← Фикх малики

Фикх малики · id 7441

الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني

صالح بن عبد السميع الأزهري

Полный текст (751 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لشيء خالطه من شيء نجس أو طاهر إلا ما غيرت لونه الأرض التي هو بها من سبخة أو حمأة أو نحوهما وماء السماء وماء العيون وماء الآبار وماء البحر طيب طاهر مطهر للنجاسات وما غير لونه بشيء طاهر حل فيه فذلك الماء طاهر غير مطهر في وضوء أو طهر أو زوال نجاسة وما غيرته النجاسة ــ طاهر أي لم يخالطه ما يغير أحد أوصافه الثلاثة اللون أو الطعم أو الريح وسواء في ذلك المغير لأوصافه النجس والطاهر حتى لو تغير بماء الورد الذي هو من الجواهر اللطيفة لا يصح استعماله في الوسائل كالوضوء والغسل "إلا ما غيرت لونه الأرض" أي أنه لما اشترط في الماء المستعمل في الوسائل كالوضوء والغسل أن لا يكون متغير الأوصاف بما يفارقه غالبا استثني من ذلك الماء الذي غيرت لونه الأرض التي هو متصل بها وملازم لها بأن كان استقراره على أرض سبخة ونحوها من الأراضي التي بها ملح أو كبريت أو حمأة وهي طين أسود منتن "وماء السماء الخ" هذه المياه التي ذكرها من ماء السماء وما عطف عليه كلها طاهرة في نفسها طيبة لكل ما تستعمل فيه سواء كان من العادات كالشرب ونحوه أو من العبادات كالوضوء والغسل وإزالة النجاسة ما دامت باقية على أصل خلقتها لم تتغير شيء ينفك عنها غالبا "وما غير لونه إلخ" أي أن الماء الذي تغير لونه بشيء طاهر كماء العجين فذلك الماء طاهر في نفسه غير مطهر لغيره فلا يستعمل لا في وضوء ولا في غيره كالغسل "وما غيرته النجاسة الخ" أي أن الماء المتغير بنجس سواء كان التغير في لونه أو طعمه أو ريحه وسواء كان الماء قليلا أو كثيرا

стр. 37

فليس بطاهر ولا مطهر وقليل الماء ينجسه قليل النجاسة وإن لم تغيره وقلة الماء مع إحكام الغسل سنة والسرف منه غلو وبدعة وقد توضأ رسول الله ﷺ بمد وهو وزن رطل وثلث وتطهر بصاع وهو أربعة أمداد بمده ﵊ وطهارة البقعة للصلاة ــ كانت له مادة أو لا مسلوب الطهارة والطهورية فلا يستعمل في العادات ولا في العبادات "وقليل الماء الخ" أي أن الماء القليل كالماء المعد للوضوء أو الغسل إذا حلت فيه نجاسة ولو قليلة وإن لم تغيره نجس فلا يجوز استعماله والمشهور أنه طاهر لكنه مكروه الاستعمال مع وجود غيره والفرض أنه لم يتغير وإلا فهو مسلوب الطهورية قطعا "وقلة الماء مع إحكام الخ" أي أن تقليل الماء حال الاستعمال مع إحكام أي إتقان الغسل وهو صب الماء مع الدلك مستحب أي أمر مطلوب على جهة الأحبية للشرع والإكثار منه أي من صب الماء في حال الاستعمال غلو أي زيادة في الدين وبدعة أي أمر محدث مخالف للسنة وطريقة السلف الصالح "وقد توضأ الخ" استأنس بهذه المسألة على قوله وقلة الماء الخ لأنه ليس من موضوع الباب أي أنه ثبت في السنة أن رسول الله ﷺ توضأ بمد بمده ﵊ وهو رطل وثلث وتطهر بصاع وهو أربعة أمداد فمجموعها خمسة أرطال وثلث والغرض الإخبار عن فضيلة الاقتصاد وترك الإسراف وعن القدر الذي كان يكفيه ﵊ "وطهارة البقعة الخ" أي أن طهارة البقعة التي تماسها أعضاء المصلي واجب لأجل الصلاة أي الطهارة لأجل الصلاة

стр. 38

واجبة وكذلك طهارة الثوب فقيل إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض وقيل وجوب السنن المؤكدة وينهى عن الصلاة في معاطن الإبل ومحجة الطريق وظهر بيت الله الحرام ــ وأما الطهارة لغيرها كالذكر فمندوبة "وكذلك طهارة الثوب" أي أن طهارة ثوب المصلي واجبة وجوب الفرائض لكن مع الذكر والقدرة فلو صلى في ثوب نجس متعمدا قادرا على إزالتها أعاد تلك الصلاة أبدا وإن صلى ناسيا أو عاجزا أعاد في الوقت والوقت في لظهرين إلى الاصفرار وفي العشاءين الليل كله وقيل بسنية إزالة النجاسة وشهر كل من القولين وعلى القول بالسنية يعيد في الوقت مطلقا متعمدا أو قادرا على إزالتها أو ناسيا أو جاهلا "وينهى عن الصلاة الخ" يعني أن فعل الصلاة في معاطن الإبل جمع معطن وهو موضع اجتماعها عند صدورها من الماء مكروه ولو أمن من النجاسة ولو بسط شيئا طاهرا وصلى عليه لأن النهي ليس معللا بالنجاسة حتى ينتفي بانتفائها "ومحجة الطريق" أي تكره الصلاة في قارعة الطريق حيث شك في إصابتها بأرواث الدواب وأبوالها وحينئذ لو صلى تندب الإعادة في الوقت ومحل الكراهة إن لم يصل فيها لضيق المسجد وأما إن صلى فيها لضيق المسجد أو فرش شيئا طاهرا وصلى عليه أو تيقن طهارتها فلا كراهة "وظهر بيت الله الحرام" أي ينهى نهي تحريم عن الصلاة فوق ظهر الكعبة بناء على أن العبرة باستقبال بنائها والذي فوق ظهرها لم يستقبل البناء فلو صلى صلاة مفروضة على ظهرها

стр. 39

والحمام حيث لا يوقن منه بطهارة والمزبلة والمجزرة ومقبرة المشركين وكنائسهم وأقل ما يصلي فيه الرجل ــ يعيد أبدا بناء على أن العبرة باستقبال بنائها "والحمام" أي أن الصلاة في الحمام أي في داخله مكروهة وعلة الكراهة غلبة النجاسة حتى أنه لو أيقن بطهارته انتفت الكراهة وجازت الصلاة "والمزبلة" بفتح الباء وضمها مكان طرح الزبل أي تكره الصلاة في مكان طرح الزبل إن لم يؤمن من النجاسة وإلا فلا كراهة "والمجزرة" بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الزاي المكان المعد للذبح والنحر أي تكره فيه الصلاة إن لم تؤمن نجاسته وإلا فلا "ومقبرة المشركين" بتثليث الباء موضع دفن موتاهم وحاصل فقه المسألة أن المقبرة إن كانت من مقابر المسلمين فإن كانت غير منبوشة أي لم يكن شيء من أجزاء الموتى في موضع الصلاة فالصلاة جائزة وإن كان في موضع الصلاة شيء من أجزاء المقبورين فيجري حكم الصلاة فيها على الخلاف في الآدمي هل ينجس بالموت أو لا وعلى أنه لا ينجس بالموت وهو المعتمد فتكره الصلاة حيث شك أو تحقق وجود الأجزاء من حيث الإهانة أو من حيث كونها مشيا على القبر وأما من حيث ذات الصلاة فلا كراهة وأما مقابر الكفار فكره ابن حبيب الصلاة فيها لأنها حفرة من النار لكن من صلى فيها وأمن من النجاسة فلا تفسد صلاته وإن لم يأمن كان مصليا على نجاسة "وكنائسهم" جمع كنيسة بفتح الكاف وكسر النون موضع تعبدهم فيشمل الكنيسة التي للنصارى والبيع التي لليهود وبيت النار التي هي للمجوس كره الإمام مالك الصلاة فيها لنجاستها من أقدامهم أي الشأن فيها ذلك لا أنها محققة وإلا كانت الصلاة فيها حراما مع بطلانها والكراهة حيث صلى فيها اختيارا لا إن اضطر لذلك وإلا فلا كراهة لا فرق بين دارسة أو عامرة "وأقل ما يصلي فيه الرجل الخ" أي أن أقل ما ينتفي معه الإثم ويكفي في المطلوب من المصلي ثوب ساتر

стр. 40

من اللباس ثوب ساتر من درع أو رداء والدرع القميص ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء فإن فعل لم يعد وأقل ما يجزىء المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها وخمار تتقنع به ــ للعورة من درع أو رداء أو سروال أما الدرع فهو القميص وهو ما يسلك في العنق وأما الرداء فهو ما يلتحف به ويشترط فيه أن يكون كثيفا لا يصف ولا يشف أي يصف جرم العورة أي يحدده لرقته أو إحاطته فإن كان كذلك كره ما لم يكن الوصف بسبب ريح وإلا فلا وإن كان يشف فتارة تبدو منه العورة بدون تأمل فالصلاة به باطلة وتارة لا تبدو إلا بتأمل وحكمه كالواصف في الكراهة وصحة الصلاة "ويكره أن يصلي الخ" أي يكره للرجل أن يصلي في ثوب ليس على كتفيه شيء منه مع وجود غيره فإن صلى ولحم كتفيه بارز مع القدرة على الساتر لم يعد ما صلى لا في الوقت ولا بعده "وأقل ما يجزئ المرأة الخ" أي أقل ما يجزئ المرأة الحرة البالغة من اللباس في الصلاة شيئان أحدهما لدرع الحصيفة بالحاء المهملة على الرواية الصحيحة وروي بالخاء المعجمة ومعنى الأولى الكثيف الذي لا يصف ولا يشف ومعنى الثانية الساتر السابغ أي الكامل التام الذي يستر ظهور قدميها ويراد به أيضا الذي لا يصف ولا يشف لأن مراد المؤلف أقلية لا إعادة معها لا في الوقت ولا في غيره وثانيهما خمار بكسر الخاء تتقنع به أي تستر به شعرها وعنقها ومن شرطه أن يكون كثيفا وحاصل الفقه أنه يجب على المرأة أن تستر جميع بدنها في الصلاة حتى بطون قدميها

стр. 41

وتباشر بكفيها الأرض في السجود مثل الرجل. ــ لقول مالك لا يجوز للمرأة أن تبدي في الصلاة إلا وجهها وكفيها "وتباشر بكفيها الخ" أي أن المرأة تباشر الأرض بكفيها حال السجود وجه ذكره لهذه المسألة هنا أنه لما كان يتوهم من قوله تستر ظهور قدميها وبطونهما أنها تستر الكفين لأن كلا منهما من أجزاء المصلي المطلوب بستر جميع بدنه فلأجل دفع هذا التوهم ذكرها هنا.

