الأمر المقيد بالتكرار وهو في القيام بالامتثال موصوف في قدر ما جاء به بحكم الموافقة وعليه الاستتمام.
١٤٢- فإن قيل: فما المختار وقد أبطلتم بزعمكم مسلك الفريقين وليس بين النفي والإثبات مرتبة قلنا الصيغة المطلقة تقتضي الامتثال والمرة الواحدة.
لا بد منها وأنا على الوقف في الزيادة عليها فلست أنفيه ولست أثبته والقول في ذلك يتوقف على القرينة والدليل القاطع فيه أن صيغة الأمر وجملة صيغ الأفعال عن المصدر والمصدر لا يقتضي استغراقا ولا يختص بالمرة الواحدة والأمر استدعاء المصدر فنزل على حكمه ووجب من ذلك القطع بالمرة الواحدة والتوقف فيما سواها فإن المصدر لم يوضع للاستغراق وإنما هو صالح لو وصف به وسيأتي ذلك مشروحا بعد هذا وذلك يستدعي إبانة بقرينة.
فإذا [وضح] هذا مستقلا طاب بعده ضرب صيغ الأفعال مثالا فإذا قال القائل تصدق زيد لم يتضمن اختصاصا بصدقة واحدة بل الأمر فيه على حسب ما نبهنا عليه في الأمر.
فإن قيل: مقتضى ما ذكرتموه أن النهي لا يتضمن استيعاب الزمان بالانكفاف [بل] يقتضي الانكفاف مرة واحدة ويتوقف فيما عداها قلنا لو كان النهي متلقى من المصدر لكان كذلك وإنما هو متلقى من النفي والنفي المضاف إلى واحد منكر من جنس يقتضي التعميم فإذا قال القائل لم أر رجلا اقتضى هذا نفى الرؤية عن جنس الرجال وإذا قال رأيت رجلا اقتضى واحدا من الجنس فالنفي الذي في النهي قرينة تقتضي الاستغراق ولا يتصور على هذا أن يكون النهي إلا مقترنا وليس الأمر كذلك فلزم فيه الاستغراق فوجب تنزيل الأمر على حكم المصدر المحض.
وإن راجع باحث فيما ذكرناه من اقتضاء النفي العموم فليس ذلك من غرض هذه المسألة ولا شك فيه.
والقدر الكافي في التنبيه على اقتضاء النفي العموم أن الإثبات يختص بثابت والنفي لا اختصاص له فكان الجنس كالشخص في حقه.
مسألة:
١٤٣- الصيغة المطلقة التي فيها الكلام إن قيل إنها تقتضي استغراق الأوقات بالامتثال فمن ضرورة ذلك الفور والبدار واستيعاب الصيغة في موردها اقتضاء مبادرة الامتثال.
стр. 72
فإذا جرى التفريع على المذهب الآخر في أن الصيغة لا تقتضي استغراق الزمان فعلى هذا اختلف الأصوليون فذهب طائفة إلى أن مطلق الصيغة يقتضي الفور والبدار إلى الامتثال وهذا [معزى] إلى أبي حنيفة١ ﵀ ومتبعيه.
وذهب ذاهبون إلى أن الصيغة المطلقة لا تقتضي الفور وإنما مقتضاها الامتثال مقدما أو مؤخرا وهذا ينسب إلى الشافعي٢ ﵀ وأصحابه وهو الأليق بتفريعاته في الفقه وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول.
وأما الواقفية فقد تحزبوا حزبين فذهب غلاتهم في المصير إلى الوقف إلى أن الفور والتأخير إذا لم يتبين أحدهما ولم يتعين بقرينة فلو أوقع المخاطب ما خوطب به عقيب فهم الصيغة لم يقطع بكونه ممتثلا ويجوز أن يكون غرض الآمر فيه أن يؤخر وهذا سرف عظيم في حكم الوقف.
وذهب [المقتصدون] من الواقفية إلى أن من بادر في أول الوقت كان ممتثلا قطعا فإن أخر وأوقع الفعل المقتضى في آخر الوقت فلا يقطع بخروجه عن عهدة الخطاب وهذا هو المختار عندنا.
وذهب القاضي أبو بكر٣ ﵀ إلى ما شهر عن الشافعي من حمل الصيغة.
على إيقاع الامتثال من غير نظر وقت مقدم أو مؤخر وهذا بديع من قياس مذهبه مع استمساكه بالوقف وتجهيله من لا يراه.
١٤٤- ومما يتعين التنبيه له أمر يتعلق بتهذيب العبارة فإن المسألة مترجمة بأن الصيغة على الفور أم على التراخي فأما من قال إنها على الفور فهذا اللفظ لا بأس به ومن قال إنها على التراخي فلفظه مدخول فإن مقتضاه أن الصيغة المطلقة فالوجه أن يعبر عن المذهب الأخير المعزو إلى الشافعي والقاضي رحمهما الله بأن يقال الصيغة تقتضي الامتثال ولا يتعين لها وقت.
١٤٥- وإذا بانت المذاهب فنذكر بعدها معتمد كل فريق ونتعقبه بالنقض ونجرد بعد المباحثة توجيه ما اخترناه فلتقع البداية بأصحاب الفور.
стр. 73
فمما اعتمدوه أن الصيغة إذا وردت واقتضت إيجابا لم يخل القول بعد ذلك من أن يقال يعصى المخاطب بالتأخير عن وقت الفهم والإمكان وهذا معنى الفور أو يقال لا يعصي بتأخير الامتثال ثم لا ينضبط جواز التأخير بوقت ولا يتعين له زمان فلو مات المخاطب بعد امتداد الزمن وما كان امتثل لم يخل الأمر فيه إما أن ينسب إلى العصيان أو لا ينسب إليه.
فإن قيل إنه مات غير عاص فهذا إسقاط الإيجاب بالكلية قطعا وإن قيل مات عاصيا كان ذلك مناقضا لجواز التأخير فإنه فعل ما له أن يفعل فإن قيل جوز له التأخير بشرط سلامة العاقبة كان ذلك ربط التكليف بلبس وعماية.
١٤٦- وهذا الذي ذكروه ينقضه وجهان: أحدهما: المعارضة بمناقضات لا درء.
لها فإن الأمة أجمعت على وجوب قضاء الصلوات التي فاتت بأعذار ثم العمر وقتها على الفسحة وكذلك الكفارات والذي ذكره هؤلاء يقتضي مساقة امتناع وجوب شيء على الفسحة وليس ما اعتمدوه متلقى من قضية الصيغة لدى الإطلاق وإنما هو مبني على استحالة ذلك في مقتضي الوجوب.
والذي يوضح هذا المسلك من غير استشهاد بمسألة أن العقل لا يحيل اقتضاء شيء على الإيجاب مع تقدير عمر المخاطب ظرفا له ولا يخالف في تجويز ذلك مخالف فيبينه وفي الاعتراف بهذا سقوط أصل الكلام فقولنا فيما استنكروه على صيغة التقسيم في اللفظ المطلق كقولهم في الصيغة المقيدة بجواز التأخير فهذا وجه في الجواب كاف.
والوجه الثاني: في تعيين قسم من الأقسام التي ذكروها والمقطوع به أن المخاطب إذا مات بعد الإمكان ولم يمتثل لقى الله : عاصيا وللفقهاء في هذا اختباط [طويل] لسنا لذكره الآن ولكن ما رأيناه مقطوعا به [أجزناه] ولا مبالاة بقول من يقول من الفقهاء إنه مات غير عاص.
١٤٧- وما ذكروه على ذلك من ارتباط الأمر بجهالة في العاقبة تهويل لا تحصيل له فإن هذا النوع من الجهالة محتمل وإنما الممتنع جهالة تمنع فهم الخطاب أو إمكان الامتثال أما ما يمنع فهم الخطاب فبين وأما ما ينافى الإمكان فهو مثل أن يقال لشخص أعتق عبدا من عبيد الدنيا وهو معين عند الامر ولم يعينه للمخاطب.
стр. 74
فإن وافق عتقه تقديره كان ممتثلا وإن لم يوافقه عرضه للعقاب فهذا ينقدح وجه امتناعه على ما سيأتي شرحنا عليه في كتاب النواهي إن شاء الله تعالى.
فأما تكليف المرء شيئا مع تقدير عمره مهلة وفسحة وهو أنه إن امتثله فاز بالأجر وإن أخلى العمر منه تعرض للمعصية فلا استحالة في هذا.
١٤٨- ومما تمسك به هؤلاء وهو قريب المأخذ مما سبق أن قالوا إذا اقتضت الصيغة إيجابا فالواجب ما لا يجوز تركه واتصاف المأمور به بالوجوب ناجز فليمتنع تركه إذ لو جاز تركه في الزمان الأول من أزمنة الإمكان لما كان متصفا بالوجوب فيه وهذا قد استهان به من لم يحط بالحقائق وهو صعب عسر وربما يحرر ذلك فيقال الواجب ما يتعين الإقدام عليه فإذا لم يتعين الإقدام عليه في الزمان الأول لم يكن واجبا فيه وهذا مع إعواصه لا يتأتى للقوم التعلق به لإثباتهم واجبا مقيدا بجواز التأخير كما سبق ذكره في الطريقة الأولى ولكن الإشكال قائم في النفس في الصورة المتفق عليها.
١٤٩- وقد تردد جواب القاضي ﵀ في هذا المقام لاستشعاره إشكال الكلام فمما ذكره أن التأخير عن الزمان الأول إنما يسوغ ببدل قائم مقام الفعل المقتضى ولولاه لسقط حكم الوجوب على ما اقتضاه مساق الطريقة ثم زعم أن البدل هو العزم على الامتثال في الاستقبال وقال من أخر الامتثال غير مخطر بباله العزم عصى ربه تعالى ثم يتعرض له كذلك في كل وقت يتعين ويتردد بين الامتثال وبين العزم إلى آخر وقت الإمكان ثم ذلك الوقت يتعين [للفعل] .
١٥٠- وهذا خروج عظيم عن مسلك التحقيق وفيه أولا التزام أمر اقتحاما عليه من غير أن يشعر اللفظ به وقد صار هذا الحبر إلى الوقف في أصل الصيغة من حيث إنه لم يسنح له من اللفظ وجه قاطع ثم التزم في مساق الكلام بإثبات العزم الذي ليس في اللفظ إشعار به وفيما صار إليه خصلة أخرى عظيمة الموقع [وهي] أنه إذا وجب في كل وقت الفعل أو العزم فقد أخرج الفعل عن كونه واجبا فإن من مذهبه وأصل كل محقق أن الواجب من خصال كفارات اليمين واحد لا بعينه فإذا ردد في كل وقت تخييره بين الفعل والعزم فقد أخرج الفعل عن كونه واجبا جزما وردد الوجوب بينه وبين غيره فالواجب بينه فالواجب إذا أحدهما ثم إنما كان يستقيم ما ذكره لو ساعده نقلة الشريعة وقد أجمع المسلمون قاطبة على أنه لا يجب على المخاطب الاعتناء بالعزم في كل وقت لا يتفق الامتثال فيه ولو لم يخطر للمخاطب عزم أصلا.
стр. 75
وجرى منه الامتثال في أثناء العمر والواجب على التخيير فليس من العلماء من يعصيه لتركه العزم فيما سبق.
١٥١- وكذلك من صار إلى اتصاف الصلاة بالوجوب في أول وقتها مع اتساع الزمان فلا نقول يجب على المكلف أن ينتبه لأول الوقت فلا يخليه عن فعل أو عزم ولكن لو أضرب عنه ثم أقام الصلاة في وسط الوقت لم ينسب إلى المعصية ولم يبؤ بالإثم.
