Полный текст (751 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ويشبع ويتزود فإن استغنى عنها طرحها ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ ولا يصلى عليه ولا يباع ولا بأس بالصلاة
ــ
لا تفيد في محرم الأكل "و" كذلك لا بأس للمضطر أن "يشبع ويتزود" من الميتة إذا خاف العدم فيما يستقبل ومحل جواز أكل الميتة للمضطر حيث لم يجد طعام الغير وإلا قدمه حيث لم يكن ضالة الإبل ولم يخف القطع أو الضرب الشديد فيما لا يقطع فيه فإذا أكل من طعام الغير عند عدم خوف القطع أو الضرب الشديد فقيل يقتصر على سد الرمق من غير شبع وتزود وعليه المواق وقيل يشبع ولا يتزود وعليه الحطاب وكما يباح له أكل الميتة عند الاضطرار يباح له أيضا شرب كل ما يرد عطشا كالمياه النجسة وغيرها من المائعات النجسة كماء الورد النجس إلا الخمر فإنها لا تحل لإساغة الغصة وأما العطش فلا إذ لا تفيد في ذلك بل ربما زادت العطش "ولا بأس بالانتفاع بجلدها" أي الميتة ويباح الانتفاع به "إذا دبغ" بما يزيل ريحه ورطوبته ومفهوم الشرط أنه لا ينتفع به قبل الدبغ وهو كذلك وظاهر كلامه أن الدبغ يفيد في جلد كل ميتة وبه قال سحنون وابن عبد الحكم والمشهور أن الدبغ لا يعمل في جلد الخنزير وظاهره أيضا أن طهارته عامة في المائعات وغيرها وهو كذلك عند سحنون وغيره والمشهور أن طهارته مقيدة باليابسات والماء وحده من بين المائعات لأن له قوة يدفع بها عن نفسه "ولا يصلى عليه" أي ولا فيه على المشهور "ولا يباع" على إحدى الروايتين وهي المشهورة في المذهب وطهارته طهارة مخصوصة بجواز استعماله في اليابسات وفي الماء وحده من بين سائر المائعات وليست عامة حتى في جواز بيعه والصلاة فيه وعليه "ولا بأس بالصلاة" استعمل لا بأس هنا
стр. 422
على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها وينتفع بصوف الميتة وشعرها وما ينزع منها في حال الحياة وأحب إلينا أن يغسل ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها وأنيابها وكره الانتفاع بأنياب الفيل
ــ
بمعنى الجواز أي وتجوز الصلاة "على جلود السباع إذا ذكيت" أي ونحوها من كل حيوان مكروه الأكل ليشمل الفيل والذئب والثعلب والضبع بشرط أن تذكى "و" كذلك لا بأس بـ "بيعها" أي بيع جلود السباع إذا ذكيت "وينتفع بصوف الميتة وشعرها" بعد الجز انتفاعا عاما من البيع والصلاة عليه والصدقة به وغير ذلك إلا أنه إذا باع بين وظاهر قوله وشعرها دخول شعر الخنزير وهو كذلك عند مالك وابن القاسم وغيرهما يقول باستثناء شعر الخنزير والكلب فقول الشيخ آخر الكتاب وكل شيء من الخنزير حرام أراد به إلا شعره "و" كذلك "ما ينتزع منها" أي الميتة "في" حال "الحياة" أي على تقدير لو انتزع منها في حال الحياة لم يؤلمها إلا اللبن فإنه نجس وهو مما ينتزع منها في حال الحياة ولا يؤلمها "وأحب إلينا" أي المالكية "أن يغسل" ما ذكر من الصوف وما بعده إذا لم تتيقن طهارته ولا نجاسته أما إن تيقنت طهارته فلا يستحب غسله وإن تيقنت نجاسته وجب غسله "ولا ينتفع بريشها" أي الميتة ظاهره معارض لقوله أولا وما ينتزع منها في حال الحياة وقد تقدم ما يزيل الاعتراض وهو تخصيص ما تقدم بقوله ولا يؤلمها "و" كذلك "لا" ينتفع "بقرنها" أي الميتة "وأظلافها وأنيابها" ظاهره على جهة التحريم لأن الحياة تحله "وكره الانتفاع بأنياب الفيل" وكذا عبر في المدونة
стр. 423
وقد اختلف في ذلك وما ماتت فيه فأرة من سمن أو زيت أو عسل ذائب طرح ولم يؤكل ولا بأس أن يستصبح بالزيت وشبهه في غير المساجد وليتحفظ منه وإن كان جامدا طرحت وما حولها وأكل ما بقي
ــ
"وقد اختلف في ذلك" أي في أنياب الفيل وكذا القرن والظلف وهو للبقر والشاة والظبي والظفر وهو للبعير والإوز والنعامة وحمر الوحش والعظم على أربعة أقوال مشهورها أن ذلك كله نجس بناء على أنه تحله الحياة قال ابن وهب طاهر أي بناء على أنه لا تحله الحياة وما تقرر من كون ناب الفيل نجسا إذا كان من ميتة مثله المنفصل من الفيل حال الحياة وحيث كان المنفصل من الميتة نجسا فالكراهة في قول المدونة وأكره الأدهان في أنياب الفيل والمشط بها والتجارة فيها لأنها ميتة محمولة على التحريم وأما أنياب الفيل المذكى ولو بالعقر فإنه مكروه والكراهة على التنزيه "وما مات فيه فأرة" بالهمز "من سمن أو زيت أوعسل" أو ودك "ذائب" راجع للجميع "طرح ولم يؤكل" ولا يباع ومثل الفأرة كل ما له نفس سائلة ولما ذكر أنه يطرح ولا يؤكل وخشي أن يتوهم أنه لا ينتفع به أصلا رفع ذلك الإيهام بقوله: "ولا بأس" بمعنى ويباح "أن يستصبح بالزيت المتنجس وشبهه" كالودك والسمن "في غير المساجد" كالبيوت والحوانيت "و" أما المساجد فـ "ليتحفظ منه" لأنه نجس فلا يستصبح به فيها لتنزيهها عن النجاسات ثم صرح بمفهوم ذائب فقال: "وإن كان" ما ذكر من السمن وما عطف عليه "جامدا طرحت" الفأرة التي ماتت فيه هي "وما حولها وأكل ما بقي" وله بيعه إلا أنه يبين لأن النفس تكرهه ولا تحديد فيما يطرح