стр. 42

باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه . وذكر الاستنجاء والاستجمار وليس الاستنجاء مما يجب أن يوصل به الوضوء لا في ــ باب صفة الوضوء. "باب في صفة الوضوء الخ" أي هذا باب في بيان صفة الوضوء ومسنونه أي وفي بيان المسنون منه وذكر الاستنجاء وفي بيان ذكر الاستنجاء حكما وصفة فيكون كلام المصنف شاملا للأمرين والأولى حذف ذكر ويقول والاستنجاء بالعطف على صفة والاستنجاء غسل موضع الخبث بالماء مأخوذ من نجوت بمعنى قطعت فكأن المستنجي يقطع الأذى عنه "والاستجمار" أي وفي بيان الاستجمار حكما وصفة وحكمه أنه مجز وصفته أنه استعمال الحجارة الصغار في إزالة ما على المحل من الأذى وليس الاستنجاء الخ أي لا يجب ولا يسن ولا يستحب أن يوصل الوضوء بالاستنجاء بل هو عبادة منفردة يجوز تفرقته عن الوضوء في الزمان والمكان ولا يعد في سنن الوضوء ولا في فرائضه ولا في مستحباته وإنما المقصود منه إنقاء المحل خاصة ولكن يستحب تقديمه على الوضوء فإذا "وليس الاستنجاء الخ" أي لا يجب ولا يسن ولا يستحب أن يوصل الوضوء بالاستنجاء بل هو عبادة منفردة يجوز تفرقته عن الوضوء في الزمان والمكان ولا يعد في سنن الوضوء ولا في فرائضه ولا في مستحباته وإنما المقصود منه إنقاء المحل خاصة ولكن يستحب تقديمه على الوضوء فإذا

стр. 43

سنن الوضوء ولا في فرائضه وهو من باب إيجاب زوال النجاسة به أو بالاستجمار لئلا يصلي بها في جسده ويجزىء فعله بغير نية وكذلك غسل الثوب النجس وصفة الاستنجاء أن يبدأ بعد غسل يده فيغسل مخرج البول ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر أو غيره أو بيده ثم يحكها بالأرض ويغسلها ثم يستنجي بالماء ويواصل صبه ويسترخي قليلا ــ أخره فليحذر من مس ذكره ومن خروج حدث "وهو من باب الخ" أي أن الاستنجاء من باب إزالة النجاسة فيجب أن يكون بالماء أو بالاستجمار بالأحجار لئلا يصلي بالنجاسة وهي على جسده ومما يدل على أنه من باب إزالة النجاسة أنه يجزىء فعله بغير نية "وكذلك غسل الثوب النجس" أي المتنجس لا يحتاج إلى نية "وصفة الاستنجاء الخ" أي الصفة الكاملة أنه بعد أن يستبرىء بالسلت والنتر الخفيفين بأن يأخذ ذكره بيساره أي السبابة والإبهام ثم يجذبه من أسفله إلى الحشفة جذبا رفيقا ثم يمسح ما على دبره من الأذى بمدر أو بغيره مما يجوز الاستجمار به يبدأ بغسل يده اليسرى مخافة أن يعلق بها شيء من رائحة الأذى ثم يستنجي بالماء ولكنه يقدم غسل مخرج البول على غسل مخرج الغائط لئلا تتنجس يده وما ذكره المصنف من الجمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء هو الأفضل لفعله ذلك ﵊ "ويواصل الخ" أي يوالي صب الماء من غير تراخ لأنه أعون على الإزالة "ويسترخي قليلا" وإنما طلب منه ذلك

стр. 44

ويجيد عرك ذلك بيده حتى يتنظف وليس عليه غسل ما بطن من المخرجين ولا يستنجى من ريح ومن استجمر بثلاثة أحجار يخرج آخرهن نقيا أجزأه والماء أطهر وأطيب وأحب إلى العلماء ــ لأن المخرج فيه طيات فإذا قابله الماء انكمش فإذا استرخى تمكن من غسله "ويجيد عرك ذلك الخ" أي أن المستنجي يعرك المحل بيده وقت صب الماء حتى ينظف من الأذى وتكفي غلبة الظن إن قدر على ذلك فإن لم يقدر لقطع يده أو قصرها استناب من يجوز له مباشرة ذلك المحل من زوجة أو سرية وإلا توضأ وترك ذلك من غير غسل "وليس عليه الخ" أي لا يجب ولا يستحب للمستنجي "غسل ما بطن من المخرجين" والصواب من المخرج بلفظ الإفراد لأن مخرج البول من الرجل لا يمكن غسل داخله "ولا يستنجى من ريح" أي ينهى عن الاستنجاء من الريح والأصل فيه قوله ﷺ : "من استنجى من ريح فليس منا" وهل الحكم المنع أو الكراهة لا نص على عين الحكم والحديث يحتملهما "ومن استجمر بثلاثة الخ" يعني أن من استجمر بثلاثة أحجار وخرج آخرهن نقيا من الأذى كفاه ذلك ولو كان الماء موجودا ويؤخذ من كلامه أن الاستجمار بدون الثلاثة لا يجزىء ولكن المشهور أن المدار على الإنقاء ولو بواحد ولما أفهم كلامه أن الأحجار تجزىء ولو كان الماء موجودا خشي أن يتوهم مساواة ذلك لاستعمال الماء وأنهما سواء في الفضل دفع ذلك بقوله "والماء أطهر" لأنه لا يبقى معه عين ولا أثر والحجر إنما يزيل العين فقط وأطيب للنفس وإنما كان أطيب لأنه يذهب الشك "وأحب إلى العلماء" أي كافة إلا ابن المسيب فإنه قال الاستنجاء من فعل النساء

стр. 45

ومن لم يخرج منه بول ولا غائط وتوضأ لحدث أو نوم أو لغير ذلك مما يوجب الوضوء فلا بد من غسل يديه قبل دخولهما في الإناء ومن سنة الوضوء غسل اليدين قبل دخولهما في الإناء والمضمضة والاستنشاق ــ وحمل على أنه من واجبهن أي متعين في حقهن فلا يجزئهن الاستجمار كما أنه متعين في حيض ونفاس ومني أي بالنسبة لمن فرضه التيمم لمرض أو عدم ماء كاف للغسل ومعه من الماء ما يزيل به النجاسة ويتعين الماء أيضا في المنتشر عن المخرج كثيرا بأن جاوز ما جرت العادة بتلوثه "ومن لم يخرج منه بول الخ" أي أن من لم يخرج منه بول ولا غائط ولا غيرهما مما يستنجى منه كمذي وودي وأراد أن يتوضأ لأجل خروج ريح أو غيره مما يوجب الوضوء كالردة والشك في الحدث والرفض وبقية الأسباب من النوم والسكر والإغماء "فلا بد من غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء" أي يلزمه ذلك على طريق السنية وإن لم يكن بهما ما يقتضي غسلهما بأن كانتا نظيفتين فغسل اليدين مطلوب مطلقا سواء استنجى أو لا "ومن سنة الوضوء" أي من سنن الوضوء "غسل اليدين" إلى الكوعين قبل إدخالهما في الإناء ومحل كون السنة الغسل قبل الإدخال في الإناء إن كان الماء قليلا وأمكن الإفراغ منه وإلا فلا يسن الغسل قبل الإدخال "والمضمضة" أي من سننه أيضا المضمضة بضادين وهي خضخضة الماء في الفم ومجه فلو ابتلعه لم يكن آتيا بالسنة وأيضا لو فتح فاه حتى نزل فيه الماء لم يكن آتيا بالسنة فلا بد من خضخضة الماء ومجه "والاستنشاق" أي من سنن الوضوء الاستنشاق وهو إدخال الماء في الخياشم بالنفس فلو دخل الماء أنفه بغير إدخال بالنفس