١٥٢- والذي أراه في طريقة القاضي ﵀ أنه إنما يوجب العزم في الوقت الأول ولا يوجب تجديده ثم يحكم بأن ذلك العزم ينسحب حكمه على جميع الأوقات المستقبلة وهذا كانبساط النية على العبادة الطويلة [مع عزوب] النية ولا ينبغي أن يظن بهذا الرجل العظيم غير هذا على أنا لا نرى ذلك رأيا.
١٥٣- فإن قيل فما وجه الجواب عن السؤال وكيف السبيل إلى حل الإشكال قلنا قد اشتهر من مذهب الشافعي ﵁ المصير إلى أن الصلاة تتصف بالوجوب في أول الوقت وظهر خلاف أبي حنيفة له ﵁ ثم صح من.
نصه واتفاق ذوي التحقيق من أصحابه أن من أخر الصلاة عن أول وقتها ومات في أثناء الوقت لم يلق الله تعالى عاصيا فإن كان كذلك فلا معنى عندي لوصف الصلاة بالوجوب في أول الوقت إلا على تأويل وهو أن الصلاة لو أقيمت في أول الوقت لوقعت على مرتبة الواجبات وأجزأت وهي على القطع كالزكاة تعجل قبل حلول الحول ولا يدرأ هذا التحقيق قول الفقهاء إن عبادات الأبدان لا تقدم على أوقات وجوبها فإن الذي ذكرناه إظهار منا لخلاف ما استبعدوه قطعا.
وسبيل مكالمة أصحاب أبي حنيفة في ذلك إذا استنكروا الوجوب على حكم جواز التأخير كسبيل مكالمة أصحاب الفور في الطريقة الأولى وإن تفطنوا لنفي المأثم في الصلاة وسلم لهم ذلك فلا وجه لمناكرتهم ومناظرتهم مع تسليم ذلك فإن أصر مصر على المخالفة لم ينتظم ذلك إلا مع تأثيم من يموت في أثناء الوقت فقد ذهب إلى ذلك شرذمة من الأصحاب فهذا قولي في الأمر المؤقت.
فأما الأمر المسترسل على العمر فالذي أراه فيه أن من أخره فلا يقطع القول فيه بنفى الإثم عنه ولا يطلق إلا مشروطا فعلى هذا إذا الحج واجب على المستطيع في أول سنة الاستطاعة وعليه لو أخر الخطر في التعريض للمأثم والخوف في نفسه.
стр. 76
ألم ناجز وهذا معنى قول القائل من مات ولم يحج انبسطت المعصية على جميع سنى الإمكان فليفهم الناظر ما ذكرناه.
والذي يكشف الغطاء فيه أن الواجب المحقق المضيق لا يتميز عما ليس واجبا بوقوع العقاب بالتارك لا محالة فإن فضل الله مأمول وأمور العاقبة غيب فيئول حاصل الأمر إلى الرهب والخوف وليس بعد هذا البيان بيان وهو نجاز الطريقة.
١٥٤- ومما تمسك به أصحاب الفور النهي [على] النسق المقدم في مسألة التكرار فقالوا النهي يتنجز مقتضاه فليكن الأمر في معناه وقد سبق الكلام على النهي.
والذي نجدده الآن أن الخوض في هذه المسألة مشروط بالتوافق على أن الصيغة لا تقتضي استغراق الأوقات وإذا كان كذلك فالنهي بالاتفاق يقتضي الاستغراق فكيف يتجه تنزيل الأمر على النهي.
ومما تعلق به المتكلفون أن قالوا يجب الاعتقاد على الفور فليكن الامتثال كذلك وقد أوضحنا أن الاعتقاد أمر كلي لا اختصاص له بصيغة خاصة وإنما هو حكم جملي يتعلق بتطويق الشريعة وتصديق منهيها صلوات الله عليه وسلامه وهو يجري في الأمر المقيد بجواز التأخير كما سبق.
وشرطنا قبض الكلام بعد الوضوح وإعداد جمام التقرير للمشكلات فهذا منتهي مسلك أصحاب الفور.
١٥٥- فأما من لم ير الفور وجوز التأخير فمن مسالكهم ما ذكره القاضي أبو بكر رحمة الله عليه معتمدا لنفسه في اختيار هذا المذهب وذلك أنه قال الأوقات يعبر بها عن حركات الفلك واعتقاب طلوع الشمس وغروبها وهذه المعاني لا تعلق للتكاليف بها فإنها خارجة عن متعلق إرادات المكلفين واعتقاد ارتباط تعلق الامتثال المتلقي من الصيغة المطلقة بها بمثابة اعتقاد تعلق الامتثال بتارات وحالات تطرأ كالتغيم والإصحاء وغيرهما فالوجه فهم الامتثال وقطعه عن الأوقات فإن كان يجوز تقدير تعليق التكليف بها تصريحا وتقييدا فيجوز فرض ذلك في التارات التي ذكرناها من التغيم والصحو وربما عضد كلامه الذي استاقه في نفي تعيين الزمان بالمكان فإن المكان لا يتعين وإن كان الفعل يقع في مكان لا محالة فليكن الزمان كذلك.
стр. 77
وقد تكلف بعض أصحاب الفور وزعم أنه يتعين للامتثال المكان الذي يصادف المخاطب فيه الإمكان في أول الزمان وهذا وإن كان كذلك فهو ساقط من جهة أن هذا إنما يثبت لاعتقاد تعين أول الزمان وفي مفارقة المكان تأخير عن أول الزمان فكان ذلك من حكم الزمان لا من حكم المكان.
وهذا الذي ذكره ﵀ بالغ في التخيل وقد [يكيع] عنه من ليس بذي حظ وافر في التحقيق.
١٥٦- وسبيل مفاتحته بالكلام أن نقول الابتدار إلى الامتثال أو تجويز التأخير مما لا ينكر عده من مقاصد الآمرين ولذلك تنافس المتنافسون ومن عد النظر في هذا الفن من قبيل النظر في تقدير ارتباط الامتثال بالتغيم والإصحاء فقد جانب الإنصاف واستوطأ مركب الإعتساف وهذا لا خفاء به قبل الخوض في المحاجة وحل ما موه به.
ثم الذي يخطر له ما ذكرناه من البدار ونقيضه قد لا يخطر له الوقت والزمان وحقيقتهما فاستبان أن ما ذكره ليس بالمرضى في مساق التحقيق ويطرد في عرف المتخاطبين البحث عما ذكرناه ويبعد البحث عما استشهد به من الحالات والتارات فكان تقدير مبادرة الامتثال في حكم غرض من الآمر يفرض فهمه والإحاطة به من غير نظر في الوقت.
١٥٧- ثم القول [الحق] فيه أن الأمر اقتضاء ناجز والمقتضى مطلوب على [الوجوب] وحق الوفاء بالطلب التنجيز مع الإمكان فمن أراد مداراة هذا بالإيهام [بذكر] الأوقات وخروجها من الإرادات فقد أبعد.
١٥٨- ومما تمسك به الفقهاء الصائرون إلى أن الامتثال هو المطلوب في أي وقت فرض أن قالوا إن الأمر يمثل بالبر في اليمين وإذا قال القائل لأدخلن الدار لم يتعين لإقسامه الوقت الأول ولكن مهما فرض الدخول كان برا وقد أوضحنا أن هذا المسلك مدخول فإنه قياس لفظ على لفظ مع العلم بتغاير معاني الصيغ وتفاوت قضاياها عند تغاير محالها ثم قول القائل لأدخلن الدار في حكم وعد مؤكد بالقسم والأمر طلب ناجز فليقتض الوفاء الناجز وهذا وإن كنت لا أرضاه فلم أورده معتمدا عليه وإنما ذكرته لإظهار إمكان تخيل الفرقان بين الصيغتين.
стр. 78
١٥٩- فأما من قال من أصحاب الوقف إن من بادر إلى إيقاع الفعل المطلوب لم يقطع بكونه ممتثلا فهذا مجاحدة وخروج عن حكم اللسان بديهة وضرورة فإن من أطلق الصيغة [ولم تثبت] قرينة تقتضي التأخير فالمخاطب إذا ابتدر عد مسارعا إلى الطاعة [وكان ممتثلا قطعا] ومن أنكر هذا فهو.
ملتحق بمن يعاند في مظان الضرورات فالذي يجب القطع به أن المبتدر ممتثل والمؤخر عن أول زمان الإمكان لا يقطع في حقه بموافقة ولا مخالفة فإن اللفظ صالح للامتثال والزمان الأول وقت له ضرورة وما وراءه لا تعرض له.
١٦٠- فإن قيل: قد أجريتم في أثناء الكلام لفظة واقعة إذ قلتم إن الطلب ناجز قلنا لا يستقل هذا الكلام بإثبات غرض فإن الطلب ليس مجحودا وإنما محل التردد أنه طلب مقتضاه إيقاع المطلوب ناجزا أو هو طلب مرسل مقتضاه إيقاع المطلوب في أي وقت كان ومن ظن أنه يسلم له أن الأمر طلب إيقاع ناجز فقد طمع في تسليم المسألة من غير دليل.
١٦١- وإذا نجزت المباحثة عن هذه المآخذ فالذي أقطع به أن [المطالب] مهما أتى بالفعل فإنه بحكم الصيغة المطلقة موقع المطلوب وإنما التوقف في أمر آخر وهو أنه إن بادر لم يعص وإن أخر فهو مع التأخير ممتثل لأصل المطلوب وهل يتعرض للإثم بالتأخير فقيه التوقف.
وأما وضع التوقف في أن المؤخر هل يكون كمن يوقع ما طلب منه وراء الوقت الذي يتأقت به الأمر حتى لا يكون ممتثلا أصلا فهذا بعيد فإن الصيغة المطلقة مسترسلة ولا اختصاص لها بزمان وعن هذا أجمع المسلمون على أن كل مأمور به بأمر مطلق [إن لم] يجز تأخيره [فقد امتثل] فإذا فرض تأخيره ثم إقامته فليس ما أقيم مقضيا قضاء وإنما هو مؤدي حتى كأن الذي يوجب الفور يقدر للأمر غرضين أحدهما إيقاع المطلوب والثاني البدار به ولن يبلغ الزمان الأول في الإمكان مع اعتقاد الفور والبدار فيه مبلغ الوقت المؤقت في صيغة اللفظ وهذا واضح بين لا إشكال فيه.
وكأن هذه الطريقة التي استقر عليها الاختيار تجمع محاسن المذاهب كلها من النظر إلى استرسال اللفظ وتوقع اللوم والقطع بالامتثال للمبادر ورد التوقف إلى اللوم في التأخير مع القطع بوقوع الفعل مهما وقع امتثالا فإن اللفظ لا اختصاص له بوقت معين.
стр. 79
مسألة [لفظية] :
١٦٢- ذهب القاضي أبو بكر ﵀ في جماعة من الأصوليين إلى أن المندوب إليه مأمور به والندب أمر على الحقيقة وهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر ما يقتضي الإيجاب.
قال القاضي المندوب إليه طاعة ولم يكن طاعة لكونه مرادا لله تعالى فإنا لا نمنع أن لا يريد الله تعالى طاعة زيد ويأمره بها ويريد عصيانه وينهاه عنه فلا يتلقى كون الشيء طاعة من الإرادة على مذهب أهل الحق فلم يبق إلا كونه مأمورا به.
وهذا الذي ذكره القاضي ﵀ رام به مسلك القطع وليس الأمر على ماظنه فإنه يتجه أن يقال: المندوب إليه طاعة من حيث كان مقتضى ممن له الإقتضاء فمن أين يلزم أن كل اقتضاء أمر؟ وهذه المسألة ليس فيها فائدة وجدوى من طريق المعنى فإن الإقتضاء مسلم وتسميته أمرا يؤخذ من اللسان لا من مسالك العقول ولا يمكن جزم الدعوى على أهل اللغة في ذلك فقد يقول القائل ندبتك وما أمرتك وهو يعني ما جزمت عليك الأمر وقد يقول أمرتك استحبابا فالقول في ذلك قريب ومنتهاه آيل إلى اللفظ.
