← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 744

مرويات المزاح والدعابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة

فهد بن مقعد العتيبي

Полный текст (110 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وثَمَّة وجه ثالث وهو: مخالفة الحسن البصري ﵀ لغيره من علماء التابعين كابن سيرين، فإنه يحتج عليه في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]. هذا ملخَّص بعض ما اسْتُدِلَّ به في هذا الباب والرَّد عليه والحمد لله أولًا وآخرًا.

стр. 37

الباب الرابع الرخصة في بعض المزاح بشروطه رخَّص أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين في المزاح، لكنهم جعلوا له قيودًا وشروطًا تضبطه حتى لا ينفتح بابه على مصراعيه فيفضي إلى محرم أو منهي عنه، كإثارة العداوة وإلهاب الضغينة، وما يوصل إلى التقاطع والتدابر وهجر الإخوان، وقطع الرحم، وكذلك القول الباطل، من كذب وسخرية واستهزاء وتنقص من الآخرين في الخُلُق والسلوك وغيره وأعظم من ذلك التنقص منهم في الخَلق والصورة، وبالجملة فما أفضى إلى محرم فهو محرم سدًّا لباب الذريعة وحسمًا لمادة الحظر، وعملًا بما هو أحوط. نبَّهَ على هذا المعنى الإمام النووي ﵀ فقال: «اعلم أن المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب وشغْلًا عن ذكر الله والفِكْر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار، فأما إن سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله على النُّدْرَةِ لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهو سُنَّة مستحبَّة،

стр. 38

فاعلم هذا فإنه مما يعظم الاحتياج إليه» اهـ. وعليه فإن المزاح ضربان كما قال ابن حبان ﵀: «والمزاح على ضربين، فمزاح محمود ومزاح مذموم. فأما المزاح المحمود فهو الذي لا يشوبه ما كره الله ، ولا يكون بإثم ولا قطيعة رحِم، وأمَّا المزاح المذموم فالذي يثير العداوة ويذهب البهاء، ويقطع الصداقة، ويجرئ الدَنيَّ عليه ويحقد الشريف به». وقال أيضًا: «وإذا كان «أي المزاح» من غير معصية فإنه يُسَلِّي الهمَّ ويرفع الخُلَّة ويحيي النفوس ويذهب الحشمة، فالواجب على العاقل أن يستعمل من المزاح ما يُنْسَب بفعله إلى الحلاة، ولا ينوي به أذى أحد ولا سرور أحد بمساءة أحد». ثم ساق بسنده قول إبراهيم النخعي: «لا يمازحك إلا مَن يحبك». وقال: «على أني أكره استعمال المزاح بحضرة الطعام، كما أكره تركه عند حضور الأشكال» أي: الأقران، ومقصوده مؤانستهم بحُكْمِ كَوْنِهِم في منزلة واحدة يجترئ بعضهم على بعض مع التزام الهدي النبوي في ذلك. وعلى هذا فإن سلم المزاح والدعابة من هذه الأمور فإنه

стр. 39

يُرَخَّص فيه حينئذٍ؛ لأنه وافق هدي النبي ﷺ وسمته وخلقه ومعاملته لأصحابه ﵃، بل إنه والحالة هذه يكون سُنَّةً مستحبَّةً وهديًا متَّبَعًا. ولهذا نقل عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يتمازحون، وعرف بعضهم بذلك واشتهر به مثل «النعيمان» و «سُوَيْبِط» و «حمار الذي جلد في الخمر» ولم ينكر عليهم رسول الله ﷺ ما اشتهروا به بل كان يَسْتَمْلح مزاحهم، وربما ضحك لهم، بل إنه ﷺ شهد لبعضهم بأنه يحب الله ورسوله، كما في قصة «عبد الله الذي كان يدعى حمارًا». كما عرف ذلك عمن بعدهم من التابعين، كالشعبي وشعبة بن الحجاج والأعمش وابن أبي عتيق. وغيرهم. وعلى هذا جرى عمل الأئمة في مصنفاتهم من صحاح ومسانيد وغيرها. فإنهم بَوَّبوا له في كتبهم للدلالة على تجويزهم له. فقال البخاري في كتاب الأدب من «صحيحه»: «باب مَن ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحها». وقال: «باب التَّبَسُّم والضحك». قال الإمام بدر الدين العيني: «أي: هذا باب في بيان إباحة التبسم والضحك».

стр. 40

وبَوَّب له الترمذي في «جامعه» فقال في كتاب البر والصلة «باب ما جاء في المزاح» وكذلك أبو داود في «السنن» وقال الترمذي في «الشمائل»: «باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله ﷺ ». قال شارحه البَيْجُوري: «أي باب بيان الأخبار الواردة في صفة مزاح رسول الله ﷺ ». وقال ابن ماجه في «السنن» «باب المزاح» من كتاب الأدب، وكذلك الإمام الدارمي في «سننه» من كتاب الاستئذان. وقال ابن حبان في صحيحه «باب المزاح والضحك» من كتاب الحظر والإباحة. ثم قال: «ذكر الإباحة للمرء أن يمزح مع أخيه المسلم بما لا يُحَرِّمُهُ الكتاب والسُّنَّة». ولو تتبعنا من أفراد للمزاح بابًا من أئمة الحديث وسلف الأمة لطال بنا البحث، وفي ذكر هؤلاء الأعلام غُنْيَةٌ وكفايةٌ إن شاء الله.

