← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7439

البرهان في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (568 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فإن قيل ما ذكرتموه إخراج الإجماع عن كونه حجة قلنا هذه الآن غباوة فإن ذا التحصيل لا يطمع في كون إجماع الناس حجة لعينه وإنما المطلوب المكتفي به استناده إلى حجة والدليل عليه أن قول المصطفى صلوات الله عليه في نفسه ليس بحجة ولكنه مشعر بتبليغ قول الله تعالى حقا صدقا [وهو المطلوب المقصود] وليس وراء الله للمرء مذهب.

стр. 282

الفنون الأربعة في الإجماع الفن الأول: في عدد المجمعين وصفتهم ... فصل: ٦٣٠- الكلام بعد هذه المسائل الثلاث في أربعة فنون. أحدها: في عدد المجمعين وصفتهم. والثاني: في الزمن لمعتبر في الإجماع. والثالث: في كيفية الإجماع قولا أو سكوتا أو فعلا. والرابع: فيما يثبت بالإجماع وفيما لا يثبت. ٦٣١- فأما الفن الأول: فإنه ينقسم إلى مسائل خلافية وفصول مذهبية ومجموع القول فيه يقع في نوعين: أحدهما: في صفة المجمعين, والثاني: في عددهم. فأما الصفة: فلا شك أن العوام ومن شدا طرفا قريبا من العلم لم يصر بسبب ما تحلى به من المتصرفين في الشريعة وليسوا من أهل الإجماع فلا يعتبر خلافهم ولا يؤثر وفاقهم وأما المفتون المجتهدون فلا شك في اعتبارهم وأما الذين تبحروا في الأصول وقواعد الشرع وأطراف من الفقه والذين تبحروا في يجمعه مضمون المسألة التي نرسمها [إن شاء الله تعالى] . مسألة: ٦٣٢- ذهب القاضي إلى أن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه يعتبر خلافه ووفاقه. والذي ذهب إليه معظم الأصوليين خلاف ذلك فإن من وصفه القاضي ليس.

стр. 283

من المفتين ومن لم يكن منهم ووقعت له واقعة لزمه أن يستفتي المفتين فيها فهو إذا من المقلدين ولا اعتبار بأقوالهم فإنهم تابعون غير متبوعين وحملة الشريعة مفتوها والملقدون فيها. واحتج القاضي لمذهبه بأن قال: من وصفته من أهل التصرف في الشرع وهو ممن يستضاء برأيه ويستهدي بنهجه وأنحائه في مجلس الاشتوار وإذا كان كذلك فخلافه يشير إلى وجه من الرأي معتبر وإذا ظهر على اعتباره في الخلاف انبنى عليه اعتبار الوفاق وعضد ما قاله بأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في النظر في المشكلات لا ينكرون على ذوي الفطن والأكياس [من الناس] رأيهم إنكار توبيخ وتقريع وتحذير من مخالفة الإجماع وأهله فإن ابن عباس كان يفاوض حلة الصحابة ﵃ وما كان بلغ بعد مبلغ المجتهدين. وهذا الذي ذكره القاضي فيه نظر فإنه ما أظهر ابن عباس الخلاف إلا بعد استجماعه خلال الكمال فمن ادعى أنه وقت مخالفته ما كان من المجتهدين فقد أحال قوله على عماية لا تحقق فيها. وعلى الجملة: إذا أجمع المفتون وسكت المتصرفون فيبعد أن يتوقف انعقاد الإجماع على مراجعتهم وأخذ رأيهم فإن الذين لا يستقلون بأنفهم في جواب مسألة ويتعين عليهم تقليد غيرهم فوجوب مراجعتهم محال وإن فرض عدم الإنكار عليهم إذا أبدوا وجها في التصرف إن سلم ذلك فهو محمول على إرشادهم وهدايتهم إلى سواء السبيل وإن أبدوا أقوالهم إبداء من يرغم الإجماع فالإنكار يشتد عليهم. ٦٣٣- والقول المغنى في ذلك: أنه لا قول لمن لم يبلغ مبلغ المجتهدين وليس بين من يقلد ويقلد مرتبة ثالثة فإن قيل إذا أجمع المفتون والمتصرفون الذين لم يبلغوا ذروة الفتوى فهذا إجماع مقطوع به وإذا أجمع المفتون وخالفهم المتصرفون فيلتحق هذا بما لا يقطع بكونه إجماعا وإنما يقوم الإجماع حجة إذا كان النظر مقطوعا به قلنا النظر السديد يتخطى كلام القاضي وعصره ويترقى إلى العصر المتقدم ويفضي إلى مدرك الحق قبل ظهور هذا الخلاف. فأما التحقيق- خالف القاضي أو وافق- أن المجتهدين إذا أطبقوا لم يعد خلاف المتصرفين مذهبا محتفلا به فإن المذاهب لأهل الفتوى فإن شبب القاضي بأن المتصرف الذي ذكره من أهل الفتوى في كلامه تشبيب بهذا فنشرح القول في.

стр. 284

كتاب الفتوى والكلام الكافي في ذلك أنه إن كان مفتيا اعتبر خلافه. مسألة: ٦٣٤- ذهب معظم الأصوليين إلى أن الورع معتبر في أهل الإجماع والفسقة وإن كانوا بالغين في العلم مبلغ المجتهدين فلا يعتبر خلافهم ووفاقهم فإنهم بفسقهم خارجون عن الفتوى والفاسق غير مصدق فيما يقول وافق أو خالف. ٦٣٥- وهذا فيه نظر عندي فإن الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلد غيره [بل يلزمه أن يتبع في وقائعه ما يؤدي إليه اجتهاده وليس له أن يقلد غيره] فكيف ينعقد الإجماع عليه في حقه واجتهاده مخالف اجتهاد من سواه وإذا بعد انعقاد الإجماع في حقه استحال انعقاد بعض حكمه حتى يقال انعقد الإجماع من وجه ولم ينعقد من وجه. فإن قيل هو عالم في حق نفسه باجتهاده مصدق عليه فيما بينه وبين ربه وهو مكذب في حق غيره فلا يمتنع انقسام أمره على هذا الوجه فينقسم حكم الإجماع في حقه قلنا هذا محال فإن الفاسق لا يقطع بكذبه ولا يقطع بصدقه فهو كعالم في غيبته فإن تاب كان كما لو آب الغائب فهذا ما تمس الحاجة إلى ذكره من صفات المجمعين. ٦٣٦- والقول الضابط في كل ما لم نذكره أن كل ما لا يعتبر عند المفتين فهو غير معتبر في المجمعين كالحرية والذكورة وغيرهما والكافر وإن حوى م علوم الشريعة أركان الاجتهاد فلا معتبر بقوله أصلا وافق أو خالف فإنه ليس من أهل الإسلام والحجة في إجماع المسلمين والمبتدع إن كفرناه لم نعتبر خلافه ووفاقه وإن لم نكفره فهو من المعتبرين إذا استجمع شرائط المجتهدين وقد قبل الشافعي شهادة أهل الأهواء ولم ينزلهم منزلة الفسقة فهذا أحد طرفي هذا الفن. ٦٣٧- فأما الكلام في عدد المجمعين فإن كان علماء العصر بالغين مبلغا لا يتوقع منهم التواطؤ وهم الذين يسمون عدد التواتر فلا شك في انعقاد الإجماع بوفاقهم وإن فرض نقصان عدد علماء العصر عن هذا المبلغ فهذا موضع التردد. مسألة. ٦٣٨- ذهب بعض أهل الأصول إلى أنه لا يجوز انحطاط علماء العصر عن مبلغ.

стр. 285

التواتر فإنهم قومة للملة وحفظة للشريعة وقد ضمن الله قيامها ودوامها وحفظها إلى قيام الساعة ولو عاد العلماء إلى عدد لا ينعقد منهم التواطؤ فلا يتأتي منهم الاستقلال بالحفظ. وقال الأستاذ: يجوز بلوغ عددهم إلى مبلغ ينحط عن عدد التواتر ولو أجمعوا كان إجماعهم حجة ثم طرد قياسه فقال يجوز ألا يبقى في الدهر إلا مفت واحد ولو اتفق ذلك فقوله حجة كالإجماع. ٦٣٩- والذي نرتضيه- وهو الحق- أنه يجوز انحطاط عددهم بل يجوز شغور الزمان عن العلماء وتعطيل الشريعة وانتهاء الأمر إلى الفترة وهذا نستقصيه في كتاب الفتوى إن شاء الله تعالى فأما من قال إن إجماع المنحطين عن مبلغ التواتر حجة فهو غير مرضى فإن مأخذ الإجماع يستند إلى طرد العادة كما تقدم ذكره ومن لم يحن إسناد الإجماع إليه لم تستقر له قدم فيه. فهذا حاصل القول في أوصاف المجمعين وعددهم.

стр. 286

الفن الثاني: في الزمن المعتبر في الإجماع ... الفن الثاني: فأما الفن الثاني: فهو القول في الزمان وتفصيل المذهب في اشتراط انقراض العصر في انعقاد الإجماع. مسألة: ٦٤٠- اختلفت مسالك القائلين بالإجماع في اشتراط انقراض المجمعين في انعقاد الإجماع. فذهب أقوام إلى أنه لا يحكم بانعقاد الإجماع ما بقى من المجمعين أحد. ثم هؤلاء يقولون: لو أجمع العلماء في عصر ثم لحقهم لاحقون وبلغوا رتبة المجتهدين فلا يعتبر انقراضهم إذ قد يلحقهم اخرون وهذا يفضي إلى عسر تصوير الانقراض فالمرعى إذا انقراض الذين أجمعوا أولا. ومن مقتضى هذا المذهب أنه لو رجع واحد من المجمعين فهو سائغ وتعود المسألة نزاعية بعد ما كانت تظن إجماعه وإنما يمتنع الخلاف إذا استمروا على الوفاق حتى انقرضوا. ثم قال هؤلاء: لو اتفق اجتماع العلماء ومصيرهم إلى مذهب في واقعة ثم.

