أنا نعلم أن الصحابة ﵃ كان يروى بعضهم لبعض أحاديث عن النبي ﷺ فيتلقونها بالقبول ولا يلتزمون على الطرد مراجعة رسول الله ﷺ مع الإمكان وكذلك القول في رواية بعضهم عن البعض وهذا الذي ذكره الشافعي تأكيد متغنى عنه والتعويل على ما ذكرناه من حمل أمر الشهادة على التعبد وإمكان ذلك كاف في إبطال الاستدلال به و [أما] ما ذكروه من ادعاء وهاء الثقة فباطل لا أصل له والقول فيه عندنا يحققه التفصيل الذي أشار إليه القاضي.
٥٩٨- فإن قال الشيخ: لست أذكر هذه الرواية والراوي عنه قاطع بروايته مع ظهور عدالته واستقامة حالته فالوجه حمل تردد الشيخ على الذهول والنسيان ولا يوهن قطع الذاكر تردد غيره فالثقة إذا لم تسقط ولا تنحزم انخراما يسقط الاعتبار بالرواية ولكن لو فرض تصديق الشيخ الراوي لدى المراجعة لكان ذلك أظهر في الثقة وأوضح في اقتضاء الاعتماد ونهاية الثقة ليست شرطا في أصل القبول وإنما يؤثر تفاوت الدرجات فيها في الترجيحات على ما سيأتي في كتابها وهذا بمثابة إضافة رواية رجل عدل إلى رواية إمام الدهر وموثوق العصر ومن إليه الرجوع في الأمر فلا شك أن رواية العدل تنحط عن مثل هذا الشخص برتب ظاهرة ولا يوجب ذلك رد رواية العدل بل يتعين حملها على القبول.
وقد قال الشافعي: لو روى عدل خبرا في أثناء خصومة وكان فحواها حجة.
стр. 266
على الخصم فالرواية مقبولة ولا تجعل للتهمة موضعا إذا كان الراوي عدلا وكذلك إذا وقعت الرواية جارة منفعة إلى الراوي أو إلى [والده أو] ولده فلا ترد الرواية مع ظهور عدالة الراوي وإن كانت الشهادة مردودة في أمثال ذلك فإذا لا يعارض تردد من شيخ قطعا من راو عدل معارضة تحبط الثقة المعتبرة.
٥٩٩- وهذا إذا لم يصرح الشيخ بالرد فأما إذا كذبه أو قطع بنسيته إلى الغلط فقد يظهر انخرام الثقة في هذه الحالة وادعى القاضي على الشافعي أنه قال ترد الرواية في مثل هذه الصورة.
والذي أختاره فيها أن نزل قول الشيخ القاطع بتكذيب الراوي عنه مع [رواية الثقة العدل عنه منزلة] خبرين متعارضين على التناقض فإذا اتفق ذلك فقد يقتضي الحال سقوط الاحتجاج بالروايتين وقد يقتضي ترجيح رواية على رواية بمزيد العدالة في إحدى الروايتين أو غير ذلك من وجوه الترجيح فلا فرق بين ذلك وبين تعارض قولين من شيخ وراو عنه.
стр. 267
فصل: في كيفية الرواية وتفصيلها وما يقبل منها وما يرد .
مسألة:
٦٠٠- ما ذهب إليه معظم الأصوليين أن رواية الخبر على المعنى من غير اعتناء باللفظ جائزة إذا كان الراوي المترجم عنه قاطعا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه وامتنع من ذلك معظم المحدثين وشرذمة من الأصوليين.
٦٠١- والدليل على الجواز مع القطع وانتفاء الريب أمور:.
منها أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينقلون معنى واحدا في قصة واحدة بألفاظ مختلفة ولا محمل لذلك إلا اعتناؤهم بنقل المعنى وها قاطع في فنه ومما تواتر عنهم في ذلك أنهم كانوا يرددون العبارات في محاولة إفهام من لا يفهم وهذا بعينه تعرض للمعنى ومما يشهد له في ذلك أن الرسول ﵇ كان يحمل رسله تبليغ أوامره ونواهيه ولا يكلفهم حفظ ألفاظه ومن جحد ذلك فهو مباهت فكان أصحابه ﵃ يصرفون عنايتهم إلى الألفاظ التي يفهمون أنهم متعبدون بتحفظها كألفاظ التشهد وغيرها وكانوا لا يجرون جميع ما يسمعون من أوامر رسول الله ﷺ هذا المجرى.
والذي يحقق ذلك أنا على قطع نعلم أن الرسول ﵇ كان يقصد أن.
стр. 268
تمتثل أوامره وكان لا يبغى من ألفاظه غير ذلك.
والذي يوضح ما قدمناه أنه ﵇ كان مبتعثا إلى العرب والعجم ولا يتأتى إيصال معنى أوامره إلى معظم خليقة الله إلا بالترجمة ومن أحاط بمواقع الكلام عرف أن إحلال الألفاظ من ثقة محل الألفاظ أقرب إلى الاقتصاد من نقل المعاني من لغة إلى لغة.
