Полный текст (110 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مرويات المزاح والدعابة عن النبي ﷺ والصحابة
تقديم
د. باسم فيصل الجوابرة
فضيلة الشيخ عبد المحسن بن ناصر العبيكان
تأليف
فهد بن مقعد النفيعي العتيبي
دار بلنسية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد اطلعت على كتاب مرويات المزاح والدعابة عن النبي ﷺ والصحابة، فوجدته كتاباً مفيداً جمع فيه الأخ فهد الأحاديث والآثار في المزاح والدعابة وبذل فيه جهداً مشكوراً، فجزاه الله خير الجزاء، وجعله في موازين أعماله.
د. باسم فيصل الجوابرة
الأستاذ بكلية أصول الدين
قسم السنة
الرياض ٤/ ٨/ ١٤٢٠ هـ
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد.
فقد اطلعت على الرسالة المسماة مرويات المزاح والدعابة عن النبي ﷺ والصحابة، والتي قام بتأليفها الأخ الشيخ فهد بن مقعد العتيبي، ولقد أجاد وأفاد وبلغ الغاية في المراد.
فنسأل الله لنا وله التوفيق والسداد والإعانة من رب العباد والسير على نهج خير هاد، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الفقير إلى الله عز شأنه
عبد المحسن بن ناصر العبيكان
стр. 4
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألَّا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أمَّا بعد؛ فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 5
وبعد:
فإن الله بعث أنبياءً ورسلًا إلى أُممهم، فأدَّى كل نبي رسالته أكمل أداء، وعلى أتم وجه، فمنهم مَن أثْمَرَت دعوته وهو بين ظهرانيهم، ومنهم من جعل بينه وبين إتمام دعوته عوائق من فعل أشقياء قومه، ومنهم من انتقم الله له من قومه، ومنهم. . . . .، ومنهم. . .
ثم ختمهم بمحمد ﷺ ، فاختصه بمنزلة رفيعة فجعله آخرهم وخاتمهم وأفضلهم، وجعل شرعه ودعوته ودينه أكمل الأديان والشرائع، ومهيمنًا عليها، ثم جعل أنصاره وأصحابه أفضل الأمم قاطبة، لكمال متابعتهم له، واقتدائهم به، فما مِن خيرٍ إلَّا حثَّ أمَّته عليه، وما مِن شرٍّ إلَّا حذَّرَهَا منه، فصار هديه أكمل الهدي، وصار أتباعه مُبَلِّغين لهديه إلى مَن بعدهم، وما ذاك إلَّا لمَّا رأوا من حُسن سياسته لهم وجميل معاملته إياهم، وكريم أخلاقه وطيب شمائله، والنفوس مجبولة على حب مَن حسنت معاشرته وصحبته، كيف لا ورب العالمين يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، فمِن رحمة الله لهذه الأمة أن جعل نبيها أكمل الناس خُلُقًا، وأليَنَهم جانِبًا، وأكثرهم تحمُّلًا، وأسهلهم أخلاقًا، فكل هدي دون هديه، وكل خُلُق دون خلقه، وما امتداح
стр. 6
الله له بخاف على كل ذي لب، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وتع: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
فمِن رأفته ورحمته: إيناسه لأصحابه ومباسطته إياهم، ومداعبته لهم لتقوى الآصِرَةُ بينه وبينهم، وليكون أنموذجًا لكمال الصحبة. فكان ذلك حتى أحبوه أشد من حبهم لأبنائهم وأموالهم بل ومن أنفسهم. فقبلوا قوله وفعله وأمره ونهيه وصدَّقُوه في كُلٍّ، ثم حملوا رسالته وانتهجوا نهجه في كل صغير وكبير فكانوا بذلك خير الناس، فإنه لما كَمُلَت بنبيهم القدوة، شرف به الاقتداء، ومع ذلك لم يحبسوا هذا الخير لأنفسهم، بل بلغوه من وراءهم، ولم يكتموا شيئًا، فقبل مَن بعدهم بلاغهم لأنهم «أي صحابته» أعلم الخلق بدين الله بعد نبيهم ﷺ ، وآمنهم على شرعه، فهم خير قرن، وخير صحب، وخير رعيل، فأخذوا الدين صافيًا فبلغوه كما أخذوه.
ثم أتت بعدهم قرون تترا منهم مَن سلك سبيلهم حذوا القذّة بالقذّة فوفِّق لكل خير؛ ومنهم مَن خالف هَديهم، فَتَشَعَّبَت به الطُّرُق. وما ذاك إلَّا بالخروج عن هدي النبي ﷺ وسنته ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ فعبد الله بما لم يشرع ودَعَوْا إليه بما لم يأذن به. فلم
стр. 7
تثمر دعوتهم إلا أكلًا خمطًا، فلو أن القوم انتهجوا نهجه في الدعوة إلى الله لكفوا مؤونة الاستجابة، ولم تلحقهم بعد ذلك تبعة، لكنهم خالفوا فأخطأوا، فليتهم خرجوا كفافًا.