стр. 287

خر عليهم سقف على القرب أو عمهم وجه من وجوه الهلاك فقد انبرم إجماعهم في ذلك الحكم وإن كان ذلك في زمن قريب ولو بقوا زمنا طويلا مصممين على ما قالوه لم ينعقد الإجماع ما لم ينقرضوا. وقال القاضي: إذا أجمعوا قامت الحجة من غير استئخار وانتظار انقراض ولو فرض خلاف بعد الوفاق كان المخالف خارجا عن حكم الإجماع خارقا ربقة الوفاق. وقال الأستاذ أبو إسحاق وطائفة من الأصوليين: إن كان الإجماع قوليا لم يشترط فيه الانقراض وإن كان حصوله بسكوت جماهير العلماء على قول واحد منهم من غير إبداء نكير عليه فهذا النوع يشترط في انعقاده ووجوب الحكم به انقراض العصر خليا عن إظهار الإنكار. ٦٤١- والحق المرضى عندنا: أن الإجماع ينقسم إلى مقطوع به وإن كان في مظنة الظن وإلى حكم مطلق أسنده المجمعون إلى الظن بزعمهم فأما ما قطعوا به على خلاف موجب الاعتياد فتقوم الحجة به على الفور من غير انتظار واستئخار فإنا أوضحنا أن ذلك إذا اتفق فهو محمل على رجوعهم إلى أصل مقطوع به عندهم وتقدير خلاف ذلك مخالف موجب طرد العادة والعادة لا تنخرق لا في لحظة ولا في آماد متطاولة إن اتفقوا على حكم وأسندوه إلى الظن فلا يتم الإجماع ولا ينبرم مع إسنادهم ما أفتوا به إلى أساليب الظنون ما لم يتطاول الزمن فإن الإجماع على الحكم مع الاعتراف بالتردد في الأصل لا يعد إجماعا وإطباقا ولو فرض من [بعضهم] إظهار خلاف ما عن لهم على البدار لم يعد ذلك المخالف والحالة كما صورناه عاقا خارقا حجاب الهيبة فإنهم إذا قالوا: قالوا قرنوه بما يرخى طول الناظر المتفكر وسوغ له طرق التفكير نعم إن استمروا على حكمهم ولم ينقدح على طول الزمن لواحد منهم خلاف فهذا الآن يلتحق بقاعدة الإجماع وهذا عسر التصور فإن المظنون مع فرض طول الزمن فيه يبعد أن يسلم عن خلاف مخالف من الظانين فإذا تصور فالحكم ما ذكرناه فإن امتداد الأيام يبين إلحاقهم بالمصرين ويرفعهم عن رتبة المترددين ويتجه إذ ذاك توبيخ المخالفين ومخاطبتهم بأن ما ذكرتموه لو كان وجها معتبرا لما أغفله العلماء المفتون.

стр. 288

وشرط ما ذكرناه أن يغلب عليهم في الزمن الطويل ذكر تلك الواقعة وترداد الخوض فيها فلو وقعت الواقعة فسبقوا إلى حكم فيها ثم تناسوها فلا أثر للزمان والحالة هذه. ثم إذا لاح أن المعتبر ظهور الإصرار بتطاول الزمن فلو قالوا عن ظن ثم ماتوا على الفور كما تقدم تصوير ذلك فلست أرى ذلك إجماعا من جهة أنهم أبدوا وجها من الظن ثم لم يتضح إصرارهم فهذا هو المغزى. ٦٤٢- ثم لو روجعنا في ضبك ذلك الزمان فقد أحوجنا إلى كشف الغطاء فإنا سنقول مجيبين: المعتبر زمن لا يفرض في مثله استقرار الجم الغفير على رأى إلا عن حامل قاطع أو نازل منزلة القاطع على الإصرار وهذا إذا يمنع تصوير الإصرار مع البوح بالظن في جميع الزمان إلا أن يتكلف متكلف فيه وجها فنقول: وقد يفهم ظهور وجه من الظن فإن الأمر البالغ الجلي الظني تبتدره العلماء ابتدارهم اليقين ولكن لا يلوح جلاؤه إلا بالإصرار. وللفطن أن يقول: من انتهى إلى هذا المنتهى فقد اعتزى إلى القطع فإن ما بلغ في الوضوح مبلغا يجمع شتات الرأي فهو مسلك متبوع قطعا فليفهم الناظر ما يلقى إليه. ٦٤٣- وإما إطلاق القاضي القول بقيام الحجة من غير تفصيل ففي أطراف كلامنا ما يدرؤه واشتراط الموت مع طول الزمن لا معنى له والاكتفاء به على قرب لا طائل وراءه. وما ذكره الأستاذ أبو إسحاق من ربط الإجماع السكوتي بالانقراض فغير مرضى فإنا سنوضح أن سكوت العلماء على قول قائل محل الظن لا يكون إجماعا ثم ما ذكره يلزمه اعتبار الزمان إذا باحوا بصدور حكمهم عن موجب الظن كما قدمناه ثم لا معول على الانقراض فالذي اخترناه استثمار طرق الحق في المسالك كلها فهذا منتهى القول في الزمان وما يتعلق به.

стр. 289

الفن الثالث: في وجه انعقاد الإجماع . فأما الفن الثالث: فمضمونه تفصيل القول في وجه انعقاد الإجماع. ٦٤٤- والكلام في ذلك تفصله مسائل خلافية وفي أدراجها فصول مذهبية.

стр. 290

ونرسم المسائل أولا ونذكر ما فيها ونجرى في أثنائها ما يتعلق بحكاية المذاهب ثم إذا نجز الفن ختمناه بضابط يسهل التناول ويبين صور الخلاف والوفاق. مسألة: ٦٤٥- إذا قال واحد في شهود علماء العصر فكان ذلك القول موافقا لبعض مذاهب العلماء في محل الاجتهاد ومسلك الظن فسكت العلماء عليه ولم يبدوا نكيرا على القائل فهو يكون تركهم النكير تقريرا نازلا منزلة إبداء الموافقة قولا. اختلف الأصوليون في ذلك فظاهر مذهب الشافعي وهو الذي يميل إليه كلام القاضي أن ذلك لا يكون إجماعا. والذي مال إليه أصحاب أبي حنيفة أنه إجماع وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق فنذكر ما تمسك به أصحاب أبي حنيفة ونتتبعه ثم نذكر المختار عندنا. فإن قالوا: أهل الإجماع معصومون عن الزلل والعصمة واجبة لهم كما تجب للبني ثم إذا رأى [النبي] مكلفا يقول قولا متعلقا بأحكام الشرع فسكت عنه ولم ينهه كان ذلك تقريرا منه نازلا منزلة التصريح بالتصديق وإبداء الوفاق. وهذا الذي ذكروه لا حاصل له فإنه أولا محاولة إثبات الإجماع بطريق القياس وهذا ما لا سبيل إليه فإن الأقيسة المظنونة لا مساغ لها في القطعيات وغاية هذا الكلام تشبيه صورة بصورة وقياس حالة من قوم على حالة من الشارع ﵇. والذي يوضح فساد هذا المسلك: أنه لا يمتنع في مقتضى العقل ورود التعبد باعتقاد تقرير رسول الله ﷺ شرعا مع التعبد بالعلم بأن سكوت العلماء لا ينزل منزلة تصريحهم بالقول فإذا لم يكن هذا ممتنعا في حكم العقل ولم يقم دليل قاطع سمعي على تنزيل سكوت العلماء منزلة سكوت الشارع ﵇ فقد فسد هذا الاعتبار وال حاصلة إلى محاولة إثبات مقطوع به بمسلك هو في مجرى مظنون ثم لا عذر للشارع في السكوت على الباطل فإن الحق عتيد عنده وإن لم يكن فتلقى وجه الحق من مورد الوحي الذي هو بمر صاده هين عليه فأما أهل الإجماع إذا سكتوا في محل ظن حيث يرون للاجتهاد مساغا ومضطربا فسكوتهم محمول على تسويغ ذلك القول لذلك القائل فلاح الفرق مع الاستغناء عنه فإن القطعي لا ينتظم فيه جمع فيحوج إلى الفرق.

стр. 291

٦٤٦- فالمختار إذا مذهب الشافعي فإن من ألفاظه الرشيقة في المسألة لا ينسب إلى ساكت قول ومراده بذلك أن سكوت الساكتين له محملان: أحدهما: موافقة القائل كما يدعيه الخصم والثاني تسويغ ذلك القول الواقع في محل الاجتهاد لذلك القائل وهذا ممكن بطرد العرف غير ملتحق بالنوادر. والدليل عليه أنا لو فرضنا اجتماع العلماء في مجلس وقام سئل إلى رجل حنفي وسأله عن مسألة اختلف العلماء فيها فلو أجاب المفتى الحنفي بما يوازى مذهب أبي حنيفة فسكت الحاضرون عليه لابتدرت الأوهام إلى حمل سكوتهم على التسويغ في محل الاجتهاد وتمهيد عذر المفتي المعرب عن مذهبه المسوغ وإذا تردد سكوتهم كما ذكرناه والإجماع هو القول الجازم المبتوت فيستحيل ادعاؤه على صفته وشروطه في محل تقابل الاحتمالات. وهذا يتضح بصورة تناقض صورة الخلاف وهي أن واحدا لو ذكر على رءوس الأشهاد وجمع المفتين قولا خرق به الإجماع وخالف دين الأمة فالمفتون لا يسكتون عليه بل يثورون مبادرين إلى الإنكار عليه وتجهيله وتسفيه عقله وذلك لأن الذي جاد به ليس قولا ينقدح تسويغه لقائل فهذا معنى قول الشافعي لا ينسب إلى ساكت قول. ٦٤٧- ونحن نصور هذه المسألة في صورتين ونذكر في كل واحدة منها ما يليق بها حتى يستبين الناظر وجوه مجاري الكلام في نظائرهما من مسائل الشرع. فنقول: قد يدعى أصحاب أبي حنيفة في بعض المسائل انتشار قول الصحابي في علماء العصر مع سكوتهم وتركهم الإنكار ثم يبنون عليه أن سكوتهم تقرير نازل منزلة التصديق بالقول ولا يستمر لهم إثبات الانتشار وذلك كتعلقهم تقرير نازل منزلة التصديق بالقول ولا يستمر لهم إثبات الانتشار وذلك كتعلقهم بقضاء عثمان ﵁ بتوريث المبتوتة في قصة تماضر زوجة عبد الرحمن بن عوف ﵁ ويتجه في هذه الصورة وأمثالها أسئلة قبل الانتهاء إلى ابداء الخلاف في المسألة. منها: أنا نقول: ما ادعيتموه من الانتشار في كافة علماء الأمصار فأنتم منازعون فيه وليس كل قضاء يقضي به إمام أو وال من الولاة يشاع ويذاع في كافة العلماء ومن اعتاص عليه حكم من قضايا مطرد العادة في العصور المنقرضة فليصور مثله في عصره فإن الأزمنة وأهلها على التداني في أحكام العادات ونحن نعلم في زمننا أن أقضية القضاة لا تنتشر في كافة العلماء وهذا السؤال إذا حققنا المباحثة فيه لم يجد الخصم.

