الأصل والاستصلاح بالإضافة إليها فرع.
٩١٢- وأنا أضرب لذلك مثلا تقديرا فأقول من سبق عقده قبل ورود الشرائع إلى تقدير ورودها بالمصالح فإنه يسبق مع هذا العقد إلى درء الحاجات والضرورات ويختبط في وجوه الاستصلاحات فإنه يتعارض فيها الظنون بالإضافة إلى الحالات والدرجات فيتوقف لا جرم فيها الضبط على ورود الشرائع ثم إذا تمهد باب من الاستصلاح بالشرع جرى القياس فيه ومستنده يكاد أن يكون غيبا لا يطلع العقل على حقيقته فيكله إلى فاطر البرية .
ثم قد يظهر الاستصلاح وهو مع ذلك جزئي فإن متضمنة حجرة على مطلق من غير حاجة ولا ضرورة في أمر تطرق المطلق فيه إلى البدل الكلي من غير منع ولا حجر ولكن ضنة النفوس وازعة مع وفور عقلها عن السرف والبذل العرى عن العوض وقد يحملها السرف وفرط الشره على أغرار وأخطار في المعاملات مغباتها وخيمة وغوائلها عظيمة والله تعالى عليم بها فسيصلح الله عباده بما علمه من غيبهم ولو تطرق إلى العقل الوازع عن البدل العرى عن العوض خلل طرد الشارع حجرا ولهذا يطرد الحجر على الصبيان والسفهاء.
فإذا باب الاستصلاح غايته تقليد وتفويض الأمر إلى مالك الأمر وهو باب محاسن الشريعة وقد يعيب [كلى] الاستصلاح [وجزؤه] عن الناظر ومن هذا القبيل عندي تحريم ربا الفضل والحجر المتمهد في ربا [النسيئة] .
٩١٣- ومن دقيق ما يجري في هذا الفن وهو العلق النفيس في هذا القبيل أن الشافعي ألحق إثبات الخيار والأجل [بأبواب] الرخص من جهة أن [قياس] التقابل في المعاوضات أن يخرج العوض عن ملك أحد المتعاقدين حسب دخول مقابله في ملكه وإذا حل أحد العوضين وتأجل الثاني كان ذلك خارجا عن هذا القانون وكذلك الخيار الطارئ على العقد المبني على اللزوم في حكم الرخص والتأجيل أثبت فسحة [لمن لا يملك الثمن] [في الحال ورجاء أن يتمحله] إلى منقرض الآجال والخيار أثبت لتروي من لا بصيرة له وعدم الدراية في السلع أعم وأغلب من المعرفة بها.
٩١٤- والقول في ذلك عندنا أن [أصل] البيع مستندة الضرورة أو الحاجة النازلة منزلة الضرورة واللزوم [فيه] بمطلق البيع قد لا يستند إلى الضرورة نعم لو قيل لا يفضى البيع قط [إلى لزوم] جر ذلك ضرارا بينا من حيث لا يثق المتعاوضان بما يتقابضان وكان من الممكن أن يقال إذا تراضى المتعاقدان على الإلزام لزم وإن.
стр. 387
أطلقاه فالحكم [بلزومه] من غير تراضيهما [فيه] مصلحي وليس ضروريا [وكذلك] المصير إلى اقتضاء مقتضى العقد حلول العوضين مصلحي.
فإذا تمهد ذلك فشرط الخيار والأجل لا يخرم أمرا ضروريا فليفهم الفاهم ذلك وليتئد إذا انتهى إلى هذا المقام.
٩١٥- ولكن الشافعي نظر إلى تعبدات الشارع فقد مهد في العقود تمهيدا عاما وإن لم يكن مستنده إلى ضرورة مدركة بالعقول أو حاجة ثم رأى ما يطرأ عليها بمثابة ما يطرأ على وظائف العبادات [من] الرخص والتخفيفات وإن كانت العبادات في أصولها غير مستندة إلى أغراض وإلا فالقاعدة الكلية اتباع الحاجة [والضرورة] أو أتباع رضا المطلقين فإن [ألحق ملحق الخيار] والأجل بالرخص من جهة [ندورهما] بالإضافة إلى [ما] تمهد في التعبد والاستصلاح في العقود وإلا فاتباع الرضا من غير اقتحام أمر كلي أمس للقياس الكلي من الاستصلاحات وأنا أذكر [الآن] مسألة كلية يقضى الفطن العجب منها فأقول.
[مسألة] :
٩١٦- لو درست تفاصيل الشريعة وتعافى نقلتها وبقيت أصولها على [بال] من حملة الدين فالذي يقتضيه التحقيق تصحيح كل بيع استند إلى رضا ولو لم يقل به وتفاصيل الاستصلاحات لا تطلع عليها العقول ولا يحسم باب البيع ففي انحسامه ضرورة عظيمة وقد ذكرت طرفا من هذا [في] الكتاب [الغياثي] والغرض منه الآن أن الكلى ما يتطرق إليه العقل مع نسيان التفاصيل وهذا كاف في هذا الضرب.
٩١٧- وأما الضرب الثالث: وهو ما لا ينتسب إلى ضرورة ولا إلى حاجة وغايته الاستحثاث على مكارم الأخلاق ووضع الاستصلاح [ينافي] إيجاب ذلك على كافة في عموم الأوقات [لعسر] الوفاء به والقدر الذي على يقتضيه الاستصلاح لا ينضبط بقدر أفهام المكلفين [ودرك المتعبدين] فإذا عسر الضبط وتعذر الإيجاب العام فيثبت الشارع وظائف [تدعو] إلى مبلغ المقصود الواقع في [علم] الغيب وإن كان لا ينضبط هو في عينه لنا.
ويعضد هذا [القسم] في غالب الأمر وبأمور جلية حتى كان الشريعة تتأيد بموجب الجبلة والطبيعة فيكل إليها قدرا ويثبت للوظائف قدرا وهذا كالوضوء فليس [ينكر] العاقل ما فيه من إفادة النظافة [والأمر بالنظافة] على استغراق الأوقات [يعسر] الوفاء به.
стр. 388
فوظف الشارع [الوضوء] في أوقات وبنى الأمر على [أفادته] المقصود وعلم الشارع أن أرباب العقول لا يعتمدون نقل الأوساخ والأدران إلى أعضائهم البادية منهم فضلا فكان ذلك نهاية في الاستصلاح ومحاولة الجمع بين [تحصيل] أقصى الإمكان في هذه المكرمة ورفع [التضييق في التدنس والتوسخ] إذا حاول المرء ذلك فهذا وضع هذا الفن.
٩١٨- ولكن إزالة النجاسة أظهر في هذا الفن من النظافة الكلية المرتبة على الوضوء فإن النجاسات تتقذر في الجبلات واجتنابها أهم في المكارم والمروءات من اجتناب [الشعث] والغبرات.
ولهذا ذهب طوائف من الفقهاء إلى أنه يحرم على الإنسان التضمخ بالنجاسات من غير حاجة ماسة والشافعي نص هذا في الكثير وقد ردد [في] مواضع من [كتبه] تحريم لبس جلد الميتة قبل الديباغ وحرام على المرء لأن يلبس جلود الكلاب والخنازير فتميز ظهور الغرض في إزالة النجاسة عن النظافة الكلية المعينة في الوضوء ولهذا خصص الشافعي الوضوء بالنية من حيث التحق بالتعبدات العرية عن الأغراض وضاهى العبادات [البدنية] .
٩١٩- ثم هذا الضرب الذي يفضى الكلام إليه يضيق نطاق القياس فيه فليس للناظر أن يؤسس في هذا الضرب أصلا يتخيل فيه مثل هذا المعنى الذي تكلفنا نظم العبارة [منه] لمعتبره بالقاعدة الثانية.
والسبب فيه أن هذا يدق مدرك النظر فلا يستقل بالتطرق إليه القوى البشرية ولا ينبغي أن يؤتى الإنسان عن خداع فإن مجال الظنون متسع لما يظهر ويدق فإنا لم نؤمر بربط الحكم لكل مظنون.
٩٢٠- فالقول الوجيز فيه أن المعنى الذي ذكرناه في هذه القاعدة الثانية محال على غيب ينفرد بعلمه الشارع وعليه ابتني الإيهام الكلى بين التصريح والتلويح المذكورين في الطهارة [فإنا قلنا] تعميم الأمر بالنظافة عسر ورفعه مناقض للمكارم والمحاسن والقدر المعين لا تدركه أوهام البشر ولا عسر في امتثال أمر الشارع في طهارات متعلقة بأوقات [ثم الفطن] يظن أنها في علم الشارع منطبقة على القدر المقصود الواقع في الغيب وليس من الممكن ربط الظن به فضلا عن دركه يقينا.
٩٢١- فإذا كان هذا مبنى الأصل الثابت فكيف يطمع الطامع في تأسيس أصل [وتقعيده قاعدة] تضاهى الطهارة في [وفائها] بالغرض الغيبي ولهذا نقول في هذا.
стр. 389
الضرب: لا يجوز قياس غيره عليه وليس كالضرب الأول والثاني المتعلقين بالضرورة [والحاجة] فإن أمرهما بين ودركهما سهل.
ثم للشرع تصرف في الضروريات به يتم الغرض في القسمين الأولين وذلك أن الذي لا يستباح إلا بالضرورة لفحشه أو بعده عن الحل فقد يرعى الشرع فيه تحقق وقوع الضرورة ولا يكتفى بتصورها في الجنس وهذا كحل الميتة ورب شيء يتناهى قبحه في مورد الشرع فلا تبيحه الضرورة أيضا بل يوجب الشرع الانقياد للتهلكة والانكفاف عنه كالقتل والزنا في حق المجبر عليهما.
٩٢٢- فإذا الضرورات على ثلاث أقسام: فقد لا تبيح الضرورة نوعا يتناهى قبحه كما ذكرناه وقد تبيح الضرورة الشيء ولكن لا يثبت حكمها كليا في الجنس بل يعتبر تحققها في كل شخص كأكل الميتة وطعام الغير والقسم الثالث ما يرتبط في أصله [بالضرورة] ولكن لا ينظر الشرع في الآحاد والأشخاص وهذا كالبيع وما في معناه وإنما كان كذلك لأنه لا أثر للفكر العقلي في تقبيح البيع والتبادل في الأعواض فكفى تخيل الضرورة في القاعدة ولا التفات إلى الآحاد فإن الأمر في ذلك مبنى على قاعدة كلية وليس البيع قبيحا في نفسه عرفا أو شرعا.
٩٢٣- فأما الطهارات وما يضاهيها فقصاراه تحصيل أمر بوظائف واجبة من غير تصريح بوجوب المقصود فلا جريان للقياس في هذا الباب على معنى أن يعتبر غير الباب بالباب.
وعلى هذا ينبني سد باب القياس في الأحداث فإنها مواقيت الطهارات وثبتها الشرع في أمر مغيب عن دركنا ولم يثبت الطهارة عامة بل خصصها تخصيصا نقدر نحن بظنوننا أنها تأتى على تحصيل النظافة فكيف نستجيز إثبات وقت فيما لا نطلع على إثبات أصله.
٩٢٤- ثم [قال] القاضي ﵀ كما لا تثبت الأحداث بالقياس فلا مجال للقياس أيضا في نفي الأحداث وهذا [علق مضنة] فليقف الناظر عنده ليقف عليه فإن احتكم محتكم باثبات حدث من غير ثبت فلا حاجة إلى قياس في درء مذهب الخصم [وإن] عزاه فيما زعم إلى قياس فالوجه أبطال قياسه وقد ذكرنا بطلان القياس في إثبات الحدث.
стр. 390
٩٢٥- وإن تمسك بظاهر يتعرض مثله للتأويل في غير هذا الباب وأراد المعترض إزالة الظاهر بقياس فقياسه مردود فإن القياس كما لا يهتدي إلى تأقيت الطهارة لا يهتدي إلى نفي تأقيتها ولو ظن الظان أن القياس ألا ينتقض الطهر بشيء فهذا قول يصدر عن قلة البصيرة كما ذكرناه في استبهام الأمر في أوقات الطهر فإذا استبهم ثبوت الشيء استبهم نفيه وإذا صودف ظاهر لزم اتباعه ولم يثبت في معارضته قياس ومن ينفي الحدث فليكن [متمسك المطالبة] بثبت فيه والظاهر معتصم معمول به [والعبادات] وإن استرسلت في جريانها فتجري في هذه المضايق مجرى التنبيهات للقرائح الذكية والفطن فإذا حاصل كلام الراد إلى المطالبة بالإثبات فإذا وجد شيء يعمل بمثله سقط ما كان يتمسك به وليس معه ثبت في النفي.
٩٢٦- ومما يتعلق بتمام الكلام في هذا الفصل أن القياس الجزئي في الأصل الذي فيه نتكلم لا يتصور أن يجري معنويا.
نعم لا ينحسم فيه قياس الشبه فإن كل ما يتطرق إليه العلم يتطرق إليه الظن فإذا ينبني على هذا أن إثبات كون الملامسة حدثا بالقياس على خروج الخارج من السبيلين لا مطمع فيه فإنه لا يجمعهما معنى ولا شبه.