وأعظم من ذلك خطأ أن يُحوِّر البعض سنن النبي ﷺ بزعم أن ذلك يجعلها مقبولة عند أهل العصر، فهلَّا عرضوا فعلهم هذا على قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، أم أنهم يرون أن لكل عَصْرٍ أمرًا؟
стр. 8
جهل القوم (وأيم الله) هديه أو تجاهلوه، ومما جهلوا: هديه وأدبه في المباسطة والمزاح والإيناس، ففرط بعض وأفرط آخرون، والقصد بين ذلك. فمن فرط لم يتدبر قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ولم يقف عند شمائله ﷺ وحسن عشرته، ومن أفرط خالف وجانب ونسب غير هدي النبي ﷺ إليه، بل زاد ضغثًا على إبَّالة، والطين بلَّة لما سوَّغ لنفسه ذلك، فليته عرض ذلك على سنن الأنبياء وأخلاقهم إن كان عارفًا بها؟ فمن أين جوَّز لنفسه رديء الكلام والكذب الحرام والسخرية بالدين والمسلمين و .. و .. ثم يزعم أن ذلك من باب تأليف القلوب وإمتاع السامعين وإيناسهم.
أما نحن فنبرأ إلى الله من نسبة شيء إلى رسول الله ﷺ لم
стр. 9
يفعله ولم يأمر به، والحمد لله الذي منَّ علينا بأن ميَّزَنا بمنهج وهدي واضح جلي مُغْنٍ عما سواه، فلا هدي لأحدٍ قبل هدي محمد ﷺ ولا معصوم غيره، وكل يُؤخذ مِنْ قوله ويُترك إلَّا نبينا ﷺ .
هذا؛ ولما أوجب الله على المسلمين النصيحة لله ولرسوله ولأئمتهم وعامتهم، رأيت أن أبين هدي النبي ﷺ في المزاح والمباسطة ليتأسى متأسٍّ، ويتبين مخطئ وتَقَرَّ عينُ مُتَّبِع، فجمعت صورًا من مزاحه وضروب دعابته وحرصت على ما صح منها- قدر المستطاع- وما كان سوى ذلك بيَّنته- ما أمكن- والله المستعان.
ذلك؛ (والمرغوب إلى من يقف على هذا الكتاب أن يعذر صاحبه فإنه علَّقَهُ في حال بعده عن وطنه وغيبته عن كتبه، فما عسى أن يبلغ خاطره المكدود وسعيه المجهود مع بضاعته المزجاة التي حقيق بحاملها أن يُقال فيه: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» وها هو قد نصب نفسه هدفًا لسهام الراشقين، وغرضًا لألسنة الطاعنين، فلقارئه غنمه وعلى مؤلفه غرمه، وهذه بضاعته تفرض عليه، وَمَوْلِيَّتُهُ تهدى إليك، فإن صادفت كفؤًا كريمًا لها لن تعدم منه إمساكًا بمعروف أو تسريحًا بإحسان، وإن صادفت غيره فالله
стр. 10
تعالى المستعان وعليه التكلان.
وقد رضي من مهرها بدعوة خالصة إن وافقت قبولًا واستحسانًا، وبرد جميل إن كان حظها احتقارًا واستهجانًا، والمنصف يهب خطأ المخطئ لإصابته وسيئاته لحسناته، فهذه سُنَّة الله في عباده جزاءً وثوابًا. ومَن ذا الذي يكون قوله كله سديدًا، وعمله كله صوابًا، وهل ذلك إلا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، ونطقه وحي يُوحى». وسميته «مَرْوِيَّاتُ الْمُزَاح والدّعَابَة عن النبي ﷺ والصحابة» وجعلت أبوابًا وفصولًا دونك تقسيمها:
١. الباب الأول: فيه ذكر معنى المزاح والدعابة لغة ومما اشتقتا وأقوال أهل اللغة في تصريفهما.
٢. الباب الثاني: أقوال السلف في ذم المزاح مطلقًا.
٣. الباب الثالث: أدلة القائلين بتحريمه والرد عليهم.
٤. الباب الرابع: الرخصة في بعض المزاح بشروطه.
٥. الباب الخامس: مزاح النبي ﷺ وحُسن خلقه.
وفيه فصول:
١) الفصل الأول: في مزاحه ﷺ مع أهله.
٢) الفصل الثاني: في مزاحه ﷺ مع أصحابه.
٣) الفصل الثالث: في مزاحه ﷺ مع الصبيان.
٦. الباب السادس: في مزاح الصحابة والسلف ودعاباتهم.
стр. 11
٧. الباب السابع: فيما لا يجوز من المزاح.
ثم «الخاتمة لهذا البحث».
فكل صواب فيه فمن الله وحده لا شريك له، وما كان سوى ذلك فمن نفسي ومن الشيطان.
وعلى الله قصد السبيل وهو المستعان، وعليه التكلان ولا قوة إلا به.
وكتب:
أبو أنس
فهد بن مقعد بن حاسن النفيعي العتيبي
стр. 12
الباب الأول
في ذكر معنى المزاح والدعابة لغة، ومما اشتقتا منه، وأقوال أهل اللغة في تصريفهما
قال أبو بكر بن دريد:
«الْمَزْحُ: ضد الجدِّ، والمِزَاحُ: مصدر مازحته ممازحة ومزاحًا. والاسم المُزاح، ورجل مازح ومُمَازح وهو مصدر مزحتُ أمزح مزحًا».
وقال في باب النوادر:
«ويُقَالُ المِزاح والمُزاح، والمِزاحة، والمُزاحة أيضًا».
وأنشد:
أما المزاحة والمراء فَدَعْهُمَا ... خُلُقانِ لا أرضاهما لصديق
وقال ابن منظور الإفريقي في «لسان العرب»:
«المُزَّح من الرجال: الخارجون من طبع الثقلاء المتميِّزُون من طبع البغضاء».
