Полный текст (751 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مدخل
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني ﵁ وأرضاه:
ــ
قال المؤلف "بسم الله الرحمن الرحيم" لا يخفى أن كل شارع في أمر له حظ من الشرف يضمر ما جعلت التسمية مبدأ له فالشارع في السفر يقدر أسافر بسم الله والشارع في التأليف يقدر أؤلف بسم الله فيكون مضمون الجملة حينئذ أؤلف مستعينا بسم الله وإنما ابتدأ بالبسملة في طالعة كتابه ليكون مقتديا بالكتاب العزيز وممتثلا لقوله ﷺ ابدؤا أموركم ذوات البال ببسم الله "وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم" وإنما ثنى بالصلاة على النبي ﷺ طلبا لمزيد الكمال للذات الأحمدية التي هي الواسطة العظمى في كل نعمة ولما ثبت في الخبر أن من صلى على في كتاب لا تزال الملائكة تستغفر له ما دام اسمى في ذلك الكتاب "قال أبو محمد إلخ" هذا كنيته وأما اسمه فهو عبد الله بن أبي زيد القيرواني نسبة إلى القيروان بلد بالمغرب وإنما كنى نفسه مع نهى الشارع عن تزكية النفس قال عز من قائل: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ تحدثا بالنعمة "﵁" أي أنعم عليه "وأرضاه"
стр. 2
الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته وصوره في الأرحام بحكمته وأبرزه إلى رفقه وما يسره له من رزقه وعلمه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيما ونبه بآثار صنعته وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخيرة من خلقه فهدى من وفقه بفضله
ــ
بلغه أمنيته حتى يرضى فهو أخص مما قبله "الحمد لله" ولما كانت النعم موجبة لشكر موليها وللقيام بحق مسديها وكان التأليف من أعظمها قال المؤلف لإنشاء الثناء الحمد لله أي الثناء بحميل الصفات مستحق لله "الذي ابتدأ الإنسان بنعمته" أي ابتدأ خلقه بإيجاده تفضلا وإحساناً منه لا وجوبا عليه "وصوره في الأرحام" الضمير في قوله وصوره يرجع إلى الإنسان وأفرده وإن كان المصور في الأرحام غير واحد مراعاة للفظ الإنسان وخص الإنسان وإن كان غيره كذلك يصور في الرحم لشرفه "وأبرزه إلى رفقه" أي أخرجه من ضيق الرحم إلى رحب الدنيا وأغدق عليه الأرزاق وكمله بالمعارف فالرفق حاصل له في كلا النشأتين نشأته في الأرحام ونشأته في سعة الدنيا "ونبهه بآثار صنعته" أي أيقظ الله الإنسا وجعل له عقلا يستدل به ونصب له الآثار الدالة على باهر الصنعة وكمال القدرة والوجود المطلق وسعة العلم والآثار جمع أثر وهو كل ما يدل على المؤثر كما تقرر عند ذوي العقول ونطق به القرآن الحكيم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ والآيات هي الآثار الدالة على وجود الصانع "وأعذر إليه على ألسنة المرسلين" أي قطع عذره فلا عذر له بعد إرسال الرسل وإلا لقال لولا أرسلت إلي رسولاً فأتبع آياتك "فهدى من وفقه بفضله" هداه
стр. 3
وأضل من خذله بعدله ويسر المؤمنين لليسرى وشرح صدورهم للذكرى فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين وبقلوبهم مخلصين وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين وتعلموا ما علمهم ووفقوا عند ما حد لهم واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم "أما بعد" أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه
ــ
أرشده وبين له سبيل الخير والشر قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ والتوفيق خلق قدرة الطاعة في العبد بمحض الفضل وضده الخذلان وهو إضلال من خذله بعدله ولا حجر عليه في ذلك لما له من تمام الملك وسعة التصرف ولذا نفى عن نفسه الظالم قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ والظلم التصرف في ملك الغير كيف ولله ملك السموات والأرض "ويسر المؤمنين لليسرى" أي هيأهم للأعمال الموجبة لسعادة الدارين قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "وشرح صدورهم للذكرى" أي فتح ووسع قلوب المؤمنين للإيمن فهم على نور من ربهم: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ "فأمنوا الخ" أي نطقوا بألسنتهم وأذعنوا بقلوبهم ووقفوا على ما حد لهم من الأعمال فامتثلوا المأمورات واجتنبوا المنهيات واستغنوا بما أحل لهم بالنص عما حرم عليه بالنص "أما بعد" هي فصل الخطاب فهي للفصل بين كلامين "أعاننا الله وإياك" قصد بهذه الجملة إنشاء الدعاء له ولمن حمله على تأليف الرسالة وهو الشيخ محرز بفتح الراء "على رعاية ودائعه" أي حفظ ما أودعه فينا من الجوارح السبعة السمع والبصر واللسان واليدان والرجلان والبطن والفرج وجعلت ودائع تشبيها لها بالودائع من المال
стр. 4
وحفظ ما أودعنا من شرائعه فإنك سألتني أن أكتب لك جملةمختصرة من واجب أمور الديانة مما تنطق به الألسنة وتعتقده القلوب وتعمله الجوارح وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها وشيء من الآداب منها وجل من أصول الفقه وفنونه
ــ
بجامع الحفظ من التلف والضياع فاستعمال الأعضاء المذكورة في غير ما جعلت له ضياع لها واستعمالها فيما جعلت له حفظ لها من الضياع "وحفظ ما أودعنا من شرائعه" الرعاية والحفظ بمعنى فارتكاب التعبير في جانب الأعضاء بالرعاية وفي جانب الشرائع بالحفظ للتفنن ولدفع الثقل الحاصل بالتكرار أو مندوبا وحفظها الجرى على مقتضاها "فإنك سألتني الخ" جواب أما التقدير أما بعد تقديم ما يجب تقديمه منا لثناء على الله والصلاة على رسوله فأقول إنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة "مما تنطق به الألسنة" كالشهادتين "وتعتقده القلوب" كالإيمان "وتعمله الجوارح" كالصلاة والصلاة "وما يتصل بالواجب من ذلك" الإشارة راجعة إلى ما تعمله الجوارح "من السنن" بيان لما يتصل "من مؤكدها الخ" بدل من السنن "وشيء من الآداب" وهي ما يسذكره آخر الكتاب كآداب الأكل والشرب ونحو ذلك "وجمل من أصول الفقه وفنونه" أراد بالأصول أمهات المسائل كمسئلة بيوع الآجال فهي أصل بالفنسبة لما يخرج منها لأنها البيع المتكرر على الوجه المخصوص إن أدى إلى محرم حرم
стр. 5
على مذهب الإمام مالك ابن أنس رحمه الله تعالى وطريقته مع ما سهل سبيل ما أشكل من ذلك من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين لما رغبت فيه من تعليم ذلك للوالدان كما تعلمهم حروف القرآن ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله
ــ
وإلا فلا وهذه كلية يخرج منها فروع كثيرة وفرع بالنسبة لما أخذت منه وهو الكتاب والسنة يدل على أن المراد بالأصول أمهات المسائل قوله "وفنونه" جمع فن وهو الفرع فتلخص أن هذه الرسالة في فروع الفقه بالنسبة لأخذها من الكتاب والسنة "على مذهب الإمام مالك" وطريقته متعلق بأكتب وأرد بمذهب الإمام قوله أي رأيه أي الحكم الذي رآه واعتقده وطريقته قول أصحابه وياقل في طريقته ما قيل في مذهبه من أن المراد الحكم الذي رأوه واعتقدوه وليس المراد بالقول اللفظ لأنه ليس حكما ووجه كون رأي أصحابه طريقته إنه لما كان مبنيا على قواعد مصح أن يجعل طريقة له "مع ما سهل" أي سألتني أن تكون هذه الجملة مصاحبة لما سهل أي بين طريق "ما أشكل من ذلك" المذهب "من تفسير الراسخين" بيان لما سهل أي هذا البيان مأخوذ من تفسير الراسخين في العلم "و" من "بيان المتفقهين" من أصحاب الإمام "لما رغبت فيه الخ" الخطاب لمحرز أي لما تعلقت به رغبتك من تعليم ذلك لأولاد المؤمنين كما تعلمهم حروف القرآن "ليسبق إلى قلوبهم" جواب عن سؤال مقدر فكأنه قال له لأي شيء خصصت الأولاد فقال لكي يسبق إلى قلوبهم "من فهم دين الله" وهو دين الإسلام