٩٢٧- فأما اعتبار أصحاب أبي حنيفة خروج النجاسات من غير السبيلين بما يخرج من السبيلين ففيه فقه وغايتهم في ذلك تشبيه نجاسة تنفصل من محل الخلاف بالنجاسة التي تنفصل عن أحد السبيلين فإذا أحسنوا الإيراد قربوا الشبه واعتبروا الخارج بالخارج والمخرج بالمخرج.
٩٢٨- ولأصحاب الشافعي أن يقولوا: لا نسلم فإن خروج النجاسة من أحد السبيلين لا يقتضي الوضوء لأمر يتعلق بالنجاسة فإن الذي يبتدر إلى الفهم من أمر النجاسة رفعها عن محلها وإزالتها عن موردها فأما ربط إيصال الماء إلى غير مورد النجاسة عند اتصال النجاسة بمحل آخر فلا محمل لذلك إلا التأقيت.
ثم الذي يليق [بالتأقيت] على ما تمهده القول فيه أن يربط [سبب نظافة] الأعضاء البارزة فضلا بما يتكرر في الجبلة على اعتياد لائق به حتى تنتهض الطهارة وظيفة مكررة متعلقة بأوقات يغلب تكررها فأما الرعاف وما في معناه فليس في حكم ما يتكرر.
стр. 391
٩٢٩- وليعلم الناظر أنهم وإن شبهوا على الظاهر فقطع شبههم بما ذكرناه أقيس للغرض وأقرب إلى الدرك وخاصية النجاسة ساقطة الاعتبار في الأصل والفرع [المعتبر به] المتفق عليه.
٩٣٠ - نعم [بحق] ردد الإمام١ [المطلبي] قوله فيه إذا انسد المسلك المعتاد وانفتح سبيل آخر للنجاسة المعتادة الخارجة من المحل على ما يفصله الفقيه والسبب فيه أن هذا الآن يشبه النجاسة المعتادة الخارجة من المحل المعتاد من جهة أن الطبيعة تقتضى تكرر دفع الفضلات من السبيل المنفتح فهذا منتهى الغرض في ذلك.
٩٣١- وأما الضرب الرابع: فقد مثلناه بالكتابة فهو في الأصل كالضرب الثالث الذي انتجز الفراغ منه في أن الغرض المخيل الاستحثاث على مكرمة لم يرد الأمر على التصريح بإيجابها بل ورد الأمر بالندب إليها فان العتق في الابتداء محثوث عليه مندوب إليه.
فهذا الضرب يتميز عن الضرب الثالث المقدم عليه فإن الشرع احتمل فيه خرم قاعدة ممهدة وهي امتناع معاملة المالك عبده وامتناع مقابلة الملك بالملك على صيغة المعاوضات ولم يجر مثل ذلك في الضرب الثالث وإن اختص الضرب الثالث بإيجاب الطهارة ولا تجب الكتابة على رأي معظم العلماء.
٩٣٢- وذهب مالك رحمه الله٢ في طوائف من السلف إلى وجوبها وإسعاف العبد إذا طلبها ووجد فيها خيرا ومأخذ مذهبه في ذلك يقرب من إيجاب الطهارات مع العلم بأن النظافة في نفسها لا تجب بأمر مقصود وتعلق أيضا بظاهر الأمر في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ ٣.
٩٣٣- والشافعي ﵀ رأي الإيتاء واجبا كما أنبا [عنه] قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ ٤ فكان هذا مما اعترض به عليه إذ أجرى إحدى الصيغتين
стр. 392
على [اقتضاء] الإيجاب وحمل الأخرى على الاستحباب.
٩٣٤- فأما ما أشرنا إليه من تشبيه هذا الضرب على رأي مالك [بالطهارات فهو] يصلح لعقد المذهب وإلا فقد مهدنا أن القياس لا يجرى في محاولة تأصيل الأصول على هذا الوجه وإنما يجري [طرف] من التشبيه في [جزيئات] النوع من غير خروج عنه.
وأما التعلق بالظاهر فأوجه ولكن الشافعي لم يعتمد في إيجاب الإيتاء مجرد الظاهر لكن عول على سير الصحابة ﵃ وما كان منهم ونقل آثارا مطابقة لمعتقده وضم إليه أن الكتابة يتضمنها إرفاق من كل وجه والإيتاء منه وقد رآه الأولون على الاطراد يتضمنها والتبرعات لا تطرد سيما في الأموال والكتابة تلزم في حق السيد ومن متضمنها الرفق المنقول وما تقرر يلزم شيئا إذا صح لم يلزم الإقدام عليه على أن لا أرى مذهب الشافعي مسألة أضيق [مسلكا] من الإيتاء.
٩٣٥- ونحن نقول وراء ذلك: أما مالك فسوى بين الكتابة وبين باب الطهارات في إثبات إيجاب الأصل ولاح على أصله [إجراء] قسم الكتابة في وضع الشرع على باب الطهارات [باحتمال] أمور خارجة عن أقيسة المعاوضات فيها والشافعي لم يوجب الكتابة وقال للشرع تعبد في الإيجاب متبع وإن لم يكن منقاسا كإيجاب الطهارة وإن لم تجب النظافة وللشارع أحكام في رفع حجره وإطلاق حجر القياس اطراده كما جرى في الكتابة فكان احتمال الشرع لهذا في الكتابة على خلاف القياس [مضاهيا لإيجاب الشرع الطهارة على خلاف القياس] .
ويخرج من ذلك تعادل الضربين في خروج الطرفين عن القياس فانتهض إيجاب الطهارة [محصلا] لمكرمة النظافة كما انتهض رفع الحجر في الكتابة مرعيا في تحصيل العتاقة.
ثم قال الشافعي: في رفع الحرج في الكتابة ترغيب مالي يتعلق بغرض بين في تحصيل الكسب فإن العبد يحرص إذا [طمع] في العتاقة [والسيد] يتحصل على كسب كان لا يتحصل له بغير الكتابة بظاهر الظن فخرجت الكتابة عن قبيل القرب لظهور الغرض منها ولم يكن في الطهارات غرض ناجز [فلاق] بها ترغيب في الثواب وهذا يقتضي إلحاقها بالقرب المفتقرة إلى النيات فهذا تأسيس القول في البابين ونحن الآن.
стр. 393
نرسم مسألة في قسم الكتابة تمس إليها حاجة الفقيه.
مسألة:
٩٣٦- قد ثبت أن الكتابة الفاسدة تثبت فيها أحكام مشابهة لأحكام الكتابة الصحيحة.
فرأى أصحاب أبي حنيفة أن يعتبروا البيع الفاسد بالكتابة الفاسدة وقضوا بأن البيع الفاسد يفيد الملك إذا اتصل به القبض على تفصيلهم المعروف.
وقد امتنع طوائف من أئمتنا من قبول هذا القياس.
ونحن نكشف الغطاء فيه مستعينين بالله تعالى بعد ذكر مسلك الفريقين اعتراضا وجوابا.
٩٣٧- قال الشافعي ﵀: لا يقبل القياس في الفرعين فان الكتابة الصحيحة خارجة عن قياس المعاملات [والفاسدة] متفرعة عليها فإذا انحسم مسلك القياس في الأصلين ترتب عليه امتناع القياس في الفرعين.
فقال أصحاب أبي حنيفة: إذا ثبتت الكتابة والتحقت بالمعاوضات الصحيحة فلا ننظر بعد ثبوتها إلى خروجها عن القياس ولكنها يقضي فيها وعليها بقضاء المعاوضات حتى نقول يشترط في المعاوضات ولا تنحسم الأقيسة في التفاصيل مع إمكانها بخروج أصل الكتابة عن قياس المعاوضات واعتبار البيع الفاسد بالكتابة الفاسدة من النظر في التفاصيل بعد تسليم الأصل وتنزله على حكم التوقف والفاسد في كل باب حائد عن موجب التعبد لذلك فسد فإذا لم يمتنع التحاق الفاسد بالصحيح في الكتابة مع حيد الكتابة الفاسدة عن الصحيحة فينبغي ألا يمتنع مثل ذلك في البيع وكل أصل مقر على قانونه منقاسا كان أو غير منقاس والفاسد في كل باب حائد عن مراسم الشرع.
فهذا منتهى كلام الفريقين مع فضل بيان شاف في الإيراد لا يستقبل به فقيه ليس له حظوة وافرة من الأصول.
٩٣٨- ونحن الآن نقول: هذا الجمع لا ينتظم في مناظم المعاني ولا يستبد في ذلك قياس معنوي من جهة أن شرط المعنى اتجاهه أو انقداحه في الأصل ثم إذا تقرر في الأصل معنى واطرد في الفرع فإذا ذاك يجمع الجامع بالمعنى وليس [معنا] معنى.
стр. 394
فقيه يتضمن تنزيل الكتابة الفاسدة منزلة الكتابة الصحيحة فإن الذي [لا] يتمارى فيه الناظر في الدرجات الأول من نظره أن الفاسد ليس مطلقا للشرع والأحكام تثبت إذا جرت أسبابها موافقة الشرع ويهون على الرشيد الفطن تقرير خروج الكتابة الفاسدة في نزولها منزلة الكتابة الصحيحة عن القياس المعنوي والاعتبار الكلي وإذا فعل ذلك انحسم مطمع الخصم في قياس المعنى وآل النظر إلى التشبيه.
٩٣٩- فإن تفطن الخصم وسلم انحسام المعنى واجتزأ بالتشبيه وقال: البيع الفاسد بالإضافة إلى الصحيح في تشبيه الكتابة الفاسدة بالإضافة إلى الصحيحة ولا يلتزم إبداء معنى في الأصل وإظهاره في الفرع.
فعلى الناظر في ذلك وقفة وإمعان نظر فيما يدرأ هذا المسلك وهو النقض الصريح فإن لم ننزل كل فاسد منزلة الصحيح إذ النكاح الفاسد ليس كالصحيح في إثبات حق لا على جواز ولا على لزوم وأقرب من ذلك البيع نفسه فإن فاسده من غير قبض لم ينزل منزلة صحيحة والتشبيه شرطه الطرد وأحق قياس بالبطلان والنقض قياس الشبه فإن المتمسك بالمعنى قد يعن له طرد المعنى ما لم يمنعه مانع وأما الشبه فقصاراه ظن على بعد فإذا عارضه نقض وهى وانحل.
فهذا فن من الكلام واقع يضطرهم إلى النزول عن الشبه والترقي إلى معنى وعن هذا قالوا: ما اتسع طرقه فالفاسد أحد طرقه وزعموا أن الاتساع يشعر بإحلال الفاسد محل الصحيح ومهما اضطروا إلى المعنى وحاولوه افتضحوا واجترءوا ولا يكاد يخفى إبطال هذا المسلك وما في معناه فإذا بطل الجمع المعنوي وانتقض الشبه لم يبق لمتمسكهم بالكتابة الفاسدة وجه.
٩٤٠- ومما نذكره في ذلك أن الكتابة الفاسدة في وضعها مخالفة للبيع الفاسد على رأى المخالف فإن المكاتب كتابة فاسدة يتسلط على أكسابه [بنفس العقد] تسلطا صحيحا وتنفذ تصرفاته فيها على الصحة نفوذها في الكتابة الصحيحة وليس البيع الفاسد كذلك وإن اتصل بالقبض وهذا يستعمل أيضا في [معرض النقض] المعنوي.
٩٤١- ومن دقيق القول في ذلك أن تحصيل العتاقة بوجود الصفة مما يجب القضاء بصحته فإن تعليق العتاقة على أداء العوض الفاسد صحيح وإن فسد العوض ثم التعليق إذا صح فقياسه ألا يرفع وأثر فساد الكتابة في رفع وجوب التعليق وهذا.
стр. 395
خارج ظاهر الخروج عن قياس بابين أحدهما حكم المعاوضة والثاني حكم تعليق العتق والعتق أنفذ التصرفات وأغلبها فالوجه استيلاء حكمه فإن مؤقته يتأبد ومبعضه يتمم فكيف اكتسب ما ليس يفسد وإن ذكر على صيغة الفساد [قضية] الفساد [من] معاملته واهية بالفساد والجواز فهذا يمنع من [التشبيه] ويعارض ما يأتي به [المشبه] وينزل في المظنونات منزلة بعد الشيء وإن عن التحاق بالمنصوص عليه لكونه في معناه وقياس الشبه مستند إلى القياس الذي يقال فيه إنه في معنى الأصل فهذا منتهى كلام الفقهاء.
٩٤٢- وأنا أذكر مسلكا أصوليا يغنى عن جميع ذلك فأقول: وقد مهدت أن القوانين المبنية على المكارم الكلية لا يجرى فيها تمهيد أصل قياسا على أصل وإنما الأقيسة في الأصول إذا لاحت المعاني وإنما تظهر المعاني في الضرورات والحاجات وأقرب قطاع الشبه تعدد الأصول فيما لا ينقدح فيه جامع ضروري أو حاجى.
والذي نختتم به الكلام أن أصلين مستندهما المحاسن والمكارم لا تشبه فروع أحدهما فروع الثاني من جهة تعلق كل واحد بأمر [غيبي لا يضبطه الفكر إذ لا يجري كل مقصود في الغيب على قضية واحدة.