وقال أيضًا:
«الدعابة: اللعب، وقد دَعِبَ فهو دَعَّاب لعَّاب، والدُّعْبُبُ
стр. 13
الدُّعابة، والدُّعْبيب أيضًا: المزَّاح».
«وأدْعَبَ الرجل أَمْلَحَ، أي: قال كلمة مَليحَة، وهو يَدْعَبُ دَعْبًا، أي: قال قولًا يُسْتَمْلَحَ. كما يقال مزح يمزح». اهـ بتصرف.
هذا ملخص ما ذكره أهل اللغة في معنى المداعبة والمزاح.
تنبيه:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن كلمة «مِزَاح» مشتقة مِن «زاح» أي: مال وحاد.
مستدلين على ذلك بما رُوِي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «هل تدرون لِمَ سُمِّيَ المزاح؟» قالوا: لا. قال: «لأنه زاح عن الحَق».
وهذا الذي ذهب إليه بعض أهل العلم غير صحيح، والجواب عليه من وجوه:
أولًا: أن هذا الأثر المنسوب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله
стр. 14
عنه - لم تصح نسبته إليه، بل هو (ضعيف) كما حقق ذلك الشيخ نجم عبد الرحمن خلف في تخريج «كتاب الصمت» لابن أبي الدنيا.
ثانيًا: أن هذا القول لازمه أن حرف «الميم» في كلمة «مزاح» زائدٌ على أصل الكلمة، وهذا غير صحيح، بل هو أصلي في اسم الكلمة وفعلها. فنقول: «يمزح مزحًا ومزاحًا» وقد بيَّنْتُ لك ذلك فيما تقدَّم، فأغنى عن الإعادة.
ثالثًا: أن مفهوم الأثر مخالف لحكم المزاح شرعًا، إذ أن مفهومه: أن المزاح باطل، لأنه مال وحاد عن الحق، وما كان غير حق فهو باطل، ولا شك ببطلان هذا المعنى، لثبوت المزاح عن النبي ﷺ قولًا وفعلًا، وعن أصحابه ﵃، وإقراره لهم، واستمرارهم على ذلك بعد وفاته ﷺ ، ولم يُعلَم عن أحد منهم أنه كره المزاح مطلقًا.
رابعًا: مخالفة هذا الأثر- مع كونه لا يثبت سندًا- لما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ في غير ما حديث من أنه مازح النبي ﷺ وإخوانه من الصحابة ﵃، وتمازحوا بحضرته فلم ينكر عليهم، وَسَتَمُرُّ بك أمثلة لذلك إن شاء الله.
خامسًا: ثم على فرض ثبوت الأمر عن عمر ﵁، فإنه من الممكن أن يُحْمَل معناه على أن المزاح غير حق فيؤخذ
стр. 15
على ظاهره، ولا يلزم من ذلك أن يكون باطلًا، إذ ما كلُّ ما ليس بحق يكون باطلًا مطلقًا، وإلا لَمَا مازح النبي ﷺ أصحابه ولما عَدَّه بعض الأئمة سُنَّةً مستحبة وعلى هذا: فالمزاح ضربٌ من الكلام المستحسن الذي لا يُؤخذ على أنه حق وصدق، كما لا يلزم منه أن يكون كذبًا وباطلًا، إذ بإمكان المرء أن يمازح أخاه متجنبًا الفحش في القول والفعل، والكذب والإخبار بخلاف الواقع.
وما أحسن ما قاله القاضي عياض في شرحه لحديث أم زرع:
قال: «وأما قول من قال: (إنما سُمي المزاح مزاحًا؛ لأنه زاح عن الحق)، فلا يصح لفظًا ومعنى، أما معنى: فقد كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلَّا حقًّا. وأما اللفظ فإن الميم في المزاح أصلية، ثابتة في الاسم والفعل» اهـ.
стр. 16
الباب الثاني
في ذكر ما روي عن السلف في ذم المزاح والإكثار منه
وردت نقول كثيرة جدًّا عن السلف الكرام في ذم المزاح والتزهيد فيه، والتحذير من الإكثار منه، لما يعقب ذلك من وحشة وتنافر وقطيعة وتناكر.
فمن تلك نقول:
١. ما صح عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «لا يبلغ رجل حقيقة الإيمان حتى يدَعَ المِرَاءَ وهو مُحِقٌّ، والكذبَ في المزاح».
فكأنَّ عمر ﵁ أراد حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه».
стр. 17
٢. رُوِيَ عن عمر ﵁ أنه قال: «مَن مَزَح استُخِفَّ به».
ويروى بلفظ: «مَن كَثُر ضحكه استُخِفَّ به وذهب بهاؤه».
٣. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: «اتقوا الله، وإياي والمزاحة، فإنها تورث الضَّغِينَةَ وتُثير الحَمَقَة. تحدثوا بالقرآن، وتجالسوا به، فإن ثقُل عليكم فحديث حسن من حديث الرجال».
٤. ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «من كثر كلامه وضحكه ومزاحه، قلَّت هيبته، ومن أكثر من شيء عُرِفَ به».
ويُروى مثله عن الأحنف بن قيس.
ويُروى نحوه مرفوعًا إلى النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁.
إلا أنه لا يصح بل هو حديث منكر كما في «العلل المتناهية»
стр. 18
لابن الجوزي (٢/ ٧٠٧).