стр. 46

والاستنثار ومسح الأذنين سنة وباقيه فريضة فمن قام إلى وضوء من نوم أو غيره فقد قال بعض العلماء يبدأ فيسمي ــ لا يكون آتيا بالسنة "والاستنثار" كيفيته أن يجعل أصبعيه السبابة والإبهام من يده اليسرى على أنفه ويرد الماء من خيشومه بريح الأنف "ومسح الأذنين" أي من سنن الوضوء مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما الظاهر ما كان من جهة الرأس والباطن ما كان من جهة الوجه "وباقيه فريضة" أي باقي الوضوء فريضة واستشكل بأن من الباقي ما هو سنة كرد مسح الرأس وتجديد الماء للأذنين والترتيب ومنها ما هو مستحب كالتسمية في ابتدائه وأجيب بأنه أراد بقوله وباقيه فريضة بقية الأعضاء المغسولة والممسوحة على طريق الاستقلال إذ الرأس فرضه المسح والرد تبع له أي متعلق بكسر اللام بقية الأعضاء أي القائم ببقية الأعضاء على جهة الاستقلال فريضة وإنما احتجنا لتقدير متعلق لأنه ليس نفس بقية الأعضاء هي الفريضة وأما التجديد والترتيب فليسا بعضوين أي فليسا متعلقين بعضوين بل متعلقهما غير عضوين لأن متعلق التجديد الماء ومتعلق الترتيب الغسلات "فمن قام إلى وضوء" ليس المراد بالقيام حقيقته وإنما المراد من أراد أن يتوضأ لحصول موجبه من نوم أو غيره مما يوجب الوضوء فمن قائل من العلماء إنه يبدأ بسم الله تعالى قيل بأن يقول بسم الله الرحمن الرحيم وقيل بأن يقول بسم الله فقط ومن العلماء من لم ير البداءة بالتسمية من الأمر المعروف عند السلف بل رآه من المنكر أي المكروه والظاهر من كلام المصنف حيث عزا كل قول منهما لبعض أنه لم يقف لمالك في التسمية على شيء والمنقول عن مالك في التسمية ثلاث روايات إحداها الاستحباب وبه قال ابن حبيب وشهرت لقوله ﷺ :

стр. 47

الله ولم يره بعضهم من الأمر بالمعروف وكون الإناء على يمينه أمكن له في تناوله ويبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا فإن كان قد بال أو تغوط غسل ذلك منه ثم توضأ ثم يدخل يده في الإناء فيأخذ الماء فيمضمض فاه ثلاثا ــ "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله" وظاهر الحديث الوجوب وبه قال الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وهو مجتهد الثانية الإنكار قائلا أهو يذبح أي حتى يحتاج إلى تسمية الثالثة التخيير فالحكم إذا الإباحة "وكون الإناء على يمينه الخ" أي يستحب للمتوضئ أن يجعل الإناء الذي يتوضأ منه على يمينه لأنه أسهل وأمكن في تناول الماء إن كان الإناء مفتوحا يمكن الاغتراف منه وأما إن كان ضيقا فالأفضل أن يكون عن يساره لأنه أيسر "ويبدأ فيغسل الخ" أي وبعد أن يجعل الإناء المفتوح عن يمينه والضيق عن يساره يبدأ على جهة السنية بغسل يديه إلى الكوعين ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في الإناء بنية مفترقتين "فإن كان قد بال الخ" أي أن ما تقدم في حق من لم يبل ومن لم يتغوط وأما من بال أو تغوط غسل ذلك الشخص البول أو الغائط أي أزالهما عن نفسه "ثم توضأ الخ" ومعناه يفعل الوضوء اللغوي وهو غسل اليدين وحاصل المسألة أن قوله أولا فيغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء في حق من لم يبل ومن لم يتغوط وأما من بال أو تغوط فحكمه أنه يغسل موضع البول أو غيره ثم يتوضأ أي يغسل يديه الذي هو سنة أولى من سنن الوضوء "ثم يدخل يده في الإناء" إن أمكنه إدخالها فيه وإلا أفرغ عليها "فيأخذ الماء فيمضمض الخ" أي يأخذ من الماء بقدر حاجته من غير إسراف فيمضمض فاه ثلاثا

стр. 48

من غرفة واحدة إن شاء أو ثلاث غرفات وإن استاك بأصبعه فحسن ثم يستنشق بأنفه الماء ويستنثره ثلاثا يجعل يده على أنفه كامتخاطه ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق وله جمع ذلك في غرفة واحدة والنهاية أحسن ــ من غرفة واحدة إن شاء ذلك لكن الأولى سنة وكل من الباقيتين مستحب وإن شاء تمضمض ثلاث مرات بثلاث غرفات والصفة الثانية أرجح من الأولى "وإن استاك الخ" أي إن استاك بأصبعه من يريد الوضوء قبل أن يتوضأ "فحسن" أي مستحب "ثم يستنشق" ثم للترتيب فقط لا للتراخي أي أن المتلبس بأعمال الوضوء بعد فراغه من المضمضة يستنشق بأن يجذب الماء وانظر ما فائدة قوله بأنفه فهل يكون الاستنشاق بغير الأنف ولعله ذكر ذلك تبركا بلفظ الحديث ففي مسلم "فليستنشق بمنخريه" الماء "ويستننثره ثلاثا" والمشهور أنه سنة على انفراده وصفة الاستننثار أن يجعل السبابة والإبهام من يده اليسرى على أنفه ويرد الماء بريح الأنف كما يفعل في امتخاطه وكره عند مالك امتخاطه كامتخاط الحمار لوقوع النهي عنه في الحديث "ويجزئه أقل من ثلاث الخ" أي يكفيه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق والأقل صادق بالمرة الواحدة والثنتين ودليل ما ذكر أنه ﵊ توضأ مرة مرة ومرتين مرتين "وله جمع ذلك في غرفة واحدة" أي للمتوضىء أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة وله صورتان إحداهما أن لا ينتقل إلى الاستنشاق إلا بعد الفراغ من المضمضة والأخرى أن يتمضمض ثم يستنشق ثم يتمضمض ثم يستنشق ثم

стр. 49

ثم يأخذ الماء إن شاء بيديه جميعا وإن شاء بيده اليمنى فيجعله في يديه جميعا ثم ينقله إلى وجهه فيفرغه عليه غاسلا له بيديه من أعلى جبهته وحده منابت شعر رأسه ــ يتمضمض ثم يستنشق والأولى أفضل لسلامتها من التنكيس في العبادة "ثم يأخذ الماء الخ" ثم بعد الفراغ من الاستنشاق والاستنثار يأخذ الماء بيديه جميعا إن شاء وإن شاء أخذه بيده اليمنى ثم يجعله في يديه جميعا ثم ينقله إلى وجهه وظاهره أن نقل الماء شرط وهو كذلك عند ابن حبيب وابن الماجشون وسحنون والمشهور أنه لا يشترط النقل وإنما المطلوب إيقاع الماء على سطح الوجه كيفما أمكن ولو بميزاب "فيفرغه عليه الخ" أي يفرغ الماء على وجهه من غير أن يلطم وجهه بالماء كما تفعله النساء وعوام الرجال "غاسلا له بيديه" يستفاد منه أشياء فيستفاد منه أن مقارنة الغسل لنقل الماء إلى العضو المغسول شرط للاستحباب في الوضوء بدليل الحالية التي تفيد المقارنة ويستفاد منه أيضا أنه يباشر ذلك بنفسه فلو وكل غيره على الوضوء لغير ضرورة ولا يجزئه لأنه من أفعال المتكبرين ويستفاد منه أن الدلك واجب وهو كذلك على المشهور أن الدلك واجب لنفسه لا لإيصال الماء للبشرة "من أعلى جبهته" متعلق بغاسلا أي أن السنة أن يبدأ في غسل الأعضاء من أولها فإن بدأ من أسفلها أجزأه وبئس ما صنع أي يكره "وحده منابت شعر رأسه" تفسير لا على الجبهة والمراد بالجبهة هنا ما يشمل ما يصيب الأرض في حال السجود والجبينين وهما ما أحاطا بها من يمين وشمال أي أعلاه حده منابت شعر الرأس المعتاد فلا يعتبر الأغم ولا الأصلع فيدخل موضع الغمم في الغسل ولا يدخل موضع الصلع وفهم من قوله منابت الخ أنه لا بد من غسل جزء

стр. 50

إلى طرف ذقنه ودور وجهه كله من حد عظمي لحييه إلى صدغيه ويمر يديه على ما غار من ظاهر أجفانه وأسارير جبهته وما تحت مارنه من ظاهر أنفه يغسل وجهه هكذا ثلاثا ينقل الماء إليه ويحرك لحيته في غسل وجهه بكفيه ليداخلها ــ من الرأس ليتحقق الواجب "إلى طرف ذقنه" الوجه له طول وله عرض فأول طوله من منابت شعر الرأس المعتاد وآخره طولا إلى طرف ذقنه وهو مجمع اللحيين بفتح اللام وهو ما تحت العنفقة ولا خلاف في دخوله في الغسل وحده عرضا من الأذن إلى الأذن "ودور وجهه كله كان من حد عظمي لحييه إلى صدغيه" أي ويغسل دور وجهه كله فهو مفعول لفعل محذوف واللحيين بفتح اللام تثنية لحي بفتحها أيضا والصدغين تثنية صدغ بضم الصاد وهو ما بين الأذن والعين والمشهور دخوله في الغسل فإلى في كلام المصنف بمعنى مع "ويمر يديه على ما غار الخ" يعني أنه يجب إمرار اليد على ما خفي من ظاهر أجفانه وأما داخل العين فلا يجب غسله ويجب أيضا إمرار اليد على التكاميش التي تكون في الجبهة وهي موضع السجود "وما تحت مارنه من ظاهر أنفه" أي يجب أن يمر يده على ما تحت مارنه وهو ما لان من الأنف تفسير لمارن الأنف وما تحته يقال له وتره ومفهوم ظاهر أنفه أن باطنه لا يجب غسله ويجب عليه أن يغسل ظاهر شفتيه ولا يطبقهما في حال غسل الوجه "يغسل وجهه هكذا ثلاثا" يعني أن الصفة المطلوبة من الابتداء بأول العضو والانتهاء إلى آخره والدلك وتتبع المغابن تفعل في جميع الغسلات "ينقل الماء إليه" أي إلى الوجه "ويحرك لحيته" الكثيفة أي أنه في حال غسل وجهه يحرك بكفيه شعر لحيته الكثيف لأجل أن يداخلها الماء إذ لو لم يفعل ذلك لم يعم ظاهر الشعر لأن الشعر يدفع الماء