فإن استدل من منع ذلك بما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال١: "نضر الله امرا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها", قلنا: هذا أولا من أخبار الاحاد ونحن نحاول الخوض في مخاض القطعيات وقد قال بعض المحققين من أدَّى المعنى على وجهه فقد وعى وأدى والتأويل الصحيح لو رمنا الكلام على الحديث أنه ﷺ أراد بذلك من لا يستقل بفهم المعنى على القطع وتتميم الحديث شاهد فيه فإنه عليه لسلام قال في آخره: "فرب حامل فقه غير فقيه [ورب] حامل فقه إلى من هو أفقه منه", فيشهد مساق الكلام على أن ما قاله فيه إذا كان يتوقع من الناقل زللا ولو ترجم.
مسألة:
٦٠٢- من سمع حديثا مشتملا على أحكام فهل له أن ينقل بعضها دون بعض بقدر مسيس الحاجة ولا يسوق الحديث على وجهه؟ اختلف العلماء في ذلك فمنع بعضهم الاقتصار على بعض الحديث وهذا قريب من التزام نقل اللفظ على وجهه وأجاز ذلك اخرون.
٦٠٣- والمرضى [عندنا] التفصيل فإن كان ما سكت الراوي عنه حكما يتميز عما نقله ولم يكن للمسكوت عنه تعلق بالمنقول وكان لا يختل البيان في المروى بترك بعض الحديث فيجوز تخصيص البعض بالنقل على هذا الشرط وإن كان يختل البيان في القدر المنقول بسبب ترك المسكوت عنه فهذا إخلال في النقل ممتنع.
٦٠٤- وقد تردد كلام الشافعي على خبرين ونحن نذكر سياق كلامه فيهما وبه يتم غرض المسألة قال الشافعي ﵀: نقل بعض النقلة عن ابن مسعود٢:
стр. 269
أنه أتى رسول الله ﷺ بحجرين وروثة ليستنجي بها فرمى رسول الله ﷺ الروثة [وقال: "إنها رجس" ١ وروى بعض الرواة أنه رمى بالروثة] ثم قال ابغ لي ثالثا والسكون عن ذكر الثالث ليس يخل بنقل الرواية وبيان [أنها] رجس ولكن قد يوهم النقل على هذا الوجه جواز الاكتفاء بحجرين فلا يجوز مع هذا الإيهام الاقتصار على بعض الحديث ويحمل رواية المقتصر على أنه لم يبلغه غير ما رواه.
- ٦٠٥والذي أختاره في هذا المسلك أن الراوي إن قصد إثبات منع استعمال الروث ونقل ما يدل على ذلك من رمى رسول الله ﷺ الروثة وحكمه بأنها نجسة فهذا سائغ غير بعيد وإن لم يعلق روايته بقصده منع استعمال الروثة ولكنه استفتح الرواية غير متعلقة بغرض معين فلا يسوغ الاقتصار على ذكر رمى الروثة فإن ذلك يوهم جواز الاكتفاء بحجرين كما ذكر الشافعي [فهذا أحد الخبرين] .
٦٠٦- والخبر الثاني في هذا القبيل: حديث ماعز٢ في الرجم في مقابلة ما روى أن رسول الله ﷺ قال٣: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
قال الشافعي ﵀: هذا منسوخ بحديث ماعز فإن رسول الله ﷺ أمر برجمه ولم ينقل أنه جلده ثم استوفى الشافعي الكلام في صيغة الأجوبة عن أسئلة وجهها على ما نسوقها على وجهها قال فإن قيل لعله جلده ورجمه قيل له كانت قصة مشهورة من مشاهير القصص ولو جلد لنقل.
فإن قيل: رب تفصيل في القصة لا يتفق نقله ودواعي النفوس إنما تتوفر على نقل كليات الأقاصيص وقد صح في الحديث المقدم التصريح بالجلد فلا يعارضه التعلق بعدم النقل في حديث مع اتجاه وجه ترك النقل فيه.
стр. 270
قال الشافعي مجيبا: الأمر كذلك والحق أحق أن يتبع ولولا أن أبا الزبير١ روى عن جابر:٢ أن رسول الله ﷺ رجم ماعزا ولم يجلده٣ لكنا [لا] نعارض الحديث الأول بقصة ماعز.
٦٠٧- قال القاضي: ما ذكره الشافعي يتأكد بالإجماع على ترك الجلد وليس ما ذكره القاضي مسلما ففي السلف من يجمع بين الجلد والرجم ولولا ذلك لما اعتني الشافعي بالكلام على الحديث ثم قال القاضي: وما أرى الحديث الأول إلا هفوة فإن من يقتل الأحجار أي معنى لجلده مائة وهو يدق بالأحجار إلى الموت؟ فلعل الراوي سمع الجلد في البكر فاطرد على ذكره في الثيب ولا نهاية لمواقع إمكان الغلطات في الروايات.