стр. 41

فصل هذا وإن العاقل جدير به أن يتوخَّى بمزاحه إحدى حالتين: الأولى: إيناس المصاحبين والتودُّد إلى المُخَاطَبين، وهذا يكون بما أُنِسَ من جميل القول وَبُسِطَ من مُسْتَحْسَن الفعل. ومن هذا النوع قول النبي ﷺ للصبي الذي مات طائر كان له: «يا أبا عمير، ما فعل النُّغَير؟». رواه البخاري. فإنه ﷺ لما رأى على أبي عمير أثر الحزن والكآبة أراد أن يُؤْنِسَه ويداعبه لينفي عنه ما رآه. الثانية: نفي ما طرأ على النفوس من سَأَم أو همٍّ أو مللٍ. ومن هذا النوع قول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ - وقد رآه في المسجد نائمًا لِخِصَام كان بينه وبين زَوْجِه فاطمة ﵂ -: «قم أبا تراب، قم أبا تراب» وهو يَنْفض التراب عنه. رواه البخاري. وعلى هاتين الحالتين كان مزاح رسول الله ﷺ وأصحابه، يعلم هذا مَن تتبَّع ما ورد عنهم في هذا الباب. وفي هذه الحالة الثانية «الإحماض» الذي كان يفعله أهل

стр. 42

العلم في دروسهم ومجالس إملاء التلاميذ. وهو أن يأتي الشيخ بِمُسْتَظْرَفٍ من القول أو نادِرة كلامٍ أو مُسْتَحْسَنِ حديث أو قصة أو شعر إذا رأى على الطلاب أثر السآمة والمَلل. والإحماض في اللغة: مأخوذ من الحِمْض وهو نبات فيه ملوحة تَتَفَكَّهُ به وتشرب عليه الإبل إذا أكثرت من أكل النبات الحلو. فالإحماض هو: أخذ الشيخ شيئًا من مُلَح الكلام والحكايات وما يؤنس من أخبار وأشعار، لِيُريحَ طلابه خشية الملل عليهم. وفي ذلك كان يقول ابن عباس ﵄ إذا أفاض مَنْ عِنْدَه في الحديث بعد القرآن والتفسير: «أَحْمِضُوا». وكان الزهري ﵀ يقول: «الأذن مجَّاجة والنفس حَمْضَة» أي: الأذن تَمُجُّ ما تسمعه فلا تَعِيهِ إذا وُعِظَت بشيء أو نُهِيَت عنه، ومع ذلك فلها شهوة في السماع. قال الزهري: «والمعنى أن الأذان لا تعي كل ما تسمعه وهي مع ذلك ذات شهوة لما تَسْتَظْرِفُه من غرائب الحديث ونوادر الكلام». اهـ.

стр. 43

ومثاله: ما فعله العلامة السِّنْبَاوي المالكي المعروف بـ «الأمير الكبير» في كتابه «النخبة البهية». فإنه لما كان يملي على الطلاب، ورأى السآمة غشيتهم أورد أثرًا عن الصحابي عمر بن سراقة ﵁، أن النبي ﷺ بعثه في سرية فجاع، فكان لا يستطيع المشي، فَضَيَّفَه جماعة من العرب فأكل حتى مشى فقال: «كنت أحسب أن الرجلين تحملان البطن، فرأيت البطن تحمل الرجلين». والأثر لا مناسبة لِذِكْره في هذا الكتاب «النخبة البهية» ولكنَّ الأمير السنباوي ﵀ أراد أن يُذْهِب التعب والنَّصَب عن الطلاب بهذه الملحة ليستعيد الطلاب نشاطهم، ويطرحوا عنهم التعب والملل. فكان للأمير ما أراد. وفي هذا المعنى يقول ابن القيم ﵀ في نونيَّته: (وتخلل الفترات للعزمات أمرٌ لازم لطبيعة الإنسان) أي أن طبيعة الإنسان وجِبِلَّتَه لابد أن يلحقها فتور وتعب مهما بلغ به الجد والعزم على إنقاذ ما أراد، لذلك لابد من إجْمَامها والترويح عنها. وقد قيل: «إني لأستجم قلبي بشيء من اللهو

стр. 44

لأقوى به على الحق». ومنه قول أبي الدرداء: «إني لأحمل نفسي على الباطل لأعينها على الحق».