стр. 292

عنه مهربا ولم يبق بيده مستمسك يحاول به إثبات غرضه فهذا نوع من السؤال متقدم على الخلاف في المسألة التي نحن فيها. ٦٤٨- والسؤال الثاني أن نقول إن ثبت الانتشار فلعل بعض العلماء أنكر فدعوى سكوتهم لا اعتضاد له بثبت وتحقيق وغاية الخصم فيه أن يقول لو جرى إنكار لاشتهر وعنه جوابان واقعان أحدهما أنه إنما يشتهر كل خطب ذي بال وإنكار واحد من العلماء على قاض من القضاة ليس من الأمور الجسيمة التي تتوفر الدواعي على نقلها فهذا وجه والوجه الثاني أن نقول لعله اشتهر أولا ثم انصرفت الدواعي عن المواظبة على تذكاره ودرس ما كان متواترا وذلك كثير في العرف وهذه الطلبات لا محيص عنها ولا يتواصل الخصم معها إلى تصوير صورة المسألة من الانتشار وعدم الإنكار على قطع استمرار فإن تأتي له التصوير وهيهات فما قدمناه قاطع من تقابل الاحتمالات في محامل السكون ولا سبيل إلى القطع مع التردد فهذه إحدى الصورتين. ٦٤٩- والصورة الثانية لا يتجه فيها بعض هذه الأسئلة وهي كتعلق أصحاب أبي حنيفة في ترك انتظار بلوغ الأطفال في الاقتصاص بحديث قتل الحسن بن علي ﵄ عبد الرحمن بن ملجم وفي الورثة صبيان فلا سبيل في هذه القصة إلى ابداء مراء في الانتشار فإن الأمر عظيم والخطب جسيم ولكن ينقدح ادعاء نكير من بعض العلماء من غير انتشار الإنكار وسبيل التقرير ما مضى ثم وراء تسليم ذلك الدليل القاطع الذي قدمناه وين١م إلى تحقيقه حكم الأب في ترك الاعتراض على الأئمة فإنه ليس للعلماء إذا جرى قضاء قاض بمذهب مسوغ أن ينكروا عليه مع نفوذ قضائه فهذا إذا وجه في الاستحثاث على السكوت فهذا منتهى القول في هذه المسألة. ٦٥٠- وبعد ذلك كله غائلة هي خاتمة المسألة وغاية سرها ونحن نبديها في معرض سؤال وجواب فإن قيل إن اتجه في حكم العادة سكوت العلماء على قول مجتهد فيه مظنون في مسألة فاستمرارهم على السكوت زمنا متطاولا يخالف العادة قطعا إذا كان يتكرر تذاكر الواقعة والخوض فيها ومن لم يجعل السكوت إجماعا فإنما يستقيم له مطلوبة في السكوت في الزمان القصير ولهذا السؤال اشترط بعض المحققين في الأصول في الإجماع السكوتي انقراض العصر.

стр. 293

٦٥١- وأنا أقول لا يتصور دوام السكوت مع تذاكر الواقعة في حكم العادة قطعا وهذه صورة يحيل العقل وقوعها فإن هؤلاء سيخوضون فيها إما بوفاق أو خلاف لما [يبدون حكمه] وافقوا أو خالفوا فإذا لم يتصور استمرار السكوت حتى يبنى عليه ادعاء القطع ومن عجيب الأمر أن هذا القائل أحال إدامة السكوت من غير قطع ولم يعلم أنهم لو أضمروا القطع لأبدوه ولم يسكتوا إذا تطاول الزمان فرجعت صورة المسألة على الضرورة إلى السكوت في الزمان القصير وفيه الاحتمالات التي قدمناها ولا قطع من الاحتمال وهذا منتهى المسألة تصويرا وتقريرا. مسألة: ٦٥٢- إذا اختلف أصحاب رسول الله ﷺ على قولين واستمروا على الخلاف فالذي صار إليه معظم المحققين أن اختراع قول ثالث خرق [للإجماع] . وذهب شرذمة من طوائف الأصوليين إلى أن ذلك لا يكون مخالفة الإجماع واستدلوا بأمر تخيلوه على نقيض الصواب فقالوا اختلافهم يناقض الاتفاق ويفيد الناظر أن المسألة في محل الظنون والخلاف متطرق إليها ولهذا لا يتضمن المنع من قول ثالث بل لو قيل: إنه متضمن جواز الخلاف لكان ذلك قريبا وعضدوا هذا بأن قالوا التنصيص على القولين من غير قطع فريق بتخطئة الآخر بمثابة تصريحهم بأن الأمر مظنون وكل ذي ظن على ظنه. ٦٥٣- وهذا الذي ذكروه ساقط فإن الذي انتهض معتمدا للإجماع بعد السبر والمباحثة ما تحصل وتنخل من قولنا إن المجتمعين قد يقطعون بما أجمعوا عليه وقد يسندونه إلى الظن فإن قطعوا فالأمر فيه متلقى من حكم العادة وهي قاضية لا محالة بإسناد المجمعين إلى قاطع فإن أسندوا المحكوم به إلى الظن فمعتمد الإجماع في هذه الصورة قطع العلماء في العصر الماضية بتبكيت من يخالف وليس ذلك أمرا معقولا فيستند القطع بالتبكيت إلى قاطع. ٦٥٤- فإذا تجدد العهد بالمسلك الحق في الصورتين قلنا بعد ذلك إن ذكر علماء العصر قولين وقطعوا بنفي ثالث سواهما ورددوا الظن في القولين فنفيهم الثالث قطع في حصر الحق في القولين فإن فرض من يخترع مذهبا ثالثا فهو مخالف لإجماع مقطوع به وإن لم يصرحوا بنفي ثالث على قطع فتركهم التعرض له وحصرهم التردد في القولين في حكم اتفاقهم على حكم مظنون مع التصريح باستناده.

стр. 294

إلى الظن والتبكيت يتطرق إلى من قال قولا ثانيا والعلماء الماضون على خلافه كذلك يتطرق التبكيت إلى من يخترع مذهبا ثالثا لم يصر إليه صائر من المتقدمين وإن كانوا مختلفين. وما ذكره الخصم تلبيس لا حاصل له فإن الصائرين إلى القولين سوغوا الخلاف منحصرا في القولين وهم قاطعون بنفي ما وراءهما أو ظانون وكلا الوجهين في نفي القول الثالث إجماع فقطعه ملحق بالقطع بالحكم الواحد وظن نفي القول الثالث ملحق بالإجماع على مذهب واحد مع الإسناد إلى الظن. ٦٥٥- فإن رددوا كلاما واستدلوا به شاديا مبتديا فالسبب فيه والوجه في كشفه ما ننبه عليه فنقول. وقد ذكرنا أن القول الواحد المظنون إذا فرضنا الاتفاق عليه لم يكن الاتفاق عليه وهو مظنون إجماعا على القرب حتى يتمادى الزمن عليه على ما سبق تقريره في مسألة اشتراط انقراض المجمعين فإذا كان ذلك والقول واحد فهو أولى أن يعتبر والعلماء على قولين فإن ترديد القولين نهاية في تطريق الظنون ولو قيل تمادى الزمن المعتبر في هذه الصورة يبر على تماديه في اتحاد القول لكان حقا مبينا فهذا مغزى المسألة. مسألة: ٦٥٦- إذا اختلف علماء العصر على قولين ثم رجع المتمسكون بأحد القولين إلى القول الآخر وصاروا مطبقين عليه فالذي ذهب إليه معظم الأصوليين أن هذا إجماع وذهب القاضي إلى أن هذا لا يكون إجماعا. وإذا انقرض العلماء على سجية الاختلاف ثم أجمع علماء العصر الثاني على أحد القولين فالاختلاف في هذه الصورة أظهر. قال قائلون: هذا ليس بإجماع ولو تعلق متعلق بالقول المضرب عنه لم يكن خارقا للإجماع وميل الشافعي ﵁ [في أثناء ما يجريه] إلى هذا وقال قائلون: هذا إجماع. وأما القاضي فلا شك أنه لا جعل هذا أجماعا ومن مذهبه أن المختلفين في العصر الأول لو [رجعوا] إلى قول واحد لم يكن ذلك إجماعا فإذا كان هذا غور.

стр. 295

مذهبه فكيف الظن به والإجماع من أهل العصر الثاني ثم إنه يستدل على تمهيد قاعدته بنكته واحدة فيقول: إذا اختلف علماء عصر على مذهبين فقد ظهر اختلافهم في التحليل والتحريم مثلا ثم تضم تقرير كل قوم أصحابهم على مذهبهم إجاعا من كافتهم على أن الخلاف سائغ فيحصل في ضمن الخلاف مع التقرير الإجماع على جواز الخلاف فإذا فرض الرجوع إلى قول واحد فهذا غير منكر عملا ووقعا ولكنه مسبوق بالإجماع على تسويغ الخلاف وهذا يجري في العصر الواحد فإذا جرى فيه فلأن يجري في العصرين أولى. ٦٥٧- وأما الذين جعلوا الاتفاق على قول من القولين السابقين إجماعا فإن بعضهم يتعلق ويستدل على بعض باجتماع المختلفين على أحد القولين قبل أن ينقرضوا ويقولون أيضا لو وقعت واقعة فاتفق علماء العصر على حكم واحد فيها كان اتفاقهم حجة وإطباقهم على قول واحد يجري هذا المجرى. ولا يستقر لهؤلاء قدم إلا بتخييل هو نكتتهم وعنها صدر ما قدمناه وذلك أنهم قالوا المختلفون كأنهم بعد على تردد النظر وليس التردد مذهبا محققا وإنما يتلقى الإجماع من استقرار العلماء وليس تردد المترددين حجة على مخالفة قطع القاطعين. ٦٥٨- والرأي الحق عندنا ما نبديه الآن: فنقول: إن قرب عهد المختلفين ثم اتفقوا على قول فلا أثر للاختلاف المتقدم وهو نازل منزلة تردد ناظر واحد أولا مع استقراره آخرا وإن تمادى الخلاف في زمن متطاول [على قولين] بحيث يقضي العرف بأنه لو كان ينقدح وجه في سقوط أحد القولين على طول المباحثة لظهر ذلك للباحثين فإذا انتهى الأمر إلى هذا المنتهى فلا حكم للوفاق على أحد القولين وذلك أن ما صورناه من اختلافهم في الزمان مع مشاورة الذكر وترديد البحث يقتضي ما ذكره القاضي من حصول وفاق ضمني على أن الخلاف في هذه المحال سائغ وشفاء الغليل في ذلك أن رجوع قوم وهم جم غفير إلى قول أصحابهم حتى لا يبقى على ذلك المذهب الثاني أحد ممن كان ينتحله لا يقع في مستقر العادة فإن الخلاف إذا رسخ وتناهى وتمادى الباحثون ثم لم يتجدد بلوغ خبر أو آية أو أثر يجب الحكم بمثله فلا يقع في العرف دروس مذهب طال الذب عنه فإن فرض فارض ذلك فالإجماع فيه محمول على أنه بلغ الراجعين أمر سوى ما كانوا يخوضون فيه في مجال الظنون ثم غاية النظر إن انتهى الأمر إلى هذا أنهم إن قطعوا بذلك.