٥. وقال إبراهيم النخعي: «لا يكون المزاح إلا من سُخْفٍ وبَطَرٍ».
٦. وقال خالد بن صفوان: «المُزاح: سِبَاب النَوْكَى».
٧. وقال في التحذير من سوء عاقبة الإكثار من المزاح: «يصُكُّ أحدكم صاحبه بأشد من الجندل، ويُنْشِقُهُ أَحَرَّ من الخردل، ويُفْرِغ عليه أحرَّ من المرجل، ثم يقول إنما كنت أمازحك».
٨. وفي مثل هذا يقول محمد الورَّاق:
تلقى الفتى يلقى أخاه وَخِدْنَهُ ... في لَحْنِ منطِقِهِ بما لا يُغْفَرُ
ويقول كنت ممازحًا وملاعبًا ... هيهات نارك في الحشا تَتسعَّرُ
ألهبتها وطفقت تضحك لاهيًا ... مما به وفؤاده يتفطرُ
أو ما علمت، ومثل جهلك غالبٌ ... أن المزاح هو السِّباب الأكبرُ
٩. وروي عن الحسن بن حُيَي: «المزاح استدراج من
стр. 19
الشيطان واختداع من الهوى».
١٠. وقال عبد الرحمن بن الحسين: «كان يُقال: المزاح مسلبة البهاء، مقطعة للصداقة».
زاد ابن حبان: « ... ويورث الضَغَنَ ويُنبتُ الغلَّ».
١١. وقال ميمون بن مِهْران الجَزَرِي: «إذا كان المزاح أمام الكلام، فآخره الشتم واللِّطام».
وفي هذا يقول الشاعر:
فإياك إياك المزاح فإنه ... يُجرِّي عليك الطفل والدَّنِسَ والنَّدلا
ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورثه من بعد عزته ذُلَّا
١٢. وقال محمد بن المنكدر: «قالت لي أمي: لا تمازح الصبيان فتهون عليهم».
١٣. وما أعظم ما أوصى مسعر بن كدام ابنه كدامًا به إذ يقول:
стр. 20
إني نَحَلْتُكَ يا كدام نصيحتي ... فاسمع لقول أبٍ عليك شفيق
أما المزاحة والمراء فَدَعْهُما ... خُلُقَان لا أَرضاهُما لصديق
إني بَلوتُهما فلم أحْمَدْهُما ... لمجاور جارًا ولا لرفيق
والجهل يُزرِي بالفتى في قومه ... وعروقُهُ في الناس أيُّ عروق
١٤. وقال أبو حاتم بن حبان: «إن من المزاح ما يكون سببًا لتهييج المراء، والواجب على العاقل اجتنابه ... ».
وقال أيضًا: «والمزاح إذا كان فيه إثم فهو يُسَوِّدُ الوجه ويدمي القلب ويحيي الضغينة».
١٥. وقال الإمام ابن عبد البر: «وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح لما فيه من ذميم العاقبة، ومن التوصل إلى الأعراض واستحلاب الضغائن، وإفساد الإخاء؛ وكان يقال: لكل شيء بَدْءٌ، وبَدءُ العداوة المزاح، وكان يقال: لو كان المزاح فحلًا ما أَلقَحَ إلا الشر».
إلى غير ذلك من النُّقُول وفيما ذكرناه غُنيَةً إن شاء الله.
ثم اعلم- رحمك الله وسَدَّدَك- أن هذه الآثار والنقولَ التي سقت لك بعضها وما كان في معناها محمولةٌ على الإكثار من
стр. 21
المزاح والضحك والمداومة عليه والإفراط فيه؛ لأن الإكثار منه مشغلٌ للعبد عن الذي خُلِقَ له، ومضيِّعٌ للأوقات في اللعب والهزل، كما أنه مسقط للمهابة والوقار. فضلًا عن أن يكون مُقَسٍّ للقلب، بل مُميتًا له، وعلى هذا يُحْمَل حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب».
стр. 22
الباب الثالث
في ذكر أدلة القائلين بتحريمه والرد عليهم
ربما ذهب بعضهم إلى القول بحرمة المزاح والنهي عنه مطلقًا مستدلين على ذلك بأدلة من أظهرها:
أولًا: ما رواه الترمذي من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تَعِدْهُ موعدًا فَتُخْلِفه».
قالوا: فهذا دليل صحيح صريح في النهي عن المزاح.
فَيُرَدُّ عليهم بأن يُقال:
إن القول بأن الحديث (صحيح صريح) غير صحيح من وجهين هما:
الوجه الأول: أما القول بصحة سنده فاعلم «رحمك الله» أن الحديث (إسناده ضعيف) أولًا.
وأنا أسوق لك إسناده من «جامع الترمذي» قال: «حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا المحاربي، عن الليث بن أبي سليم، عن عبد الله بن بشير، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄ قال: فذكره.
وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من
стр. 23
هذا الوجه».
ومن هذا الوجه رواه أبو نعيم عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد قال: حدثنا محمد بن أحمد المؤمل قال: حدثنا زياد بن أيوب به.
وقال أبو نعيم: «هذا حديث غريب من حديث عكرمة لم يَرْوِه عنه إلا ليث عن عبد الملك».
فالحديث إذن لم يخرجه إلا الترمذي وأبو نعيم، من طريق واحد، وكلاهما جزم بأن الحديث ليس له طريق غير هذا الطريق.
