← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7439

البرهان في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (568 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

معتضدهم فيما يدعونه من ذلك الرجوع إلى [معاقلات] العقلاء وليس ببدع أن يقول القائل ربما يعلم الله تعالى صلاح عباده في أن يبهم عليهم الخطاب حتى يعتقدوه مبهما ثم إذا استمروا بين لهم التفصيل عند الحاجة ولو بين لهم أولا لفسدوا فيبطل ما ذكروه من كل وجه فهذا مسلك. والمسلك الثاني: يتعلق بمناقضتهم مذهبهم هاهنا بأصلهم في النسخ فإن النسخ عندهم بيان مدة التكليف [ولم يكن] هذا البيان مقترنا بمورد الخطاب الأول وليس لهم عن هذا جواب. والمسلك الثالث: يتعلق بمطالبتهم [بما] رأينا الشرع عليه فنقول قد ورد الأمر بالحج ولم يقترب به تفاصيله جملة واحدة وكذلك القول في الصلاة وغيرها من قواعد الشريعة فلم يبق لمذهبهم متعلق. فإن قالوا: مخاطبة المكلف بما لا يفهم لا فائدة فيه, قلنا: هذا عين المذهب وفيما ذكرناه ما يبطله. فإن قالوا: مخاطبة العربي بلفظ محتمل في اللغة كمخاطبة الأعجمي بالعربية, قلنا: ونحن لا نمنع من ذلك إذا فهم [العجمي] على الجملة أنه مأمور والعجم مأمورون بأوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﷺ ثم [يفسر] لهم في وقت الحاجة.

стр. 37

القول في اللغات ومأخذها وذكر ألفاظ جرى رسم الأصوليين بالكلام عليها مدخل ... القول في اللغات ومأخذها وذكر ألفاظ جرى رسم الأصوليين بالكلام عليها. ٧٩- اعلم أن معظم الكلام في الأصول يتعلق بالألفاظ والمعاني أما المعاني فستأتي في كتاب القياس إن شاء الله تعالى وأما الألفاظ فلا بد من الاعتناء بها فإن الشريعة عربية ولن يستكمل المرء خلال الاستقلال بالنظر في الشرع ما لم يكن ريانا من النحو واللغة ولكن لما كان هذا النوع فنا مجموعا ينتحى ويقصد لم يكثر منه الأصوليون مع مسيس الحاجة إليه وأحالوا مظان الحاجة على ذلك الفن واعتنوا في فنهم بما أغفله أئمة العربية واشتد اعتناؤهم بذكر ما اجتمع فيه إغفال أئمة اللسان وظهور مقصد الشرع وهذا كالكلام على الأوامر والنواهي والعموم والخصوص وقضايا الاستثناء وما يتصل بهذه الأبواب ولا يذكرون ما ينصه أهل اللسان إلا على.

стр. 38

قدر الحاجة الماسة التي لا عدول عنها. ونحن نذكر الآن مسائل على شرط هذه الترجمة إن شاء الله. مسألة: ٨٠- اختلف أرباب الأصول في مأخذ اللغات فذهب ذاهبون إلى أنها توقيف من الله تعالى وصار صائرون إلى أنها تثبت اصطلاحا وتواطؤا وذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائييني ﵀ في طائفة من الأصحاب إلى أن القدر الذي يفهم منه قصد التواطؤ لا بد أن يفرض فيه التوقيف. والمختار عندنا أن العقل يجوز ذلك كله فأما تجويز التوقيف فلا حاجة إلى تكلف دليل فيه ومعناه أن يثبت الله : في الصدور علوما بديهية بصيغ مخصوصة بمعان فيتبين العقلاء الصيغ ومعانيها ومعنى التوقيف فيها أن يلقوا وضع الصيغ على حكم الإرادة والاختيار. وأما الدليل على جواز وقوعها اصطلاحا فهو أنه لا يبعد أن يحرك الله تعالى نفوس العقلاء لذلك ويعلم بعضهم مراد بعض ثم ينشئون على اختيارهم صيغا وتقترن بما يريدون أحوال لهم وإشارات إلى مسميات وهذا غير مستنكر وبهذا المسلك ينطق الطفل على طول ترديد المسمع عليه ما يريد تلقينه وإفهامه. فإذا ثبت الجواز في الوجهين لم يبق لما تخيله الأستاذ ﵀ وجه والتعويل في التوقيف وفرض الاصطلاح على علوم تثبت في النفوس فإذا لم يمتنع ثبوتها لم يبق لمنع التوقيف والاصطلاح بعدها معنى ولا أحد يمنع جواز ثبوت العلوم الضرورية على النحو المبين. فهذا خط الأصول من هذه المسألة. ٨١- فإن قيل فإذا أثبتم الجواز في الوجهين عموما فما الذي اتفق عندكم وقوعه قلنا ليس هذا الآن مما يتطرق إليه بمسالك العقول فإن وقوع الجائز لا يستدرك إلا بالسمع المحض ولم يثبت عندنا سمع قاطع فيما كان من ذلك وليس في قوله : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١ دليل على أحد الجائزين فإنه.

стр. 39

لا يمتنع أن اللغات لم يكن يعلمها فعلمه الله تعالى إياها ولا يمتنع أن الله تعالى أثبتها ابتداء وعلمه إياها. مسألة: ٨٢- ذهب بعض من ينتمي إلى أصحابنا في طوائف من الفرق إلى أن اللغات لا يمتنع إثباتها قياسا وإنما قالوا ذلك في الأسماء المشتقة كالخمر فإنها من التخمير أو المخامرة فقال هؤلاء إن خصصت العرب في الوضع اسم الخمر بالخمر النية العنبية فيجوز تسمية النبيذ المشتد خمرا لمشاركته الخمر النية فيما منه اشتقاق الاسم. ٨٣- والذي نرتضيه: أن ذلك باطل لعلمنا أن العرب لا تلتزم طرد الاشتقاق وأقرب مثال إلينا أن الخمر ليس في معناها الإطراب وإنما هي من المخامرة أو التخمير فلو ساغ الاستمساك بالاشتقاق لكان كل ما يخمر العقل أو يخامره ولا يطرب خمرا وليس الأمر كذلك. والقول الضابط فيه: أن الذي يدعى ذلك إن كان يزعم أن العرب أرادته ولم تبح به فهو متحكم من غير ثبت ولا توقيف فإن اللغات على خلاف ذلك ولم يصح فيها ادعاء نقل وإن كان يزعم أن العرب لم تعن ذلك فإلحاق الشيء بلسانها وهي لم ترده محال والقايس في حكم من يبتدئ وضع صيغة. فإن قيل الأقيسة الحكمية يدور فيها هذا التقسيم قلنا أجل ولكن ثبت قاطع سمعي على أنها متعلق الأحكام فإن نقلتم قاطعا من أهل اللسان اتبعناه. ثم السر فيه أن الإجماع انعقد علة وجوب العمل عند قيام ظنون القايسين فلم تكن الظنون موجبة علما ولا عملا وليس في اللغات عمل فإن كنتم تظنون شيئا فلا نمنعكم من الظن ولكن لا يسوغ الحكم بالظن المجرد فإن تعلق هؤلاء بالأسماء المشتقة من حيث الأفعال كأسماء الفاعلين والمفعولين التي تجري على قضية واحدة فقد ثبت في هذه من طريق النقل اطراد القياس فاتبعناه ولا يجرى هذا في محل النزاع قطعا. ٨٤- في ألفاظ استعملتها العرب فجرت في ألفاظ الشارع ﷺ على أنحاء لم تعهد في اللغة المحضة كالصلاة والزكاة والحجج والعمرة وما في معناها. فالصلاة في اللسان: الدعاء وقيل: هي ملازمة الشيء من قولهم صلى النار.

стр. 40

واصطلى بها ومنه المصلى في السباق. والزكاة هي: النمو والحج والعمرة القصد ثم الشارع سمى عبادة مخصوصة صلاة وكذلك القول في أخوات هذه اللفظة فما وجه ذلك؟. قال قائلون: نقل الشرع الألفاظ اللغوية عن حكم وضع اللسان إلى مقاصد الشرع. وقال آخرون: هي مقرة على حقائق اللغات لم تنقل ولم يزد في معناها وهو اختيار القاضي أبي بكر ﵀. وذهب طوائف من الفقهاء إلى أنها أقرب وزيد في معناها في الشرع. وقالت المعتزلة: الألفاظ تنقسم ثلاثة أقسام أحدها الألفاظ الدينية وهي الإيمان والكفر والفسق: فهي عندهم منقولة إلى قضايا في الدين فالإيمان في اللسان التصديق والكفر من الكفر وهو الستر والفسق الخروج وهذا الذي ذكروه على قواعدهم في أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا دينا وليس كافرا أيضا وإنما هو فاسق. والقسم الثاني: الألفاظ اللغوية وهي القارة على قوانين اللسان. والقسم الثالث: الألفاظ الشرعية وهي الصلاة والصوم وأخواتها فهي مستعملة في فروع الشرع. وسر مذهبهم في الدينية والشرعية يئول إلى ما حكيناه عن الفقهاء من أنها مقرة زيد في معناها. أما القاضي رحمة الله عليه فإنه استمر على لجاج ظاهر فقال الصلاة الدعاء والمسمى بها في الشرع دعاء عند وقوع أقوال وأفعال ثم الشرع لا يزجر عن تسمية الدعاء المحض صلاة وطرد ذلك في الألفاظ التي فيها الكلام. وهذا غير سديد فإن حملة الشريعة مجمعون على أن الركوع والسجود من الصلاة ومساق ما ذكره [أن] المسمى بالصلاة الدعاء فحسب وليس الأمر كذلك. ٨٥- وأما المختار عندنا فيقتضي بيانه تقديم أصل هو مقصود في نفسه وبه يتم غرض المسألة فنقول:

стр. 41

قد ذكر الأصوليون أن في الألفاظ ما هو عرفي وللعرف احتكام فيه ووجه احتكام العرف فيه يحصره شيئان أحدهما أن تعم استعارته عموما يستنكر معها استعمال الحقيقة وهذا كقول القائل: الخمر محرمة وهذا مستعار متجوز فإن الخمر لا تكون مرتبط التكليف وإنما يتعلق التكليف بأحكام أفعال المكلفين فالمحرم إذا شرب الخمر وتعاطيها ولو قال قائل: ليست الخمر محرمة لكان قائلا هجرا ويكثر تطاير ذلك في اللسان والشرع فهذا أحد الوجهين. والثاني: يخصص العرف أسماء ببعض المسميات ووضع الاسم يقتضي ألا يختص وهذا كالدابة فإنها مأخوذة من دب يدب وهو مبني بناء فاعل على قياس مطرد في أسماء الفاعلين ثم يقال فلان دب ولا يسمى دابة إلا بعض البهائم والحشرات كالحيات ونحوها. فإذا تبين هذا بنينا عليه غرضنا وقلنا الدعاء التماس وأفعال المصلي أحوال يخضع فيها لربه ويبغى بها التماسا فعمم الشرع عرفا في تسمية تلك الأفعال دعاء تجوزا واستعارة وخصص اسم الصلاة بدعاء مخصوص فلا تخلو الألفاظ الشرعية عن هذين الوجهين وهما متلقيان من عرف الشرع فمن قال إن الشرع زاد في مقتضاها وأراد هذا فقد أصاب الحق وإن أراد غيره فالحق ما ذكرناه ومن قال إنها نقلت نقلا كليا فقد زل فإن في الألفاظ الشرعية اعتبار معاني اللغة في الدعاء والقصد والإمساك في الصلاة والصوم والحج فهذا حاصل هذه المسألة.

стр. 42

فصل: [في ألفاظ] جرى رسم الأصوليين بالخوض فيها فلا وجه لإخلاء هذا المجموع عنها . ٨٦- منها: اللغة من لغي يلغى إذا لهج بالكلام وقيل لغي يلغا والكلام هو المفيد والمفيد جملة معقودة من مبتدأ وخبر وفعل أو فاعل والكلم جمع كلمة كالنبق والنبقة واللبن واللبنة وهي تنطلق على ما يفيد وعلى مالا يفيد والكلم الذي ينتظم الكلام [منه] اسم وفعل وحرف جاء لمعنى. ٨٧- فالاسم كقولك: رجل ودابة وكل مادل على معنى سمى به ثم.

стр. 43

الأسماء تنقسم إلى متمكن وإلى غير متمكن فأما غير المتمكن فهو الذي يحتاج الناظر إلى فكر في إلحاقه بقبيل الأسماء كقولك أين وكيف ومتى وما في معناها وهي كلها مبنيات لا يدخلها الإعراب لمشابهتها الحروف١ والمتمكن مالا يستراب في كونه اسما وهو ينقسم إلى ما يسمى الأمكن وهو ما ينصرف ويجر٢ ومعنى الانصراف قبول الجر والتنوين٣ وما لا ينصرف يسمى متمكنا ولا يجر٤ ولا ينون. ٨٨- والأفعال صيغ دالة على أحداث أسماء مشعرة بالأزمان والأحداث هي المصادر وهي أسماء ولكنها لصيغ الأفعال كالتبر للصور المصوغة. ثم الأفعال٥ مبنية خلا المضارع والمضارع ما يلحق أوله إحدى الزوائد الأربع. الهمزة والياء والتاء والنون في قولك أفعل تفعل يفعل نفعل. ٨٩- والحروف صلات بين الأسماء والأفعال وهي كلها مبنية ثم إنها تنقسم أربعة أقسام:.

стр. 44

أحدهما: ما لا يغير اللفظ والإعراب ويغير المعنى كقولك زيد منطلق ثم تقول هل زيد فالإعراب على ما كان وقد تغير المعنى من التحقيق إلى الاستفهام. والثاني: ما يغير اللفظ والإعراب ولا يغير المعنى تقول زيد في الدار ثم تقول إن زيدا في الدار فقد تغير الإعراب والمعنى بحاله. والثالث: ما يغير اللفظ والمعنى تقول زيد خارج ثم تقول لعل زيدا خارج فالإعراب قد تغير وتغير المعنى من التحقيق إلى الترجي. والرابع: مالا يغير اللفظ ولا المعنى وهي الزوائد قال الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ﴾ ١ معناه فبرحمة من الله. ثم تكلموا في أمور هي محض العربية ولست أرى ذكرها ولكن أذكر منها ما تكلم فيه أهل النظر من الفقهاء والأصوليين ثم لا أجد بدا من ذكر معاني حروف كثيرة الدوران في الكتاب والسنة وبالله التوفيق. مسألة: ٩٠- ذهب بعض فقهائنا إلى أن الباء إذا اتصل بالكلام مع الاستغناء عنه اقتضى تبعيضا وزعموا أنه في قوله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ٢ يتضمن ذلك وهذا خلف من الكلام لا حاصل له وقد اشتد نكير ابن جنى في سر الصناعة على من قال ذلك فلا فرق بين أن يقول مسحت رأسي وبين أن يقول مسحت برأسي والتبعيض يتلقى من غير الباء كما ذكرته في الأساليب. وقال الشافعي ﵀ تدخل الباء بمعنى "على" قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ٣ أي على دينار. وقال سيبويه٤ ﵀ وترد بمعنى أجل قال الله : ﴿وَلَمْ.

стр. 45

أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ ١ أي ولم أكن لأجل دعائك شقيا وقال غيره هي بمعنى "في" أي في دعائك. وقد يكون زائدا لا معنى له تقول رضيت به ورضيته ومعناه الظاهر الإلصاق في مثل قولك مررت بزيد ومن أحكامه تعدية الفعل اللازم تقول قمت وقمت به وذهبت به وهذا قياس جار [مطرد] . مسألة: ٩١- خاض الفقهاء في الواو العاطفة وأنها هل تقتضي ترتيبا٢ أو جمعا٣ فاشتهر من مذهب الشافعي ﵀ المصير إلى أنها للترتيب. وذهب أصحاب أبي حنيفة ﵀ إلى أنها للجمع. ٩٢- وقد زل الفريقان فأما من قال: إنها للترتيب فقد احتكم في لسان العرب فإنا باضطرار نعلم من لغتها ولسنها أن من قال رأيت زيدا وعمرا لم يقتض ذلك تقديم رؤية زيد وقد يعلم الناطق والمخاطب أن رؤية عمرو كانت متقدمة ويحسن نظم الكلام كذلك. ومن أصدق الشواهد في إبطال ادعاء الترتيب أن العرب استعملت الواو في باب التفاعل فقالت تقاتل زيد وعمرو ولو قالت تقاتل زيد ثم عمرو لكان خلفا. فإن قيل إذا قال الزوج للتي لم يدخل بها أنت طالق وطالق طلقت واحدة ولم تلحقها الثانية ولو كانت الواو تقتضي جمعا للحقتها الثانية كما تطلق تطليقتين إذا قال لها أنت طالق طلقتين وهذا تلبيس لا يتلقى من مثله مأخذ اللسان والسبب في أن الثانية لا تلحقها أن الطلاق الثاني ليس تفسيرا لصدر الكلام والكلام الأول تام فبانت به وإذا قال أنت طالق طلقتين فالقول الأخير بعد استكمال الكلام الأول في حكم البيان له فكأن الكلام بآخره فهذا وجه الرد على من يرى الواو.

стр. 46

مرتبة وأما من زعم أنها للجمع فهو أيضا متحكم فإنا على قطع نعلم أن من قال رأيت زيدا وعمرا لم يقتض ذلك أنه رآهما معا. فإذا مقتضى الواو العطف والإشتراك وليس فيه إشعار بجمع ولا ترتيب. نعم قد ترد في غير غرض المسألة بمعنى الجمع إذا قلت لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا تجمع بينهما ومنه قول الشاعر١: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم. فلا تكون الواو عاطفة في ذلك فإن أردت العطف قلت لا تأكل السمك وتشرب اللبن وأنت تعني النهي عن كل واحدة منهما والمعنى لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن وترد الواو في باب المفعول معه بمعنى "مع" تقول استوى الماء والخشبة وجاء البرد والطيالسة قال سيبويه ﵀ قد ترد [الواو] بمعنى إذ وهي التي تسمى واو الحال قال الله : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ٢ أي إذ طائفة [ ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ] . ٩٣- فأما الفاء فإن مقتضاها التعقيب٣ والتسبيب٤ والترتيب٥.

стр. 47

ولذلك تستعمل جزاء تقول إن تأتني فأنا أكرمك وإذا جرى جزاء فهو الذي عنيناه بالتسبيب ثم من ضرورة التسبيب الترتيب والتعقيب. وقد ترد الفاء مورد الواو للعطف والتشريك وأكثر ما يلفى كذلك في أسماء البقاع كقول١ امرىء القيس٢: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل. فأما "ثم" فمن العواطف ولكن للترتيب مع التراخي وبالله التوفيق. مسألة تحوى مراسم الأصوليين في معاني الحروف: ونحن نذكر فيها لمعا مفيدة يستقل بها من لم يحط بالعربية. ٩٤- فمنها "ما" وقد تكون حرفا وقد تكون اسما. فأما ما يقع حرفا فينقسم إلى "ما" له معنى وإلى ما ليس له معنى. فأما ما له معنى فهو "ما" النافية وهي تدخل على الاسم والفعل تقول ما قام زيد [وما زيد قائم] . وإن اتصلت "ما" بالإبتداء أو الخبر فأهل الحجاز يرون إحلالها محل ليس فيرفعون بها الاسم وينصبون الخبر وهي لغة القرآن قال الله : ﴿مَا هَذَا بَشَراً﴾ ٣ وبنو تميم لا تعمل ما النافية لأنها تدخل على الاسم والفعل وقياس "ما" يدخل على البابين أعني الاسم والفعل ألا يعمل في واحد منهما. وأما ما ليس له معنى فما الكافة لعمل ما يعمل دونها تقول أن زيدا منطلق. وإنما زيد منطلق وما الزائدة في مثل قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ٤. وأما ما وقع اسما فينقسم إلى منكوروموصول أما المنكور ففي الاستفهام والشرط والتعجب تقول: ما تفعل؟ وأنت مستفهم معناه أي شيء تصنع؟.