стр. 296

فوفاقهم إجماع حملا على هذا وعلى هذا انبنى أصل الإجماع وإن فرض فارض عدم القطع مع الرجوع عن المذهب القديم فهذا يعيد في التصوير وإن تصور ذلك على تكلف فما أرى ذلك بالغا مبلغ الإجماع فإنه لا ينقدح فيه دعوى تبكيت من يتعلق بالقول [المرجوع عنه] حسب انقداح ذلك في مواقع القطع وإذا ظهر في التردد زال ادعاء الإجماع فإن الإجماع واجب الاتباع وهو المقطوع به فهذا قولنا مع اتحاد العصر. ٦٥٩- فأما إذا انقرض علماء العصر مع طول الزمان فإن المعتمد عندنا طول الزمان على الخلاف ثم [إذا] اجتمع علماء العصر الثاني على أحد المذاهب فالوجه أن لا يجعل ذلك إجماعا لما قرره القاضي من استنباط الإجماع على [تسويغ] الخلاف وما ذكره الأولون من اعتبار هذه الصورة جمع بترديد ناظر أولا واستقراره آخرا فقول عرى عن التحصيل فإن استمرار العلماء الغواصين المعتنين بالبحث المتدارك على الخلاف قطع منهم بأن لا سبيل إلى القطع فإن اجتمع في العصر الثاني قوم على أحد المذاهب فهو اجتماع وفاقي على مذهب مسبوق بقطع الأولين بنفى القطع وتسويغ الخلاف وأين يقع هذا ممن يتردد أولا ثم يتمم نظره؟ والذي يحقق ذلك أن المذاهب التي انتحلها الأولون جرت بها أقضية وأحكام ونيط بها سفك دماء وتحليل فروج من غير إنكار فريق على فريق والمتردد في نظره لا ينوط بتردده حكما ومن العبارات الرشيقة للشافعي أنه قال: المذاهب لا تموت بموت أصحابها فيقدر كأن المنقرضين أحياء ذابون عن مذاهبهم وتحقيق هذا ما ذكرناه. مسألة: ٦٦٠- إذا اتفق أهل الإجماع على عمل ولم يصدر منهم فيه قول فقد قال قوم من الأصوليين فعل أصحاب الإجماع كفعل رسول الله ﷺ وقد سبق تفصيل المذاهب في أفعال رسول الله ﵇ ومتعلق هؤلاء أن العصمة ثابته لأهل الإجماع ثبوتها للشارع فكانت أفعالهم كفعل الشارع ﷺ . ٦٦١- قال القاضي: وهذا غير مرضي عند المحققين من أوجه منها أن اجتماع أهل الإجماع على فعل يبعد تصويره فإنهم لا يعصمون عن الخطأ والزلل ولكن وفاقهم على قول حجة على الترتيب المقدم وإن زعم زاعم أنه يجب.

стр. 297

عصمتهم عن زلل عن الفعل فمعنى ذلك أن العصمة تجب لجميعهم فأما أن تجب لآحادهم عن زلل عن الفعل فمعنى ذلك أن العصمة تجب لجميعهم فأما أن تجب لآحادهم فلا فلم يمتنع صدر الزلل عن بعضهم وإذا كان كذلك فكيف يتأتي في العادة تصور عدد لا يسوغ منهم التواطؤ ثم يطبقون على فعل واحد فإن تكلف متكلف في تصويره فإنما يمكن فرضه إذا اجتمعا في مجلس واحد ثم إن تصور فلا احتفال به فإن متعلق الإجماع في الصورتين المتقدمتين ما قدمناه وليس يتحقق ذلك في الفعل فإنه لا يمتنع إذا فرض جمعهم أن يفعلوا فعلا ويعترف كل واحد منهم بأنه عاص به. ٦٦٢- والذي أراه أنه إن تيسر فرض اجتماعهم في الفعل فهو حجة وهو خارج على الأصل الذي هو مستند الإجماع فإن أصحاب رسول الله ﷺ لو جمعهم مجلس وقدم إليهم شيء فتعاطوه وأكلوه فمن حرمه عد خارقا للإجماع وتناهى أهل العصر في تبكيته فإذا يدل فعلهم على ارتفاع الحرج على حسب ما قدمناه في فعل رسول الله ﷺ وهذا إلى الفعل المطلق فإن تقيد بقرينة دالة على وجوب أو استحباب ثبت ما دلت القرينة عليه.

стр. 298

الفن الرابع: في الأمر الذي ينعقد الإجماع فيه وفيما ينعقد الإجماع عنه . ٦٦٣- فأما ما ينعقد الإجماع فيه حجة ودلالة فالسمعيات [ولا] أثر للوفاق في المعقولات فإن المتبع في العقليات الأدلة القاطعة فإذا انتصبت لم يعارضها شقاق ولم يعضدها وفاق. ٦٦٤- وأما ما ينعقد الإجماع عنه فالقول ينقسم فيه كما تقدم فإن كان المجمعون قاطعين على الحكم في مجال الظنون فلا يتأتى فرض هذا الإجماع إلا عن قاطع وإن أسندوا إجماعهم إلى ظن لم يمتنع أيضا ثم مستند الإجماع في كونه حجة قطع أهل الإجماع بتقريع من يخالف الإجماع. فهذا مجامع القول في الإجماع تفصيلا وتأصيلا وقد حاولنا جهدنا في إدراج مسائل الكتاب تحت التقاسيم وقد شذت مسائل قريبة منها ونحن نرسمها الآن مرسلة إن شاء الله تعالى.

стр. 299

مسائل متفرقة في الإجماع . مسألة: ٦٦٥- اختلف الأصوليون في أن الإجماع في الأمم السالفة هل كان حجة. فزعم زاعمون أن إثباته حجة من خصائص هذه الأمة فإنها أمة مفضلة على سائر الأمم مزكاة بتزكية القرآن قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٢. ومنع مانعون هذا الفرق فقالوا لم يزل الإجماع حجة في الملل. وقال القاضي لست أدري كيف كان ولا يشهد له موجب عقلي على وجوب التسوية ولا على وجوب الفرق ولم يثبت عندنا في ذلك قاطع من طريق النقل فلا وجه إلا التوقف. ٦٦٦- والذي أراه: أن أهل الإجماع إذا قطعوا فقولهم في كل مسألة يستند إلى حجة قاطعة فإن تلقى هذا من قضية العادات والعادات لا تختلف إلا إذا انخرقت فأما إن فرض إجماع من قبلنا على مظنون من غير قطع فالوجه الآن ما قاله القاضي فإنا لا ندري أن الماضيين هل كانوا يبكتون من يخالف مثل هذا الإجماع أم لا وقد تحققنا التبكيت في ملتنا. مسألة. ٦٦٧- نقل أصحاب المقالات عن مالك ﵁ أنه كان يرى اتفاق أهل المدينة يعني علماءها حجة وهذا مشهور عنه ولا حاجة إلى تكلف رد عليه فإن صح النقل فإن البقاع لا تعصم ساكنيها ولو اطلع مطلع على ما يجري بين لابتي المدينة من المجاري قضى العجب فلا أثر إذا للبلاد ولو فرض احتواء المدينة على جميع علماء الإسلام فلا أثر لها فإنه لو اشتمل عليهم بلدة من بلاد الكفر ثم أجمعوا لاتبعوا والظن بمالك ﵀ لعلو درجته أنه لا يقول بما نقل الناقلون عنه نعم قد يتوقف في الأحاديث التي نقلها علماء المدينة ثم خالفوها لاعتقاده فيهم أنهم أخبر من غيرهم بمواضع الأخبار وتواريخها.

стр. 300

مسألة: ٦٦٨- إذا اتفق علماء التابعين على حكم في واقعة عنت في زمنهم فإجماعهم كإجماع الصحابة ﵃ وذهب بعض المنتمين إلى الأصول إلى أن الحجة في إجماع الصحابة. وهذا تحكم لا أصل له فإن الدال على وجوب الإجماع في الأعصار واحد كما تقدم وليس للتحكم بتخصيص عصر وجه لا في عقل ولا في سمع وهو بمثابة قول من يقول لا احتجاج إلا في قياس الصحابة ولولا إرادتنا الإتيان على جميع المسائل وإلا كنا نضرب عن أمثال هذا. مسألة. ٦٦٩- إذا ذهب معظم العلماء إلى حكم وخال فيه واحد منهم وكان من المعتبر في الخلاف والإجماع فلا ينعقد الإجماع مع خلافه. وقال ابن جرير الطبري لا يعتد بخلافه ويسمى عاقا شاقا حجاب الهيبة وطرد هذا في الاثنين وسلم أن مخالفة الثلاثة معتبرة. وكل ما ذكره مردود عليه فإن الإجماع هو الحجة والذي نحن فيه ليس بإجماع والثلاثة إذا نسبوا إلا ثلاثة آلاف كالواحد إذا نسب إلى ألف. مسألة. ٦٧٠- من فروع القول في اشتراط انقراض العصر من شرط انقراض العصر بالمجمعين فالمذهب الظاهر لهؤلاء أن علماء العصر لو أجمعوا ثم التحق بهم مجتهدون ناشئة في الزمن وخالفوهم والمجمعون الأولون مصرون وقد انقرضوا فالمسألة إجماعية فإن التلاحق لو كان يمنع انعقاد الإجماع مع فرض الخلاف من المتلاحقين لما استقرت ثقة بالإجماع فإن العلماء يتلاحقون وقال قائلون ممن شرط الانقراض خلاف المتلاحقين في بقاء المجمعين. ٦٧١- وهذا لعمري قياس هذه الطريقة وإن كان يفضى ذلك إلى عسر في تصوير الإجماع وإنما قلنا: القياس على اشتراط الانقراض هذا لأن اتفاق الأولين ليس إجماعا بعد بل الأمر موقوف فإذا خالف مخالفون كان هذا الخلاف واقعا قبل الحكم بانعقاد الإجماع فأما من لا يشترط الانقراض فلا شك أنه يجعل المخالفين خارقين للإجماع.

