← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7439

البرهان في أصول الفقه

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (568 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فهذا الاعتراض فاسد مثاله: أنا إذا اعتبرنا كون الشيء مقتاتا مستنبتا في تعلق العشر فإنا نسلم هذا الاعتبار عن وجوه الاعتراضات الواقعة فقال المعترض بعد: هلا اعتبرتم [ذلك] في تحريم ربا الفضل فإذا أبطلتموه في الربا فأبطلوه في الزكاة. فنقول: هذا لا وجه له فإن من طرد علة في حكم فلا يلتزم إلا كونها مشعرة به إن كانت معنوية مع السلامة عن الوجوه المبطلة ولا سبيل إلى تكليف المعلل طرد علته في جميع الأحكام فإن زعم المعترض أن تحريم الربا في معنى الزكاة كان مدعيا مطالبا بإثبات ما يدعيه. هذا حكم الجدل في المسلك الحق وليس من المدافعات ولكن الناظر البالغ مبلغ الاجتهاد إذا كان يبغي مدرك مأخذ الكلام فحق عليه أن يعرف انفصال كل باب عما عداه في سبيله وليس كل ما يلتزمه المجتهد في نفسه يلزمه البوح به في النظر. مسألة: ١١٠٥- ومن الاعتراضات الفاسدة: التعرض للفرق بين الأصل والفراغ بما هو نتيجة [افتراقهما] في الاجتماع والخلاف. ومثاله: إذا قاس القايس النبيذ المشتد على الخمر فقال المعترض: مستحل الخمر كافر ومستحل النبيذ لا يفسق وهذا يرجع حاصله إلى أن تحريم الخمر متفق عليه ثابت من جهة الشرع قطعا ومنكر ذلك جاحد للشرع وتحريم النبيذ مختلف فيه. ومن هذا الجنس قول أصحابنا في طلب الفرق بين المدبرة والمستولدة: إن القضاء ببيع المستولدة منقوض بخلاف المدبرة وهذا باطل لصدره عن افتراق الأصل والفرع في ظهور الحكم في الأصل وكونه مجتهدا فيه في الفرع. مسألة: ١١٠٦- ومن الاعتراضات الفاسدة: قول القائل: الحكم يثبت في الأصل متأخرا والمعلول لا يسبق العلة فإذا قسنا الوضوء في الافتقار إلى النية على التيمم قالوا: ثبوت التيمم متأخر عن الوضوء.

стр. 457

والجواب عن ذلك لائح ولا يليق بهذا المجموع ذكر أمثال ذلك إلا رمزا فنقول: إذا ثبت اشتراط النية في التيمم فاعتبار الوضوء به في الحال متجه وسؤال المعترض مباحثة عن أمر منقض وحقه ألا يتعرض لما مضى فإن الناظر في تأخر النزاع قد لا يشك في أن النية في الوضوء كانت عند مثبتيها مدلولة بدلالة أخرى قبل ثبوت التيمم فإذا ثبت التيمم دل عليها والعلامات قد تترتب تقدما وتأخرا وذلك غير مستنكر في دلالات العقول فما الظن بالأمارات؟ ثم لا يمتنع أن يقال: إذا ثبت كون الوضوء في معنى التيمم ثم ثبتت النية في التيمم أرشد ذلك من طريق السبر والاستناد إلى أن النية كانت مرعية في الوضوء فيما سبق وهذا تكلف مستغنى عنه فإن المناظرات لا تدار على الأحكام الماضية ومنتهى هذا السؤال آيل إلى المطالبة بما دل على [النية قبل] ثبوت التيمم وهذا لا يلزم الجواب عنه. [مسألة] : ١١٠٧- ومن الاعتراضات الفاسدة: جعل المعلول علة والعلة معلولا مثاله: إنا إذا قلنا في ظهار الذمي: من صح طلاقه صح ظهار كالمسلم فإذا قال المعترض: جعلتم الظهار معلولا والطلاق علة وأنا أقول في الأصل المقيس عليه [المسلم] : إنما صح طلاقه لأنه صح ظهار فأجعل ما جعلتموه علة معلولا وما جعلتموه معلولا علة فإذا كان لا ينفصل ما ادعيتموه عما ادعيناه ولا يتأتى تميز العلة عن المعلول لم يصح فإن باب العلة ينبغي أن يتميز بحقيقته وخاصيته عن باب المعلول وقد يستشهد هذا السائل بلقب قرع مسامعه من المعقولات ويقول: العلة والمعلول في الشرعيات على مضاهاة العلل في العقليات ثم العلة العقلية متميزة عن المعلول فليكن الأمر كذلك في السمعيات. وهذا عند ذوي التحقيق ركيك من الكلام وإنما يتوجه هذا الفن من الاعتراض على قياس الدلالة كالطلاق والظهار وما أشبهها فإن الغرض أن يدل باب على باب بوجه يغلب على الظن ومن يروم ذلك يتمسك بالمتفق عليه من البابين ويجعله علما ودلالة على المختلف فيه فإن كان هذا المعترض يتشبث برد قياس الدلالة ويجعل ما ذكره عبارة عن هذا المقصود فالوجه إثبات هذا الباب من القياس وقد تقدم ذكر ذلك.

стр. 458

وإن كان يعترف بقياس الدلالة فالذي ذكره جار فيه ثم لا ننكر أن يكون الظهار علما دالا على الطلاق حيث تمس الحاجة إلى ذلك والغرض ألا يختلف البابان إذا غلب على الظن اجتماعهما فقد تبين سقوط الاعتراض. ١١٠٨- وأما مل ذكره من الاستشهاد بالعلة والمعلول في المعقول فما أبعدهم عن ذلك وهو عمدة صناعة الكلام. والذي انتهى إليه اختيارنا بعد استيعاب معظم العمر في المباحثة أن ليس في العقل علة ولا معلول فكون العالم عالما هو العلم فيه بعينه وإنما صار إلى القول بالعلة والمعلوم من أثبت الأحوال وزعم أن كون العالم عالما معلول والعلم علة له وهذا مما لا نرضاه ولا نراه. ثم العلل الشرعية لا تجري مجرى المعقولات فإن الأحكام العقلية تستند إلى صفات الأنفس والذوات والعلل الشرعية مستندها النصب وليست هي مقتضية معلولاتها لأنفسها وإذا كان انتصابها عللا راجعة إلى نصب ناصب إياها أعلاما فلا يمتنع تقدير [حكمين] كل واحد منهما علم على الثاني مشعر بوقوعه عند وقوعه. [مسألة] : ١١٠٩- ومن الاعتراضات الفاسدة: أن يقول القائل: هذا الذي نصبته علما هو صورة المسألة فالعلة حقها أن تكون زائدة على الحكم وهذا لا حاصل له فإن الذي نصبه [الناصب علما] إن أخال وجرى سليما عن المبطلات غير معترض على الأصول فلا معنى لقول القائل أنها صورة المسألة إذ لا علة في عالم الله تعالى إلا وهي كذلك فالوجه إقامة شرائط العلة واطرح هذا الفن من السؤال. وحظ هذا الفن من التحقيق أن من نص على صورة المسألة وميزها بخاص وصفها فلا يتصور أن يجد أصلا متفقا عليه وإن ذكر عبارة تعم صورة المسألة وأصلا متفق عليه فالوجه الذي به العموم هو الجمع ولا تتصور العلل إلا كذلك. فهذا منتهى المراد في هذا وقد نجز بنجازه [الكلام في] الاعتراضات الصحيحة والفاسدة.

стр. 459

القول في المركبات. فصل ١١١٠- وهذا يستدعي تجديد العهد بالطرق التي تثبت بها علل الأصول وقد سبقت فليجدد الناظر عهده بها مما تقدم في هذا المجموع ولا مطمع والمسألة مختلف فيها في علة تكون في الأصل متفقا عليها فإنها لو كانت مجمعا عليها وهي م موجودة في محل النزاع فلا يتصور والحالة هذه الخلاف في الفرع. ومما تمس الحاجة إلى ذكره أن من ذكر في علة الأصل صفة مضمونة إلى أخرى وكانت [إحداهما] تستقل بإثبات الحكم المطلوب في الأصل وهذا النوع من التعليل باطل مثل: أن نقول في النكاح بلا ولي أنثى فلا تزوج نفسها كالصغيرة فكأنه ذكر الأنوثة والصغير في الأصل فهذه مقدمات لا بد من التنبه لها. ١١١١- ثم التركيب يقع في الأصل والوصف. فأما التركيب في الأصل، فمنه البين والفاحش ومنه ما لا يتفاحش. ونحن [نرسم الصور] ونذكر في كل صورة ما يليق بها ثم نذكر قولا جامعا بعد نجاز الصور والأقوال فيها. فمن الصور أن يقول المعلل: أنثى فلا تزوج نفسها كابنة خمس عشرة سنة والخصم يعتقد أنها صغيرة ولو كانت كذلك لكان ما جاء به المعلل قياسا على الصغيرة وقد ذكرنا بطلانه وإن ثبت أنها كبيرة فسيمنع الحكم ويقضي بأنها تزوج نفسها. ١١١٢- والذي ذهب إليه طوائف من الجدليين القول بصحة التركيب وحاصل كلامهم يئول إلى أن الحكم متفق عليه والمعلل يلتزم إثبات الأنوثة علة فإن أثبتها ثبتت العلة وتشعب المذاهب بعد ذلك لا أصل له وإن لم يتمكن المعلل من إثبات ما ذكره في الفرع علة في الأصل فالذي جاء به باطل وإن لم يكن مركبا فإذا لا أثر للتركيب كان أو لم يكن وإنما المتبع إثبات علل الأصول. وهذا باطل عند المحققين فإن المخالف يقول: ظننت ابنة الخمس عشرة صغيرة

стр. 460

ولو كانت كذلك لكان القياس على الصغيرة باطلا كما تقدم إلحاقا بالقياس على ما لو مس وبال وإن ثبت بما يغلب على الظن أن ابنة الخمس عشرة بالغة فلها أن تزوج نفسها ولا يخلو التقدير من هذين فالعلة مرددة بين منع الحكم في الأصل على تقدير وبين سقوط العلة على تقدير. ١١١٣- فإن قيل: أرأيتم لو أثبت المعلل الأنوثة علة. قلنا: ما نراه يقدر على ذلك فإن فرض إمكان ذلك فالعلة لا أصل [لها] ويرجع الكلام إلى الاستدلال المحض كما سنذكره بعد نجاز القول في المركبات فإن قيل: يثبت المعلل أن الأنوثة علة في ابنة الخمس عشرة قلنا: مع اعتقاد صغرها أو مع ثبوت بلوغها فإن ثبت بلوغها فالحكم ممنوع وإن ثبت وإن ثبت صغرها فالصغر مستقل بالمنع. ١١١٤- صورة أخرى: إذا قلنا في تزويج الأب البكر: بكر فيزوجها أبوها مجبرا كبنت الخمس عشرة فهذه الصورة دون الأولى فإنه وإن ثبت صغرها فالقياس على البكر الصغيرة غير ممتنع عند الشافعية إذ مجرد الصغر لا يثبت ولاية الأب فإن الثيب الصغيرة لا يزوجها أبوها عندهم فتصدى في الأصل تقدير منع بأن يقول الخصم: ابنة الخمس عشرة صغيرة فإذا أنكر عليه قال: هذا مظنون فإن ثبت أنها بالغة فلا يجبرها الأب ولا شك أن من يقول بالتركيب يقبل هذا. وهذه الصورة تنفصل عن الأولى فإن الأولى تبطل على تقدير الصغر والبلوغ جميعا [والصورة] الثانية لا تبطل على تقدير الصغر ولكن يتوجه على تقدير الكبر منع من الخصم [ويضطر المعلل] إلى رد القياس إلى الصغيرة بالبكر فيلغو تعيين خمس عشرة.