стр. 51

الماء لدفع الشعر لما يلاقيه من الماء وليس عليه تخليلها في الوضوء في قول مالك ويجري عليها يديه إلى آخرها ثم يغسل يده اليمنى ثلاثا أو اثنتين يفيض عليها الماء ويعركها بيده اليسرى ويخلل أصابع يديه بعضها ببعض ــ الذي يلاقيه إذا لم يحصل تحريك بالكفين "وليس عليه تخليلها الخ" يعني أن المشهور عن مالك أن شعر اللحية الكثيف لا يخلل في الوضوء بل ظاهر المدونة الكراهة وموضوع المصنف شعر اللحية الكثيف في الوضوء وأما الشعر الخفيف الذي تظهر البشرة تحته فيجب تخليله اتفاقا في الوضوء ويجب تخليل شعر اللحية مطلقا خفيفا كان أو كثيفا في الغسل "ويجري عليها يديه إلى آخرها" وإذا سقط وجوب التخليل فلا بد أن يجري يديه بالماء على اللحية إلى آخرها "ثم يغسل يده" اليمنى أي أولا ثم بعد أن يفرغ من غسل الواجب الأول وهو الوجه ينتقل إلى الواجب الثاني وهو اليدان فيغسل يده اليمنى أولا لأن البداءة بالميامن قبل المياسر مستحبة بلا خلاف لما صح من قوله ﵊: "إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم ثلاثا أو اثنتين" انظرلم خير في غسل اليدين بقوله ثلاثا أو اثنتين ولم يخير في غسل الوجه والرجلين ووجه ذلك أنه ثبت عنه ﷺ أنه غسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين مرتين "يفيض عليها الماء الخ" صفة ذلك أنه يصب الماء على يده اليمنى ويدلكها بيده اليسرى وينبغي أن يكون الدلك متصلا بصب الماء "ويخلل أصابع يديه بعضها ببعض" يعني يدخل أصابع إحدى يديه في فروج الأخرى ويخللهما من ظاهرهما لا من باطنهما لأنه تشبيك وهو مكروه وكلامه محتمل للوجوب والندب والمشهور الأول

стр. 52

ثم يغسل اليسرى كذلك ويبلغ فيهما بالغسل إلى المرفقين يدخلهما في غسله وقد قيل إليهما حد الغسل فليس بواجب إدخالهما فيه وإدخالهما فيه أحوط لزوال تكلف التحديد ثم يأخذ الماء بيده اليمنى فيفرغه على باطن يده اليسرى ثم يمسح بهما رأسه ــ والأصل فيه قوله ﵊: "إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك" ولكن الأمر للوجوب بالنسبة لليدين وللندب بالنسبة للرجلين "ثم يغسل يده اليسرى كذلك" ثم بعد الفراغ من غسل اليد اليمنى على الصفة المتقدمة يغسل يده اليسرى مثل ذلك "ويبلغ فيهما بالغسل الخ" أي أن المتوضئ يبلغ في غسل يده اليمنى وغسل يده اليسرى إلى المرفقين أي يبلغ في غسلهما إلى هذا الموضع "يدخلهما في غسله" لما كان قوله إلى المرفقين محتملا لإدخالهما في الغسل وعدمه والمشهور وجوب إدخالهما صرح بذلك بقوله دخلهما في غسله فإلى في كلامه كالآية الشريفة بمعنى مع "وقد قيل إليهما الخ" يعني أن من ذهب إلى عدم دخول الغاية يقول إن الغسل ينتهي إلى المرفقين فإلى في الآية الشريفة على حقيقتها وليست بمعنى مع وحينئذ فالغاية خارجة فلا يجب غسل المرفقين "وإدخالهما فيه أحوط" إشارة إلى قول ثالث يقول باستحباب دخولهما في الغسل لزوال مشقة التحديد لأنه يلزم من يقول إليهما ينتهي حد الغسل أن يحدد نهاية الغسل وفيه مشقة "ثم يأخذ الماء الخ" ثم بعد الفراغ من الواجب الثاني ينتقل إلى فعل الواجب الثالث فيأخذ الماء بيده اليمنى فيفرغه على باطن يده اليسرى

стр. 53

يبدأ من مقدمه من أول منابت شعر رأسه وقد قرن أطراف أصابع يديه بعضها ببعض على رأسه وجعل إبهاميه على صدغيه ثم يذهب بيديه ماسحا إلى طرف شعر رأسه مما يلي قفاه ثم يردهما إلى حيث بدأ ويأخذ بإبهاميه خلف أذنيه إلى صدغيه وكيفما مسح أجزأه إذا أوعب رأسه والأول أحسن ولو أدخل يديه في الإناء ثم رفعهما مبلولتين ــ ثم يمسح بيديه رأسه كله "يبدأ من مقدمه" أي أن البداءة بمقدم الرأس مستحب "من أول منابت الخ" أي ومقدمه من أول منابت شعر رأسه المعتاد فلا يعتبر أغم ولا أصلع "وقد قرن أطراف الخ" وتكون البداءة بيديه حالة كونه قد قرن أطراف أصابع يديه ما عدا إبهاميه بعضها ببعض على رأسه وجعل إبهاميه على صدغيه ثم يذهب بيديه ماسحا رأسه إلى منتهى الجمجمة والجمجمة عظم الرأس المشتمل على الدماغ ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه ويأخذ بإبهاميه خلف أذنيه وعظم الصدغين من الرأس فيجب مسحه ويجب أن يمسح مع ذلك أشياء من الوجه فيحيط بالشعر "وكيفما مسح أجزأه الخ" أشار إلى أن الكيفية المذكورة في صفة مسح الرأس ليست بواجبة بل مدار الإجزاء على الإيعاب وتعميم المسح جميع الشعر "ولو أدخل يديه في الإناء الخ" أشار إلى صفة أخرى في أخذ الماء لمسح الرأس وهو أنه لو أخرج يديه مبلولتين بعد إدخالهما في الماء سواء كان في إناء أو غيره ثم مسح بهما رأسه أجزأه ذلك عند مالك من

стр. 54

ومسح بهما رأسه أجزأه ثم يفرغ الماء على سبابتيه وإبهاميه وإن شاء غمس ذلك في الماء ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما وتمسح المرأة كما ذكرنا وتمسح على دلاليها ولا تمسح على الوقاية وتدخل ــ غير كراهة وفاته المستحب عند ابن القاسم "ثم يفرغ الماء الخ" ثم بعد مسح الرأس ينتقل إلى مسح الأذنين بأن يأخذ الماء بيمينه ويفرغه على سبابة يده اليسرى مع إبهامها وما اجتمع في كفه اليسرى يفرغه على سبابة يده اليمنى مع إبهامها ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما وإن شاء غمس السبابتين والإبهامين في الماء ثم يمسح بهما أذنيه والصفة الأولى لابن القاسم وهذه لمالك "وتمسح المرأة الخ" أي أن المرأة تمسح رأسها وأذنيها مثل الرجل في المقدار والصفة لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ والنساء شقائق الرجال وغلب الرجال لشرفهم "وتمسح على دلاليها" أي أنها تمسح على ما استرسل من شعرها والمشهور وجوب مسح ما استرخى من شعر الرجال على الجانبين بحيث نزل عن محل الفرض أو على الوجه وأما القائم بمحل الفرض فمتفق على وجوب مسحه "ولا تمسح على الوقاية" الوقاية هي الخرقة التي تعقد بها المرأة شعر رأسها لتقيه من الغبار وكذلك لا تمسح على ما في معنى الوقاية من خمار وحناء إذا جعلت مثل اللزقة ووضعت على الرأس لأن ذلك كله حائل هذا إذا لم تدع إلى المسح على ما ذكر ضرورة وإلا جاز كما قال مالك إن مسحه ﵊ على عمامته كان لضرورة وخالف الإمام أحمد فقال إن ذلك كان اختيارا والذي ثبت أنه ﷺ مسح الناصية التي هي مقدم الرأس أولا وكمل المسح على العمامة "وتدخل

стр. 55

يديها من تحت عقاص شعرها في رجوع يديها في المسح ثم يغسل رجليه يصب الماء بيده اليمنى على رجله اليمنى ويعركها بيده اليسرى قليلا قليلا يوعبها بذلك ثلاثا ــ يديها من تحت الخ" يعني أن المرأة بعد أن بدأت في المسح بمقدم رأسها وانتهت إلى آخر ما استرخى من شعرها يجب عليها أن تدخل يديها من تحت عقاص شعرها لتوقف التعميم عليه ثم يسن لها الرد إن بقي بيديها بلل وظاهر كلامه أنه ليس عليها حل عقاصها للمشقة وقيده بعضهم بما إذا كان مربوطا بالخيط والخيطين وأما إن كثرت عليه الخيوط فلا بد من نقضه "ثم يغسل رجليه" أي بعد الفراع من مسح الأذنين يشرع في الفريضة الرابعة أي أن غسل الرجلين هو الفريضة الرابعة عند الجمهور وقيل فرضهما المسح وسبب الخلاف اختلاف القراءة في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ خفضا ونصبا فعلى قراءة النصب يكون معطوفا على الوجه واليدين ولا شك أن فرضهما الغسل فيعطى هذا الحكم للمعطوف وعلى قراءة الخفض يكون معطوفا على الرأس فيعطى حكم المعطوف عليه وهو المسح فهما يمسحان والذي ينبغي أن يقال إن قراءة الخفض عطف على الرؤوس فهما يمسحان إذا كان عليهما خفان واستفيد هذا من فعله ﵊ إذلم يصح عنه أنه مسح على رجليه إلا وعليهما خفان والمتواتر عنه غسلهما دائما عند عدم الخفين "يصب الماء الخ" أي وصفة غسلهما أنه يصب الماء بيده اليمنى على رجله اليمنى ويعركها أي يدلكها بيده اليسرى فلا يكفي ذلك إحدى الرجلين بالأخرى وفي كلام ابن القاسم أنه يكفي ذلك إحدى الرجلين بالأخرى "يوعبها بذلك ثلاثا" أي يستكمل غسلها بالماء والدلك ثلاث