стр. 424
قال سحنون إلا أن يطول مقامها فيه فإنه يطرح كله ولا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم وكره أكل شحوم اليهود منهم من غير تحريم ولا يؤكل ما ذكاه المجوسي
ــ
منه وإنما ذلك على حب غلبة الظن "قال سحنون إلا أن يطول مقامها" بضم الميم أي إقامتها "فيه فإنه يطرح كله" لأن النجاسة إذا طال مقامها في الجامد نفذت في جميع أجزائه "ولا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم" لا بأس هنا للإباحة قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية الجمهور من المفسرين على أن المراد بالطعام الذبيحة كلها ما حل ذلك منها وما حرم عليه كالطريفة وهي أن توجد الذبيحة فاسدة الرئة ولابد لجواز الأكل أن يكون ممن لا يستحل الميتة وأما من يستحلها فقال الباجي إن ذبح بحضرتك وأصاب وجه الذكاة جاز أكلها وأما إن غاب عنها فلا يجوز "وكره أكل شحوم اليهود منهم من غير تحريم" أي مما هو محرم عليهم بشرعنا كشحم البقر والغنم الخالص كالشحم الرقيق الذي يغشى الكرش والأمعاء فإن قيل شحم اليهود مما ثبت تحريمه بشرعنا فلم لم يكن حراما فالجواب أنه جزء مذكى والمذكى حل له فهو لم يذبح غير حل له لكن لحرمته عليه كره أكله لنا "ولا يؤكل ما ذكاه المجوسي" مطلقا وثنيا كان وهو ما يعبد الوثن أي الصنم قال في المصباح الوثن الصنم سواء كان من خشب أو حجر أو غير وثني ذكاه لنفسه أو لمسلم إلا أن يأمره المسلم بالذبح ويقول له قل باسم الله عليها فإنها تؤكل من غير خلاف وكذلك لا تؤكل ذبيحة السكران والمجنون ولو أصابا الذكاة لفقدان عقلهما قال ابن الحاجب وتصح من الصبي المميز والمرأة من غير ضرورة على الأصح
стр. 425
وما كان مما ليس فيه ذكاة من طعامهم فليس بحرام والصيد للهو مكروه والصيد لغير اللهو مباح وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله إذا أرسلته عليه
ــ
"وما كان مما ليس فيه ذكاة من طعامهم" يجوز أكله اتفاقا إن تيقنت طهارته أما إن تيقنت نجاسته فيحرم أكله وما شك فيه يحمل على التنجيس "والصيد للهو مكروه" قال في التنبيه اللهو مصدر لهوت بالشيء بالفتح لهوا إذا لعبت به "والصيد لغير اللهو مباح" وقد يكون واجبا إذا كان لا يمكنه الإنفاق على عياله إلا منه "وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله" لا خصوصية لهذين بل كل ما علم بالفعل من الكلاب والسباع والطيور وهو أن يكون بحيث إذا أرسل أطاع وإذا زجر انزجر إلا أن يكون طيرا فيكفي فيه الإطاعة عند إرادة الإرسال ولا يشترط فيه قبول الانزجار بعد الإرسال "إذا أرسلته عليه" فقتله فإنه يجوز أكله فيشترط في المصاد به إذا كان حيوانا أن يكون علم بالفعل ولو كان من نوع ما لا يقبل التعليم كالأسد والنمر والنمس وأولى ما يقبله من كلب وباز وسنور ولو كان طبع المعلم بالفعل الغدر كدب فإنه لا يمسك إلا لنفسه وأن يكون مرسلا من يد الصائد ويشترط في المصيد أن يكون مرئيا أي أو يكون في مكان محصور كغار أو غيضة علم به أو لم يعلم به أبصره أو لا ويشترط أن لا يكون لهما منفذ آخر وإلا لم يؤكل ما كان بواحد منهما وأن يكون مما يؤكل لحمه ولو ظن خلافه كما لو ظنه أرنبا مثلا فأرسل عليه كلبه فإذا هو ظبي وأن يكون غير مقدور عليه أي جملة أو في القدرة عليه مشقة ككونه في شاهق جبل أو على شجرة ولا يتوصل إليه إلا بأمر يخاف منه
стр. 426
وكذلك ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكاته وما أدركته قبل إنفاذها لمقاتله لم يؤكل إلا بذكاة وكل ما صدته بسهمك أو رمحك فكله فإن أدركت ذكاته فذكه وإن فات بنفسه فكله إذا قتله سهمك ما لم يبت عنك
ــ