стр. 461

فصل: التركيب في الوصف . ١١١٥- وأما التركيب في الوصف: فمنه المتفاحش وهو أن يقول الشافعي في قتل المسلم بالذمي: من لا يستوجب القصاص بقتل شخص بالمثقل لا يستوجب بقتله بالسيف كالأب في ابنه.

стр. 462

فهذا يصححه بعض الجدليين بناء على ما تقدم وهو على نهاية الفساد عندنا فإن المثقل على رأي الخصم ليس آلة القصاص فإن ثبت أنه ليس آلة القصاص كان القصاص باطلا [آيلا] إلى أن من لا يستوجب القصاص بقتل شخص خطأ لا يستوجب بقتله عمدا وإن ثبت أنه آلة القصاص منع الخصم الحكم فالعلة بين منع بطلان. ١١١٦- وقد يجري في الوصف تركيب قريب يضاهي عند المحققين التمسك بمناقضة الخصم وشرط ذلك أن يكون مشعرا بفقه. ومثاله: قولنا في الثمرة التي لم تؤبر أنها تتبع الشجرة في مطلق التسمية ما يستحقه الشفيع من الشجرة يدخل تحت مطلق تسميتها كالأغصان. ووجه الفقه أن الشفعة في وضعها لا تختص بالمنقولات فأشعر أخذ الشفيع الثمرة بكون الثمرة معدودة من إجزاء الشجرة ملتحقة بها. فأما إذا قال الخصم: سبب أخذها قطع ضرار مداخلة المشترى ولذلك أثبت أخذ الثمار المؤبرة [للشفيع] فالوجه أن يقول الحكم المطلوب ثابت والمناسبة كما تريدها ظاهرة ومعناكم ظاهر على السبر فقد جرى هذا فقها وسببه مناقضتكم فليسند التعلق به وما يتعلق تعلقا ظاهرا فإنه يتضمن إلحاق الثمرة بأجزاء الشجرة وهو المقصود الأقصى. والتركيب البعيد لا يناسب غرض المسألة والتعويل فيه على [زلل] الخصم. ١١١٧- مسألة أخرى ليست من محل النزاع بسبيل. [كغلط] يتفق في سن البلوغ فلا تعلق له بتزويج المرأة أو امتناع ذلك عليها فإذا توصل ذو الجدل إلى صورة فيها غلط للخصم عنده في حد البلوغ فإنا نستجيز طالب المعنى [استثارة] غرض النكاح من غلطه [في] سن البلوغ. ١١١٨- وإذا اعتبرنا القصاص [في النفس بالقصاص في الطرف] في صورة نفرضها في قتل المسلم بالذمي وذلك إذا فرضنا في المسلم والذمية ثم اعتبرنا النفس بالطرف كان الاعتبار واقعا مناسبا لغرض [المسألة] إما من جهة [تشبيه] أو من جهة إشارة إلى معنى فقه فإذا ذهبوا يخبطون في الأطراف كان ذلك من مناقضاتهم وسوء نظرهم وعلى هذا يجري تدرب النظار في مناقضات الخصوم. فهذا منتهى القول فيما يصح ويبطل من التركيب في الأصل والوصف.

стр. 463

مسألة: في التعدية ١١١٩- ثم ضري أهل الزمان بفن من الكلام يسمونه التعدية وهو عرى عن التحصيل ولكن لا سبيل إلى تعرية هذا المجموع عن ذكره والتنبه على فساده فنفرض [من صوره] صورة في التركيب ونرتب عليها صورة التعدية. فإذا قلنا: أنثى لا تزوج نفسها كبنت الخمس عشرة فيقول المعترض المعنى فيها أنها صغيرة وعدى ذلك إلى منع استقلالها بالتصرفات واطراد ولاية الولي عليها. فإذا قال القائل: دعواك الصغر ممنوعة وكذلك فروعها. قال المعدي: كذلك الأنوثة ليست علة وقد ادعيتها علة وعديتها إلى فرعك فادعيت الصغر علة وعديتها إلى فروعي فاستوى القدمان وآل الأمر إلى التزامك إبطال علتي أو ترجيح علتك. وقد ينقدح للمعدي جهتان في التعدية و [ذلك] إذا قال المعلل: بكر فيجبرها أبوها كبنت الخمس عشرة فينقدح للمعدي أن [يقول المعنى فيها أنها صغيرة وعدى ذلك إلى اضطراد الحجر عليها فهذا وجه في التعدية وقد] يقول: المعنى فيها أنها صغيرة واعديها إلى جواز تزويجها مجبرا وإن كانت ثيبا وهذا يطرد للمعدي في الصغيرة الثيب التي يتفق على صغرها. ١١٢٠- ثم تكلم أصحاب التركيب على التعدية من وجوه لست أرى ذكر معظمها. فمنها: أنهم قالوا: معناي مسلم الوجود وهو الأنوثة وإنما أنازع في إثباته علة وهذا يجري في [كل] علة مستثارة في محل الاجتهاد وما ادعيته علة لا أسلم وجوده فإن اشتغلت بإثبات وجوده كنت منتقلا إلى مسألة أخرى ليست من مسألتنا بسبيل والانتقال ممنوع لا سبيل إليه ويستوي فيه السائل والمسئول. فهذا وجه التضييق الذي تخيله المركبون فلو عدى المسئول لم يقبل منه فإن دليل المسئول إنما يقبل في نفس المسألة أو فيما تنبني عليه فإنه إذا احتاج إلى إثبات مسألة لا تعلق لها بمحل النزاع فقد عد متنقلا. ١١٢١- وقد يسلك المركب في إبطال التعدية مسلكا آخر فيقول: لو ثبت معناك

стр. 464

لقلت به ضمنا إلى معناي فإن الحكم لا يمتنع ثبوته بعلتين وهذا قد لا يجري في بعض المركبات فإنا إذا قلنا: بكر فتجبر كما ذكرناه فذكر المعدي الصغر لم يمكنا أن نجعل الصغر علة في الإجبار فإن الثيب الصغيرة لا تجبر عندنا. ١١٢٢- وقال الأستاذ أبو إسحاق وهو من المركبين: سبيل المركب إذا عورض بالتعدية أن يقول: معناي عندكم دعوى غير مثبتة [بما] تثبت به معاني الأصول أم قد يثبت مدلولا فإن لم يقم عليه دليل [فلست] معللا بعد ولا مقيما متمسكا في محل النزاع فابتدارك إلى معارضتي بالتعدية غير متجه وإن اعترفت بكون معناي ثابتا فمعناك الذي ابتدأته ليس مناقضا لمعناي وإنما تقدح المعارضة إذا جرت مناقضة في المقتضى. فهذا مضطرب المركبين والمعدين. وقد بان أصلنا فيما نقبله ونرده في تركيب الأصل والفرع. ١١٢٣- ونحن الآن نجمع المقصود والمدرك الحق في تقسيم فنقول: الأقيسة [الخلية] عن معنى التركيب في الأوصاف والأصول بينة وقد قدمنا تقاسيمها وذكرنا مراتبها. فأما ما يليق بما نحن فيه فينقسم إلى قسمين: أحدهما: يتلقى انتظامه من مذهب الخصم لا تعلق له بمحل النزاع ولا يشعر به ولا يقتضيه بطريق التشبيه وهذا كمصير أبي حنيفة إلى أن بنت الخمس عشرة صغيرة فهذا لا يناسب تزويج المرأة نفسها ولا امتناع ذلك منها وليس منها على معنى ولا تشبيه ومذهبه ذكر التركيب فهو إذا [تعقيد] على الشادين والمبتدئين ومدافعة لهم عن مسلك الرشد وتعميه عليهم. وقد أجمع الناظرون في هذا الباب أن هذا القسم لا يجوز أن يكون مستند الفتوى ولا الحكم وليس هو مناطا لحكم الله تعالى لا معلوما ولا مظنونا فهذا هو المردود فإن الجدل الحسن المأمور به هو الذي [يقرب] من مثار الأحكام [فيرشد] إلى مناطها وهذا القسم هو المردود عندنا. ١١٢٤- وأما التركيب المشعر بفقه كما قدمنا تصويره فينقسم إلى قسمين: منه ما الحكم فيه مع المعنى الفقيه متفق عليه فما كان كذلك فهو مقبول.

стр. 465

مستند للفتوى والحكم ووجوب العمل وهذا كقياسنا القصاص في النفس على القصاص في الطرف في بعض صور الوفاق وإن وقع القصاص في الطرف مركبا عند الخصم كان التركيب منه معدودا من خبطه وتعلق القياس بالإجماع على الحكم والمعنى الفقيه أو وجه لائح في التشبيه فهذا قسم. ١١٢٥- والقسم الثاني من هذا: أن ينفرد الخصم بتسليم الحكم ثم يبتدئ منه تركيبا فهذا لا ينتهض مستند الفتوى والحكم ولكن يجوز التمسك به في المناظرة كما يجوز التمسك بمناقضة الخصم والسبب فيه أن المناقضات لها تعلق بفقه المسألة وفي المباحثة عنها التنبيه على مآخذ الكلام والتدرب في الجدل المفضى إلى مدرك الحق وهذا من فوائد المناظرات. ١١٢٦- فيترتب من مجموع ما ذكرنا مركب مردود حكما ونظرا ومركب معمول به حكما ومن ضرورته أن يكون مقبولا نظرا ومركب مقبول نظرا والغرض منه التدرب في المسلك المطلوب في المناظرات وليس معمولا به في فتوى ولا قضاء. وقد نجز بهذا تمام القول في المركبات بل وفي تقاسم الأقيسة وما يصح وما يفسد من الاعتراضات وطرق الانفصال عنها ونحن الآن نفتتح الكلام في الاستدلال.

стр. 466

الكتاب الرابع: كتاب الاستدلال القول في الاستدلال مدخل ... الكتاب الرابع: كتاب الاستدلال. القول في الاستدلال. ١١٢٧- اختلف العلماء المعتبرون والأئمة الخائضون في الاستدلال وهو: معنى مشعر بالحكم مناسب له فيما يقتضيه الفكر العقلي من غير وجدان أصل متفق عليه والتعليل المنصوب جار فيه. ١١٢٨- فذهب القاضي وطوائف من متكلمي الأصحاب إلى رد الاستدلال وحصر المعنى فيما يستند إلى أصل. ١١٢٩- وأفرط الإمام إمام دار الهجرة مالك بن أنس في القول بالاستدلال فرئي يثبت مصالح بعيدة عن المصالح المألوفة والمعاني المعروفة في الشريعة وجره ذلك إلى استحداث القتل وأخذ المال بمصالح تقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لتلك المصالح مستندا إلى أصول ثم لا وقوف عنده بل الرأي رأيه ما استند نظره وانتقض عن أوضار التهم والأغراض. ١١٣٠- وذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة ﵄ إلى [اعتماد] الاستدلال وإن لم يستند إلى حكم متفق عليه في أصل ولكنه لا يستجيز النأي والبعد والإفراط وإنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبهية بالمصالح المعتبرة وفاقا وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول قارة في الشريعة. ١١٣١- فالمذهب إذا في الاستدلال ثلاثة: أحدها: نفيه والاقتصار على اتباع كل معنى له أصل. والثاني: جواز إتباع وجوه الاستصلاح والاستصواب قربت من موارد النص أو بعدت إذا لم يصد عنها أصل من الأصول الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع.