стр. 48

وأما الشرط فتقول ما تفعل أفعل والتعجب كقولك ما أحسن زيدا قال سيبويه تقديره شيء حسن زيدا. وأما ما ليس بمنكور فهو الموصول الذي لا يقوم بنفسه دون صلته وصلته جملة من مبتدأ وخبر١ [أو فعل وفاعل] ٢ وهو بمعنى الذي تقول أعجبني الذي تصنع وأعجبني ما تصنع. وقد تقع "ما" ظرفا زمنيا في مثل قولك آتيك ما أكرمتني أي مدة إكرامك أياي. وقد تقع مصدرا قال الله : ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ٣ معناه وبنائها فيقع الفعل معه بتأويل المصدر. ٩٥- وأما "أو" فهي للتردد والتشكك تقول رأيت زيدا أو عمرا. ٩٦- و "أم" في معناه إلا أنه قد يقع في وضع الكلام مقرونا بالإستفهام تقول أزيدا رأيت أم عمرا ولا تقول رأيت زيدا أم عمرا ولا أرأيت زيدا أو عمرا. وتحقيق الفصل بينهما أن "أم" إذا استعلمت في قضية الاستفهام فمطلقها قاطع بوقوع أحد الشيئين اللذين ردد السؤال فيهما وإنما يسأل عن عين الواقع. والكلام في الباب يمثل بأي فإذا قلت أزيدا رأيت أم عمرا كان معناه أيهما رأيت وأما "أو" فليس ذلك من حكمه ويجوز أن يعتقد من يقول أرأيت زيدا أو عمرا أنه لم ير واحدا منهما واستقصاء ذلك يتعلق بفن العربية. وقد تكون "أو" بمعنى التخيير في الجنس كما تقول جالس الحسن أو ابن سيرين معناه جالس هذه الطبقة من أهل الخير. وذهب بعض الحشوية٤ من نحوية الكوفة إلى أن "أو" قد ترد بمعنى الواو العاطفة واستشهدوا بقوله : ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ٥,

стр. 49

وقوله: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ ١ وقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ ٢ وهذا "زلل" عظيم عند المحققين فلا تكون "أو" بمعنى الواو قط وقوله جل وعلا أو يزيدون عند أصحاب المعاني كالزجاج٣ والفراء٤ وغيرهما محمول على تنزيل الخطاب على قدر فهم المخاطب والتقدير وأرسلناه إلى عصبة لو رأيتموهم لقلتم مائة ألف أو يزيدون. وعليه خروج قوله تعالي: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ٥ والرب لا يتعاظمه أمر ولكن المعنى إن الإعادة أهون في ظنونكم فإذا اعترفتم بالإقتدار على الإبتداء والإعادة أهون عندكم فلم منعتموها؟. وفي هذا المعنى قوله تعالى: في خطاب موسى وهارون ﵉ إذ بعثهما إلى فرعون: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ٦ والترجي لا يليق بحكم علام الغيوب ولكن المعنى كونا على رجائكما في تذكيره إذ لو أطلعهما على الغيب في إبائه لما شمرا في الدعوة. وقوله تعالى: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ ٧ تقرب "أو" فيه من التخيير في قول القائل جالس الحسن٨ أو ابن سيرين٩ وقوله تعالى: ﴿آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ ١٠ يتجه فيه ما ذكرناه.

стр. 50

وقال الزجاج١ هو على مذهب التكريرالمؤكد والآثم هو الكفور بعينه وقد تكون "أو" بمعنى إلى في قولك لا أفارقك أو تقضيني حقي معناه إلى أن تقضيني حقي. ٩٧ - وأما "هل" فمعناه الإستفهام و"هل" تدخل على الاسم والفعل تقول هل قمت هل زيد في الدار وقد تكون هل بمعنى قد قال المفسرون في قوله : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ٢ معناه قد أتى على الإنسان وقد تكون بمعنى التقرير قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحسان إِلَّا الإحسان﴾ ٣ وإذا اتصل به "لا" كان بمعنى الحث والتحريض تقول هلا جئتنا وأنت تبغي الحث على المجىء. ٩٨- وأما "لا" فمقتضاه النهي ثم قد تكون للتبرئة فتتصل إذا باسم منكور مبني على الفتح ولا ينون ويدل إذ ذاك على نفى الجنس تقول لا ريب في الأمر ولا رجل في الدار. وتقع في جواب القسم تقول والله لا أدخل الدار وقد تكون زائدة يستقل الكلام دونها والغرض تقرير نفي اشتمل الكلام عليه قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ ٤ معناه ما منعك أن تسجد ولكن لما اشتمل الكلام على المنع ومقتضاه النفي فكان في حكم التأكيد للمنع حتى كأنه تكرير له ولا تزاد "لا" إلا لهذه الشريطة. فإن قيل "لا" زائدة في قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ ٥ وليس في الكلام نفى تؤكده لا قيل هو رد لقول الكفار ودعاويهم وقوله: ﴿أُقْسِمُ﴾ افتتاح القسم وفي الشاذ لأقسم. ٩٩- وأما "لو" فتدل على امتناع الشيء لامتناع غيره تقول لو جئتني جئتك أي امتناع مجيئى لامتناع مجيئك. وقد تكون بمعنى "إن" قال الله : ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ ٦ معناه وإن أعجبتكم.

стр. 51

وقد تفيد معنى التقليل كقوله ﷺ :١ "اتقوا النار ولو بشق تمرة" وقوله ﷺ لخاطب الواهبة نفسها٢ "التمس ولو خاتما من حديد". ١٠٠- وأما "لولا" فهي لامتناع الشيء بسبب وجود غيره تقول: لولا زيد لأكرمتك أي امتنع إكرامي إياك لوجود زيد عندك. وقد تكون بمعنى "هلا" قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ ٣ معناه هلا نفر. ١٠١- وأما "من" فحرف جار خافض لا يدخل إلا على اسم ومعناه التخصيص والتبعيض تقول أخذت الدراهم من الكيس. وقد يرد مؤكدا للتعميم واستغراق الجنس قال سيبويه٤ ﵀ إذا قلت ما جاءني رجل فاللفظ عام ولكن يحتمل أن يؤول فيقال ما جاءني رجل بل رجلان أو رجال فإذا قلت ما جاءني من رجل اقتضى نفى جنس الرجال على العموم من غير تأويل. وقد تكون بمعنى "على" قال الله : ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ ٥ أي على القوم. ١٠٢- و"عن" بمعنى من إلا في خصائص "ثلاثة" منها أن من للانفصال والتبعيض وعن لا تقتضى الفصل تقول أخذت من مال زيد لأنك فصلته "عنه" وأخذت عن علمه ولهذا اختصت الأسانيد بالعنعنة. و"من" لاتكون إلا حرفا و"عن" قد تكون اسما تدخل "من" عليه تقول أخذت من عن الفرس جله. ١٠٣- وأما "إلى" فحرف جار وهو للغاية قال سيبويه ﵀ إن اقترن.

стр. 52

"بمن" اقتضى تحديدا ولم يدخل الحد في المحدود فتقول بعتك من هذه الشجرة إلى تلك الشجرة فلا يدخلان في البيع. وإذا لم تقترن "بمن" فيجوز أن يكون تحديدا ونجوز أن تكون بمعنى مع قال الله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ١ إِنَّهُ معناه مع أموالكم وقال جل وعز: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ٢ أي مع الله ومنه قوله : ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ٣ [معناه: مع المفراق] . و"من" تدخل على الزمان والمكان تقول من مكة إلى المدينة ومن الجمعة إلى الجمعة. ١٠٤- وأما "مذ ومنذ" فيختصان بالزمان ولا يدخلان على المكان واستعمالهما في الزمان أفصح من استعمال "من" تقول منذ أسبوع أنتظره وهو أحسن من قولك من أسبوع٤. وإذا استعملت "من" قرينة "إلى" لم تقم "عن" مقامها أصلا فإن قيل زيد أفضل من عمر من أي قبيل قلنا هو لاقتضاء الغاية والمعنى ساوى. زيد عمرا في فضله وابتدأ زيد زيادة عليه في الفضل كما تقول سرت من البصرة إلى بغداد ولهذا لا تستعمل "عن" في الباب. ١٠٥- وأما "على" فلفظه تقع اسما وفعلا وحرفا فأما الفعل فمن علا يعلو وأما الاسم فتقول أخذته من على الفرس وأما الحرف فتقول دخلت على فلان ودخل علي. ١٠٦- وأما "حتى" فعلى أوجه قد تكون بمعنى الغاية٥ تقول أكلت.

стр. 53

السمكة حتى رأسها تعني إلى رأسها فقد أنبأت أنك لم تأكل رأسها. وتكون بمعنى العطف: تقول: أكلت السمكة حتى رأسها معناه ورأسها. وتكون بمعنى الاستئناف تقول: أكلت السمكة حتى رأسها أي ورأسها مأكول وقد أنشسد البيت المشهور على الوجوه الثلاثة وهو قول القائل١: ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها. وقد تكون بمعنى إلى: مثل أن تقول: لا أفارقك حتى تقضيني حقي أي إلى أن تقضيني حقي. ١٠٧- وأما "إي" فمعناه أجل قال الله : ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ ٢. ١٠٨- وأما بل فللاستدراك واستئناف الكلام تقول ما رأيت زيدا بل عمرا. ١٠٩- وأما "نعم وبلى" فمعناهما قريب إلا أن بلى لا تستعمل إلا في جواب كلام يشتمل على نفى كقوله : ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ٣ قال سيبويه لو قالوا نعم لكان نفيا للربوبية. وأما "نعم" فللإثبات فإذا قال قائل: أرأيت زيدا فليكن جوابك إذا كنت رأيته: نعم.