العطب أو كان في جزيرة كبيرة وأما الصائد فيشترط فيه أن ينوي وأن يسمي حال الإرسال فإن ترك التسمية عامدا لم يؤكل مصيده بخلاف النسيان وأن يكون مسلما وهذا خاص بصيد البر وأما صيد البحر فإنه جائز لكل أحد وأن يكون عاقلا فالمجنون والسكران لا يصح منهما "وكذلك" جائز "أكل كل ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكاته" إذا تبعته ولم تفرط في طلبه "و" أما "ما أدركته قبل إنفاذها" لمقاتله "لم يؤكل إلا بذكاة" ولا يجوز أكله بدون ذكاة قال ابن عمر يريد إذا فرط لم تكن عنده السكين وأخذ يطلبها من غيره حتى مات أما إن لم يفرط فإنه يؤكل وإن لم تنفذ مقاتله إذا نيبه أي لا بد من الإدماء ولو في الأذن مع شق جلد أم لا لا شق جلد بدون إدماء في وحشي صحيح فلا يكفي بخلافه في مريض فيكفي "وكل ما صدته بسهمك ورمحك" يعني وبكل ما له حد ولو غير حديد وقتله السهم أو الرمح أو جرحه ومات قبل قدرتك على ذكاته "فكله" حيث نويت وسميت عند رمي السهم أو الرمح فلو أدركته حيا بعد إنفاذ شيء من مقاتله ندب تذكيته "فإن أدركت ذكاته فذكه وإن فات بنفسه فكله إذا قتله سهمك ما لم يبت عنك" لا خصوصية للسهم بذلك الشرط الذي هو قوله ما لم يبت عنك فقد قال في المدونة إذا بات عنه الصيد ثم وجده منفود المقاتل فإنه لا يؤكل وسواء في ذلك الكلب والباز والسهم وحينئذ
стр. 427
وقيل إنما ذلك فيما بات عنك مما قتلته الجوارح وأما السهم يوجد في مقاتله فلا بأس بأكله ولا تؤكل الإنسية بما يؤكل به الصيد والعقيقة سنة مستحبة ويعق عن المولود يوم سابعه بشاة مثل ما ذكرنا من سن الأضحية وصفتها ولا يحسب
ــ
فالأولى للمصنف أن يحذف قوله إذا قتله سهمك "وقيل إنما ذلك" أي عدم أكل ما فات بنفسه "فيما بات عنك فيما قتله الجوارح وأما السهم يوجد في مقاتله فلا بأس بأكله" لا بأس هنا بمعنى الجواز وهذه التفرقة لابن المواز وهي تفرقة ضعيفة "ولا تؤكل الإنسية بما يؤكل به الصيد" ظاهره ولو ندت والتحقت بالوحش وكذلك الحيوان الوحشي إذا تأنس وصار مقدورا عليه فلا يؤكل إلا بالذبح "والعقيقة" أطلقت شرعا على الشاة المذبوحة يوم سابع المولود منقولة من معناها لغة وهو شعر رأس المولود لأنها تذبح عند حلقه وهي في الأصل فعيلة بمعنى مفعولة من العق وهو القطع ولا يخفى وجوده في كل من الشعر والذبيحة لقطع أوداجها وحلقها "سنة مستحبة" فيه نظر لأن الشيء الواحد لا يجتمع فيه حكمان وأجيب عنه بأنه عنى بقوله مستحبة أي غير مؤكدة والأصل في مشروعيتها ما رواه أحمد بسند جيد أنه ﷺ قال: "كل غلام مرهون بعقيقته" "ويعق عن المولود" ذكرا كان أو أنثى "يوم سابعه" أي سابع ولادته بشرط حياته إليه "بشاة" من الضأن أو المعز يشترط فيها أن تكون "مثل ما ذكرنا" فيما تقدم "من سن الأضحية" وهو الجذع من الضأن والثني من المعز "وصفتها" بأن تكون سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء في الأضحية "ولا يحسب
стр. 428
في السبعة الأيام اليوم الذي ولد فيه وتذبح ضحوة ولا يمس الصبي بشيء من دمها ويؤكل منها ويتصدق وتكسر عظامها وإن حلق شعر رأس المولود وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب حسن
ــ
في السبعة الأيام اليوم الذي ولد فيه" من بعد الفجر فإن ولد مع الفجر حسب "وتذبح ضحوة" على جهة الاستحباب ويكره من بعد الزوال إلى الغروب فلا يجزىء ذبحها ليلا ولا قبل طلوع الشمس "ولا يمس الصبي بشيء من دمها" حذرا مما كان يفعله أهل الجاهلية من تلطيخ رأسه بدمها تفاؤلا بأن يكون شجاعا سفاكا للدماء "ويؤكل منها ويتصدق" أي يستحب أن يطعم منها أهل بيته وجيرانه قال الفاكهاني والإطعام فيها كهو في الأضحية ولا حد للإطعام فيها بل يأكل ما شاء ويتصدق بما شاء ولو قدم الصدقة لكان أولى لما قيل إنها لا تكون عقيقة حتى يتصدق بها كلها أو بعضها فالمقصود من العقيقة الصدقة والصدقة تكون منها طريا ومطبوخا "وتكسر عظامها" استحبابا مخالفة للجاهلية فإنهم كانوا لا يكسرون عظامها مخافة ما يصيب الولد "وإن حلق شعر رأس المولود" ذكرا كان أو أنثى "وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب" لما في الترمذي من حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن بكبش وقال: "يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة" فوزناه فكان درهما أو بعض درهم وقوله: "حسن" تأكيد فإن المستحب هو الحسن ويستحب
стр. 429
وإن خلق رأسه بخلوق بدلا من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية فلا بأس بذلك والختان سنة في الذكور واجبة والخفاض في النساء مكرمة.