стр. 56

وإن شاء خلل أصابعه في ذلك وإن ترك فلا حرج والتخليل أطيب للنفس ويعرك عقبيه وعرقوبيه وما لا يكاد يداخله الماء بسرعة من جساوة أو شقوق فليبالغ بالعرك مع صب الماء بيده فإنه جاء الأثر ويل للأعقاب من النار ــ مرات على جهة الاستحباب ولا يزيد على ذلك فيكون غسل الرجلين محدودا بثلاث غسلات وهو أحد قولين مشهورين وهل تكره المرة الرابعة أو تمنع خلاف والقول الآخر إن غسل الرجلين لا يحد فالمطلوب الإنقاء ولو زاد على الثلاث وشهر أيضا "وإن شاء خلل أصابعه الخ" أي أنه إن شاء خلل أصابع رجليه في حال غسلهما وإن شاء ترك ذلك ولكن التخليل أطيب للنفس فلا يبقى معه شك "ويعرك عقبيه" ذكره بلفظ الخبر ومعناه الطلب أي وليعرك عقبيه أي وليدلكهما والعقبان تثنية عقب وهي مؤخر القدم مما يلي الأرض الطلب يصدق بالوجوب والندب والمراد الأول "وعرقوبيه" تثنية عرقوب بضم أوله وهو العصبة الناتئة من العقب إلى الساق أي يدلك عرقوبيه "وما لا يكاد الخ" أي ويدلك كل ما لا يداخله الماء بسرعة فيكاد زائدة "من جساوة" بيان لما لا يداخله الماء بسرعة والجساوة بجيم وسين مهملة مفتوحتين غلظ في الجلد نشأ عن قشف "أو شقوق الخ" أي تفاتيح تكون من غلبة السوداء أو البلغم فيتعهدها بالدلك بيده مع صب الماء وكذلك التكاميش التي تكون من استرخاء الجلد في أهل الأجسام الغليظة "فإنه جاء الأثر الخ" في الصحيحين: "ويل للأعقاب من النار" وفي الكلام حذف مضاف تقديره لصاحب الأعقاب من النار وهذا لا يختص بالأعقاب خاصة بل شامل لكل لمعة تبقى في أعضاء

стр. 57

وعقب الشيء طرفه وآخره ثم يفعل باليسرى مثل ذلك وليس تحديد غسل أعضائه ثلاثا ثلاثا بأمر لا يجزىء دونه ولكنه أكثر ما يفعل ومن كان يوعب بأقل من ذلك أجزأه إذا أحكم ذلك وليس كل الناس في إحكام ــ الوضوء وإنما قال النبي ﷺ هذا حين رأى أعقاب الناس تلوح أي تظهر بدون ماء عليها ولم يمسها ماء الوضوء "وعقب الشيء طرفه" أي عقب الشيء طرفه بفتح الراء وهو آخره "ثم يفعل بالرجل اليسرى الخ" أي مثل ما فعل في اليمنى سواء بسواء ولم يبين منتهى الغسل في الرجلين ومنتهاه الكعبان الناتئان في جانبي الساقين والمشهور خولهما في الغسل "وليس عليه تحديد الخ" أي ليس على المتوضىء تحديد غسل أعضائه التي حقها الغسل ثلاثا ثلاثا بأمر لا يجزىء دونه "ولكنه أكثر ما يفعل" أي ولكن التحديد بالثلاث أكثر ما يفعله المتوضىء ولا فضيلة فيما زاد على الثلاث بل حكى ابن بشير الإجماع على منع الرابعة وإن كان لا يسلم له حكاية الإجماع على المنع لوجود القول بالكراهة إلا أن يريد بالمنع ما يشمل الكراهة والأصل في هذا ما روي أن أعرابيا سأل رسول الله ﷺ عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا والظاهر أنه توضأ بحضرته ثم قال: "هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم" "ومن كان يوعب" أي يسبغ أعضاء الوضوء "بأقل من ذلك" أي من ثلاث غسلات "أجزأه" أي ذلك الأقل "إذا أحكم ذلك" أي أتقن ذلك الفعل وقد حدد الأكثر ولم يحدد الأقل لأن الأقل لما كان محصورا في الواحدة والاثنتين فحاله معلوم فلا حاجة للتنبيه عليه "وليس كل الناس الخ" أي

стр. 58

ذلك سواء وقد قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" وقد استحب بعض العلماء أن يقول بإثر الوضوء اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ويجب عليه أن يعمل عمل الوضوء ــ ليس كل الناس في إتقان ذلك الغسل سواء فمن لم يحكم بالواحدة لا تجزئه ويتعين في حقه ما يحكم به فإن كان لا يسبغ إلا باثنتين نوى بهما الفرض وبالثالثة الفضيلة وإن كان لا يسبغ إلا بالثلاث نوى بها الفرض وسقط ندب ما زاد ولما بين صفة الوضوء المشتملة على فرائض وسنن وفضائل شرع يحث على الإتيان بها على هذه الصفة لا يخل بشيء منها فقال: "وقد قال رسول الله ﷺ : "من توضأ" الخ" أي من أتى بوضوء كامل بأن كان مستجمعا لفرائضه وسننه وفضائله ولم يخل بشيء منها "ثم رفع طرفه إلى السماء فقال" قبل أن يتكلم "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" وقد استحب بعض العلماء الخ" هو ابن حبيب قال إنه يستحب "أن يقول بإثر الوضوء" بكسر الهمزة وسكون المثلثة "اللهم اجعلني من التوابين" أي الذين كلما أذنبوا تابوا "واجعلني من المتطهرين" أي من الذنوب وظاهر كلامه أن ما نقله عن بعض العلماء ليس من الحديث وقد ذكره الترمذي في الحديث "ويجب عليه الخ" قال العلماء إن الشيخ لم

стр. 59

احتسابا لله تعالى لما أمره به يرجو تقبله وثوابه وتطهيره من الذنوب به ويشعر نفسه أن ذلك تأهب ــ يتكلم على النية في الوضوء لأنه لم يقل ينوي عمل الوضوء وهي فرض اتفاقا عند ابن رشد لأنه لم يحفظ خلافا في وجوبها في الوضوء ولذا حكى الاتفاق على الوجوب وعلى الأصح عند ابن الحاجب ومقابله رواية عن مالك بعدم فرضيتها نصا في الوضوء ويتخرج عليه الغسل ثم اختلفوا هل تؤخذ من كلامه أم لا فقال بعضهم لم يتكلم على النية في الرسالة أصلا وقال بعضهم تؤخذ من قوله ويجب عليه أي المتوضىء أن يعمل عمل الوضوء احتسابا أي خالصا لله تعالى لا لرياء ولا لسمعة "لما أمره به" أي لأجل ما أمره به من الإخلاص المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ والإخلاص أن يقصد إفراد المعبود بالعبادة من غير نطق باللسان فإن مدار النية القلب ومن شرطها أن تكون مقارنة لأول واجب وهو غسل الوجه في الوضوء فإن تقدمت عليه بكثير لم تجز اتفاقا وفي تقدمها بيسير قولان مشهوران أشهرهما الإجزاء واتفقوا على أنه إذا نوى بعد غسل الوجه لا يجزئه والأصل في النية أن تكون مستصحبة فإن حصل ذهول عنها اغتفر "يرجو تقبله وتطهيره من الذنوب به الخ" أي إذا عمل عمل الوضوء خالصا قاصدا به امتثال ما أمر الله به واثقا من نفسه بأن الفعل صادر عن طيب نفس فينبغي له أن يطمع في تقبله وتطهيره من الذنوب به لما في مسلم أنه ﷺ قال: "إذا توضأ المسلم أو المؤمن فغسل وجهه يخرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء" الحديث "ويشعر نفسه" أي يعلم نفسه "أن ذلك" الوضوء "تأهب"

стр. 60

وتنظف لمناجاة ربه والوقوف بين يديه لأداء فرائضه والخضوع له بالركوع والسجود فيعمل على يقين بذلك وتحفظ فيه فإن تمام كل عمل بحسن النية فيه ــ أي استعداد "وتنظف" من الذنوب والأدران "لمناجاة ربه والوقوف بين يديه" الأولى تقديم الوقوف على المناجاة لأن الوقوف مقدم اعتبارا وحاصل ما قال إن المكلف إذا أراد الوضوء فليفعله خالصا لله تعالى طامعا في أن الله يتقبله منه ولا يقطع بذلك وأنه يثيبه عليه وأنه يطهره به من الذنوب ويستحضر أن فعله لأجل التأهب لمناجاة ربه ومناجاة الرب إخلاص القلب وتفريغ السر لذكره "لأداء فرائضه" أي لأجل أداء ما فرض الله عليه "والخضوع" أي ولأجل التذلل له تعالى "بالركوع والسجود" وإنما خصهما بالذكر مع أن التذلل بغيرهما أيضا لأن بهما يقع التذلل أعني التذلل الكامل ولأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد "فيعمل على يقين بذلك الخ" فإذا أشعر نفسه بأن الوضوء تأهب واستعداد لمناجاة ربه تمكن من قلبه الإجلال والتعظيم فينتج له أنه يعمل الوضوء على يقين بالخضوع أي جازما بوجوب الخضوع لمولاه وخلاصته أن الإجلال والتعظيم ينتج أنه يعمل عمل الوضوء في حال كونه على تحفظ في الوضوء عن النقص والوسوسة وعلى يقين أن عليه أن يخضع لله تعالى بالركوع والسجود "فإن تمام كل عمل الخ" أي لا تجري الأعمال إلا على حسب النية ولا تتكون في دائرة الوجود إلا موافقة لها وغير خارجة عن طورها وحسبك قوله ﵊: "وإنما لكل امرئ ما نوى"