стр. 54

١١٠- وأما "من" فلا تكون إلا اسما "بخلاف" ما فإنه قد يكون اسما وقد يكون حرفا كما سبق ثم "من" قد يكون موصولا وقد يكون منكورا. أما المنكور فيكون استفهاما في قولك من في الدار ويكون شرطا في قولك من جاءني أكرمته وأما الموصول فمثل قولك: رأيت من عندك معناه الذي عندك. ١١١- فأما إذا فهو للجزاء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم١: "أينقص الرطب إذا يبس؟ ", قالوا: نعم, قال: "فلا إذا". ١١٢- وأما "أي" فيكون جزءا مما يضاف إليه فإذا قلت أي الثياب عندك فأي من الثياب وهو اسم معرب يعمل فيه ما بعده إلا حروف الجر فإنها لا تعمل فيه تقول أيهم أكرمت وعرفت أيهم جاءك قال الله جل وعز: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ ٢. فهذه جمل اعتاد الأصوليون الكلام عليها فحرصنا على التنبيه على مقاصد قويمة عند أهل العربية مع اعترافنا بأن حقائقها تتلقى من فن النحو.

стр. 55

تقسيم الأصوليين للكلام . ١١٣- ثم لما قسم أهل العربية الكلام إلى الاسم والفعل والحرف قسم الأصوليون الكلام على غرضهم تقسيما آخر فقالوا: أقسام الكلام: الأمر والنهي والخبر والاستخبار وهذا قول القدماء. واعترض المتأخرون فزادوا بزعمهم أقساما زائدة على هذه الأقسام الأربعة وحاولوا بزيادتها القدح في حصر الأولين الكلام في الأقسام الأربعة والذي زادوه. التعجب والتلهف والتمني والترجي والقسم والنداء والدعاء قال الأستاذ أبو إسحاق ﵀ النداء ليس كلاما مستقلا وإنما هو طرف مستفتح والمنادى بعده يرتقب قسما من أقسام الكلام وذلك القسم يدخل تحت الأقسام وهذا فاسد لأن قول القائل: "يا زيد" كلام تام باتفاق اهل اللسان يجوز فرض السكوت عليه.

стр. 56

وقال الأستاذ ﵀ أيضا التلهف والتمني والترجي من أقسام الخبر وهي تتضمن إخبار المرء عن نفسه بأحوال وضعت الألفاظ لها. وهذا أيضا غير سديد لأنه لا كلام إلا ويمكن أن يدخل بهذا التأويل تحت الخبر فيقال الأمر مخبر عن اقتضاء إيجاد الفعل بالأمر وكذلك القول في النهي. فالوجه أن تقول: أما التعجب فلا شك في كونه من قسم الخبر والقسم لا يستقل دون مقسم به ومقسم عليه وإذ ذاك يلتحق بالخبر فأما بقية الأقسام التي اعترض بها فهي قادحه. ١١٤- والوجه عندي أن يقال الكلام طلب وخبر واستخبار وتنبيه فالطلب [يحوي] : الأمر والنهي والدعاء. والخبر يتناول أقساما واضحة ومنها التعجب والقسم. والاستخبار يشتمل على الاستفهام والعرض. والتنبيه يدخل تحته التلهف والتمني والترجي والنداء إلا أنه ينقسم إلى تنبيه الغير وهو النداء وإلى إعراب عما في النفس وهو على صيغة تنبيه النفس وهذه الفنون جعلت كالأصوات الدالة مثل قولك: آه وإيه وإيها وما في معناها. ونحن الآن نستعين بالله : ونذكر الأوامر ثم النواهي وما يتعلق بهما ثم نذكر الألفاظ العامة والخاصة والاستثناء ونذكر النص والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه إن شاء الله تمت مقدمة البرهان ويتلوها على نسقه أوله.

стр. 57

باب الأوامر مدخل ... باب الأوامر مسألة: ١١٥- الأمر من أقسام الكلام والقول فيه وفيما بعده من معاني الصيغ والألفاظ [يستدعي] تقديم قول في إثبات كلام النفس على رأى أهل الحق. فالكلام الحق عندنا قائم بالنفس ليس حرفا ولا صوتا وهو مدلول العبارات والرقوم والكتابة وما عداها من العلامات. واختلف جواب الشيخ أبي الحسن ﵁ في تسمية العبارات كلاما فرأيه الظاهر أنها إن سميت كلاما فهو على التجوز بمثابة تسميتها علوما من حيث إنها تدل عليها وتشعر بها وقال في جواب المسائل البصرية إنها كلام على الحقيقة وكذلك كلام النفس. والتحقيق في ذلك أن كلام النفس جنس ذو حقيقة كالعلم والقدرة ونحوهما على مذهب أهل الحق وإذا كان كذلك فالجنس الذي هو كلام [لعينه هو القائم بالنفس] . والعبارات ليست في نفسها على حقيقة الكلام ولو فرض ما جرى من الاصطلاح عليها على غيرها من العلامات كنقرات ورمزات أو ماضاهاها مما يتفق التواطؤ على نصبه علما لحلت محل العبارات. وأما المعتزلة وكل من خالف عصبة أهل الحق فإنهم متفقون على نفى كلام النفس صائرون إلى أن الكلام هو العبارات في خبط طويل لسنا له الآن. ومن سر مذهبهم أن الكلام ليس جنسا متميزا بحقيقة ذاتية فلا نجد بدا من. ذكر ما يقع الاستقلال به في إثبات كلام النفس. ١١٦- فنقول الآمر يجد في نفسه اقتضاء وطلبا للمأمور به والصيغة التي تتضمنها دالة عليه وهذا المعنى بكلام النفس فإن قيل ذلك الذي سميتموه اقتضاء هو إرادة امتثال الأمر قلنا قد يأمر الآمر غيره ويفهم المأمور منه الاقتضاء فهما.

стр. 58

ضروريا مستندا إلى قرائن الأحوال والآمر يريد من المأمور أن يخالفه لغرض له. وصور الأئمة ﵏ في ذلك صوة نأتي بها ونقص باقى الأسئلة عليها. فنقول: إذا أدب الرجل عبدا له فلم يقع ذلك عند صاحب الأمر وسلطان البقعة موقع الرضا وكاد أن يبطش به فاعتذر المؤدب وذكر أن عبده لا يرتسم مراسمه فأفضى الكلام إلى تكذيبه في معاذيره فحاول تصديق ذلك وأمر العبد والحالة هذه فلا نشك أنه يريد منه أنه يخالفه والإقتضاء ثابت. فإن قيل: ما يصدر منه في الصورة المفروضة لا يكون أمرا. قلنا: قد فهم العبد ضرورة منه والحالة ملتبسة عليه ما كان يفهمه من أوامره وجاحد ذلك مباهت ثم كيف ينتهض هذا عذرا لو لم يكن ما جاء به أمرا وغرضه أن يبين مخالفته لأمره. فإن قيل: ذلك الذي يجده من الإقتضاء هو العلم بكيفية نظم الصيغة قلنا الصيغة المنبئة عن العلم بالصيغة ليست هذه وإنما هي قول القائل مثلا صيغة الأمر حروفها ونظمها [ونضدها] كذا وكذا فأما قول القائل افعل فليس معناه العلم بهذه الحروف بلا تطويل فمعنى "افعل" هو كلام النفس فقد لاح أنه ليس إرادة ولا علما بكيفية الصيغة فلم يبق إلا ما حاولناه. ١١٧- ثم أثبت المعتزلة النظر طلبا زائدا على الإرادة وأنكروا الفكر النفسي. والهواجس وعندي أن وجدان المرء جريان الفكر من قبيل الضروريات فكل ما حملوا كلام النفس عليه ففي النفس كلام عنه. والذي يحقق هذا أن العلم الحق يدركه العالم من نفسه إدراكه الامه ولذاته وكذلك الإرادة التي ليست توقانا وشهوة ولذلك اعتاص وأشكل محلها وحمل الأوائل أمرها على النفس والعقل المباينين لعوالم الأفلاك. وأما الفكر فإنه يحس في النفس إحساس الآلام واللذات. ففي هذا القدر مقنع في إثبات كلام النفس وهو على إيجازه يفيد الناظر الاستقلال والإيماء إلى غوائل غامضة ونحن نذكر بعد ذلك القول في حقيقة الأمر.

стр. 59

مسألة في حقيقة الأمر. ١١٨- الأمر هو القول المقتضى بنفسه طاعة المأمور بفعل المأمور به فذكرنا القول يميز الأمر عما عدا الكلام وذكرنا المقتضى إلى استتمام الكلام يميزه عما عدا الأمر من أقسام الكلام وقولنا بنفسه يقطع وهم من يحمل الأمر على العبارة فإن العبارة لا تقتضي بنفسها وإنما تشعر بمعناها عن اصطلاح أو توقيف عليها وذكرنا الطاعة يميز الأمر عن الدعاء والرغبة من غير جزم في طلب الطاعة. ١١٩- فأما المعتزلة فقد أوضحنا من مذاهبهم أن الكلام ليس جنسا. عندهم متميزا بحقيقة وإنما هو العبارة وقالوا على حسب ذلك الأمر قول القائل لمن هو دونه افعل وهذا مدخول فإنه لو قال المرء لمن في درجته: افعل لكان أمرا وليست هذه اللفظه يعينها كل الأمر بل يصدر عن كل مصدر صيغة تسمى على هذا الرأي أمرا. ولو اهتدوا لبناء الأمر على حقيقة أصلهم لما التزموا تحديد الأمر وهو قسم لا حقيقة لأصله والمطلوب من الحدود الإشعار بالحقائق ورب حقيقة تعقل ولا ينتظم عنها عبارة وكيف يحاول حد ما لا حقيقة له. ١٢٠- ثم من أصلهم أن اللفظ الذي ذكروه ونبهوا به على أمثاله إنما يكون أمرا بثلاث إرادات إحداها أرادة اللافظ وجود اللفظة والإرادة الثانية تتعلق بجعل اللفظ أمرا والثالثة تتعلق بامتثال المأمور المخاطب الأمر. ١٢١- وإيضاح ذلك عندهم أن الإنسان قد يهذي في نومه فيجري صيغة الأمر وهو لا يريد وجودها لمنافاة النوم حالة الإرادة والعلم فكان شرطه إرادة وجود اللفظ لإخراج هذه الحالة وأما اشتراطه تعلق الإرادة بجعل اللفظ أمرا فسببه أن الإنسان قد يحكى صيغة الأمر وهو يبغي بها رفع حرج أو تهديدا على مذهب قوله : ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ١ فإذا تردد اللفظ كما ذكرناه فلا بد من إرادة تخصصه بجهة الأمر. وأما إرادة المأمور به من المأمور فهي القاعدة والمعول إذ لا يتصور عندهم أمر بشيء من غير إرادة له وهذا مذهب البصريين.