٩٤٣- فإذا لاح ذلك وتجدد العهد به فالبيع من الضروريات فكيف ينقدح تشبيه فاسده بفاسد قسم لا ضرورة فيه ولا حاجة؟ وهذا قاطع للشبه بالكلية فإذا انقطع [الشبه] ولم يلح معنى لم يرتبط الأصل بالفرع.
٩٤٤- نعم إذا كفى الشافعي احتجاج الخصم [بالكتابة] بقيت عليه غائلة في انتقاض ما يطرده [من] معناه بالكتابة.
فان قال: المعنى حيد الفاسد عن وضع الشرع والمصير إلى أن الفاسد غير معتد به ولا تنتقل الأملاك إلا بمسلك شرعي وإذا نحن اعتمدنا ذلك صدمتنا الكتابة الفاسدة نقضا فلا وجه إلا مسلكان في دفعه:
أحدهما: أن يدعى أن الكتابة صحيحة في جهة مقصودها وقد تناهينا في تقريب ذلك في "الأساليب".
والمسلك الثاني: وهو الأصولي ألا يلتزم في أقيسة المعاني النقض بالمنتزع عنها كما سنمهده في باب النقض إن شاء الله تعالى.
стр. 396
٩٤٥- والضرب الخامس: متضمنه العبادات [البدنية] التي لا يلوح فيها معنى مخصوص لا من مآخذ الضرورات ولا من مسالك الحاجات ولا من مدارك المحاسن كالتنظيف في الطهارة والتسبب إلى العتاقة في الكتابة ولكن يتخيل فيها أمور كلية تحمل عليها المثابرة على وظائف الخيرات ومجاذبة القلوب بذكر الله تعالى والغض من العلو في مطالب الدنيا والاستئناس بالاستعداد للعقبى.
فهذه أمور كلية لا ننكر على الجملة أنها غرض الشارع في التعبد بالعبادات البدنية وقد أشعر بذلك نصوص من القرآن العظيم في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ١ ولا يمتنع أيضا أن يتخيل فيها أمر آخر وهو أن الإنسان يبعد منه الركوب إلى السكون فالقوى المحركة تحركه لا محالة فإن تركت تحركت في جهات الشهوات وإذا استحثت بالرغبة والرهبة على العبادات انصرفت حركاتها إلى هذه الجهات وهذا فن لا يضبطه القياس ولا يحيط به نظر المستنبط والأمر فيه محال على أسرار الغيوب والله تعالى المستأثر به فلا يسوغ اعتبار ضرب إحداها في جهة اختصاصها ولا يسوغ اعتبارها في إثبات قضيتها الخاصة بغيرها من الضروب فإنا منعنا اعتبار ضرب بضرب فيما لا يستند إلى ضرورة وحاجة وإن كان يغلب على الظن [تعين] مقصود منه على منهاج الأمر بالمحاسن فلأن يمتنع ذلك من العبادات التي لا يتعين منها مقصد [أولى وأحرى] .
٩٤٦- فأما اعتبار [البعض من هذا الضرب بالبعض] فقد ينقدح فيه معان فقهية نحو اعتبار القضاء بالأداء في اشتراط تبييت النية والجامع أن النية قصد ومرتبطه الحال أو [عزم] ومتعلقه الاستقبال وقد أمرنا بإيقاع الصوم أداء وقضاء وعبادة والعبادات إنما تقع على قضية التقرب بالقصد وما مضى لا على حكم القرب يستحل انعطاف القصد والعزم عليه فهذا من [أجلى] المعاني المعتمدة وكذلك ما ضاهاها.
٩٤٧- فأما ما يثبت برسم الشارع ولم يكن معقول المعنى فلا يسوغ القياس فيه وهذا كورود الشرع بالتكبير عند التحريم والتسليم عند التحليل ومن هذا القبيل اتحاد الركوع وتعدد السجود فمن اراد أن يعتبر غير التكبير بالتكبير مصيرا إلى أنه تمجيد وتعظيم فقد بعد بعدا عظيما وزال من القاعدة الكلية فإن إيجاب الذكر عند التحليل ليس معقول المعنى.
стр. 397
٩٤٨- وإذا قال الحنفي: معنى التكبير معقول قيل [له] : اشتراط ما يتضمن تمجيدا عند التحريم غير معقول ولا ينفع الاكتفاء يكون التكبير معقول المعنى فإن هذا يرجع إلى وضع اللسان ومعنى الصيغ وليس هذا من معاني الشرع في ورد ولا صدر.
٩٤٩- قال الشافعي ﵁: في مجاري كلامه في رتب النظر من قال لا غرض للشارع في تخصيص التكبير وفي الاستمرار عليه ولا غرض لصحبة ومن بعدهم من نقله الشرائع والقائلين بها في التكبير على التخصيص وقد استتب الناس عليه مع تناسخ العصور واعتقاب الدهور قولا وعملا وتناوله الخلف عن السلف حتى لو فرض عقد الصلاة بغيره لعد نكرا وحسب هجرا [فمن] قال والحالة هذه لا اثر لهذا الاختصاص وإنما هو أمر [وفاقي] فقد نادى على نفسه بالجهل بمقاصد الشريعة وقضايا مقاصد المخاطبين فيما يؤمرون به وينهون عنه ولو كان غير التكبير كالتكبير لكان ذكر الشارع التكبير كلاما عريا عن التحصيل نازلا منزلة قول القائل ابتداء أيحرم على الجنب سورة آل عمران مع القطع بان غيرها من السور بمثابتها ولا ينطق المبتدئ بها إلا ويبين لغوه على عمد إن لم يكن ساهيا.
٩٥٠- فإذا ثبت قطعا أن تخصيص التكبير ثابت فإن اعترفوا بتعيينه [بدءا] ثم طعموا في اعتبار غير التكبير بالتكبير بجامع التمجيد وهو بعينه جار في الاستحباب فقد طعموا في غير مطمع فالخصم بين أمرين:
أحدهما: أن ينكر قصد التخصيص من الشارع فيكون مباهتا قريبا ممن يجحد الضرورات في المعقولات وإن اعترفوا بالتخصيص في وجه وأرادوا الجمع في وجه آخر ينقضه ما سلموه من التخصيص فقد تناقض كلامهم.
ويخرج مما ذكرناه أن التكبير مخصوص غير معقول الاختصاص فرفع الاختصاص مع ثبوته محال.
٩٥١- ومن نظر, نظر ذي غرة فقاس غير التكبير على التكبير أوطأه إذ ذاك تطرق فاحشة لا يبوء بها من وقر الدين في صدره وهو إقامة عمد الحدث مقام التسليم من جهة أن التسليم يناقض الصلاة مناقضة الحدث إياها ومن استجاز في محاسن الشريعة أن يلحق عمد الحدث بما يجيزه الشارع من التسليم في اختتام الصلاة فهو بين معاند يظهر خلاف ما يضمر وبين من أعمى الله تعالى بصيرته نسأل.
стр. 398
الله تعالى التوفيق ونعوذ به من الانهماك في أوضار التقليد.
٩٥٢- ثم أن أجرى مجر [في] هذا القسم كلاما [ظاهره] التشبيه مثل أن يقول تعين الركوع كتعين التكبير وامتناع إقامة السجود مقامه يضاهي امتناع إقامة غير التكبير مقامه فقد تردد كلام الشافعي في ذلك فتارة يسميه استشهادا والمعنى به أن ذلك يذكر تقريبا وتحقيقا لمنع القياس ويضرب أمثالا وهو مشبه بتقرير الضرورات على من يجحدها فإنه لا [يجدي] مع جاحدها مسلك نظري والوجه في مكالمته إن ريم ذلك تقريب الأمر بضرب الأمثال فهذا مسلك.
وقد ويقول الشافعي: هذا من مآخذ قياس الشبه فإن الاختصاص بالتكبير مأخذه مأخذ الاختصاص في الركوع وإذا شبه احدهما بالثاني كان ذلك من قياس الشبه وإن كان [نتيجته] منع القياس فإن الاختصاص حكم مطلوب والقياس الشبهي جار فيه.
نعم القياس المعنوي لا يجري إذ الاختصاص معناه [نفي] المعنى المتعدي من محل التخصيص والتنصيص [فطلب] المعنى حيث لا معنى بعيد هذا وقد نجز غرضنا من تقاسيم هذه [الضروب] فان عدنا إلى تقاسيم المعنى بعد ذلك كان ذلك لغرض آخر ونحن نرى أن نقف حيث انتهينا ونستفتح القول في الاعتراضات.
стр. 399
الباب الرابع: الاعتراضات وأقسامها
فصل: القول في الاعتراضات الصحيحة
...
الباب الرابع: الاعتراضات وأقسامها.
٩٥٣-[ونقسمها قسمين:
أحدهما: يشتمل على ما يصح عند المحققين ولا احتفال بما يشذ من خلاف منقول عمن لا اكتراث به.
والقسم الثاني: يحتوي على ما يفسد من الاعتراضات عند المحققين] .
فصل: القول في الاعتراضات الصحيحة.
٩٥٤-[الأول] منها: المنع ١.
وهو يتوجه على الأصل ويقدر متوجها على الفرع فأما المنع في الأصل فإنه يجري من وجوه:
أحدها: منع كون الأصل معللا فإن الأحكام تنقسم باتفاق النظار إلى ما يعلل وإلى مالا يعلل فمن استمسك بأصل فهم مطالب بتثبيت كونه معللا٢ وهو عندي إنما يتوجه على من لم يذكر تحريرا بعد فأما إذا حرر فإنه قد ادعى أن ما أبداه من الوصف علة في حكم الأصل فان الفرع في العلة [المحررة] يرتبط بالأصل بمعنى الأصل وهو الجامع وسبيل افتتاح النظر من طريق القياس أن يبين الرجل حكما في الأصل٣ ويطلب علته فإذا صحت عنده علة الحكم وألفاها متعدية أصلها موجودة في غيره فإنه يحكم فيما توجد العلة فيه بحكم الأصل الذي ثبت عنده تعليله فأما إذا لم تظهر علة [فلم يأت بديل] فلا وجه [لعد] المنع في هذا المقام اعتراضا فإن المسئول إذا ذكر الأصل واقتصر عليه فلا ينتهض السائل للاعتراض بل يرتقب استتمام
стр. 400
الكلام وما ذلك إلا لأنه لم يدخل وقت الاعتراض بعد.
وان اقتصر على ذكر الأصل وضم إليه ادعاء كون الفرع بمثابه عد عريا عن التحصيل من جهة أنه لم يذكر ربطا ولم يأت بصيغة قياس بعد فسبيل مكالمته إذا تردد وتبلد أن ينبه على اقتصاره على بعض صيغة القياس فإن ذكر معنى ادعاه علة فإن استمكن منه ففي ضمنه إثبات القول كونه معللا.
٩٥٥- ومن لطيف القول في ذلك أن تعيين العلة وإثبات أصل التعليل مسلك واحد فإن الإنسان يستبين كون الشيء معللا بأن يتجه فيه معنى يصلح لكونه علة وليس من الممكن أن يعرف بطريق الاستنباط كون الشيء معللا على الجملة نعم إن انعقد عليه إجماع أو ورد فيه نص فيستند [الاعتقاد] إليهما وإن كان التلقي من الاستنباط فتعيين العلة وتثبت الأصل في التعليل يثبت بمسلك واحد فهذا تحقيق القول في المطالبة بكون الأصل معللا وبيان محله ومنصبه في الجدل.
٩٥٦- والنوع الثاني من المنع: إنكار وجود ما ادعاه المستنبط علة وهذا كثير التدوار في المركبات فإن من قاس على انبة خمس عشرة سنة فقد يدعى بلوغها فينكره الخصم فهذا وما يضاهيه إنكار وجود العلة وعلى المطالب فيه أن [يثبت] بطريقة على ما سيأتي [ذلك] في تقاسيم المركبات إن شاء الله تعالى.
٩٥٧- والنوع الثالث: منع الحكم في الأصل ١ فإذا توجه ذلك على المسئول تعين عليه إثباته فإن [أثبته] بطريق إثباته استد قياسه وكان بانيا والبناء مقبول [من المسئول] ولو رددنا إلى حكم الدين فليس فيه ما يمنع سائلا من نصب دليل ولكن مواقف النظار وأهل الجدال على مسلك رأوه اقرب المسالك [إلى الدرك] وأقصدها فأثبتوا الدليل والبناء والابتداء للمسئول وأقاموا السائل مقام المعترض حتى ينتظم على القرب غرض ويلوح في المطلوب مدركه فلو تصدى كل واحد للدليل والاعتراض لانتشر الكلام وطال المرام ولا ينقضي مجلس [عن] فائدة ثم المسئول لا يدل في كل موضع بل يدل حيث [يبنى] ولو اعترض على علة أبداها.
стр. 401
السائل معارضا معترضا أو مسندا إليها تأويل ظاهر فإذا أورد المسئول عليها نقضا فمنعه السائل لم يكن للمسئول إثباته بالدليل فإنه بإثباته النقض لا يستفيد إثبات مذهبه الذي سئل عن إثباته وإنما يستفيد إبطال علة السائل وهو في هذا المقام معترض والاعتراض والبناء إذا اجتمعا انتشر الكلام ووقع المعنى المحذور الذي لأجله أقام الجدليون بانيا ومعترضا.