стр. 45

الباب الخامس مزاح النبي ﷺ ودعاباته وحُسن خُلُقه اعلم- رحمك الله وسدَّدك- أن النبي ﷺ بلغ الغاية التي لم يبلغها بشر سواه في جميل الأخلاق، وحُسن العشرة، فقد امتدحه الله في كتابه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. فكان لذلك أحسن الناس أخلاقًا، وأزكاهم نفسًا، وألينهم عَرِيكة، وأكرمهم عشرة، وكان هيِّنًا ليِّنًا سهلًا قريبًا، دائم البِشْر، منبسط الوجه، ضحوك السِّنِّ على أكثر أحواله، كثير التبسُّم لأصحابه، ما حدَّثهم حديثًا إلا وهو يبتسم. وقال جابر بن عبد الله ﵄: «كان رسول الله ﷺ إذا نزل الوحي قلت نذير قوم، فإذا سُرِّيَ عنه فأكثر الناس ضحكًا، وأحسنهم خلقًا». وفي رواية أخرى بلفظ: «كان رسول الله ﷺ إذا أتاه الوحي أو وَعَظ قلت: نذير قوم أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيت

стр. 46

أطلق الناس وجهًا، وأكثرهم ضحكًا، وأحسنهم بِشْرًا». ووصفه أحد أصحابه فقال: «ما رأيت أحدًا أكثر مزاحًا منه». وقال عبد الله بن عباس ﵄: «كانت فيه ﷺ دعابة». وقال عبد الله بن الحارث بن جزء ﵁: «ما رأيت أحدًا كان أكثر تبسُّمًا من رسول الله ﷺ ». وفي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «ما حَجَبَني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا ضحك». وكانت له ﷺ مهابة في صدور الناس فكان يباسطهم

стр. 47

بالدعابة، وطلاقة الوجه والبشاشة، فلا يحسب جليسُهُ أن أحدًا أكرم عليه منه؛ يخالط أصحابه ويجالسهم ويمازحهم ويضحك مما يضحكون وربما تبسم ﷺ . فعن جابر بن سمرة ﵁ قال: «جالست النبي ﷺ أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت فربما تبسَّم». وفي رواية: «فيتبسم معهم إذا ضحكوا». وعن أبي مالك الأشجعي ﵁ قال: «كنَّا نجالس النبي ﷺ فما رأيت أطول صمتًا منه، وكانوا إذا أكثروا عليه تبسم». وعن خارجة بن زيد بن ثابت قال: دخل نفر على زيد بن ثابت ﵁، فقالوا: حدِّثنا ببعض حديث رسول الله ﷺ ، فقال: «وما أحدثكم؟ كنت جاره فكان إذا نزل الوحي أرسل إليَّ فكتبت الوحي، وكان إذا ذكرنا الآخرة ذَكَرها معنا، وإذا ذكرنا الدنيا ذَكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذَكَرهُ مَعَنا، فكل هذا أحدثكم

стр. 48

عنه». وكان ﷺ يُقَبِّلُ صبيان أصحابه، ويمازحهم، ويداعبهم، وَيُجْلِسُهُم في حِجْرِهِ، فربما بال أحدهم في حجره، فلا يُزْرِمُهُ ولا يتضجر منه. فعن عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: «كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ ... » الحديث. وبال ابن أم قيس ﵄ في حِجْره فلم ينهره ولم يَرْمِهِ طُولَه. وبالجملة، فإنه ﷺ لم يخُصَّ مزاحه بأحد دون أحد، وما ابتسم في وجه بعض أصحابه وقَطَّبَ في وجه آخرين، بل مازح الصغير والكبير، والرجل والمرأة، والحر والعبد، والمحسن والمسيء، كما تبسم في وجه الأعرابي الذي جَذَبَهُ بردائه جذبةً شديدةً «وكان رداؤه بردةً نجرانيةً غليظة الحاشيةِ» فأَثَّرَت في صَفْحَة عاتقه ﷺ ثم قال الأعرابي: «يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك» فلم يَزِد رسول الله ﷺ على أن التفت إليه وضحك في وجهه

стр. 49

وأمر له بعطاء. -فبربك - هل علمت أحدًا من العالمين يقابل الإساءة بمثل هذا الإحسان غير رسول الله ﷺ ؟ فَرَفْعُ الصوتِ، وجَذْبُ الرداءِ، وتَأثيره في عنقه ﷺ ، ومناداتُهُ باسمه المجرَّد، والفَظَاظَةُ في الرِّفادة وطلب المال، كل هذا يكون ردُّه بضحك في وجهه، والتفاتة بوجه طَلق، وخفض في الصوت، بل ويأمر فوق ذلك بأن يعطى من المال ما أراد، فأي خُلُق أحسن من حُسْن الخُلُق هذا. قال الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال عزَّ من قائل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. تنبيه: نقل بعض الصحابة عن النبي ﷺ أنه ما كان يضحك إلا تبسمًا حتى لا تُرَى لهواته. كما في حديث عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان

стр. 50

يتبسم». ومثله حديث حصين بن يزيد الكلبي ﵁ قال: «ما رأيت النبي ﷺ ضاحكًا، ما كان إلا التبسم» حتى قال الإمام ابن الجوزي ﵀: «ولا يصح عن الرسول ﷺ أنه كان يزيد على التبسم». يَرِدُ عليه: ما صح من الأحاديث أن النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه مَروِيَّاتٍ عن عدد من أصحابه منهم «أبو هريرة، وصهيب، وأنس ﵃». وكضحكه في حديث الرجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان، وحديث جابر ﵁: «كان أكثر الناس ضَحِكًا». وحديث جرير ﵁، المُتَقَدِّمِين، وحديث الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ : «والله لا تجده إلا رجلًا قرشيًّا أو أنصاريًّا» فضحك له النبي ﷺ . وهو في «صحيح البخاري».