стр. 60

١٢٢- فأما الكعبي فإنه شرط إرادتين تتعلق إحداهما بوجود اللفظ. والأخرى بالامتثال فأما وقوع اللفظ أمرا فصفة تلزم اللفظ فلا حاجة في تحصيلها إلى إرادة. ١٢٣- ولا يتبين مذهبهم إلا بذكر قواعدهم في الصفات التي تعزى إلى النفوس غير معلله بمعان قائمة بها. فقد قالوا الصفات التي لا تعلل تنقسم إلى ما يقال فيها إنها صفات النفس وإلى ما ليست كذلك فأما صفة النفس فهي التي تلزم النفس وجودا وعدما ككون الجوهر جوهرا وكذلك القول في صفات جميع الأجناس من التي قضوا بثبوتها في [العدم] . وأما ما ليست صفة نفس فهي منقسمة إلى ما تلزم من غير مقتض لها وإلى ما يقتضي مقتضيا يتعلق بها فأما القسم الأول مما انتهى الكلام إليه الآن فقد سموه التابع للحدوث وذلك كتحيز الجوهر فإنه يلزم عند الحدوث ويثبت من غير افتقار إلى مقتض يقتضيه وكذلك القول في قيام العرض بالمحل وأما القسم الثاني فيقتضيه العلم والإرادة والقدرة فأما ما تقتضيه القدرة فالحدوث فحسب وأما ما يقتضيه العلم فالإحكام وأما ما تقتضيه الإرادة فمنها وقوع النعمة ثوابا ومنها وقوع النقمة عقابا ومنها وقوع اللفظ أمرا وهو ما نحن فيه وكأن الكعبي قد رأى وقوع الأمر من قبيل الصفات التابعة للحدوث. فإن نحن حاولنا الرد عليهم على إيجاز أفردنا كل فن بكلام مستقل. ١٢٤- فأما ما ذكروه من صفات النفس فهو مستند إلى مصيرهم إلى إثبات. الأشياء على حقائقها وخواصها وصفات أنفسها في العدم وهذا تصريح منهم بقدم العالم فإنا على اضطرار نعلم أن الثبوت هو الوجود بعينه فليس من يطلق الثبوت وينكر الموجود بأسعد حالا ممن يعكس ذلك عليه ومن ظن منهم أنه يتمكن من فصل بين مذهبهم ويين معتقد أصحاب الهيولي فقد ظن محالا. ١٢٥- وأما الصفات التابعات للحدوث فقولهم مختبط فيها فإنهم زعموا أن التحيز واجب والحدوث الواقع بالقدرة جائز فنقول لهم بم تنكرون على من يزعم أن التحيز جائز والحدوث عنده واجب فإن قالوا: لا بد من التحيز عند حدوث الجوهر قلنا نعم ولا بد من الحدوث عند التحيز فلا يختص واحد منهما بمزية.

стр. 61

تقتضي إحالة الوجوب عليه دون مقارنة. والقول الحق فيهما: أن كل واحد منهما جائز ولكن إذا فرض ثبوت أحدهما تعين ثبوت الثاني فهما إذا متلازمان فقد كفى هذا القدر وأغنى عن التطويلات. فأما مصيرهم إلى أن الحدوث من أثر القدرة فباطل مع مصيرهم إلى أن الذوات ثابته أزلا فإذا ثبتت فما معنى الحدوث فيها؟ نعم, لا يطرأ على الجوهر على رأيهم إلا التحيز فلئن كان الثبوت في الذات يقتضي التحيز فليثبت التحيز أزلا فإذا اعترف بذلك معترفون منهم كالشحام. فقد جاهر بقدم العالم. فأما ما قدره واقعا بالعلم وهو الإحكام فلا حاصل له ولا معنى للإحكام عندي فإنه إن عني به وقوع جوهر مثلا بجنب جوهر على مناسبة فليس ذلك أمرا ثابتا محققا واستقصاء القول في ذلك يتعلق بأحكام الأكوان من فن الكلام ثم إن قدر ذلك أمرا ثابتا فهلا قيل توقعه القدرة على شرط كون القادر عالما إذ وقوع الحدوث مشروط بكون الموقع عالما به ثم لم يكن الحدوث من اثار العلم فليطرد ذلك في كل متجدد. وأما قولهم: إن الحدوث من اثار القدرة فقد وضح أنه الثبوت بعينه وقولهم بقدم الذات يصدهم عن إثبات ثبوت هو الحدوث إذ لو جاز ذلك من غير تغير لجاز المصير إلى طريان جهات في الثبوت مع استمرار الوجود ولا معنى للإطناب في الواضحات. ١٢٦- وأما ما قدروه من آثار الإرادة وهو مقصود المسألة وما تقدم عليه فهو في حكم التوطئة والتمهيد. فنقول: قد أثبتم معاشر البصريين لقول القائل افعل على حكم الأمر صفة فزعمتم أن اللفظ يتميز بها عما يقع حكاية وهذا بهت ومناكرة فإن اللفظ أصوات متقطعة وحروف منتظمة وهي ممن يبغي أمرا كهى ممن يحكى قطعا وليس للأصوات في ذواتها صفات تميز قبيلا عن قبيل نعم الامر يجد في نفسه إرادة وتجريد قصد. ثم التطم البغداديون والبصريون فنسب البصريون الكعبي إلى التحكم بإثبات صفة لذوات الأصوات وقال الكعبي مجيبا ما نسبتموني إليه قد التزمتموه إذ أثبتم.

стр. 62

الصفة من أثر الإرادة فلا فرق في أصل الصفة. فإن قيل ما أنكرتموه منهم يلزمكم مثله في العبارة عن الأمر القائم بالنفس فقد يلفظ اللافظ بقوله افعل وهو يبغى حكاية وقد يلفظ وهو ينتحى تعبيرا عن الأمر القائم بالنفس فكيف يقع اللفظ عبارة عن الأمر وما يتردد بين جائزين لا يختص بأحدهما إلا بالإرادة فبم يصير اللفظ عبارة عن الأمر. ١٢٧- قلنا المسلك الحق عندنا في ذلك أنه لا بد من قصد إلى إيقاع اللفظ مشعرا بالأمر القائم بالنفس ولكن ليس لذلك اللفظ منه صفة وإنما يحصل الإشعار بقرائن الأحوال ولو هدى المعتزلة لذلك لما ارتكبوا [في مذهبهم] ما ارتكبوه في مذاهبهم. وحاصل القول أن المراد الحقيقي هو الأحوال المقترنة باللفظ فإن كان في عين اللفظ مزيد من رفع صوت أو غيره فهو ملتحق بفن الأحوال. مسألة في صيغة الأمر. ١٢٨- الصيغة هي العبارة المصوغة للمعنى القائم بالنفس وهذه المسألة مترجمة بأن الأمر هل له صيغة وهذه الترجمة إذا أطلقناها فالمراد بها أن الأمر القائم بالنفس هل صيغت له عبارة مشعرة به. وإذا قال نفاة كلام النفس للأمر صيغة فنفس الصيغة عندهم هي الأمر فصيغة. الأمر إذا أضيفت إلى الأمر لم تكن الإضافة حقيقية وهي في مذهب قول القائل نفس الشيء وذاته فإذا لاح ما نعني بالصيغة في كل مسلك فقد اختلفت الاراء في المقصود المعنوي من المسألة. ١٢٩- فالمنقول عن الشيخ أبي الحسن١ ﵁ ومتبعيه من الواقفية أن العرب ما صاغت للأمر الحق القائم بالنفس عبارة فردة وقول القائل افعل متردد بين الأمر والنهي نظرا إلى مذهب الوعيد وإن فرض حمله على غير النهي فهو متردد بين رفع الحرج على مذهب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ , وبين الاقتضاء ثم هو في مسلك الاقتضاء متردد بين الندب والإيجاب فتبين من مجموع ما ذكرناه تردد اللفظ عند الواقفية بين هذه الجهات كلها.

стр. 63

ثم اختلف أصحابه في تنزيل مذهبه فقال قائلون اللفظ صالح لجميع هذه المحامل صلاح اللفظ المشترك للمعاني التي هيئت اللفظة لها. وقال آخرون: ليس الوقف مصيرا إلىدعوى الاشتراك وضعا في اللسان ولكن المعنى به أنا لا ندري على أي وضع جرى قول القائل "افعل" في اللسان فهو إذا مشكوك فيه على هذا الرأي. ثم نقل بعض مصنفي المقالات أن أبا الحسن ﵀ يستمر على القول بالوقف مع فرض القرائن وهذا زلل في النقل بين والوجه أن يورك بالغلط على الناقل فإنه لا يعتقد الوقف مع فرض القرائن الحالية على نهاية [الوضوح] ذو تحصيل. ١٣٠- والذي أراه في ذلك قاطعا به أن أبا الحسن ﵀ لا ينكر صيغة تشعر بالوجوب الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس نحو قول القائل أوجبت. وألزمت أو ما شاكل ذلك وإنما [الذي] تردد فيه مجرد قول القائل افعل من حيث ألفاه في وضع اللسان مترددا فإذا كان هذا كذلك فما الظن به إذا اقترن بقول القائل [افعل] لفظ أو ألفاظ من القبيل الذي ذكرناه مثل أن تقول افعل حتما [أو] افعل واجبا. نعم: قد يتردد في أن الصيغة التي فيها الكلام إذا اقترنت بالألفاظ التي ذكرناها ما المشعر بالأمر النفسي؟ الألفاظ المقترنة بقول القائل افعل؟ أم هي في حكم التفسير لقول القائل افعل وهذا تردد قريب. ثم ما نقله النقلة يختص بقرائن المقال على ما فيه من الخبط فأما قرائن الأحوال فلا ينكرها أحد. فهذا هو التنبيه على سر مذهب الشيخ أبي الحسن والقاضي رحمهما الله وطبقة الواقفية. ١٣١- فأما المعتزلة فلم يقف على حقيقة مذهبهم إلا خواص الأصوليين فذكر بعضهم أن "افعل" لرفع الحرج ثم يصير مع الاقتران بالوعيد على الترك مقتضيا إيجابا وبالاقتران بوعد الثواب على الفعل مع [التخيير] في الترك مقتضيا استحبابا وأصل اللفظ لو تجرد لرفع الحرج.