ثم قد يأتي السائل بما يصلح للبناء وهو يبغي به الاعتراض بطريق المعارضة كما سيأتي ذلك فأما المسئول فيضطر إلى الاعتراض [بطريق المعارضة] إذا عارض السائل.
٩٥٨- والنوع الرابع من المنع: المنع من كون ما أبداه المسئول علة ١
فيقال: ما الدليل على أن ما أظهرته علة فيتمسك المسئول بما يثبت به العلل وقد مضى القول فيه مفصلا.
٩٥٩- فوجوه المنع إذا على ما نظمه هؤلاء أربعة: المنع من أصل التعليل والمطالبة بتعيين ٠ التعليل] والمطالبة بتحقيق [وجود] ما ادعاه المعلل علة ومنع الحكم والمطالبة بإثبات ما عينه.
٩٦٠- وزاد بعض المتكلفين منع القياس والمطالبة بإثبات أصل القياس وهذا ليس بشيء [فإنا] في الاعتراضات على القياس وقد ثبت أصله على منكريه فهذه وجوه المنع في الأصل.
٩٦١- فأما المنع في الوصف٢ فلا يتجه فيه إلا منع واحد وهو منع وجود علة الأصل في الفرع وباقي الوجوه توجه على الأصل فإن من وجوه المنع في الأصل المطالبة بأن ما أظهره والمستنبط يصلح لكونه علة وهذا حقه أن يخصص بالأصل إذ منه الاستنباط وإليه الرد به والاعتبار إذا ثبت صلاح ذلك المعنى لكونه علة لم يحتج إلى ذلك في الفرع وقد انتجز الفراغ منه فلا يبقى مع الفراغ من مطالبات الأصل إلا ممانعة في أن المعنى الذي ثبت علة في الأصل غير موجود في الفرع وهذا يسمى منع الوصف وقد انتهى غرضنا من القول في المنع
стр. 402
و [الثاني] من الأعتراضات الصحيحة: طلب الإخالة.
- ٩٦٢ذا وهذا من أهم الأسئلة وأوقعها في الأقيسة المعنوية فعلى المتمسك بما يدعيه معنى أن يوضح [مناسبته] للحكم واقتضاءه له وإشعاره به فإذا عجز عن ذلك مع ادعائه المعنى كان ذلك انقطاعا منه بينا.
٩٦٣- قد وقد قال القاضي ﵀ في بعض مجاري كلامه: ليس هذا من الأسئلة والاعتراضات بل حق على كل مسئول أن يبدأ بإظهار الإخالة قبل أن يطالب بها فإنه لا يكون آتيا بصورة القياس المعنوي إلا على هذا الوجه ولو سكت عن إظهاره كان مقتصرا على بعض العلة.
نعم لو ضمن تعليله لفظا ظاهرا أشعر بالإخالة كفى ذلك فإن وجه السائل طلبا كان منسوبا إلى القصور عن درك لفظ التعليل هذا إذا كان تمسكه بقياس المعنى.
٩٦٤- فأما إذا تمسك بقياس الشبه فلا مناسبة ولا إخالة على الوجه المذكور في المعاني ولكن قد يحتاج المشبه إلى إظهار الشبه الخصيص المغلب على الظن فيكون الطلب بذلك والجواب عنه على حسب ذلك كما إذا شبهنا الوضوء بالتيمم فقد التزمنا أن نذكر شبها أو أشباها تقرب الفرع من الأصل وإن كان لا يقتضي الحكم اقتضاء الإشعار والإخالة ولا يقع الاكتفاء بأمور عامة لا تغلب على الظن ولا يتعرض المشبه لأمر عام إلا وينتقض عليه تشبيهه وإذا تصون عن النقض بارتياد خصوص الأشباه فقد خصص شبها مغلبا على الظن.
و [الثالث] من الاعتراضات الصحيحة: القول بالموجب ١.
٩٦٥ - ولا شك أنه إذا استد على شرطه أسقط الاستدلال وقطع المستدل.
ثم الأصوليون تارة يقولون٢: القول بالموجب ليس اعتراضا وهو لعمري كذلك لأنه لا يبطل العلة لأنه إذا جرت العلة وحكمها متنازع فيه فلأن تجري وحكمها متفق عليه أولى ولكن المتمسك بها في محل النزاع منقطع فإنه أبداها محتجا
стр. 403
بها وهو يروم إثبات المتنازع [فيه] وقد تبين أن الأمر على خلاف ما قدر وهو بمنزلة ما لو رام إثبات المختلف فيه ونصب علة في غير محل النزاع.
٩٦٦- ثم القول بالموجب ينشأ من اعتناء المعلل بموجب الحكم ولا يتصور قول [بالموجب] ومضمون العلة نفي حكم وإثبات حكم فإن المعلل يثبت ما ينفيه الخصم من الحكم أو ينفي ما يثبته فكيف يتصور المطابقة والأمر كذلك؟
نعم، إذا قال الحنفي في مسألة ماء الزعفران: ماء طاهر خالطه طاهر فالمخالطة لا تمنع صحة الوضوء قال السائل [الشافعي] المخالطة لا تمنع.
ثم ينقسم في هذا مقام السائل فقد ينقدح له [إبداء مقتضى] آخر سوى ما ذكره المعلل مع الاستمرار على الخلاف في الحكم فهذا إن اتفق فهو الغاية في هذا الفن من الاعتراض والغالب في ذلك أن يكون المعلل ذاكرا لبعض ما هو [علة] عند السائل فيبين المعترض أنه ليس موجبا على حياله وهو كما ضربناه مثالا الآن فإن المخالطة لها أثر عند الشافعي ولكنها بمجردها لا توجب منع الاستعمال.
فإن زاد المسئول فقال: المخالطة المغيرة لا توجب منع الاستعمال ألزم السائل القول بالموجب أيضا فإن المخالطة المغيرة لا تمنع التوضؤ فإن زاد وقيد الاعتلال بتفاحش التغيير وإمكان الاحتراز لم يجد أصلا يقيس عليه فإن حذف التعرض للموجب فقال: ماء طاهر خالطه طاهر فيجوز التوضؤ به انتقضت العلة كماء الباقلاء إذا كان مغليا بالنار وهذا مضيق يدفع فلا يجد المعلل محيصا عن التعرض للنقض أو القول بالموجب.
- ٩٦٧ ومما يطرأ في هذا الفن شيء ليس للرد والقبول فيه مجال وقد ينتهي الأمر بين المعترض والمجيب إلى قريب من الإلباس ونحن نبين الوجه فيه.
[فإذا] قال الشافعي في مسألة تمكين العاقلة مجنونا: جنون أحد المتواطئين لا يوجب درء الحد عن الموصوف بالعقل كجنون الموطوءة.
فقد يقول الحنفي: الجنون ليس دارئا وإنما الدارئ خروج وطء المجنون عن كونه زنا فليست المرأة ممكنة زانيا.
فيقول المجيب: إن صح ما قلت فالجنون هو الذي أخرج فعله عن هذه التسمية وغرضي إسقاط أثر الجنون فيقول المعترض: نصبت الجنون علة وهو عندي علة العلة وإطلاق التعليل [بالجنون] يشعر بكونه مماسا للحكم من واسطة فيجر التفاوض
стр. 404
لبسا والذي يختاره المعلل أن [يقي] [علته] مواقع اللبس حتى لا يكون متمسكا بما يلتحق بمجملات الألفاظ على ما سنعقد في ذلك فصلا إن شاء الله تعالى.
٩٦٨- فالوجه إذا أن نقول: لا ينتهض الجنون سببا فإن قيل بموجب علته أمكن الدفع فإنما يؤثر وإن كان لا يستقل يسمى سببا وإن كان لا يحسن تسميته موجبا ما لم يستقل وحفر البئر سبب الهلاك في الشرع وتسمية سببا لا يجحده أحد من حملة الشريعة وإن كان لا يستقل ما لم ينضم إليه أسباب.
وإذا قال القائل: ثبت هذا الحكم بأسباب كان كلاما منتظما ومعناه أنه أثبت باجتماع أسباب ولا يحسن أن يقال ثبت هذا الحكم بعلل إذا كانت كل واحدة لا تستقل بالاقتضاء فإن العلة المركبة من أوصاف يجوز أن يسمي كل وصف منها سببا في الحكم من حيث إنه لا بد منه وليس كل وصف علة وإنما العلة مجموع الأوصاف وإذا قال القائل لا ينتهض كذا سببا وكان لما ذكره أثر عند الخصم ولا يستقل الحكم دونه فلا يمكنه والحالة هذه أن يقول بموجب العلة.
و [الرابع] من الاعتراضات: النقض.
٩٦٩- وهو تخلف الحكم في بعض الصور مع وجود ما أدعاه المعلل [علة] ذهب معظم الأصوليين إلى أن النقض يبطل العلة المستنبطة.
وحكى أصحاب المقالات عن طوائف من أصحاب أبي حنيفة ﵀ أنهم قالوا ليس النقض من مبطلات العلل ولكن متى عورضت علة المعلل بنقض فعليه تعليل تلك المسألة التي ألزمها نقضا والفصل بينهما وبين [المسائل] التي ادعى اطراد العلة فيها.
ونحن نذكر مسالك الفريقين ولا نتعدى مسلكا حتى نتبعه بما عندنا فيه ثم نذكر عند نجاز المسألة ما هو الحق المبين عندنا.
٩٧٠- فأما الصائرون إلى أن النقض يبطل العلة فقد تمسكوا بطرق: منها أنهم قالوا: النقض يلحق العلة بعد أن نقضت بالقول المتكافئ والأقوال المتكافئة ساقطة وبيان ذلك بالمثال: أن من قال في محاولة إثبات تحليل النبيذ: مائع فيحل [كالماء] والمعلل غير مبالي بدخول الخمر وغيرها نقضا والمعترض يقول: مائع فيحرم كالخمر وهو أيضا لا يحتفل بما يرد عليه من النقض وليس أحد المسلكين بأولى من الثاني
стр. 405
وهذا فيه نظر عندنا من جهة أن بطلان المسلكين كان لوقوعهما طردين خارجين عن مسالك المعاني والأشباه المعتبرة فلا يكاد يقوى التعلق بهذا والمعترض متمكن من إبداء وجه من الإبطال سوى ما ادعاه المتمسك بالطريقة.
٩٧١- ومما تمسك به هؤلاء أن قالوا: من يدعى علة لا يخلو إما أن يدعيها عامة أو يدعيها خاصة [فإن ادعاها خاصة] فلتنحصر على محل النص وإن ادعاها عامة ولم تعم فليست وافية بحكم العموم فإنها إذا تعدت لم يكن محل في تعديها أولى من محل.
وهذا على رشاقته لا يستقل دليلا فإن للمعترض أن يقول أطردها ما لم يمنعني مانع فإن ظهر مانع عللته واستمرت على الطرد في غيره.
٩٧٢- ومما تتعلق به هذه الطائفة: أن من يطرد العلة مدع جريانها متحديا باطرادها مشبه بمدعى النبوة المؤيدة بالمعجزة فإنه يتحدى بها قائلا لا يأتي أحد بمثلها فلو أتي آت بها بطل تحديه.
وهذا تخيل لا حاصل له من جهة أن من يعلل النقض لا يتحدى بعموم العلة والمعجزة لا تدل على الصدق قطعا مع فرض صدورها من كذاب.
٩٧٣- وربما يستدل القاضي ﵀ لهؤلاء بكلام منشؤه الأصل والقاعدة المعتبرة في الباب وهو أنه قال قد عرفنا تمسك الأولين بالمعاني الجارية فاتبعناهم ولم يثبت عندنا أن معانيهم كانت تنقض ولا ينفكون عنها فهذا مما لا يقطع بثبوته عن الأولين ولا معتصم في إثبات العمل بالقياس إلا الإجماع والاتباع.
وهذا الكلام وإن كان آثر مما تقدم فقد ينقدح فيه أن يقول قائل: ما صح عندنا أنهم كانوا يحذرون ويحترزون ويتصونون تصون المتأخرين ولكنهم يطلقون المعاني ثم إن عن مخالف عللوه وميزوه عما فيه الكلام [إذ] كان كلامهم تأسيسا وابتداء ولم يكن كلامهم محررا يدور في النفوس [منضجا] بنار الفكر متقدا بذكاء السبر فلا وجه لما ذكره القاضي إذا.
٩٧٤- وأما من لم يرد النقض مفسدا للعلة: فإنه يتمسك بوجوه منها أن الصيغ العامة الواردة لا يمتنع تخصيصها إذا قامت دلالات تقضي التخصيص فإن لم تقم جرت الصيغة على عمومها ولفظ المعلل لا يزيد منصبه على لفظ الشارع ثم المتمسك بالصيغة العامة من لفظ [الشارع] يتعلق بها وهي على تجويز أن يخصص بدلالة.
стр. 406
٩٧٥- وقد قال القاضي: هذا إنما يلزم من يثبت للعموم صيغة ولست منهم.