إذا عُلِمَ ذلك فإن هذا الطريق فيه علَّتان:
الأولى: عنعنة المحاربي وهو عبد الرحمن بن محمد فإنه كان يدلس، كما نقله الحافظ العسقلاني في «التقريب» عن الإمام أحمد.
وممن وصفه بالتدليس: العُقَيْلي.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه: (بلغنا أنه كان يدلس) كما نقل ذلك عن السيوطي في «أسماء المدلسين».
стр. 24
العلة الثانية:
(ليث بن أبي سليم).
وهو من الضعفاء المعروفين وأقوال أئمة الجرح فيه كثيرة أسوق لك ما تحصل به المعرفة بحاله إن شاء الله:
فقال عنه الإمام أحمد فيما رواه عن ابنه عبد الله: «مضطرب الحديث».
وقال الإمام أحمد أيضًا: «ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيًا منه في ليث بن أبي سليم وابن إسحاق وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم».
وقال عثمان بن أبي شيبة: «سألت جريرًا عن ليث ويزيد بن أبي زياد وعطاء بن السائب فقال: «كان ليث أكثر تخليطًا»، وقال أحمد: «أقول كما قال عن ابنه».
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: «كان ضعيف الحديث»، يعني ليث بن أبي سليم.
وقال ابن معين: «ضعيف إلا أنه يكتب حديثه»، وقال مرة: «منكر الحديث»، وقال النسائي: «ضعيف».
وكان ابن عيينة يُضَعِّفُه.
وقال أبو حاتم وأبو زرعة: «ليث لا يُشْتَغَل به هو مضطرب الحديث».
стр. 25
وقال أبو زرعة أيضًا: «ليِّن الحديث، لا تقوم به الحُجَّة عند أهل العلم بالحديث».
وقال ابن حبان: «اختلط في آخر عمره فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، يأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان وابن مهدي وابن معين وأحمد».
وقال الحاكم: «مجمع على سوء حفظه».
وقال الجوزجاني: «يضعف حديثه».
وقال الدارقطني: «ليس بحافظ»، و «سيِّئ الحفظ»، و «ضعيف»، و «ليس بالقوي».
وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه»: «ضعيف مدلس».
وقال الحافظ ابن حجر في «التقريب»: «صدوق اختلط أخيرًا فَتُرِكَ».
أما شيخه الهيثمي في «مجمع الزوائد» فقال: «ثقة ولكنه يدلس» وهذا تساهل ظاهر.
فإن النقول السابقة في جرح ليثٍ كافية لبيان ضَعْفِه.
فضلًا عن أن شيخ الهيثمي نفسه الحافظَ العراقيَّ حكى في «تخريج الإحياء»: «تضعيفه عن الجمهور»، ثم إن قول أبي نعيم
стр. 26
في «الحلية» بعد أن خَرَّج الحديث: «هذا حديث غريب من حديث عكرمة لم يروه عنه إلا ليث عن عبد الملك» تضعيف منه لهذا الطريق كما هو ظاهر، والله أعلم.
ومن أجل هاتين العلَّتين ضعف الحديث جمع من أهل العلم أذكر لك بعضهم:
١. الحافظ أبو الفضل زين الدين العراقي في «تخريج الإحياء» (٢/ ١٨٠)، وتبعه المناوي في «فيض القدير» (٦/ ٤٢١).
٢. الحافظ ابن حجر العسقلاني في «بلوغ المرام» (١٨/ ١٤١٢) من «سبل السلام».
٣. رمز له تلميذه السيوطي بالضعف في «الجامع الصغير» برقم (٩٨٦٥).
٤. استغرب الحديث ابن العربي المالكي في «عارضة الأحوذي في شرح الترمذي» (٨/ ١٦١)، وانظر ما قاله المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٦/ ١٣١).
٥. وقال الإمام عبد الرحمن بن الدَّيْبَع الشَّيْباني في «تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث» برقم (١٦١٥): «في سنده ضعيف، والله تعالى أعلم».
٦. وضعفه أيضًا العجلوني في «كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس» برقم (٣٠٤٥).
стр. 27
٧. وممن ضعفه من علماء العصر الإمام العلامة الحافظ شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀.
٨. ومنهم محدِّث الدِّيار الشاميَّة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ كما في «ضعيف الجامع» برقم (٦٢٧٤).
٩. ومنهم الشيخ الفاضل عبد القادر الأرنؤوط كما في تخريجه لـ «جامع الأصول» لابن الأثير (١١/ ٧٣٥).
وبعد أن سُقْتُ لك سند الحديث «وهو سند فذٌّ» وبيَّنت لك عِلله وعَضَّدتُ القول بتضعيفه بذكر تضعيف أئمة هذا الشأن له، فلا أظنك إلا موقِنًا ببطلان القول بصحَّته، وبقي أن نُبَيِّن بطلان ما ادَّعوه من أن الحديث صريحٌ في حرمة المزاح فأقول:
الوجه الثاني:
اعلم رحمك الله أن الحديث «على فرض ثبوته» غير صريح في تحريم المزاح مطلقًا، لما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يمازح أصحابه في غير ما حديث، وكانوا يتمازحون بحضرته فلم ينكر عليهم. وبذلك صَحَّت الأحاديث.