стр. 64

وذهب ذاهبون منهم إلى أن مقتضاه عند الإطلاق الندب وهو أقرب إلى حقيقة مذهب القوم من الأول وإن لم يكن ناصا على سر مذهب القوم. وصرح صاحب المغنى في شرح العمد بسر المذهب فقال الصيغة التي فيها الكلام موضوعة للدلالة على إرادة مطلقها الامتثال فهذا مقتضاها ثم لا يكون المراد إلا طاعة بيد أن الطاعة تنقسم إلى المستحب والمستحق فإن اقترن باللفظ وعيد كان الوعيد دالا على الوجوب ومدلول اللفظ الإرادة فحسب فيخرج منه إذا أن اللفظ ليس مترددا بين معنيين وإنما معناه الإرادة والوجوب متلقى من الوعيد المقترن به. ١٣٢- وأما جميع الفقهاء فالمشهور من مذهب الجمهور منهم أن الصيغة التي فيها الكلام للإيجاب إذا تجردت عن القرائن وهذا مذهب الشافعي ﵀ والمتكلمون من أصحابنا مجمعون على اتباع أبي الحسن في الوقف ولم يساعد الشافعي١ منهم غير الأستاذ أبي إسحاق٢. ١٣٣- والذي يقتضيه الترتيب المفضي إلى درك الحق البداية بذكر متعلق مذهب الواقفية والاعتراض عليه ثم إذا نجز أتبعنا مذهب المعتزلة بالرد عليهم ثم نذكر معتصم الفقهاء ثم نختم القول بالحق المبين. فأما الواقفية فحاصل كلامهم راجع إلى منهاج واحد وإن ترددت العبارة عنه ونحن نسرده فنقول قول القائل "افعل" ليس مختصا بمحل أخذا من مسالك العقول فإن العقول لا تجول في مقتضيات العبارات فمن ادعى اختصاص اللفظ بجهة فسيتلقى ما يدعيه من النقل والنقل ينقسم إلى الشرع واللسان فإن قيل هو متلقى من اللسان قيل لمن يدعي ذلك أتنقل هذا منصوصا عليه أم تستفيده استنباطا من مأخذ اللغة فإن زعم المخاطب أن النقل فيه صريح من العرب فهو مباهت ثم يرد عليه تقسيمه فيقال النقل ينقسم إلى ما يقع متواترا وإلى ما يقع آحادا فإن ادعى الثقل آحادا لم٣ يحتفل به فإن نقل الآحاد لا يوجب علما والمطلوب في هذه المسألة العلم وإن ادعيت النقل تواترا كان ذلك محالا فإن النقل المتواتر يوجب العلم الضروري ويتضمن استواء طبقات [جميع] العقلاء في دركه كما سيأتي [ذلك] مشروحا في أحكام الأخبار ونحن معاشر الواقفية مصرون على المخالفة مستمرون.

стр. 65

عليها على مر الآباد من غير نكر وعناد فقد بطل التلقي من جهة النقل الصريح. فإن زعم من نخاطبه أن يتلقى اختصاص الصيغة من مأخذ اللغة ومصادرها ومواردها فمعنى ذلك أنه ألفى اللفظ الذي فيه الخلاف مستمرا للإشعار بالمعنى الذي يعتقده وهذا لا يمكن ادعاؤه فإن هذه الصيغة واردة على وجوه لا سبيل إلى جحدها. فإن صار صائر إلى حمل بعض الوجوه على اقتضاء القرائن كان متحكما وكانت الجهة التي عينها حرية بأن تقدر فيها القرينة أيضا وإذا تحقق تعارض الأقوال وتساويها فيتضمن ذلك الوقف لا محالة. وإن نسب المخاطب مذهبه إلى الشرع رد عليه تقسيم النقل الصريح والأخذ من الاستنباط كما سبق في اللغة وجرى الكلام على نحو ما مضى في اللغة. هذا مساق كلام القاضي أبي بكر ﵀ في مصنفاته. ١٣٤- والوجه في الرد والاعتراض عليه أن نقول للمتمسك بهذه الطريقة أبن لنا أصلك في اللفظ أتقول إنه مشترك أم تزعم أن ذلك غير معلوم منه أيضا فإن زعم أن اللفظ مشترك رد عليه تقاسيم الطريقة في العقل والنقل والتصريح والتلويح فإن الحكم على العرب بوضع اللفظ مشتركا ادعاء مفتقر إلى مستند إذ من أبواب اللغات الألفاظ المشتركات وإن زعم طارد الطريقة أنه لا يدري شيئا من ذلك لم يترك والركون إلى هذه العمامة العمياء والجهالة الجهلاء وقيل له اللفظ الذي فيه الكلام متردد في اللسان كثير التدوار في الحوار فكيف يجوز في مطرد العادة أن تتقرض العصور وتعتقب الدهور على إطلاق هذا اللفظ على تكرر وكرور لا يبحث عنه باحث ولا يبغى الوقوف على معناه وهذا محال لا سبيل إلى اعتقاده. وقد رأيت كلام القاضي مائلا إلى دعوى الإشتراك أخذا من وجدانه هذا اللفظ على جهات في الكلام وإذا رجع إلى هذا المرجع لاح على قرب وكثب سقوط ما اختاره وأمكن أن يقال بم تنكرون على من يزعم أن التردد لمكان اختلاف القرائن وهذا لا سبيل إلى دفعه إلا بقاطع وتنسل بفرض هذا عليه دعوى القطع من يده وينعكس على الجهالة وقد بان بطلانها.

стр. 66

فهذا مقنع في إبطال ما اعتمده الواقفية وشفاء الغليل يتبين في آخر المسألة إن شاء الله تعالى. فإن عبر من الواقفية عن محاولة روم الوقف معبر فقال: إذا قال السيد لغلامه: افعل حسن منه الاستفهام والاستعلام لاستبانة المراد في الوجوب أو غيره كان ذلك ركيكا من الكلام واتجه في درئه على القرب: أن ذلك إن حسن على الندور فعند تخيل إشكال في قرائن الأحوال والغالب أن يعد المراجع في ذلك متكلفا وقد يستحق بدون ذلك التأديب. ١٣٥- فأما المعتزلة فقد بنوا حقيقة أصلهم على اقتضاء الصيغة الإرادة وقد تقدم الرد عليهم فيه محالا على فن الكلام والله : أمرنا بالإيمان على التعميم ولا يريد الإيمان ممن كفر ولا مطمع في الخوض في هذا الأصل العظيم. ١٣٦- وأما الفقهاء: فلا أرى لهم كلاما مرضيا يعول على مثله في ابتغاء القطع ولكن من أظهر ما ذكروه أن الصحابة الماضين والأئمة المتقدمين ﵃ أجمعين كانوا يتمسكون بمطلق الأمر في طلب إثبات الإيجاب ولا ينزلون عنه إلا بقرينة [تنبه] عليه. وهذا المسلك لا يصفو من شوائب النزاع ويتطرق إليه أنهم كانوا يفعلون ذلك فيما اقترن به اقتضاء الإيجاب وكل مسلك في الكلام تطرق إليه إمكان لم يفض إلى القطع. ١٣٧- فإن قيل قد أبطلتم الوقف ومذهب المعتزلة والفقهاء فما المختار عندكم قلنا قد حان الآن أن نبتدىء المسلك الحق في صيغة المباحثة والتقسيم ومبادرة أطراف الكلام بالإسقاط حتى يقرب تعيين المدرك. ثم إذ ذاك نطبق المفصل ونهجم على مدرك الحق. فنقول: من أنكر أن العرب ما فصلت بين قول القائل افعل وبين قوله لا تفعل فليس من التحقيق على شيء فإنا على اضطرار نعلم الفصل في ذلك كما نعلم الفصل بين قول القائل "فعل" وبين قوله "ما فعل" ولا معنى لبسط ذلك مع وضوحه فإذا سقط هذا رددنا النظر إلى الإباحة التي هي تخيير ولا اقتضاء فيها ولا طلب وقلنا لا شك في فصل العرب بين قول من يقول لا حرج عليك.

стр. 67

فعلت أو تركت وبين قوله افعل فإن الصيغة الأخيرة مقتضاها الطلب لا محالة وليس في الإباحة من معنى الطلب شيء. فقد لاح سقوط الإباحة عن متضمن الصيغة ولم يبق إلا الندب. والندب من ضرورة معناه [التخيير] في الترك وليس في قول القائل "افعل" تخيير في الترك أصلا. وقد تعين الان أن نبوح بالحق ونقول "افعل" طلب محضلا لا مساغ فيه لتقدير الترك فهذا مقتضى اللفز المجرد عن القرائن. فإن قيل فهذا مذهب الشافعي ﵀ وأتباعه وهو المصير إلى اقتضاء اللفظ إيجابا قلنا ليس كذلك فإن الوجوب عندنا لا يعقل دون التقييد بالوعيد على الترك وليس ذلك مقتضى تمحيض الطلب فإذا الصيغة لتمحيض الطلب والوجوب مستدرك من الوعيد وبين هذا وبين ما حكيناه عن عبد الجبار مضاهاة في المسلك وبيان عظيم في المغزى والمدرك. وأنا أبنى على منتهى الكلام شيئا يقرب ما [اخترته] من مذهب الشافعي ﵀. فأقول ثبت في [وضع] الشرع أن التمحيض في الطلب متوعد على تركه وكل ما كان كذلك لا يكون إلا واجبا وهذا منتهى المسألة وبالله التوفيق. فصل: ١٣٨- الصيغة التي تكلمنا على أصلها تفرض مطلقة ومقيدة وتتعلق بها وهي مطلقة مسائل جمة وتتعلق بها وهي مقيدة مسائل وأحكام. ونحن نبدأ بأحكام الإطلاق ونسرد مسائله ثم نذكر التقييد ومعناه وأحكام المقيد وما يقع التقييد به من حال أو مقال أو سوابق أو لواحق احق إن شاء الله.