стр. 61

باب في الغسل . أما الطهر فهو من الجنابة ومن الحيضة والنفاس سواء. ــ "باب في بيان صف الغسل" قد تقدم دليله وشرائطه في باب ما يجب منه الوضوء وصفة الغسل تشتمل على فرائض وسنن وفضائل ولم يتعرض المصنف لبيان الفرض من غيره وسنبين ذلك فنقول أما فرائضه فخمسة تعميم الجسد بالماء والنية والموالاة والدلك وتخليل الشعر ولو كثيفا وضغث المضفور وسننه خمسة غسل اليدين للكوعين أولا والمضمضة والاستنشاق والاستنثار ومسح الصماخين فقط وهما الثقبان فيمسح منهما ما لا يمكن غسله وصفة غسلهما أن يحمل الماء في يديه وإمالة رأسه حتى يصيب الماء باطن أذنيه ولا يصب الماء في أذنيه صبا لأنه يورث الضرر وفضائله سبع التسمية والبدء بإزالة الأذى عن جسده وغسل أعضاء وضوئه كلها قبل الغسل والبدء بغسل الأعالي قبل الأسافل والميامن قبل المياسر وتثليث الرأس وقلة الماء مع أحكام الغسل ومكروهاته خمسة تنكيس الفعل والإكثار من صب الماء وتكرار الغسل بعد الإسباغ والغسل في الخلاء وفي موضع الأقذار وأن يتطهر بادي العورة "أما الطهر" أي الغسل وهو تعميم ظاهر الجسد بالماء أي مع الدلك لأن حقيقة الغسل مركبة من الأمرين "فهو من الجنابة" وهي شيئان الإنزال ومغيب الحشفة أي مسبب الإنزال لأن الجنابة وصف معنوي قائم بالشخص يترتب على الإنزال ومغيب الحشفة "ومن الحيضة والنفاس" أي من انقطاع دم الحيض والنفاس "سواء" يريد في الصفة والحكم وقال بعضهم في الصفة دون الحكم لأنه قدم الكلام عليه وأنت خبير بأن التشبيه إذا كان في الصفة لا في الحكم فالصفة لا تختص بالواجب فلو قال وأما الطهر

стр. 62

فإن اقتصر المتطهر على الغسل دون الوضوء أجزأه وأفضل له أن يتوضأ بعد أن يبدأ بغسل ما بفرجه أو جسده من الأذى ثم يتوضأ وضوء الصلاة ــ فهو من الجنابة وغيرها سواء كان أشمل "فإن اقتصر المتطهر الخ" يعني لو اقتصر المتطهر من الجنابة والحيض والنفاس على الغسل دون الوضوء أجزأه ذلك الغسل عن الوضوء فله أن يصلي بذلك الغسل من غير وضوء إذا لم يمس ذكره لاندراج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر هذا إذا كان الغسل واجبا كغسل الجنابة أما لو كان الغسل سنة أو مستحبا فلا يجزىء عن الوضوء "وأفضل له" أي للمتطهر من الجنابة ونحوها "أن يتوضأ بعد أن يبدأ الخ" على المتطهر فعل فضيلتين إحداهما أن يبدأ بغسل ما بفرجه أو في جسده من الأذى فإن غسله بنية الجنابة وزوال الأذى أجزأه على المشهور وليس عليه أن يعيد غسله ثانيا وإن غسله بنية إزالة الأذى ثم لم يغسله بعد لم يجزه اتفاقا وثانيتهما الوضوء قبل أن يغسل جسده تشريفا لأعضاء الوضوء "ثم يتوضأ وضوء الصلاة" بحمل قوله السابق وأفضل له أن يتوضأ على الوضوء اللغوي وهو غسل اليدين للكوعين يندفع التكرار الحاصل بقوله ثم يتوضأ وضوء الصلاة ويكون قوله ثم يتوضأ أي يكمل الوضوء لكن هذا الحمل يقتضي أن غسل ما على بدنه أو فرجه من الأذى مقدم على غسل اليدين وليس كذلك إذ غسل اليدين مقدم فالأحسن أن يقال بأنه تكلم أولا على الحكم وثانيا على الصفة بقي أمر آخر وهو أنه هل يعيد غسل اليدين ثانيا بعد أن غسل ذكره بنية الجنابة أو لا فحديث ميمونة يقتضي أنه بعد إزالة الأذى لا يعيد غسل يديه وبه جزم بعضهم وغالب شراح خليل قائل بإعادة غسلهما

стр. 63

فإن شاء غسل رجليه وإن شاء أخرهما إلى آخر غسله ثم يغمس يديه في الإناء ويرفعهما غير قابض بهما شيئا فيخلل بهما أصول شعر رأسه ثم يغرف بهما الماء ــ "فإن شاء غسل رجليه الخ" ظاهر كلامه التخيير في غسل رجليه بين أن يقدمهما على غسل جسده أو يؤخرهما وبه قال بعضهم إنه مخير بين أن يقدم غسل رجليه أو يؤخره والقول المشهور أنه يقدم غسل رجليه مطلقا سواء كان الموضع الذي يغتسل فيه نقيا من الأذى أو لا دليل المشهور ما في الموطأ أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة وظاهره أنه يتوضأ وضوءا كاملا وهو مذهب مالك والشافعي قال الفاكهاني وهو المشهور وقيل يؤخرهما مطلقا سواء كان الموضع نقيا أو لا والقول بالتأخير أظهر من المشهور لما في الصحيحين أنه ﷺ كان يؤخر غسل رجليه إلى آخر غسله فيغسلهما إذ ذاك وهذا صريح وما تقدم ظاهر وأنى يقاوم الظاهر الصريح أي بعيد فيكون هذا القول هو المشهور بناء على أن المشهور ما قوي دليله لاما كثر قائله والمقابل يقول المشهور ما كثر قائله ثم بعد أن يفرغ من وضوئه "يغمس يديه في الإناء" إن كان مفتوحا أو يفرغ عليهما الماء إن كان غير مفتوح "ويرفعهما" حال كونه "غير قابض" أي غير مغترف "بهما شيئا" من الماء بحيث لا يكون فيهما إلا ما علق بهما من أثر الماء "فيخلل بهما أصول شعر رأسه" ويبدأ في ذلك من مؤخر الدماغ وفي التخليل فائدتان فقهية وهي سرعة إيصال الماء للبشرة وطبية وهي تأنس الرأس بالماء فلا يتأذى بصب الماء عليه بعد لانقباض المسام "ثم" بعد أن يفرغ من تخليل شعر رأسه "يغرف بهما الماء

стр. 64

على رأسه ثلاث غرفات غاسلا له بهن وتفعل ذلك المرأة وتضغث شعر رأسها وليس عليها حل عقاصها ثم يفيض الماء على شقه الأيمن ثم على شقه الأيسر ويتدلك ــ على رأسه ثلاث غرفات" حال كونه "غاسلا له بهن" أي دالكا رأسه بهن ولا بد أن يعم الرأس بكل غرفة من الثلاث ولا ينقص عن الثلاث أي يكره النقص عن الثلاث وإن عم بواحدة واجتزأ بها أجزأته وإن لم يعم بالثلاث فإنه يزيد حتى يعم "وتفعل ذلك المرأة" أي كل ما تقدم من غسل الأذى وتقديم الوضوء وتخليل أصول الشعر "وتضغث" بفتح التاء والغين وسكون الضاد المعجمة آخره ثاء مثلثة معناه تجمع وتضم "وليس عليها" لا وجوبا ولا استحبابا في غسل الجنابة والحيض "حل عقاصها" العقاص جمع عقيصة وهي الخصلة من الشعر تضفرها ثم ترسلها ودليل ما قال ما في مسلم أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة فقال: "لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين", وهو حجة لمن لم يشترط الدلك لأن الإفاضة الإسالة وكما لا يلزم المرأة حل عقاصها لا يلزمها نزع خاتمها ولو ضيقا وكذلك الأساور وكذا لا يلزم الرجل نزع خاتمه المأذون فيه ولو ضيقا "ثم" بعد أن يغسل رأسه "يفيض الماء على شقه الأيمن" أي أنه يبدأ في غسل جسده بشقه الأيمن كله ويبدأ بأعلاه "ثم على شقه الأيسر" ويفعل فيه مثل ما فعل بالأيمن من غسله كله والبدء بأعلاه "ثم" بعد أن يفرغ من صب الماء على شقيه "يتدلك" وجوبا فالدلك واجب لنفسه على المشهور وظاهر كلامه أنه لا يتدلك بعد صب الماء على شقه الأيمن حتى

стр. 65

بيديه بإثر صب الماء حتى يعم جسده وما شك أن يكون الماء أخذه من جسده عاوده بالماء ودلكه بيده حتى يوعب جميع جسده ــ يصب الماء على شقه الأيسر فإذا صب الماء على الأيسر دلك الشقين ومثله في تحقيق المباني والظاهر أنه يدلك الشق الأيمن قبل الصب على الأيسر ولذلك تجد نسخة المؤلف عند غير شارحنا ويتدلك بيديه بالتعبير بالواو لا بثم المقتضية تأخر الدلك بعد الصب على الشقين "بيديه" إن أمكنه ذلك وإلا وكل غيره على الدلك ولا يمكن فيما بين السرة والركبة إلا من يجوز له مباشرة ذلك من زوجة وأمة فإن لم يجد من يوكله أجزأه صب الماء على جسده من غير دلك وإن وكل لغير ضرورة لا يجزئه على المشهور "بإثر صب الماء" أي أن الدلك يكون عقب صب الماء واستظهر هذا القول لما في المقارنة من المشقة عند من يشترطها "حتى يعم جسده" جميعه ويتحقق أن الماء قد عم جميع جسده لأن الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين "وما شك أن يكون الماء أخذه" أي أن ما حصل فيه شك من أعضاء المغتسل في أن الماء أصابه أو لم يصبه "من جسده عاوده بالماء" أي بماء جديد وجوبا ولا يجزئه غسله بما تعلق من جسده من الماء "ودلكه بيده" أو ما يقوم مقامها عند التعذر وكذا إذا شك في موضع من جسده هل دلكه أم لا فإنه يستأنف له الماء ويدلكه حتى يتحقق ذلك وتكفي غلبة الظن خلافا لمن قال بعدم كفايتها وعليه أنها إذا كفت في وصول الماء للبشرة الذي هو مجمع عليه فأولى الدلك الذي هو مختلف فيه "حتى يوعب" أي يعم "جميع جسده" تكرار مع قوله حتى يعم جسده قيل في دفعه إن الأول