стр. 51

وحديث عمرة بنت عبد الرحمن قالت: قلت لعائشة ﵂: كيف كان رسول الله ﷺ إذا خلا؟ قالت: «كان أبرَّ الناس، وأكرم الناس، ضحَّاكًا، بسَّامًا». في أحاديث كثيرة يطول سردها، وقد تقدم بعضها. والنواجذ» هي الأضراس، ولا تكاد تظهر إلا عند المبالغة في الضحك، وعليه، فظاهر هذه الأحاديث معارض لظاهر الأحاديث المتقدمة في أن النبي ﷺ ما كان يزيد على أن يتبسم. وحتى يُدْرَأ هذا التعارض فإني أقول: اعلم- رحمك الله وسدَّدك- أنه لا منافاة بين كونه ضحك حتى بدت أضراسه، وبين حديث عائشة ﵂ المتقدم؛ لأنه يمكن التوفيق بينهما من ثلاثة أوجه- والحمد لله- وهي: أولًا: أن الأحاديث التي فيها إخبارٌ بأن النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه مُثْبِتَة للفعل، وحديث عائشة نافٍ له، والمقرر عند أهل العلم بالحديث والأصول أن المُثْبت مُقَدَّم على النافي. ثانيًا: أن عائشة ﵂ إنما نفت الاستجماع للضحك وهو التَّأهُّب له، وفرق بين الضحك، والاستجماع للضحك. قال الحافظ: «مستجمعًا ضحكًا» أي: مبالغًا في الضحك لم يترك منه شيئًا، يُقال: استجمع السَّيْلُ: اجتمع من كل موضع .. ».

стр. 52

وقال: «أي: ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك بحيث يضحَكُ ضحكًا تامًّا مقبلًا بكُلِّيَّته على الضحك». اهـ. واللَّهَوات: جمع لهاة: وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم، وهي لا تُرَى إلا في أسوأ الضحك، ولذلك جعلتها عائشة ﵂ مقياسًا لضحك النبي ﷺ ، فلا تُرَى إن ضحك، وترى أضراسه ونواجذه، وفرقٌ بين الأضراس واللهوات. ثالثًا: أن عدم رؤية الحصين بن يزيد وغيره من الصحابة لضحك النبي ﷺ ، لا يعني عدم رؤية غيرهم من الصحابة لضحكه ﷺ . فَهُمْ إنما نفوا رؤية الضحك، ولم يَنْفوا الضحك مطلقًا. فدلَّ على أن كل واحد من الصحابة حدَّث بما رأى، وكلهم عدول، تُقْبل رواياتهم، ولا يُرَدُّ منها شيء لعدم تعارضها- والحمد لله-. ومما تقدم يعلم مدى تصويب قول الإمام ابن الجوزي ﵀ المتقدم. وقول بعضهم أن «ضحكه لا يتجاوز التبسم كما هو متواتر، فكثرة ضحكه كناية عن كثرة تبسمه، وهو بالتالي كناية عن كثرة بشاشته».

стр. 53

وعليه: فلعل أقرب الأقوال وأعدلها بعد النظر في مجموع الأحاديث وسَبْر أقوال أهل العلم في فقهها أن يقال: أن النبي ﷺ كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، ولا يعني ذلك عدم الضحك، بل ربما ضحك من غير استجماع له. والله أعلم. ومع هذا فما كان مزاح النبي ﷺ إلا نُدْرَة وبحقٍ، كما في حديث أبي هريرة ﵁: «لا تكثروا من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب». ومثله حديث أبي هريرة ﵁ قال: «قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقا». فالحديثان دالان على أن مزح النبي ﷺ وضحكه ما كانا إلا بحق على قِلَّتِهِمَا، وما أشد هذين الشرطين، ومن أجل ذلك قال الإمام الغزالي ﵀: «إلا أنَّ مثله (أي: رسول الله ﷺ )، يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقًّا، وأما غيره إذا فُتِحَ باب المزاح، كان غرضه أن يُضْحِكَ الناس كيفما كان».

стр. 54

لذا فإني ذاكرٌ لك فصولًا فيها أمثلة من مزاحه ﷺ مع أهل بيته وأصحابه وصبيانهم، مُلْتَمِسًا ما صَحَّ منها، وفي كلها ما كان يقول رسول الله ﷺ إلا حقًّا.