стр. 301

٦٧٢- ومقصود هذه المسألة سؤال وجواب عنه فإن قال قائل: قد أحدث ابن عباس ﵁ أقوالا خالف بها اتفاق جملة الصحابة وما كان ابن عباس في ابتداء العصر من أهل الإجماع فعلى ماذا يحمل ذلك؟ قلنا: لا محمل لتسويغ هذا إلا شيئان. أحدهما: أن يقدر الصحابة ﵃ على تردد إلى أن استقل ابن عباس وأظهر مذهبه وكذلك كانوا في معظم مسائل الفرائض فهذا وجه. والوجه الثاني: أن يفرض وقوع تلك المسائل في زمن بلوغه مبلغ الاجتهاد وقد كان يجري ابن عباس مذهبه مجرى من يبدى احتمالا ولا يعتقده وحمل على ذلك مذهبه في المتعة وتخصيص الربا بالنسيئة وقال عيسى بن أبان خلاف ابن عباس ومن تابعه من علماء الصحابة غير معتبر أصلا وهذا على الإطلاق باطل فإن فصل فالوجه ما قدمناه. مسألة: ٦٧٣- فشا في لسان الفقهاء أن خارق الإجماع يكفر وهذا باطل قطعا فإن من ينكر أصل الإجماع لا يكفر والقول في التكفير والتبرؤ ليس بالهين ولنا فيه مجموع فليتأمله طالبه نعم من اعترف بالإجماع وأقر بصدق المجمعين في النقل ثم أنكر ما أجمعوا عليه كان هذا التكذيب آيلا إلى الشارع ﵇ ومن كذب الشارع كفر. والقول الضابط فيه: أن من أنكر طريقا في ثبوت الشرع لم يكفر ومن اعترف بكون الشيء من الشرع ثم أنكره كان منكرا للشرع وإنكار جزئه كإنكار كله والله أعلم. نجز النصف الأول من كتاب البرهان بحمد الله المعين المستعان على يدي حاجبه كاتبه أبي زيد حمد بن جعفر بن بشار ﵀ في النصف من شوال سنة إحدى وستمائة هجرية النبوية صلوات الله عليه بمحروسة دمشق حماها الله تعالى. [هذه خاتمة الجزء الأول من النسخة "د"] .

стр. 302

المجلد الثاني الكتاب الثالث: كتاب القياس مدخل ... الكتاب الثالث: كتاب القياس ١ ٦٧٦- القياس مناط الاجتهاد وأصل الرأي ومنه يتشعب الفقه وأساليب الشريعة وهو المفضى إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع مع انتفاء الغاية والنهاية فإن نصوص الكتاب والسنة محصورة [مقصورة] ومواقع الإجماع معدودة مأثورة فما ينقل منهما تواترا فهو المستند إلى القطع وهو معوز قليل وما ينقله الاحاد عن علماء الأعصار ينزل منزلة أخبار الاحاد وهي على الجملة متناهية ونحن نعلم قطعا أن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها. ٦٧٧- والرأي المبتوت المقطوع به عندنا أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى متلقى من قاعدة الشرع والأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس وما يتعلق به من وجوه النظر والاستدلال فهو إذا أحق الأصول باعتناء الطالب ومن عرف مآخذه وتقاسيمه وصحيحه وفاسده وما يصح من الاعتراضات عليها وما يفسد منها وأحاط [بمراتبها] جلاء وخفاء وعرف مجاريها ومواقعها فقد احتوى على مجامع الفقه. ٦٧٨- وإن نحن خصصنا هذا الكتاب بفضل بسط فسببه مانبهنا عليه من عظم خطره واشتداد مسيس الحاجة إليه وابتنائه على أفضائه إلى مالا نهاية له مع انضباط مأخذه فليس النظر في الشرع مفوضا إلى استصلاح كل أحد فهي إذا متناهية الأصول غير متناهية الجدوى والفوائد وهذا قد يحسبه الفطن المبتدئ متناقضا وسيأتي القول فيه [مشروطا مشروحا] إن شاء الله تعالى. ٦٧٩- ثم الذي يقتضيه الترتيب أن نبتدىء القول في ماهية القياس ثم نبتني عليه نقل [المذاهب] في اعتقاد صحته وفساده ونبين المختار عندنا حتى إذا ثبت وجوب القول بالقياس على الجملة رتبنا بعده تراجم الكتاب على نظام وخضنا في الوفاء ببيان الجمل والتفاصيل.

стр. 303

الباب الأول: القول في ماهية القياس مدخل ... الباب الأول: فصل: القول في ماهية القياس. ٦٨٠- لما كان القول في الصحة والفساد والرد والقبول مبنيا على الإحاطة بماهية الشيء اقتضى الترتيب تقديم هذا الباب. وإذا قيل لنا: ما القياس؟ عرفنا أولا أنا لم نسأل عن الصحيح والفاسد وإنما طولبنا بإثبات رسم مشعر بالقياس صحيحه وفاسده قطعيه وظنيه عقليه وشرعية فنذكر أقرب رسم يقرب من الوفاء بالاحتواء على الغرض ثم نذكر ما عداه ونبين وجه تطرق الاعتراض عليه ثم نختتم الفصل بأمرين بهما الختام والتمام. ٦٨١- فأقرب العبارات ما ذكره القاضي إذ قال: "القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر يجمع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما"١. فقوله: حمل معلوم على معلوم أراد به اعتبار معلوم بمعلوم وذكر المعلوم حتى يشتمل الكلام على الوجود والعدم والنفي والإثبات فإنه لو قال حمل شيء على شيء لكان ذلك حصرا للقياس في الموجودات وسبيل القياس أن يجري في المعدوم والموجود ثم فسر الحمل لما كان فيه ضرب من الإجمال عند تقدير الاقتصار عليه فقال في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما ثم لما علم أن [التحكم] بالحمل ليس من القياس [بسبيل] وإنما [القايس] من يتخيل جامعا ويبني عليه ما يبغيه مبطلا كان أو محقا ذكر الجامع فقال بجامع ثم صنفه إلى حكم وصفة في نفى أو إثبات فهذه ترجمة كلامه على الجملة. ٦٨٢- وذكر غيره عبارات في [روم ضبط القياس نائية عن الصواب] فمن [مقرب] مع إخلال ومن مبعد. والمعتبر في العبارات العبارة التي جمعها القاضي وكل من أتى بها فقد طبق.

стр. 304

غاية الإمكان ومن خرم شيئا منها تطرق إليه على قدر خرمه اعتراض على ما سنبين الآن. ٦٨٣- قال بعض المتأخرين: القياس رد فرع إلى أصل بما يجمع بينهما وهذا فيه إيهام من الوجوه التي أخل بها من تقييدات كلام القاضي فإنه لم يتعرض للحكم الذي يطرد القياس له ولم يفصل الجامع. ٦٨٤- وقال الأستاذ أبو بكر: القياس حمل الشيء على الشيء لإثبات حكم بوجه شبه وذكر الشيء يخرج الأقيسة المتعلقة بالنفي وكذلك ذكر إثبات الحكم لم يتعرض لنفيه. وقد يزيد بعض الناس نفيه وهذه الطبقة وإن تطرق إلى كلامهم ضرب من الخلل فهم على المطلوب يحومون وإياه يبغون. ٦٨٥- ونقل بعض أصحاب المقالات عبارات نائية عن جهة الصواب بالكلية فنقلوا أنه قال بعضهم: القياس إصابة الحق وهذا خرق وخروج عن الحق فإن من وجد نصا لا يسمى قايسا وإن أصاب الحق. وقال بعضهم: القياس هو الاجتهاد في طلب الحق وهذا فاسد فإن من كان يجتهد في طلب نص ليس قايسا إلى غير ذلك مما لا نرى التطويل بذكره. ٦٨٦- وأما ما نرى ختم الفصل به فشيئان: أحدهما: أنا إذا أنصفنا لم نر ما قاله القاضي حدا فإن الوفاء بشرائط الحدود شديد وكيف الطمع في حد ما يتركب من النفي والإثبات والحكم والجامع فليست هذه الأشياء مجموعة تحت خاصية نوع ولا تحت حقيقة جنس وإنما المطلب الأقصى رسم يؤنس الناظر بمعنى المطلوب وإلا فالتقاسيم التي ضمنها القاضي كلامه تجانب صناعة الحد فهذا مما لا بد من التنبه له. وحق المسئول عن ذلك أن يبين بالواضحة أن الحد غير ممكن وأن الممكن ما ذكرناه ثم يقول أقرب عبارة في البيان عندي كذا وكذا والفاضل من يذكر في كل مسلك الممكن الأقصى فهذا أحد الأمرين. ٦٨٧- والثاني: أن القياس قد يتجوز في إطلاقه في النظر المحض من غير تقدير فرع وأصل إذ يقول المفكر قست الشيء إذا افتكر فيه ولكن هذا تجوز.

стр. 305

أصل القياس اعتبار معلوم بمعلوم وإذا قال القائل قست الأرض فمعناه ذرعتها بمقياس مهيأ لذرعها وبيني وبين فلان قيس رمح أي قدر معتبر بقدر رمح فهذا منتهى القول في ذلك. ونحن نذك بعده المقالات في رد القياس وقبوله وتفصيل القول فيه.