وفي هذا يقول القاضي عياض: «ورُويت عن أحاديث مشهورة في ممازحته بلالًا وأبا عمير وخَوَّاتًا وزاهرًا وأنسًا وعائشة، وقال للعجُوز: «إن الجنة لا يدخلها العجوز»، وقال لامرأة سألته عن زوجها: «أهو الذي بعينه بياض؟»، وقال لآخر: «لأحملنَّك على ابن الناقة»، وقال لجابر: «فهلَّا بِكْرًا تُداعبها وتُداعبك»، وروي «تُلاعبها وتُلاعبك» في أخبار معروفة، كلها دالَّة على تواضعه
стр. 28
وانبساطه للناس وتحببه».
وستمر بك- إن شاء الله- أحاديث في هذا الباب.
وقال الحافظ ابن حجر: «وقد أخرج الترمذي وحسَّنه من حديث أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقًّا»، وأخرج من حديث ابن عباس ﵄ رفعه: «لا تمار أخاك ولا تمازحه .. ). الحديث، والجمع بينهما: (أي مع حديث «إنا حاملوك على ولد الناقة») أن المنهي عنه ما فيه إفراط ومداومة عليه، لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكُّر في مهمات الدين ويؤدي إلى قسوة القلب والإيذاء والحقد وسقوط المهابة والوقار، والذي يسلم من ذلك هو المباح فإن صادف مصلحة مثل: تطييب نفس المخاطب ومؤانسته فهو المستحب».
وعلى هذا فالحديث إن صح فهو محمول على ما لو كان في ذلك تعدٍّ أو إساءة أدب أو إيذاء من ضرب أو ترويع أو أخذ حاجة.
وعليه، يكون الحديث من جِنْس قوله ﷺ : لا يَأْخُذَنَّ أحدكم متاع أخيه لَعِبًا ولا جِدًّا».
стр. 29
وقوله ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلمًا». والحديثان صحيحان.
وبما تقدَّم يتبين لك بطلان الاحتجاج بالحديث على النهي عن المزاح مطلقًا. والله الموفق.
ثانيًا:
وربما اسْتُدِلَّ بحديث أبي هريرة ﵁ في النهي عن كثرة الضحك، على كراهية المزاح والنهي عنه. ويُرَدُّ هذا الاستدلال بأن يُقال: ليس في الحديث دليل على حرمة الضحك بل ولا حتى القهقهة. وهي الضحك مقرونًا بصوت.
فإن كتب السُّنَّة مليئة بالأحاديث التي فيها ذكر ضحك النبي ﷺ حتى تبدو (أنيابه) وفي رواية (نواجذه) وفي رواية (أضراسه)، بل جاء في الحديث أن عمر بن الخطاب ﵁ ضحك حتى استلقى على قفاه من شدة الضحك وذلك بحضرة النبي ﷺ ، ولم ينكر عليه ذلك كما في حديث مبايعة هند بنت عتبة ﵂ لرسول الله ﷺ وقد جاءته متنكرة حتى لا يعرفها لأجل صَنيعها بعمِّه حمزة بن عبد المطلب ﵁.
стр. 30
ومثله حديث المقدام ﵁ كما في (صحيح مسلم) أنه ضحك حتى استلقى.
وحديث عدي بن حاتم ﵁ لمَّا قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين، أتعرفني؟ قال: فضحك حتى استلقى لقفاه ثم قال: «نعم، والله إني لأعرفك .. » الحديث رواه أحمد.
ولا شك أن الصحابة ﵃ أبعد الناس عن مناهي الله ورسوله ﷺ ، وإنَّما وقع ذلك منهم على النُّدْرَةِ «أي: الاستلقاء من شدة الضحك» لكنه مشعر بأنهم لا يرون في الضحك بأسًا تأسيًّا بالنبي ﷺ .
ثم إن النبي ﷺ إنما أراد من هذا الحديث، تجنُّب كثرة الضحك كما هو ظاهر النص، لما يَعْقُب ذلك من قسوة القلب بل موته إذا تمادى صاحبه فيه، ولما يعقبه من الانشغال عن حياة القلوب والأرواح بما خُلِقَت له من ذكر وعبادة وتَنَسُّكٍ.
وما أحسن ما قاله ابن العربي ﵀: «المعنى فيه أن المرء إنما يضحك عند تأَتِّي الآمال، وصلاح الأحوال بما يناله من السرور فإذا ضحك اغْتَرَّ فأثَّر ذلك في قلبه بعدم الخوف، ففتر أو كَعَّ عن الاجتهاد في العمل لغفلة القلب، فإذا أكثر من ذلك وداوم عليه مات قلبه بترك أصل العمل وإعراضه عن الخوف في
стр. 31
العاقبة».
ومثله قول المباركفوري ﵀: «أي تُصَيِّرُهُ (يعني: كثرة الضحك) مغمورًا في الظلمات، بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافِعةٍ ولا يدفع عنها مكروهًا، وذا من جوامع الكلم».
ثالثًا: وربما استُدِلَّ بحديث: «المزاح استدراج من الشيطان، واختداع من الهوى».
فيُجاب عنه بأن يقال: «هذا الحديث ليس فيه شيء من كتب السُّنَّة، فهو حديث «لا أصل له»، ولم أجد مَن نَسَبَه إلى النبي ﷺ سوى الماوردي في كتابه «أدب الدنيا والدين»، وعنه الغَزِّي في كتابه «المراح في المزاح».
وهما مع ذلك ذكراه مُصدَّرًا بصيغة التمريض فقالا (روي) إشعارًا بضعفه.