مسألة:.
١٦٣- ذهب بعض أئمتنا ﵏ إلى أن الأمر بالشيء نهى عن أضداد المأمور به وهؤلاء قدروا عين الأمر نهيا وزعموا أن اتصافه بكونه أمرا نهيا بمثابة اتصاف الكون الواحد بكونه قربا من شيء بعدا من غيره.
والذي مال إليه القاضي ﵀ في آخر مصنفاته أن الأمر في عينه لا يكون نهيا ولكنه يتضمنه ويقتضيه وإن لم يكن عينه.
ثم الذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداد المنهى عنه والأمر بالشيء نهى عن جميع أضداد المأمور به.
وأما المعتزلة فالأمر عندهم هو العبارة وقول [القائل] : افعل أصوات منظومة معلومة وليست هي علم نظم الأصوات في قول القائل لا تفعل فلا يمكنهم أن يقولوا الأمر هو النهي فقالوا الأمر بالشيء يقتضي النهي عن أضداده تضمنا كما ذهب إليه القاضي ولكن الأمر عند القاضي هو القائم بالنفس.
стр. 80
ونحن نقول أما من قال [إن] الأمر هو النهي بعينه فقوله عرى عن التحصيل فإن القول القائم بالنفس الذي يعبر عنه بافعل مغاير للقول الذي يعبر عنه بلا تفعل وممن جحد هذا سقطت مكالمته وعد مباهتا وهذا القدر كاف في إسقاط هذا المذهب.
وأما ما ذكره القاضي ﵀ آخرا من أن الأمر بالشيء ليس عين النهي ولكنه يقتضيه ويتضمنه فليس يعني بهذا الإقتضاء الذي أطلقه المعتزلة فإن ذلك الإقتضاء الذي ذكروه راجع إلى فهم معنى من لفظ مشعر به وهذا لا يتحقق في كلام النفس فإن ما يقوم بالنفس لا إشعار له بغيره وإنما هو معنى في نفسه وذاته على حقيقته وخاصيته فالمعني بالاقتضاء على رأى القاضي أن قيام الأمر بالنفس يقتضي أن يقوم بالنفس معه قول هو نهى عن أضداد المأمور به كما يقتضي قيام العلم بالذات قيام الحياة بها ولا معنى لما قال غير هذا وهذا باطل قطعا فإن الذي يأمر بالشيء قد لا يخطر له التعرض لأضداد المأمور به إما لذهول وإما لإضراب فلم يستقم الحكم بأن قيام الأمر بالنفس مشروط بقيام النهي.
١٦٤- وإذا لاح سقوط المذهبين انبنى عليه ما هو الحق المبين عندنا وهو أن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن أضداده ونحن نخصص إثبات هذا المختار بذكر حقيقة المسألة.
فنقول الامر بالشيء متردد بين أن يكون ذاكرا لأضداده وبين أن يكون ذاهلا عنها فإن كان ذاهلا فالذي قدمناه بالغ فيه ولا خفاء بأن الذاهل عن الشيء غير عالم به ويستحيل أن يقوم بالنفس قول متعلق بالشيء مع الذهول عنه فأما إذا كان ذاكرا للأضداد عالما بأن الاتصاف بالشيء منها يمنع إيقاع المأمور به فقد يتخيل المتخيل في هذه الحالة أنه يقوم بالنفس نهى عن أضداد المأمور به [المقتضى] فإذا كان كذلك فليس الزجر عن الأضداد مقصود الآمر وإنما يخطر له النهي لو خطر ليكون الانكفاف عن الأضداد ذريعة إلى إيقاع الامتثال وليس تقدير خطور أمرها بالبال متضمنا قيام زجر عنها مقصود والذي يجرد قصده إلى النهي عن شيء يعلم قيام [زجر] عنه مقصود بذاته والذي يحقق الغرض فيه فرض أمر مستحيل يشعر بتكميل الغرض وهو أن الآمر لو قدر تجويز مجامعة الأضداد لكان لا [يأبى] وقوعها مع المأمور به ولو نهى عنها قصدا لأباها فإذا خطور الانكفاف عن الأضداد ببال الآمر آيل إلى امتناع المأمور به خلقة معها لا إلى قصد نفي الأضداد وهذا نهاية الوضوح.
стр. 81
١٦٥- فأما من قال النهى عن الشيء أمر بأحد أضداد المنهى عنه فقد اقتحم أمرا عظيما وباح بالتزام مذهب الكعبي في نفي الإباحة على ما سنذكر ذلك في باب النهي فإنه إنما صار إلى ذلك من حيث قال لا شيء مقدر مباحا إلا وهو ضد محظور فيقع من هذه الجهة واجبا فإن ترك المحظور واجب وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
١٦٦- ومن قال الأمر بالشيء نهى عن الأضداد أو متضمن للنهي عن الأضداد وليس النهي عن الشيء أمرا بأحد الأضداد من حيث تفطن لغائلة الكعبي فقد تناقض كلامه فإنه كما يستحيل الإقدام على المأمور [به] دون الانكفاف عن أضداده فيستحيل الانكفاف عن المنهى عنه دون الاتصاف بأحد الأضداد ولا يمتنع وجوب شيء من أشياء فهذا نجاز المسألة.
مسألة.
١٦٧- إذا وقع المأمور به المقتضى على حسب الإقتضاء أجزأ وكفى والمسألة مترجمة بأن موافقة الأمر تتضمن الإجزاء [أم لا] ؟.
وذهب بعض المستطرفين في علم الأصول من الفقهاء إلى أن الإجزاء لا يثبت إلا بقرينة وإن وقع الفعل على حسب الاقتضاء وسقوط هذا المذهب واضح لا حاجة إلى تكلف فيه ولكن تحرير الكلام على أوقع وجه وأقربه أن نقول لمن يشبب بالخلاف في المسألة أتسلم أن الأمر لا يقتضي حالة الإطلاق تكرير الفعل المقتضي فإن لم يسلم ذلك رددنا الكلام إلى المساق المقدم في الرد على أصحاب التكرار وإن سلم ذلك وقد وقع الامتثال فلا معنى للإجزاء إلا قيام المخاطب بموجب الأمر من غير أن يبقى طلبة من قضية الأمر فلئن فرض فارض اقتضاء أمر آخر فلا بد من تقدير أمر جديد ولا منع من تقدير ذلك ولا يتصور مع هذا الفن من الكلام مرادة وتشبيب باعتراض.
١٦٨- فإن قيل الحاج إذا أفسد حجة فهو مأمور بالمضي في فاسد الحج وإذا مضى فيه كما أمر لزمه في مستقبل الزمان افتتاح حج صحيح فلم يقع إذا مضيه مجزئا عنه وإن كان مأمورا به وهذا قول من يتلقى الحقائق في الأصول من خيالات في مضطرب الظنون المتعلقة بالفروع.
стр. 82
فنقول إن كان ما خاض فيه أولا حجا صحيحا مفروضا فالخطاب بإيقاع حج صحيح قائم دائم والإفساد مناف للحج لحق الامتثال وليس المضي في الفاسد مقتضى الأمر بالحج الصحيح وإنما هو متلقى من أمر جديد مختص بالحج فثبت الجريان في الفاسد بأمر وبقى على المفسد حق القيام بالأمر الأول وإن كان الحج تطوعا فيجب القضاء على المفسد بأمر جديد وليس ذلك من مقتضى الأمر بالمضي وهذا لا غموض فيه.
وقد يعتاص على الفقيه الفرق بين الفساد والفوات والتحلل بعذر الإحصار وحظ الأصول في هذه المسائل تقدير أمر جديد في كل مالا يتلقى من الأمر الأول وهذا ليس بالعسر بل هو مقطوع به ولست أرى هذه المسألة خلافية ولا المعترض فيها بإشكال الفقه معدودا خلافه.
مسألة:
١٦٩- الأمر بالشيء يتضمن اقتضاء ما يفتقر المأمور به إليه في وقوعه فإذا ثبت في الشرع افتقار صحة الصلاة إلى الطهارة فالأمر بالصلاة الصحيحة يتضمن أمرا بالطهارة لا محالة وكذلك القول في جميع الشرائط وظهور ذلك يغني عن تكلف دليل فيه فإن المطلوب من المخاطب إيقاع الفعل الصحيح والإمكان لا بد منه في قاعدة التكليف ولا تمكن من إيقاع المشروط دون الشرط.
فإن قيل لا يتأتى في مطرد العرف استيعاب الوجه بالغسل دون أخذ أطراف من الرأس وليس غسل الرأس مأمورا به قلنا إذا كان لا يتأتى استغراق محل الفرض إلا بما ذكره المعترض فلا بد منه ولكن ليس ما ذكره من قبيل الشرائط التي اعتنى الشرع بإثباتها والتنصيص عليها فإنها قد تثبت مقصودة للشارع في مساق أمره وما ذكره السائل آيل إلى حكم التأتى المعتاد.
وكذلك القول في استصحاب الإمساك عن المفطرات في جزء من الليل آخرا وفي جزء من منقطعه أولا إذ ليس من الممكن حصر الإمساك في النهار من غير أخذ طرفين من الليلتين فقد قال المحققون ما كان كذلك فليس مقصود العبادة ولا نطلق القول بأنه شرطها الواقع مقصودا شرطا ويظهر أثر ذلك بأن الصائم يخص النية بالإمساك الواقع في النهار فلو كان الإمساك المستظهر به من العبادة لوجب بسط النية عليه.
стр. 83
١٧٠- فالقول في ذلك ينقسم إلى ثلاثة أقسام:.
أحدها: يتعلق بالمتلقى من صيغة الأمر وهو المقصود.
والثاني: يتلقى مما يثبت فيما سبق شرطا وهذا مستفاد من الأمر بالإيقاع وإن لم يكن ما قدر شرطا جزءا من المأمور به وليس يخرج الشرط عن كونه مقصود الشارع ﵇ وهو ثابت في مقتضى الأمر بالمشروط وصيلة ووسيلة [شرعية] .
والقسم الثالث: ما يتعلق بالإمكان وليس مقصودا للشارع ولا مشروطا ولا شرطا ولكنه في حكم الجبلة يضاهى الشرط وإن لم يكن شرطا شرعا وهذا له التفات إلى الانكفاف عن أضداد المأمور به في محاولة امتثال الأمر [كما تقدم ذكره فليس الانكفاف مقصود الآمر ولكن لا بد منه في إيقاع المأمور به] .
فإن قيل: أيجب على سكان البوادي أن يسعوا في ابتناء مدينة ليقيموا الجمعة فيها قلنا هذا الآن من فن الخرق فإن المتبدين غير مأمورين بالجمعة ولو أمروا بها مع كون الجمعة مشروطة بالبنيان لوجب عليهم أن يسعوا في تحصيله.
هذه جملة من الكلام في الصيغة المطلقة ونحن نذكر الآن الصيغة المقيدة ووجوه التقييد فإذا نجز ما يتعق بهذا القسم مذهبا وخلافا وقد تقدم القول في [الصيغة] المطلقة فنذكر بعد نجاز القسمين مسائل في أحكام الأوامر لا تختص بالإطلاق والتقييد.
стр. 84
فصل: [الصيغة المقيدة] .
مسألة:
١٧١- فأول ما نذكر أن الصيغة التي تسمى مطلقة لا تكون إلا مقترنة بأحوال تدل على أن مطلقها ليس يبغي بإطلاقها حكاية وليس هاذيا بها فإذا لا تلقى صيغة على حق الإطلاق وإذا كان كذلك وثبت للأحوال قرائن في إرادة النطق بالصيغة قصدا إليها وإصدارا لها عما يختص بمقصود المطلق في معناها ولم [يعلم] من الأحوال إلا ما وصفناه فما ذكرناه في قسم الإطلاق ثم إذا كانت الصيغة مقصودة للمطلق فنفرض في قسم التقييد معها قرائن زائدة على ما ذكرناه الآن.