ــ
أن يسمى يوم سابعه إن عق عنه وإن لم يعق عنه سمي قبل ذلك ويستحب أن يسبق إلى جوف المولود الحلاوة لأنه ﷺ حنك عبد الله بن أبي طلحة بتمرة "وإن خلق رأسه بخلوق" بفتح الخاء كالطيب والزعفران ابن العربي ولا يسمى خلوقا حتى يعجن بماء الورد "بدلا من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية فلا بأس بذلك" لما رواه أبو داود عن بريدة الصحابي قال كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران "والختان سنة في الذكور" وكذا عبر في آخر الكتاب وزاد هنا "واجبة" أي مؤكدة ويكره أن يختن يوم يولد أو يوم سابعه لأنه فعل اليهود وحد الختان حين يؤمر بالصلاة من سبع سنين إلى عشر واختلف في الكبير إذا أسلم وخاف على نفسه هل يختن أم لا قال سحنون يلزمه الختان قائلا أرأيت إن وجب قطع سرقة أيترك للخوف على نفسه ومن ترك الختان لغير عذر لم تجز إمامته ولا شهادته "والخفاض في النساء" وهو إزالة ما بفرج المرأة من الزيادة "مكرمة" بفتح الميم وضم الراء أي كرامة بمعنى مستحب قاله التتائي وإنما كان مكرمة لأنه يرد ماء الوجه ويطيب الجماع المراد برد ماء الوجه أنه يتسبب عنه رونق الوجه وبريقه ولمعانه وهنا انتهى الكلام على النصف الأول من الرسالة ولله الحمد ثم انتقل يتكلم على النصف الثاني
стр. 430
باب في الجهاد
والجهاد فريضة يحمله بعض الناس عن بعض وأحب إلينا أن لا يقاتل العدو حتى يدعوا إلى دين الله
ــ
فقال: "باب في" حكم "الجهاد" وهو لغة مأخوذ من الجهد بفتح الجيم أي التعب والمشقة وأما بالضم فهو الطاقة أفاده المصباح واصطلاحا قتال مسلم كافرا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله أو حضوره له أو دخوله أرضه له وله فرائض يجب الوفاء بها وهي طاعة الإمام إذا ندبه أن يذهب إلى جهة للقتال فيها تعين عليه ذلك وترك الغلول وهو الأخذ من الغنيمة قبل القسم والوفاء بالأمان أي أنه إذا أمن كافرا فيجب عليه الوفاء به ولا يجوز له بعد ذلك أن يستبيح دمه وأن لا يفر واحد من اثنين وهو معنى الثبات عند الزحف وهو قسمان فرض عين وفرض كفاية فيتعين لفك الأسارى وباستنفار الإمام بمعنى أن الإمام إذا عين واحدا أو أكثر لقتال العدو فإنه يتعين عليه ذلك ولا تسعه المخالفة سواء كان ممن يخاطب بفرض الجهاد أم لا كالعبد والصبي الذي يقدر على القتال والمرأة ويفجأ العدو محلة قوم وما عدا هذه يكون فرض كفاية وإليه أشار بقوله: "والجهاد فريضة يحمله بعض الناس عن بعض" لقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وتواتر في السنة أنه ﷺ أرسل قوما دون آخرين "وأحب إلينا" أي المالكية "أن لا يقاتل العدو حتى يدعوا إلى دين الله" أي حتى تدعى كل فرقة إلى الخروج عما كفرت به فيدعى إلى الشهادتين من لم يقر بمضمونهما ويدعى إلى عموم رسالة المصطفى من ينكر العموم ويدعون إلى ذلك ثلاثة
стр. 431
إلا أن يعاجلونا فإما أن يسلموا أو يؤدوا الجزية وإلا قوتلوا وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا حيث تنالهم أحكامنا فأما إن بعدوا منا فلا تقبل منهم الجزية إلا أن يرتحلوا إلى بلادنا وإلا قوتلوا والفرار من العدو من الكبائر إذا كانوا مثلي عدد المسلمين فأقل
ــ
أيام متوالية في كل يوم مرة "إلا أن يعاجلونا" أي يبادرونا بالقتال فإن الدعوة حينئذ لا تستحب بل يجب قتالهم وظاهر قوله: "فإما أن يسلموا أو يؤدوا الجزية" أنهم يخيرون بين الأمرين دفعة واحدة فإن أجابوا إلى أحدهما كف عنهم "وإلا قوتلوا" والذي في الجواهر وصفة الدعوة أن يعرض عليهم الإسلام فإن أجابوا كف عنهم وإن أبوا عرض عليهم أداء الجزية فإن أبوا قوتلوا هذا كله مع الإمهال فلو عجلوا عن الدعوى من باب تعب أي فلو أسرعوا لمقاتلتنا كافين عن دعوتنا أي تاركين لها قوتلوا دونها لأن الدعوة حينئذ حرام "وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا حيث تنالهم أحكامنا فأما إن بعدوا منا فلا تقبل منهم الجزية إلا أن يرتحلوا إلى بلادنا وإلا قوتلوا" قال ابن عمر: هذا الشرط في أهل العنوة وأما أهل الصلح فلا يشترط فيهم هذا الشرط وتقبل منهم الجزية في موضعهم لأنهم منعوا أنفسهم حتى صالحوا على أنفسهم وبلادهم "والفرار" بكسر الفاء أن يولي "من العدو" عده العلماء "من الكبائر إذا كانوا" أي العدو من الكفار "مثلي عدد المسلمين فأقل" سواء كان المسلمون مثلهم في القوة أو أشد أو جهل الأمر وهو المشهور إذ المشهور يعتبر الضعف بحسب العدد لا القوة
стр. 432