وقال أيضا في إلزام المعتزلة: البيان عندكم لا يتأخر عن مورد الخطاب ويقتضي ذلك أن تقترن القرائن المخصصة باللفظ فهو مع قرائنه محمول على الخصوص وهذا يناظر في علة المعلل ما يتقيد بقرينة مخصصة حذرا مما يفرض نقضا واردا على اللفظ العام.
وقال أيضا متحكما على من أثبت للعموم صيغة: التخصيص- على رأي هؤلاء- هو الاطلاع على قرينة ولو فرضت صيغة عامة في وضعها متجردة عن القرائن اللفظية والحالية لكانت نصا في اقتضاء العموم.
فإذا ليس للتخصيص معنى إلا ذهاب المخصص عن قرينة مخصصة ثم اطلاعه عليها.
٩٧٦- والذي ذكره القاضي في إلزام من منع تأخير البيان عن وقت مورد الخطاب لازم كما ذكره.
وأما الاحتكام على المعممين بأن الصيغة لو قدر ورودها مجردة لكانت نصا ففي كلام الشافعي ﵀ رمز إلى التزام ذلك.
والذي نراه رأيا على مذهب المعممين أن اللفظة إن كانت مجردة عن قرائن الحال والمقال فليست نصا في اقتضاء العموم ولكنها ظاهرة والصيغ منقسمة إلى ما يقع نصا في الوضع وإلى ما يقع ظاهرا والصيغة المجردة في العموم من الظواهر فإن من أطلقها في محاوراته ثم زعم أنه لم يرد بها الاستغراق المحقق لم يكن آتيا منكرا ولكن يقدر مؤولا نعم إن اقترنت بالصيغة قرينة لفظية أو حالية تحسم مواد التأويل والتخصيص فالصيغة إذ ذاك نص لاقترانها بما يلحقها بالمنصوص عليه وقد مضى في ذلك قول شاف في كتاب العموم والخصوص.
٩٧٧- والجواب إذا عن استمساك هؤلاء بتخصيص العام أن تخصيصه ليس انحرافا عن موجب اللسان واقتضاؤه العموم ليس نصا قاطعا ولو رددنا [القياس] لما علمنا بموجب ظاهر مع تعرضه للتأويل فإن العمل المبتوت لا يرتبط بمشكوك فيه أو مظنون والعمل بموجب الظاهر معلوم ولا يترتب العلم على الظن والعمل بالظاهر مستنده إجماع الماضين وهو مقطوع به ثم تبين منهم التأويل والتخصيص عند قيام الأدلة المعارضة لوجه الظن في الظاهر كما تقرر في كتاب التأويل قوانين الكلام فيما يقبل ويرد.
стр. 407
٩٧٨- وأما المعلل فإنه مستنبط علة مظنونة ومعتمدة في استنباطها ظنه لصلاحها فإذا طرأت مسألة [قاطعة لها] مانعة من طردها انبتر ظنه وبطل مستند استنباطه إذ ليست العلة التي استنبطها معولة في نفسها على ظاهر أو تنصيص فلا معنى للتعلق بالعموم على أن ما نحاوله في النفي والإثبات محاولة القطع وتأسيس الأصول والأقيسة لا تجول في مواضع القطع وإنما تجولها في المظنونات.
٩٧٩- ومما تعلق به من يجوز تخصيص العلة أن قال: إذا لم يبعد تخصيص العلة بزمان لم يبعد اختصاصها بمسائل وأراد بذلك أن الشدة المطربة علة في تحريم الخمر ولم تكن علة قبل نزول تحريمها وهذا كلام.
ساقط فإن المعاني الظنية في الأقيسة العملية لا تقتضي الأحكام لأعيانها ولكن تتبع في موارد الشرع بها أو بأمثالها وكان الشرع متبعا فيها ويجوز تقدير النسخ عليها والذي نحن فيه من [فن] الاستنباط المظنون بعد قرار الشريعة والانتقاض يوهي ظن المستنبط على تحقيق فأين يقع هذا من جواز تبديل الأحكام؟
٩٨٠- ومما تعلق به هؤلاء جواز تخصيص علة الشارع قالوا: فإذا لم يمتنع ذلك في علة الشارع والصدق ألزم له فلا يلزم المستنبط ما لم يلزم الشارع.
وهذا أيضا كلام غث فإن الشارع إذا علق الحكم بعلة لا تناسب صح وإن كان ذلك طردا لو صدر من المستنبط.
وسيكون لنا كلام في تخصيص علة الشارع في مسألة معقودة إن شاء الله تعالى فهذه عيون كلام الفريقين.
٩٨١- والمسلك الذي نختاره أن المستنبط إذا نصب علة فورد على مناقضة طردها نقض فإن كان ينقدح من جهة المعنى فرق بين ما يرد نقضا وبين ما نصبه المعلل علة له فإن علته تبطل بورود النقض والسبب فيه أنه إذا نظم فرقا بين ما ألزم وبين محل العلة فيصير ما عكسه في محل العلة قيدا لما أطلقه علة ويتبين بهذا أنه ذكر في الابتداء بعض العلة وأظهر أنه علة مستقلة فإذا أراد التقييد وانتظمت له علة [مقيدة] فالعلة الآن سليمة ولكنه منقطع من جهة ادعائه في أول الأمر وابتدائه أن ما جاء به دليل مستقل [و] لو لم يصرح بكونه دليلا تاما فالحالة المعهودة بين النظار قرينة مصرحة [بذلك] فإنه يسأل أولا عن الحكم فإذا أبان مذهبه [فيه] طولب بالدليل عليه فإذا ذكر كلاما في إسعاف السائل المطالب بالدليل وقطعه وسكت على.
стр. 408
منقطعه كان ذلك مشعرا بادعائه أن ما جاء به كلام تام ولو جلس الناس يشتورون باحثين فذكر ذاكرا معنى وسبره وخبره فلم يطرد فقيده تقيدا فقهيا كان كذلك له إذ هو في مهلة النظر ومحاولة استتمام الاجتهاد فهذا حقيقة القول في ذلك.
٩٨٢- ولو اعترضت مسألة على العلة نقضا وكان لا ينقدح فرق بينها وبين محل العلة فإن لم يكن الحكم فيها معللا مجمعا عليه أو ثابتا بمسلك قاطع سمى غير أن المعلل استثناها بمذهبه فعلته تبطل فإنه مناقض لها وتارك للوفاء بحق العلة فإذا لم يف بحق طردها فكيف يلزم الخصم حق طردها في موضع قصده؟
٩٨٣- وإن طرأت مسألة اجتماعية وكان لا ينقدح بينها وبين العلة فرق فهذا موضع الأناة والاتئاد.
فإن كان الحكم الثابت فيها على مناقضة علة المعلل معللا بعلة معنوية جارية فورودها ينقض العلة من جهة أنها منعت العلة الجريان وعارضها بفقه وهي آكد في اقتضاء بطلان علة المعلل من المعارضة كما سيأتي فإن المعارضة لا تهجم على الطرد بالقطع بل يستقى حكمها من أصل آخر لا ينقض طرد العلة بل يصطدم موجب العلة على التناقض في محل البحث فإذا كانت المعارضة وهي على هذه الصفة ناقضة فالتي ترد مناقضة وقاطعة للطرد أولى بالإبطال.
٩٨٤- وإن طرأت المسألة قاطعة للطرد ولم ينقدح فرق وكان لا يتأتى تعليل الحكم فيها على المناقضة بعلة فقهية [فهذا] موضع التوقف.
٩٨٥- وقد ذكر القاضي على الجملة ترددا في أن القول ببطلان العلة بما يقطع طردها من القطعيات أو من المجتهدات حتى يقال كل مجتهد فيه مصيب أو مؤاخذ بحكم اجتهاده.
والذي أراه في ذلك أن الصور التي قدمناها قواطع ومبطلات قطعا وإنما النظر والتوقف في المسألة المانعة من الطرد التي لا ينقدح فرق بينها وبين محل العلة ولا يتأتى في تعليل حكمها على المناقضة معنى وكانت تلك المسألة مما يقال فيها: إنها لا يعقل معناها فإذا تصورت [المسألة بهذه الصورة انقسم القول فيها عندي أيضا.
فإن كان حل العلة من المسألة اللازمة واقعة [موقع] ما يكون في معناه علما وقطعا فالعلة تبطل أيضا من جهة أن التحاق ما في معناها [بها معلوم] وأصل وضع العلة مظنون ولا يعارض ظن [علما] .
стр. 409
وإن لم يكن محل العلة منها بهذه المثابة وإنما جرت تلك المسألة شاذة فعند ذلك قد يظن الظان أنها تقطع العلة وتنقضها من جهة أن المستنبط إذا عثر عليها وهى ظنه في نصب ما ظنه علة إذا وجد في الأصل الشرع ما يخالف ذلك ويجوز أن ينقدح له ما عينه علة مناط الحكم إلا أن يمنعه استثناء شرعي لا يعقل معناه.
٩٨٦- والقاضي إنما تردد في هذه الصورة وهي لعمري موضع التردد والذي نراه فيها أن ورودها لا يقطع العلة إذا كانت العلة [فقهية] مناسبة وإنما يلزم المعلل إجراء المعنى ما استمكن منه.
والدليل عليه أنا نجد في الشريعة عللا فقهية متفقا عليها في الصحة وقد طرأ عليها استثناء الشرع في مواقع لا تعلل وهذا كجريان العلة في اختصاص كل متلف أو متعد أو ملتزم بالضمان ولا أحد ينكر جريان هذا المعنى في الشرع مع العلم بأن العاقلة تحمل العقل وحملها له خارج [عن القاعدة] فإذا وجد أمثال ذلك [في] قاعدة الشريعة بنينا عليه طرد المعنى الفقهي المناسب ولم نكع عن التمسك به لورود شيء لم يعلل وأنا فيما ذكرته على قطع فإن معتمدنا فيما نأتي [ونذر] ونقبل ونرد من طريق العلل الاتباع للإجماع وقد علمنا قطعا جريان هذه العلل [في الكليات] وإن استثنى الشارع منها ما استثنى فمنكر هذه المعاني وقد تأيدت بالإجماع كمنكر أصل القياس.
والسر في ذلك أن مالا يعقل معناه في مستثنى الشارع والمستثنى لا يقاس عليه وكأنه منقطع عن كثر الشريعة ولا يعتبر شيء منه ولا يعترض به على شيء فهذا سبيل إجرائها فإن كان ينقدح فيها معنى على حال فهو ملتحق بالأقسام المبطلة التي تقدم ذكرها فهذا بيان الأصل ونحن نضرب أمثالا وننزل عليها تحقيق ما نبغيه نفيا وإثباتا.
٩٨٧- فنقول: إذا أردنا إجراء علة في تخصيص الغرامة لمختص بسببها و [مقتضيها] طردناها غير ملتزمين بتحميل العاقلة على قطع وتحملهم لا يعترض على ما تمهد من المعنى فلو ظن ظان أنه ينقدح في تحمل العاقلة معنى يصلح على السبر مأخوذ في المعاونة فهذا غير سديد فإن ذلك لا يجري فيما يتفق تلفه من الأموال وهو أعم وجودا وأغلب وقوعا [من] القتل الواقع خطأ أو على شبه العمد ثم الإعانة في الشريعة إنما تجب إذا كان المعان معسرا وعلى هذا نظمت أبواب النفقات [والكفارات] فالقاتل خطا يتحمل عنه وإن كان من أيسر أهل زمانه فليس لمثل هذه التخييلات اعتبار.
стр. 410
٩٨٨- وكذلك إذا طردنا طريقة في إيجاب المثل في المثليات التي تتشابه أجزاؤها فألزمنا عليها إيجاب رسول الله ﷺ صاعا من التمر في مقابلة لبن المصراة لم يحتفل بهذا الإلزام ولا تعويل على قول المتكلفين إذ زعموا أن اللبن [المحتلب] في أيام ابتلاء الغزارة والبكاءة يقع مجهول القدر.
فرأى الشافعي ﵁ فيما ورد الشارع فيما يقل ويكثر إثبات مقدر من جنس درءا للنزاع فإن هذا لا جريان له أصلا ويلزم طرد مثله في كل مثلي جهل مقداره وليس لبن المصراة مما يعم ويغلب الابتلاء بالحكم فيه وإن أمثال هذه المعاني البعيدة إنما تثبت بعض الثبوت إذا تقيدت وتأيدت بعموم البلوى على أنها لو كانت كذلك أيضا لكانت من المعاني الكلية التي لا تتخلص في مسالك العرض على السبر ثم تعيين جنس التمر كيف يهتدى إلى تعليله؟
وإنما المطلوب فيما فرضنا الكلام في الجنس المعدول إليه لا في المقدار فإن ما ذكر من دوام النزاع يقدر انقطاعه بتقدير مقدار من النقدين وهما أثمان الأشياء إذا عسر تقدير الأمثال فاطرد إذا ما ذكرناه واستبان أن أمثال هذه المستثنيات لا تعترض على القياس المعنوي.