وهذا الذي ذكره القاضي لا يسوغ التعلق بمثله في رد روايات الثقات ولكن تقوى به مسالك التأويل وتظهر غلبات الظنون وهذا منتهى القول في ذلك.
مسألة:
٦٠٨- إذا روى طائفة من الأثبات قصة وانفرد واحد منهم بنقل زيادة فيها فالزيادة من الراوي الموثوق به مقبولة عند الشافعي وكافة المحققين ومنع أبو حنيفة التعلق بها.
واستدل الشافعي بأن انفراد بعض الناقلين بالاطلاع على مزيد ليس بدعا والناقل قاطع بالنقل فلا يعارض قطعه ذهول غيره وإذا ظهرت عدالة الراوي ولم يعارض نقله نقل يعارضه فلا يسوغ [اتهام] مثبت في نقله لعدم نقل غيره والدليل عليه أنه لو شهد جمع مجلس الرسول ﵇ فنقل بعضهم حديثا ولم ينقل غيره من الحاضرين شيئا منه فهو مقبول ولا يسوغ تقدير الخلاف فيه فإن معظم الأحاديث التي نقلها الاحاد والأفراد عزوها إلى مشاهد لرسول الله ﷺ ومجالسه بين
стр. 271
أصحابه كان [كذلك] ولو شرط نقل كل من شهد لرد معظم الأحاديث.
والذي يعضد ما ذكرناه أن [الشهادات] تبر في وجوه من التعبدات على الراويات وهي تضاهيها في أصل اعتبار الثقة ثم لو شهد جمع من العدول رجلا وشهدوا على إقراره لإنسان وانفرد عدلان من الشهود الحضور بمزيد في شهادتهما فهي مقبولة ولا يقدح فيها سكوت الباقين عنها فإذا كان ذلك لا يقدح في الشهادات مع أنها قد ترد بالتهم فالروايات بذلك أولى وليس ما ذكرناه من فن القياس ولكنا أوردنا ما أوردناه استشهادا في تحقيق الثقة.
٦٠٩- قال الشافعي: من متناقض القول الجمع بين قبول رواية القراءة الشاذة في [القرآن] وبين رد الزيادة التي ينفرد بعض الرواة الثقات مع العلم بأن سبيل إثبات القرآن أن ينقل استفاضة وتواترا فما كان أصله كذلك إذا قبلت الزيادة فيه شاذة نادرة فلأن تقبل فيما سبيل نقله الاحاد كان أولى.
٦١٠- وهذه المسألة عندي بينة إذا سكت الحاضرون عن نقل ما تفرد به بعضهم فأما إذا صرحوا بنفى ما نقله عند إمكان إطلاعهم على نقله فهذا يعارض قول المثبت ويوهيه وقد أرى قبول الشهادة على النفي إن فرض الاطلاع عليه تحقيقا.
مسألة.
٦١١- كل أمر خطير ذي١ بال يقتضي العرف نقله إذا وقع تواترا إذا نقله آحاد فهم يكذبون فيه منسوبون إلى تعمد الكذب أو الزلل وقد أجرينا هذا في أدراج أحكام التواتر ووجهنا أسئلة مخيلة وانفصلنا عنها.
وقال أبو حنيفة بانيا على هذا: لا يقبل خبر الواحد فيما يعم٢ به البلوي فإن سبيل ما كان كذلك أن ينقل استفاضة.
٦١٢- ونحن نقول: رد أبو حنيفة أخبار الاحاد في تفاصيل ما يعم به البلوي وأسند مذهبه إلى ذلك وهذا زلل بين فإن التفاصيل لا تتوافر الدواعي بها على نقلها توافرها على الكليات فنقل الصلوات الخمس مما يتواتر فأما تفصيلها في الكيفية فلا يقضي العرف بالاستفاضة والدليل القاطع فيه أنه لو كان مما يتواتر لنقل
стр. 272
تواترا فإذا لم ينقل نقيضه مع القطع بأنه لا بد من وقوع أحدهما [دل] على أن ما ورد خبر الاحاد فيهمن قبيل ما لا يجب التواتر فيه على حكم الاعتياد.
وتمام البيان فيه أنا إنما نكذب المنفرد بالنقل في كلى متواتر قطعا لو وقع أو في تفصيل يقضي العرف التواتر فيه ثم لا بد أن يتواتر نقيض ما نقله المنفرد بنقله.
مسألة.
٦١٣- ظاهر مذهب الشافعي أن القراءة الشاذة التي لم تنقل تواترا لا يسوغ الاحتجاج بها ولا تنزل منزلة الخبر الذي ينقله آحاد من الثقات ولهذا نفى التتابع واشتراطه في صيام الأيام الثلاثة في كفارة اليمين ولم ير الاحتجاج بما نقله الناقلون من قراءة ابن مسعود في قول الله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ١ متتابعات.