стр. 55

فصل في مزاح النبي ﷺ مع أهل بيته وعِتْرَتِهِ كان لأهل بيت النبي ﷺ الحظ الأوفر من حُسن خُلقه، والقدح المعلَّى من جميل عشرته، لكثرة مخالطتهم إياه، ولمداومتهم على لُقْياه، فكان خير الناس لأهليهم، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، وفي رواية: «خياركم خياركم لأهله». وصح عن المقدام بن معد يكرب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب». وفي لفظ: «أن رسول الله ﷺ قام في الناس فحمد الله وأثنى

стр. 56

عليه ثم قال: «إن الله يوصيكم بالنساء خيرًا (مرتين)، فإنهن أمهاتكم وبناتكم وخالاتكم .. ». وقوله: «الأقرب» يعني: «الأدْنَونَ منك». وأدنى الناس من الرجل أهل بيته «وكَرَّرَ الفعل مع المُؤكِّد حثًّا على الاهتمام بالوصية». وفي هذا المعنى قال شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: «كان رسول الله ﷺ خير الناس لأهله، يداعبهم، ويتحدث معهم ﵊، ويأتيهم ويبيت معهم في الفراش ويجامعهم، ما كانت عنده الرهبانية التي تمنعه من قربان أهله والأُنْسِ بهم والتحدث إليهم، وربما تَعَرَّقت عائشة العظم ثم أَخذه فَتَعَرَّقَه، ووضع فمه موضع فمها، وربما شربت الماء ثم أخذ الفَضْلَة فشربها، كل هذا من باب المداعبة والإيناس للأهل، وإظهار الحب، ولما جاء قوم إلى بيته فسألوا عن عمله ﵊، فلما أخبروا بعمل النبي ﷺ كأنهم تقالُّوه، وقالوا: أين نحن من رسول الله وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما

стр. 57

أنا فأصلي ولا أنام، وقال الآخر: وأما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم، إلى آخره. فلما بلغ النبي ﷺ خطب الناس فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي، وأنام، وأصوم، وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتِي فليس مني». فالتَّقَشُّف الذي معناه ترك الحلال، وترك إيناس الأهل، وترك الأكل من الطيبات هذا خطأ». اهـ. ولذلك كثرت النصوص في مزاحه ودعابته وإيناسه لعائشة وزينب بنت أبي سلمة، والحسن، والحسين، وسودة بنت زمعة، وغيرهم من أهل بيته ﷺ و ﵃ أجمعين. وإليك- أخي الكريم- جملة صالحة منها: أولًا: روى النسائي في كتاب «عشرة النساء» بسند صحَّحه الحافظ ابن حجر، عن أبي سلمة ﵁ قال: قالت عائشة ﵂: «دخل الحبشة يلعبون، فقال لي النبي ﷺ : يا حميراء، تحبين أن تنظري إليهم؟».

стр. 58

وفي البخاري أن عائشة ﵂ قالت: «كان يوم عيد يلعب السودان بالدُّرَق والحراب، فإمَّا سألت النبي ﷺ ، وإما قال تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خَدَّي على خَدِّهِ وهو يقول: «دونكم يا بني أَرْفِدَة»، حتى إذا مللت قال: «حسبك؟» قلت: نعم، قال: «اذهبي». وفي لفظ للبخاري: «أن عمر زجرهم فقال ﷺ : «دعهم، أَمْنًا يا بني أرفدة». وفي أخرى عنده أيضًا: «أن عمر أَهْوَى إلى الحصى فحصبهم بها».

стр. 59

وفي أخرى: «قالت عائشة: فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن تسمع اللهو». فانظر- رحمك الله- إلى جميل دعائه لها بـ «يا حميراء» إيناسًا لخاطرها، وملاطفة لها، وتمليحًا لِخِلْقَتِها، وانظر إلى سهولته ﷺ ، وخفض جَنَاحِهِ لأهله، حتى يأخذوا حاجتهم مما يريدون دون أن يُعَجِّلَهُم وإن أثقلوا عليه. ففي كتاب «عشرة النساء» للإمام النسائي: أن النبي ﷺ قال: «أما شبعت؟ أما شبعت؟ قالت: فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده». وفيه أنه كان يقول: «حسبكِ، وهي تقول: لا تَعْجَل». فلا يعجل من أجل إيناسها، بل في بعض الروايات أن عائشة قالت: «ولقد رأيته يراوح بين قدميه» فأَعْظِم به من عَشِير ﷺ . ثانيًا: روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: «جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يَكْتُمن من أخبار أزواجِهِن شيئًا»، وفي آخره « ... قالت الحادية عشرة: زوجي