стр. 85
وهي تنقسم إلى قرائن مقال وإلى قرائن أحوال.
أما الأحوال فلا سبيل إلى ضبطها تجنيسا وتخصيصا ولكنها إذا ثبتت لاح للعاقل في حكم طرد العرف أمور ضرورية.
وبيان ذلك أن الذي يدخل تحت الوصف من حال الخجل إطراق واحمرار إلى غير ذلك ولا يمكن التعويل على هذه الصفات [فقد] يحمر ويطرق من ليس بالخجل وكذلك القول فيما ضاهى ذلك.
ولا يمكن أن يدعى أن العلوم الضرورية عند قرائن الأحوال تحصل غير [مرتبطة] بها ولكن منها أحوال يعسر إدراجها تحت الوصف وإنما يدركها العيان ولذلك قال الفقهاء للذي يعاين من الصبي امتصاص الثدي وتحرك اللهاة وجرجرة الغلصمة في التجرع أن يجزم الشهادة على الرضاع ولو شهد بهذه الأحوال فقط لم يقض القاضي بالرضاع فإن ما يدركه الشاهد المشاهد لا يناله وصف.
ومما نذكره في حكم القرائن أن اقتضاءها للعلوم الضرورية وإن أشعر بارتباط قرائن فليست تجري عند المتكلمين مجرى أدلة العقول فإن الأدلة العقلية إذا تمت في الفكر ولم يعقبها مضاد ضروري للعلم بالمدلول فلا بد من وقوع العلم به مع ذكرالمدلول في النفس فلو قلب الله تعالى مجرى العوائد لم يمنع قيام قرائن الأحوال من غير علم نعتاده الآن فهي من وجه متعلقة بالعلم ومن وجه ليست مقتضية له لأعيانها اقتضاء واجبا بل هي جارية على عوائد مطردة.
فهذا المقدار لم نجد بدا من التنصيص عليه في قرائن الأحوال ثم إذا لم نطمع في تجنيسها فلا نتشعب في تفاصيلها مسائل وأما قيود المقال بألفاظ لغوية فيفهمها من يعرف العربية وإذا تمهد ما ذكرناه فنرسم بعده مسائل تترى إن شاء الله .
مسألة:
١٧٢- ما ثبت فيه الحظر ثم ورد فيه صيغة الأمر فهل يكون الحظر السابق قرينة في صرف الصيغة عن قضية الإيجاب على رأى من يراه اضطرب الأصوليون فيه فذهب بعضهم إلى أن الصيغة المطلقة فيما تقدم الحظر فيه محمولة على رفع الحظر والحرج.
وقال القاضي ﵀ لو كنت من القائلين بالصيغة لقطعت بأن الصيغة.
стр. 86
المطلقة بعد الحظر مجرأة على الوجوب.
وقال قائلون: إن ورد الحظر مؤقتا وكان منتهاه صيغة في الاقتضاء فهي الإباحة والغرض من مساق الكلام مد الحظر إلى غاية وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ١.
وأما القاضي ﵀ فقد تمسك بأن الصيغة [المطلقة] قائمة والحكم الماضي ليس مقترنا بها فليس الحظر فيما سبق قرينة حالية وليس من القيود المقالية فلزم اجراء الصيغة على حكم الوضع في اللسان.
وقد ذكر القاضي ﵀ في بعض تصانيفه مسلكا لطيفا في كتاب "التأويلات" فقال: الصيغة لو لم يسبقها حظر فيسوغ حملها على الإباحة ولكن علىالحامل أن يأتي بدليل يعضد التأويل به بحيث يترقى مجرد الظن عن إشعار الصيغة بالوجوب وإذا تقدم حظر فالأمر في ذلك أخف وسيأتي ذلك مقررا وليس لمن يدعى أن الصيغة على الإباحة متعلق به احتفال.
١٧٣- والرأي الحق عندي الوقف في هذه الصيغة فلا يمكن القضاء على مطلقها وقد [تقدم الحظر لا بالإيجاب ولا بالإباحة] فلئن كانت الصيغة في الإطلاق موضوعة للاقتضاء فهي مع الحظر المتقدم مشكلة فيتعين الوقوف إلى البيان.
١٧٤- وذكر ذكر الأستاذ أبو إسحاق ﵁ أن صيغة النهي بعد تقدم الوجوب محمولة على الحظر والوجوب السابق لا ينتهض قرينة في حمل النهي على رفع الوجوب وادعى الوفاق في ذلك.
وليست أرى ذلك مسلما أما أنا فساحب ذيل الوقف عليه كما قدمته في صيغة الأمر بعد الحظر وما أرى المخالفين الحاملين للصيغة على الإباحة يسلمون ذلك.
مسألة:
١٧٥- الصيغة إذا تضمنت فعلا مؤقتا فإذا انقضى الوقت فات الامتثال.
١٧٦- والرأي الحق أن تلك الصيغة لا تتضمن إيقاع المأمور به تداركا وقضاء بعد الوقت فلئن ثبت قضاء فبأمر مجدد.
стр. 87
١٧٧- وذهب بعض الفقهاء إلى أن القضاء يجب بالأمر الأول والدليل على بطلان ذلك أن القاضي ليس ممتثلا فإن الممتثل هو الموافق لمقتضى الصيغة وإذا لم يكن القضاء امتثالا لم يكن الأمر اقتضاء له.
والذي يحقق ذلك أن الفعل يقيد بالزمان ويقيد بالصفات ثم الواقع على خلاف الصفات ليس من مقتضيات الصيغة فالواقع وراء الأوقات كذلك ولا حاجة إلى ضرب الأمثال في ذلك مع القطع بأن الأمر المؤقت مقتضاه محصور في الزمان ومن ضرورة الحصر النفي عن طرفي الحاصر فإذا انقضى الوقت فليس إلا الحكم بفوات المستدعى وليس تقدير إيقاع الفعل بعد الزمان إلا كتقدير إيقاعه قبل الزمان.
وذكر الأستاذ أبو إسحاق ﵀ مسلكا لا نرضاه فشبه الأمر المؤقت بالإجارة المعينة زمانا في استيفاء المنافع فإن المدة المضروبة إذا مضت في يد [المكرى] فقد فات مقصود العقد وليس للمستأجر أن يستبدل عنها مدة مثلها فأمر الله : عباده صرف لأفعالهم في جهات التكليف على حكم الاستحقاق فإذا مضى الوقت كان مضيه كمضي مدة الإجارة فهذا الذي ذكره من فن القياس في مقتضى الألفاظ ثم هو اعتبر الأصل بمسألة فرعية وفيما قدمناه مقنع.
وأما من قال: إن القضاء يجب بالأمر الأول فإنه سلك مسلكين أحدهما تشوف إلى حكم اللسان والمفهوم مما يطلق في مثل وذلك أنهم قالوا القضاء والاستدراك أمر مألوف معروف فلو كان لا يستفاد من اللفظ لما عقل معنى القضاء قلنا لا حاصل لهذا الكلام فإن الذي يقضي لا يمكن أن يحكم على الامر بأنك عنيت بلفظك ما أتيت به وإذا لم يمكنه ذلك فلا معنى للقضاء تلقيا من الأمر المطلق.
وأما تسمية الاستدراك [قضاء] عند فرض أمر مجدد فمن جهة مضاهاة الواقع آخرا لما استدعى أولا.
والمسلك الثاني: مقتضاه التعلق بقواعد الشريعة في ثبوت قضاء المؤقتات وهذا ساقط فإن الأمر لا يطرد فيه بل هو على الانقسام فلا تعلق بذلك ثم إن ثبت ذلك في الشرع فلتقدير أمر مجدد ولا يستمر الاستمساك بالشرع ما لم يتضح انتفاء أمر جديد مع اطراد القضاء ولا سبيل إلى إثبات ذلك.
стр. 88
مسألة:
١٧٨- الأمر بالشيء من أشياء إذا كان محمولا على الوجوب يقتضي وجوب شيء واحد منها.
ونقل أصحاب المقالات عن أبي هاشم أنه قال الأشياء كلها واجبة والمسألة تمثل بالخلال المذكورة في كفارة اليمين وهذه المسألة أراها عرية عن التحصيل فإن النقل إن صح عنه فليس آيلا في التحقيق إلى خلاف معنوي وقصاراه نسبة الخصم إلى الخلل في العبارة فإن أبا هاشم اعترف بأن تارك الخلال لا يأثم إثم من ترك واجبات ومن أقامها جميعا لم يثبت له ثواب واجبات ويقع الامتثال بواحدة فلا يبقى مع هذا لوصف الخصال بالوجوب تحصيل.
وتأويل هذا اللفظ عند البهشمية أنه ما من خصلة من الخصال التي وقع [التخيير] فيها إلا وهي لو فرضت واقعة لكانت واجبة.
وهذا مغزى المسألة ثم طولها المتكلمون فألزموه ما سلمه فيما قدمنا ذكره وألزموه الأمر بإعتاق عبد من عبيد الدنيا فإن ذلك لا يتضمن وجوب إعتاق عبيد جميع العالم ولو صح الخلاف فلا حاجة في إيضاح سقوط مذهب الخصم إلى ضرب الأمثال فإنا على قطع نعلم أن من قال لمخاطبه افعل شيئا من هذه الأشياء الثلاثة فليس يطالبه بالأشياء الثلاثة وإنما يطالبه بواحد منها ويفوض الخيرة في التعيين إليه.
١٧٩- وذكر بعض الناس لأبي هاشم كلاما لا يليق بحذقه وكيسه وهو متقول عليه فيه وذلك [أنه قيل: لو لم يقض] بوجوب الأشياء كلها لأدى ذلك إلى التباس الواجب على المكلف مع استمرار التكليف والطلب وهذا غير سائغ.
فنقول: لا يخفى سقوط هذا الكلام على المتأمل فإن من المستحيل إثبات واجب لا يتوصل المكلف إلى تعيينه لو حاول ذلك فيدوم الطلب ويعسر الامتثال ويلتحق ذلك بتكليف المحال فأما إيجاب شيء من أشياء مع تخيير المكلف في تعيين ما يشاء فلا عسر فيه.
وقد نجز ما أردنا إلحاقه بقسم التقييد ونحن نذكر الآن مسائل مرسلة في الأوامر معدودة من الطوام الكبار متلفتة إلى فن الكلام ونوضح قرب مأخذها وسهولة مدركها مستعينين بالله وحده إن شاء الله تعالى.
стр. 89
فصل: مسائل متفرقة حول الأوامر .
مسألة:
١٨٠- اشتهر من مذهب شيخنا أبي الحسن١ علي بن إسماعيل الأشعري ﵁ مصيره إلى أن المعدوم الذي وقع في العلم وجوده واستجماعه شرائط التكليف فهو مأمور معدوما بالأمر الأزلي وقد تمادى المشغبون عليه وانتهى الأمر إلى انكفاف طائفة من الأصحاب عن هذا المذهب وقد سبق القلانسي٢ ﵀ من قدماء الأصحاب إلى هذا وقال كلام الباري تعالى في الأزل لا يتصف بكونه أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا وإنما يثبت له هذه الصفات فيما لا يزال عند وجود المخاطبين كما يتصف الباري بحانه وتعالى بكونه خالقا رازقا فيما لا يزال.
والوجه مكالمة القلانسي أولا وإيضاح الرد عليه فإن مسلم للشيخ أبي الحسن ﵀ أن الكلام القديم هو القائم بالنفس وهو على حقيقته وخاصيته وإذا كان كذلك فكون الكلام أمرا نهيا من حقيقته النفسية وصفته الذاتية والحقائق يستحيل تجديدها وليس لله تعالى من كونه خالقا رازقا حكم راجع.