стр. 66

ويتابع عمق سرته وتحت حلقه ويخلل شعر لحيته وتحت جناحيه وبين أليتيه ورفغيه وتحت ركبتيه وأسافل رجليه ويخلل أصابع يديه ويغسل رجليه آخر ذلك ــ محمول على من لم يحصل له شك وما هنا على من حصل له شك وكان غير مستنكح "ويتابع" يعني بالماء والدلك "عمق سرته" بفتح العين المهملة وضمها وسكون الميم باطن السرة "وتحت حلقه" أي يتابع ما يلي حلقه والصواب أن لو قال تحت ذقنه لأن ما تحت ذقنه هو حلقه وهو المقصود لا ما تحت حلقه وهو الصدر كما تقتضيه عبارة المصنف لأنه لا مغابن فيه "ويخلل وجوبا" شعر "لحيته" وسكت عن تخليل شعر الرأس اكتفاء بما تقدم أول الباب وكذا يجب تخليل شعر غيرهما كشعر الحاجبين والأهداب والشارب والإبط والعانة "و" يتابع ما "تحت جناحيه" أي إبطيه لأنه كالسرة في الخفاء واجتماع الأوساخ "و" يتابع ما "بين أليتيه" بفتح الهمزة وسكون اللام أي مقعدتيه فيوصل الماء إليه مع استرخائه حتى يتمكن من غسل تكاميش الدبر فإن لم يفعل كان الغسل باطلا "و" يتابع "رفغيه" تثنية رفغ بفتح الراء وضمها باطن الفخذ وقيل ما بين الدبر والذكر "و" يتابع ما "تحت ركبتيه" يعني باطنهما من خلف لا ما تحتهما من أمام "و" يتابع "أسافل رجليه" عقبيه وعرقوبيه وتحت قدميه "ويخلل أصابع يديه" وجوبا في وضوئه إن كان قدمه وإلا ففي أثناء غسله وسكت عن أشياء ينبو عنها الماء كأسارير الجبهة وما غار من ظاهر الأجفان وما تحت مارنه وغير ذلك اكتفاء بما تقدم في الوضوء "ويغسل رجليه آخر ذلك" الغسل إذا لم يكن غسلهما أولا عند وضوئه

стр. 67

يجمع ذلك فيهما لتمام غسله ولتمام وضوئه إن كان أخر غسلهما ويحذر أن يمس ذكره في تدلكه بباطن كفه فإن فعل ذلك وقد أوعب طهره أعاد الوضوء وإن مسه في ابتداء غسله ــ "يجمع ذلك" الغسل المذكور "فيهما" أي في الرجلين أي يحصل ذلك الغسل المذكور فيهما وأنت خبير بأن الغسل المذكور غسل الرجلين ولا معنى لكونه يحصل غسل الرجلين في الرجلين فالجواب أن يراد بالغسل المذكور الغسل مجردا عن قيده وهو إضافته للرجلين "لتمام غسله" وإنما فعل ذلك لأجل تمام غسله الواجب "ولتمام وضوئه" المستحب "إن كان أخر غسلهما" في الوضوء وحينئذ يغسلهما بنية الوضوء والغسل "و" إذا توضأ الجنب بعد غسل ما بفرجه من الأذى بنية رفع الجنابة "يحذر" أي يتحفظ بعد ذلك "أن يمس ذكره" إنما نص المصنف على مس الذكر لأنه الغالب وإلا فغيره من سائر النواقض كذلك "في" حال "تدلكه بباطن كفه" ظاهره أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر إلا إن كان المس بباطن الكف وهو للإمام أشهب ومذهب ابن القاسم يجب الوضوء من مس الذكر بباطن الكف أو بباطن الأصابع وفي المختصر للشيخ خليل أو بجنبيهما "فإن" لم يتحفظ و "فعل ذلك" المس بشيء مما ذكر عامدا أو ناسيا "و" الحال أنه "قد أوعب" أي أكمل "طهره" بفعل موجباته من الفرائض والسنن "أعاد الوضوء" إذا أراد الصلاة وإلا فلا تلزمه إعادته حتى يريد الصلاة كسائر الأحداث وحيث قلنا بإعادة الوضوء إن أراد الصلاة فلا بد من نيته لأن حدثه الأكبر قد ارتفع حتى قال بعضهم إن تجديد نية للوضوء أمر متفق عليه "و" أما "إن مسه في ابتداء غسله

стр. 68

وبعد أن غسل مواضع الوضوء منه فليمر بعد ذلك بيديه على مواضع الوضوء بالماء على ما ينبغي من ذلك وينويه. ــ وبعد أن غسل مواضع الوضوء" كلا أو بعضا والواو زائدة كما نقل عن أبي عمران "منه" أي من المغتسل أي من نفسه فأضمر في محل الإظهار "فليمر بعد ذلك" المس "بيديه على مواضع الوضوء" لا فرق بين أن يكون غسلها كلها سابقا ثم مس أو غسل بعضها "بالماء" متعلق بيمر والباء بمعنى مع يعني أنه يمر بيديه على مواضع الوضوء بماء جديد "على ما ينبغي من ذلك" قيل الإشارة عائدة على الترتيب أي يستحب فينبغي على بابه وفيه أن الترتيب في الوضوء سنة عندنا والظاهر أنه أراد به عدم الوجوب المتحقق في السنة وقيل عائدة على فرائض الوضوء وسننه وفضائله وقيل على إجراء الماء على الأعضاء والدلك فعلى هذا والذي قبله يكون ينبغي بمعنى الوجوب "و" اختلف في تجديد نية الوضوء فقال المصنف "ينويه" أي يلزمه تجديد نية الوضوء فإن نوى رفع الحدث الأكبر لم تجزه ويكون بمنزلة ما إذا نوى المتوضىء غير الجنب رفع الحدث الأكبر وقال القابسي لا يلزمه تجديدها ومبنى الخلاف هل يطهر كل عضو بانفراده أو لا يطهر إلا بالكمال فإن قلنا بالأول لزم تجديدها لأن طهارته قد ذهبت بالحدث فوجب تجديد النية لها عند تجديد الغسل وإن قلنا بالثاني لا يلزمه تجديدها لبقائها ضمنا في نية الطهارة الكبرى.

стр. 69

باب فيمن لم يجد الماء وصفة التيمم . ــ باب التيمم "باب في" حكم "من لم يجد الماء" وحكمه أنه يجب عليه التيمم "و" في بيان "صفة التيمم" المستحبة وفي بيان الأعذار المبيحة له والتيمم لغة القصد قال تعالى:

стр. 70

التيمم يجب لعدم الماء في السفر إذا يئس أن يجده ــ ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ الآية أي لا تقصدوه وشرعا عبادة حكمية تستباح بها الصلاة فقوله عبادة حكمية أي حكم الشرع بها ولا يخفى أن هذا القدر موجود في الوضوء والغسل وتستباح بها الصلاة لإخراج الوضوء والغسل لأن التيمم ليس إلا للاستباحة فقط والوضوء والغسل لرفع الحدث وهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ وفي مسلم من قوله ﷺ : "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة, وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا, وجعلت تربتها طهورا إذا لم نجد الماء", والإجماع على أن التيمم واجب عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله ولوجوبه ثمانية شرائط الإسلام والبلوغ والعقل وارتفاع دم الحيض والنفاس ودخول الوقت وعدم الماء أو عدم القدرة على استعماله وأن لا يكون على الأعضاء حائل وعدم المنافي "التيمم يجب لعدم الماء" إما حقيقة بأن لا يجد الماء أصلا وإما حكما بأن يجد ماء لا يكفيه لوضوء أو غسل "في السفر" أو في الحضر وسواء كان السفر سفر قصر أم لا وسواء كان المسافر صحيحا أم لا وسواء كان السفر مباحا أم لا لأن الرخصة إذا كانت تفعل في السفر والحضر لا يشترط فيها إباحة السفر وأما إذا كانت الرخصة لا تفعل إلا في السفر كفطر الصائم في رمضان الحاضر فلا بد أن يكون السفر مباحا وأن يكون أربعة برد كقصر الرباعية "إذا يئس أن يجده" أي لا يكون عدم الماء سببا لوجوب التيمم إلا إذا يئس من وجود الماء أو غلب على ظنه عدم وجود الماء لا مفهوم له بل ولو شك أو رجا الماء أو تيقن وجود الماء في الوقت وأجاب الأجهوري بأن قوله إذا يئس شرط في مقدر والتقدير ويستحب له تقديمه إذا أيس أن يجده ويدل على أن