٩٨٩- ومما يضرب مثلا الكتابة الفاسدة فإذا قال الشافعي الملك لا ينتقل إلا بمسلك شرعي والفاسد حائد عن سبيل الصحة غير واقع الموقع المطلوب في الشريعة فلا وقوع له في مقصود العقد الصحيح كان ذلك كلاما بالغا حسنا.
فإن ألزم [الخصم] عليه الكتابة الفاسدة فإنها في تحصيل مقصود الكتابة نازلة منزلة الكتابة الصحيحة.
والوجه أن يقال للملزم أتعترف بخروج الكتابة الفاسدة عن قاعدة المعاني أو تدعي جريان المعنى فيها؟
فان ادعى جريان المعنى [فيها] فلا يفي بإظهاره إذ ليس في يدي من يتمسك بالكتابة الفاسدة إلا تشبيه محض ولا يستقل معنى يصحيحه السبر في إحلال الكتابة الفاسدة محل الكتابة الصحيحة.
فإن قال الملزم: ليس على المناقض أن يبدي جامعا معنويا بين صورة النقض وبين محل علة الخصم فتكليفكم إيانا إبداء معنى التكليف شطط فإن النقض يلزم من جهة قطعة طرد العلة لا من جهة انتظام رابط بينه وبين محل النزاع وهذه مزلة يجب
стр. 411
التثبت عندها.
فإنا نقول للخصم: ما رأيك في علة يطردها الطارد ومضمونها: ألا تزر وزارة وزر أخرى فهل تبطل عندك بتحمل العاقلة العقل فإن سبق إلى مذهب [من] يبطل العلة بورود مثل ذلك عليه بطل عليها مذهبه بما تقدم ونسب إلى رد باب عظيم من العلل المتفق على صحتها فإن الأمة قاطبة مجمعون على طرد هذه العلة [مع اعترافهم بما شذ منها ولا يحكمون على هذه العلة] في هذه القاعدة الكلية بالفساد لشذوذ مسألة عن القاعدة ورأى ذوى الأبصار ألا يحكموا بالشاذ على الكل ولكنهم لا يتركون الشاذ على شذوذه ويعدونها كالخارج عن المنهاج.
٩٩٠- وإن قال الملزم: أسلم أن ما ذكرتموه لا يبطل بتحمل العاقلة قلنا لهم والكتابة الفاسدة عندنا بهذه المثابة.
وآية ذلك: أن معناها الجلي يجري في الكتابة الفاسدة وإن فسد عوضها فليس يفسد معنى تعليق العتق فيها وهذا يشير إلى فرق.
قلنا: ما ذكرته خارج عن الطريقة فإنه إيماء إلى وجه من الصحة لو استمر القول فيه والذي نحاوله ألا يثبت للفاسد حكم أثبت للصحيح لجلب مسألة.
٩٩١- وإن قال الخصم: خذوا الكتابة في منزلة المناقضة شبها فإن الشبة في الأقيسة صحيح مع افتقارها إلى الجوامع فلأن يلزم مسلك الشبه نقضا أولى وليس على الناقض جمع.
قلنا: هذا أوان كشف الغطاء في هذه المحال.
فنقول: لا مشابهة بين صحيح الكتابة وصحيح البيع فإذا لم يتشابها في منزلة الصحة فكيف يتشابهان في الفساد؟
وإن [قنع] الملزم بلفظ يجمع البابين ألزم على مقصوده إيراد تحمل العاقلة على أبواب الغرامات فلاح بما تمهد أنه لا متمسك للخصم بالكتابة الفاسدة على وجه لا على سبيل التعليل ولا على سبيل المناقضة.
٩٩٢- ومن أمثلة هذا الفصل الاكتفاء بالخرص على من يدعونا إلى التقدير بالكيل أو الوزن الضابطين فالأصل الضبط بالممكن في كل جنس ولكن الخرص أثبته الشرع لحاجة في قضية مخصوصة فهو من المستثنيات ولكن قد ينقدح في هذه.
стр. 412
المحال أن الوزن أضبط من الكيل ثم الكيل متعين في بعض الأشياء مع أمكان الوزن فالخرص في محل الحاجة كالكيل في المكيل [بالإضافة إلى الوزن] .
فلا يتضح خروج الخرص بالكلية عن القانون حسب اتضاح خروج تحمل العاقلة والكتابة الفاسدة.
والسبب في ذلك ما جاء [به] من المعنى من شوائب التعبد في تعين الكيل مع إمكان الوزن ولكن وإن كان الأمر كذلك فالأصل الرجوع إلى العرف فيما يعد تقديرا فالخرص معدود من الحدس والتخمين المجانب لمدارك اليقين وعلى الجملة بين الداعي إلى التقدير وبين ملزم الخرص تجاذب وتداور من مثل ما ذكرناه والوجه درء الخرص بالمسلك الذي ذكرناه كما تقدم.
٩٩٣- فإن علل معلل في قطع الخيار عند ظن [صفة في العبد المبيع] من غير تصريح والكلام مفروض في ظهور مخايل وأمارات مشعرة بالصفة المطلوبة فثبوت الخيار عند التصرية إذا قال به المعلل [ينقض تعليله] فإن إشعار التصرية بإبداء غزارة اللبن واضح وليس ببعيد عن مسلك المعنى تعليل الخيار فيه وإذا لم ينقض تعليله ببعد التعليل [على] حال لزم ما يجري التعليل فيه نقضا.
فآل [مآل] الكلام إلى أن ما يورد نقضا إن كان لا ينقدح فيه وجه سديد على جلاء أو خفاء في المعنى فقد استمسك المعلل بالمعنى ولا مبالاة بما وقع مستثنى عن المسلك الذي ارتضيناه فإن كان يثبت فيه معنى وإن خفي وبلغ خفاؤه مبلغا لو عورضت علته بعلة في رتبة علة المعلل لكانت رتبة علة المعلل مرجحة فالالتباس بين الرتبتين لا ينتهض دارئا للنقض ولا احتفال بتخيل معنى [كلي] يظنه الظان على بعد كالمعاونة في تحمل العقل وسبيل تداينه من الكتابة الفاسدة فهذه مجامع الكلام في ذلك.
٩٩٤- وقد رسم القاضي ﵀ مسألة في أن الحكم ببطلان العلة عند ورود النقص وصحتها قطعي أو ظني وقد ظهر ميله إلى إلحاق ذلك بالظنيات وقد ذكرنا فيما تقدم أن القاضي إنما وقف إذ كان النقض لا يعلل وقد بينا في التفصيل الذي انتجز الآن مدرك الحق وهو مقطوع به عندنا فليتبع الناظر تأمله وليستعن بالله تعالى.
مسألة:
٩٩٥- اختلفت مذاهب الأصوليين في أن علة الشارع هل يرد عليها ما يخالف
стр. 413
طردها فذهب الأكثرون إلى أن ذلك غير ممتنع في علة الشارع من جهة أن قوله متبع في تخصيصه وتعميمه [و] لا معترض عليه إذا خصص علة بمحل ولم يعملها في غير ما نص عليه والمستنبط معتمدة ظنه وإذا تقاعد المستنبط عن الجريان ضعف مسلك ظنه وليس له أن يحتكم بتخصيص العلة.
٩٩٦- وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أن علة الشارع يجب طردها كما يجب في العلة المستنبطة.
٩٩٧- وهذه المسألة عندنا قريبة المأخذ نزرة الفائدة ليس فيها جدوى من طريق المعنى والوجه فيها أن ما نصبه الشارع على صيغة العلة إن لم يكن نصا في كونه علة بل كان ظاهرا في هذا الغرض فإذا ورد عليه ما يمنع جريان العلة فيظهر منه أن الشارع لم يرد التعليل وإن ظهر ذلك منه في مقتضى [لفظه] وتخصيص الظواهر ليس بدعا.
وأن نص على التعليل على وجه لا يقبل التأويل تصدى في ذلك نوع آخر من النظر وهو أن ما نصبه علة إن عم نصبه على صفة لا يتطرق إليها تخصيص ببعض الصور التي تطرد العلة فيها [فلا] مطمع في اعتراض ما يخالف طرد العلة وقد ثبت والأمر على ما صورناه على القطع أمران:
أحدهما: انتصاب المعنى المذكور علة، والآخر: جريانه على اطراد من غير اعتراض مخالف ونص الشارع لا يصادم.
وإن نص الشارع على نصب شيء على الجملة ونص على تخصيصه في كونه علة بمسائل معدودة ومواقع محدودة فليس يمتنع ذلك على هذا الوجه فإن علل الأحكام لا تقتضيها لذواتها وأعيانها وإنما تصير أعلاما عليها إذا نصبت ثم إذا نصبها الشارع في محال على الخصوص دون غيرها فلا معترض عليه في تنصيصه وتخصيصه.
ولو نص على نصب علة على وجه لا يقبل أصل النصب تأويلا ولم يجر في لفظ الشارع تنصيص على التعميم على وجه لا يؤول ولا تنصيص على التخصيص بمواقع مخصوصة فحكم هذا اللفظ الإجراء على العموم ولكن لا يمنع قيام دليل على تخصيص العلة ببعض الصور.
٩٩٨- فأما ما ذكرنا أن للشارع أن يصرح بالتخصيص ولا يكون في تصريحه.
стр. 414
بالتخصيص تناقض مع التنصيص على التعليل في موقع الخصوص فإذا كان لا يمتنع التصريح [بهذا وليس في اللفظ ما يأباه إباء النصوص وليس يمتنع إزالة الظواهر] فيخرج من مجموع ذلك أنه لا يمتنع تخصيص العلة ببعض المسائل.
٩٩٩- والأستاذ أبو إسحاق يمنع النص على التعليل على وجه لا يقبل التأويل مع تجويز التخصيص ويقول: إن تعرض اللفظ لقبول الخصوص في جريانه لزم أن يكون في وضعه متعرضا للحمل على غير قصد التعليل ولو كان نصا في قصد التعليل فهو نص في قصد التعميم إذ لو لم يكن كذلك لكان خروجه عن حكم العلة في بعض المسائل متضمنا خروجه عن حقيقة العلة في أصل الوضع وذلك يخالف موجب التنصيص على كونه علة.
وهذا الذي ذكره يعترض عليه التنصيص على النصب مع التنصيص على التخصيص ببعض المسائل فإن ذلك سائغ في الوضع ولو كان التخصيص ببعض المحال مخرجا للمنصوب عن كونه علما لكان الجمع بين التنصيص على النصب والتخصيص متناقضا وفي كلام الأستاذ تشبيب بمنع هذا وهو في مجاري كلامه جسور هجوم على منع ما لا سبيل إلى منعه فإن قدر منه القول بهذا رد الكلام معه إلى ما تقدم ذكره من كون هذا غير ممتنع من جهة أن أعلام الأحكام لا تقتضيها لأعيانها وإنما معنى كونها عللا أنها أعلام تنتصب بنصب الشارع.
وإذا كان كذلك [فلا معترض] على من ينصب علما في تعميمه وتخصيصه ولذلك لا يمتنع أن ينصب الشارع علما مثله متى طرده ولم يتضمن إشعارا ولا شبها مقبولا.
١٠٠٠- فهذا منتهى القول في هذا الفصل.
وعلى الجملة تخصيص المستنبط علة ينفصل عن تخصيص الشارع فإنه ليس للمستنبط وضع العلل على اختياره وإنما له النظر إلى درك ما يتخيله موضوعا بمسلك الظنون وإذا لم تجر العلة عامة فقد وهى ظنه على ما فصلنا القول في ذلك كما نفصل القول فيه قبل أن بينا المختار فيما يجوز ويمتنع
стр. 415
فصل:
[في] توابع القول في النقض جدلي يعين على مدرك المقصود المعنوي.
١٠٠١- فإذا نصب الناصب علما مستنبطا وذكر لفظا مقتضاه العموم فطرا نقص فقال: أخصص لفظي بغير المسألة الواردة نقضا فإن [تقييد] اللفظ إلى فكيف السبيل إلى ذلك؟ والقول في هذا يتصل الآن بتفسير العلم وما يقبل منه وما لا يقبل.
وأما التخصيص: فيترتب الأمر فيه على ما يسوغ ويمتنع من طريق المعنى أولا فإن خصص تخصيصا يمنعه فهو غير مقبول منه وقد [ذكرنا] في تفصيل المعنى المقصود من هذا الفصل ما يبطل العلة من [النقوض] وإن كان ذكر تخصيصا لو صرح به لم يمتنع مثل أن تكون المسألة الواردة غير معللة وقد تقرر أن ما لا يعلل في حكم المستثنى فإذا أطلق المعلل [لفظه] عاما ثم لما ورد عليه مثل ما وصفناه الآن حاول تخصيص [عموم لفظه فهذا الآن تعلق بالجدل فإن المسألة الواردة ليست مبطلة من طريق] المعنى.
فقال قائلون من الجدليين: إطلاقه لفظه إشارة في بناء الكلام منه فإنه معمم للكلام ملتزم طردا فإذا وردت المسألة بإزائه لم يف بما التزمه.