إلى ذاته وإنما المعنى بكونه خالقا وقوع الخلق بقدرته ونقول لأبي العباس أيضا قد أثبت كلاما خارجا عن كونه أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا إلى استتمام أقسام الكلام وذلك مستحيل قطعا فلئن جاز ذلك فما المانع من المصير إلى أن الصفة الأزلية ليست كلاما أزلا ثم يستجد كونه كلاما فيما لا يزال فقد لاح سقوط مذهبه.
١٨١- ثم ذكر الأئمة ﵏ في محاولة إثبات كون المعدوم مأمورا مسلكين لا أرضاهما ولكني أطردهما فأذكر الاعتراض عليهما ثم أشمر للبحث عن مسلك الحق فمما ذكروه في ذلك أن الرسول ﷺ في حكم من يبتدىء أمرا ثم انقلابه إلى رحمة الله تعالى ورضوانه لا يوجب سقوط أوامره عن المكلفين فهو في حكم معدوم امر فإذا لم يمتنع ذلك لم يمتنع أمر لمعدوم.
وهذا فن ركيك فإن الفرق على اختلاف المذهب متفقون على أن المعدوم يستحيل أن يكون آمرا فكيف يسوغ الاستشهاد بممتنع وفاقا؟ ثم الرسول ﷺ ليس مستقلا بأمره وإنما هو مبلغ أمر الله تعالى فإذا التبليغ لم يؤثر موت المبلغ ﷺ ومن له الأمر حقا لم يزل ولا يزال : فهذا أحد المسلكين.
стр. 90
١٨٢- والمسلك الثاني للأصحاب: أن المعدوم يجوز أن يكون مأمورا به فلا يمتنع أن يكون مأمورا وهذا عرى عن التحصيل فإن المعنى بكون المعدوم مأمورا به أن المخاطب اقتضى منه أن يوقع ما ليس واقعا وهذا لامتناع فيه بل هو مقصود الآمر فأما تقدير تعليق الأمر بالمعدوم وتوجيه الطلبة عليه فلا يضاهي ما تمسك به هذا القائل من تقدير كون المأمور به غير محصل عند توجيه الطلب به فقد سقط المسلكان.
١٨٣- فإن قيل: فما الذي ترونه؟ قلنا: نذكر طريقة للشيخ على أقصى الإمكان ثم ننبه على غائلة هائلة ونحيل التقصي عنها على فن الكلام.
فالذي ذكر الشيخ ﵀ أنه لا يمتنع قيام الأمر منا بالنفس مع غيبة المأمور فإن المزمع على أمر غائب يجد في نفسه الأمر على حقيقته وجدان العلم والإرادة وسائر معاني النفس ثم إذا شهد المأمور ارتبط [به الأمر] عند بلوغه إياه وإذا لم يمتنع ذلك في كلامنا فهو المعنى بثبوت الأمر أزلا.
١٨٤- ثم قال شيخنا ﵀: المعدوم مأمور على تقدير الوجود وليس هو على حكم المأمورين ناجزا والعدم مستمر وغرض المسألة إثبات الأمر أزلا من غير مأمور ولا محاولة إثبات المنتفي مأمورا مع استمرار العدم.
وهذه المسألة إنما رسمت لسؤال المعتزلة إذ قالوا: لو كان الكلام أزليا لكان أمرا ولو كان أمرا لتعلق بالمخاطب في عدمه فإذا بينا أنه لا يمتنع ثبوت الأمر من غير ارتباط بمخاطب فقد اندفع السؤال فال الأمر إلى أن المعدوم مأمور على شرط الوجود وهذا منتهى مذهب الشيخ ﵁.
١٨٥- فأقول: إن ظن ظان أن المعدوم مأمور فقد خرج عن حد المعقول وقول القائل إنه مأمور على تقدير الوجود تلبيس فإنه إذا وجد ليس معدوما ولا شك أن الوجود شرط في كون المأمور مأمورا.
وإذا لاح لك بقي النظر في [أمر بلا مأمور] وهذا معضل الأرب فإن الأمر من الصفات المتعلقة بالنفس وفرض متعلق له محال والذي ذكره في قيام الأمر بنا في غيبة المأمور فهو تمويه ولا أرى ذلك أمرا حاقا وإنما هو فرض تقدير وما أرى الأمر لو كان كيف يكون وإذا حضر المخاطب قام بالنفس الأمر الحاق المتعلق به والكلام الأزلي ليس تقديرا فهذا مما نستخير الله تعالى فيه وإن ساعف الزمان أملينا.
стр. 91
مجموعا من الكلام ما فيه شفاء الغليل إن شاء الله تعالى.
مسألة:
١٨٦- ذهب الأصوليون من أصحاب الشيخ أبي الحسن ﵁ إلى أن الفعل في حال الحدوث مأمور به ونقلوا عن المعتزلة خلافهم في ذلك ومصيرهم إلى أن الحادث لا يتصف بكونه مأمورا به في حال الحدوث وبنى المشايخ هذه المسألة على الإستطاعة وتعلقها بالفعل حالة الحدوث [وزعموا على أن الحادث يتصف بكونه مقدورا عليه في حال الحدوث] وزعموا [أيضا] أنا من حيث نعتقد كون الحادث مقدورا بالقدرة الحادثة متعلقا للاستطاعة نحكم على مقتضى ذلك بكونه مأمورا به إذا ثبت الأمر فيه.
والمعتزلة بنت على أصلها [في] استحالة تعلق الأمر بالحادث من حيث قالوا [الحادث] ليس متعلقا للقدرة كالباقي المستمر الوجود وما لا يكون مقدورا لا يكون مأمورا به.
ومذهب شيخنا ﵀ أن القدرة الحادثة تقارن حدوث المقدور ولا تسبقه وليس امتناع [تقدمها] متلقى من قضايا القدرة فإن القدرة الأزلية متقدمة على الحوادث لا محالة وإنما امتنع تقدم القدرة الحادثة على رأى أبي الحسن ﵀ من جهة اعتقاده استحالة بقائها وهذا مطرد عنده في الأعراض أجمع ولو تقدمت القدرة لعدمت عند حدوث المقدور فلا يكون المقدور متعلقا للقدرة وذلك مستحيل عنده فكان اشتراطه اقتران القدرة الحادثة بالمقدور مأخوذا مما نبهت عليه من أصله.
ومذهب أبي الحسن ﵀ مختبط عندي في هذه المسألة فأما مصيره إلى تعلق القدرة الحادثة بالحادث في حال حدوثه فلست ألتزم الان ذكر مباحثني عنه ولكن أكشف السر في مقصود المسألة وأضمنه رمزا ليستقل به المستفل البصير فيما هو المختار الحق ولتقع البداية أولا بغرض المسألة فأقول:
١٨٧- أولا: لا حاصل لتعلق حكم الأمر بالقدرة على مذهب أبي الحسن ﵀ فإن القاعد في حال قعوده مأمور بالقيام باتفاق أهل الإسلام وقد قدرة له على القيام عند أبي الحسن [في حالة القعود] فكيف يستتب له تلقى حكم تعلق الأمر من تعلق القدرة ومن لا قدرة له أصلا مأمور عنده ثم لو تنزلنا على حكمه في.
стр. 92
المصير إلى أن الحادث مقدور فيستحيل مع ذلك كونه مأمورا به فإن اقتران القدرة بالحادث معناه أنه بها وقع وهي في اقتضائها له نازلة معه منزلة العلة المقترنة بالمعلول الموجبة على رأى من يثبت العلة والمعلول فهذا وجه هذه المسألة إن اتجه.
وإن تفطن ذكى لوجه الحق خطر له في معارضة ذلك أن القدرة لا توجب المقدور لعينها إذ لو أوجبته لاستحال خلو القدرة عن المقدور وذلك يبطل إثبات القدرة الأزلية فإنها غير مقارنة للحوادث ولو فرض اقتران العالم بها لكان أزليا [والأزلي] يستحيل أن يكون مقدورا وفي خروجه عن كونه مقدورا سقوط القدرة فإن القدرة من غير مقدور محال.
ومن أنصف من نفسه علم أن معنى القدرة التمكن من الفعل وهذا إنما [يعقل] قبل الفعل وهو غير متخيل في واقع حادث في حالة الحدوث.
فلو سلم مسلم لأبي الحسن ﵀ ما قاله في القدرة جدلا من تنزيل القدرة مع المقدور منزلة العلة مع المعلول وهيهات أن يكون الأمر كذلك "ولو" كان فلا يتحقق معه كون الحادث مأمورا به فإن الأمر طلب [و] اقتضاء وكيف يتصور أن يطلب كائن ويقتضى حاصل فقد لاح سقوط مذهبه في كل تقدير.
نعم قد يقال في الحادث هذا هو الذي أمر المخاطب به فأما أن ينجزم القول في تعلق الأمر به طلبا واقتضاء مع حصوله فلا يرتضى هذا المذهب لنفسه عاقل.
مسألة.
١٨٨- ذهب أصحابنا إلى أن المخاطب إذا خص بالخطاب ووجه الأمر عليه أو كان مندرجا مع اخر تحت عموم الخطاب وهو في حالة اتصال الخطاب به مستجمع لشرائط المكلفين فهو يعلم كونه مأمورا قطعا.
١٨٩- ونقلوا عن المعتزلة مصيرها إلى أنه لا يعلم ذلك في أول وقت توجه الخطاب عليه ما لم يمض زمان الإمكان ومتعلقهم فيه أنه غير عالم ببقاء الإمكان له إلى وقت انقراض زمان يسمع الفعل المأمور به والإمكان شرط التكليف والجاهل بوقوع الشرط جاهل بالمشروط لا محالة.
١٩٠- وسلك القاضي ﵀ مسلكين: يتضمن أحدهما التشغيب.
стр. 93
المحض وذلك أنه قال أجمع المسلمون قاطبة قبل أن أظهر المعتزلة هذا الرأي [على] أن المكلفين على علم بكونهم مأمورين ومن أبى ذلك والتزم إطلاق القول بأنه ليس على البسيطة من يعلم كونه مأمورا فقد باهت الشريعة وراغم أهل الإجماع.
وهذا الذي ذكره ﵁ تهويل لا تحصيل وراءه فإن إطلاقات الشرع لا تعرض على مأخذ الحقائق وإنما تحمل على حكم العرف والتفاهم الظاهر وهذا كإطلاق الشرع تحريم الخمر وإنما المحرم تناولها وكإطلاق المسلمين إضافة القتل إلى القاتل مع القطع بأن إزهاق الأرواح من الأشباح من مقدورات الإله :.
والمسلك الثاني للقاضي يلتفت إلى أصله في النسخ فإن من مذهبه أن الحكم يثبت قطعا ثم يرفع بعد ثبوته بالنسخ فقال بانيا على ذلك إذا توجه الأمر على المخاطب ثم فرض موته أول زمان إمكانه فقد تحقق حكم الخطاب أولا قطعا فإن انقطع الإمكان انقطع بانقطاعه ما كان ثبت قطعا كما نبهنا عليه في النسخ.
وهذا عندي في نهاية السقوط فإن القاضي يسلم أن الإمكان شرط توجه الأمر ولا يؤمر إلا متمكن فإذا تبين بعد تقرير اتصال الأمر زوال التمكن فكيف يعتقد ثبوت التكليف وقد بان آخر أن لا إمكان ولا وجه إذا بان ذلك إلا الإطلاق بأنا تبينا أن الأمر لم يكن متوجها فلا يتوجه القطع بتوجه أمر تكليف إلا مع القطع بالإمكان أو مع اعتقاد التكليف من غير إمكان وهذه قسمة بديهية لا يتصور مزيد عليها.
١٩١- فقد خرج عن المباحثة أن المختار ما عزى إلى المعتزلة في ذلك.
وأما النسخ فسنأتي فيه بالعجائب والآيات إن شاء الله تعالى.