стр. 71

في الوقت وقد يجب مع وجوده إذا لم يقدر على مسه في سفر أو حضر لمرض مانع أو مريض يقدر على مسه ولا يجد من يناوله إياه وكذلك مسافر يقرب منه الماء ويمنعه منه خوف لصوص ــ قوله: إذا أيس ليس شرطا في الوجوب قوله بعد ذلك إن الراجي والمتردد يتيمم والمراد بالوجوب الوجوب الموسع واليأس إنما يكون بعد أن يطلبه طلبا لا يشق بمثله ولا يلزمه الطلب إلا إذا كان يرجو وجوده أو يتوهمه أما إن قطع بعدمه فلا يطلبه في الوقت يريد الوقت بالوقت المختار وهو الذي يستعمل في هذا الباب كله ويقع فيه التفصيل وأما بالوقت الضروري فلا تفصيل فيه بين آيس وغيره بل يتيمم حين إذ ذكر الصلاة "وقد يجب التيمم مع وجوده" أي الماء "إذا لم يقدر على مسه" سواء كان "في سفر أو" في "حضر لـ" أجل "مرض مانع" من استعماله بأن يخاف باستعماله فوات روحه أو فوات منفعة أو زيادة مرض أو تأخر برء أو حدوث مرض فإن لم يخف شيئا مما ذكر بل كان يتألم في الحال فقط لزمه الوضوء أو الغسل "أو مريض يقدر على مسه" معطوف على مقدر وتقديره وكذلك قد يجب التيمم مع وجود الماء على صحيح لا يقدر على مسه لتوقع مرض باستعماله أو مريض يقدر على مسه أي الماء "و" لكن "لا يجد من يناوله إياه" ولو بأجرة تساوي الثمن الذي يلزمه الشراء به أو لا يجد آلة أو وجد آلة محرمة أو لا يقدر على أجرة المناول "وكذلك" مثل من تقدم في وجوب التيمم عليه "مسافر يقرب منه الماء و" لكن "يمنعه منه" أي من الوصول إليه "خوف لصوص" جمع لص وهو

стр. 72

أو سباع وإذا أيقن المسافر بوجود الماء في الوقت أخر إلى آخره وإن يئس منه تيمم في أوله وإن لم يكن عنده منه علم ــ السارق وماله ومال غيره مما يجب عليه حفظه سواء ولا بد أن يكون المال أكثر مما يلزمه بذله في شراء الماء ولا بد أن يتحقق وجودهم أو يغلب على ظنه وجودهم وأما الشك فلا عبرة به "أو" خوف "سباع" على نفسه حيث تيقن ذلك أو غلب على ظنه ولا عبرة بالشك "وإذا تيقن المسافر" سواء كان سفره سفرا تقصر فيه الصلاة أم لا "بوجود الماء" الطهور الكافي لغسله أو وضوئه "في الوقت المختار أخر التيمم إلى آخره" استحبابا وحاصل فقه المسألة أن من شروط وجوب التيمم دخول الوقت والحكم فيه مختلف لاختلاف حال المتيمم لأنه إما متيقن لوجود الماء في الوقت أو للحوقة فيه أو يائس من وجوده أو من لحوقه فيه أو متردد في الوجود أو في اللحوق في الوقت أو راج الوجود أو اللحوق في الوقت وقد بين المصنف هذه الأحوال فأشار إلى أولها بقوله وإذا تيقن المسافر الخ ولا خصوصية للمسافر بل هو عام في حق كل من أبيح له التيمم لفقد الماء إذا تيقن وجود الماء أو تيقن لحوقه في الوقت أو غلب على ظنه الوجود أو اللحوق في الوقت أخر التيمم إلى آخره استحبابا "وإن يئس منه" أي من وجود الماء أو من إدراكه في الوقت بعد طلبه إن كان هناك ما يوجب الطلب "تيمم في أوله" أي في أول الوقت استحبابا لتحصل له فضيلة الوقت لأن فضيلة الماء قد يئس منها وكذلك حكم من غلب على ظنه عدم وجوده في الوقت أو عدم لحوقه فيه "وإن لم يكن عنده" أي المتيمم "منه" أي من الماء "علم" بأن يكون مترددا في وجوده

стр. 73

تيمم في وسطه وكذلك إن خاف أن لا يدرك الماء في الوقت ورجا أن يدركه فيه ومن تيمم من هؤلاء ثم أصاب الماء في الوقت بعد أن صلى ــ "تيمم في وسطه" بفتح السين استحبابا "وكذلك" يتيمم في وسطه استحبابا "إن خاف أن لا يدرك الماء في الوقت ورجا أن يدركه فيه" هكذا قرره الشيخ أحمد زروق على أن المراد به المتردد في لحوقه قائلا لا فرق بينه وبين ما قبله على المذهب وتقريره وإن كان صحيحا من جهة الحكم لكنه حمل كلام المصنف على خلاف ما يفيده قوله ورجا أن يدركه فيه وقرره ابن ناجي على أن المراد به الراجي فقال وفي كلام المؤلف مخالفة للمذهب وذلك أن ظاهر قوله في الراجي لا يؤخر بل يتيمم وسط الوقت وليس كما قال بل حكمه حكم الموقن والموقن يؤخر لآخر الوقت وقد قال ابن هارون لا أعلم من نقل في الراجي أنه يتيمم وسط الوقت غير ابن أبي زيد قال ابن ناجي ويمكن أن يرد قوله وكذلك إن خاف إلى القسم الأول وهو قوله وإن أيقن الخ لا إلى ما يليه ومعنى الرد إليه الإلحاق به في الحكم وعلى كلام ابن ناجي يكون المصنف أراد بقوله خاف أي توهم "ومن تيمم من هؤلاء" جواب من محذوف والتقدير ففيه تفصيل والإشارة عائدة على السبعة المذكورين المريض الذي لا يقدر على مس الماء والمريض الذي لا يجد من يناوله الماء والمسافر الذي يقرب منه الماء ويمنعه منه خوف لصوص أو سباع والمسافر الذي تيقن وجود الماء في الوقت واليائس منه في الوقت والذي ليس عنده منه علم والخائف الراجي "ثم أصاب الماء في الوقت بعد أن صلى" لا يصدق على المريض فاقد القدرة على استعمال الماء

стр. 74

فأما المريض الذي لم يجد من يناوله إياه فليعد وكذلك الخائف من سباع ونحوها وكذلك المسافر الذي يخاف أن لا يدرك الماء ــ ولا على المريض الذي عنده قدرة على استعمال الماء ولكنه لا يجد من يناوله إياه إلا أن يقال إن قوله ثم أصاب الماء أي أصابه من حيث القدرة على استعماله أو وجوده أو وجود آلته "فأما المريض الذي لم يجد من يناوله إياه" أي الماء "فليعد" الصلاة في الوت استحبابا والحاصل أن المريض الذي لا يجد من يناوله الماء أو لا يجد الآلة التي يستخرج بها الماء يكون حكمه حينئذ أنه يؤخر التيمم إلى وسط الوقت فإذا فعل ما طلب منه من التيمم وسط الوقت وصلى وقبل خروج وقت الصلاة زال المانع من استعمال الماء كأن وجد ما يناوله إياه فإنه يعيد الصلاة في الوقت استحبابا إن كان عنده تقصير بأن كان لا يتكرر عليه الداخلون وأما إن كان يتكرر عليه الداخلون فلا تقصير عنده حينئذ فلا إعادة عليه "وكذلك" المسافر "الخائف من سباع ونحوها" يعني أن المسافر الخائف على نفسه من السباع أو على ماله من اللصوص مثل المريض الذي لا يجد من يناوله الماء في أنه إذا أصاب الماء في الوقت فإنه يعيد الصلاة استحبابا والحاصل أن الخائف من نحو سباع إذا تيمم وسط الوقت فإنه يندب له الإعادة في الوقت بقيود أربعة وهي أن يتيقن وجود الماء أو لحوقه لولا خوفه وكون خوفه جزما أو غلبة ظن وتبين عدم ما خافه ووجود الماء بعينه فإن لم يتيقن وجوده أو لحوقه أو تبين ما خافه أو لم يتبين شيء أو وجد غيره لم يعد وإن كان خوفه شكا فإنه يعيد أبدا "وكذلك" أي مثل المريض والخائف المذكورين "المسافر الذي يخاف أن لا يدرك الماء

стр. 75

في الوقت ويرجو أن يدركه فيه ولا يعيد غير هؤلاء ولا يصلي صلاتين بتيمم واحد من هؤلاء إلا مريض لا يقدر على مس الماء لضرر بجسمه مقيم وقد قيل يتيمم لكل صلاة ــ في الوقت ويرجو أن يدركه فيه" في أنه إذا وجد الماء في الوقت يعيد استحبابا ما صلى في وقته المقدر له وهو الوسط ومن باب أولى إذا قدم والمراد بالخوف في كلام المصنف التردد في اللحوق فإنه الذي يعيد في الوقت استحبابا ما صلى في الوقت المقدر له وبالأولى إذا قدم وأما المتردد في الوجود فإن قدم على وسط الوقت المقدر له أعاد وإن صلى وسط الوقت المقدر له فلا إعادة والفرق بينهما أن المتردد في اللحوق عنده نوع تقصير فلذا طلب بالإعادة وأما المتردد في الوجود فإنه استند إلى الأصل وهو العدم "ولا يعيد غير هؤلاء الثلاثة" ظاهره أن اليائس لا يعيد إذا وجد الماء مطلقا وليس كذلك بل فيه تفصيل وهو أنه إن وجد الماء الذي يئس منه فإنه يعيد وإن وجد غيره فلا إعادة وظاهره أيضا أن من وجد الماء بقربه أو برحله أو نسيه فيه ثم تذكره فلا إعادة عليه والمعتمد أن على الثلاثة الإعادة خلافا لظاهر المصنف "ولا يصلي صلاتين" فريضتين حضريتين أو سفريتين أو منسيتين اشتركتا في الوقت أم لا "بتيمم واحد من هؤلاء" السبعة المتقدم ذكرهم "إلا مريض لا يقدر على مس الماء لضرر بجسمه مقيم" أي مرض لازم وبقي إلى وقت الصلاة الثانية وقد اتفق أنه لم يفعل الأولى في وقتها إما عمدا أو نسيانا أو جهلا فله أن يصليهما معا بتيمم واحد وهذا الحكم عام في الحضريات والسفريات "وقد قيل يتيمم لكل صلاة"
следующие страницы →