فإن كانوا أكثر من ذلك فلا بأس بذلك ويقاتل العدو مع كل بر وفاجر من الولاة ولا بأس بقتل من أسر من الأعلاج ولا يقتل أحد بعد أمان
ــ
خلافا لابن الماجشون فإنه يقول يلزم أن يثبتوا لأكثر من النصف إذا كانوا أكثر من الكفار سلاحا وأشد قوة وجلدا ومحل حرمة الفرار إذا فر ونيته عدم الرجوع أما إذا فعل ذلك مكيدة أو تحيزا إلى فئة بأن يرى العدو الانهزام حتى يتبعه فيكر عليه أو يرجع إلى الأمير أو إلى جماعة المسلمين لأجل أن يستعين بهم فلا يحرم الفرار إذا "فإن كانوا" أي العدو "أكثر من ذلك" أي من مثلي عدد المسلمين "فلا بأس بذلك" الفرار من العدو وظاهره ولو بلغ المسلمون اثني عشر ألفا وهو كذلك في النوادر عن سحنون ونقل ابن رشد عن جمهور أهل العلم وارتضاه أن المسلمين إذا بلغوا اثني عشر ألفا لا يجوز لهم الفرار وإن كان الكفار أكثر من مثليهم وقيد به بعضهم كلام الشيخ واعتمده صاحب المختصر "ويقاتل العدو" بالبناء للمفعول أي ويجب على كل من وجب عليه الجهاد أن يقاتل العدو من الكفار "مع كل بر" بفتح الموحدة وهو الموفي بالعهود "و" مع كل "فاجر" وهو الجائر في أحكامه "من الولاة" أما مع الأول فظاهر وأما مع الثاني فلما صح من قوله ﷺ : "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" ولأنه لو ترك القتال معه لكان ضررا على المسلمين "ولا بأس بقتل من أسر من الأعلاج" جمع علج وهو الرجل من كفار العجم أي إذا كان في قتله مصلحة "ولا يقتل أحد من العدو بعد أمان" كان الأمان من الإمام أو غيره على المشهور خلافا لمن يقول إن أمان غير الإمام موقوف على نظر الإمام وسند المشهور
стр. 433
ولا يخفر لهم بعهد ولا يقتل النساء والصبيان ويجتنب قتل الرهبان والأحبار إلا أن يقاتلوا وكذلك المرأة تقتل إذا قاتلت ويجوز أمان أدنى المسلمين على بقيتهم
ــ
قوله ﷺ : "ينصب للغادر لواء يوم القيامة" أي راية فيقال: هذه غدرة فلان بفتح الغين المعجمة والمراد شهرته يوم القيامة بصفة الغدر ليذمه أهل الموقف "ولا يخفر لهم" أي للعدو "بعهد" والإخفار نقض العهد وليس هذا تكرارا مع ما قبله فإن الأول خاص بالقتل وهذا عام في القتل وغيره "ولا يقتل النساء و" لا "الصبيان" لما صح من نهيه ﵊ عن قتلهم وكذلك لا تضرب عليهم الجزية ويتخير الإمام فيهم بين ثلاثة أوجه الاسترقاق والعتق والفداء "ويجتنب قتل الرهبان" جمع راهب وهو العابد ليس النهي عن قتل الرهبان ونحوهم لفضل ترهبهم بل هم من الله أبعد من غيرهم لشدة كفرهم وإنما تركوا لتركهم أهل دينهم فصاروا كالنساء "و" قتل "الأحبار" جمع حبر بفتح الحاء وكسرها وهو الأفصح العالم واختلف في مرجع الضمير من قوله: "إلا أن يقاتلوا" فقيل عائد على جميع من تقدم من النساء والصبيان والرهبان والأحبار وقيل عائد على الرهبان وما بعده واستقرب لسلامته من التكرار مع قوله وكذلك المرأة تقتل إذا قاتلت ظاهره كان ذلك في حال القتال أو بعده وقيده ابن عمر بقوله يعني حال القتال وأما إذا برد القتال فلا تقتل والراجح أنها إذا قاتلت بسلاح تقتل مطلقا حال القتال وبعده ولو لم تقتل أحدا والصبي في التفصيل كالمرأة "ويجوز أمان أدنى المسلمين" وهو الخسيس الذي إذا غاب لا ينتظر وإذا حضر لا يستشار "على بقيتهم" فأمان الشريف أحرى
стр. 434
وكذلك المرأة والصبي إذا عقل الأمان وقيل إن أجاز ذلك الإمام جاز وما غنم المسلمون بإيجاف فليأخذ الإمام خمسه ويقسم الأربعة الأخماس بين أهل الجيش وقسم ذلك ببلد الحرب أولى
ــ
بالجواز وهذا في قوم مخصوصين أي في قوم كفار مخصوصين وأما أهل ناحية أو بلد فلا يعقد لهم الأمان إلا السلطان فإن عقد غيره نقضه إن شاء قال في الجواهر وشرط الأمان أن لا يكون على المسلمين ضرر فلو أمن جاسوسا أو طليعة أو من فيه مضرةلم ينعقد "وكذلك المرأة" يجوز أمانها "والصبي" مثلها يجوز أمانه "إذا عقل الأمان" أي علم أن نقض الأمان حرام يعاقب عليه والوفاء به واجب يثاب عليه "وقيل إن أجاز ذلك" أي أمان الصبي "الإمام جاز" وإن لم يجزه لم يجز "وما غنم المسلمون" من العدو "بإيجاف" أي تعب وحملات في الحرب جمع حملة وهي الكرة في الحرب كما في القاموس "فيأخذ الإمام خمسه" يتصرف فيه بما شاء فإما أن يضعه في بيت المال وإما أن يصرفه في مصالح المسلمين من شراء سلاح أو غيره مما يراه مصلحة للمسلمين وإن شاء دفعه لآل النبي ﷺ أو لغيرهم أو يجعل بعضه فيهم وبقيته في غيرهم وهذا إذا كان الذي غنموه غير أرض من كراع بوزن غراب الخيل كما في المصباح وقماش وعبيد ومال وحنطة وأما الأرض فلا تخمس ولا تقسم بل توقف ويصرف خراجها في مصالح المسلمين "و" بعد أن يأخذ الإمام خمس المغنم "يقسم الأربعة الأخماس" الباقية "بين أهل الجيش المجاهدين" الإضافة للبيان أي أهل هم الجيش "وقسم ذلك" أي ما غنمه المسلمون "ببلد الحرب أولى" لما