стр. 6
وشرائعه ما ترجى لهم بركتهوتحمد لهم عاقبته فأجبتك إلى ذلك لما رجوته لنفسي ولك من ثواب من علم دين الله أو دعا إليه. واعلم أن خير القلوب أوعاها للخير وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه وأولى ما عني به الناصحون ورغب في أجره الراغبون إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين ليرسخ فيها وتنبيههم على معالما لديانة وحدود الشريعة ليراضوا عليها وما عليهم أن تعتقده من الدين قلوبهم وتعمل به جوارحهم فإنه روي أن تعليم الصغار لكتاب الله يطفي غضب الله وأن تعليم الشيء في الصغر كالنقش في
ــ
"وشرائعه" وهي فروع الشريعة كالصلاة والصوم "فأجحبتك إلى ذلك" أي إلى سؤالك لما رجوت أي طمعت فيه "لنفسي ولك من ثواب" أي جزاء "من علم دين الله " أي الأحكام مطلقاً اعتقادية أو فرعية "أو دعا إليه" أي إلى التعليم "وأولي ما عني به الخ" أي اهتم به الناصحون بعد أداء ما عليهم من الفرائض إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين "وتنبيههم على معالم الديانة" وهي القواعد الدينية "وحدود الشريعة" أي الأحكام العملية "ليراضوا عليها" أي يتمرنوا عليها "فإنه روى الخ" ومعنى الحديث أن تعليم الصغار لكتاب الله يرد العذاب الواقع بإرادة الله وهل عن آبائهم
стр. 7
لحجر وقد مثلت لك من ذلك ما ينتفعون إن شاء الله يحفظه ويشرفون بعلمه ويسعدون باعتقاده والعمل به وقد جاء أن يؤمروا بالصلاة لسبع سنين ويضربوا عليها لعشر ويفرق بينهم في المضاجع فكذلك ينبغي أن يعلموا ما فرض الله على العباد من قول وعمل قبل بلوغهم ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم وسكنت إليه أنفسهم وأنست بما يعملون به من ذلك جوارحهم وقد فرض الله سبحانه على القلب عملاً من الاعتقادات وعلى الجوارح الظاهرة عملاً من الطاعات وسأفصل لك ما شرطت لك ذكره باباً باباً
ــ
أو عن معلميهم أو يرد العذاب عموما ذلك فضل الله "وقد جاء الخ" أي ورد في الحديث "ان يؤمروا" أي الصغار بالصلاة لسبع أي أمر ندب "ويضربوا عليها لعشر" والضرب لا يكون مبرحا أي لا يهشم لحما ولا يشين جارحة وهو غير محدود بل يختلف باختلاف الصبيان ومحله إن أفاد فإن الوسيلة إذا لم يترتب عليها المقصد لا تشرع "ويفرق بينهم الخ" التفرقة في المضاجع يكفي فيها أن يكون كل في ثوب وإن كانوا تحت لحاف واحد وعدم التفرقة مكروه ولا فرق في هذا بين الإناث والذكور "وقد فرض الله سبحانه على القلب الخ" كالإيمان وفيه مع قوله: "وعلى الجوارح"
стр. 8
ليقرب من فهم متعلميه إن شاء الله تعالى وإياه نستخير وبه تستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
ــ
مجاز إذ الفرض إنما هو على النفس "وإياه نستخير" أي نطلب منه الخيره أي إن كان فيه خير فيسره لي وإلا فلا "وبه نستعين" أي نطلب منه الإعانة أي الإقدار على فعل الخيرات "ولا حول الخ" أي لا تحول عن معصية الله إلا بعصمته ولا قدرة على الطاعة إلا بإعانته
стр. 9
باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات .
من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان.
ــ
"باب ما تنطق الخ" أي هذا باب في بيان الذي تنطق به الألسنة "وتعتقده الأفئدة" أي تجزم به القلوب وقد اشتمل هذا الباب على نحو مائة عقيدة وترجع في التفصيل إلى ثلاثة أقسام قسم فيما يجب لله تعالى وقد أشار له بقوله العالم الخبير إلى قوله الباعث بإخراج الغاية وقسم أشار له فيما يستحيل عليه بقوله لا إله غيره إلى قوله العالم الخبير بإخراج الغاية وقسم فيما يجوز في حقه وقد أشار له بقوله الباعث الخ واستظهر بعضهم أن أول الواجبات أن الله إله واحد لما أن الوجود المفهوم من قوله إله واحد صفة نفسية يجب اعتقادها له "الديانات" جمعها باعتبار المكلفين "من ذلك" أي الواجب "الإيمان بالقلب" أي التصديق بالقلب "والنطق باللسان" أي النطق بالشهادتين.
стр. 10
أن الله إله واحد لا إله غيره ولا شبيه له ولا نظير له ولا ولد له ولا والد له ولا صاحبة له ولا شريك له ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء لا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون يعتبر المتفكرون بآياته ولا يتفكرون في مائية ذاته: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
ــ
وظاهره أن الإيمان مركب منهما وظاهر كلامه الآتي أن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح أنه مركب من الثلاثة ونسب للمعتزلة وهذا كله باعتبار جريان الأحكام وإلا فالتصديق وحده ينجي صاحبه من الخلود في النار "أن الله إله واحد" أتى بالاسم الأعظم في كلمة التوحيد تنبيها على أنه هو الذي يقع به الإسلام لا غير فلا يجزي أن تقول لا إله إلا العزيز وغير ذلك من الأسماء "لا إله غيره" تأكيد لقوله إله واحد "ولا شبيه له ولا نظير" هما مترادفان على معنى واحد وهو نفي المماثل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ "ولا صاحبة" أي لا زوجة لأن هذا شأن المحتاج وهو الغني المطلق "ليس لأوليته ابتداء" أي ليس وجوده مفتتحا بأولية فيكون له أول ولا منقضيا بآخرية فيكون له آخر فهو القديم الباقي "لا يبلغ كنه صفته الخ" أي لا تدرك حقيقة صفته وبالأولى حقيقة ذاته "يعتبر الخ" أي يتعظ المتأملون بالعلامات التي نصبها على باهر قدرته "في مائية ذاته" أي لا يتفكرون في حقيقة ذاته لقوله ﵊ تفكروا في مخلوقاته ولا تتفكروا في ذاته " ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ الخ" أي لم يضق عن السموات
стр. 11
وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ العالم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وعلى الملك احتوى
ــ
والأرض " ﴿وَلا يَؤُودُهُ﴾ الخ" أي لا يثقله ولا يشق عليه حفظهما مع حفظ ما اشتملا عليه "العالم" أي بجميع الأشياء موجودها ومعدومها قديمها وحادثها واجبها ومستحيلها وجائزها ألا وهو بكل شيء عليم "القدير" صيغة مبالغة في قادر بمعنى أن قدرته كثيرة التعلق الممكنات كما أن سمعه وبصره متعلقان بجميع الموجودات "فوق عرشه" أي فوقية سلطنة وقهر قال تعالى: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ ﴿تُوَسْوِسُ بِهِ﴾ الخ أي الذي تتحدث به نفسه "وهو أقرب إليه الخ" أي أن الله تعالى أقرب للإنسان من حبل الوريد الذي هو جزء منه وحبل الوريد عرق بباطن العنق ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ الخ" بزيادة من لتأكيد العموم أي ما تسقط ورقة إلا في حال علمه بها لأن سقوطها بإرادته والإرادة على وفق ما في العلم ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ أي في بطونها ﴿وَلا رَطْبٍ﴾ الخ معطوف على ورقة والرطب ما ينبت واليابس ما لا ينبت ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ هو من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله.