стр. 68

فصل: الصيغة تفرض مطلقة ومقيدة - القول في الصيغة المطلقة ... القول في الصيغة المطلقة. مسألة: ١٣٩- صيغة الأمر إذا وردت مطلقة ففي اقتضائها على رأي من لا يتوقف تكرير الإمتثال خلاف بين الأصوليين:

стр. 69

فذهب ذاهبون إلى أنها تقتضي التكرير على استيعاب الزمان مع الإمكان وهذا اختيارالأستاذ أبي إسحاق ﵀. وذهب الأكثرون إلى أنها لا تقتضي عند الإطلاق إلا الامتثال مرة واحدة. ١٤٠- ونحن نذكر ما لكل فريق ثم نختم المسألة بالمختار عندنا. أما الصائرون إلى اقتضاء التكرير فمعتقدهم الأقوى عندهم اعتبار الأمر بالنهي وفي ذلك مسلكان. أحدهما: أن الأمر اقتضاء إثبات والنهي اقتضاء انكفاف وهما يجتمعان في أصل الاقتضاء والإطلاق فإذا تضمن أحدهما استيعاب الزمان كان الثاني في معناه. والوجه الثاني في التمسك بالنهي: أن الأمر بالشيء نهى عن أضداد المأمور به وإذا كان كذلك فالنهي يقتضي الانكفاف عن أضداد المأمور به عموما ومن ضرورة الانكفاف عنها إدامة الامتثال فإن المحل لا يخلو عن الأضداد كلها لا سيما الأكوان وهي معظم أفعال المكلفين وهذا الذي تمسك به هؤلاء باطل. أما الاعتبار بالنهي مطلقا بمسلك القياس فمردود [فإن قضايا] الألفاظ لا تثبت بالأقيسة وقد سبق في ذلك قول بالغ. وأما المسلك الثاني فلا أصل له فإن الأمر عندنا لا يتضمن نهيا عن أضداد المأمور به وسيأتي القول في ذلك مشروحا إن شاء الله تعالى. ولو فرض تسليم ذلك فلا مستروح فيه فإن النهي يقتضي الاستيعاب هو النهي المجرد المقصود فأما ما يقع ضمنا فهو في [اقتضاء الانكفاف عن] الأضداد على حسب اقتضاء الأمر في الامتثال فإذا كان الخصم يعتقد أن صيغة الأمر تقتضي الامتثال مرة واحدة فتضمنها النهي عن الأضداد على هذا النحو يقع وهذا ممثل بالصيغة المقيدة بالمرة الواحدة فإنها تتضمن على هذا الرأي المسلم جدلا نهيا عن الأضداد من غير استيعاب والسبب في ذلك أن ما يقع ضمنا فإنه يتبع المتضمن في مقتضاه لا محالة. ومما تمسك به أصحاب التكرار أن قالوا الأمر يقتضي وجوب اعتقاد الامتثال والعزم عليه قبل الإقدام على الامتثال نفسه ثم العقد أو العزم يعمان ولا يختصان فليكن الإمتثال المقصود كذلك.

стр. 70

وهذا ركيك١ لا أصل له فإن اعتقاد الوجوب ليس من مقتضيات الأمر وإنما هو من حكم العقد الصحيح المفضي بصاحبه إلى الإذعان لأوامر الله ولو فرض الأمر مقيدا بالامتثال مرة واحدة لكان القول في العقد على هذا النحو فلا حاصل لهذا الكلام. وإن طمع من لا يحيط بالحقائق أنه يسلم له دوام اعتقاد وجوب الامتثال في الصيغة المطلقة على معنى أن الامتثال يدوم وجوبه والعقد بحسبه فهذه غباوة وذهول عن محل الخلاف ومن شرط هذا المجموع أن نقتصر فيه على الرمز إلى [أمثال] هذه المخالات وأما العزم فسأذكر فيه فصلا مستقصى في المسألة التي تلي هذه إن شاء الله تعالى. ١٤١- وأما الصائرون إلى أن الصيغة [المطلقة] تقتضي امتثال المأمور به مرة واحدة فقد تمسكوا بمسلكتين. أحدهما: يشتمل على الاستشهاد بالأمثلة. والثاني: يتضمنه معنى [يرونه] معتمدهم. فأما الأمثلة فقد قالوا: إذا قال قائل: تصدق زيد أو ليتصدق زيد٢ لم يتضمن ذلك إدامته بل يشعر بالفعل مرة واحدة فليكن صيغة الأمر كذلك ومما استشهدوا به البر في اليمين ثم أوردوا الحنث نظيرا للنهي فقالوا من حلف ليفعلن بر بالمرة الواحدة وهو نظير الأمر فإذا حلف لا يدخل الدار فمتضمنه الانكفاف عنه عموما وهذا يناظر النهي. وهذا المسلك غير مرضى عند المحققين فإن مساقه القياس واعتبار اللفظ باللفظ وهو محسوم عند المحققين فإن أمكن تحقيق اللفظ نقلا واستنباطا فهو المفيد وإن كان بالتعويل على القياس فهو ساقط ولا سيما مع العلم بتفاوت صيغ الأفعال واختلاف مقتضياتها. والمسلك الثاني للقوم أنهم قالوا من امتثل الأمر مرة يسمى ممتثلا ولو كان ما جاء به بعض مقتضى اللفظ لما ساغ تسميته ممتثلا وهذا ساقط فإنه يجري مثله في.

стр. 71

الأمر المقيد بالتكرار وهو في القيام بالامتثال موصوف في قدر ما جاء به بحكم الموافقة وعليه الاستتمام. ١٤٢- فإن قيل: فما المختار وقد أبطلتم بزعمكم مسلك الفريقين وليس بين النفي والإثبات مرتبة قلنا الصيغة المطلقة تقتضي الامتثال والمرة الواحدة. لا بد منها وأنا على الوقف في الزيادة عليها فلست أنفيه ولست أثبته والقول في ذلك يتوقف على القرينة والدليل القاطع فيه أن صيغة الأمر وجملة صيغ الأفعال عن المصدر والمصدر لا يقتضي استغراقا ولا يختص بالمرة الواحدة والأمر استدعاء المصدر فنزل على حكمه ووجب من ذلك القطع بالمرة الواحدة والتوقف فيما سواها فإن المصدر لم يوضع للاستغراق وإنما هو صالح لو وصف به وسيأتي ذلك مشروحا بعد هذا وذلك يستدعي إبانة بقرينة. فإذا [وضح] هذا مستقلا طاب بعده ضرب صيغ الأفعال مثالا فإذا قال القائل تصدق زيد لم يتضمن اختصاصا بصدقة واحدة بل الأمر فيه على حسب ما نبهنا عليه في الأمر. فإن قيل: مقتضى ما ذكرتموه أن النهي لا يتضمن استيعاب الزمان بالانكفاف [بل] يقتضي الانكفاف مرة واحدة ويتوقف فيما عداها قلنا لو كان النهي متلقى من المصدر لكان كذلك وإنما هو متلقى من النفي والنفي المضاف إلى واحد منكر من جنس يقتضي التعميم فإذا قال القائل لم أر رجلا اقتضى هذا نفى الرؤية عن جنس الرجال وإذا قال رأيت رجلا اقتضى واحدا من الجنس فالنفي الذي في النهي قرينة تقتضي الاستغراق ولا يتصور على هذا أن يكون النهي إلا مقترنا وليس الأمر كذلك فلزم فيه الاستغراق فوجب تنزيل الأمر على حكم المصدر المحض. وإن راجع باحث فيما ذكرناه من اقتضاء النفي العموم فليس ذلك من غرض هذه المسألة ولا شك فيه. والقدر الكافي في التنبيه على اقتضاء النفي العموم أن الإثبات يختص بثابت والنفي لا اختصاص له فكان الجنس كالشخص في حقه. مسألة: ١٤٣- الصيغة المطلقة التي فيها الكلام إن قيل إنها تقتضي استغراق الأوقات بالامتثال فمن ضرورة ذلك الفور والبدار واستيعاب الصيغة في موردها اقتضاء مبادرة الامتثال.

стр. 72

فإذا جرى التفريع على المذهب الآخر في أن الصيغة لا تقتضي استغراق الزمان فعلى هذا اختلف الأصوليون فذهب طائفة إلى أن مطلق الصيغة يقتضي الفور والبدار إلى الامتثال وهذا [معزى] إلى أبي حنيفة١ ﵀ ومتبعيه. وذهب ذاهبون إلى أن الصيغة المطلقة لا تقتضي الفور وإنما مقتضاها الامتثال مقدما أو مؤخرا وهذا ينسب إلى الشافعي٢ ﵀ وأصحابه وهو الأليق بتفريعاته في الفقه وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول. وأما الواقفية فقد تحزبوا حزبين فذهب غلاتهم في المصير إلى الوقف إلى أن الفور والتأخير إذا لم يتبين أحدهما ولم يتعين بقرينة فلو أوقع المخاطب ما خوطب به عقيب فهم الصيغة لم يقطع بكونه ممتثلا ويجوز أن يكون غرض الآمر فيه أن يؤخر وهذا سرف عظيم في حكم الوقف. وذهب [المقتصدون] من الواقفية إلى أن من بادر في أول الوقت كان ممتثلا قطعا فإن أخر وأوقع الفعل المقتضى في آخر الوقت فلا يقطع بخروجه عن عهدة الخطاب وهذا هو المختار عندنا. وذهب القاضي أبو بكر٣ ﵀ إلى ما شهر عن الشافعي من حمل الصيغة. على إيقاع الامتثال من غير نظر وقت مقدم أو مؤخر وهذا بديع من قياس مذهبه مع استمساكه بالوقف وتجهيله من لا يراه. ١٤٤- ومما يتعين التنبيه له أمر يتعلق بتهذيب العبارة فإن المسألة مترجمة بأن الصيغة على الفور أم على التراخي فأما من قال إنها على الفور فهذا اللفظ لا بأس به ومن قال إنها على التراخي فلفظه مدخول فإن مقتضاه أن الصيغة المطلقة فالوجه أن يعبر عن المذهب الأخير المعزو إلى الشافعي والقاضي رحمهما الله بأن يقال الصيغة تقتضي الامتثال ولا يتعين لها وقت. ١٤٥- وإذا بانت المذاهب فنذكر بعدها معتمد كل فريق ونتعقبه بالنقض ونجرد بعد المباحثة توجيه ما اخترناه فلتقع البداية بأصحاب الفور.