وهذه الصيغة عند أهل الحديث لا تُصَدَّر إلا بما ضعف من الأحاديث.
ومن هذا يعلم خطأهما رحمهما الله في تصديرهما الحديث بهذه الصيغة التي تشعر بأن له أصلًا وإن كان ضعيفًا.
ثم إن نكارة الأثر ظاهرة لكل ذي بصيرة ولله الحمد، فكيف
стр. 32
يكون المزاح استدراجًا من الشيطان وهو سُنَّة مستحبَّة إذا توفَّرت فيه الشروط التي ذكرها العلماء في كتب الأدب والزهد والرقاق.
وكيف يكون استدراجًا وقد كانت تُؤلَّف به قلوب حتى تدخل الإسلام، كما في قصة خوَّات بن جبير ﵁. وستأتي.
بقي أن تعرف- رعاك الله- أن هذا الأثر رواه ابن أبي الدنيا في «كتاب الصمت وآداب اللسان» عن الحسن بن حُيَيِّ ﵀ بسند (ضعيف أيضًا)، فلا تقوم به حجة، وإنما يذكر وغيره في كتب الزهد والرقائق من باب الاستئناس فقط.
وعلى هذا فإن معنى الأثر هو: أن بعض المزاح يُجْرِيه الشيطان على لسان المرء ليكون مبدأ خصومة وجدال وتنافر ووحشة ومسببًا للشحناء .. والله أعلم. فبطل بذلك الاستدلال بهذا الأثر على كراهة المزاح مطلقًا والحمد لله.
رابعًا:
وربما استُدِلَّ بأثر عمر ﵁ أنه قال: «إنما سمي المزاح مزاحًا؛ لأنه زاح عن الحق».
ويُرَدُّ على هذا الاستدلال من أوجه قَدَّمْتُ لك خمسة منها، فأُعْرِض عن إعادتها خشية الإطالة، لكن ثَمَّة وجه سادس
стр. 33
يحسن أن أُنبِّه عليه وهو:
الوجه السادس:
أن هذا الأثر مخالف لصريح قول النبي ﷺ : «إني لا أقول إلا حقًّا»، لمَّا سأله أصحابه عن مداعبته لهم ومزاحه، كأنهم استنكروا ذلك منه، تعظيمًا لقدره، فأقرَّهم ﷺ على تسمية تلك الأفعال والأقوال التي رأوها منه «مداعبة ومزاحًا»، وزاد بأن بيَّن أن ذلك المزاح حق ليس فيه باطل، فظهر من ذلك أن المزاح قد يكون حقًّا.
فبطل بذلك الاحتجاج بهذا الأثر، والله أعلم.
خامسًا:
وقد يستدل بحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، فقال: «إني لا أقول إلا حقًّا».
стр. 34
ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ يستطيع أن يملك نفسه فلا يقول إلا حقًّا، خلافًا لغيره، فإنه لا يملك لسانه، وعلى هذا يفتح باب المزاح على مصراعيه فَيَلِجه من ليس أهلًا لأنْ يراقب منطقه، فيقول ما شاء دون أن يَزِنَ كلامه، فربما وقع في كبيرة من كبائر الذنوب، بل ربما ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، وهو لا يشعر كما في حديث الذين قالوا: «لم نَرَ مثل قُرَّائنا هؤلاء، أرغب بطونًا وأكذب أَلْسُنًا وأجبن عند اللقاء». فأنزل الله فيهم: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦].
وللرد على هذا الاستدلال يُقال:
إنه لَحَرِيٌّ بمَن خافَ أن يكبّه لسانه على وجهه في نار جهنم أن يراقِب نفسه في القول والعمل، وليس ذلك بمستصعب على مَن جعل قدوته النبي ﷺ ، وأما القول بأن إباحة المزاح فتح للباب على مصراعيه فليس بصحيح؛ لأن من أراد الاتِّباع والاقتداء بالنبي ﷺ سَاسَ نفسه بما ثبت عن نبيه ﷺ قولًا وعملًا، أمرًا ونهيًا، فعلًا وتركًا، وعلى هذا المنهج كان الصحابة والتابعون، ومَن تَتَبَّع ما روي عنهم في هذا الباب وجد أنهم لم يخرجوا عن الحق في مزاحهم، ولم يَلجُوا باب الباطل من كذب وسخرية.
ولو قُدِّر أن أحدهم وقع في ذلك فعلًا فإنما هم بشرٌ يصيبون
стр. 35
ويخطئون، وإن وقع الخطأ بادروا بالتوبة منه وإصلاح ما أفسدوا.
أما نبينا ﷺ فإنه مُنَزَّهٌ عن الباطل مُبْعَدٌ عنه.
ولهذا قال المباركفوري: «(لا أقول إلا حقًّا) أي عدلًا وصدقًا، لِعِصْمَتي عن ذلك في القول والعمل، ولا كل أحد منكم قادر على هذا الحصر لعدم العصمة فيكم».
سادسًا:
وربما استدل بما روى الحسن البصري عن النبي ﷺ من أنه كان لا يضحك. ويُرَدُّ على هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن الأثر مرسل، والمرسل من أقسام الحديث الضعيف.
الثاني: ما صحَّ عن النبي ﷺ أنه ضحك حتى بدت «أنيابه» وفي رواية «أضراسُه» وفي رواية «نواجذه» في مواطن كثيرة جمع بعضها أحمد المغاري في رسالة سَمَّاها «شوارق الأنوار المُنيفة بظهور النواجذ الشريفة».