١٠٠٢- ونحن نقول: الأحسن أن يشير إلى ما يرد تصريحا وتلويحا مثل أن يقول هذه علة ما لم يستثن الشارع فإن لم يتعرض لهذا فلا معاب فإن العلل إنما يلتزم المستنبط طردها إذا لم يحتكم الشارع في استخراج بعض المسائل فليس على من يطرد علة في الغرم على المتلف أو علة في نفي الغرم على من لم يتلف التعرض للعاقلة وحملها وهذا يظهر في الذي طرأ استثناؤه والقول في ذلك كله قريب من المعنى واعتقاد كون الوارد غير خارج.
١٠٠٣- ومما يتعلق بالتفسير أن المعلل إذا ذكر لفظة مجملة ثم استفسر السائل ففسرها فقد اختلف الجدليون في ذلك فجوزه بعضهم وامتنع منه المحققون فإن الغرض من المناظرة التفاوض بما يعلم ويفهم ومن ذكر لفظا مجملا وسكت عنه فحاله مشعر بإسعافه على قطع السائل الطالب بالدليل ومن حكم إسعافه إياه أن [يفهمه] ما طلبه وإذا لم يفهمه فقد أظهر أنه مسعف والأمر على خلاف ما أظهر.
فإن ذكر لفظا مفهوما في وضعه واستراب السائل فيه واستفسر فالذي يأتي
стр. 416
به المجيب من إرشاد وهداية ليس تفسيرا وإنما هو تنبيه للسائل على قصوره عن درك ما هو مفهوم في وضعه ويخرج من جملة ذلك أنه ليس على المعلل تفسير فيما ذكرناه.
فإن أتى بمجمل فقد قصر وعد ذلك من سوء الإيراد وإن لم يكن منقطعا في المعنى فإن أتى بلفظ مستقل مفهوم في وضع اللسان فلا حاجة إلى التفسير والذي نذكره عند [الاستبهام] على السائل سبر تقصير لا سبر تفسير وقد [نجز القول] في النقض وهو في التحقيق تخلف الحكم مع وجود العلة المدعاة ونحن نبتدىء الآن:
القول في تخلف العلة مع جريان الحكم.
[الخامس من الاعتراضات] .
١٠٠٤- وهو الاعتراض المترجم بعدم التأثير١ ونحن نجري في رسم هذا الفن على مسالك الأولين وتقسيمهم ثم نذكر بعد نقل مراسمهم وجه التحقيق إن شاء الله تعالى.
١٠٠٥- قال أصحاب الجدل: عدم التأثير ينقسم:
إلى ما يقع في وصف العلة وإلى ما يقع في أصلها.
[فأما] الواقع في [الوصف] ٢ فهو عدم الانعكاس وقد سبق في ذلك قول بين بالغ يطلع على الأسرار والنهايات ونحن نذكر الآن ما يليق بهذا المقام ولا نغادر مضطربا معنويا ولا جدليا.
فنقول: العلة [المعنوية] إذا اطردت فإنها كما تشعر بالحكم في اطرادها فقد يشعر عدمها بعدم الحكم [على حال] ولكن لا يبلغ [إشعار] العدم بانتفاء الحكم [مبلغ] إشعار الوجود بالوجود.
وسبب ذلك أنه لا يمتنع في وضع المعاني ارتباط حكم بعلل تجويزا وإن كنا ادعينا فيما تقدم أن ذلك غير واقع وأن ما ظنه الخائضون في هذا الفن حكما معللا
стр. 417
بعلل في التحقيق أحكام وهو كقولهم تحريم المحرمة الصائمة المعتدة الحائض معلل بهذه العلل المزدحمة وقد ذكرنا أن كل قضية من هذه القضايا توجب حكما مغايرا لحكم القضية فلا يعدم الأنيس بالفقه استمكانا من تقدير التعدد في الموجبات بوجوه ترشد إلى التغاير والاختلاف.
وقد يظن الظان [في هذا المقام] أن المسئول إذا فرض الكلام في طرف من أطراف المسألة لغرض وإيضاح كلام فصورة الغرض تختص بعلة وتشبهها مع سائر الأطراف علة عامة وإذا كان كذلك فقد علل الحكم في هذا الطرف بعلة خاصة هي مقصود الفارض وعلة عامة وهذا على حسنه غير صاف عن القذى والكدر.
١٠٠٦- وأنا أضرب في ذلك أمثلة توضح الغرض فأقول.
إذا قدم الغاصب الطعام [المغصوب] إلى إنسان مضيفا فأكله المضاف ظانا أن الطعام ملك المقدم المضيف فقرار الضمان في قول الشافعي على المقدم ومعتمد هذا القول تقدير التغرير وكون [الغرور] مناطا للضمان.
وقد قال أبو حنيفة لو أكره الغاصب إنسانا على تناول ذلك الطعام فالقرار على الطاعم وإن كان مجبرا [موجرا] كما إذا كان مختارا في التناول.
فإذا فرض الفارض الكلام في صورة [الإكراه] فهذه الصورة لا يجرى فيها عموم التعليل بالتغرير إذ الإجبار ينافى الاغترار ومن ضرورة الاغترار فرض الاختيار في المغرور مع استناد اختياره إلى اغتراره فأما المجبر المكره فلا يتصور تصوره مغترا وإن فرض منه ظن فليس ذلك الاغترار المعنى.
فهذا النوع من الفرض غير معنى من جهة أنه يجانب محل السؤال أولا [والفرض] المستحسن هو الواقع في طرف يشتمل عليه عموم سؤال السائل وذلك محمول على استشعاره انتشار الكلام في جميع الأطراف وعدم وفاء مجلس واحد باستتمام الكلام فيها فإذا فرض المجيب فيستفيد بالفرض فيه التعريف على قرب ومهما تعرض المجيب للكلام فيما لم يشتمل عليه سؤال السائل لم يكن للكلام وجه إلا البناء إذ له أن يثبت كلاما في غير محل السؤال ثم يبنى عليه محل السؤال وليس [ذلك] من الفرض وإنما هو بناء.
ولست أرى في البناء في المسألة التي فرضناها وجها فإنه إذا ثبت [أن] الضمان
стр. 418
لا يستقر على المكره فكيف ينبني عليه عدم القرار على المختار الطاعم ولا معتمد في التقدير على المختار إلا الاغترار؟ وهو مفقود في [الإجبار] وشرط البناء جمع فقيه بين ما عليه البناء وبين محل السؤال.
نعم أساء أبو حنيفة ﵀ إذ قرر الضمان على من لا اختيار له إساءة لا ارتباط لها بمأخذ الكلام في صورة الغرور.
١٠٠٧- ونحن نفرض صورة من الفرض المستحسن يتبين بها قصارى المقصود فنقول: إذا سأل السائل عن نفوذ عتق الراهن فسؤاله يعم المعتق المعسر والموسر [و] إذا رأى المسئول [فرض الكلام] في المعسر فمحمل كلامه يندرج تحت سؤال السائل والفارض يستفيد بالفرض في المعسر أمرين:
أحدهما: دفع أسئلة قد يعتاص الجواب عنها على [البكي] الذي لا تطاوعه العبارة فإن من أسئلة الخصم سريان العتق إلى ملك الشريك فإذا كان يسرى سلطانه إلى غير ملك المعتق فقد يبعد عن محل ملكه مع صحة عبارته فإذا وقع الفرض في المعسر فلا يلزم في أطراف الكلام سريان العتق فإن عتق المعسر غير سار على أصل الشافعي فهذه فائدة.
وأعلى منها أن الخصم قد يتمسك في أطراف الكلام في أن قيمة العبد في فرض المالية نازلة منزلة العبد فليس الراهن المعتق [مفوتا على المرتهن] غرضه من الاستيثاق بالمالية فإذا أقام قيمة العبد رهنا مقامه فهو غير معترض على محل حق المرتهن.
وهذا الفن من الكلام لا حقيقة له إذ ليس هو معنى من ينفذ عتق الراهن فإن عتقه لا ينفذ عند من ينفذه لإمكان إقامة القيمة مقامه بل سبب نفوذه صحة عبارته وثبوت ملكه فيستفيد الفارض بفرضه دفع هذا الكلام الواقع فضلة لا أثر لها [فليكن] قصد المحقق إذا فرض مثل ذلك.
١٠٠٨- والآن نذكر في هذا الفن الغرض الذي استفتحنا القول في الفرض لأجله فنقول: يتجه للفارض في المعسر أن يقول: استأصل المعتق المعسر لو نفذ عتقه حق المرتهن بكماله مشيرا إلى أنه لا يجد ما يبذله غارما فيظهر كلامه من جهة الاستئصال والتسبب إلى قطع حق المرتهن من الاستيثاق بالكلية.
وهنا وقفة محتومة على طالب الغايات فنقول: من منع نفوذ العتق يكتفى بما
стр. 419
يقرره بأن نفوذ العتق لو قبل منه أدى إلى قطع حق لازم للمرتهن في عين الرهن فإذا كفى هذا فأي حاجة إلى التعرض لقطع المالية وحسم الطلب في القيمة يوشك لو تفطن الفارض أنه يقع في المحذور الذي نبهنا عليه الآن وهو النطق بما لا اعتناء به ولا وقع له.
فإن قال قائل: ما المانع من ازدحام علتين في هذه الصورة إحداهما قطع المالية بالكلية والثانية قطع حق المرتهن عن العين المخصوصة فيكون امتناع النفوذ معللا بعلة خاصة وهي قطع المالية وأخرى عامة وهي قطع الحق عن عين العبد [فإن] هذا مما يعم الموسر والمعسر وإنما تتبعنا هذا الكلام مع فوائد جمة لهذا الغرض.
١٠٠٩- ونحن نقول: هذا ليس بشيء فإن المالية ليست مرعية في حق المرتهن وإنما المعتبر حق استيثاقه بعين يتمسك به إذا اعترض له توقعات العسر في الذي يقع في الذمم وهو [يأنس] مستوثقا بالعين التي استمسك بها فهذا غرض الرهن وإذا لم يكن الراهن مطالبا بالدين فقد خرج عن مقصود الرهن ولهذا السر لا يجوز رهن الدين نعم لو فرض من الراهن إتلاف الرهن فالشرع يتقاضاه أن يقيم قيمته مقامه إذ مسلك الشرع إثبات الضمان جبرانا لكل فائت فلا ينبغي أن تعد قضايا الشرع في مظان الضرورات من القضايا الوضعية في تأسيس الأصول.
وهذا يناظر عندي مسلكين في توزيع العوض على مختلفين في أحد شقى العقد عند مسيس الحاجة في شفعة لو فرض تلف أحد العوضين.
١٠١٠- وقد زل جماهير الفقهاء فاعتقدوا التوزيع مقصود العقد كما نبهت عليه في مسألة العجوة في "الأساليب" وهذا زلل في سوء مدرك فإن العقد ما انبنى على التوزيع وإنما هو أمر ضروري أحوج إثبات الشفعة إليه وهو إذ ذاك أقرب معتبر.
١٠١١- وإن اعتقد الفارض في الراهن المعسر الفصل بينه وبين الموسر صار إلى أن الراهن إذا كان موسرا نفذ عتقه ويلزمه إحلال القيمة محل العبد وإن كان معسرا لا ينفذ عتقه لتعذر تغريمه وإفضاء الإعتاق فيه لو قدر نفوذه إلى إبطال اختصاص المرتهن باستيثاقه بالكلية وشبه [ذلك] بتفصيل مذهبه في تسرية عتق الشريك إذا كان موسرا ومنع تسريته إذا كان معسرا فاتحاد العلة على هذا المذهب أوضح فإن صاحبه متشوف إلى اعتبار انقطاع علقة المرتهن من غرض الوثيقة بالكلية وليس لبطلان حق المرتهن من غير الراهن عنده وقع أصلا ولذلك يبعد عتق الموسر.
стр. 420
الراهن فلم ينتظم على المسلكين علتان عامة وخاصة في صورة الفرض.
١٠١٢- ومما نجريه مثالا في ذلك أن الشافعي ﵀ إذا فرض [من هو على مذهبه] الكلام في مسألة ضمان المنافع في طرف الإتلاف وطرد ما يرتضيه فيه فقد يعتقد الفطن أنه يجتمع في هذا الفرض معنيان.
أحدهما: الإقدام على الإتلاف وهو من أقوى أسباب الضمان ولذلك [اختار] الفارض [تعيين هذا] الطرف وتخصيصه بالكلام المختص به وقد اجتمع فيه الإتلاف والتلف تحت اليد العادية وهذا أقرب مسلك في تخيل اجتماع معنيين لحكم واحد.
١٠١٣- ونحن نقول فيه: العلة في الضمان الإتلاف في هذه الصورة فحسب فإن التلف [الحاصل] تحت اليد العادية إنما يضمن من جهة اعتداء ذي اليد ومنعه الحق مستحقه فصار الضياع الذي وقع مساويا في أطراد منع المعتدى مشبها بالإتلاف فإذا تحقق الإتلاف لم يبق لتخيل التلف على دوام المنع المشبه بالإتلاف معنى والإتلاف هو المشبه به واعتقاد اجتماع المشبه والمشبه به في صورة واحدة محال.