стр. 435
وإنما يخمس ويقسم ما أوجف عليه بالخيل والركاب وما غنم بقتال ولا بأس أن يؤكل من الغنيمة قبل أن يقسم الطعام والعلف لمن احتاج إلى ذلك وإنما يسهم لمن حضر القتال أو تخلف عن القتال في شغل المسلمين من أمر جهادهم
ــ
وقع منه ﷺ من ذلك لما فيه من نكاية في العدو "وإنما يخمس ويقسم ما أوجف" أي حمل "عليه بالخيل والركاب" أي الإبل قال ابن العربي واحد الركاب راحلة من غير لفظها "وما غنم بقتال" عطف عام على خاص وأما ما أخذ بغير إيجاف ولا قتال كالمأخوذ ممن انجلى عنه أهله حين سماعهم بخروج جيش المسلمين عليهم فلا يخمس ولا يقسم بل النظر فيه للإمام مثل خمس الغنيمة يصرف حيث شاء "ولا بأس" بمعنى ويباح فاستعمل لا بأس هنا فيما فعله وتركه سواء "أن يؤكل من الغنيمة قبل أن تقسم الطعام والعلف لمن احتاج إلى ذلك" سواء أذن الإمام أم لا والمراد بالطعام ما يؤكل لحما أو غيره والأصل فيما قال ما في الصحيح من قول ابن عمر ﵄ كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه ولما كانت أربعة أخماس المغنم لا تقسم بين الجيش إلا بشروط شرع في بيانها فقال: "وإنما يسهم لمن حضر القتال" المراد حضور المناشبة أي المضاربة سواء قاتل أم لا لاحضور المواجهة فإذا قامت الصفوف ولم يتناشب القتال فلا يسهم لمن مات حينئذ ويسهم لمن مات بعد انتشاب القتال "أو تخلف عن القتال في شغل المسلمين من أمر جهادهم" ككشف طريق أو جلب عدد أو نحو ذلك ويسهم لمن ضل عن الجيش في بلاد
стр. 436
ويسهم للمريض وللفرس الرهيص ويسهم للفرس سهمان وسهم لراكبه ولا يسهم لعبد ولا لامرأة ولا لصبي إلا أن يطيق الصبي الذي لم يحتمل القتال ويجيزه الإمام ويقاتل فيسهم له
ــ
العدو "و" كذلك "يسهم للمريض" إذا حصل له المرض بعد القتل أو في حال القتال أي شهد أوله صحيحا ثم مرض واستمر يقاتل مريضا أما لو حصل له المرض قبل حضور القتال سواء كان ابتدأ مرضه في دار الحرب أو في بلاد الإسلام فلا يسهم له "و" كذلك يسهم "للفرس الرهيص" إذا حصل بعد القتال أو في حال القتال الرهص داء يصيب الفرس في حافره قال ابن عمر ليس الرهص بشرط وكذا إذا مرض بغيره "ويسهم للفرس" الواحد "سهمان" واحترز بالفرس عن البعير والبغل والحمار فإنه لا يسهم لها والتقيد بالواحد لإخراج ما زاد عليه فإنه لا يسهم له "و" يسهم "سهم" واحد "لراكبه" وفيه من التسامح ما لا يخفى فإن الراكب إنما يقال لراكب الإبل وأما راكب الفرس فإنما يقال له فارس والأصل فيما ذكر ما صح أنه ﷺ جعل للفرس سهمين وللفارس سهما "و" من الشروط التي يستحق بها القسم الحرية فـ "لا يسهم لعبد" قاتل أو لم يقاتل "و" منها الذكورية فـ "لا يسهم لامرأة" قاتلت أو لم تقاتل "و" منها البلوغ فـ "لا" يسهم "لصبي إلا" بشروط ثلاثة أن يطيق الصبي الذي لم يحتلم "القتال ويجيزه الإمام ويقاتل فيسهم له" والذي نقله بهرام عن المدونة وصرح بمشهوريته أنه لا يسهم له قاتل أو لم يقاتل ومقتضى صنيع صاحب المختصر أن ما ذكره الشيخ مشهور أيضا وظاهر الحديث يدل للأول أي
стр. 437
ولا يسهم للأجير إلا أن يقاتل ومن أسلم من العدو على شيء في يده من أموال المسلمين فهو له حلال ومن اشترى شيئا منها من مال العدو لم يأخذه ربه إلا بالثمن وما وقع في المقاسم منها فربه أحق به بالثمن
ــ
وهو عدم الإسهام والحديث ما رواه ابن وهب أن النبي ﷺ لم يسهم للعبيد ولا للنساء ولا للصبيان ومنها أن يخرج بنية الجهاد فـ "لا يسهم للأجير" الخاص الذي ملكت منافعه كأجير الخدمة ومثله الأجير العام في عدم السهم "إلا أن يقاتل" وهو ظاهر المختصر وهو الظاهر وفرق بينهما ابن عمر وليس بظاهر وبقي من الشروط ثلاثة العقل والإسلام والصحة فالمجنون المطبق لا يسهم له اتفاقا والذمي لا يسهم له اتفاقا إن لم يقاتل ولا إن قاتل على المشهور والزمن أي المقعد أي الذي لا رأي له بل ولو كان ذا رأي وتدبير على المشهور "ومن أسلم من العدو على شيء في يده من أموال المسلمين فهو له حلال" قال ابن ناجي ظاهر كلامه لو أسلم على أحرار المسلمين أنهم ينتزعون منه وهو المشهور وعليه يكون الانتزاع مجانا بغير عوض وإنما كان هذا ظاهر كلامه لأنه قال وفي يده شيء من أموال المسلمين والحر ليس بمال "ومن اشترى" من المسلمين بدار الحرب "شيئا منها" أي من أموال المسلمين وكذا من أموال أهل الذمة "من مال العدو لم يأخذ ربه" ممن اشتراه "إلا بالثمن" الذي أخذه به في دار الحرب إن كان يحل له تملكه أما إن كان لا يحل له تملكه كالخمر والخنزير فإن ربه يأخذه من غير شيء "وما وقع في المقاسم منها" أي من أموال المسلمين "فربه أحق به بالثمن" هذا إذا وجده مع من اشتراه من الغنيمة أما إذا وجده في يد من