وشرط أبو حنيفة التتابع وتعلق بهذه القراءة ولا يكاد يخفى أولا على ذي بصيرة أن العمل بزيادة في القرآن بنقل الاحاد يناقض رد ما ينفرد به بعض الثقات من الزيادات في الأخبار التي لا تقتضي العادة نقلها متواترا.
٦١٤- والذي يحقق سقوط الاحتجاج بالقراءة الشاذة أمران أحدهما أن القرآن قاعدة الإسلام وقطب الشريعة وإليه رجوع جميع الأصول ولا أمر في الدين أعظم منه وكل ما يجل خطره ويعظم وقعه لا سيما من الأمور الدينية فأصحاب الأديان يتناهون في نقله وحفظه ولا يسوغ في اطراد الاعتياد رجوع الأمر إلى نقل الاحاد ما دامت الدواعي متوفرة والنفوس إلى ضبط الدين متشوفة وهذا يستند إلى ما سبق تمهيده فيما يقتضي تواتر الأخبار فهذا وجه.
والوجه الثاني: أن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعوا في زمن أمير المؤمنين عثمان٢ بن عفان ﵁ على ما بين الدفتين واطرحوا ما عداه وكان ذلك عن اتفاق منهم وابن مسعود لما شبب بنكر ناله من خليفة الله تعالى أدب بين ولم ينكر على عثمان في ذلك منكر وكل زيادة لا تحويها الأم ولا تشمل عليها الدفتان فهي غير معدودة في القرآن.
стр. 273
٦١٥- وأما ما يتعلق باختلاف القراءة في إعراب القرآن فليس مما يحوي المصحف المجمع عليه مخالفة له فإنه لم يثبت في المجموع في الأم قطع في التعرض لذلك فكان الأمر فيه محالا على نقل القراءة تواترا فإن خالج قلب من لم يعن بحفظ القرآن ريب في تواترها فذلك لأنه ليس من القراء والمرعى في التواتر ما يتلقى من أهل ذلك الشأن والتواتر ينقسم منه ما يعم الكافة لاشتراكهم في سببه كنقل الدول والبلدان ومنه ما يختص به طوائف وفرق لاختصاصهم بالاعتناء به.
٦١٦- ولا ينبغي أن ينسبنا الناظر والمنتهى إلى هذا المقام إلى تقصير فيما يتعلق بمحل الإشكال في نقل القرآن العظيم فإنه قطب عظيم لم يشف القاضي فيه الغليل١ في كتاب "الانتصار" وإن عد ذلك من أجل مصنفاته وفي نفسي أن أجمع من ذلك ما تقر به الأعين إن شاء الله تعالى وحظ هذه المسألة مما ذكرنا أن نقل الآحاد في القرآن يلتحق بنقل الاحاد فيما يقتضي العادة في التواتر وهذا كاف.
وقد نجزت مسائل الأخبار.
стр. 274
الكتاب الثاني: كتاب الإجماع
مدخل
ثلاثة مسائل في الإجماع - المسألة الأولى: في تصور الإجماع وقوعا
...
الكتاب الثاني: كتاب الإجماع.
٦١٧- أصدر هذا الكتاب مستعينا بالله تعالى بثلاث مسائل ثم نخوض بعد نجازها في ترتيب الكتاب تأصيلا وتفصيلا.
إحدى المسائل الثلاث: في تصور الإجماع وقوعا والأخرى في [كونه] حجة وذكر الخلاف [فيه] والأخرى في المسالك الدالة على كون الإجماع حجة.
مسألة:
٦١٨- ذهب طوائف من الناس إلى أن الإجماع لا يتصور وقوعه واشتد كلام القاضي ونكيره على هؤلاء وتعدى حد الإنصاف قليلا.
ونحن نسلك [مسلكنا] في استيعاب ما لكل فريق حتى إذا لاحت نهايات النفي والإثبات وضح منها مدرك الحق.
٦١٩- فأما الذين منعوا تصور الإجماع فإنهم قالوا قد اتسعت خطة الإسلام ووقعته وعلماء الشريعة متباعدون في الأمصار ومعظم البلاد المتباينة لا تتواصل الأخبار فيها وإنما يندرج المندرج من طرف إلى طرف بسفيرات ورفيقات ولا يتفق انتهاض رفقة ومدها مدة واحدة من الشرق إلى الغرب فكيف يتصور والحالة هذه رفع مسألة إلى جميع علماء العالم ثم كيف يفرض اتفاق آرائهم فيها مع تفاوت الفطن والقرائح وتباين المذاهب والمطالب وأخذ كل جيل صوبا في أساليب الظنون فتصور اجتماعهم في الحكم الظنون بمثابة تصور اجتماع العالمين في صبيحة يوم على قيام أو قعود أو أكل مأكول ومثل ذلك غير ممكن في اطراد العادة نعم إن انخرقت لنبي أو ولى على رأى من يثبت الكرامات [فنعم] وبالجملة لا يتصور الإجماع مع اطراد العادة فهذا قول هؤلاء ثم زادوا إيهاما آخر فقالوا لو فرض الإجماع فكيف يتصور النقل عنه تواترا والحكم في المسألة الواحدة ليس مما.