стр. 306

فصل: القول في ذكر المقالات في قبول القياس ورده . ٦٨٨- الوجه أن نذكر المذاهب المتعلقة بالأصل ردا وقبولا ثم نذكر مسائل الخلاف على هذا المنهاج ثم نعقد بعد ذلك بابا في المذاهب [المقتضية رد] بعض الأقيسة الصحيحة عندنا وقبول بعضها. فنبدأ بالكلام على الجملة ونقول في رسم التقسيم القياس فيما ذكره أصحاب المذاهب ينقسم إلى عقلي وشرعي١ ثم الناظرون في الأصول والمنكرون تفرقوا على مذاهب. ٦٨٩- فذهب بعضهم إلى رد القياس وقال [الناقلون] هذا مذهب منكري النظر والقول في إثباته يتعلق بفن من الكلام وقد أنهينا القول فيه نهايته. ٦٩٠- وقال قائلون بالقياس العقلي٢ والسمعي وهذا مذهب الأصوليين والقياسين من الفقهاء. ٦٩١- وذهب ذاهبون إلى القول بالقياس العقلي وجحدوا القياس الشرعي وهذا مذهب النظام وطوائف من الروافض والإباضية٣ والأزارقة٤ ومعظم فرق الخوارج إلا النجدات٥ منهم فإنهم اعترفوا بأطراف من القياس. ٦٩٢- وصار صائرون إلى النهي عن القياس العقلي والأمر بالقياس الشرعي

стр. 307

وهذا مذهب أحمد بن حنبل١ والمقتصدين من أتباعه فليسوا ينكرون إفضاء نظر العقل إلى العلم ولكنهم ينهون عن ملابسته والاشتغال به. ٦٩٣- وذهب الغلاة من الحشوية٢ وأصحاب الظاهر إلى رد القياس العقلي والشرعي. ٦٩٤- وأنا أقول: أطلق النقلة القياس العقلي فإن عنوا به النظر العقلي فهو في نوعه إذا استجمع شرائط الصحة مفض إلى العلم مأمور به شرعا والقياس الشرعي متقبل [شرعا] معمول به إذا صح على السبر اللائق به كما سيأتي شرح ذلك في أبواب الكتاب إن شاء الله تعالى. وإن عنى الناقلون بالقياس العقلي اعتبار شيء بشيء ووقوف نظر في غائب على استثارة معنى من شاهد فهذا باطل عندي لا أصل له وليس في المعقولات قياس [وقد فهم عنا ذلك طالب المعقولات] . والأمر المختص بهذا الفن الكلام في الأقيسة الشرعية وذكر الخلاف المتعلق بجملتها. ٦٩٥- فقد ذهب النظام٣ ومن تابعه من الضلال٤ والحشوية إلى إنكار القياس الشرعي والذين ردوا القياس اختلفوا في طريق رده فقال بعضهم الخوض فيه قبيح لعينه. ٦٩٦- وقال آخرون: في التعبد به منع الناس من المسلك الأقصد الأسد وعنوا به أن التنصيص على مواقع الإشكال أقطع للنزاع وأرفع للدفاع وأجلب للطمأنينة وأنفى لرهج الخلاف وأدعى إلى الائتلاف ويجب على الله تعالى

стр. 308

وجوب الحكمة أن يستصلح عباده فيما يتعلق بأمر الدين. ٦٩٧- وقال قائلون الأقيسة متفاوته لا قرار لها في المظنونات وإنما يرجح الظن على حسب القرائح [وكل يظن أمرا] يليق بمبلغ فكره. ٦٩٨- وقال قائلون: في أصول الشريعة ما لا يصح على السبر كإيجاب العقل على العاقلة وإيجاب ذبح البهائم البريئة بسبب ارتكاب المكلف محظورات الحج واسترقاق أولاد الكفار وإن حكم لهم بالإسلام مع السبي ثم تبقى وصمة الرق في نسلهم ما توالدوا على الإسلام قالوا: فلا وجه والحالة هذه إلا اتباع النصوص. ٦٩٩- وذهب من نفاة القياس طائفة إلى أنه مردود بنصوص الكتاب والسنة. ونحن نذكر مسلك كل فريق ونتتبعه بالنقض ونرسم مسألة في جواز التعبد بالقياس [فإذا نجزت عقدنا بعدها المسألة الكبرى في وقوع التعبد بالقياس] . مسألة: [في جواز التعبد بالقياس] . ٧٠٠- ذهب علماء الشريعة وأهل الحل والعقد إلى أن التعبد [بالقياس] في مجال الظنون جائز غير ممتنع وقد ذكرنا مذاهب المخالفين في الجواز فأما من ذهب إلى أن الخوض فيه والأمر به قبيح لعينه فقد تعلق بأن الظنون أضداد العلوم وضد العلم في معنى الجهل والجهل قبيح لعينه وهذا مبنى أولا على التقبيح والتحسين بالعقل وقد صدرنا هذا المجموع بالرد على القائلين بذلك بما فيه مقنع ثم لو قدرنا تسليم ذلك جدلا فهذا باطل من أوجه. منها: أن الغفلة والغشية والبهيمية أضداد منافية للعلوم وهي من خلق الله تعالى ومن رأى هؤلاء أن الله تعالى لا يخلق قبيحا ثم ذكروه جحد للشريعة فإن من أنكر ربط الأقضية والحكومات بالشهادات المستندة إلى بحث قريب وسبر يسير لا يطلع على الباطن من أحوال الشهود فقد أنكر قاعدة من الشرع عظيمة لا يبوء بجحدها من وفر الإسلام في صدره وكذلك قول المفتين مظنون عند المستفتين والتعويل على قول الثقات في أحكام المعاملات وتصديق الأثبات في أمن السبل والطرقات لا ينكره عاقل فإذا أعضلت الإشكالات وتعارضت الاحتمالات فالرجوع إلى غالب الظن في كل فن دأب ذوي البصائر وهو من ثمرات العقول فكيف يعد من مستقبحاتها ومعظم وجوه الرأي والنظر في العواقب ظنون ومتى لم يتبع صاحبه أرشدها لزم أن يفعل ما يتفق وهو الخرق بعينه نعم الاكتفاء بالظن.

стр. 309

مع القدرة على ثلج الصدر وطمأنينة النفس [قد] يعد قصورا أو تقصيرا وخصومنا لم يبدوا في مواقع أقيستنا مسالك في اليقين ينتحونها وإنما يبغون رد جنس الظنون حيث لا يرجعون فيه إلى يقين والنظر يضاد العلم وهو واجب والشك المتقدم على النظر عند أبي هاشم حسن وهو الداعية الجالبة لافتتاح النظر. فهذا وجه الرد على من قبح الخوض فيه لكونه نقيض العلم لعينه. ٧٠١- وأما من قال: في حمل الخلق على ملتطم الظنون وحجرهم [عن] درك اليقين ترك استصلاحهم والاستصلاح في الدين محتوم فهذا مبني على التحسين والتقبيح وقد ظهر بطلان مذهبهم فيهما. ثم ما ذكروه باطل بقواعد العقائد فإنها منوطه بدقائق النظر ولا يتوصل إلى أدراكها إلا الأكياس من طبقات الناس ثم انقسام طباق الخلق يوجب ازورار طرقهم في [وجوه] النظر ومجاري أحوالهم [في ذلك] أصدق الشواهد والمحن وهو سبب افتراق الفرق ثم معظم الخليقة لا يبغون الحقيقة بل يرجحنون إلى التقليد ولو حمل الله الخلق على الحق المبين بآية تظل لها الرقاب خاشعة لأوشك ألا يتفرقوا. ولا يغنى مما ألزمناهم قول القائل: مسالك العقول [عتيدة] والبراهين موجودة والشواهد مشهودة وطرق الصواب معدودة فإن كل ناظر يزعم أن مسلكه الحق وقوله الصدق. ثم إنما كان يستقيم ما ذكروه لو دعونا إلى اليقين وزيفوا بسببه طرق الظنون فأما وهم بعد رد القياس لا يرجعون إلى يقين ومعقل في الدين حصين وغايتهم التعطيل والتبطيل والانسلال عن ربقة التكليف والانحلال عن ربط [التصريف] وترك الناس سدى يموج بعضهم في بعض على موعد وخبر وقول مزخرف وإمام منتظر فلا يدعو إلى الخروج من محاسن الشريعة إلى هذه المسالك إلا هازئ بنفسه مستهين بدينه. ٧٠٢- و [أما] من قال: الأقيسة لا قرار لها وفنون النظر على حسب الفكر فقصاراه آيل إلى تقبيح الظن وإيجاب الاستصلاح وشرع اليقين وقد تكلمنا على المسلكين. ثم الأمر ليس على ما تخيلوه بل للظنون المرعية والأقيسة المعتبرة الشرعية.

стр. 310

المرضية روابط وضوابط لا يعرفها إلا الغواصون على ما سيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى. ومن حمل كل ظن على جودة القريحة وحدة الطبع فقد أنكر وجه الرأي وتقريب أرباب الألباب وتطلعهم بالفكر الصائب على حجب الغيوب ولو قيل هو عماد الصلاح في الدين والدنيا ودعامة المراشد لم يكن بعيدا والشارع فيما استن كالعاقل الذي يمهد للطلبة طرق الحكمة ومسالك النفع والدفع ثم يكلهم إلى إتعاب الفكر النقية عن الأقذاء والكدر. ثم إن أضربوا [عما] رأيناه واجتنبوه فهل معهم يقين ادعوه؟ أم الغرض قطع النظر عن بقية المراشد وانتحاء المقاصد وغمس الناس في غمرات [المتاهات] . وعلى كل الحالات التشوف بالظن إلى الخير اجتناب الضير أحرى من حل الرباط وقطع أسباب الاستنباط وتخيير الخلق بين التفريط والإفراط. ٧٠٣- وأما من أشار إلى أن قواعد في الشرع لا تعقل معانيها كضرب العقل على العاقلة واسترقاق الأطفال. فهذا القائل يتشبث بالوقيعة في الشريعة واتخاذ هذه الجهات إلى المطاعن ذريعة والقياس يعترف بالوقوف عند هذه المواقف وانقسام الشرع إلى ما يجري فيه الأقيسة وإلى ما يجب فيه الانحصار والاقتصار على موارد النصوص فلا يجب من وقوف الرأي في مسلك انحسامه من جميع الوجوه وذلك مستبين بما يعرض للإنسان في مآربه وأوطاره فقد يتغشاه عماية ويستبهم عليه عاقبتها وقد يلوح له وجه الصواب فيما يأتي ويذر ثم العقل لا يحسم طريق الرأي لاستعجامه في بعض الوجوه فقد بطل جميع ما حاولوه. ٧٠٤- وأما من ادعى أن القياس مردود بنصوص القران العظيم فقد ادعى أمرا محالا وغايته التلبيس بذكر آية ما سيقت لما دفعنا إليه كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١ إلى غير ذلك والمراد أن ينهى عن الحيد عن مدرك اليقين مع إمكانه ومجاوزة مراسم المراشد بالحدس والتخمين. ونحن لا ندعو إلى كل ظن ثم التمسك بالمجملات أو بالظاهر في مواضع.