стр. 73

فمما اعتمدوه أن الصيغة إذا وردت واقتضت إيجابا لم يخل القول بعد ذلك من أن يقال يعصى المخاطب بالتأخير عن وقت الفهم والإمكان وهذا معنى الفور أو يقال لا يعصي بتأخير الامتثال ثم لا ينضبط جواز التأخير بوقت ولا يتعين له زمان فلو مات المخاطب بعد امتداد الزمن وما كان امتثل لم يخل الأمر فيه إما أن ينسب إلى العصيان أو لا ينسب إليه. فإن قيل إنه مات غير عاص فهذا إسقاط الإيجاب بالكلية قطعا وإن قيل مات عاصيا كان ذلك مناقضا لجواز التأخير فإنه فعل ما له أن يفعل فإن قيل جوز له التأخير بشرط سلامة العاقبة كان ذلك ربط التكليف بلبس وعماية. ١٤٦- وهذا الذي ذكروه ينقضه وجهان: أحدهما: المعارضة بمناقضات لا درء. لها فإن الأمة أجمعت على وجوب قضاء الصلوات التي فاتت بأعذار ثم العمر وقتها على الفسحة وكذلك الكفارات والذي ذكره هؤلاء يقتضي مساقة امتناع وجوب شيء على الفسحة وليس ما اعتمدوه متلقى من قضية الصيغة لدى الإطلاق وإنما هو مبني على استحالة ذلك في مقتضي الوجوب. والذي يوضح هذا المسلك من غير استشهاد بمسألة أن العقل لا يحيل اقتضاء شيء على الإيجاب مع تقدير عمر المخاطب ظرفا له ولا يخالف في تجويز ذلك مخالف فيبينه وفي الاعتراف بهذا سقوط أصل الكلام فقولنا فيما استنكروه على صيغة التقسيم في اللفظ المطلق كقولهم في الصيغة المقيدة بجواز التأخير فهذا وجه في الجواب كاف. والوجه الثاني: في تعيين قسم من الأقسام التي ذكروها والمقطوع به أن المخاطب إذا مات بعد الإمكان ولم يمتثل لقى الله : عاصيا وللفقهاء في هذا اختباط [طويل] لسنا لذكره الآن ولكن ما رأيناه مقطوعا به [أجزناه] ولا مبالاة بقول من يقول من الفقهاء إنه مات غير عاص. ١٤٧- وما ذكروه على ذلك من ارتباط الأمر بجهالة في العاقبة تهويل لا تحصيل له فإن هذا النوع من الجهالة محتمل وإنما الممتنع جهالة تمنع فهم الخطاب أو إمكان الامتثال أما ما يمنع فهم الخطاب فبين وأما ما ينافى الإمكان فهو مثل أن يقال لشخص أعتق عبدا من عبيد الدنيا وهو معين عند الامر ولم يعينه للمخاطب.

стр. 74

فإن وافق عتقه تقديره كان ممتثلا وإن لم يوافقه عرضه للعقاب فهذا ينقدح وجه امتناعه على ما سيأتي شرحنا عليه في كتاب النواهي إن شاء الله تعالى. فأما تكليف المرء شيئا مع تقدير عمره مهلة وفسحة وهو أنه إن امتثله فاز بالأجر وإن أخلى العمر منه تعرض للمعصية فلا استحالة في هذا. ١٤٨- ومما تمسك به هؤلاء وهو قريب المأخذ مما سبق أن قالوا إذا اقتضت الصيغة إيجابا فالواجب ما لا يجوز تركه واتصاف المأمور به بالوجوب ناجز فليمتنع تركه إذ لو جاز تركه في الزمان الأول من أزمنة الإمكان لما كان متصفا بالوجوب فيه وهذا قد استهان به من لم يحط بالحقائق وهو صعب عسر وربما يحرر ذلك فيقال الواجب ما يتعين الإقدام عليه فإذا لم يتعين الإقدام عليه في الزمان الأول لم يكن واجبا فيه وهذا مع إعواصه لا يتأتى للقوم التعلق به لإثباتهم واجبا مقيدا بجواز التأخير كما سبق ذكره في الطريقة الأولى ولكن الإشكال قائم في النفس في الصورة المتفق عليها. ١٤٩- وقد تردد جواب القاضي ﵀ في هذا المقام لاستشعاره إشكال الكلام فمما ذكره أن التأخير عن الزمان الأول إنما يسوغ ببدل قائم مقام الفعل المقتضى ولولاه لسقط حكم الوجوب على ما اقتضاه مساق الطريقة ثم زعم أن البدل هو العزم على الامتثال في الاستقبال وقال من أخر الامتثال غير مخطر بباله العزم عصى ربه تعالى ثم يتعرض له كذلك في كل وقت يتعين ويتردد بين الامتثال وبين العزم إلى آخر وقت الإمكان ثم ذلك الوقت يتعين [للفعل] . ١٥٠- وهذا خروج عظيم عن مسلك التحقيق وفيه أولا التزام أمر اقتحاما عليه من غير أن يشعر اللفظ به وقد صار هذا الحبر إلى الوقف في أصل الصيغة من حيث إنه لم يسنح له من اللفظ وجه قاطع ثم التزم في مساق الكلام بإثبات العزم الذي ليس في اللفظ إشعار به وفيما صار إليه خصلة أخرى عظيمة الموقع [وهي] أنه إذا وجب في كل وقت الفعل أو العزم فقد أخرج الفعل عن كونه واجبا فإن من مذهبه وأصل كل محقق أن الواجب من خصال كفارات اليمين واحد لا بعينه فإذا ردد في كل وقت تخييره بين الفعل والعزم فقد أخرج الفعل عن كونه واجبا جزما وردد الوجوب بينه وبين غيره فالواجب بينه فالواجب إذا أحدهما ثم إنما كان يستقيم ما ذكره لو ساعده نقلة الشريعة وقد أجمع المسلمون قاطبة على أنه لا يجب على المخاطب الاعتناء بالعزم في كل وقت لا يتفق الامتثال فيه ولو لم يخطر للمخاطب عزم أصلا.

стр. 75

وجرى منه الامتثال في أثناء العمر والواجب على التخيير فليس من العلماء من يعصيه لتركه العزم فيما سبق. ١٥١- وكذلك من صار إلى اتصاف الصلاة بالوجوب في أول وقتها مع اتساع الزمان فلا نقول يجب على المكلف أن ينتبه لأول الوقت فلا يخليه عن فعل أو عزم ولكن لو أضرب عنه ثم أقام الصلاة في وسط الوقت لم ينسب إلى المعصية ولم يبؤ بالإثم. ١٥٢- والذي أراه في طريقة القاضي ﵀ أنه إنما يوجب العزم في الوقت الأول ولا يوجب تجديده ثم يحكم بأن ذلك العزم ينسحب حكمه على جميع الأوقات المستقبلة وهذا كانبساط النية على العبادة الطويلة [مع عزوب] النية ولا ينبغي أن يظن بهذا الرجل العظيم غير هذا على أنا لا نرى ذلك رأيا. ١٥٣- فإن قيل فما وجه الجواب عن السؤال وكيف السبيل إلى حل الإشكال قلنا قد اشتهر من مذهب الشافعي ﵁ المصير إلى أن الصلاة تتصف بالوجوب في أول الوقت وظهر خلاف أبي حنيفة له ﵁ ثم صح من. نصه واتفاق ذوي التحقيق من أصحابه أن من أخر الصلاة عن أول وقتها ومات في أثناء الوقت لم يلق الله تعالى عاصيا فإن كان كذلك فلا معنى عندي لوصف الصلاة بالوجوب في أول الوقت إلا على تأويل وهو أن الصلاة لو أقيمت في أول الوقت لوقعت على مرتبة الواجبات وأجزأت وهي على القطع كالزكاة تعجل قبل حلول الحول ولا يدرأ هذا التحقيق قول الفقهاء إن عبادات الأبدان لا تقدم على أوقات وجوبها فإن الذي ذكرناه إظهار منا لخلاف ما استبعدوه قطعا. وسبيل مكالمة أصحاب أبي حنيفة في ذلك إذا استنكروا الوجوب على حكم جواز التأخير كسبيل مكالمة أصحاب الفور في الطريقة الأولى وإن تفطنوا لنفي المأثم في الصلاة وسلم لهم ذلك فلا وجه لمناكرتهم ومناظرتهم مع تسليم ذلك فإن أصر مصر على المخالفة لم ينتظم ذلك إلا مع تأثيم من يموت في أثناء الوقت فقد ذهب إلى ذلك شرذمة من الأصحاب فهذا قولي في الأمر المؤقت. فأما الأمر المسترسل على العمر فالذي أراه فيه أن من أخره فلا يقطع القول فيه بنفى الإثم عنه ولا يطلق إلا مشروطا فعلى هذا إذا الحج واجب على المستطيع في أول سنة الاستطاعة وعليه لو أخر الخطر في التعريض للمأثم والخوف في نفسه.
следующие страницы →