стр. 438
وما لم يقع في المقاسم فربه أحق به بلا ثمن ولا نفل إلا من الخمس على الاجتهاد من الإمام ولا يكون ذلك قبل القسم والسلب من النفل
ــ
أخذه في سهمه أو جهل الثمن فلا يأخذه إلا بالقيمة لتعلق حق الغير به "وما لم يقع في المقاسم منها فربه أحق به بلا ثمن" قصده أن المسلم أو الذمي إذا وجد أحدهما متاعه في الغنيمة قبل قسمتها وشهدت له البينة بذلك فإنه يأخذه بغير عوض لكن بعد أن يحلف اليمين الشرعية أنه ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بناقل شرعي وأنه باق على ملكه إلى الآن "ولا نفل" بفتح الفاء وسكونها وهو لغة الزيادة وشرعا الزيادة على السهم وحكمه أنه مباح لا يعطى "إلا" لمن له سهم في الغنيمة ولا يكون من أصل الغنيمة وإنما يكون "من الخمس على الاجتهاد من الإمام" لما روى ابن وهب أن رسول الله ﷺ إنما نفل يوم حنين من الخمس "ولا يكون ذلك" النفل "قبل القسم" ويروى قبل الغنيمة وعلى هذا لا يتصور إلا بالوعد بأن يقول مثلا من قتل قتيلا فله سلبه أي من يقتل قتيلا وكلامه محتمل للمنع والكراهة أي نهي الإمام أو أمير الجيش نهي كراهة أو تحريم أن يقول قبل القدرة على العدو من قتل قتيلا فله سلبه لأن ذلك يؤدي إلى إبطال نياتهم وإلى فسادها لأن بعضهم ربما ألقى بنفسه في المهالك لأجل الغرض الدنيوي فيصير قتاله لا ثواب فيه وأما بعد انقضاء القتال فلا محذور فيه ويكون معنى قوله من قتل قتيلا الخ من كان قتل قتيلا إلخ "والسلب من" جملة "النفل" فلا يعطيه الإمام إلا من الخمس على حسب اجتهاده والسلب هو ما يوجد مع القتيل من ثيابه وسلاحه وما شابهها من المعتاد دون ما ينفرد
стр. 439
والرباط فيه فضل كبير وذلك بقدر كثرة خوف أهل ذلك الثغر وكثرة تحررهم من عدوهم ولا يغزى بغير إذن الأبوين إلا أن يفجأ العدو مدينة قوم ويغيرون عليهم ففرض عليهم دفعهم ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا
ــ
بلبسه عظماء المشركين من سوار وتاج وكذلك العين فليست هذه المذكورات من السلب على المشهور أي خلافا لابن حبيب في دخول ما ذكر من السوار والتاج والعين في السلب "والرباط" لغة الإقامة وشرعا الإقامة في الثغور لحراستها أي حراسة من بها وهو يشمل المال وغيره والذمي والمسلم وحراسة غيرها تتبع حراستها والثغور موضع المخافة من فروج البلدان وتكلم هنا على فضله فقال: "فيه فضل كبير" روي بالمثلثة والموحدة والرباط أفضل من الجهاد لما في الصحيح من قوله ﷺ : "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها" وإنما كان خيرا الخ لأن جميع ما عليها على فرض لو ملكه إنسان وتنعم به لا محالة أنه ينفد بخلاف نعيم الآخرة فإنه باق لا ينفد ولأن الرباط لأجل حقن دماء المسلمين وحقن دمائهم أفضل من سفك دماء المشركين "وذلك" الفضل المذكور متفاوت "بقدر كثرة خوف أهل ذلك الثغر وكثرة تحرزهم من عدوهم" وقلته والخوف والتحرز متلازمان فمتى اشتد الخوف اشتد التحرز "ولا يغزى بغير إذن الأبوين" إذا كانا مسلمين عند ابن القاسم وعند سحنون مطلقا مسلمين أو كافرين "إلا أن يفجأ العدو" أي ينزلون "مدينة قوم ويغيرون عليهم" أي على أهل المدينة أو غيرها من القرى "ففرض عليهم" أي على أهل المدينة وغيرها "دفعهم ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا" أي فيجب على من له أب ومن لا أب له عبدا كان أو حرا وعلى هذا فيسهم للعبيد هنا لأنهم مخاطبون بالجهاد لأننا إنما منعناهم من السهم لأنهم كانوا غير مخاطبين والآن قد خوطبوا ذكره في التحقيق وذكر أنه يجب على من يليهم أن يعينوهم وقول المصنف ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا أي هذا ومثله من فرائض الأعيان كالحج والصلاة وطلب العلم العيني لأنه إنما يلزمه طاعتهما في ترك المباحات والنوافل أي لا الفرائض المعينة.
стр. 440
باب في الأيمان والنذور .
ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت.