١٠١٤- وأنا أشبه هذا المساق من الكلام بمسألة أصولية ذكرناها في أوائل هذا المجموع وهي قوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" ١ فقد ذهب ذاهبون إلى أن الصيغة عامة في نفي الكمال والجواز وهذا زلل فإن العموم إنما يتحقق إذا أمكن اعتقاد اجتماع المسميات تحت قضية اللفظ المقدر عاما حتى يكون اللفظ شاملا لها وهذا لا يتحقق فيما فيه الكلام فإن الجواز إذا انتفى لم يتحقق مع انتفائه تخيل نفى الكمال إذ من ضرورة نفى الكمال [إجزاء] الشيء وجوازه على حكم النقصان وقد قررنا ذلك بما فيه أكمل مقنع.
١٠١٥- وقد تبين بمجموع ما ذكرناه في تقاسيم الفرض أنه لا يكاد يجتمع معنيان وقوعا يصلح كل واحد منهما لتعليل الحكم الواحد ولكن إن لم يقع هذا ولم يتفق فليس في العقل عند النظر في قواعد الشرع بالتعبد ما يحيل ذلك.
ولو قدرنا وقوع هذا المجوز لما اقتضى انتفاؤه معنى عدم الحكم إذ الحكم في هذا التقدير مستقل بما بقى من المعاني فليس إشعار عدم المعنى بانتفاء الحكم على
стр. 421
نحو إشعار ثبوت المعنى بثبوت الحكم.
١٠١٦- وأقرب مثال فيما نحاوله من الفصل بين الإشعارين أن نقول العلة المفردة المعنوية تناسب الحكم مناسبة الاستقلال بالاقتضاء ولو فرضت علة مركبة من صفات فقهية فلا يناسب وصف واحد من الأوصاف الحكم واقتضاءه مناسبة العلة المفردة المستقلة ولكنه لا يعرى عن مناسبة لائقة بالحكم مستمدة من قضية فقهية الأوصاف.
فلو قدرنا عللا وقدرنا انتفاء جميعها ولم يرد شرع باطراد الحكم مع انتفاء جميع العلل فإن الحكم ينتفي عند ارتفاض العلل جميعا إذ يستحيل [تقدير] بقاء الحكم غير مرتبط بوصف أو علة وإذا زال بعضها كان لزوال البعض أثر في [النفس] يضاهي زوال ترجيح وتأكد ونحن لا ننكر اجتماع الترجيحات وزوال وصف واحد من العلة [المركبة من الأوصاف تتضمن انتفاء الحكم لاختلال العلة] إذ هي مركبة وشرطها تكامل أوصافها فكان انتفاء الحكم محالا على [اختلال] العلة أصلا ولم [نورد] الوصف الواحد مثلا ونحن [نريد أن نشبهه] في كل الوجوه بآحاد العلل عند [تقدير] اجتماعها وإنما أوردناه لانحطاط حظه من الإشعار عن حظ العلة المستقلة عند تكامل الصفات فكل وصف من أوصاف العلة عند توافيها على حظ وكل علة من العلل التي قدرنا اجتماعها إذا انتفت على حظ من اقتضاء الانتفاء فشابه خفاء إشعار انتفاء علة من علل بانتفاء الحكم خفاء إشعار آحاد الصفات عند توافيها بالحكم.
١٠١٧- وإذا تقرر ما ذكرناه فنقول بعده إذا طرد المعلل علة فاطردت له وهو يعتقد اتحاد العلة ولو يقم عنده توقيف في ثبوت الحكم عند انتفاء العلة فإنه يعتقد لا محالة انتفاء الحكم عند انتفاء العلة ويلتزم ذلك غير أنه لا يلزمه في مراسم الجدل أن يبدي توقيفا مقتضيا منع الانعكاس إن كانت العلة لا تنعكس.
١٠١٨- وهذا يستدعي مزيد كشف الآن.
فنقول والله المستعان قد ذكرنا ترددا في أن العلة إذا امتنع اطرادها بمسألة غير معللة مستندها توقيف فهل يتضمن [ذلك] بطلان العلة؟ وهل يوهى مسلك ظن المستنبط في روم الطرد؟ فمن سبق إلى اعتقاد كون هذا قاطعا للطرد لا يقول إذا قام توقيف مانع من الانعكاس تضمن ذلك بطلان روم الطرد وذلك الإشعار لا يحط
стр. 422
الإشعار بالعكس عن الإشعار بالطرد.
على أنا ذكرنا أن الطرد لا ينقطع بمواقع الاستثناء أصلا ومن اعتقد انقطاعه فقوله أقرب من قول من يصير إلى عدم الانعكاس متضمن بطلان الطرد.
فليفهم الناظر ما يلقى إليه من تفاوت المراتب في مآخذ النظر إن كانت مستوية في عقده.
ولهذا المعنى نقول: إذا اعترضت مسألة على مناقضة الطرد غير معللة فعلى المتمسك بالعلة أن يبين خروج المسألة المعترضة عن المعللات والتحاقها بالمستثنيات في أدب الجدل وليس على من ألزم عدم الانعكاس أن يبين السبب التوقيفي المانع من الانعكاس فإن ذلك لو فرض الخوض فيه كان داعية إلى انتشار الكلام والخروج عن الضبط الجدلي وإن كنا نرى أن العلل غير مجتمعة وقوعا وعلى المجتهد فيها أن يبحث عن طرق المناظر في الطرد والعكس وليس كل ما يلتزمه المجتهد في ترددات اجتهاده يذكره في مفاوضة من يناظره.
١٠١٩- فإن قيل: هل يسوغ أن يضع المستدل كلامه مبنيا على الدعاء إلى العكس؟
قلنا: لا يستقل في هذا كلامه المطلق بل يحتاج إلى أن يقرر معناه ويبين فساد ما عداه مما انتحله الخصم وادعاه ثم يشير إلى [انتفاء] التوقيف المانع من الوفاء بالعكس فينتظم من مجموع ذلك الدعاء إلى العكس لما ذكرناه من الإشعار [الخفي] به وعليه يخرج التعلق بالعلة القاصرة حيث يصح ويظهر بطلان ما يقدر متعديا فيدعو المتمسك بالعلة القاصرة خصمه إلى الوفاء بمقتضى العكس وسيكون لنا إلى ذلك عودة إن شاء الله تعالى عند الكلام في العلة القاصرة.
فهذا هو الذي أردنا إيراده في حقائق العكس في هذا المقام وقد يخرج ذلك في الاستدلال أيضا.
وكل ما ذكرناه معدود عند أصحاب الجدل من عدم التأثير في الوصف.
стр. 423
الكلام عن عدم التأثير في الأصل.
١٠٢٠- فأما ما عد من عدم التأثير في الأصل١ فنحن نمثله ونتكلم عليه فنقول: إذا علل الشافعي منع نكاح الأمة الكتابية وقال: أمة كافرة فلا يحل لمسلم [نكاحها] كالأمة المجوسية ولا أثر للفرق في الأصل [فإن الحرة المجوسية محرمة والتمجس يستقل بإثارة منع النكاح والرق مستغنى عنه وذكر الرق عديم التأثير في الأصل] والذي صار إليه المحققون فساد العلة بما ذكرناه.
وذهب ذاهبون إلى أن التمسك بذلك صحيح من جهة أن للرق أثرا على الجملة في المنع فذكره مع التمجس ليس عريا عن إشعار وإن كان لا يحتاج إليه.
وزعم هؤلاء أن هذه الزيادة مع ما فيها من الإشعار بالمنع على خفاء مشبهة بشهادة شاهد ثالث وقد استقلت الحكومة بشهادة عدلين.
وهذا غير سديد فإن الرق في الأصل ليس علة ولا وصفا لعلة فوقع التعرض له لغوا ولا حكم له لما فيه من الإشعار على بعد إذ كان لا ينتهض علة ولا ركنا لعلة وليس هذا كما استشهد به من يصحح ذلك في شهادة الشاهد الثالث فإن ذلك استظهار في الحكومة والشاهد الثالث متهيئ لأن يقدر أحد الشاهدين الواقعين ركنا ولا يتصور أن يقع الرق المجرد ركنا في محاولة التحريم على التعميم فقد نأى ما نحن فيه عما استشهد به من تقدم وتعين القول قطعا من سقوط العلة.
١٠٢١- وما ذكرناه فيه إذا كان للوصف أثر على بعد في أصل الحكم المطلوب وإن كان لا يؤثر في تفصيله.
فأما إذا كان الوصف الزائد غير محتاج إليه ولم يكن معه إشعار نظر فإن لم يكن في ذكره غرض فهذا لغو لا وقع له ولا يقضى بأنه يبطل العلة إذا كانت مستقلة مع حذف الزيادة ولكن ينسب ذاكرها إلى الهذر وذكر ما لا يحتاج إليه وهذا في مراسم الجدل كترك السنن والهيئات في العبادات.
ولو كانت العلة تنتقض لو قدر حذف الزيادة والزيادة لا إشعار لها فهي عند المحققين منحذفة غير عاصمة من النقض.
стр. 424
وذهب القائلون بالطرد إلى قبول هذا ورأوا ذلك أولى من الطرد المجرد من حيث انطوت العلة على فقه على حال ووجه ولصاحب هذه الزيادة درء النقض.
١٠٢٢- ونحن نقول: إن كان النقض ينفصل عن محل العلة فذاكر العلة غير آت بتمام العلة ولا يقع الانفصال بالزيادة التي أثبتها والعلة باطلة.
وإن كانت المسألة المعترضة [غير معللة فلا ضير في ذكر الزيادة فإنها منبهة على كون المسألة المعترضة] ملتحقة باستثناء الشارع وقد جرى التنبيه على ذلك.
وتقدم فهذا تمام القول فيما أردناه.
١٠٢٣- وعلينا الآن فضل كلام في فصل الأصحاب بين عدم التأثير في الوصف [وعدم] التأثير في الأصل.
فنقول: عد الجدليون عدم التأثير في الوصف قولا في العكس كما تفصل وفسروا عدم التأثير في الأصل بذكر صفة لا تستقل علة وعلة الأصل تستقل دونها والذي نراه أن القسمين ينشآن من الأصل فإن فرض الأصل معللا بعلل [فالعلة] الواحدة لا يتضمن انتفاؤها انتفاء الحكم وهذا منشؤه من تعدد العلة في الأصل وإن اتحدت العلة جر ذلك الانعكاس والقول في ذلك كما مضى.
فوضح أن تقسيم الكلام إلى الأصل والوصف لا حاصل له.
١٠٢٤- ونحن الآن نسرد في بسط المقالات كلاما مجموعا في الخلاف والوفاق حتى يجدها الناظر مجموعة فقد أطلنا [التقرير] بعض الإطالة فنقول:
ذهب شرذمة إلى اشتراط الانعكاس جملة وهذا مذهب مهجور وعلى قلة البصيرة محمول ولست أعدها مقالة معتدا بها فأما التزام الانعكاس مع اتحاد العلة وانتفاء توقيف مانع منه فلا بد.
منه عندنا وقد ذهب ذاهبون إلى أنه لا يلزم لأن إشعار النفي كالمنفى والمقصود طرد خفي لا استقلال له.
والإنصاف في ذلك أن يقال: إنه لا يلزم في الاجتهاد والمطالبة به لا تحسن في الجدل والمعلل إذا ألزم فله الاكتفاء برد الأمر إلى إبهام في المانع من العكس فهذا بيان المقالات في العكس.
стр. 425
١٠٢٥- فأما ما به قوة عدم التأثير في الأصل فينقسم إلى مخيل وإلى ما لا يخيل.
فأما الصفة المشعرة إذا كانت علة الأصل يستقل دونها الحكم وهي لا تستقل علة فالوجه القطع ببطلانها ومن الجدليين من لم يبطلها.
وإن لم تكن مناسبة [ولا] حاجة فهي من اللغو كما مضى وإن رام المعلل بها دفع نقض فهذا على ما تقدم شرحه فمن الناس من قبله.
والمختار عندنا أن النقض إن كان فقهيا لم تغن هذه الصفة والوجه ذكر الفقه الفاصل بين ما اعترض به وبين محل العلة وإن كان الغرض من ذكرها التنبيه على مسألة غير معللة فهذا مستحسن ولكنه لا يلزم الذكر في الرأي الواضح فهذه مجامع المذاهب وقد نجز بنجازها القول في عدم التأثير و [الخامس] من الاعتراضات: فساد الوضع ١:
١٠٢٦ - وهو على أنحاء وأقسام [وحاصل] القول فيه يحصره نوعان.
أحدهما: أن يبين المعترض أن القياس موضوع على خلاف ما يقتضيه ترتيب الأدلة وهذا يشمل فنونا وقد تقدم القول فيها.
أحدها: أن يكون على مخالفة الكتاب، والآخر: أن يكون على مخالفة السنة والكتاب والسنة مقدمان على قياس المستنبط وكذلك القول في الخبر الذي ينقله الآحاد على الصحة المألوفة في أمثالها فخبر الواحد مقدم كما تقدم ذكره.
ومن هذا الفن محاولة الجمع بالقياس بين شيئين فرق بينهما الخبر أو محاولة الفرق بين شيئين اقتضى الخبر الجمع بينهما.
ولا معنى لتعديد وجوه المخالفات فإنها ترتبط بالتزام عد مقتضيات الشرع ولا معنى للإسهاب بعدها.