ولما سئل عن ذلك الإمام مالك أجاب بأن الاستواء معلوم والكيف مجهول "وعلى الملك احتوى" أي أن الله تعالى محيط بجميع المخلوقات
стр. 12
وله الأسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع صفاته وأسمائه تعالى أن تكون صفاته مخلوقة وأسماؤه محدثة كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته لا خلق من خلقه وتجلى للجبل فصار دكا من جلاله وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره وكل ذلك قد قدره الله ربنا ومقادير
ــ
فلا يخفى عليه منها شيء "وله الأسماء الحسنى" وصفها بالحسنى لدلالتها على أشرف المعاني وأفضلها "والصفات الخ" جمع صفة وهي المعنى القائم بالموصوف كالقدرة والإرادة والعلي جمع العليا تأنيث الأعلى أي المرتفعة عن كل نقض "لم يزل بجميع صفاته الخ" أي لم يزل متصفا بجميع صفاته ومسمى بجميع أسمائه "تعالى أن تكون الخ" أي ليست صفاته مخلوقة ولا أسماؤه "كلم الله موسى" أي ناجاه وأسمعه كلامه القديم "وأن القرآن كلام الله" أي القائم بذاته وذاته لا يقوم بها إلا القديم "فيبيد" بالنصب في جواب النفي وحاصل المعنى أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد أي يفنى ولا صفة لمخلوق فينفد أي يذهب "والإيمان بالقدر خيره وشره" أي ومما يجب اعتقاده أن جميع الأشياء بتقدير الله لا يخرج منها شيء عن إرادته تعالى أن يقع في ملكه إلا ما أراده من خير وشر "وكل ذلك" الإشارة إلى الخير وما ذكر بعده "قد قدره الله ربنا الخ" أي أن تكوين الأشياء وإيجادها من كتم العدم إلى حيز التجلي على أنحاء شتى وأشكال مختلفة من طول وقصر ووقت دون وقت ومكان دون مكان صادر وواقع عن قضائه
стр. 13
الأمور بيده ومصدرها عن قضائه علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به. ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ فيخذله بعدله ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فيوفقه بفضله فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد أو يكون لأحد عنه غنى أو يكون خالق لشيء إلا هو رب العباد ورب أعمالهم والمقدر لحركاتهم وآجالهم الباعث الرسل إليهم
ــ
على حسب ما جرى به علمه وتعلقت به مشيئته "علم كل شيء قبل كونه" أي قبل وقوعه فلا يقع إلا على القدر الذي علمه ألا يعلم من خلق "فكل ميسر بتيسيره الخ" أي كل إنسان مهيأ إلى الذي سبق في علم الله من كونه سعيدا أو شقيا وعلى حسب استعداده لأن الله ما خلق الإنسان إلا على ما علمه وما علمه إلا على ما هو عليه فلله الحجة البالغة "تعالى أن يكون الخ" أي تنزه ربنا وجل مجده عن وقوع شيء في ملكه خارج عن تدبيره قاص عن سلطان مشيئته بل الأشياء كلها من عز وذل وغنى وفقر وعمل بر وغير ذلك بإرادته وقهر سلطانه ولا غنى لها عن قيوم السموات والأرض "باعث الرسل الخ" أول الرسل آدم وآخرهم محمد ﷺ أي من الجائز الذي يجب اعتقاده والتصديق به بعثة الرسل إلى من تحققت فيهم شروط
стр. 14
لإقامة الحجة عليهم ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد نبيه ﷺ فجعله آخر المرسلين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وأنزل عليه كتابه الحكيم.
ــ
التكليف وهي البلوغ والعقل وبلوغ الدعوة "لإقامة الحجة الخ" بيان لحكمة البعثة وهي قطع العذر وإلا لقالوا: ﴿لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ "ثم ختم الرسالة" الرسالة كون المرسل موحى إليه بشرع ومأمورا بتبليغه "والنذارة" هي التحذير من السوء "والنبوة" مأخوذة من النبأ وهو الخبر لأن النبي مخبر عن الله "بمحمد نبيه الخ" ولما كانت رسالة نبينا محمد ﷺ ونذارته ونبوته مانعة من ظهور نبوة ورسالة بعدها شبهت بالخاتم على سبيل المكنية والجامع المنع فكما أن رسالته مانعة من ظهور رسالة بعدها كذلك الخاتم يمنع من ظهور ما ختم عليه وذلك باعتبار أثر الآلة وختم قرينة المكنية "فجعله آخر المرسلين" أي صير الله نبينا محمدا ﷺ آخر المرسلين ﴿بَشِيراً﴾ من البشارة بالكسر للباء وهي إذا أطلقت لا تكون إلا بالخير وإذا قيدت جاز أن تكون بالشر كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ " ﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ﴾ الخ" الدعاء إلى الله تبليغ التوحيد إلى المكلفين ومكافحة الكفرة أي ردهم ﴿وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ أي ذا سراج منير وإنما كان شرعه سراجا منيرا يهتدي به الحائر لأن من اتبعه وسلك طريقه القويم يخرج به من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان "وأنزل عليه كتابا" أي ومما يجب اعتقاده والتصديق به ويكفر جاحده أن الله أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم
стр. 15
وشرح به دينه القويم وهدى به الصراط المستقيم وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من يموت كما بدأهم يعودون وأن الله سبحانه ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات وغفر لهم
ــ
كتابا محكما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه "وشرح به دينه الخ" أي أن الله فتح ووسع بنبيه محمد ﷺ : دين الإسلام "القويم" أي المستقيم والمراد لازم ذلك وهو إظهار الأحكام وبيانها على لسان نبيه وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين للناس مانزل إليهم "وهدى به الصراط الخ" أي هدى بمحمد ﷺ فهو شمس المعارف ومصدر الرشاد وعين اليقين وكفانا شرفا ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ " ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ الخ " أي ومما يجب اعتقاده والتصديق به ويكفر جاحده أن الساعة آتية من الإتيان وهو المجيء ووقت مجيئها موكول إلى علام الغيوب ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ومما يجب اعتقاده أن الله يبعث الأموات أي ينشئهم بعد موتهم إلى الحشر ولا خلاف في هذا بين المسلمين وإنما الخلاف هل إنشاؤهم عن عدم للذوات بالكلية أو عن تفريق استدل كل فريق منهم على مدعاه "وأن الله سبحانه الخ" ومما يجب اعتقاده أن الله يضاعف الحسنات لعباده المؤمنين بقدر الإخلاص وعلى حسب درجات الخشوع فالتضعيف يرتقي من عشر إلى سبعمائة بل إلى غاية عظيمة فقد أخرج الإمام أحمد أن الله يضاعف الحسنة إلى ألف ألف والمراد مضاعفة جزائها والحسنة ما يحمد عليها شرعا عكس السيئة وهي ما يذم عليها شرعا "وصفح لهم الخ" مما تفضل به المبدأ الفياض على عباده المؤمنين أن من
стр. 16
الصغائر باجتناب الكبائر وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ومن عاقبه بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله به جنته ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ويخرج منها بشفاعة النبي ﷺ من شفع له من أهل الكبائر من
ــ
اقترف منهم شيئا من كبائر السيئات ثم تاب وأصلح أنه يتجاوز عنه ويعفو على سبيل الفضل والكرم وأما الصغائر فتكفر باجتناب الكبائر "وجعل من لم يتب الخ" أي أن من اقترف شيئا من كبائر السيئات من المؤمنين ومات غير تائب فأمره موكول إلى مشيئة الله إن شاء عفا عنه فضلا وإن شاء عاقبه عدلا ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ "ومن عاقبه الله بناره الخ" أي ومما يجب التصديق به أن عصاة المؤمنين إن أراد الله تعذيبهم في دار العقاب يكون العقاب بقدر ما جنوا على أنفسهم من السيئات ثم تتغمدهم الرحمة فيخرجون من دار العقاب إلى دار السلام ولا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فالإيمان سبب في عدم الخلود في النار وسبب في دخول الجنة إلا أن مسببية الإيمان في دخول الجنة مع عفو الله ورحمته ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ "ويخرج منها الخ" أي ومما يجب التصديق به ثبوت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ ولغيره أيضا وإنما خصه بالذكر لكونه أول شافع فيخرج من النار بشفاعة نبينا من كان من أهل الكبائر من أمته الموحدين وأنكرت المعتزلة الشفاعة بناء على عدم تجويز الصفح والعفو عن الذنوب ولكنا راعينا الأدلة السمعية وهم
стр. 17
أمته وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم وهي التي أهبط منها آدم نبيه وخليفته إلى أرضه بما سبق في سابق علمه وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته وأن الله ﵎ يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابها وعقوبتها وثوابها
ــ