стр. 36
وثَمَّة وجه ثالث وهو: مخالفة الحسن البصري ﵀ لغيره من علماء التابعين كابن سيرين، فإنه يحتج عليه في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣].
هذا ملخَّص بعض ما اسْتُدِلَّ به في هذا الباب والرَّد عليه والحمد لله أولًا وآخرًا.
стр. 37
الباب الرابع
الرخصة في بعض المزاح بشروطه
رخَّص أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين في المزاح، لكنهم جعلوا له قيودًا وشروطًا تضبطه حتى لا ينفتح بابه على مصراعيه فيفضي إلى محرم أو منهي عنه، كإثارة العداوة وإلهاب الضغينة، وما يوصل إلى التقاطع والتدابر وهجر الإخوان، وقطع الرحم، وكذلك القول الباطل، من كذب وسخرية واستهزاء وتنقص من الآخرين في الخُلُق والسلوك وغيره وأعظم من ذلك التنقص منهم في الخَلق والصورة، وبالجملة فما أفضى إلى محرم فهو محرم سدًّا لباب الذريعة وحسمًا لمادة الحظر، وعملًا بما هو أحوط.
نبَّهَ على هذا المعنى الإمام النووي ﵀ فقال:
«اعلم أن المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب وشغْلًا عن ذكر الله والفِكْر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار، فأما إن سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله على النُّدْرَةِ لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهو سُنَّة مستحبَّة،
стр. 38
فاعلم هذا فإنه مما يعظم الاحتياج إليه» اهـ.
وعليه فإن المزاح ضربان كما قال ابن حبان ﵀:
«والمزاح على ضربين، فمزاح محمود ومزاح مذموم.
فأما المزاح المحمود فهو الذي لا يشوبه ما كره الله ، ولا يكون بإثم ولا قطيعة رحِم، وأمَّا المزاح المذموم فالذي يثير العداوة ويذهب البهاء، ويقطع الصداقة، ويجرئ الدَنيَّ عليه ويحقد الشريف به».
وقال أيضًا: «وإذا كان «أي المزاح» من غير معصية فإنه يُسَلِّي الهمَّ ويرفع الخُلَّة ويحيي النفوس ويذهب الحشمة، فالواجب على العاقل أن يستعمل من المزاح ما يُنْسَب بفعله إلى الحلاة، ولا ينوي به أذى أحد ولا سرور أحد بمساءة أحد».
ثم ساق بسنده قول إبراهيم النخعي: «لا يمازحك إلا مَن يحبك».
وقال: «على أني أكره استعمال المزاح بحضرة الطعام، كما أكره تركه عند حضور الأشكال» أي: الأقران، ومقصوده مؤانستهم بحُكْمِ كَوْنِهِم في منزلة واحدة يجترئ بعضهم على بعض مع التزام الهدي النبوي في ذلك.
وعلى هذا فإن سلم المزاح والدعابة من هذه الأمور فإنه
стр. 39
يُرَخَّص فيه حينئذٍ؛ لأنه وافق هدي النبي ﷺ وسمته وخلقه ومعاملته لأصحابه ﵃، بل إنه والحالة هذه يكون سُنَّةً مستحبَّةً وهديًا متَّبَعًا.
ولهذا نقل عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يتمازحون، وعرف بعضهم بذلك واشتهر به مثل «النعيمان» و «سُوَيْبِط» و «حمار الذي جلد في الخمر» ولم ينكر عليهم رسول الله ﷺ ما اشتهروا به بل كان يَسْتَمْلح مزاحهم، وربما ضحك لهم، بل إنه ﷺ شهد لبعضهم بأنه يحب الله ورسوله، كما في قصة «عبد الله الذي كان يدعى حمارًا».
كما عرف ذلك عمن بعدهم من التابعين، كالشعبي وشعبة بن الحجاج والأعمش وابن أبي عتيق. وغيرهم.
وعلى هذا جرى عمل الأئمة في مصنفاتهم من صحاح ومسانيد وغيرها. فإنهم بَوَّبوا له في كتبهم للدلالة على تجويزهم له.
فقال البخاري في كتاب الأدب من «صحيحه»: «باب مَن ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحها». وقال: «باب التَّبَسُّم والضحك».
قال الإمام بدر الدين العيني: «أي: هذا باب في بيان إباحة التبسم والضحك».
стр. 40
وبَوَّب له الترمذي في «جامعه» فقال في كتاب البر والصلة «باب ما جاء في المزاح» وكذلك أبو داود في «السنن» وقال الترمذي في «الشمائل»: «باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله ﷺ ».
قال شارحه البَيْجُوري: «أي باب بيان الأخبار الواردة في صفة مزاح رسول الله ﷺ ».
وقال ابن ماجه في «السنن» «باب المزاح» من كتاب الأدب، وكذلك الإمام الدارمي في «سننه» من كتاب الاستئذان.
وقال ابن حبان في صحيحه «باب المزاح والضحك» من كتاب الحظر والإباحة.
ثم قال: «ذكر الإباحة للمرء أن يمزح مع أخيه المسلم بما لا يُحَرِّمُهُ الكتاب والسُّنَّة».
ولو تتبعنا من أفراد للمزاح بابًا من أئمة الحديث وسلف الأمة لطال بنا البحث، وفي ذكر هؤلاء الأعلام غُنْيَةٌ وكفايةٌ إن شاء الله.
следующие страницы →