стр. 275
تتوفر الدواعي على نقله.
فقد أسندوا كلامهم إلى ثلاث جهات مترتبات في العسر أولها: تعذر عرض مسألة واحدة على الكافة والأخرى عسر اتفاقهم والحكم مظنون والثالثة تعذر النقل تواترا عنهم واختتموا هذه بأن قالوا لو ذهب ذاهب من العلماء إلى مذهب فما الذي يؤمن من بقائه عليه وإصراره على مذهبه إلى أن يطبق النقل طبق الأرض فهذه عين كلام هؤلاء.
٦٢٠- قال القاضي معترضا عليهم متتبعا مسالكهم: نحن نرى إطباق جيل من الفار يربى عددهم على عدد المسلمين وهم متفقون على ضلالة يدرك بأدنى فكر بطلانها فإذا لم يمتنع إجماع أهل الدين على الإحاطة بذلك منهم وإن أردنا فرض ذلك في الفروع فنحن نعلم إجماع علماء أصحاب الشافعي على مذهبه في المسائل مع تباعد الديار وتنائي المزار وانقطاع الأسفار فبطل ما زخرفه هؤلاء.
ثم قال القاضي: لا يمتنع تصور ملك تنفذ عزائمه في خطة أهل الإسلام إما باحتوائه على البيضة أو بعلو قدره واستمكانه من إحضار من يشاء من المماليك بجوازم أوامره المنفذة إلى ملوك الأطراف وإذا كان ذلك ممكنا فلا يمتنع أن يجمع مثل هذا الملك علماء العالم في مجلس واحد ثم يلقى عليهم ما عن له من المسائل ويقف على خلافهم ووفاقهم فهذا وجه في التصوير بين لا يتوقف تصوره على فرض خرق العادة فهذا منتهى كلامه.
٦٢١- ونحن نفصل الآن القول في ذلك قائلين: لا يمتنع الإجماع عند ظهور دواع مستحثه عليه داعية إليه ومن هذا القبيل كل أمر كلى يتعلق بقواعد العقائد في الملل فإن على القلوب روابط في أمثالها حتى كأن نواصي العقلاء تحت ربقة الأمور العظيمة الدينية ومن هذا القبيل ما استشهد به القاضي من اجتماع جموع الكفار على ما وقتوه من دينهم ومنه اجتماع أتباع إمام على مذهبه فإن كل من رأسه الزمان يصرف إليه قلوب الأتباع وبذلك يتصل النظام وهذا مستبين في الجلي والخفي.
[وما] صوره القاضي من إحضار جميع العلماء ليس منكرا فقد تكون أطراف المماليك في حق الملك العظيم كأنها بمرأى منه ومسمع فلا يبعد ما قاله على ما صوره.
стр. 276
٦٢٢- وأما فرض اجتماع على حكم مظنون في مسألة فردة ليست من كليات الدين مع تفرق العلماء واستقرارهم في أماكنهم ونتفاء داعية تقتضي جمعهم فهذا لا يتصور مع اطراد العادة فإذا من أطلق التصور أو عدم التصور فهو زلل والكلام المفصل إذا أطلق نفيه أو إثباته كان خلفا ومن ظن أن تصور الإجماع وقوعا في زماننا في آحاد المسائل المظنونة مع انتفاء الدواعي الجامعة هين فليس على بصيرة من أمره نعم معظم مسائل الإجماع جرى من صحب رسول الله ﷺ وهم مجتمعون أو متقاربون فهذا منتهى الغرض في تصوير الإجماع.
стр. 277
المسألة الثانية: في كونه حجة إذا وقع .
٦٢٣- ما ذهب إليه الفرق المعتبرون من أهل المذاهب أن الإجماع في السمعيات حجة وأول من باح بردة النظام ثم [تابعه] طوائف من الروافض وقد يطلق بعضهم كون الإجماع حجة وهو في ذلك ملبس فإن الحجة عنده في قول الإمام القائم صاحب الزمان وهو منغمس في غمار الناس فإذا استفر الإجماع كان قوله من جملة الأقوال فهو الحجة وبه التمسك.
٦٢٤- وعمدة نفاة الإجماع أن العقول لا تدل على كون الإجماع حجة وليس يمتنع في مقدور الله تعالى أن يجمع أقوام لا يعصم آحادهم عن الخطأ على نقيض الصواب فإذا ليس في العقل متعلق في انتصاب الإجماع حجة فلم يبق إلا تتبع الأدلة السمعية وتعيين انتفاء القاطع فيها والقاطع نص الكتاب أو نص السنة متواترا والمسألة عرية عنهما فلا دليل إذا على أن الإجماع حجة وهذا الكلام مخيل بالغ في فنه إن لم يسلك المسلك المرضى في تتبعه.