стр. 467

والمذهب الثالث: هو المعروف من مذهب الشافعي: التمسك بالمعنى وإن لم يستند إلى أصل على شرط قربه من معاني الأصول الثابتة. ١١٣٢- أما القاضي فإنه احتج بأن قال: الكتاب والسنة متلقيان بالقبول والإجماع ملتحق بهما والقياس المستند إلى الإجماع هو الذي يعتمد حكما وأصله متفق عليه. أما الاستدلال فقسم لا يشهد له أصل من الأصول الثلاثة وليس يدل لعينه دلالة أدلة العقول على مدلولاتها فانتفاء الدليل على العمل بالاستدلال دليل انتفاء العمل به. وقال أيضا: المعاني إذا حصرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة في ضبط الشارع وإذا لم يكن يشترط استنادها إلى الأصول لم تنضبط واتسع الأمر ورجع الشرع إلى اتباع وجوه الرأي واقتفاء حكمة الحكماء فيصير ذوو الأحلام بمثابة الأنبياء ولا ينسب ما يرونه إلى ربقة الشريعة وهذا ذريعة في الحقيقة إلى إبطال أبهة الشريعة ومصير إلى أن كلا يفعل ما يراه ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأولون. ١١٣٣- وأما الشافعي فقال: إنا نعلم قطعا أنه لا تخلو واقعه عن حكم الله تعالى معزو إلى شريعة محمد ﷺ على ما سنقرره في كتاب الفتوى. والذي يقع به الاستقلال هاهنا: أن الأئمة السابقين لم يخلوا واقعه [على] كثرة المسائل وازدحام الأقضية والفتاوى عن حكم الله تعالى ولو كان ذلك ممكنا لكانت تقع وذلك مقطوع به أخذا من مقتضى العادة وعلى هذا علمنا بأنهم رضى الله عنهم استرسلوا في بناء الأحكام استرسال واثق [بانبساطها] على الوقائع متصد لإثباتها فيما يعن ويسنح متشوف إلى ما سيقع ولا يخفى على المنصف أنهم [ما] كانوا يفتون فتوى من فتوى من تنقسم الوقائع عنده إلى ما يعرى عن حكم [الله] وإلى ما لا يعرى عنه. فإذا تبين ذلك بنينا عليه المطلوب وقلنا: لو انحصرت مآخذ الأحكام في المنصوصات والمعاني المستثارة منها لما اتسع باب الاجتهاد فإن المنصوصات ومعانيها المعزوة إليها لا تقع من متسع الشريعة غرفة من بحر ولو لم يتمسك الماضون بمعان في.

стр. 468

وقائع لم يعهدوا أمثالها لكان [وقوفهم عن] الحكم يزيد على جريانهم وهذا [إذا] صادف تقريرا لم يبق لمنكري الاستدلال مضطربا. ١١٣٤- ثم عضد الشافعي هذا بأن قال: من سبر أحوال الصحابة ﵃ وهم القدوة والأسوة في النظر لم ير لواحد منهم في مجالس الاشتوار تمهيد أصل واستثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن فإذا ثبت اتساع الاجتهاد واستحال حصر ما اتسع منه في المنصوصات وانضم إليه عدم احتفال علماء الصحابة تطلب الأصول أرشد مجموع ذلك إلى القول بالاستدلال. ١١٣٥- ومما يتمسك به الشافعي ﵁ أن يقول: إذا استندت المعاني إلى الأصول فالتمسك بها جائز وليست الأصول وأحكامها حججا وإنما الحجج في المعنى ثم المعنى لا يدل بنفسه حتى يثبت بطريق [إثباته] وأعيان المعاني ليست منصوصة وهي [المتعلق] فقد خرجت المعاني عن ضبط النصوص وهي متعلق النظر والاجتهاد ولا حجة في انتصابها إلا تمسك الصحابة ﵃ بأمثالها وما كانوا يطلبون الأصول في وجوه الرأي فإن كان الاقتداء بهم فالمعاني كافية وإن كان التعلق بالأصول فهي غير دالة ومعانيها غير منصوصة. ١١٣٦- ومن تتبع كلام الشافعي لم يره متعلقا بأصل ولكنه ينوط الأحكام بالمعاني المرسلة فإن عدمها التفت إلى الأصول [مشبها] كدأبه إذ قال طهارتان فكيف يفترقان؟ ولا بد في التشبيه من الأصل كما سنجري في ذلك فصلا إن شاء الله تعالى. ١١٣٧- وأما ذكره القاضي من المسلك الأول ففي طرد كلام الشافعي ما يدرؤه ولو قيل: لم يصح في النقل عن واحد طرد القياس على ما يعتاده بنو الزمان من تمثيل أصل واستثارة معنى منه وربط فرع به لكان ذلك أقرب مما قال القاضي. ١١٣٨- وأما ما ذكره من خروج الأمر عن الضبط والمصير إلى انحلال ورد الأمر إلى آراء ذوي الأحلام فهذا إنما يلزم مالكا ﵁ ورهطه إن صح ما روى عنه كما [سنقيم] الآن واضح الرأي على أبي عبد الله مالك ﵁ أولا حتى إذا انتجز ضممنا [النشر] وأنهينا النظر وأتينا بمسلك اليقين والحق المبين مستعينين بالله تعالى وهو خير معين.

стр. 469

١١٣٩- فنقول لمالك ﵀: [أتجوز] التعلق بكل رأي فإن أبي لم نجد مرجعا نقر [عنده] إلا التقريب الذي ارتضاه الشافعي ﵁ كما سنصفه وإن لم يذكر ضبطا وصرح: بأن ما لا نص فيه ولا أصل له فهو مردود إلى الرأي المرسل واستصواب ذوي العقول فهذا الآن اقتحام عظيم وخروج عن الضبط ويلزم منه ما ذكره القاضي ﵀. ١١٤٠- وما نزيده الآن قائلين: لو صح التمسك بكل رأي من غير قرب ومداناة لكان العاقل ذو الرأي العالم بوجوه الإيالات إذا راجع المفتين في حادثة فأعلموه أنها ليست منصوصة في كتاب ولا سنة ولا أصل لها يضاهيها لساغ والحالة هذه أن يعمل العاقل بالأصوب عنده والأليق بطرق الاستصلاح. وهذا مركب صعب لا يجترئ عليه متدين ومساقه رد الأمر إلى عقول العقلاء وإحكام الحكماء ونحن على قطع نعلم أن الأمر بخلاف ذلك. ثم وجوه الرأي تختلف بالأصقاع والبقاع والأوقات ولو كان الحكم ما ترشد إليه العقول في طرق الاستصواب ومسالكه تختلف للزم أن تختلف الأحكام [باختلاف] الأسباب التي ذكرناها. ثم عقول العقلاء قد تختلف وتتباين على النقائض والأضداد في المظنونات ولا يلزم مثل ذلك فيما له أصل أو تقريب فإن [شوف] الناظرين إلى الأصول الموجودة فإذا رمقوها واتخذوها معتبرهم لم يتباعد أصلا اختلافهم. ولو ساغ [ما قاله] مالك ﵁ إن صح عنه لاتخذ العقلاء أيام كسرى أنو شروان في العدل والإيالة معتبرهم. وهذا يجر [خبالا لا] استقلال به. ١١٤١- وإن أخذ مالك ﵀ وأتباعه يقربون وجه الرأي من القواعد الثابتة في الشريعة فالذي جاءوا به مذهب الشافعي ﵀ على ما سنصف طريقة. وإنما وجهنا ما ذكرناه على [من] يتبع الرأي المجرد ولا يروم ربطة بأصول الشريعة ويكتفي ألا يكون في الشريعة أصل يدرؤوه من نص كتاب أو سنة أو إجماع. ١١٤٢- فإن قيل: فما معنى التقريب الذي نسبتموه إلى الشافعي؟ قلنا: هذا [محز] الكلام ونحن نقول: قد ثبتت [أصول] معللة اتفق القايسون.

стр. 470

على عللها فقال الشافعي أتخذ تلك العلل معتصمي وأجعل الاستدلالات قريبة منها وإن لم تكن أعيانها حتى كأنها مثلا أصول والاستدلال معتبر بها واعتبار المعنى بالمعنى تقريبا أولى من اعتبار صورة بصورة بمعنى جامع فإن متعلق الخصم من صورة الأصل معناها لا حكمها فإذا قرب معنى المجتهد والمستدل فيما يجتهد إلى الشرع ولم يرده أصل كان استدلالا مقبولا. وهذا يتبين برسم مسألة واستقصاء القول فيها ونحن نجريها ونذكر ما فيها حتى تنتج الأصول والمعاني والاستدلالات. مسألة: ١١٤٣- الرجعية محرمة الوطء عند الشافعي وهي مباحة الوطء عند أبي حنيفة ﵄. ومعتمد الشافعي: أنها متربصة في تبرئة الرحم وتسليط الزوج على شغل رحمها في الزمان الذي تؤمر فيه بالتبرئة متناقض. وهذا معقول فإن المرأة لو تربصت قبل الطلاق [واعتزلها] الزوج لم يعتد بما جاءت به عدة فلو كانت تحل قبل الطلاق وبعده لما كان لاختصاص الاعتداد بما بعد الطلاق معنى ولم يطلب الشافعي بهذا المعنى أصلا وما ذكره قريب من القواعد فإنه كلام منشؤه من فقه العدة ثم عضده بما قبل الطلاق. ١١٤٤- وقال بعض أصحابه: نقيس الرجعية على البائنة في العدة. ويتسع الآن القول في إثبات الحكم بالعلتين ونفى ذلك والغرض يتبين بفرض أسئلة وأجوبة عنها. فإذا قلنا: معتدة فتكون محرمة كالمعتدة البائنة فيقول [المعترض: المعنى] في تحريمها أنها بائنة وهذا المعنى يستقل باقتضاء الحكم ولا خلاف أن البينونة علة في اقتضاء التحريم فليقع الاكتفاء بها. وربما أكد السائل كلامه بأن قياس الرجعية على البائنة بمثابة قياس البالغة على الصغيرة بجامع الأنوثة فإذا قال القائل: أنثى فلتلحق بالصغيرة كان ذلك مردودا فإن الصغر بمجرده يستقل نافيا للاستقلال فلا أثر للأنوثة وقد قدمنا ذلك في العلل المركبة وهذا القول يلتحق بقول القائل: مس فصار كما لو مس وبال.