стр. 311

القطع باطل ونعارض ما ذكروه بالآي الدالة على الأمر بالنظر والاستحثاث على الاعتبار ويتطرق إلى ما يعارضون به من الأعتراضات ما تطرق إلى ما استدلوا. ٧٠٥- فإن قالوا: وجوب العمل معلوم عندكم مقطوع به وهذا العلم مرتب على الظن ويستحيل أن ينتج الظن علما. قلنا: الأقيسة لا تقتضي العلم بوجوب العمل لأعيانها والعمل لا يقع بها وإنما يقع عندها والعلم بوجوبه مستند إلى أدلة قطعية [سنبديها] وقد تقرر هذا الفن في مواضع من هذا الكتاب. ٧٠٦- ومن تمويهاتهم في ذلك قالوا: إذا لم يمتنع انتهاض الظن علما بالعمل فينبغي [أن] تبعدوا أن ينتصب الظن علما في العلم بوقوع الرؤية. قلنا لو قام دليل قاطع على أن وقوع الظن علم ينصبه الله تعالى لوقوع شيء رؤية كانت أو غيرها لم يبعد ذلك ومستند العلم ناصب الظن لا عينه. ٧٠٧- والذي تمسك به النظام ورهطه وهو معتصم القوم أن العقول لا تدل على وجوب العمل بالظنون وإنما يبغي الناظر ذلك إن كان من مآخذ السمع ثم لا يقع الاكتفاء بالظواهر فإن إثبات القياس عند القائلين به مقطوع به وقواطع السمع نص الكتاب أو نص السنة المتواترة وليس في إثبات القياس نص كتاب ولا نص سنة متواترة. والإجماع قد نفاه النظام [أصلا] وزعم أن أصحاب رسول الله ﷺ دعوا الناس إلى اتباع الإجماع وراموا أن يتخذوا رءوسا فقرروا الإجماع وأسندوا إليه ما يرون وأخذوا يحكموا مسترسلين فيما لا نهاية له وأصول الشريعة مضبوطة. ومن قال بالإجماع يقول: القول بالقياس مختلف فيه ومعظم الأمة على رده فادعاء الإجماع فيه محال ولا نص ومسالك العقول منحسمة فلم يبق بالقول على القياس دليل. وربما عضدوا ذلك بأن يقولوا: الأمارات التي يستنبطها القياسيون لا تقتضي الأحكام لأعيانها فإن الشدة المطربة التي يعتقدها القياسيون علة في تحريم الخمر كانت ثابته قبل الشرع وفي الملل السالفة ولا تحريم وكانت الخمر مباحة في بدء الإسلام مع قيام الشدة والإطراب والقايس لا يتوهمها موجبة لعينها وإنما يتوهم نصب.

стр. 312

الشارع لها وليس في العقل ولا قواطع السمع ما يدل على ذلك. ٧٠٨- قلنا: مستند وجوب العمل بالقياس الإجماع وما ذكره النظام كفر وزندقة ومحاولة استئصال قاعدة الشرع لأنه إذا نسب حامليها إلى ما هذى به فبمن يوثق وإلى قول من يرجع؟ وقد رد القياس وطرد مساق رده إلى الوقيعة في أعيان الأمة ومصابيح الشريعة فإذا لا نقل ولا استنباط ولا تحصل الثقة على ما قاله بآي القران فإنه لا يبعد على المنكر الجاحد إدعاء ما قاله في التحريف والتصريف وكتم البعض وتغيير مقتضى البعض فلم تختص غائلته ومماراته بالقياس بل عمت قاعدة الشريعة. ٧٠٩- وأما من اقتصر في قطع ارتباط القياس بالإجماع على قوله: القياس مختلف فيه فادعاء الإجماع في محل النزاع محال. فأنا نقول لهؤلاء: إنما كان يستقيم ما ذكرتموه لو كنا نحتج عليكم بإجماع أهل الزمان المشتمل عليكم فأما متمسكنا فإجماع أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم من أئمة التابعين إلى أن نبغت الأهواء واختلفت الاراء على ما سنقرره الآن فخلافكم مسبوق بالإجماع ولا مبالاة به. ٧١٠- فهذي قواعد منكري القياس وعيون شبههم وقد تقرر الفراغ من الرد على من ينكر جواز التعبد بالقياس وأوضحنا الرد على من زعم أنه لا طريق إلى إثباته بقاطع عقلي أو سمعي وقد حان الآن أن نبين وقوع التعبد بالقياس وانعقاد الإجماع على العمل به.

стр. 313

فصل: في وقوع التعبد بالقياس بعد بيان الجواز . فنقول والله المستعان: ٧١١- نحن نعلم قطعا أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة وأقضيتهم تزيد على المنصوصات زيادة لا يحصرها عد ولا يحويها حد فإنهم كانوا قايسين في قريب من مائة سنة والوقائع تترى والنفوس إلى [البحث] طلعة وما سكتوا عن واقعة صائرين إلى أنه لا نص فيها والآيات والأخبار المشتملة على الأحكام نصا وظاهرا بالإضافة إلى الأقضية والفتاوى كغرفة من بحر لا ينزف. وعلى قطع نعلم أنهم ما كانوا يحكمون بكل ما يعن لهم من غير ضبط وربط،

стр. 314

وملاحظة قواعد متبعة عندهم وقد تواتر من شيمهم أنهم كانوا يطلبون حكم الواقعة من كتاب الله تعالى فإن لم يصادفوه فتشوا في سنن رسول الله ﷺ فإن لم يجدوها اشتوروا ورجعوا إلى الرأي. ٧١٢- والذي يوضح ما ذكرناه أنهم مع اختلاف مذاهبهم في مواقع الظنون ومواضع التحري ما كانوا ينكرون أصل الاجتهاد والرأي وإنما كان بعضهم يعترض على بعض ويدعوه إلى ما يراه هو ولو كان الاجتهاد حائدا عن مسالك الشريعة لأنكره منهم منكر وإذا لاح المعنى فترديد العبارات عنه هين. ونحن نوضح المقصد بأسئلة وتخييلات وأجوبة عنها: ٧١٣- فإن قيل: قد صح من بعضهم التغليظ على بعض في مسائل كقول ابن عباس في رد العول مع من كان يكلمه وقولهم في الرد عليه وقد صح انتهاء القول إلى المباهلة [في] الأقاصيص المشهورة. قلنا: لم ينكر أصل الاجتهاد أحد منهم وإنما كانوا ينتاظرون في الذب عن وجوه الاجتهاد والدعاء إلى غيرها من الاجتهاد وكانوا مجمعين على الأصل مختلفين في التعيين والتفصيل نحو اختلاف علماء الدهر. ٧١٤- فإن قيل: غايتكم في هذا ادعاء اجتهاد بعضهم وسكون الباقين وقد ذكرتم في مسائل الإجماع أنه لا ينسب إلى ساكت قول. قلنا: هذا باطل من أوجه منها أنه لم يخل أحد من علماء الصحابة من الاجتهاد في مسائل وإن لم ينقل عنهم الاجتهاد في مسألة واحدة فقد صح النقل المتواتر في مصير كل واحد منهم إلى أصل الاجتهاد في مسائل قضى فيها أو أفتى بها ثم أحداث قاعدة في الشريعة تستند إليها الأحكام بل يصدر عنها معظم الشريعة مما لا يجوز السكوت عليه لو لم يكن ثابتا وإنما يسوغ السكوت عن المظنونات وليس من تكلم في القياس ردا وقبولا ممن يجترئ بالظن بل كل فريق قاطعون بما يذكرون ويعتقدون وقد ذكرنا مسألة الانتشار وأنه لا يجوز السكوت مع طول الزمان وتذاكر أهله ولو كان الأمر مظنونا فكيف يسوغ في مطرد العرف تصرف علماء الصحابة في مذاهب الاجتهاد على الدوام من غير فتور فيه ثم يسكت عنه من يعتقد بطلانه. ٧١٥- فإن قالوا: بم تنكرون على من يزعم أنهم كانوا يتلقون الأحكام من استنباطات من الظواهر والعمومات وفحوى الخطاب.

стр. 315

قلنا: لا أصل لهذه المقالة وهي كمحاولة تسبيع الغزالة [فأنى تفي] الظواهر ومقتضياتها بالأحكام التي طبقت طبق الأرض والأقضية التي فاتت الحد والعد وقد أوضحنا بالنقل المتواتر عنهم أنهم كانوا يقدمون كل متعلق بنص وظاهر ثم كانوا يشتورون وراء ذلك ويثبتون الأحكام على وجوه الرأي واعتبار المسكوت عنه بالمنصوص عليه. ٧١٦- فقد تبين بمجموع ما ذكرناه إجماع الصحابة ﵃ والتابعين ومن بعدهم على العمل بالرأي والنظر في مواقع الظن ومن أنصف من نفسه لم يشكل عليه إذا نظر في الفتاوى والأقضية أن تسعة أعشارها صادرة عن الرأي المحض والاستنباط ولا تعلق لها بالنصوص والظواهر. ٧١٧- فإن قالوا: قد روى عن جمع من أئمة الصحابة رد الرأي والرد على القائلين به قال أبو بكر١ ﵁: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي؟ "٢ وقال ابن مسعود٣ ﵁: "لو عملتم بالرأي لحللتم كثيرا مما حرم الله وحرمتم كثيرا مما أحل الله تعالى"٤ إلى غير ذلك من أفراد اثار فقد عورضوا بأضعافها وذكروا أولا إشارة الرسول ﵇ إلى القياس في الأخبار. منها: ما روى أنه ﵇ سئل عن قبلة الصائم، فقال للسائل: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته" ٥ فكان ذلك منه قياسا للقبلة على المضمضة وقال ﵇ لضباعة الأسدية وقد ذكرت له حجا على أبيها وسألته عن إمكان أدائه فقال: "أرأيت لو كان على أبيك دينا أكنت تقضينه؟ " ٦ قالت: نعم، قال: "فدين الله أحق بالقضاء"، وقول ابن مسعود٧ في حديث بروع٨ بنت واشق وقد كانت فوضت بعضها فردد ابن مسعود السائل شهرا ثم قال:٩ "إني أقول فيها [برأيي] .