٦٢٥- ثم تمسك القائلون بالإجماع بآي من كتاب الله تعالى ونحن نذكر أوقعها فمما استدل به الشافعي قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ ١ الآية ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ فإذا أجمع المؤمنون على حكم في قضية فمن خالفهم فقد شاقهم المعترضون وظني أن معظم تلك الاعتراضات الفاسدة تكلفه المصنفون حتى ينتظم لهم أجوبة عنها ولسن لأمثالها.
стр. 278
بل أوجه سؤالا واحدا يسقط الاستدلال بالآية فأقول إن الرب تعالى أراد بذلك من أراد الكفر وتكذيب المصطفى ﷺ والحيد عن سنن الحق وترتيب المعنى ومن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين المقتدين به نوله ما تولى فإن سلم ظهور ذلك فذلك وإلا فهو وجه في التأويل لائح ومسلك في الإمكان واضح فلا يبقى للمتمسك بالآية إلا ظاهر معرض للتأويل ولا يسوغ التمسك بالمحتملات في مطالب القطع وليس على المعترض إلا أن يظهر وجها في الإمكان ولا يقوم للمحصل عن هذا جواب إن أنصف.
٦٢٦- فإن تمسك مثبتو الإجماع بما روى عن النبي عليه لسلام أنه قال١: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" وقد روى الرواة هذا المعنى بألفاظ مختلفة فلست أرى للتمسك بذلك وجها لأنها من أخبار الاحاد فلا يجوز التعلق بها في القطعيات وقد تكرر هذا مرارا.
ولا حاصل لقول من يقول هذه الأحاديث متلقاة بالقبول فإن المقصود من ذلك يئول إلى أن الحديث مجمع عليه وقصاراه إثبات الإجماع بالإجماع على أنه لا تستتب هذه الدعوى أيضا مع اختلاف الناس في الإجماع.
ثم الأحاديث متعرضة للتأويلات القريبة المأخذ الممكنة فيمكن أن يقال قوله ﷺ لا تجتمع أمتي على ضلالة بشارة منه مشعرة بالغيب في مستقبل الزمان مؤذنه بأن ﵇ لا ترتد إلى قيام الساعة وإذا لم يكن الحديث مقطوعا به نقلا ولم يكن في نفسه نصا فلا وجه للاحتجاج به في مظان القطع.
٦٢٧- فإن قيل قد تحقق أن العقول لا تدل على ثبوت الإجماع واستبان أنه ليس في السمعيات قاطع دال على أن الإجماع واجب الاتباع فلا معنى بعد ذلك إلا الرد والإجماع عصام الشريعة وعمادها وإليه استنادها.
قلنا الإجماع حجة قاطعة والطريق القاطع في ذلك أن نقول للإجماع صورتان نذكرهما ونذكر السبيل المرضى في إثبات الإجماع في كل واحدة منهما إحداهما: أن نصادف علماء العصر على توافرهم في أطراف الخطة وأوساطها مجمعين على حكم مظنون وللرأي فيه مضطرب فنعلم والحالة هذه أن اتفاقهم.
стр. 279
إن وقع لا يحمل على وفاق اعتقاداتهم وجريانها على منهاج واحد فإن ذلك مع تطرق وجوه الإمكان واطراد الاعتياد مستحيل بل يستحيل اجتماع العقلاء على معقول مقطوع به في أساليب العقول إذا كان لا يتطرق إليه إلا بإنعام نظر وتسديد فكر وذلك لاختلاف الناظرين في نظرهم فإذا كان حكم العادة هذا في النظر القطعي فما الظن بالنظر الظني الذي لا يفرض فيه قطع فإذا تقرر أن اطراد الاعتياد يجيل اجتماعهم على فن من النظر فإذا ألفيناهم قاطعين بالحكم لا يرجعون فيه رأيا ولا يرددون قولا فنعلم قطعا أنهم أسندوا الحكم إلى شيء سمعي قطعي عندهم ولا يبعد سقوط النقل فيه فهذا مسلك إثبات الإجماع في هذه الصورة.
٦٢٨- فأما الصورة الثانية وهي إذا أجمعوا على حكم مظنون وأسندوه إلى الظن وصرحوا به فهذا أيضا حجة قاطعة والدليل على كونه حجة أنا وجدنا العصر الماضية والأمم المنقرضة متفقة على تبكيت من يخالف إجماع العلماء علماء الدهر فلم يزالوا ينسبون المخالف إلى المروق والمحادة والعقوق ولا يعدون ذلك أمرا هينا بل يرون الاجتراء على مخالفة العلماء ضلالا بينا فإجماعهم على هذا مع [الإنصاف كالقطع] في مجال الظن عند نظر العقل فإذا التحق هذا بإجماعهم قطعا في حكم مظنون قطع به المجمعون من غير ترديد ظن فليكن الإجماع على تبكيت المخالف وتعنيفه مستند قاطع شرعي ولا يبعد أن يكون ذلك بعض الأخبار التي ذكرناها تلقاها من تلقاها من فلق في رسول الله ﷺ وعلم بقرائن الحال قصد المصطفى ﵇ في انتصاب الإجماع حجة ثم علموا ذلك وعملوا واستمروا على القطع بموجبه ولم يهتموا بنقل سبب قطعهم [فقد] تقرر [الآن] انتصاب الإجماع دليلا قاطعا وبرهانا ساطعا في الشرع.