стр. 471

وقد أجاب عن ذلك الأولون فقالوا: لسنا ننكر كون البينونة علة ولكن العدة علة أخرى وليس بين العلتين تعارض إذ ليس بين حكميهما تناقض ولا يمتنع. ارتباط الحكم الواحد بعلتين وأما القياس على الأنثى الصغيرة فهو في صوره كقياس الرجعية على البائنة ولكن الأنوثة ليست مخيلة والمستدل بتلك الصورة طارد فكان بطلان العلة لذلك وكذلك سبيل القياس على ما لو مس وبال. ١١٤٥- فإن قيل: قد قدمتم أن الحكم لا يعلل بعلتين فلم سوغتموه الآن؟ قلنا: حاصل كلامنا فيما مضى آيل إلى أن ذلك غير ممتنع من طريق النظر فإن العلل الشرعية أمارات ولا يمتنع انتصاب أمارات على حكم واحد كما لا يمتنع ازدحام أدلة عقلية على مدلول واحد وإنما كان يمتنع تقدير ذلك أن لو كانت الأمارات موجبات كالعلل العقلية عند مثبتيها فإنها موجبة معلولاتها فيمتنع على هذا التقدير ثبوت موجبين لموجب واحد مع الاستقلال بأحدهما وينجر القول إلى سقوط فائدة إحدى العلتين وهذا لا يتحقق في العلامات ولكنا مع هذا قلنا: هذا الذي لا يمتنع في مسلك النظر لم يتفق وقوعه ثم أوردنا صورا يتعلق بها في ظاهر الأمر حكم بعلل وأوردنا أنها أحكام تعلل بعلل وإنما يتخيلها الناظر حكما واحدا لضيق المحل عن الوفاء بأعدادها عند ازدحامها. وقد سبق في هذا قول مقنع تام. والغرض من تجديد العهد به أن القايس على البائنة [يستدل بأن] يقول: اجتمع في البائنة المعتدة علتان وتحريمان: أحد التحريمين تحريم البينونة وانقطاع النكاح وهذا لا يختص بالعدة فإنها لو [أبينت] قبل الدخول من غير عدة لحرمت والتحريم الثاني تحريم التربص فهذا هو المطلوب وهو المعلل بالعدة وليس في هذا التقدير إثبات حكم واحد بعلتين فإن أنكر [منكر] كون العدة علة فعلى السابر الجامع أن يثبت ذلك بما يثبت به علل الأصول. فهذا وجه الكلام. ١١٤٦- ونحن نذكر الآن في هذا الفن سرا بديعا يتخذه الناظر معتبرا في أمثاله فإن قال قائل: إنما يستقيم ما ذكرتموه من تجريد النظر إلى العدة بأن تقدروا زوال البينونة وتمحض العدة من غير انقطاع النكاح ولو كان كذلك لكان ما تعتقدونه أصلا عين مسألة الخلاف فإن المعتدة التي ليست بائنة هي الرجعية وينقدح في هذا السؤال

стр. 472

الذي اعتمدناه في رد التركيب إذ قلنا المركب يقول إن كانت ابنه الخمس عشرة كبيرة فالحكم ممنوع كذلك إن فرض تجريد العدة عن البينونة فيكون الحكم ممنوعا عند الخصم وهذا الذي نحن فيه نوع من التركيب في العلل ومهما سلم الجامع ثبوت علة أبداها المعترض [في الأصل] سوى ما وقع الجمع به فيتوجه تقدير المنع على هذا الترتيب الذي ذكرناه. وهذا من لطيف الكلام في هذا الباب فليتنبه الناظر له وهو يجري في القياس على ما لو مس وبال [لو] كان قوله مس مخيلا فإن رجع الكلام إلى أنه مس فصار كما لو مس فلا يستبد التعلق بالعدة في اقتضاء التحريم إلا استدلالا. ١١٤٧- فإن قيل: لو قال من يحرم الرجعية معتدة فشابهت المعتدة عن وطء شبهة طارئ على النكاح فهل يصلح هذا وهل يستقيم [تقدير عدة الشبهة] أصلا؟. قلنا: هذا على اطراده من أحسن فنون الطرد فإن المعتدة في الأصل مشغولة الرحم بماء محترم لغير الزوج وفي إقدام الزوج على وطئها اختلاط الماءين ولا خلاف أن التحريم في الأصل معلل بهذا لا غير. ومن يريد جمعا في متعلق له إلا اسم المعتمدة فكان طاردا فإن أخذ يبدي [في عدة المعتدة الرجعية] ما ذكرناه استدلالا من كونها متربصة عن الزوج لم يتحقق هذا في الأصل فالعلة [الأولى] فيها إخالة ربط حكم أو حكمين متماثلين بعلتين وهذه العلة إن ردت إلى طالب الإخالة فالأمة مجمعة على أن الفرع والأصل غير مجتمعين في المعنى المقتضى فلا يبقى الاجتماع إلا في نعت واسم. والذي يحقق ذلك أن العدة عن الغير تمنع ابتداء النكاح لغير من عنه العدة ولو كانت العدة من الزوج ولم تقع الحرمة الكبرى لما امتنع على الزوج النكاح فاستبان أن محرم الرجعية إن عول على العدة لم يجد أصلا. ١١٤٨- فإن قيل: فما رأيكم في استعمال ذلك استدلالا؟ قلنا: هو الآن يتعلق بفن من الفقه ولكن إذا انتهى الكلام إليه نأتي فيه بما يليق بهذه المحال ونقول: إن تمسك المحرم بمناقضة التربص المستدعي البراءة للوطء الشاغل فلست أرى هذا المعنى واقعا من جهة أن الوطء عند الخصم لو جرى لانقطعت العدة وإنما الممتنع [اجتماع] العدة والتشاغل بالوطء على مذهب من يبيح.

стр. 473

الرجعية بل هو رجعة عنده ثم الرجعة والعدة عنده لا [يجتمعان] ولكن [طريان] الرجعة يتضمن انقطاع العدة فليكن الوطء كذلك. ١١٤٩- فإن قيل فما الرأي في قول من يتمسك بالاحتساب بالعدة؟ ويقول: ولو كانت مستحلة كما كانت لما احتسبت الأقراء [عدة] كما لو وجدت صورة الأقراء قبل الطلاق؟ قلنا: هذا أمثل قليلا وهو في التحقيق تمسك بالعكس وجواب الخصم عنه [أوضح منه] فإنه يقول الطلاق في غير الممسوسة ينجز البينونة وهو في الممسوسة يثبت المصير إلى البينونة وذلك يحصل بالخلو عن العدة والعدة زمان الجريان إلى البينونة وهذا لا يتحقق قبل الطلاق إذ ليس قبله مرد إلى البينونة يتوقع المصير إليها فالذي أوجب الفصل بين ما قبل الطلاق وبعده في الاعتداد ما ذكرناه والتي انقضت عدتها بعد الطلاق [و] صارت بريئة الرحم تلتحق بالتي لم تمس أصلا فهذا وجه الكلام. ١١٥٠- فإن تعلق المحرم بان الطلاق أوجب المصير إلى البينونة فليكن هذا محرما لم يستبد هذا أيضا من جهة أن الزوج إذا علق الطلاق الثلاث بمجيء رأس الشهر لم تحرم المرأة في الأمد المضروب فإن كانت البينونة هي المحرمة فهي منتظرة غير واقعة وإن كان الطلاق هو المحرم فلم ينتصب دليلا عليه بعد. فإن قيل: لو كانت مستحلة لما احتيج إلى الرجعة فللخصم أن يقول الرجعة تقطع وقوع البينونة فإنها لو تركت لصارت إليها. ١١٥١- ولم نذكر هذه المعارضات إلا ليستبين الناظر وجه التمسك بالمعاني التي لا أصول لها واعتماد المستدل على الإخالة والمناسبة فالوجه في مسألة الرجعية إذا اعترضت أن تقع البداية بأن الوطء لا يكون رجعة [وثبت] ذلك سهل كما سبق منا التدرج إليه في "الأساليب". وإذا ثبت ذلك بنينا عليه تحريم الوطء قائلين: إذ لم يكن الوطء رجعة لم تنقطع به العدة فيؤدي إباحة الإقدام عليه إلى الجمع بين دوام التربص لتفريغ الرحم وبين إباحة شاغلة وهذا وإن لم يستند إلى أصل فهو معنى قويم ومسلك مستقيم.

стр. 474

فصل: في ضابط ما يجري فيه الاستدلال . ١١٥٢- فإن قيل: قد [أثبتم] الاستدلال ولم تقبلوه على الإرسال وزعمتم أن المقبول منه ما يلتفت إلى الأصول ويضاهي معانيها ولم تأتوا في ذلك بقول ضابط يستبين به المردود من المقبول. قلنا: الوجه في ذلك أن نقول: إذا ثبت حكم متفق عليه في أصل ثم رام المستنبط إثارة معنى يعتقده مناطا للحكم [فما الضبط] فيما يقبل منه وما يرد؟ فليقل المستدل: كل معنى لو ربط به حكم متفق عليه في أصل لجرى و [استد] فإذا اعتبره المستدل عليه من غير إسناد إلى أصل كان مقبولا إذ المعنى الذي يبديه المستنبط لا يشترط فيها أن يسنده إلى معنى الذي يبديه وفاقي مماثل له ولكن يكفي أن يناسب ويسلم على السبر ويثبت ببعض الطرق المذكورة في إثبات العلل فكل علة إذا لا يشترط في ثبوتها أن تعهد ثابته بعينها [قبل أن يرى] المستنبط مثلها في غير محل الاستنباط فكل معنى في أصل فمتعلقه معنى وهو في حكم مستدل به وليس التعلق بحكم الأصل ولا بحصول الوفاق عليه. ١١٥٣- وإن قربنا العبارة قلنا: ليعتقد المستدل صورة مختلفا فيها متفقا على حكمها [ولير] رأيه في استنباط معناه وإن كان لا يستد فكره إلا بمستند. وبالجملة لا يحدث الناظر [الموفق] مسلكا إلا وبينه وبين ما تمهد في الزمن الماضي من السلف الصالح مداناة. والذي ننكره من مالك ﵁ [تركه] رعاية ذلك وجريانه على الاستدلال في الاستصواب من غير [اقتصاد] . ونحن نضرب في ذلك مثالا ثم نذكر بحسبه لمالك مذهبا. ١١٥٤- فلو قدر وقوع واقعة حسبت نادرة لا عهد بمثلها فلو رأى ذو نظر جدع الأنف أو اصطلام الشفة وأبدى رأيا لا تنكره العقول صائرا إلى أن العقوبات مشروعة لحسم الفواحش وهذه العقوبة لائقة بهذه النادرة فمثل هذا مردود. ومالك ﵁ التزم مثل هذا في تجويزه لأهل الإيالات القتل في التهم العظيمة حتى نقل عنه الثقات أنه قال: أنا أقتل ثلث الأمة لاستبقاء ثلثيها. ١١٥٥- فإن قيل: فبم تردون ما ذكره؟.