стр. 60

أبو زرع، فما أبو زرع؟ أَنَاسَ مِن حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وملأ من شحم عَضُدَيَّ، وَبَجَحَنِي فَبَجِحَتْ إليَّ نفسي، وَجَدَني في أهل غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ، فجعلني في أهل صَهِيلٍ وأَطيطٍ وَدَائِسٍ وَمِنَقٍّ، فعنده أقول فلا أُقَبَّح، وأرقد فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فأَتَنَقَّحُ ... ثم قالت: خرج أبو زرع والأَوطَابُ تُمْخَضُ فَلَقِيَ امرأةً معها وَلَدَانِ كالفهدين، يلعبان من تحت خَصْرِها بِرُمَّانتينِ، فَطَلَّقني ونكحها، فَنَكَحْتُ بعده رجلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وأخذَ خَطِيًّا، وأَرَاحَ عَليَّ نَعَمًا ثَرِيًّا وأعطاني من كل رائحة زوجًا، وقال: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أهلك، قالت: فلو جَمَعْتُ كُلَّ شيءٍ أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زَرْعٍ. قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : «كنت لكِ كأبي زرع لأم زرع». كأن النبي ﷺ قال ذلك تطييبًا لها، وطمأنينة لقلبها، ودفعًا

стр. 61

لإيهام عموم التشبيه بجملة أحوال أبي زرع، إذْ لم يكن فيه ما تذمّه النساء سوى تطليقه لزوجه، ويؤيد ذلك ما زاده الهيثم بن عدي: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع في الأُلفة والوفاء، لا في الفُرْقة والجلاء»، وكذلك زيادة الزبير بن بكار: «إلا أنه طلَّقها وإني لا أطلِّقكِ». قال النووي: «و (كان) زائدة أو للدوام كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: كان فيما مضى وهو باقٍ كذلك. والله أعلم». وفي الحديث دليلٌ على حسن عشرته لأهله ﷺ ، وأُلفته لهم، وفيه المزح أحيانًا وبَسْط النفس به ومداعبة الرجل أهله، وإعلامه بمحبته لهم. ثالثًا: عن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ عند بعض

стр. 62

نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام فضربت التي النبي ﷺ في بيتها يدَ الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: «غارت أمكم»، ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرت صحفتها، ومسك المكسورة في بيت التي كسرت فيه». في هذا الحديث بيان لجميل معاملته ﷺ لنسائه، فإنه لم يَلُمْ التي فلقت الصحفة على غيرتها بل مازحها بأن قال: «غارت أمكم»، وفي رواية عند النسائي أنه قالها مرتين. وفي الحديث اعتذار منه ﷺ لها، لئلا يحمل صنيعها على ما يذم، بل يجرى على عادة الضرائر في الغيرة، وفيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغَيْرَاء بما يصدر منها، لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة، فلذلك آنسها النبي ﷺ بتلك الكلمة للدلالة على عدم لَوْمِهَا في ما صنعت، وجمع فِلَقَ

стр. 63

الصحفة بنفسه. رابعًا: عن عائشة ﵂ قالت: ألا أحدثكم عني وعن النبي ﷺ ؟ قلنا: بلى، قالت: «لما كانت ليلتي التي هو عندي- تعني النبي ﷺ - انقلب فوضع نعليه عند رجليه، ووضع رداءه، وبسط طرف إزاره على فراشه فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، ثم انتعل رويدًا، وأخذ رداءه رويدًا، ثم فتح الباب رويدًا، وخرج وأجافه رويدًا، وجعلت دِرْعي في رأسي، واخْتَمَرْتُ وتَقَنَّعْتُ إزاري، فانطلقت في إثره، حتى جاء البقيع فرفع يديه ثلاث مرات، وأطال القيام، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، وسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: «مالك يا عائشة- وفي رواية- عائش- حَشْيَا رابِيَةً»، قالت: لا. قال: «لَتُخْبِرِيني أو لَيُخْبِرَنِي اللطيف الخبير»، قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته الخبر. قال: «فأنت السَّوَادُ الذي رأيته أمامي؟» قالت: نعم، فَلَهَدَني في

стр. 64

صدري لَهْدَةً أوْجَعتني، ثم قال: «أظننت أن يَحِيفَ الله عليك ورسوله؟» قالت: مهما يَكْتُم الناس فقد علمه الله، قال: «نعم»، قال: «فإن جبريل ﵇ أتاني حين رأيت، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، فناداني فأخفى منك فأجبته، فأخفيت منكِ فظننت أن قد رقدتِ، وخشيت أن تَسْتَوْحِشِي، فأمرني أن آتي أهل البقيع فأستغفر لهم». في هذا الحديث صور من جميل خطاب النبي ﷺ لأهله، ومداعبته إياهم بتَرْخيم اسمها، ولطيف استغرابه لارتفاع أنفاسها، من غير مستنكر من القول، حتى استمال قلبها، وأخبرته وهي راضية، ثم قال- ترويحًا لها وطمأنينة لها- «أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟» أي: أخشيت أن أدخل في يومك على غيرك من نسائي؟ فإن ذلك لن يكون مني، لأنَّهُ حَيْف وجَوْر، وهو مُنَزَّهٌ عنه ﷺ . خامسًا: وعنها ﵂ قالت: «أتيت النبي ﷺ بخريزةٍ قد طَبَخْتُها له، فقلت لسودة ﵂ والنبي ﷺ بيني وبينها: «كلي»، فأبت، فقلت: «لتأكلنَّ، أو لألطخن وجهكِ»، فأبت،