وقد نجز بنجاز هذه المسألة أحكام الأوامر الكلية ونحن الآن نأخذ في النواهي إن شاء الله تعالى.
стр. 94
باب القول في النواهي
مدخل
...
باب القول في النواهي.
١٩٢- النهي قسم من أقسام الكلام القائم بالنفس وهو في اقتضاء الانكفاف عن المنهى عنه بمثابة الأمر في اقتضاء به والقول في صيغته كالقول في صيغة الأمر.
ثم الواقفية على معتقدهم في الوقف إذا قال القائل لا تفعل والرد عليهم كما سبق.
١٩٣- والمختار الحق: أن الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في الانكفاف عن المنهى عنه كما قدمناه في الأمر إذا قلنا إن الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في المأمور به.
ونحن نرسم الآن ما يخص النهي ومقتضاه إن شاء الله تعالى.
مسألة.
١٩٤- ذهب المحققون إلى أن الصيغة المطلقة في النهي تتضمن فساد المنهى عنه وخالف في ذلك كثير من المعتزلة وبعض أصحاب أبي حنيفة١.
١٩٥- وهذه المسألة لا يظهر مقصودها إلا بتقديم القول في الصلاة في الدار المغصوبة.
فالذي صار إليه جماهير الفقهاء أنها مجزئة صحيحة.
وذهب أبو هاشم٢ وأتباعه إلى أنها فاسدة غير مجزئة والأمر بالصلاة مستمر على من أتى بصورة الصلاة في الدار المغصوبة وعزى هذا المذهب إلى طوائف من سلف الفقهاء وقيل إنه رواية عن مالك بن أنس ﵁.
وأما القاضي أبو بكر ﵁ فإنه قال: ليست الصلاة المقامة في الدار المغصوبة طاعة ولكن الأمر بالصلاة يرتفع وينقطع بها.
ونحن نبدأ بذكر متعلق ابن الجبائي ونذكر اختباط الناس في محاولة الانفصال عنه ثم نوضح المرتضى عندنا مستعينين بالله تعالى.
١٩٦- قال أبو هاشم الصلاة فيها أكوان فإذا وقعت في الدار المغصوبة فهي معصية إذ الكون في البقعة المغصوبة محرم منهي عنه والأكوان التي تقع في الصلاة مأمور بها ويستحيل وقوع الشيء الواحد مأمورا به منهيا عنه فلا شك أنه لا يتعدد.
стр. 95
الكون بفرض الصلاة حتى يقدر كونان أحدهما من الصلاة وهو مأمور به والثاني غصب وهذا باطل لا مراء فيه ولو هذى هاذ بتقدير كونين فالذي يعد من الصلاة [منهما] واقع في البقعة المغصوبة فيجب القضاء بكونه غصبا منهيا عنه وإذا تبين كونه منهيا عنه [واستحال وقوع المنهى عنه] مأمورا به فيبقى الأمر على المخاطب به إلى أن يرتسمه وقد تكلم المعترضون على ما ذكر من وجوه نشير إلى عيونها ونوضح بطلانها ثم نعقبها بما نراه ونرضاه.
١٩٧- فمن وجوه كلامهم معارضته بمسائل مع تقدير تسليمه لها وهو لا يسلم شيئا منها فقيل له: من تعين عليه قضاء دين والطلب به متوجه عليه وهو متمكن من الأداء فيحرم بالصلاة فإنها تصح وإن كان مكثه في مكانه تركا لحركاته الواجبة عليه في جهة السعي في أداء الدين.
وأبو هاشم لا يسلم ذلك ولا أمثاله وليس هو ممن تزعه التهاويل.
١٩٨- ومما ألزمه القاضي ﵁ من هذا الفن أنه قال: المصلى في حال غفلاته ليس قائما بحقيقة العبادة وما يجري من أركان الصلاة في استمرار الغفلة معتد به وإن كان المأمور به عبادة وهذا وإن كان أوقع مما ذكره غيره فلست أراه لازما أصلا فإن الأمة مجمعة على أنه لا يجب إيقاع أركان الصلاة على حقائق العبادات وإنما تكفى النية المقترنة بالعقد وينسحب حكمها وإن عزبت في نفسها [على] الصلاة وهذا بعينه جار في الإيمان فلا يجب على المرء إيقاع المعرفة على حقائق العبادات إذ ما وجبت المعرفة إلا مرة واحدة ثم يستمر حكمها ما لم يطرأ ضد خاص للمعرفة فإذا لم يقع الأمر بإيقاع الأركان على حقيقة العبادة.
١٩٩- وإنما غائلة كلام أبي هاشم في إثباته كون الصلاة معصية والمعصية لا تقع مأمورا بها على جهة حقيقة العبادة ولا على جهة أخرى فإن الأمر بالشيء والنهي عنه يتناقضان ولا بعد في الاكتفاء بصور الأفعال وإن لم يقترن بها حضور الذهن وشهود النية.
٢٠٠- فإن قال قائل: أجمع المسلمون على تسمية الصلاة عبادة بجملتها قلنا نعم هذا من الإطلاقات المتجوز بها ومعظم ما يطلق من أمثالها يغلب التجوز عليه وقد سبق منا في مواضع أن الحقائق ليست معروضة على أطلاقات الشرع وليست هي محمولة على حكم الحقائق فهذا فن من كلام المعترضين.
стр. 96
٢٠١- فأما القاضي ﵁ فقد سلك مسلكا آخر فقال أسلم أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تقع مأمورا بها ولكن يسقط التكليف بالصلاة عندها كما يسقط التكليف بأعذار تطرأ كالجنون وغيره.
وهذا حائد عندي عن التحصيل غير لائق بمنصب هذا الرجل الخطير فإن الأعذار التي ينقطع الخطاب بها محصورة فالمصير إلى سقوط الأمر عن متمكن من الامتثال ابتداء ودواما بسبب معصية لابسها لا أصل له في الشريعة.
ثم غاية القاضي ﵁ في مسلكه هذا ادعاء الإجماع على سقوط الأمر عمن يقيم الصلاة في البقعة المغصوبة ثم أخذ يطول دعواه في ذلك ويعرضها قائلا لم تأمر أئمة السلف ﵃ الغصاب بإعادة الصلاة التي أقاموها في الأرض المغصوبة والذي ادعاه من الإجماع لا يسلم فقد كان في السلف متعمقون في التقوى يأمرون بالقضاء بدون ما فرضه القاضي ﵀ وتقدير الإجماع مع ظهور خلاف السلف عسر ثم إن صح عنهم ما ذكروه فكما نقل عنهم سقوط الأمر نقل عنهم أن الموقع صلاة مأمور بها فلئن كان يعتصم على الخصم بالإجماع فلا ينبغي أن يجريه في عين ما ينقله ولعل من ادعى الإجماع في أن الصلاة المجزئة ليست معصية أسعد حالا في دعوى الإجماع ممن يدعى وفاق الماضين على أسقاط الأمر بسبب معصية.
٢٠٢- فإذا لاح بطلان هذه الوجوه فقد جاز أن نذكر طريقة التحقيق ونبوح بالسر والغرض فنسلم أن الأكوان التي بنى الخصم الكلام عليها معصية من جهة وقوعها غصبا وندعى وراء ذلك أنه مأمور بها من جهة أخرى وليس ذلك ممتنعا بل هو الحق وقد أجرى الفقهاء هذه الألفاظ ولم يستقلوا بإيضاحها.
ونحن نقول ليس تحيز مكان مخصوص من مقصود الصلاة ولم يثبت ذلك من خصائص شرائط الصلاة والقول في ذلك يلوح بضرب مثال.
فإذا قال القائل لعبده: خط هذا الثوب [أو] لا تقعد اليوم ثم قال له لا تدخل داري هذا اليوم فإذا عصاه وجاوز حكم نهيه وتعداه ودخل داره ولم يزل قائما كما أمره أو خاط الثوب الذي رسم خياطته فلاشك أنه يعد ممتثلا في الخياطة وإن عصاه بدخول الدار فإنه في أمره بالخياطة لم يشترط عليه لزوم بقعة مخصوصة ولذلك يحسن من العبد أن يقول إن عصيتك بدخول الدار لم أعصك.
стр. 97
فيما أمرتني به من إدامة القيام طول النهار ولا يشك ذو عقل أن دوام القيام الذي اتصل الأمر به مرسلا في الدار التي نهى السيد عن دخولها في كونه امتثالا للأمر كالقيام الذي يفرض في غير تلك الدار التي نهاه السيد عنها وذلك يئول إلى اتباع المقصود لكل ذي أمر والفعل وإن اتحد فقد تعدد صوب قصد الامر والناهي فلم يبعد وصفه بكونه مأمورا به من وجه منهيا عنه من وجه.
والذي يكشف الغطاء في ذلك أن الفعل لا يكتسب من كونه متعلقا للأمر والنهى صفة وإنما معني كونه مأمورا به [أنه] المقول فيه افعل ومعنى كونه منهيا عنه تعلق النهي به ثم لا يمتنع فرض قولين أحدهما على الإطلاق ولا تقييد له بحال والثاني على وجه آخر [نعم] النهي عن الشيء مقصودا والأمر به مقصودا ممتنع.
٢٠٣- وما ذكرناه وما لم نذكره نضبطه الآن بأقسام ثلاثة فنقول:
إذا ورد أمر بشيء على وجه فلا يجامعه النهي عنه على ذلك الوجه بل هما يتعاقبان ويتناقضان فهذا قسم.
والقسم الثاني: أن يفرض أمر مطلق يتبين منه أن مقصود الامر تحصيله ثم يفرض نهى عن إيقاع ذلك المأمور السابق على وجه مع التعرض في النهي [للأمر] قصدا إليه فما كان كذلك فالنهي يقتضي إلحاق شرط بالمأمور حتى إذا فرض وقوعه على مراغمة النهي فإنه يقال فيه: إنه ليس امتثالا ويلتحق تقدير الإجزاء فيه مع تجريد القصد إلى النهي بالقسم الأول.
والقسم الثالث: أن يجري الأمر مطلقا ويتبين أن الغرض إيقاع المأمور به من غير تخصيص بحال ومكان ثم يرد نهى مطلق عن كون في مكان من غير تخصيص له بموجب الأمر الأول فيقع النهي مسترسلا لا تعلق له بمقصود [الأمر ويبقى الأمر مسترسلا لا تعلق له بمقصود] النهي فإذا انقطع ارتباط أحدهما بالآخر ووقع الفعل على حسب الأمر مخالفا للنهي قيل فيه إنه وقع مقصودا للأمر المطلق منهيا عنه بالنهي المؤخر فلا يمتنع والحالة هذه اجتماع الحكمين وينزل هذا منزلة [تعدد] الامر والناهي وهذا في غاية الوضوح.
فإذا انساق ما ذكرناه انعطفنا علة القول في الصلاة في الدار المغصوبة وقلنا: لم يثبت النهي عن الكون في الدار المغصوبة في وضع الشرع متعلقا بمقصود الصلاة فاسترسل النهي منقطعا عن اغراض الصلاة وبقيت الصلاة على حكمها فإن صح نهى مقصود عن الصلاة في الدار المغصوبة فلا.
стр. 98
تصح كما لا [تصح] صلاة المحدث لما صح نهيه عن الصلاة مع الحدث فهذا تمام المقصود في المقدمة الموعودة.
٢٠٤- ونحن الآن نرجع مآل الكلام إلى القول [في أن النهي هل يدل] على الفساد.
أما من صار من المعتزلة والفقهاء إلى أن صيغة النهى لا تدل على الفساد فمتعلقهم إجزاء الصلاة في الدار المغصوبة وفيما قدمناه الآن مقنع في درء هذا الكلام.