стр. 475

قلنا: تبين من نظر الصحابة ﵃ في مائة سنة ومن نظر أئمة التابعين أن ما قال مالك ﵁ وما استشهدنا به لا يحكم به. ونحن نعلم أن الأمد الطويل لا يخلو عن جريان ما يقتضى مثل ما يعتقده مالك ثم لم يجر. وشذت واقعة في العقوبات واضطرب فيها رأي الصحابة وهي حد الشارب فجرى فيه واشتهر ولم يستجيزوا الاستجراء على تقدير زيادة فيه إلا بعد أن يثبتوا أنه. لم يكن مقدرا في زمن رسول الله ﷺ حتى كأنهم أجروه مجرى التعزيرات. قال على ﵁: أما أنا [لا أقتل] في حد وأجد في نفسي [شيئا إلا حد الشارب فإنه شيء رأيناه بعد رسول الله ﷺ ، فليكن هذا سبيلا قاطعا في الرد على مالك ﵀ ومن نحا نحوه وفيه تنبيه على ما نريده. فصل ١١٥٦- فإن قال قائل: ما الاعتراض على الاستدلال؟. قلنا: الاستدلال معنى مخيل قد يتطرق إليه من الاعتراضات ما يتطرق إلى معنى يبديه المستنبط مخيلا في أصل غير أن [للمعنى] المستند إلى أصل تعلقا به فقد يتوجه كلام على الأصل بفرق أو غيره والاعتراضات على الاستدلال الذي لا يستند إلى أصل تنتحي نحو المعنى فحسب ويتوجه عليه النقض إن أمكن والمعارضة وشرط ثبوته ألا يناقض أصول الأدلة. ١١٥٧- وأنا أرى الكلام عليه محصورا في أوجه: أحدها: المناقشة في الإخالة والإشعار. والآخر: طلب النقض إن كان. والآخر: تقديم مقتضى أصل علته. والآخر: معارضته بمعنى آخر [يناقضه] . فهذي مجامع الاعتراضات على الاستدلال ويفسد من الاعتراضات عليه ما يفسد من الاعتراضات على ما يستند إلى أصل.

стр. 476

وقد تمهد فيما تقدم مسلك الصحيح من الاعتراضات والفاسد. ولا شك أنه لا يتصور استقلال التشبيه بنفسه فإن التشبيه معناه تقريب شيء من شيء بما يغلب على الظن من غير [التزام] معنى مخيل ومن ضرورة ذلك أصل متفق عليه. فإن قيل: هل يترجح المعنى المستند إلى أصل على المعنى الذي لا أصل له؟ قلنا: هذا نستقصيه في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى.

стр. 477

فصل: في استصحاب الحال . ١١٥٨- قد قال باستصحاب الحال قائلون ثم اختلفوا. فذهب بعضهم إلى أنه دليل بنفسه ولكنه مؤخر عن الأقيسة وهو آخر متمسك الناظر. وقال قائلون: لا يستقل الاستصحاب دليلا ولكن يسوغ الترجيح به والوجه أن نصوره ثم نؤثر ما هو المختار عندنا فيه. ١١٥٩- فإذا ثبت حكم متعلق بدليل ولم يتبدل مورد الحكم فليس هذا من مواقع الاستصحاب فإن الحكم معتضد بدليل وهو مستدام فدام الحكم بدوامه قد يقول بعض من لا يحيط بالحقائق: لا يمتنع تقدير نسخ ولكنه غير محتفل به والحكم مستصحب إلى نقل ناسخ على ثبت فيلتحق هذا الفن عند القائل بالاستصحاب. فهذه مناقشة لفظية فإنه ثبت بالدليل القاطع قيام الدليل إلى يوم نسخه فإن سمى مسم هذا استصحابا لم يناقش في لفظ وليس مقصود الفصل منه بسبيل. ١١٦٠- فأما إذا ثبت حكم في صورة ثم تغيرت وحالت ورام الناظر طرد الحكم الثابت في الصورة الأخرى فإن لم [يكن للصورة] الثانية تعلق بالأولى ولم يكن تغيرها مرتبا على الصورة الأولى فلا معنى للاستصحاب في مثل ذلك. كالذي يبغى أن يستصحب حكما في صدقة البقر في صدقة الغنم ولا يترتب أحد الجنسين على الثاني تصورا ولا تقديرا.

стр. 478

وهذا بعينه محاولة جمع بدعوى عرية من غير معنى جامع ولا وجه في الشبه غالبا على الظن وهو احتكام مجرد. ١١٦١- فأما إذا ترتبت صورة على صورة فإن تغيرت عليها فأثبتت في الخلفة عليها فعند ذلك يقول قائلون نستصحب الحكم الثابت في الصورة الأولى ونجريه في الثانية. وهذا باطل عندنا غير صالح للاستدلال ولا للترجيح فإن الصورتين متغايرتان وإن أثبتت إحداهما على الأخرى تصورا وكلفة فلا معنى لقول القائل: أستصحب [الحكم] وقد تغير المورد [وتغاير] المحل فلا يمتنع تغاير الحكمين لذلك وهذا كقول القائل في استئناف الفريضة عند أبي حنيفة في زكاة الإبل فقد اطردت فريضة الإبل على نصب معلومة فينبغي أن يستصحبها وراء المائة والعشرين حتى لا يوجبها إلا على ذلك القياس. وقد عورضوا بأن فريضة الإبل إذا ثبتت وجب استصحابها وذلك [قاض بمنع] العود إلى الشاة. والقائلان ذاهلان عن الحقيقة فلا معنى للاستصحاب من الفئتين وما قاله أصحابنا أمثل لاعتضاده بفقه وهو المعتمد دون الاستصحاب وذلك أن الشاة أثبتت ابتداء اجتنابا لتشقيص مع [أن] إيجاب بعير مجحف بالخمس من الإبل فالعود إلى الشاة مع كثرة الإبل بعيد وهذا ليس استصحابا. ١١٦٢- فإن قيل: من استيقن الطهارة وشك في الحدث فالحكم استصحاب الطهارة وكذلك نقيض هذ١ وكذلك من تيقن النكاح وشك في الطلاق فالجواب كذلك فهل هذا الفن مما يلحق باستصحاب الحال [أم لا] ؟ قلنا: هذا لباب الفصل ونحن نقول فيه قول الفقيه يستصحب يقين الطهارة فيه تجوز فإن اليقين لا يصحب الشك فليس المعنى بقولهم لا يترك اليقين بالشك أنهم على يقين مع التردد في الحدث ولكن المراد به أن ما تقدم من الطهر يقين فيبقى الحكم ما تيقناه والقول فيه: إذا طرأ الشك لم يخل المشكوك فيه من ثلاثة أحوال: ١١٦٣- أحدها: أن يرتبط بعلامة بينة في محل الظنون فما كان كذلك فلاجتهاد هو المتبع ولا التفات إلى ما تقدم فإنه يتصدى للمرء شك في بقاء ما سبق واجتهاده ظاهر في زواله والاجتهاد مقدم.

стр. 479

١١٦٤ -فإن ثبتت علامة خفية كالعلامات التي يقع التمسك بها في تمييز النجس من الطاهر في الأواني وفي والثياب فإن عارض يقين النجاسة يقين الطهارة فعلم صاحب الإناءين أن أحدهما نجس والآخر طاهر فليس التمسك بيقين الطهارة بأولى من التمسك بيقين النجاسة فيضطر إلى التمسك بالعلامات وإن خفيت. [وإن لم يوجد] يقين النجاسة ولكنا تيقنا طهارة وشككنا في طريان نجاسة وثبتت علامة خفية ففي التعلق بها قولان: أحدهما: أنها ضعيفة وإن تناهى المرء في تصويرها محاولا إظهار ما وقع في النفس فليفهم الناظر ما يرد عليه فالتعلق بالاستصحاب أولى على قول والتمسك بها أولى على قول. ١١٦٥- وإن تقدم يقين وطرأ شك وليس لما فيه علامة جلية ولا خفية فعند ذلك تأسيس الشرع على التعلق بحكم ما تقدم وهذا نوع من الاستصحاب صحيح وسببه ارتفاع العلامات وليس هذا من فنون الأدلة ولكنه أصل ثابت في الشريعة مدلول عليه بالإجماع وإن طرأ مثل ذلك في منازل المجادلات فأراد [المستدل] أن يدعو الخصم إلى موجب الاستصحاب وكانت الصورة على نحو ما ذكرناها فذلك [سائغ] والدليل عليه اعتباره بنظائره بتشبيه أو تقريب معنوي فليلحق ذلك بأبواب القياس إذا. ١١٦٦- ولا يستمر هذا إلا بسبر وهو تمام الكلام. ومعناه أن يدعى أولا انتفاء الدليل عند قيام التردد ثم لا يتوصل إلى ذلك إلا بتخيل جهات الأدلة وإبانة انتفائها في محل الكلام ثم يستمر بعد هذا ما يحاوله من اعتبار صورة بصورة. وبيان ذلك بالمثال: أن المسئول عن وجوب الأضحية يقول الأصل براءة الذمة فلا معنى لشغلها إلا بثبت وهذا لو اقتصر عليه لاستقل كلاما مفيدا مستقيما وحاصله يئول إلى أنه لم يقم عندي دليل على وجوب الأضحية وإذا قسم وسبر وتتبع مواقع تعلقات الخصم بالنقض استمر له ما ذكرناه في الاستصحاب. فهذا منتهى الغرض في ذلك وقد نجز بنجازه القول المقصود في الاستدلال والحمد لله وحده.

стр. 480

الكتاب الخامس: كتاب الترجيح مدخل تعريف الترجيح وأقوال العلماء فيه ... الكتاب الخامس: كتاب الترجيح. ١١٦٧- الترجيح تغليب بعض الأمارات على بعض في سبيل الظن ولا ينكر القول به على الجملة مذكور وقبله منكرو القياس واستعملوه في الظواهر والأخبار وحكى القاضي عن [الملقب بالبصري وهو جعل] ١ أنه أنكر القول بالترجيح٢ ولم أر ذلك في شيء من مصنفاته مع بحثي عنها وسأذكر شيئا ينبه على إمكان ذلك في النقل. ١١٦٨- والدليل القاطع في الترجيح إطباق الأولين ومن تبعهم على ترجيح مسلك في الاجتهاد على مسلك هذا ما درج عليه الأولون قبل اختلاف الآراء وكانوا ﵃ إذا جلسوا يشتورون تعلق معظم كلامهم في وجوه الرأي بالترجيح وما كانوا يشتغلون بالاعتراضات والقوادح [وتوجيه النقوض] . وهذا أثبت بتواتر النقل في الأخبار والظواهر وجميع مسالك الأحكام فوضح أن الترجيح مفطوع به٣. ١١٦٩- واستدل القاضي ﵀ لمن حكى الخلاف عنه في نفي الترجيح بالبينات في الحكومات فإنه لا يترجح بينة على بينة بعد استقلال كل واحدة لو انفردت. وهذا مردود فإن العلماء من يرى ترجيح البينة على البينة وهو مالك ﵁ وطوائف من علماء السلف وليس من الإنصاف إلزام مجتهد فيه على القول في مسألة مسلكها القطع.