стр. 65

فوضعت يدي في الخريزة فَطَلَيْتُ وجهها، فضحك النبي ﷺ ، فوضع يده لها، وقال لها: «الْطَخي وجهها»، فضحك النبي ﷺ لها، فمرَّ عمر فقال: يا عبد الله يا عبد الله، فظن أنه سيدخل فقال: «قوما فاغسلا وجوهكما»، فقالت عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله ﷺ . وفي هذا الحديث ضرب من ضروب مزاحه ﷺ ، ودماثة خلقه، فإنه لما رأى ما فعلت عائشة بسودة ﵄، أراد أن تَقْتَصَّ لنفسها، فخفض لها ركبتيه لتستقيد منها- كما في رواية الزبير بن بكار- وهو في هذا يضحك استملاحًا لمزاحهما، بل إنه ﷺ ضَرَبَ معهما بسهم في المزاح، فقال لسودة: «الْطَخي وجهها»، فلطخت وجه عائشة ﵄، فضحك لها كما ضحك لعائشة. وليعلم أن هذا المزاح بين أمهات المؤمنين لم يكن فيه إثارة لضغائن كامنة أو أحقاد أو غيرها بين عائشة وسودة، وحاشاهن من ذلك، بل هو من جِنْس تَبَادُح الصحابة بالبطيخ، مع كون الأنفس مُتَوَادَّة متراحمة، فعن عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت

стр. 66

امرأة أَحَبُّ إليَّ أن أكون في مِسْلاخها من سودة». قال ابن الأثير: «كأنها تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها». وقال القاضي عياض: «وحقيقة ذلك أنها تمنَّتْ أن تكون هي، وإلا فإن أحدًا لا يكون في جلد غيره». وقال القرطبي: «تمنت أن تكون على مثل حالها في الأوصاف التي استحسنت منها؛ لأنها كانت حديدة القلب، حازمة مع عقل ودين». وبهذا عُلِم يقينًا- أن تلك الدعابة لم تكن عن حقد وبغضاء، ولو كانت كذلك، لعلمها النبي ﷺ ، فَلَمَّا كان الحامل عليها خلاف ذلك أذن لها في مثل هذا المزاح. سادسًا: وعن عائشة ﵂ قالت: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم، ولم أبْدُن. فقال للناس: «تَقَدَّمُوا»، فَتَقَدَّمُوا، ثم قال لي: «تعالي حتى أسابِقَكِ»، فسابقته

стр. 67

فسبقتُهُ، فسكت عني، حتى إذا حملت اللحم وبَدِنْتُ ونسيت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: «تَقَدَّمُوا» فَتَقَدَّمُوا، ثم قال لي: «تعالي حتى أسابِقَكِ» فسابقته فسبقني، فضحك وهو يقول: «هذه بتلك». قال الساعاتي ﵀: «فيه ملاطفة الزوجة وحُسن معاشرتها، وجواز مسابقتها بقصد المزح والملاعبة وإدخال السرور عليها، وهذا من مكارم أخلاقه ﷺ ». اهـ. قلت: يعرف هذا مَن قرأ سيرته وهديه مع أهل بيته. سابعًا: ومنها أن عليًّا وفاطمة ﵄ تخاصما فخرج علي من بيته ولم يَقِلْ عندها، فطلبه النبي ﷺ فوجده مُضْطَجِعًا قد سقط رداؤه عن شِقِّهِ وأصابه التُّراب فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ». ففي هذا الحديث ضربٌ جميل من إيناسه لعلي - رضي الله

стр. 68

عنه -، إذ رآه مغضبًا، فمازحه بتكنيته بما لا يغضبه بل يؤنسه ويفرح به، فقد صحَّ أنه ﵁ كان يفرح إذا دعي بأبي تراب. ثامنًا: روى أبو داود من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن العيزار بن حريث، عن النعمان بن بشير ﵁ قال: استأذن أبو بكر رحمة الله عليه على النبي ﷺ ، فسمع صوت عائشة عاليًا، فلما دخل تناولها لِيَلْطِمها، وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ ، فجعل النبي ﷺ يَحْجِزُه، وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال النبي ﷺ حين خرج أبو بكر: «كيف رأيتِني أنقذتُك من الرجل؟» قال: فمكث أبو بكر أيامًا، ثم استأذن على رسول الله ﷺ ، فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سِلْمِكُمَا كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي ﷺ : «قد فعلنا، قد فعلنا».

стр. 69

تاسعًا: ومن جميل عشرته لأهل بيته: حُنُوُّه على الحسن والحسين ﵄ وتقبيلُهما ومصُّ شفتيهما. فعن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يمصُّ لسانه أو شفتيه- يعني الحسن بن علي ﵄ - وإنه لن يُعَذَّب لسان أو شفتانِ مَصَّهُمَا رسول الله ﷺ ». ومثله عن ابن عباس ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ فَرَّجَ بين فخذي الحسين وقبَّل زبيبتيه». وكان يجلسهما في حجره ﷺ ويدعو لهما، ويحملهما في الخطبة، وربما ارتحلاه وهو ساجد، فلا يُعَجِّلُهمَا، وحمل أحدهما على عاتقه ممازحة له كما فعل بالحسن.