فنقول ما صح النهي عنه مقصودا في غرض [النهي] فهم لا يخلون فيه إما أن يقولوا النهي لا يقتضي التحريم أو يسلموا اقتضاءه له فإن زعموا أنه لا يقتضيه أثبتنا ذلك عليهم بما أثبتنا به اقتضاء صيغة الأمر الطلب الجازم على أن النهي لو تقيد بالتحريم فهو عند هؤلاء لا يتضمن الفساد ومنع الإجزاء فلا معنى لربط الأمر بالمنع والتسليم في ذلك فإذا تبين أن المنهى عنه محرم في مقصود الآمر فيستحيل أن يكون موافقا [للأمر] والمعنى بالفاسد ما يقع حائدا عن موجب الامتثال على ما سنذكر حد الصحيح والفاسد فإذا النهي الخاص المختص بغرض الآمر يتضمن فساد المنهى عنه واستمرار الأمر بعده.
والصلاة في الدار المغصوبة قد تقرر أمرها ووضح انفصال مسألتنا عنها وفي هذا بلاغ كامل.
مسألة:
٢٠٥- مما يتعلق بالمناهي الرد على الكعبي في مصيره إلى أنه لا مباح في الشريعة وبني ذلك على أن كل فعل يشار إليه فهو في عينه ترك لمحظور وترك المحظور واجب فلا شيء على هذا إلا ويقع واجبا من جهة وقوعه تركا لمحظور وإن قيل تارك الزنا بالقعود كتاركه بالقيام فليس يمتنع فرض واجب غير معين من أشياء وتعيينه إلى خيرة المخاطب.
وسبيل مكالمته ينبني على ما تنجز الفراغ منه الآن وقد مضى في الأوامر إذ تكلمنا في أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن أضداد المأمور به بما يكشف المقصود في ذلك.
стр. 99
وحاصل القول في هذه المسالك رد الأمر إلى القصد والغرض من النهي عن الزنا ألا يكون الزنا لا أن يكون ضد من أضداده فالمباحات مقصودة منتحاه بقصد الإباحة وليست مقصودة بالإيجاب وما عندنا أن الكعبي ينكر ذلك ونحن لا ننكر أن المباحات تقع ذرائع إلى الانكفاف عن المحظورات.
والذي يوضح ما نحاول: أن الزنا محظور لنفسه وهو ترك للقتل فليكن محظورا من حيث إنه زنا واجبا من حيث إنه ترك للقتل ومن لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة ثم إنكار الإباحة هجوم عظيم على الإجماع فإن الكعبي ورهطه مسبوقون بإجماع الأمة على الإباحة ووجهه ما ذكرناه آنفا.
مسألة:
٢٠٦- المكروه لا يدخل تحت الأمر المطلق عند المحققين وإن لم يكن محرما وسيأتي الكلام على معنى نهى الكراهية.
وذهب ذاهبون من الفقهاء [إلى] أنه داخل تحت الأمر والدليل على ما ارتضاه المحققون أن الأمر طلب واقتضاء والمكروه ليس مطلوبا ولا مقتضى فكيف يقع امتثالا للاقتضاء؟ مع تحقيق المنع عنه فضلا عن الاقتضاء والمباح لا يقع مأمورا به لأن من حقيقته التخير فيه فإذا لم يدخل المباح تحت الأمر فكيف يندرج تحت [قضيته] المزجور عنه؟
وهذه المسألة مثلها الأئمة بالترتيب في الوضوء وقالوا الأمر بالوضوء عند القيام جازم محمول على الإيجاب والاقتضاء البات والوضوء المنكس عند من لا يرى الترتيب مستحقا مكروه فلا يدخل تحت مقتضى الأمر فيبقى الأمر متوجها إلى وقوع امتثال مقتضى مطلوب.
هذا منتهى كلام الأصحاب في ذلك.
٢٠٧- والذي أراه أن ما ذكروه إن لم يصدر عن رأى مخمر فلا حاصل له وإن صدر هذا القول عن ذي بصيرة فهو تلبيس ووجه الكشف فيه أنا لا ننكر وقوع الشيء مجزيا مسقطا فرض الامتثال المحتوم وإن كان وقوعه على حكم الكراهية ومن [تتبع] قواعد الشريعة ألفى من ذلك أمثلة تفوق الحصر فلا يمتنع إذا.
стр. 100
اجتماع الإجزاء مع الحكم بالكراهية.
وإن ادعى من يرى الترتيب واجبا أن المكروه ليس بامتثال وملابسه ليس ممتثلا فنتيجة كلامه أن الأمر الجازم باق بعد الوضوء المنكس وإذا كان كذلك فالترتيب بحكم الخطاب والإيجاب مستحق.
فإذا استثمر اللبيب هذا الكلام كان مغزاه إثبات وجوب الشيء من حيث ثبت على مذهب الخصم كراهيته وهذا من فن العبث وكيف يطمع المحصل في إفضاء هذا الكلام إلى التحقيق مع اعترافه بأن المكروه لا يمتنع أن يقع امتثالا.
فإذا بلغت المباحثة منتهاها فالوجه عندي في هذه المسألة ردها إلى مأخذ الكلام في الصلاة في الدار المغصوبة فليفرض الأمر مطلقا عاما شاملا للمنكس والمرتب وإن لم يظهر في الآية ما يشعر بالترتيب لم يحمل نهي الكراهية عند القائل به على كراهة لا [تتعرض] لمقصود الأمر وإنما [تتلقى] من مأخذ آخر وقد تقرر هذا الفن مرددا في مسائل.
ثم الذي حمل من لا يشترط الترتيب على تسليم الكراهية وقوع الوضوء على خلاف ما عرف وألف من عادة السلف الصالح ﵃ أو وقوعه على وجه يخالف في صحته طوائف من حملة الشريعة من غير عذر ولا عسر في ارتياد الموافقة.
مسألة:
٢٠٨- من توسط أرضا مغصوبة على علم فهو متعد مأمور بالخروج عن الأرض المغصوبة ثم الذي ذهب إليه أئمتنا أجمعون أنه إذا استفتح الخروج واشتد في أقرب المسالك وأخذ فيه على مبلغ الجهد فليس هو مع التشمير واجتناب التقصير ملابسا عدوانا بل هو منسلك في سبيل الامتثال.
٢٠٩- وقال أبو هاشم هو إلى الانفصال عاص وقد عظم النكر عليه من جهة أن من فيه الكلام ليس يألو جهدا في الامتثال فإذا كانت حركاته امتثالا استحال أن تكون محتسبة عليه عدوانا.
وهذا المسلك ناء عن طريق القول في الصلاة في الدار المغصوبة فإن العدوان في تلك المسألة غير مختص بالصلاة وحكمها فانفصل غرض الصلاة عن مقتضى النهي عن الغصب كما سبق مقررا والأمر بالخروج فيما نحن فيه مدفوعون إليه مماس.
стр. 101
للعدوان على حكم المضادة فكان الحكم للخارج بملابسة الامتثال في جهة ترك العدوان مناقضا لاستصحاب حكم العدوان عليه وهذا يلزم أبا هاشم جدا من حيث إنه جعل أكوان الغاصب خارجة عن وقوعها طاعة في جهة الصلاة ورأى تقرير ذلك مناقضا فكيف يحكم على الخارج بالامتثال مع استمرار حكم العدوان عليه.
٢١٠- والذي هو الحق عندي أن القول في ذلك معروض على مسألة من أحكام المظالم وهو أن من غصب مالا وغاب به ثم ندم على ما تقدم وثاب واسترجع وآب وأتى بتوبته على شرطها فالذي ذهب إليه المحصلون أن سقوط ما يتعلق بحق الله تعالى يتنجز إما مقطوعا به على رأى وإما مظنونا على رأى وأما ما يتعلق بمظلمة الآدميين فالتوبة لا تبرئ منه ولست أعني به الغرم وإنما أعني به الطلبة الحاقة في [القيامة] .
فأما المغارم فقد ثبتت من غير انتساب إلى المآثم كالذي يجب على الطفل بسبب ماجنى وأتلف.
والسبب في بقاء المظلمة مع حقيقة الندم وتصميم العزم على استفراغ كنه الوسع في محاولة الخروج عن حق الآدمي أن الذي تورط فيما تندم عليه [الآن هو مضطر إلى الخروج كالمضطر إلى الميتة فيحل له ذلك كالميتة] ولا ينجيه الندم ما لم يخرج عما خاض فيه.
٢١١- فإذا وضح ذلك انعطفنا على غرض المسألة قائلين من تخطى أرضا مغصوبة نظر فإن اعتمد ذلك متعديا فهو مأمور بالخروج وليس خارجا عن العدوان والمظلمة لأنه كائن في البقعة المغصوبة والمعصية مستمرة وإن كان في حركاته في صوب الخروج متمثلا للأمر وهذا يلتفت إلى مسألة الصلاة في الدار المغصوبة فإنها تقع امتثالا من وجه وعصيانا واعتداء من وجه فكذلك الذاهب إلى صوب الخروج ممتثل من وجه عاص لبقائه من وجه.
فإن قيل: إدامة حكم العصيان عليه يتلقى من ارتكابه نهيا والإمكان معتبر في المنهيات اعتباره في المأمورات فكيف الوجه في إدامة معصيته فيما لا يدخل في وسعه الخلاص منه قلنا تسببه إلى ما تورط فيه آخرا سبب معصيته فليس هو عندنا منهيا عن الكون في هذه الأرض مع بذله المجهود في الخروج منها ولكنه مرتبك في المعصية مع انقطاع تكليف النهي عنه وهذا تمام البيان في ذلك.
стр. 102
٢١٢- ويظهر الغرض منه بمسألة ألقاها أبو هاشم حارت فيها عقول الفقهاء وأنا أذكرها وأوضح ما فيها.
وهي: أن من توسط جمعا من الجرحى وجثم على صدر واحد منهم وعلم أنه لو بقي على ما هو عليه لهلك من تحته ولو انتقل عنه لم يجد موقع قدم إلا بدن آخر وفي انتقاله إهلاك المتنقل إليه فكيف حكم الله تعالى وما الوجه؟
وهذه مسألة لم أتحصل من قول الفقهاء فيها على ثبت والوجه المقطوع به سقوط التكليف عن صاحب الواقعة مع استمرار حكم سخط الله تعالى وغضبه عليه أما وجه سقوط التكليف فلأنه يستحيل تكليفه ما لا يطيقه ووجه استمرار حكم العصيان عليه تسببه إلى ما لا مخلص له منه.
ولو فرض إلقاء رجل رجلا على صدر واحد كما سبق الفرض والتصوير بحيث لا ينسب الواقع إلى اختيار ذلك فلا تكليف عليه ولا عصيان.
ومما أخرجه على ذلك: أن من خالط أهله في نحر السحر قاصدا إيقاع ذلك الوقاع بحيث إذا طلع الفجر اقترن بمطلعه الانكفاف والنزع وهذا القصد عسر التصور مع غموض مدرك أوائل الفجر فإن تصور ثم نزع المواقع مع أول الفجر فالذي أراه أنه يفسد صومه من جهة أنه تسبب إلى وضع المخالطة في مقارنة الفجر وإن كان منكفا وإن خالط أهله ظانا أنه في مهل من بقية الليل ثم طلع الفجر فابتدر النزع فلا يفسد والحالة هذه صومه فهذا منتهى الغرض من المسألة والفقهاء لا يفصلون هذا التفصيل ويحكمون بأن النازع لا يفطر وإن قصد وتعمد كما فرضناه من جهة أنه نازع مع أول الفجر تاركا للعمل وهذا ليس بالمرضى.