стр. 481

ثم إن ظن ظان أن لا ترجيح في البينة ورآها مستندة إلى توقيفات تعبدية فهذا لا يعارض ما ثبت قطعا تواترا في الترجيح والعمل به وليس متعلق مثبتي الترجيح تجويزا ظنيا فينتقض بشيء أو يقاس على شيء. ١١٧٠- فإذا ثبت أصل الترجيح فلا سبيل إلى استعماله في مسالك القطع. فإذا أجرى المتكلم في مسلك قطعي صيغة ترجيح أشعرت بذهوله أو غباوته وما يفضى إلى القطع لا ترجيح فيه فإنه ليس بعد العلم بيان ولا ترجيح وإنما الترجيحات تغليبات لطرق الظنون ولا معنى لجريانها في القطعيات فإن المرجح أغلب في الترجيح وهو مظنون [والمظنون] غير جار في مسلك القطع فكيف يجرى في القطعيات ترجيح ما لا يجرى أصله فيها؟ مسألة: ١١٧١- أطلق الأئمة القول بأن المعقولات لا ترجيح فيها وهذا سديد لا ننكره ولكنا أوضحنا في الديانات أن العوام لا يكلفون بلوغ الغايات ودرك حقائق العلوم في المعتقدات وإنما يكلفون تحصيل عقد متعلق بالمعتقد على ما هو به مع التصميم ثم عقدهم لا يحصل في مطرد العادة هجوما وافتتاحا من غير استناد إلى مسلك من مسالك النظر وإن كان غير تام وإذا كان كذلك فالترجيحات عندهم في قواعد العقائد قد تجرى فإن عقودهم ليست علوما ومأخذها كمأخذ الظنون في حق من يعلم أنه ظان وهذا الذي ذكرناه لا يناقض ما ذكره الأئمة فإنهم زعموا أن الترجيحات لا وقع لها في مدارك العلوم وما ذكروه حق لا نزاع فيه وإنما يكتفى من العوام بعقود سليمة ليست علوما فتجرى عقائدهم مجرى الظنون في المظنونات. مسألة: ١١٧٢- قال الأئمة ﵃: الترجيحات لا تستعمل في المذاهب من غير نصب أمارات فإن كل ذي مذهب مدع قبل أن يدل والدعاوى لا تقبل الترجيح إذ الترجيح في نفسه لا يستقل دليلا والمذهب لو كفى ترجيحه لكان الترجيح مستقلا لإثبات المذهب وما كان كذلك كان دليلا مستقلا بنفسه. وهذا يتطرق إليه استثناء عندنا على تفصيل نشير إليه الآن ثم نقرره في كتاب الفتاوى إن شاء الله تعالى.

стр. 482

فليعلم الناظر أن المستفتى لا يتخير في تقليد من شاء من المفتين ولكن عليه ضرب من النظر في تخير واحد منهم لمزية يتخيلها أو يظنها لمن يختاره وسيأتي ذلك مشروحا في موضعه إن شاء الله تعالى. وإن كان كذلك فمتعلق المستفتى ترجيح مجرد وقد ينقدح أن يقال: ما يغلب على ظنه تخصيص واحد من العلماء فهو دليل مثله فالقول في هذا يئول إلى عبارة ونحن الآن نرسم ما يترجح به مذهب الإمام المطلبي الشافعي ﵁. مسألة: ١١٧٣- أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة رضي الله تعالى عنهم بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا الأبواب وذكروا أوضاع المسائل وتعرضوا للكلام على مذاهب الأولين. والسبب فيه أن الذين درجوا وإن كانوا قدوة في الدين وأسوة للمسلمين فإنهم لم يفتنوا بتهذيب مسالك الاجتهاد وإيضاح طرق النظر والجدال وضبط المقال ومن خلفهم من أئمة الفقه كفوا من بعدهم النظر في مذاهب الصحابة فكان العامي مأمورا باتباع مذاهب السابرين. ١١٧٤- ثم نحن نوضح وراء ذلك ما يتعلق به منتحل المذهب على الجملة في اختيار مذهب الشافعي ومجامع الكلام في ذلك يحصرها طرق. أحدها: أن السابق وإن كان له حق الوضع والتأسيس والتأصيل فللمتأخر الناقد حق التتميم والتكميل وكل موضوع على الافتتاح قد يتطرق إلى مبادئه بعض التثبيج ثم يتدرج المتأخر إلى التهذيب والتكميل فيكون المتأخر أحق أن يتبع لجمعه المذاهب إلى ما حصل السابق تأصيله وهذا واضح في الحرف والصناعات فضلا عن العلوم ومسالك الظنون وهذه الطريقة يقبلها كل منصف وليس فيها تعرض لنقض مرتبة إمام. ١١٧٥- فإذا حصلنا المقصود مع الاعتراف للمتقدمين بفضل السبق فالذي يتم به الغرض أن الصديق أفضل من طلعت عليه الشمس بعد النبي ﵇ ثم اشتغال من بعده بالسبر أوجب على العوام ألا يبتدروا مذهب الصديق ﵁ مع علو منصبه وارتفاع قدره.

стр. 483

فإن قيل: يلزمكم على هذا أن توجبوا الاقتداء بمن بعد الشافعي من الأئمة على ما ذكرتموه. قلنا: إن ثبت لأحد بعده من الأئمة من المزية والفضل وتهذيب ما لم ينتظم وكشف ما لم يتبين فلا يناقض مسلك الطريقة ولكنا لسنا نرى أحدا بلغ هذا المحل وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب الفتوى إن شاء الله تعالى. ١١٧٦- طريقة أخرى: وهي أن نقول: المذاهب [تمتحن] بأصولها فإن الفروع تستد باستدادها وتعوج باعوجاجها وهذا النوع [من النظر] هو الذي يليق بالمستفتين ومنتحلي المذاهب وسبيل محنة الأصول معرفتها أفرادا في قواعد ثم معرفة ترتيبها وتنزيل كل أصل منها منزلته. فإذا تبين ذلك فأصول الشريعة الكتاب والسنة والإجماع ثم الأقيسة الظنية علامات انتصبت على الأحكام [أعلاما] بأصل من الأصول الثلاثة مقطوع به كما سبق شرح ذلك. ثم لها مراتب ودرجات ومناصب فإذا نظر الناظر إلى منصب الشافعي عرف أنه أعرف الأئمة بكتاب الله تعالى فإنه عربي مبين والشافعي تفقأت عنه بيضة قريش. ولا يخفى تميزه عن غيره فيما نحاوله ثم يتعلق معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول بمعرفة الروايات ومقامه لا يخفى في الأخبار ومعرفة الرجال وفقه الحديث والإجماع يتلقى من معرفة الآثار وما يصح نقله من الوفاق والخلاف وهذا بيان الأصول. ١١٧٧- وأما تنزيلها منازلها [فإنه شوف] الشافعي فإنه قدم كتاب الله تعالى ثم أتبعه بسنة رسوله ﵇ ثم إذا لم يجدها تأسى بالصحابة ﵃ في التعلق بالرأي الناشئ من قواعد الشريعة المنضبطة أصولها ولم ير التعلق بكل استصواب لما فيه من الانحلال والانسلال عن ضبط الشريعة ثم رأى قواعد الشريعة منقسمة إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل فاستحث على الاتباع فيما لا يعقل معناه وقد يقيس إذا لاحت الأشباه وأما ما يعقل معناه فمغزاه فيه المعنى [المخيل]

стр. 484

المناسب وهو في ذلك يلتفت إلى قواعد الشرع ويدور عليها. ١١٧٨- ومن بديع نظره أنه قد يعن له معنى مخيل ولكن يراه منقوضا [بما لا يعلل] فيلحقه بما لا يعلل وهذا مسلكه في منع القيم في الزكوات فإن غرض الزكاة سد الخلة والحاجة وهو وإن كان معقولا فلا جريان له فرأى الأتباع فيه معنى السد مع الخلاص [من] غرر المخالفة ثم جعل كون الزكاة عبادة عضدا لذلك كالمرجح به ولا حاجة إلى ذكر [مذهب] غيره فإن في هذا تنبيها على مقتضاه. ١١٧٩- طريقة أخرى: وهي تشتمل على نظر كلي إلى الفروع وهذا يتأتى بضبط ورد نظر إلى الكليات فالشريعة متضمنها مأمور به ومنهي عنه ومباح. فأما المأمور به: فمعظمه العبادات فلينظر الناظر فيها وأما المنهيات فأثبت الشرع في الموبقات منها زواجر ولا يكاد يخفى احتياط كثير من الناس فيها وبالجملة الدم معصوم بالقصاص ومسألة المثقل يهدم حكمة الشرع فيه والفروج معصومة بالحدود ولا يخفى ما فيها من الاضطراب والأموال معصومة عن السراق بالقطع وقد أثبت من [نعنيه] ذرائع إلى إسقاطه سهلة المدارك وأعيان الأموال مستردة من الغصاب. وقد بان للفقيه مسالك الناس الذين خالفوا مذهب الشافعي١ فمن نظر إلى الأصول ثم نظر نظرا كليا إلى الفروع لم يخف عليه من يكون أولى بالاتباع وإن قصر [نظر] بعض المستفتين عن فهم ما ذكرناه فلا عليه لو [احتذى] بقول النبي ﵇: "الأئمة من قريش" ٢ ولم أجد أحدا من أصحاب المذاهب معتزيا إلى طينة قريش بالمسلك الواضح إلا الشافعي ولا خلاف في اختصاصه بذاك وأبو حنيفة من الموالى ومالك كذلك [على ما حكى بعض الناس] فهذه مرامز كافية فيما نحاوله وإذا أردنا أن نعبر عن الأئمة الثلاثة الناخلين المرموقين الذين طبقت مذاهبهم طبق الأرض مالك والشافعي وأبو حنيفة ﵃ قلنا: ١١٨٠ - أما أبو حنيفة فلا ننكر [اتقاد] فطنته وجودة قريحته في درك عرف المعاملات ومراتب الحكومات فهو في هذا الفن واستمكانه من وضع المسائل بحسنه

стр. 485

على النهاية ولكنه غير خبير بأصول الشريعة وهي في حقه منقسمة إلى أصل جهله [أو] أغفله وذهل عنه وإلى آخر تمسك به وما رعاه وما [عقله] وانتهض لتبويب الأبواب انتهاض من لم يستمد من القواعد ومن عجيب أمره أنه لم يعتن بجمع الأخبار والآثار ليبني عليها مسائله ولكنه يوصل الفروع بناء على ما يراه ثم يستأنس بما يبلغه وفاقا. ١١٨١- وأما الإمام مالك فلا يشق غباره في ضبط ما يصح من الأخبار والآثار والأقضية ووقائع الصحابة ولا يدرك آثاره في درك سبل الصحابة والطرق التي منها يتطرق الخلل وإمكان الزلل إلى النقلة فقد كان يقول في مسجد رسول الله ﷺ : لقد رأيت بعدد أساطين هذا المسجد من يقول: حدثني أبي فلان قال: قال رسول الله ﷺ ولم أستجز أن أروى عنهم حديثا. فقيل له أكنت لا تثق بهم فقال كنت [لا] أتهم صدقهم ولو نشروا بالمناشير ما كذبوا على رسول الله ﵇ ولكن لم يكونوا من أهل [هذا] الشأن. ولكنه ينحل بعض الانحلال في الأمور الكلية حتى يكاد أن يثبت في الإيالات والسياسات أمورا لا تناظر قواعد الشريعة وكان يأخذها من وقائع وأقضية لها محامل على موافقة الأصول بضرب من التأويل فكان يتمسك بها ويتخذها أصولا ويبنى عليها أمورا عظيمة. كما روى أن عمر ﵁ قال للمغيرة: وكان قد أخذ قذاة من لحيته فظن عمر [به] استهانة فقال: أبن ما أبنت وإلا أبنت يدك. ونقل عنه مشاطرة خالد وعمرو بن العاص١ على أموالهما فاتخذ ذلك أصلا فرأى إراقة الدم وأخذ أموال بتهم من غير استحقاق لمصالح إيالية حتى انتهى إلى أن قال: أقتل ثلث الخلق في استبقاء ثلثيهم. وكان من الممكن أن يحمل قول عمر رضي الله عنه٢ على التغليظ بالقول