تمسكوا بالأدلة العقلية والسمع أجلى وأنور "وأن الله سبحانه الخ" أي أن الله خلق الجنة وأعدها دار خلود واستقرار حياة لعباده المؤمنين لا كد فيها ولا نصب بل هم في شغل فاكهون وبالنظر إلى وجه ربهم متنعمون "وخلق النار الخ" يعني أن الله خلق النار وأعدها دار خلود ومقر عقاب مؤبد لمن كفر به وألحد وزاغ عن الأدلة الدالة على وجود الصانع ووحدانيته وأنكر كتبه المنزلة ورسله المرسلة فهم في مقت الكفر مقيمون وعن رؤية ربهم يومئذ محجوبون "وأن الله تبارك الخ" قد ثبت في السمع أن الله يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا ولا يسعنا إلا التصديق بذلك ونكل علمه إلى صاحب الشرع وكان مالك وغيره يقول في هذه الآية وأمثالها اقرؤوها كما جاءت بلا كيف أي اقرؤوها وأحيلوا ظاهرها فلا تشبهوه بخلقه "لعرض الأمم الخ" متعلق بيجيء يعني أن جميع الأمم تعرض للنظر في أحوالها والحساب على أعمالها وهو أن يعدد على من أحضر
стр. 18
وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ويؤتون صحائفهم بأعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا وأن الصراط حق
ــ
للحساب كل ما فعل من حسنة ومن سيئة فيحاسب المؤمن بالفضل والمنافق والكافر بالحجة والعدل فالمؤمن يخلو بربه فيقول الله له: "سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك يوم القيامة" والكافرون يحاسبون على رؤوس الأشهاد وينادى بهم ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ " وتوضع الموازين الخ" أي تنصب الموازين لإظهار العدل ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ يأتي بها الله يوم القيامة ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ فهو المفلح الذي فاز بالسعادة التي لا شقاء بعدها ومن خفت موازينه فهو الشقي الذي شقي شقاء لا سعادة بعده "ويؤتون صحائفهم الخ" يعني أن الأمم يؤتون صحائفهم جمع صحيفة وهي كتب أعمالهم فإذا أعطوها يخلق الله تعالى فيهم علما ضروريا فيفهمون ما فيها فمن أوتي كتابه بيمينه كان ذلك دليلا على أنه من أهل اليمين والسعادة ومن أوتي كتابه بشماله كان ذلك دليلا على أنه من أهل الشقاء وأهل الشمال وكان الأولى للمؤلف أن يقدم قوله ويؤتون الصحف على الوزن لأن الوزن بعد الحساب والحساب بعد أخذ الصحف "وأن الصراط حق" وفي وصفه كلام طويل قيل إنه أدق من الشعرة وأحد من السيف وهو ما يفيده ظاهر الحديث وذهب إليه كثير وخالف في ذلك القرافي قائلا لم يصح في الصراط أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف والذي صح أنه عريض وفيه طريقان يمنى ويسرى
стр. 19
يجوزه العباد بقدر أعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ويذاد عنه من بدل وغير وأن الإيمان قول باللسان
ــ
فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين وأهل الشقاوة ذات الشمال وفيه طاقات كل طاقة تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم وجهنم بين الخلائق وبين الجنة والصراط منصوب على متن جهنم فلا يدخل أحد الجنة حتى يمر على جهنم "يجوزه العباد الخ" أي أن مرور الخلائق على الصراط يتفاوت بحسب تفاوتهم في الأعمال والإعراض عن حرمات الله فمنهم من يمر كالبرق ومنهم ناج مسلم أي من خدش الكلاليب ومنهم مخدوش مرسل أي تخدشه الكلاليب ثم يطلق منها ومكدوش في نار جهنم أي مدفوع إليها "والإيمان بحوض الخ" ومما يجب اعتقاده وجود حوض رسول الله ﷺ "ويذاد عنه من غير وبدل" أي يطرد ويبعد من غير وبدل كالمرتدين وترده أمته أي أتباعه الذين اتبعوه بإحسان حين خروجهم من قبورهم عطاشا فيشربون منه فمن شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا "وأن الإيمان الخ" فمن نطق بالشهادتين وأذعن بقلبه بصدق الرسول بما جاء به وعمل بأحكام الشريعة كالصلاة والصوم كان مؤمنا وإن لم يعتقد أن الإيمان مجموع هذه الثلاثة وإن أوهم ذلك كلام المصنف لعطفه على ما يجب اعتقاده لأن الإجماع على أن من آمن بقلبه ونطق بلسانه وعمل بجوارحه فهو مؤمن وإن لم يعتقد أن الإيمان مجموع
стр. 20
وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها فيكون فيها النقص وبها الزيادة ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل ولا قول وعمل إلا بنية ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة وأنه لا يكفر أحد بذنب
ــ
هذه الثلاثة وإنما ذكرها توطئة لقوله: "يزيد" أي الإيمان من حيث هو ب سبب "زيادة الأعمال وينقص بـ" سبب "نقص الأعمال فيكون فيها" أي الأعمال "النقص وبها الزيادة" ما ذكره من زيادة الإيمان ونقصانه باعتبار الثمرات هو مذهب جماعة من سلف الأمة خلفها وهو آخر قول مالك ﵁ وكان أولا يقول يزيد ولا ينقص وإطلاق اسم الإيمان على الأعمال متفق عليه قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم جهة بيت المقدس "ولا يكمل قول الخ" فمدار الأقوال والأعمال على النيات فالنية هي المحور الذي تدور عليه الأعمال وتقفو أثره فينبغي للإنسان أن لا يدور عمله إلا على السنة المطهرة والشرع القويم الذي أتى به خير بشير ونذير ويسلك طريقة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين "وأنه لا يكفر أحد الخ" ومما يجب التصديق به أن من كان من أهل القبلة أي الإسلام وارتكب من الذنوب ما لا يخل بالإيمان كمن يفعل المعاصي غير مستحل لها ويعتقد أن الشرع يمنعه منها وأما من فعل ما يخل بالإيمان كإلقاء مصحف بقذر فهو مرتد وليس كلامنا فيه وفي الحديث من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو مؤمن حقا وألحد الخوارج حيث قالوا كل ذنب كبيرة وكل كبيرة محبطة للعمل ومرتكبها كافر
وقال المعتزلة كل كبيرة محبطة للعمل ومرتكبها له منزلة بين منزلتين لا يسمى مؤمنا ولا كافرا وإنما
стр. 21
من أهل القبلة وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وأرواح أهل السعادة باقية
ناعمة إلى يوم يبعثون وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم الدين وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
ــ
يقال له فاسق "وأن الشهداء الخ" ومما يجب التصديق به أن الشهداء جمع شهيد وهو من قاتل الكفار وقتل في طريق إعلاء كلمة الله "أحياء" منعمون فرحين لما أعطوا من المزايا منها الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة ومنها أنهم يتوجون بتاج الكرامة يوم القيامة "وأرواح" أهل "السعادة الخ" أي أن أرواح السعداء باقية منعمة إلى يوم القيامة برؤيتها لمقعدها في الجنة إذ قد ورد إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي "وأرواح أهل الشقاوة" وهم الكفار معذبة برؤيتها لمقعدها في النار وغير ذلك من أنواع العذاب "إلى يوم الدين" أي يوم القيامة "وأن المؤمنين الخ" المراد سؤال الملكين أي أن الميت إذا وضع في قبره وانصرف الناس عنه يأتي إليه ملكان ويجلسان ويقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك أما المؤمن فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد فيوسع له في قبره وأما الكافر إذا أدخل في قبره أجلس وقيل له من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول لا أدري فيضرب بمطراق من حديد ضربة فيصيح منها صيحة يسمعها الخلائق إلا الثقلين وورد أن ضغطة القبر وهي التقاء حافتيه على جسد الميت لم ينج منها أحد إلا من استثناهم النبي ﷺ ومنهم فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب ﵁ ببركة نزول النبي
стр. 22
الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه وأن خير القرون القرن الذين رأوا
ــ
ﷺ في قبرها ومن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في مرضه الذي مات فيه "وأن على العباد حفظة" أي على العباد إنسهم وجنهم مؤمنهم وكافرهم ذكرهم وأنثاهم أحرارا كانوا أو أرقاء حفظة يحفظون الأعمال ويكتبونها ولا يدعون حتى المباح والأنين في المرض وحتى عمل القلب أي جميع الخواطر التي تخطر به ويجعل الله لهم علامة على عمل القلب يميزون بها بين الحسنة والسيئة ومصدر علم ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وقوله ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" وانعقد الإجماع على ذلك "ولا يسقط شيء الخ" صرح بذلك دفعا لما عساه أن يتوهم من أن الله يخفى عليه شيء من أعمال العباد تعالى الله عن ذلك وإنما ذلك من لطف الله تعالى بعباده لأنهم إذا علموا أن الله وكل بهم ملائكة تحفظ عليهم أعمالهم انزجروا عن المعاصي ولإقامة الحجة عليهم إذا جحدوا وأنكروا وقالوا ما عملنا "وأن ملك الموت الخ" أي أن الله وكل ملكا يسمى عزرائيل بقبض أرواح المخلوقات من إنس وجن وغيرهم من كل ذي روح من الطيور والبهائم وما ورد من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ ومن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ مما ظاهره يخالف هذا فمؤول بأن إسناد التوفي إلى الله لأنه الفاعل حقيقة وإسناد قبض الأرواح إلى ملك الموت لأنه المباشر لذلك بإذن الله وإسناد التوفي إلى الرسل من الملائكة لأنهم أعوان ملك الموت في قبض الأرواح "وأن خير القرون الخ" أي أن من كانوا في عصره ﷺ وآمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا
стр. 23
رسول الله ﷺ وآمنوا به ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب والطاعة لأئمة
ــ
النور الذي أنزل معه قد أشرقت عليهم شموس نبوته فحازوا فخار الاجتماع وفضيلة الصحبة فكان قرنهم أفضل القرون ومصداق هذا قوله ﷺ : "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" "وأفضل الصحابة الخ" لما كان قوله: خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله يوهم أنهم بدرجة واحدة في الخيرية نبه على أنهم متفاوتون في الفضل بقوله وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون ثم رتب الخلفاء في الذكر على حسب درجاتهم في الفضل فقال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين "وأن لا يذكر أحد من الصحابة الخ" الأولى واللائق الإمساك عما وقع بينهم من التشاجر فإن وقع ذكر التشاجر الذي كان بينهم فأحق أن يلتمس لهم أحسن المخارج أي التأويلات وأن يظن بهم أحسن المذاهب أي الآراء المتبعة في الدين "والطاعة لأئمة الخ" أي الانقياد واجب لأئمة المسلمين من ولاة الأمور الذين نصبوا أنفسهم لمصالح المسلمين فإذا أمروا بمعروف وجب الامتثال وإذا نهوا عن منكر وجب الانكفاف وتجب الطاعة والانقياد أيضا للعلماء العاملين بعلمهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر
стр. 24
المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم والاستغفار لهم وترك المراء والجدال في الدين وترك كل ما أحدثه المحدثون وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وأزواجه وذريته وسلم تسليما كثيرا
ــ
والحافظين لحدود الله ودليل الوجوب قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وأما الجائز من كلا الفريقين فلا يطاع لقوله ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" رواه الإمام أحمد والحاكم "واتباع السلف الخ" أي يجب اتباع السلف الصالح وهم الصحابة في أقوالهم وأفعالهم سواء تلقوها منه ﷺ أو كانت باستنباط واجتهاد منهم "و" كذلك يطلب "الاستغفار لهم" أي طلب المغفرة "وترك المراء الخ" أي يجب ترك المراء والجدال في الدين والمراء جحد الحق بعد ظهوره والجدال مناظرة أهل البدع وإنما منع ذلك لأنه يؤدي إلى الطعن في الصحابة وإيقاع الشبهة في القلب وإن كان المقصود من الجدال إظهار الحق دون التعنت فهو جائز "وترك كل ما أحدثه الخ" لقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" أي مردود وهو محمول على ابتداع أمر لم يقع في زمنه ﷺ ودل الشرع على حرمته وإليه ذهب بعضهم وبعضهم ذهب إلى أن البدعة ما لم يقع في زمنه ﷺ سواء دل الشرع على حرمته أو وجوبه أو ندبه أو كراهته أو إباحته وعليه فالبدعة تعتريها الأحكام الخمس وبه قال ابن عبد السلام والقرافي وغيرهما وهذا آخر الكلام على ما تنطق به الألسنة وتعتقده القلوب أما ما تعمله الجوارح فسيأتي بيانه
стр. 25
باب ما يجب منه الوضوء والغسل
الوضوء يجب لما يخرج من أحد المخرجين
ــ
"باب ما يجب منه الوضوء والغسل" أي هذا باب في بيان الشيء الذي يجب لأجله الوضوء والغسل "الوضوء" بضم الواو اسم للفعل وبفتحها اسم للماء وهل هو اسم لمطلق الماء أو له بعد كونه معدا للوضوء أو بعد كونه مستعملا في العبادات أقوال وهو لغة الحسن والنظافة وشرعا تطهير أعضاء مخصوصة بالماء لتنظف ويرفع عنها حكم الحدث لتستباح به العبادة الممنوعة "والغسل" قال ابن العربي لا خلاف أعلمه أنه بفتح الغين اسم للفعل وبضمها اسم للماء وفي الذخيرة الغسل بالضم الفعل وبالفتح اسم للماء على الأشهر والدليل على وجوب الوضوء والغسل الكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وقال: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ وقال ﷺ : "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ" ولا خلاف بين الأئمة في وجوبهما "الوضوء يجب الخ" ولوجوبه شروط الإسلام والبلوغ والعقل وارتفاع دم الحيض والنفاس ودخول وقت الصلاة وكون المكلف غير ساه ولا نائم ولا غافل ووجود ما يكفيه من الماء المطلق إمكان الفعل احترازا عن المطلوب كالمريض والمكره والذي يجب منه الوضوء شيئان أحداث وأسباب فالحدث ما ينقض الوضوء بنفسه كالبول والسبب ما لا ينقض الوضوء بنفسه ولكن بما يؤدي إلى الحدث وهو ثلاثة أشياء زوال العقل ولمس من تشتهي ومس الذكر "لما يخرج من أحد المخرجين الخ" أي يجب الوضوء وجوب الفرائض لا وجوب السنن
ومعنى الأول التحتم ومعنى الثاني التأكد لأجل الشيء الذي يخرج من أحد المخرجين المعتادين وهما
стр. 26
من بول أو غائط أو ريح أو لما يخرج من الذكر من مذي مع غسل الذكر كله منه وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالإنعاظ عند الملاعبة أو التذكار وأما الودي فهو ماء أبيض خاثر
ــ
القبل والدبر خروجا معتادا على وفق العادة وقيدنا بمعتادا للاحتراز عما يخرج غير معتاد كالحصا والدود فإنه لا ينقض ولو كان مبتلا بشيء من البول والعذرة ولا بد أن يكون الخروج على وفق العادة فلو خرج لعلة كالسلس في غالب أحواله وهو أن يلازمه كل الزمن أو جله أو نصفه فلا نقض ففي الأول لا يجب الوضوء ولا يستحب وفي الأخيرين يستحب إلا أن يشق عليه ذلك وإلا فلا استحباب وتقييد المخرجين بالمعتادين للاحتراز عما يخرج من غيرهما كدم الفصادة والحجامة والقيء المتغير عن حالة الطعام والحدث الخارج من فتق تحت المعدة ولم ينسد المخرجان أما إذا انسد المخرجان وكان الفتق تحت المعدة فيعتبر كالخارج المعتاد من المخرج المعتاد "من بول أو غائط أو ريح" بيان لما يخرج أي يجب الوضوء من أجل خروج البول من القبل ومن خروج الغائط من الدبر ومن خروج الريح والمراد به ما يخرج من الدبر سواء كان بصوت أو لا وأما الخارج من الذكر أو من فرج المرأة فلا يوجب الوضوء لعدم اعتباره في نواقض الوضوء "أو لما يخرج الخ" أي يجب الوضوء لأجل الشيء الذي يخرج من القبل وهو المذي وصفته أنه ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة أي الانتعاش الباطني الذي ينشأ عنه الانتعاش الظاهري عند ملاعبة من يلتذ به وعند التفكر وكما أنه يوجب الوضوء يوجب غسل الذكر كله بنية قبل الوضوء بالماء فالماء متعين ولا تكفي الأحجار "وأما الودي فهو ماء أبيض خاثر" أي ثخين
стр. 27
يخرج بإثر البول يجب منه ما يجب من البول وأما المني فهو الماء الدافق الذي يخرج عند اللذة الكبرى بالجماع رائحته كرائحة الطلع وماء المرأة ماء رقيق أصفر يجب منه الطهر فيجب من هذا طهر جميع الجسد كما يجب من طهر الحيضة وأما دم الاستحاضة فيجب منه الوضوء ويستحب لها
ــ
"يخرج" غالبا عقب البول وقد يخرج بنفسه أو مع البول "فيجب منه ما يجب من البول" وهو الوضوء والاستبراء منه وهو استفراغ ما في المخرج بالسلت والنتر الخفيفين وغسل محله فقط "وأما المني" خروج المني من موجبات الغسل لا الوضوء وإنما ذكره المؤلف في موجبات الوضوء استطرادا لما أنه يوجب الوضوء في بعض أحواله وهو ما إذا خرج بلذة غير معتادة وإن كانت الحالة التي ذكرها المؤلف من موجبات الغسل ولذكر ما يخرج من القبل وكان المني من جملته "فهو الماء الدافق الخ" أي الماء الذي يخرج دفقة بعد دفقة عند اللذة الكبرى بالجماع وله رائحة كرائحة الطلع أي الطلع النخل أي رائحة غباره الذي يسقط منه.
"وماء المرأة الخ" وأما ماء المرأة أي منيها فصفته أنه ماء أصفر رقيق إذا خرج على وجه العادة والصحة لا على وجه المرض والسلس يجب منه الغسل ولا يشترط بروزه إلى خارج بل المدار على إحساسها به فبمجرد الإحساس يجب عليها الطهر كما يجب عند انقطاع الحيض "وأما دم الاستحاضة الخ" دم الاستحاضة هو الدم السائل في غير أيام زمن الحيض والنفاس من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى العاذل بكسر الذال وحكمه وجوب الوضوء إذا كان انقطاعه أكثر من إتيانه وأما إذا كان إتيانه أكثر من انقطاعه أو تساوى الأمران فلا يجب
стр. 28
ولسلس البول أن يتوضأ لكل صلاة.