مسألة:
٢١٣- السجود بين يدي الصنم مع قصد التقرب به إليه محرم منهي عنه على مذهب علماء الشريعة. ونقل عن أبي هاشم أنه لا يرى تحريم السجود ويقول إنما المحرم القصد وهذا لم أطلع عليه من مصنفات الرجل مع طول بحثي عنها فالذي ذكره من نقل مذهبه أن السجود لا يختلف صفته وإنما المحظور المحرم القصد وهذا يوجب أن لا يقع السجود طاعة من جهة تصور وقوعه مقصودا على وجه التقرب إلى الصنم ومساق ذلك يخرج الأفعال الظاهرة قاطبة عن كونها قربا وهذا خروج عن دين الأمة ثم لا يمتنع أن يكون الفعل مأمورا به مع قصد منهيا عنه مع نقيضه.
стр. 103
مسألة:
٢١٤- إذا اتصلت صيغة "لا" في النفى بجنس من الأجناس فقد اضطرب فيها رأى أصحاب الأصول مثل قوله ﵇:١ "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل", ومذاهبهم يحصرها فنان من الكلام.
أحدهما: أن اللفظة مجملة والثاني أنها ليست بمجملة فأما الصائرون إلى دعوى الإجمال فقد اختلفوا في جهة الإجمال فصار صائرون إلى أنها مجملة من جهة أن اللفظة بظاهرها متضمنة انتفاء الجنس وقوعا ووجودا وليس الأمر كذلك فاقتضى هذا وقفا وإلحاقا للفظة بالمجملات وهذا باطل من وجهين أحدهما أنا على قطع نعلم أن رسول الله ﵇ إذا تعرض لأحكام الشرائع لم يرم إلا بيان الحكم وتأسيس الشرع وتبيين جهات التعبد وهذا مقطوع به ومن ظن غير ذلك فإنما يغالط نفسه فهذا وجه والوجه الثاني أن الصوم لفظ شرعي [عام] في عرف الشرع والذي نفاه الشارع ﷺ الصوم الشرعي لا الإمساك الحسي وينقدح أيضا في الرد على هؤلاء أنا إذا تحققنا وقوع الجنس الذي ذكروه فقد اضطررنا إلى أن الرسول ﷺ لم يرده فإن خبره [لا] يقع على خلاف مخبره فيتبين إذا والحالة هذه استبانة خروج [ذلك] اللفظ عن مسالك الاحتمال ورد معنى اللفظ إلى الحكم.
فإن قال قائل: هذا مشكل في صدق الرواة قلنا المسألة في اللفظ جارية كقوله : ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ٢ وغيره.
وذهب نازلون عن هذه المرتبة إلى صرف دعوى الإجمال إلى تردد اللفظ بين نفي الجواز ونفي الكمال وهذا اختيار القاضي أبي بكر٣ ﵁ وهو مردود عندي فإن اللفظ ظاهر في نفي الجواز خفي جدا في نفي الكمال فإن الذي ليس بكامل صوم والرسول ﵇ تعرض لنفي الصوم.
٢١٥- فمذهبنا المختار: أن اللفظ ظاهر في نفي الجواز مجاز في نفي الكمال على ما سنوضح مراتب التأويلات ومناصبها في كتاب التأويلات إن شاء الله.
стр. 104
٢١٦ - وذهب جمهور الفقهاء إلى أن اللفظة عامة تتناول نفي [الوجود] ونفي الحكم ثم تبين أن الوجود غير مراد فكان ذلك تخصيصا بمسلك الحس وقضية العقل وهذا وإن هذي به الفقهاء ركيك فإن اللفظ إنما يعم مسميين يتصور اجتماعهما وإذا فرض نفي الوجود فكيف يفهم معه نفى في بقاء الحكم؟.
وذهب ذاهبون من الفقهاء إلى أن الوجود غير معنى بالنفي ولكن اللفظ عام في نفي الجواز والكمال وهذا يسقط بالمنهاج المقدم فإن الجواز إذا انتفى لم يعقل معه نفى كمال ومن ضرورة نفي الكمال ثبوت الجواز فقد بطلت دعوى الإجمال في اللفظة ودعوى العموم.
واستبان ظهور اللفظ في نفي الجواز وكونه مؤولا في نفي الكمال.
стр. 105
فصل: في معنى الأحكام الشرعية .
٢١٧- قد اشتمل ما جرى من الأوامر والنواهي على ذكر الوجوب والحظر والندب والكراهية والإباحة ونحن نذكر الآن حقيقة كل حكم من هذه الأحكام في مقتضى الشرع.
فأما الواجب فقد قال قائلون: الواجب الشرعي هو الذي يستحق المكلف العقاب على تركه وهذا بعيد عن مذهب أهل الحق في الثواب والعقاب فإنا لا نرى على الله تعالى استحقاقا والرب تعالى يعذب من يشاء وينعم من يشاء وإن صدر هذا الرسم من المعتزلة فهو يلائم أصلهم ولكنه منقوض عليهم بالصغائر مع اجتناب الكبائر فإن من معتقدهم إنها تقع من فاعلها مكفرة وإن كانت محرمة ويفرض من قبيل المأمورات ما هو كالصغائر من فن المحظورات ثم لا يستحق تارك تلك المأمورات عقابا مع المحافظة على جلة المأمورات وإن كانت واجبا فقد ظهر بطلان هذا الحد.
وقال قائلون: الواجب ما توعد الله تعالى على تركه بالعقاب وهذا القائل ظن أنه لما ترك لفظ الاستحقاق فقد أتى بالحد المرضى وليس الأمر كذلك فكم من تارك واجبا لا يعاقبه الله ولو كان معينا بالوعيد لحل به العقاب إذ لو لم يكن كذلك لكان [عين ذلك] الوعيد خلفا تعالى الله سبحانه [عن ذلك] .
стр. 106
وقال قائلون: الواجب ما يخاف المكلف العقاب على تركه وهذا ساقط أيضا منتقض بما يحسبه المرء واجبا فإنه يخاف العقاب على تركه وقد لا يكون كذلك.
٢١٨- والمرضى في معنى الواجب: أنه الفعل المقتضى من الشارع الذي يلام تاركه شرعا وإنما ذكرنا المقتضى من الشارع فإنه معنى الإيجاب ثم قيدناه باللوم لينفصل عن المندوب إليه ولا مراء في توجه اللوم ناجزا.
فإن قيل: من ترك شيئا لم يعلمه واجبا لا يلام وإن كان واجبا في علم الله تعالى قلنا: هذا مغالطة فلا تكليف على الغافل الناسي عندنا ولا وجوب على من لا يعلم الوجوب فهذا ما أردناه في معنى الواجب.
٢١٩- فأما معنى الندب فالمندوب إليه هو الفعل المقتضى شرعا من غير لوم على تركه.
مسألة:
٢٢٠- اضطرب١ الأصوليون في معنى المكروه وسبب اضطرابهم [أنه] يستتب لهم أن يجعلوا نهى الكراهية في اقتضاء الانكفاف عن المنهى عنه بمثابة أمر الندب في اقتضاء الإقدام وذلك أنهم قالوا: استيعاب معظم الأزمان على حسب الإمكان بالنوافل مستحب غير محتوم وليس ترك ذلك مكروها ولو كان ما ندبنا إلى الانكفاف عنه مكروها للزم أن يقال ترك استيعاب وقت الإمكان [بالنوافل] مكروه فإذا لم [نقل] ذلك وعسر ضبط نهى الكراهية بما ضبط أمر الندب [به] فلذلك اضطرب العلماء بعد اليأس عن هذا المأخذ في معنى المكروه فذهب بعضهم إلى أن المكروه ما اختلف في حظره وهذا مزيف فإن الكراهية ثبتت وفاقا في بعض القضايا مع انعقاد الإجماع على نفي الحظر.
وقال شيخي أبو القاسم٢ الإسكافي:٣ المكروه ما يخاف العقاب على فعله.
стр. 107
وهذه عثرة ظاهرة فإن حاصل ما ذكره يئول إلى أن المكروه ما خيف حظره وهذا بعينه هو الذي ذكرناه قبل هذا ورددنا عليه.
٢٢١- والحق المقطوع به عندي: أن نهى الكراهية في معنى أمر الندب فهو بالإضافة إلى الحظر كالندب بالإضافة إلى الإيجاب ولا يجوز أن يتخيل مرتبة القطع بانتفاء الحظر لاقتضاء الانكفاف إلا هذا والمستريب [في] هذا مضرب عن مدرك الحق.
٢٢٢- فأما ما ذكرته في صدر المسألة وقدرته منشأ اضطراب المذاهب فسبيل الكشف عنه أنه لم يرد نهى مقصود عن ترك النوافل المستغرقة لأوقات الإمكان ولكن الانكفاف عن التروك في حكم الذريعة إلى الإقدام على النوافل وقد ذكرت في سر ما اخترته أن الأمر بالشيء لا يقتضي نهيا عن الضد مقصودا للآمر فنهى الكراهية إذا ما يرد مقصودا.
ثم المنهيات على حكم الكراهية على درجات كما أن المندوبات على رتب متفاوتات فليتأمل الناظر هذا التنبيه ولينظر كيف اختبطت المذاهب على العلماء لذهولهم عن قاعدة القصد وهي سر الأوامر والنواهي.
ثم الكراهية في أصل اللسان ضد الإرادة وليس المراد بها ذلك في هذا الفن بل هي لفظة مصطلح عليها عند الأصوليين فالمراد بها المنهى عنه قولا مرادا كان للرب تعالى أو مكروها.
٢٢٣- فأما المحظور فهو ما زجر الشارع عنه ولام على الإقدام عليه والمكروه ما زجر عنه ولم يلم على الإقدام عليه.
٢٢٤- وأما المباح فهو ما خير الشارع فيه بين الفعل والترك من غير اقتضاء ولا زجر.
стр. 108
فصل: يجمع محامل الصيغ التي يقال فيها صيغ الأمر .
٢٢٥- أما المطلق منها فقد سبق الكلام في محمله وإنما تتعدد المحامل بالقيود ونحن نذكر منها جملا تشارف الاستيعاب إن شاء الله .
стр. 109
فقد ترد الصيغة بمعنى الندب كقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ ١ وترد بمعنى الإرشاد إلى الأحوط كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٢ وهذا وإن كان ندبا فالمقصود منه التنبيه على الأحوط وترد بمعنى الدعاء كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ ٣ والدعاء استدعاؤك ما تحاول ممن هو فوقك وترد بمعنى التهديد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ٤ وترد بمعنى التعجيز كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ٥ وترد إنذارا كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ ٦ وترد بمعنى الإكرام كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ٧ وترد بمعنى الإهانة كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ٨ وإنما حمل هذا على الإهانة وما قبله على الإكرام لأن الآخرة ليست دار طلب ورد بمعنى الإنعام كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ٩ وهذا وإن كان فيه معنى الإباحة فإن الظاهر منه تذكير النعمة وترد بمعنى التسوية كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ ١٠ وترد بمعنى الإباحة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ١١ وترد بمعنى التأديب والتمرين على حسن الأدب كقوله ﵇ لعبد الله بن عباس وكان صغيرا "كل مما يليك" ١٢ وقد ترد بمعنى التمني ومنه قول القائل١٣:
"ألا أيها الليل الطويل ألا انجل"
وترد بمعنى التعجيز كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ ١٤ وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ ١٥ وترد بمعنى التحكيم والتفويض كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ١٦.
ثم صيغ الأمر من جميع ما ذكرناه ما يقتضي الإيجاب وفيما يقتضي الندب خلاف كما تقدم والوجوه الباقية ليست من معاني الأمر.
стр. 110
٢٢٦- وأما صيغة النهي إذا تقيدت فإنها ترد على وجوه على مناقضة الأمر لا يعسر على الباحث طلبها ومطلقها للحظر والمقيد منها يرد على وجوه.
منها التنزية ومنها الوعيد ومنها الدعاء كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ ١ ومنها الإرشاد كقوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ ٢ تسؤكم ومنها بيان العاقبة كقوله تعالى: َ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ ٣ وترد بمعنى التحقير والتقليل كقوله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ﴾ ٤ وترد بمعنى إثبات اليأس كقوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ ٥.