стр. 316

فإن أصبت فمن الله تعالى وإن أخطأت فمني ومن الشيطان أرى لها مثل مهر نسائها لا وكس١ فيه ولا شطط٢. ٧١٨- قال الإمام: ومن رام منا أن ننقل اجتهادات الصحابة بطريق الاحاد فقد [تكلف] أمرا عسرا فإن ما ثبت النقل فيه تواترا عسر النقل فيه من طريق الاحاد ومن أراد أن ينظم إسنادا عن الأثبات بالعنعنة أن رسول الله صلى الله عليه سلم كان يصلي الفجر ركعتين لم يتمكن منه وهذا يناظر في المعقولات محاولة إثبات الضروريات والمحسوسات بطريق المباحثات فإنه معوز لا سبيل إليه وقد اضطررنا وكل منصف [معنا] إلى العلم بأن الذين [مضوا] كانوا يسندون جل الأحكام إلى النظر والرأي وكيف يطمع الطامع في معارضة ذلك بألفاظ محتملة ينقلها الاحاد ولو كانت نصوصا لما عارضت التواتر. ٧١٩- ثم ما تمسكوا به من قول الصديق٣ وابن مسعود٤ ﵄ لا حجة فيه فأما الصديق فإنه قيد كلامه بالرأي في كتاب الله تعالى وأراد به مخالفة المفسرين الذين إلى قولهم الرجوع وهذا ممنوع عندنا وقد قال رسول الله ﷺ : "من قال في القران برأيه فليتبوأ مقعده من النار" ٥ فلا حجة إذا فيما رووه عن الصديق ﵁. وأما قول ابن مسعود فلا متعلق له فإن فيه ما يدل على أن الرأي المجرد لا يطرد إذ قد يلقاه من أصول الشرع ما يمنعه من الجريان فعلى كل ناظر ألا يتبع رأيه المحض حتى يربطه بأصول الشريعة ومن أعمل الرأي المجرد أحل وحرم على خلاف الشريعة فلا حجة إذا في قوله. ٧٢٠- واحتج الشافعي٦ ابتداء بحديث معاذ بن جبل٧ ﵄.

стр. 317

قال له الرسول ﵇ لما بعثه إلى اليمن ["بم تحكم يا معاذ؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: أجتهد رأيي، فقال ﵊: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضاه رسول الله"] وهو مدون في الصحاح وهو متفق على صحته١ لا يتطرق إليه التأويل فإنه ﵁ انتقل من الوحي والتنزيل إلى سنة رسول الله ﷺ ثم انتقل منهما عند تقديره فقدهما إلى الرأي ولا يجوز أن يقال: أراد بالرأي رأي استنباط من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵇ فإن ذلك لو كان على هذا الوجه لكان متعلقا بالكتاب والسنة. ٧٢١- فإن قيل: خبر الواحد لا يقتضي العلم وإثبات القياس يقتضي أمرا مقطوعا قلنا قد ثبت عندنا بالقواطع العمل بخبر الواحد كما قد تقرر في صدر كتاب الأخبار وعرفنا من طريق التواتر أن رسول الله ﷺ لو أخبر معاذا أن العمل بالرأي سائغ وأخبر معاذ الذين أرسل إليهم أن النبي ﵇ أخبرني أن العمل بالرأي إذا لم تكن الواقعة في كتاب ولا سنة واجب كانوا يتبعونه ولو روى الصديق أو غيره من أئمة الصحابة على رؤوس الإشهاد أن الرسول ﵇ شرع القياس والعمل به لكان الذين لم يبلغهم ذلك يتلقونه بالقبول ويبتدرون إلى القياس ويسارعون إلى تمهيد قواعده وسبله وإذا كان القياس مغزاه العمل فالدال عليه دال على العمل فلا فرق بين أن يستند القياس إلى قاطع بدرجة وبين أن يستند إليه بدرجات. ٧٢٢- فهذا منتهى ما أردناه في إثبات [القياس وإثبات] تجويز التعبد بالقياس والرد على منكريه وإثبات وقوع ما أثبتنا جوازه وتتبع اعتراضات الحاحدين فيه ونحن نذكر بعد ذلك مسلك النهرواني والقاساني وابن الجبائي في تفصيل ما يقبل ويرد من النظر. مسألة: ٧٢٣- ذهب النهرواني والقاساني إلى أن المقبول من مسالك النظر في مواقع الظنون شيئان: أحدهما: ما دل كلام الشارع على التعليل به ولهذا صيغ منها ربط. الحكم

стр. 318

بالأسماء المشتقة كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ١ وقوله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٢ فما منه اشتقاق الاسم في فحوى الكلام منصوب علما. ومن هذا القبيل ما روى أنه سها فسجد وزنى ما عز فرجمه رسول الله ﷺ [فالفاء] تقتضي ربطا وتسبيبا وذلك مشعر بالتعليل إلى غير ذلك مما يأتي مفصلا في ترتيب الأبواب فهذا أحد الأمرين. وربما يلحقون بهذا الفحوى نحو قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٣ ففحوى النهي عن التأفيف يمنع ما يزيد عليه من التعنيف والضرب والإهانة. ٧٢٤- والأمر الثاني: إلحاق ما يكون في معنى المنصوص عليه بالمنصوص عليه وهو كقوله ﵇: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" ٤ ثم قالوا لو جمع جامع بولا في كوز وصبه في الماء الراكد لكان في معنى البول في الماء. وما عدا هذين من سبل النظر فهو مردود عند هؤلاء. ٧٢٥- وأما أبو هاشم فقد قال بهذين الوجهين وزاد وجها ثالثا وقال إذا ثبت أن المكلف مطالب بشيء واعتاص عليه الوصول [إليه] يقينا فاعلم أنه مأمور يبذل المجهود [في طلبه] والتمسك بالأمارات المفضية إلى الظنون فيه ومثل هذا القول بوجوب طلب استقبال القبلة عند إشكال جهاتها فقال يتعين طلبها بالتمكن من جهة الظن ولما أوجب الله تعالى المثل في الجزاء ولم يبينه لنا تبينا أنه كلفنا طلب المثل لما قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ٥. ٧٢٦- فنقول ما اعترفتم به أنتم مساعدون عليه وهو يلتحق بقبيل النصوص والظواهر والمباحثة وراء هذه الجهات أفتزعمون أن الفتاوى والأقضية في الأعصار الخالية تنحصر في هذه الجهات؟ فإن قلتم بذلك فقد باهتم وعاندتم مدارك الضرورات فإن ما في النصوص إشعار بتعليله ملتحق بالظواهر وما نراه يبلغ في الكتاب والسنة مائة عدد وما يذكره أبو هاشم معوز النظير في موارد الشرع والأحكام.

стр. 319

الجارية في نوادر الوقائع قد عدت العد وجاوزت الحد فأين يقع ما ذكره مما جرت فيه فتاوى المفتين؟ وينجر الكلام إلى المسلك المقدم في المسألة الأولى فإن أبدوا شبهة لم يخل من الوقوع في أحد الشقين: إما أن يتعرض لمنع جواز التعبد بالقياس وقد مر القول فيه مستقصى وإما أن يتعرض لعدم الوقوع مع الاعتراف بالجواز وقد تقدم القول البالغ في ذلك فما استفاد هؤلاء بما أودوه إلا اعترافا بمسائل معدودة والدليل عليهم قائم فيما أنكروه. ٧٢٧- ثم تتبع المحققون كلامهم فيما وافقوا فيه وأبدوا لهم صفحة الخلاف وطالبوهم بتثبيت ما أقروا به وقالوا: لم قلتم إن ما عرض رسول الله ﷺ بتعليله في حق البعض فتلك العلة مطردة على الكافة مع القطع بأنها لا تدل لنفسها وإنما تدل بنصب ناصب إياها علما ولا يجب من نصبه علما في حق زيد انتصابه في حق عمرو ولو قال الرجل لمن يخاطبه: بع عبدي هذا فإنه سيء الأدب فإنه يبيعه بحكم الإذن فلو أساء عبد آخر أدبه لم يبعه جريا على تعليله بيع الأول بإساءة الأدب. فإن قالوا: إذا قال الرجل لولده: لا تأكل هذه الحشيشة فإنها سم اقتضى ذلك نهيه عن تعاطي كل سم. قلنا: ليس ذلك من حكم اللفظ ولكن ما أظهر من الإشفاق والحث على الحذار من مواقعة الضرر هو الذي اقتضى تعميم الأمر وقد قال المحققون لولا ما تحقق في سياق الخطاب من قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ١ من نهاية الحث على البر لما أبعدنا النهي عن التأفيف مع الأمر بضرب العنق وقد يأمر السلطان بقتل الرجل المعظم ويتقدم إلى الجلاد بألا يستهين به قولا وفعلا. ٧٢٨- والغرض مما نذكره يتبين الآن بأمر هو الشأن كله فنقول. إن تجرد اللفظ عن القرائن فالقياس بماذا ولا مفزع في إثباته إلا ما اعتصمنا به في إثبات وجوب النظر فإن [تمسكوا به ساقهم إلى القول بوجوب النظر] فإن مواقع فتاوى [المفتين] ليست مختصة بما ذكروه وإن اقترنت باللفظ قرينة أوجبت التعميم. والذي قبلوه إذا موجب اللفظ وقضية ظاهره وليس من أبواب النظر في ورد ولا صدر فال حاصل الكلام قولهم بتعيين الظواهر.

стр. 320

٧٢٩- فإن قيل: أنتم لا تصححون أيضا كل نظر ومتعلقكم فيما تصححونه الإجماع من الأولين فلا تنقلون فيه لفظا جامعا مانعا حتى يكون مرجعكم فيما تأتون وتذرون وتصححون وتبطلون وإلا فالأقاصيص المتفرقة لا ضبط لها فكيف ينضبط لكم منها ما يصح وما يفسد فقد اعترفتم بأن لا مدرك غير التعلق بما صدر منهم وهذا سؤال مشكل لا يتأتى الجواب عنه في معرض الأجوبة عن الأسئلة ولكن القدر المتعلق بمقصود المسألة: أنا نعلم ضرورة أن النظر الذي حكموا به زائد على ما اعترف هؤلاء به بأضعاف مضاعفة وآلاف مؤلفة فقد ثبت نظر أنكروه وليس من شرط توجه الكلام عليهم أن نذكر [مأخذنا] في التصحيح والإفساد ولو حاولنا ذلك لم نتوصل إليه إلا بذكر أسباب وتبويب أبواب ورب كلام لا يبينه إلا التفصيل. وتفصيل ما يصح ويفسد [واستناد] كل دعوى فيها إلى الحق هو لباب القياس ونحن نضمن للناظر الموفق إلا يتنجز الكتاب وفي صدره غلة لم يشفها وعلة لم يداوها والله المستعان. وقد تنجز الكلام الآن على الجملة وجاز أن نرسم بعده تقاسيم تشير إلى أغراض الكتاب يتخذها الطالب دستوره والله ولي التوفيق.
следующие страницы →