ويجب الوضوء من زوال العقل بنوم مستثقل أو إغماء أو سكر أو تخبط جنون
ــ
"ولسلس البول الخ" هو بكسر اللام التي بين السينين اسم فاعل صفة للرجل أي يستحب لصاحب السلس أن يتوضأ لكل صلاة وأن يكون وضوءه متصلا بالصلاة ولا خصوصية لسلس البول بالحكم بل الحكم عام لكل ذي سلس بولا أو ريحا أو منيا فالجميع سواء في عدم النقض بالذي خرج منهم ولازم ولو نصف الزمن حيث عجز عن رفعه بتداو أو تزوج فإن قدر على رفعه فإنه يكون ناقصا وتغتفر له مدة التداوي في عدم النقض "ويجب الوضوء من زوال الخ" أي من الأسباب المؤدية إلى الحدث وموجبة للوضوء بعد زوالها زوال العقل بمعنى استتاره لا ذهابه بالكلية إذ لو ذهب بالكلية لم يعد إذ الغرض في إنسان يلحقه ما ذكر من نحو نوم أو إغماء ثم يعود له عقله فيحكم عليه بوجوب الوضوء "بنوم مستثقل" بفتح القاف أي أن النوم الثقيل ينقض الوضوء مطلقا طال أو قصر وحقيقة النوم الثقيل أنه الذي يخالط القلب ولا يشعر صاحبه بما فعل مبنيا للمفعول سواء فعله أو فعل غيره ومفهوم قوله مستثقل أن الخفيف الذي يشعر صاحبه بأدنى سبب لا ينقض مطلقا قصيرا كان أو طويلا لما في مسلم كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون لكن يستحب الوضوء من النوم الخفيف الطويل "أو إغماء" قال مالك ومن أغمي عليه فعليه الوضوء والإغماء مرض في الرأس "أو سكر" يعني أن من غاب عقله بسبب سكر فعليه الوضوء ولا تفصيل بين السكر بحرام أو حلال كأن شرب لبنا يظنه غير مسكر فسكر منه "أو تخبط جنون" الأولى حذف تخبط لأن زوال العقل يكون بالجنون والتخبط مصاحب لزوال العقل لا أنه سبب له وإنما وجب الوضوء بسبب الجنون ذوالسكر والإغماء لأنه لما وجب بالنوم مع كونه أخف حالا
стр. 29
ويجب الوضوء من الملامسة للذة والمباشرة بالجسد للذة والقبلة للذة ومن مس الذكر
ــ
منها لأنه يزول بيسير الانتباه ولا كذلك هذه كان وجوبه بها أولى لأنها أدخل في استتار العقل ولذلك لم يفرقوا بين طويلها وقصيرها ولا بين ثقيلها وخفيفها وحكموا بزوال التكليف معها بخلاف النوم فصاحبه مخاطب وإن رفع عنه الإثم والكلام في جنون يتقطع لا إن كان مطبقا فلا يحكم عليه بشيء "ويجب الوضوء من الملامسة" أي من الأسباب المؤدية إلى الحدث الملامسة وهي ما دون الجماع على ما فسر به جماعة من الصحابة والتابعين ومالك وأصحابه قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وفسرها علي وابن عباس بالجماع فيكون معنى قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ جامعتموهن "للذة" حاصل فقه المسألة أن اللامس إن كان قاصدا اللذة وجب عليه الوضوء بمجرد الملامسة وجد لذة أو لا وأولى إن قصد ووجد وإن لم يكن قاصدا اللذة بل كان قاصدا بالملامسة الاختبار هل الجسم صلب أو لا ولكنه وجد لذة فيجب عليه الوضوء لوجود اللذة وإن لم تكن ناشئة عن قصد فمدار وجوب الوضوء على القصد وإن لم يكن معه وجدان لذة وعلى الوجدان وإن لم يكن معه قصد ولا بد أن يكون الوجدان حال اللمس وأما بعده فلا لأنه صار كاللذة بالتفكر ولا شيء فيه وأما إن لم يصد ولم يجد فلا شيء عليه هذا حكم اللامس وأما الملموس فإن بلغ والتذ توضأ وإلا فلا شيء عليه ما لم يقصد اللذة وإلا صار حكمه حكم اللامس "والقبلة للذة" ظاهر كلامه أن التقبيل مطلقا على الفم أو غيره يجري على القصد أو الوجدان وليس كذلك بل المشهور أن القبلة على الفم تنقض مطلقا قصد ووجد أم لا لأنها مظنة اللذة ما لم تكن قرينة صارفة للذة "ومن مس الذكر" أي من الأسباب المؤدية إلى الحدث مس الذكر لما في الموطأ وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ"
стр. 30
واختلف في مس المرأة فرجها في إيجاب الوضوء بذلك ويجب الطهر مما ذكرنا من خروج الماء الدافق للذة في
ــ
وأما حديث هل هو إلا بضعة منك فمتكلم فيه ويعتبر المس إذا كان بباطن الكف أو بباطن الأصابع أو بجنبيهما وأل في الذكر للعهد والمعهود ذكر الماس لا ذكر غيره
وأما ذكر الغير فيجري على حكم الملامسة من اعتبار القصد أو الوجدان ولا بد أن يكون الذكر متصلا بالبدن وأما المنفصل عن البدن فلا نقض بمسه ويعتبر في الخنثى الإشكال وعدمه فإن كان مشكلا نقض مسه وإن كان غير مشكل اعتبر في حقه ما حكم له به فإن حكم له بالذكورة نقض وإلا فلا ويفصل في المس من فوق الحائل فإن كان كثيفا فلا نقض قولا واحدا وإن كان خفيفا فالمشهور عدم النقض ولا نقض بمس الدبر والأنثيين على المشهور "واختلف في مس المرأة الخ" فمذهب المدونة عدم النقض لما في الحديث: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" ورد هذا المذهب بأنه مفهوم لقب ومفهوم اللقب لا يعتبر في الحجية واستند القائل بالنقض لحديث: "من أفضى بيده إلى فرجه فليتوضأ" لأن الفرج لغة العورة فيقع على الذكر وفرج المرأة وقال بعضهم لا نقض إذا مست ظاهره والنقض إذا قبضت عليه أو ألطفت والإلطاف أن تدخل يديها بين شفريها وهذا آخر الكلام على ما يجب من الوضوء وأما ما يجب منه الغسل فسيأتي بيانه "ويجب الطهر الخ" من موجبات الغسل خروج المني بلذة معتادة سواء خرج في نوم أو يقظة من رجل أو امرأة ولا يشترط في وجوب الغسل من خروجه للذة أن تكون اللذة مقارنة للخروج فقد يجب الغسل لخروجه بعد ذهاب اللذة كأن يلتذ بغير جماع ثم يخرج منه المني بعد ذهابها
стр. 31
نوم أو يقظة من رجل أو امرأة أو انقطاع دم الحيضة أو الاستحاضة أو النفاس أو بمغيب الحشفة
ــ
"أو انقطاع دم الحيضة" الصواب أن يقول دم الحيض لأنه أعم من الحيضة إذ هي خاصة بما تقدمها طهر فاصل وتأخر عنها طهر فاصل فأول دم خرج لا يقال له حيضة وكذلك آخر دم والحيض شرعا هو الدم الخارج بنفسه من فرج المرأة الممكن حملها عادة غير زائد على خمسة عشر يوما ويكون خروجه لغير مرض ولا ولادة فالدم الخارج لا بنفسه والخارج من الدبر والخارج من الصغيرة كبنت سبع سنين أو سبعين سنة والزائد على خمسة عشر يوما والخارج بسبب مرض والخارج لأجل الولادة لا يكون حيضا حتى تترتب عليه أحكامه "أو الاستحاضة" انظر كيف جعل انقطاع دم الاستحاضة من موجبات الغسل
والذي رجع إليه مالك آخرا استحباب الغسل وكان أولا يقول إنها لا تغتسل وليس من أهل المذهب من يقول بالوجوب إلا الباجي على ما يؤخذ من ظاهر نقله "أو النفاس" أي من موجبات الغسل النفاس والنفاس لغة ولادة المرأة سواء كان معها دم أم لا لا نفس الدم الخارج من الفرج لأجل الولادة والنفاس في اصطلاح أهل الشرع الدم الخارج من الفرج لأجل الولادة على جهة الصحة والعادة فالدم الخارج من غير الفرج لا يكون نفاسا والخارج لغير الولادة لا يعد نفاسا والخارج لا على جهة الصحة ليس نفاسا والعادة كأن خرج بعد مدة النفاس وهي ستون يوما "أو بمغيب الحشفة" يعني أن من موجبات الغسل مغيب الحشفة من البالغ في الفرج وإن لم ينزل سواء كان فرج آدمية أو بهيمة أو في الدبر وسواء في ذلك دبر الأنثى والذكر وسواء كان معه انتشار أو لا لف عليها خرقة أو لا لكن بشرط أن يكون الحائل خفيفا
стр. 32
في الفرج وإن لم ينزل ومغيب الحشفة في الفرج يوجب الغسل ويوجب الحد ويوجب الصداق ويحصن الزوجين ويحل المطلقة ثلاثا للذي طلقها ويفسد الحج ويفسد الصوم وإذا رأت المرأة القصة البيضاء تطهرت
ــ