стр. 486

وكانوا يعتادون ذلك وكذلك من بعدهم. وأخذه الأموال محمول على علمه بانبساط خالد وعمرو فيما لا يستحقان من مال الخمس وأموال المسلمين ولا يبلغ من حزم عمر درك مبلغ ذلك فإذا أمكن هذا فلا وجه لإطلاق أيدي الولاة في الدماء والأموال. ١١٨٢- وأما الشافعي١ فإنه أعرف خلق الله بأصول الشريعة وأضبطهم لها وأشدهم كيسا [واتقادا] في مآخذها وتنزيلها منازلها [وترتيبها على مراتبها ويشهد ذلك بالثقة فيها سابقا إليه] ولكن لم تتنفس مدته ولم تتسع مهلته فلم يتشوف إلى وضع مسائل بديعة وكان متصديا للإجابة عن كل ما يسأل عنه واخترم وقد نيف على الخمسين وكان ذلك الأمد لا يتسع لأكثر من ضبط الأصول فيها فهان على أصحابه البناء عليها. ١١٨٣- وهذا بيان منازلهم وسنذكر في كتاب الفتوى أنه يتعين على المستفتى نظر كلي في [تخير] قدوته وسنصف ذلك النظر وحده. ثم نقول: ليس على المستفتى تعلق بمبادئ النظر في كل مسألة يأخذ فيها جواب قدوته وهذا متفق عليه في المظنونات. ١١٨٤- ونقل عن الأستاذ أبي إسحاق أنه قال: إذا اشتملت المسألة على مدرك قطعي وجب على العامي الاحتواء عليه فإن كانت المسألة عملية فتلتحق بالعقائد التي لا يسوغ العقل التقليد فيها. ١١٨٥- وهذا عندنا سرف ومجاوزة حد فإنا لا نرى أولا في العقائد ما يراه وقد ظهر اختيارنا فيما عليهم من عقائدهم وأما إلحاق قطعيات الشرع بالعقائد فعظيم فإن الشريعة تحتوي على مائة ألف مسألة وأكثر مستندها القطع وتكليف العامي الإحاطة بها في معاملاته التي يمارسها ظاهر الفساد وهو اقتحام خرق الإجماع. مسألة: ١١٨٦- ذهب معظم الأصوليين إلى أن المجتهد لا يجوز له الاقتصار على ترجيح مذهب على مذهب من غير تمسك بما يستقل دليلا.

стр. 487

وحكى صاحب المغنى وهو عبد الجبار في كتابه المترجم بالعمد عن بعض أصحابه جواز الاكتفاء بالترجيح وسقوط هذا المذهب واضح فإن الترجيح الحقيقي ينشأ من منتهى الدليل فإذا لم يكن دليل لم يثبت الترجيح تصورا وإن فرض تمسك بمبادئ نظر وسمى ذلك ترجيحا فهو نظر فاسد لقصوره ولا ترجيح بالفاسد والنظر يفسد بقصوره تارة وبحيد عن المدرك المطلوب أخرى. ١١٨٧- فإن قيل: كان أصحاب رسول الله ﷺ في تفاوضهم يكتفون بمسالك الترجيحات وما كانوا يمهدون أدلة مستقلة ثم يبنون عليها ترجيحات وهم الأسوة. قلنا: هذه دعوى عرية لا أصل لها فإنهم كانوا يبنون أحكاما على معان سديدة وعلى تقريبات شبهية وهذا مدرك الشرع وكانوا لا يعتنون برد المعاني إلى الأصول لا عن جهل بها ولكنهم علموا أن معتمد الأحكام المعاني. فأما الاقتصار على الترجيحات فادعاؤه عليهم تخرص [بين] [نعم] قد نقول: إذا عريت واقعة عن نظر قويم ولاحت فيه مخيلة على بعد ولا يكون مثلها دليلا فقد يجوز التمسك بها تجويزا للمجتهد استصحاب الحال وإن رأينا أن نذكر في آخر هذا المجموع طرفا صالحا من حكم شغور الزمان عن المفتين وحملة الشريعة ذكرنا طرفا صالحا في ذلك إن شاء الله تعالى. القول في ترجيحات الأدلة. ١١٨٨- إنما مظنة الترجيحات تعارض صور الأدلة وهي في غرضنا ألفاظ منقولة ومعان مستنبطة. فأما الألفاظ فتنقسم إلى النصوص التي لا تقبل التأويل وإلى الظواهر. فأما النصوص فتنقسم إلى ما ينقل قطعا واستوت في النقل ويلتحق بهذا القسم ما ينقل من غير قطع ولكن تستوي النصوص في [طريق] النقل من غير ترجيح آيل إلى الثقة والتغليب فيها ونحن نرسم ما يتعلق بهذا القسم.

стр. 488

مسألة: ١١٨٩- إذا تعارض نصان على الشرط الذي ذكرناه وتأرخا فالمتأخر ينسخ المتقدم١ وليس ذلك من مواقع الترجيح. ١١٩٠- فإن تطرق إلى أحد النصين ظن النسخ من غير قطع فهذا نصفه ونصوره ثم نذكر المذاهب فيه. قال الشافعي في مسألة المس: قيس بن طلق٢ راوي حديث الخصم وهو ممن تقدم إسلامه٣ وأبو هريرة٤ ممن روى [أحاديثنا] وكان إسلامه بعد الهجرة بست سنين فرأينا إمكان النسخ تطرق إلى ما رواه قيس. وكذلك صح عن النبي ﵇ [في مرض موته] أنه قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون" ٥. ولكن الشافعي تعلق بجلوس النبي ﷺ في مرض موته والمقتدون به قيام وراءه فكان هذا من أواخر أفعاله والحديث الذي رويناه مطلق فيغلب على الظن أنه كان في صحته. ومن هذا القبيل أخبار الدباغ مع ما رواه عبد الله بن عكيم٦ الجهني قال: ورد علينا كتاب النبي ﵇ قبل موته بشهر "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" ٧.

стр. 489

فأحاديث الدباغ كانت مطلقة غير مقيدة بتاريخ فالغالب على الظن جريانها قبل هذا التاريخ ولكن الشافعي رد حديث عبد الله لأنه كان محالا على الكتاب وناقل الكتاب مجهول ليس بمذكور فالتحق الحديث بالمرسلات فهذا تصوير ما أردناه. ١١٩١- قال الشافعي: إن تجرد نص ولم يعارضه آخر فإمكان النسخ مردود ومدعيه مطالب بنقل النسخ ولا يكتفى في هذا المقام بغلبة الظن فإن تعارض نصان وتطرق إلى أحدهما مسلك من المسالك التي صورناها فعند ذلك يرى الشافعي ترجيح النص الذي لا يتطرق إليه ظن النسخ على الآخر [ورأيه أولى] من الحكم بتساقط النصين عند تعارضهما. ١١٩٢- وقال قائلون: النصان متعارضان فإن الذي اتجه فيه إمكان النسخ ظنا لا يخفى سقوطه والنص الآخر يهى به ويحط عن منزلته والتمسك بمرتبة أخرى دون النصوص أولى ولا يبقى مع تعارض النصين إلا ظن ترجيح ومجرد الترجيح لا يجوز التمسك به. ١١٩٣- ووجه الحق في ذلك: أن الحادثة إذا عريت عن مسلك [يعد] من سبل مسالك الأحكام وتعارض خبران نصان وتطرق إلى أحدهما إمكان النسخ وعدم المجتهد متعلقا سواهما فالوجه التمسك بالخبر الذي لا يتطرق إليه ظن النسخ وهذا أولى من تعطيل الحكم وتعرية الواقعة عن موجب الشرع وهذا يناسب القول في مآخذ الأحكام عند عرو الزمان عن المفتين ولعلنا نختتم هذا المجموع بطرف صالح منه يقع به الاستقلال. فإن وجد المتناظران مسلكا من مآخذ [الأحكام] سوى الخبرين مثل أن يجد للقياس مضطربا فالوجه النزول عن الخبرين جميعا والتمسك بالقياس ثم الخبر الذي بعد عن ظن النسخ يستعمل ترجيحا لأحد القياسين [على الآخر] . فهذا وجه مدرك الحق في ذلك وهو أصل في كتاب الترجيح وسنسند إليه أمثاله.

стр. 490

مسألة: ١١٩٤- إذا تعارض خبران نصان نقلهما الآحاد واستوى الرواة في الصفات المرعية في حصول الثقة ولكن كان أحدهما أكثر رواة. فالذي ذهب إليه الأكثرون الترجيح بكثرة العدد [وهو مذهب الفقهاء] وذهب بعض المعتزلة إلى منع الترجيح بكثرة العدد واحتجوا في ذلك بالشهادة فإنه لا ترجح بينة على بينة بكثرة العدد. وهذا الذي ذكروه مما اختلف الفقهاء فيه: ١١٩٥- فذهب معظم أصحاب مالك وشرذمة من أصحاب الشافعي إلى أن البينة المختصة بمزيد العدد في الشهود مقدمة على البينة التي تعارضها. والمسألة على الجملة مظنونة وللاجتهاد فيها مجال ثم معظم قواعد الشهادات منوطة بالتعبدات والروايات مدار أصولها وتفاصيلها على الثقة المحضة ولهذا لا تعتبر فيها الحرية والعدد في [أصل القبول] وكثرة الروايات توجب مزيدا في غلبة الظن. وقد قال القاضي رحمه الله تعالى: تقديم الخبر على الخبر بكثرة الرواة لا أراه قاطعا وإنما أراه من مسالك الاجتهاد. ١١٩٦- والوجه في هذا عندنا: أن المجتهدين إذا لم يجدوا متمسكا إلا الخبر وتعارض في الواقعة خبران واستوى الرواة في العدالة والثقة وانفرد بنقل أحدهما واحد وروى الآخر جمع فيجب العمل بالخبر الذي رواه الجمع. وهذا مقطوع به فإنا على قطع نعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ لو تعارض لهما خبران كما وصفنا والواقعة في محل لا تقدير للقياس فيه ولا مضطرب للرأي لما كانوا يعطلون الواقعة بل كانوا يرون التعلق بما رواه الجمع. ١١٩٧- فأما إذا كان في المسألة قياس وخبران متعارضان كثرت رواة أحدهما فالمسألة الآن ظنية فإن الخبر الذي نقله الواحد يضعف بالخبر الذي يعارضه فيبعد أن يستقل دليلا. والذي يقتضيه هذا المسلك النزول عنهما والتمسك بالقياس وترجيح القياس الذي يعضده الخبر الذي يرويه الجمع ولو تجرد القياس في الجانب الآخر [فهو]