стр. 70

ومثله حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «رأيت الحسن والحسين على عاتقي النبي ﷺ ، فقلت: نعم الفرس تحتكما، فقال النبي ﷺ : «ونعم الفارسان». وعند الطبراني في «الأوسط»، أن النبي ﷺ كان يصلي فكان يمسكهما حتى لا يَقَعَا، فقال عمر: «نعم المطيَّة مطيتكما»، وعند أبي يعلى أن الصحابة ﵃ إذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما .. ». بل ربما صعد أحدهما على بطنه ﷺ فبال عليه وهو نائم فلا يُزْرِمُهُ حتى يقضي بوله. ومن ذلك ما رُوي أن الحسين صعد على بطن النبي ﷺ فوضع ذكره في سُرَّتِهِ، فبال، فأرادت زينب بنت جحش ﵂ أن تحُطَّه عن بطنه فَنَهَاهَا النبي ﷺ ... في حديث أطول من هذا .. وفيه: « ... ثم قام يصلي واحتضنه فكان إذا ركع وسجد وضعه وإذا قام حمله ... ».

стр. 71

ومن جميل مداعبته للحسن ما ثبت من أنه ﷺ كان يُدَلِّع له لسانه. فعن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ لَيُدَلِّعُ لسانه للحسن بن علي ﵁ فيرى الصبي حمرة لسانه فيبهش إليه». وعنه ﵁ قال: أخذ النبي- ﷺ بيد الحسن- أو الحسين- ﵄، ثم وضع قدميه على قدميه ثم قال: «تَرَقَّ». والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدًّا، وقد سُقْتُ لك جملة صالحة- إن شاء الله- منها في ذكر هديه في العشرة والمزاح مع

стр. 72

أهل بيته، وإن كان بعضها يفي بالمقصود، ولو أردت الإطناب والاستقصاء، لبلغت الوُرَيْقَات مجلدات ولعلَّ فيما تقدَّم مَنْدُوحة عن ذلك، والحمد لله.

стр. 73

فصل في مزاحه مع أصحابه ﵃ - لا شك أن كل عاقل إذا كانت له حَظْوَة عند أصحابه لا يصدرون إلا عن رأيه، ويمتثلون أمره فإنه يلاطفهم ويتحبب إليهم ويمازحهم دون أن ينال ذلك من منزلته أيَّ منال، وهو بذلك يُوطِّد تلك الحَظْوَة ويَأْسِر تلك القلوب، بجميل العشرة والصحبة. لذا فقد كان هدي نبينا ﷺ مع أصحابه كذلك، ولا غرو فهم أعلم الناس بسياسة القلوب وقد جاءت أحاديث صحاحٌ هنَّ شواهدُ لما أقول، فمن تلكم الأحاديث. أولًا: عن أنس بن مالك ﵁ قال: أتى رجل النبي ﷺ فاستحمله «أي سأله أن يُعْطِيَهُ حَمُولة يركبها» فقال رسول الله ﷺ : «إنا حاملوك على ولد ناقة»، قال: يا رسول الله، ما أصنع بولد ناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : «وهل تَلِد الإبلَ إلا النوق؟». ثانيًا: وعن الحسن البصري قال: أتت عجوز إلى النبي ﷺ -

стр. 74

فقالت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يُدْخِلَني الجنة، فقال: «يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز». قال الحسن: فَوَلَّتْ تبكي، فقال رسول الله ﷺ : «أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٧]. ثالثًا: عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهرَ- أو حرامَ بن حجال- وكان يهدي للنبي ﷺ الهديَّةَ من البادية، فَيُجَهِّزْه رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال

стр. 75

النبي ﷺ : «إن زاهرًا بادينا ونحن حاضروه»، قال: وكان يحبه النبي ﷺ ، وكان رجلًا دَميمًا، فأتاه النبي ﷺ يومًا وهو يبيع متاعه، فاحْتَضَنهُ من خلفه وهو لا يُبْصِره، فقال: «أرسلني، من هذا؟» فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النبيَّ ﷺ ، فجعل لا يَأْلُو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل النبي ﷺ يقول: «مَن يشتري العبد؟» فقال: يا رسول الله، إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال النبي ﷺ : «لكِنَّك عند الله لست بكاسد»، أو قال: «لكن عند الله أنت غالٍ». رابعًا: وعن عبد الحميد بن صَيْفِي، عن أبيه، عن جده صهيب ﵁ قال: قدمت على النبي ﷺ وبين يديه تمر وخبز، فقال: «ادنُ فَكُل» قال: «فأخذ يأكل من التمر» فقال له النبي ﷺ : «إن بعينك رمدًا» فقال: «يا رسول الله، إنما آكل من الناحية
следующие страницы →