يشعر معه باللذة وأما الحائل الكثيف فلا يجب معه الغسل إلا إن أنزل وحينئذ يكون الغسل لأجل الإنزال لا لمغيب الحشفة والأصل في ذلك ما في الموطأ ومسلم من قوله ﷺ : "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل" وهذا الحديث ناسخ لما رواه مسلم من قوله ﷺ : "إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل" ولما روي من قوله: "إنما الماء من الماء" "ومغيب الحشفة في الفرج الخ" تقدم أن مغيب الحشفة من موجبات الغسل وإنما أعاده لجمع النظائر "يوجب الحد" أي حد الزنى على الزاني "ويوجب الصداق" أي كماله لأن العقد موجب لنصفه "و" أنه "يحصن الزوجين" بشرط أن يكونا حرين مسلمين عاقلين بالغين "ويحل المطلقة ثلاثا" للذي طلقها وهو الحر وأما مطلقة العبد فيحلها إذا طلقها ثنتين لكن يشترط في التحليل للمطلقة ثلاثا أن يكون مع التغييب انتشار والحاصل أنه لا يشترط الانتشار في الثلاثة الأول وأما تحصين الزوجين والمطلقة ثلاثا فلا بد من الانتشار وعدم الحائل "ويفسد الحج" مطلقا فرضا كان أو تطوعا عمدا كان أو نسيانا إذا وقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده قبل طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة في يوم النحر ويتمادى على حجه ويقضيه من قابل "ويفسد الصوم" أي وإن لم يكن معه انتشار فرضا كان أو نفلا عمدا كان أو نسيانا ويلزمه القضاء والكفارة في الفرض إن تعمد وإلا فالقضاء فقط كالعمد في النفل "وإذا رأت المرأة الخ"
стр. 33
وكذلك إذا رأت الجفوف تطهرت مكانها رأته بعد يوم أو يومين أو ساعة ثم إن عاودها دم أو رأت صفرة أو كدرة تركت الصلاة ثم إذا انقطع عنها اغتسلت وصلت ولكن ذلك كله كدم واحد في العدة والاستبراء
ــ
ولما ذكر أن من موجبات الغسل دم الحيض انتقل يبين العلامة الدالة على انقطاعه وعلى براءة الرحم منه فذكر له علامتين القصة والجفوف فإذا رأت الحائض إحدى العلامتين فقد استبان طهرها ويحكم لها من ساعتئذ بأنها طاهرة فلا تنتظر العلامة الثانية "رأته بعد يوم الخ" أي الطهر المفهوم من قوله تطهرت يشير إلى أنه لا حد لأقل الحيض باعتبار الزمن وأما باعتبار المقدار فله أقل وهو الدفعة وأما أكثره فلا حد له باعتبار المقدار وله حد باعتبار الزمن وهو خمسة عشر يوما "ثم إن عاودها الخ" أي أن من رأت علامة الطهر وحكم بأنها طهرت من ساعتئذ أي من وقت أن رأت الطهر إن عاودها دم آخر أو صفرة شيء كالصديد تعلوه صفرة "أو كدرة" شيء كدر ليس على ألوان الدماء فإنها تترك الصلاة وتحسب ذلك اليوم يوم حيض وتجعله كله حيضا واحدا ومحل كونه حيضا واحدا إذا أتاها قبل طهر تام أو كان انقطاعه أولا قبل تمام عادتها أو بعدها وقبل الاستظهار أو قبل تمامه وأما إذا أتاها بعد طهر تام أو كان انقطاعه بعدما تمادى بها عادتها وأيام الاستظهار لا يكون حيضا بل استحاضة "ثم إذا انقطع عنها الخ" أي إذا انقطع عن المرأة ذلك الدم الذي عاودها "اغتسلت وصلت" ولا تنتظر هل يأتيها دم آخر أو لا ويعبر عن هذه المسألة بمسألة الملفقة وهي التي تقطع طهرها أي تخلله دم "ولكن ذلك الخ" أي أن الدم المتخلل يعتبر كدم واحد في باب العدة والاستبراء بمعنى أنها تلفق أيام الدم بعضها إلى بعض حتى تنتهي لما
стр. 34
حتى يبعد ما بين الدمين مثل ثمانية أيام أو عشرة فيكون حيضا مؤتنفا ومن تمادى بها الدم بلغت خمسة عشر يوما ثم هي مستحاضة تتطهر وتصوم وتصلي ويأتيها زوجها وإذا انقطع دم النفساء وإن كان قرب الولادة اغتسلت وصلت وإن تمادى بها الدم جلست ستين ليلة ثم اغتسلت وكانت مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ
ــ
هو حكمها من عادة أو غيرها ثم تكون مستحاضة "حتى يبعد ما بين الدمين" أي أن محل كون الدم المتخلل يعتبر كدم واحد في باب العدة والاستبراء إن لم يبعد ما بين الدمين فإن بعد ما بينهما بعدا بينا بأن يكون أقل زمن الطهر وهو ثمانية أو عشرة وإن كان المشهور خمسة عشر يكون الثاني منهما حيضا مؤتنفا أي مبتدأ تعتد به وحده في العدة والاستبراء "ومن تمادى بها الدم الخ" يعني أن من استرسل عليها نزول الدم فإنها تتربص خمسة عشر يوما إن كانت مبتدأة لأن أكثر الحيض في حقها خمسة عشر يوما يحكم لها بأنها مستحاضة ميزت بين الدمين أو لا فتغتسل وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها وقولنا إن كانت مبتدأة احتراز عن غير المبتدأة فإن فيها تفصيلا لأنها إما أن تختلف عادتها أو لا فإن لم تختلف واسترسل عليها الدم أكثر من عادتها استظهرت بثلاثة أيام ما لم تجاوز خمسة عشر يوما وإن اختلفت استظهرت على أكثر عادتها "وإذا انقطع دم النفساء الخ" بأن رأت بقرب الولادة العلامة الدالة على انقطاعه من القصة والجفوف اغتسلت وصلت وفهم من قوله بقرب الولادة أنه لا حد لأقل النفاس باعتبار الزمن وله أقل باعتبار الخارج وهو الدفعة " وإن تمادى بها الخ" يعني أن النفساء إذا استرسل عليها الدم تمكث ستين يوما أكثر أمده فإن انقطع بعد الستين فالأمر ظاهر وإن تمادى عليها الدم بعد الستين كانت مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها
стр. 35
باب طهارة الماء والثوب
والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاة والمصلي يناجي ربه فعليه أن يتأهب لذلك بالوضوء أو بالطهر إن وجب عليه الطهر ويكون ذلك بماء طاهر غير مشوب بنجاسة ولا بماء قد تغير لونه
ــ
"باب طهارة الماء الخ" أي هذا باب في بيان اشتراط طهارة الماء وفي بيان اشتراط طهارة الثوب وفي بيان اشتراط طهارة البقعة وفي بيان اشتراط ما يجزىء من اللباس في الصلاة الطهارة شرعا صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أو له "والمصلي يناجي ربه الخ" افتتح الباب بقوله والمصلي يناجي ربه مع أنه ليس داخلا في الترجمة ليرتب عليه قوله "فعليه أن يتأهب الخ" وهو بعض حديث رواه مالك في الموطأ ونص الموطأ أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه وهم يصلون وقد علت أصواتهم فقال: "إن المصلي يناجي ربه فلينظر بم يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض" فعليه أن يتأهب الخ أي على المصلي أن يستعد لذلك أي للمناجاة بأن يكون حاضر القلب خاشعا مستحضرا عظمة من هو قائم بين يديه لائذا بجنابه فإذا فتر عن ذلك لم يكن مناجيا ولا يصدق عليه اسم المناجاة وإنما يصدق عليه أنه متلاعب ولا بد أن يتخذ الوسيلة لذلك بأن يكون طاهرا أي متطهرا من الحدثين الحدث الأصغر والأكبر "ويكون ذلك الخ" أي أن التطهر من الأحداث يكون بماء
стр. 36
لشيء خالطه من شيء نجس أو طاهر إلا ما غيرت لونه الأرض التي هو بها من سبخة أو حمأة أو نحوهما وماء السماء وماء العيون وماء الآبار وماء البحر طيب طاهر مطهر للنجاسات وما غير لونه بشيء طاهر حل فيه فذلك الماء طاهر غير مطهر في وضوء أو طهر أو زوال نجاسة وما غيرته النجاسة
ــ