стр. 491

متمسك [الحكم ومتعلقه فهذا وجه ولكن قد نظن أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقدمون] الخبر الذي يرويه الجمع ويضربون عن القياس كدأبهم في تعظيم الخبر وتقديمه ولسنا على قطع في ذلك فإنا لا نثبت أصول الشريعة إلا بمستند قطعي فما قطعنا به أثبتناه وما غلب على ظننا ترددنا فيه وألحقناه بالمظنونات. ١١٩٨- فآل حاصل القول إلى أن الخبر وإن رواه جمع من الثقات إذا عارضه خبر نقله عدل واحد فيسقط ما رواه الجمع عن رتب الأدلة المقطوع بها فإن عدمنا مأخذا سواهما كان تعلقنا بالأرجح تعلق من لا يجد مضطربا سوى الترجيح ومحض الترجيح لا يتعلق به عند فقد الأدلة كما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى. ١١٩٩- فأما إذا وجدنا [أدلة فالمسألة إذ ذاك ظنية منزلة على ما يؤدى إليه اجتهاد الناظر وكذلك إذا وجدنا] القياس موافقا للخبر الذي نقله الواحد فالمسألة ظنية أيضا وإن كان القياس في جانب الخبر الذي رواه الجمع [فلا شك أن الحكم بذلك القياس المرجح بالخبر الذي رواه الجمع] فهذه جوامع القول في ذلك. ١٢٠٠- وقد ذكرنا في تعارض الخبرين إذا تطرق إلى أحدهما إمكان النسخ من الجهات التي ذكرناها [أن] الوجه النزول عنهما والتمسك بالأقيسة إن وجدناها ولم [نردد] في ذلك تغليب ظن. والسبب فيه أنا ظننا ظنا غالبا بالصحابة ﵃ اعتبار الترجيح بالثقة والعدد ورددنا القول ولم يسنح لنا مثل ذلك فيما يتطرق إليه النسخ إمكانا إذ تبينا من تفحصهم عن أسباب الثقة ما يغلب على الظن الترجيح بها وتقديم الأخبار على الأقيسة تعظيما لها إذا رجع الأمر إلى التفاوت في الثقة. [فإن ظهر لنا ظن عندنا في وقائع] بلغته أنهم نظروا في إمكان النسخ نظرهم في الثقة نزلنا تلك [المسألة] هذه المنزلة وعاد القول إلى التعارض إلا فيما يمنع منه متمسك لما قدمنا تمهيده من أن التعارض في التساقط [أقوى] في نظر الناظرين من الاعتصام بترجيح ظني فهذا منتهى المراد. ١٢٠١- ومما نذكره في فروع هذا الفصل أنه إذا روى راويان خبرين وكل.

стр. 492

واحد منهما [ثقة] مقبول الرواية لو انفرد ولكن في أحدهما مزية ظاهرة في قوة الحفظ والضبط والاعتناء بالوعي فهذا مما يرى أهل الحديث مجمعين على التقديم [فيه] . وهو كما روى عبيد١ الله بن عمر العمري [مع ما رواه أخوه عبد الله٢ بن عمر العمري] في سهم الفارس من المغنم٣ فقال الأئمة: حديث عبيد الله مقدم وإن كان أخوه عبد الله عدلا فإن بينهما تفاوتا بينا قال محمد بن إسماعيل البخاري: بينهما ما بين الدينار والدرهم والفضل لعبيد الله وهذا وإن ظهر من خدمة الحديث فإذا رجع الأمر إلى العلم فالقول عندي في الخبرين مع اختصاص إحدى الروايتين بالمزية كالقول في اختصاص أحد الخبرين بكثرة الرواة مع الاستواء في الصفات المرعية وقد سبق ذلك مفصلا. غير أن التمسك بحديث عبيد الله حتم من جهة أن القول متعلق بالتقدير وهو متلقى من توقيف الشارع ولا مجال للقياس فيه والرأي لا يضبط منتهى الغناء والكفاية. ١٢٠٢- فهذا من المنازل التي يتعين فيها الاستمساك بالخبر ولا نظر لذي الرأي على استرسال كلى وهو موافق لمذهب الشافعي فإن نظرنا إلى الغناء فلا يكاد يخفى أن غناء الفارس يزيد على ضعف غناء الراجل فلا موقف ينتهى [إليه] فيستعمل الرأي كليا ويستعمل الخبر توقيفا ينتهى إليه. ١٢٠٣- ومما يتصل بذلك [أنه] إذا روى أحد الخبرين ثقة وروى الآخر جمع.

стр. 493

لا يبلغ آحادهم مبلغ راوي الخبر الآخر في الثقة والعدالة فاجتمع مزية الثقة وقوة العدد فمن أهل الحديث من يقدم مزية العدد ومنهم من يقدم مزية الثقة. والمسألة لا تبلغ مبلغ القطع والغالب على الظن التعلق بمزية الثقة إذا ظهرت فإن الغالب على الظن أن الصديق ﵁ لو روى خبرا وروى جمع على خلافه خبرا لكان الصحابة يؤثرون رواية الصديق. ومأخذ الكلام في جميع هذه الفنون واحد فليرجع الناظر إلى المعتبر الممهد أصلا وتفصيلا وليميز مواقع القطع من الظن. مسألة: في تقديم أحد الخبرين على الآخر بموافقة أقضية الصحابة ﵃. ١٢٠٤- القول في حقيقة هذه المسألة يستدعى مقدمة من كتاب الإجماع فنقول: إن اجتمع علماء العصر على [مذهب] واستمر الإجماع على الشرائط المرعية فلا يبقى للتعلق بالخبر والحالة هذه وقع فإن الخبر إن كان منقولا آحادا فلا خفاء بما ذكرناه. ولو فرضنا خبرا متواترا وقد انعقد الإجماع على خلافه فتصويره عسر فإنه غير واقع ولكنا على التقدير نقول لو فرض ذلك فالتعلق بالإجماع أولى فإن الأمة لا تجتمع على الضلالة ويتطرق إلى الخبر إمكان النسخ فيحمل الأمر على ذلك قطعا لا وجه غيره ونقطع بهذا. ١٢٠٥- فإن قيل: الخبر المتواتر النص من الأدلة القاطعة وكذلك الإجماع فلم قدمتم الإجماع؟. قلنا: لأن الخبر عرضة لقبول النسخ والإجماع لا ينعقد متأخرا إلا على قطع فلا يتصور حصول الإجماع على باطل وتطرق النسخ إلى الخبر ممكن فالوجه حمل الإجماع على القطع الكائن وحمل الخبر على مقتضى النسخ استنادا أو تنبيها على تقدير استثناء والمستحيل حصول الإجماع على حكم مع خبر نص على مناقضته مع الإجماع على أنه غير منسوخ فهذا مما لا يتصور وقوعه حتى يتكلم فيه في تقديم أو تأخير وإنما الكلام في خبر مطلق. ثم الذي أراه [أن] من ضرورة الإجماع على مناقضه الخبر النص المتواتر أن

стр. 494

يلهج أهل الإجماع بكونه منسوخا فهذا قولنا في الإجماع. ١٢٠٦- أما إذا فرض خبر على شرط الصحة نقله الآحاد وجرت أقضية [أئمة من] الصحابة على مخالفته فكيف الوجه؟ ذهب مالك ﵀ إلى تقديم ما صار إليه أهل المدينة يعني علماءها وروي عنه في تحقيق ذلك تمسك بأخبار تشير إلى تعظيم المدينة وأهلها فإن صح ذلك فهو ضعيف وإن كان مذهبه النظر في مذاهب العلماء الذين كانوا وإنما أجرى ذكر [أهل] المدينة لتوافر العلماء بها في ذلك الزمن فهذا قريب على ما سيأتي الشر حليه إن شاء الله. ١٢٠٧- وقال الشافعي ﵀: لا نظر إلى الأعمال والأقضية إذا لم يتفق عليها أهل الإجماع والتعلق بالخبر أولى. ونحن نذكر ما تمسك به الشافعي ثم نذكر بعده المختار عندنا. قال الشافعي: الحجة في الخبر وما نقل من عمل على خلافه فهو منقول عن أقوام ليست أقوالهم حجة ولا معنى لترك الحجة لما ليس بحجة. ويمكن أن يعبر عن هذا فيقال: العاملون بخلاف الخبر محجوجون به ولا يقدم قول محجوج بحجة على الحجة. وقال الشافعي في بعض مجاري كلامه: لو [عاصرت] العاملين بخلاف الخبر لحاججتهم وجادلتهم العين, العين ولا يتعين ذلك بانقراضهم. وقد يقول: لو وجدت قياسا يخالف أقضية أقوام من الأئمة لتمسكت به ولم أبال بمن ينازعني والخبر مقدم على القياس فإذا قدمت القياس على قولهم فكيف أترك الخبر المقدم على القياس بقولهم؟. وقال رضى الله عنه: إن كان تقديم أقضية الصحابة لتحسين الظن بهم ولا تجب لهم العصمة فتحسين الظن بخبر الشارع المعصوم [أولى] . ١٢٠٨- والرأي الحق عندنا [في ذلك] يوضحه تقسيم فنقول: إن تحققنا بلوغ الخبر [طائفة من أئمة الصحابة وكان الخبر] نصا لا يطرق إليه تأويل ثم ألفيناهم يقضون بخلاف مع ذكره والعلم به فلسنا نرى التعلق بالخبر إذ

стр. 495

لا محمل لترك العمل بالخبر إلا الاستهانة والإضراب وترك المبالاة أو العلم بكونه منسوخا وليس بين هذين التقديرين لاحتمال ثالث مجال. [وقد] أجمع المسلمون قاطبة على وجوب اعتقاد تبرئتهم عن القسم الأول فيتعين حمل عملهم مع الذكر والإحاطة بالخبر على العلم بورود النسخ وليس [ما] ذكرنا تقديما لأقضيتهم على الخبر وإنما هو استمساك بالإجماع على وجوب حمل عملهم على وجه يمكن من الصواب [فكأنا] تعلقنا بالإجماع في معارضة الحديث وليس في تطريق إمكان النسخ إلى الخبر غض من قدره ﵇ وحط من منصبه وقد قدمنا في كتاب الإجماع أن الإجماع في نفسه ليس بحجة ولكن [إجماع] أهله يشعر بصدر ما أجمعوا عليه [عن] حجة. فهذا قول في قسم وهو: إذا بلغهم الخبر وعملوا بخلافة ذاكرين له. ١٢٠٩- فأما إذا لم يبلغهم أو غلب على الظن أنه لم يبلغهم فالتعليق بالخبر حينئذ وظني بدقة نظر الشافعي في أصول الشريعة أنه رأى التقديم للخبر في مثل هذه الصورة. ١٢١٠- وإن غلب على الظن أن الخبر بلغهم وتحققنا أن عملهم مخالف له فهذا عندي مقام التوقف والبحث فإن لم نجد في الواقعة متعلقا سوى الخبر والأقضية فالوجه التعلق بالخبر وإن وجدنا مسلكا في الدليل سوى الخبر فالتمسك به أولى. ١٢١١- ومما ينبغي أن يتنبه الناظر له: أن مذاهب الصحابة إذا نقلت من غير إجماع فلا نرى التعلق بها وإذا نقلت في معارضة خبر نص على المخالفة التي لا تقبل تأويلا فتعين التعلق بالمذاهب وليس هذا على الحقيقة تعلقا بالمذاهب وإنما هو تعلق بما صدرت المذاهب عنه وما ذكرناه في أئمة الصحابة يطرد في أئمة التابعين وأئمة كل عصر ما لم تقف على خبر. وبيان ذلك بالمثال: أن مالكا ﵁ يرى تقديم أقضية الصحابة ﵃ على الخبر مطلقا من غير تفصيل وقد لا نأمن أن يكون بعض تلك الأقضية ممن لم يبلغه الخبر أو بلغه ونسيه. فإذا لم يفصل مالك تبينا أنه لم يكن مطلعا على حقيقة هذا الأصل فلا جرم نقول: إذا روى مالك خبرا وخالفه لم نبل بمخالفته من حيث لا نثق بتحقيق منه في.
следующие страницы →