стр. 280
المسألة الثالثة: في المسالك الدالة على كون الإجماع حجة
...
المسألة الثالثة:
٦٢٩- في التنصيص على المسلك الذي ثبت الإجماع به إذ لا مطمع في إسناده إلى العقل وكذلك لا مطمع في إسناده إلى دليل قاطع سمعي هجوما عليه من غير اعتبار واسطة.
[فإذا] الواسطة التي هي العمدة النظر في قضيات اطراد العادات كما سبق تقرير ذلك في الصورتين ثم إذا أنعم الباحث نظره كان متعلقه دليلا قاطعا سمعيا يشعر الإجماع به.
стр. 281
فإن قيل ما ذكرتموه إخراج الإجماع عن كونه حجة قلنا هذه الآن غباوة فإن ذا التحصيل لا يطمع في كون إجماع الناس حجة لعينه وإنما المطلوب المكتفي به استناده إلى حجة والدليل عليه أن قول المصطفى صلوات الله عليه في نفسه ليس بحجة ولكنه مشعر بتبليغ قول الله تعالى حقا صدقا [وهو المطلوب المقصود] وليس وراء الله للمرء مذهب.
стр. 282
الفنون الأربعة في الإجماع
الفن الأول: في عدد المجمعين وصفتهم
...
فصل:
٦٣٠- الكلام بعد هذه المسائل الثلاث في أربعة فنون.
أحدها: في عدد المجمعين وصفتهم.
والثاني: في الزمن لمعتبر في الإجماع.
والثالث: في كيفية الإجماع قولا أو سكوتا أو فعلا.
والرابع: فيما يثبت بالإجماع وفيما لا يثبت.
٦٣١- فأما الفن الأول: فإنه ينقسم إلى مسائل خلافية وفصول مذهبية ومجموع القول فيه يقع في نوعين:
أحدهما: في صفة المجمعين, والثاني: في عددهم.
فأما الصفة: فلا شك أن العوام ومن شدا طرفا قريبا من العلم لم يصر بسبب ما تحلى به من المتصرفين في الشريعة وليسوا من أهل الإجماع فلا يعتبر خلافهم ولا يؤثر وفاقهم وأما المفتون المجتهدون فلا شك في اعتبارهم وأما الذين تبحروا في الأصول وقواعد الشرع وأطراف من الفقه والذين تبحروا في يجمعه مضمون المسألة التي نرسمها [إن شاء الله تعالى] .
مسألة:
٦٣٢- ذهب القاضي إلى أن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه يعتبر خلافه ووفاقه.
والذي ذهب إليه معظم الأصوليين خلاف ذلك فإن من وصفه القاضي ليس.
стр. 283
من المفتين ومن لم يكن منهم ووقعت له واقعة لزمه أن يستفتي المفتين فيها فهو إذا من المقلدين ولا اعتبار بأقوالهم فإنهم تابعون غير متبوعين وحملة الشريعة مفتوها والملقدون فيها.
واحتج القاضي لمذهبه بأن قال: من وصفته من أهل التصرف في الشرع وهو ممن يستضاء برأيه ويستهدي بنهجه وأنحائه في مجلس الاشتوار وإذا كان كذلك فخلافه يشير إلى وجه من الرأي معتبر وإذا ظهر على اعتباره في الخلاف انبنى عليه اعتبار الوفاق وعضد ما قاله بأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في النظر في المشكلات لا ينكرون على ذوي الفطن والأكياس [من الناس] رأيهم إنكار توبيخ وتقريع وتحذير من مخالفة الإجماع وأهله فإن ابن عباس كان يفاوض حلة الصحابة ﵃ وما كان بلغ بعد مبلغ المجتهدين.
وهذا الذي ذكره القاضي فيه نظر فإنه ما أظهر ابن عباس الخلاف إلا بعد استجماعه خلال الكمال فمن ادعى أنه وقت مخالفته ما كان من المجتهدين فقد أحال قوله على عماية لا تحقق فيها.
وعلى الجملة: إذا أجمع المفتون وسكت المتصرفون فيبعد أن يتوقف انعقاد الإجماع على مراجعتهم وأخذ رأيهم فإن الذين لا يستقلون بأنفهم في جواب مسألة ويتعين عليهم تقليد غيرهم فوجوب مراجعتهم محال وإن فرض عدم الإنكار عليهم إذا أبدوا وجها في التصرف إن سلم ذلك فهو محمول على إرشادهم وهدايتهم إلى سواء السبيل وإن أبدوا أقوالهم إبداء من يرغم الإجماع فالإنكار يشتد عليهم.