طاهر أي لم يخالطه ما يغير أحد أوصافه الثلاثة اللون أو الطعم أو الريح وسواء في ذلك المغير لأوصافه النجس والطاهر حتى لو تغير بماء الورد الذي هو من الجواهر اللطيفة لا يصح استعماله في الوسائل كالوضوء والغسل "إلا ما غيرت لونه الأرض" أي أنه لما اشترط في الماء المستعمل في الوسائل كالوضوء والغسل أن لا يكون متغير الأوصاف بما يفارقه غالبا استثني من ذلك الماء الذي غيرت لونه الأرض التي هو متصل بها وملازم لها بأن كان استقراره على أرض سبخة ونحوها من الأراضي التي بها ملح أو كبريت أو حمأة وهي طين أسود منتن "وماء السماء الخ" هذه المياه التي ذكرها من ماء السماء وما عطف عليه كلها طاهرة في نفسها طيبة لكل ما تستعمل فيه سواء كان من العادات كالشرب ونحوه أو من العبادات كالوضوء والغسل وإزالة النجاسة ما دامت باقية على أصل خلقتها لم تتغير شيء ينفك عنها غالبا "وما غير لونه إلخ" أي أن الماء الذي تغير لونه بشيء طاهر كماء العجين فذلك الماء طاهر في نفسه غير مطهر لغيره فلا يستعمل لا في وضوء ولا في غيره كالغسل "وما غيرته النجاسة الخ" أي أن الماء المتغير بنجس سواء كان التغير في لونه أو طعمه أو ريحه وسواء كان الماء قليلا أو كثيرا
стр. 37
فليس بطاهر ولا مطهر وقليل الماء ينجسه قليل النجاسة وإن لم تغيره وقلة الماء مع إحكام الغسل سنة والسرف منه غلو وبدعة وقد توضأ رسول الله ﷺ بمد وهو وزن رطل وثلث وتطهر بصاع وهو أربعة أمداد بمده ﵊ وطهارة البقعة للصلاة
ــ
كانت له مادة أو لا مسلوب الطهارة والطهورية فلا يستعمل في العادات ولا في العبادات "وقليل الماء الخ" أي أن الماء القليل كالماء المعد للوضوء أو الغسل إذا حلت فيه نجاسة ولو قليلة وإن لم تغيره نجس فلا يجوز استعماله والمشهور أنه طاهر لكنه مكروه الاستعمال مع وجود غيره والفرض أنه لم يتغير وإلا فهو مسلوب الطهورية قطعا "وقلة الماء مع إحكام الخ" أي أن تقليل الماء حال الاستعمال مع إحكام أي إتقان الغسل وهو صب الماء مع الدلك مستحب أي أمر مطلوب على جهة الأحبية للشرع والإكثار منه أي من صب الماء في حال الاستعمال غلو أي زيادة في الدين وبدعة أي أمر محدث مخالف للسنة وطريقة السلف الصالح "وقد توضأ الخ" استأنس بهذه المسألة على قوله وقلة الماء الخ لأنه ليس من موضوع الباب أي أنه ثبت في السنة أن رسول الله ﷺ توضأ بمد بمده ﵊ وهو رطل وثلث وتطهر بصاع وهو أربعة أمداد فمجموعها خمسة أرطال وثلث والغرض الإخبار عن فضيلة الاقتصاد وترك الإسراف وعن القدر الذي كان يكفيه ﵊ "وطهارة البقعة الخ" أي أن طهارة البقعة التي تماسها أعضاء المصلي واجب لأجل الصلاة أي الطهارة لأجل الصلاة
стр. 38
واجبة وكذلك طهارة الثوب فقيل إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض وقيل وجوب السنن المؤكدة وينهى عن الصلاة في معاطن الإبل ومحجة الطريق وظهر بيت الله الحرام
ــ
وأما الطهارة لغيرها كالذكر فمندوبة "وكذلك طهارة الثوب" أي أن طهارة ثوب المصلي واجبة وجوب الفرائض لكن مع الذكر والقدرة فلو صلى في ثوب نجس متعمدا قادرا على إزالتها أعاد تلك الصلاة أبدا وإن صلى ناسيا أو عاجزا أعاد في الوقت والوقت في لظهرين إلى الاصفرار وفي العشاءين الليل كله وقيل بسنية إزالة النجاسة وشهر كل من القولين وعلى القول بالسنية يعيد في الوقت مطلقا متعمدا أو قادرا على إزالتها أو ناسيا أو جاهلا "وينهى عن الصلاة الخ" يعني أن فعل الصلاة في معاطن الإبل جمع معطن وهو موضع اجتماعها عند صدورها من الماء مكروه ولو أمن من النجاسة ولو بسط شيئا طاهرا وصلى عليه لأن النهي ليس معللا بالنجاسة حتى ينتفي بانتفائها "ومحجة الطريق" أي تكره الصلاة في قارعة الطريق حيث شك في إصابتها بأرواث الدواب وأبوالها وحينئذ لو صلى تندب الإعادة في الوقت ومحل الكراهة إن لم يصل فيها لضيق المسجد وأما إن صلى فيها لضيق المسجد أو فرش شيئا طاهرا وصلى عليه أو تيقن طهارتها فلا كراهة "وظهر بيت الله الحرام" أي ينهى نهي تحريم عن الصلاة فوق ظهر الكعبة بناء على أن العبرة باستقبال بنائها والذي فوق ظهرها لم يستقبل البناء فلو صلى صلاة مفروضة على ظهرها
стр. 39
والحمام حيث لا يوقن منه بطهارة والمزبلة والمجزرة ومقبرة المشركين وكنائسهم وأقل ما يصلي فيه الرجل
ــ
يعيد أبدا بناء على أن العبرة باستقبال بنائها "والحمام" أي أن الصلاة في الحمام أي في داخله مكروهة وعلة الكراهة غلبة النجاسة حتى أنه لو أيقن بطهارته انتفت الكراهة وجازت الصلاة "والمزبلة" بفتح الباء وضمها مكان طرح الزبل أي تكره الصلاة في مكان طرح الزبل إن لم يؤمن من النجاسة وإلا فلا كراهة "والمجزرة" بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الزاي المكان المعد للذبح والنحر أي تكره فيه الصلاة إن لم تؤمن نجاسته وإلا فلا "ومقبرة المشركين" بتثليث الباء موضع دفن موتاهم وحاصل فقه المسألة أن المقبرة إن كانت من مقابر المسلمين فإن كانت غير منبوشة أي لم يكن شيء من أجزاء الموتى في موضع الصلاة فالصلاة جائزة وإن كان في موضع الصلاة شيء من أجزاء المقبورين فيجري حكم الصلاة فيها على الخلاف في الآدمي هل ينجس بالموت أو لا وعلى أنه لا ينجس بالموت وهو المعتمد فتكره الصلاة حيث شك أو تحقق وجود الأجزاء من حيث الإهانة أو من حيث كونها مشيا على القبر وأما من حيث ذات الصلاة فلا كراهة وأما مقابر الكفار فكره ابن حبيب الصلاة فيها لأنها حفرة من النار لكن من صلى فيها وأمن من النجاسة فلا تفسد صلاته وإن لم يأمن كان مصليا على نجاسة "وكنائسهم" جمع كنيسة بفتح الكاف وكسر النون موضع تعبدهم فيشمل الكنيسة التي للنصارى والبيع التي لليهود وبيت النار التي هي للمجوس كره الإمام مالك الصلاة فيها لنجاستها من أقدامهم أي الشأن فيها ذلك لا أنها محققة وإلا كانت الصلاة فيها حراما مع بطلانها والكراهة حيث صلى فيها اختيارا لا إن اضطر لذلك وإلا فلا كراهة لا فرق بين دارسة أو عامرة "وأقل ما يصلي فيه الرجل الخ" أي أن أقل ما ينتفي معه الإثم ويكفي في المطلوب من المصلي ثوب ساتر
стр. 40
من اللباس ثوب ساتر من درع أو رداء والدرع القميص ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء فإن فعل لم يعد وأقل ما يجزىء المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها وخمار تتقنع به
ــ
للعورة من درع أو رداء أو سروال أما الدرع فهو القميص وهو ما يسلك في العنق وأما الرداء فهو ما يلتحف به ويشترط فيه أن يكون كثيفا لا يصف ولا يشف أي يصف جرم العورة أي يحدده لرقته أو إحاطته فإن كان كذلك كره ما لم يكن الوصف بسبب ريح وإلا فلا وإن كان يشف فتارة تبدو منه العورة بدون تأمل فالصلاة به باطلة وتارة لا تبدو إلا بتأمل وحكمه كالواصف في الكراهة وصحة الصلاة "ويكره أن يصلي الخ" أي يكره للرجل أن يصلي في ثوب ليس على كتفيه شيء منه مع وجود غيره فإن صلى ولحم كتفيه بارز مع القدرة على الساتر لم يعد ما صلى لا في الوقت ولا بعده "وأقل ما يجزئ المرأة الخ" أي أقل ما يجزئ المرأة الحرة البالغة من اللباس في الصلاة شيئان أحدهما لدرع الحصيفة بالحاء المهملة على الرواية الصحيحة وروي بالخاء المعجمة ومعنى الأولى الكثيف الذي لا يصف ولا يشف ومعنى الثانية الساتر السابغ أي الكامل التام الذي يستر ظهور قدميها ويراد به أيضا الذي لا يصف ولا يشف لأن مراد المؤلف أقلية لا إعادة معها لا في الوقت ولا في غيره وثانيهما خمار بكسر الخاء تتقنع به أي تستر به شعرها وعنقها ومن شرطه أن يكون كثيفا وحاصل الفقه أنه يجب على المرأة أن تستر جميع بدنها في الصلاة حتى بطون قدميها
следующие страницы →