٦٣٣- والقول المغنى في ذلك: أنه لا قول لمن لم يبلغ مبلغ المجتهدين وليس بين من يقلد ويقلد مرتبة ثالثة فإن قيل إذا أجمع المفتون والمتصرفون الذين لم يبلغوا ذروة الفتوى فهذا إجماع مقطوع به وإذا أجمع المفتون وخالفهم المتصرفون فيلتحق هذا بما لا يقطع بكونه إجماعا وإنما يقوم الإجماع حجة إذا كان النظر مقطوعا به قلنا النظر السديد يتخطى كلام القاضي وعصره ويترقى إلى العصر المتقدم ويفضي إلى مدرك الحق قبل ظهور هذا الخلاف.
فأما التحقيق- خالف القاضي أو وافق- أن المجتهدين إذا أطبقوا لم يعد خلاف المتصرفين مذهبا محتفلا به فإن المذاهب لأهل الفتوى فإن شبب القاضي بأن المتصرف الذي ذكره من أهل الفتوى في كلامه تشبيب بهذا فنشرح القول في.
стр. 284
كتاب الفتوى والكلام الكافي في ذلك أنه إن كان مفتيا اعتبر خلافه.
مسألة:
٦٣٤- ذهب معظم الأصوليين إلى أن الورع معتبر في أهل الإجماع والفسقة وإن كانوا بالغين في العلم مبلغ المجتهدين فلا يعتبر خلافهم ووفاقهم فإنهم بفسقهم خارجون عن الفتوى والفاسق غير مصدق فيما يقول وافق أو خالف.
٦٣٥- وهذا فيه نظر عندي فإن الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلد غيره [بل يلزمه أن يتبع في وقائعه ما يؤدي إليه اجتهاده وليس له أن يقلد غيره] فكيف ينعقد الإجماع عليه في حقه واجتهاده مخالف اجتهاد من سواه وإذا بعد انعقاد الإجماع في حقه استحال انعقاد بعض حكمه حتى يقال انعقد الإجماع من وجه ولم ينعقد من وجه.
فإن قيل هو عالم في حق نفسه باجتهاده مصدق عليه فيما بينه وبين ربه وهو مكذب في حق غيره فلا يمتنع انقسام أمره على هذا الوجه فينقسم حكم الإجماع في حقه قلنا هذا محال فإن الفاسق لا يقطع بكذبه ولا يقطع بصدقه فهو كعالم في غيبته فإن تاب كان كما لو آب الغائب فهذا ما تمس الحاجة إلى ذكره من صفات المجمعين.
٦٣٦- والقول الضابط في كل ما لم نذكره أن كل ما لا يعتبر عند المفتين فهو غير معتبر في المجمعين كالحرية والذكورة وغيرهما والكافر وإن حوى م علوم الشريعة أركان الاجتهاد فلا معتبر بقوله أصلا وافق أو خالف فإنه ليس من أهل الإسلام والحجة في إجماع المسلمين والمبتدع إن كفرناه لم نعتبر خلافه ووفاقه وإن لم نكفره فهو من المعتبرين إذا استجمع شرائط المجتهدين وقد قبل الشافعي شهادة أهل الأهواء ولم ينزلهم منزلة الفسقة فهذا أحد طرفي هذا الفن.
٦٣٧- فأما الكلام في عدد المجمعين فإن كان علماء العصر بالغين مبلغا لا يتوقع منهم التواطؤ وهم الذين يسمون عدد التواتر فلا شك في انعقاد الإجماع بوفاقهم وإن فرض نقصان عدد علماء العصر عن هذا المبلغ فهذا موضع التردد.
مسألة.
٦٣٨- ذهب بعض أهل الأصول إلى أنه لا يجوز انحطاط علماء العصر عن مبلغ.
стр. 285
التواتر فإنهم قومة للملة وحفظة للشريعة وقد ضمن الله قيامها ودوامها وحفظها إلى قيام الساعة ولو عاد العلماء إلى عدد لا ينعقد منهم التواطؤ فلا يتأتي منهم الاستقلال بالحفظ.
وقال الأستاذ: يجوز بلوغ عددهم إلى مبلغ ينحط عن عدد التواتر ولو أجمعوا كان إجماعهم حجة ثم طرد قياسه فقال يجوز ألا يبقى في الدهر إلا مفت واحد ولو اتفق ذلك فقوله حجة كالإجماع.
٦٣٩- والذي نرتضيه- وهو الحق- أنه يجوز انحطاط عددهم بل يجوز شغور الزمان عن العلماء وتعطيل الشريعة وانتهاء الأمر إلى الفترة وهذا نستقصيه في كتاب الفتوى إن شاء الله تعالى فأما من قال إن إجماع المنحطين عن مبلغ التواتر حجة فهو غير مرضى فإن مأخذ الإجماع يستند إلى طرد العادة كما تقدم ذكره ومن لم يحن إسناد الإجماع إليه لم تستقر له قدم فيه.
فهذا حاصل القول في أوصاف المجمعين وعددهم.