ــ
"باب في" بيان ما يجوز الحلف به من "الأيمان" وما لا يجوز وما يلزم منها وما لا يلزم "و" في بيان ما يجوز من "النذور" وما لا يجوز وما يلزم منها وما لا يلزم وغير ذلك أي غير الجائز الخ كالكفارة واليمين بمعنى القسم والحلف مؤنثة بلا خلاف وكذلك العضو المخصوص كما صرح به التتائي ومفاد المصباح أن اليمين حقيقة في الجارحة مجاز في غيرها قال اليمين الجارحة وسمي الحلف يمينا لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه فسمي الحلف يمينا مجازا انتهى "ومن كان حالفا فليحلف بالله" أي مريد الحلف فليحلف باسم الله أي لا بالنبي ولا بغيره مما هو معظم شرعا أو بصفة من صفاته كالوحدانية والقدم والوجود إلى آخر الصفات "أو ليصمت" أي لا يحلف لا أنه يلزمه الصمت إذا لم يحلف بالله وإنما كان منهيا عن الحلف بغير الله لما صح من قوله ﷺ : "ألا - أداة استفتاح - إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" فأمر بالصمت عما عدا اليمين بالله أي فاللام لام الأمر فظاهره الوجوب
стр. 441
ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق ويلزمه ولا ثنيا ولا كفارة إلا في اليمين بالله أو بشيء من أسمائه وصفاته
ــ
وهو مستلزم لتحريم اليمين بغير الله قاله ابن عبد السلام "ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق" إذا كان بالغا عالما معتادا للحلف بذلك ويكون ذلك جرحة في شهادته وظاهر كلامه أنه يؤدب حنث أو لم يحنث والأدب عند مالك غير محدود بل على ما يراه الإمام من ضرب أو شتم أو غيره ويختلف باختلاف الأشخاص والأحوال "و" مع تأديب من حلف بطلاق أو عتاق "يلزمه" ما حلف به من طلاق أو عتق إذا أيقن بالحنث بل لو شك في الحنث أو توهمه أو ظنه فإنه يحنث على المشهور وأما لو شك هل قال أنت طالق أو لم يقل أو شك هل حلف وحنث أو لم يحلف ولم يحنث فلا شيء عليه "ولا" تنفع "ثنيا" أي استثناء بمشيئة الله تعالى مثل أن يقول الحالف بعد تلفظه بالمحلوف به إن شاء الله أو إلا أن يشاء الله "و" كذلك "لا" تنفع "كفارة" كما لا تنفع ثنيا ومعنى عدم نفعهما أنهما لا يفيدان في شيء من الأيمان "إلا في اليمين بالله " أي بهذا الاسم العظيم أي والنذر المبهم كاليمين بالله كما في المدونة وكذا سائر ما فيه كفارة يمين كحلفه بالكفارة ويمكن دخول هذا في قول المصنف إلا في اليمين بالله أي حقيقة أو حكما والمراد به ما فيه كفارة يمين وليس من أسمائه تعالى ولا من صفاته "أو بشيء من أسماء الله" غير هذا الاسم كالعزيز والباري "وصفاته" أي أوبشيء من صفاته الذاتية كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والحياة.
وأما الفعلية كالرزق بفتح الراء أي تعلق القدرة بالرزق والإحياء تعلق القدرة بالحياة والإمامة تعلق القدرة بالموت فإنه لا يحلف بها أصلا وظاهر كلامه أن الثنيا لا تنفع
стр. 442
ومن استثنى فلا كفارة عليه إذا قصد الاستثناء وقال إن شاء الله ووصلها بيمينه قبل أن يصمت وإلا لم ينفعه ذلك والأيمان بالله أربعة فيمينان تكفران وهو أن يحلف بالله إن فعلت
ــ
في الطلاق المعلق مثل أن يقول إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله وفيه تفصيل فقد قال ابن الماجشون إن رده للفعل وهو دخول الدار مثلا نفعه ذلك ومذهب ابن القاسم أنه لا ينفعه ولو رده للفعل وأنه متى دخل الدار وقع عليه الطلاق وهو الذي ذهب إليه العلامة خليل وهو المشهور "ومن استثنى" في اليمين بالله أو بصفة من صفاته "فلا كفارة عليه" بشروط ثلاثة:
أحدها: "إذا قصد الاستثناء" أي قصد حل اليمين لا فرق في القصد بين أن يكون قبل الحلف أو في أثنائه أو بعد تمامه فإنه ينفعه كما شهره التتائي أما لو جرى على لسانه من غير قصد كما لو نطق سهوا أو تكلم به تبركا فلا ينفعه في حل اليمين.
"و" ثانيها: إذا "قال" أي تلفظ بـ "إن شاء الله" فلا تكفي النية وحدها.
"و" ثالثها: إن "وصلها" أي إن شاء الله "بيمينه قبل أن يصمت" أي يسكت ما لم يضطر لتنفس أو سعال فإن اضطر لم يضر "وإلا" أي وإن لم يقصد الاستثناء أو لم ينطق به أو لم يصله بيمينه "لم ينفعه ذلك" الاستثناء "والأيمان بـ" اسم "الله أربعة" وفي نسخة أربع "فيمينان تكفران وهو" أي ما يكفر يمينان أحدهما أن تكون اليمين منعقدة على بر وحقيقتها أن يكون الحالف بأثر حلفه موافقا لما كان عليه من البراءة الأصلية مثل "أن يحلف بالله إن فعلت كذا" أو لا أفعل كذا ثم يفعل المحلوف عليه والأخرى أن تكون اليمين منعقدة على حنث وحقيقتها أن يكون الحالف بأثر حلفه مخالفا لما كان عليه
стр. 443
أو يحلف ليفعلن ويمينان لا تكفران إحداهما لغو اليمين وهو أن يحلف على شيء يظنه كذلك في يقينه ثم يتبين له خلافه فلا كفارة عليه ولا إثم
ــ
من البراءة الأصلية مثل أن يحلف إن لم يفعل كذا "أو يحلف ليفعلن كذا" ثم لم يفعل المحلوف عليه واليمين على الحنث مقيدة بما إذا لم يؤجل أما إن أجل فإنه على بر إلى الأجل مثل أن يقول إن لم أفعل كذا قبل شهر فإنه على بر إلى الأجل وإن ولي صيغة الحنث حرف شرط كقوله والله إن لم أتزوج لا أقيم في هذه البلدة وفي صيغة البر حرف نفي إذا لم يكن ثم جزاء نحو والله إن كلمت فلانا معناه والله لا أكلم فلانا لأن كلم هنا وإن كان ماضيا معناه الاستقبال إذ الكفارة لا تتعلق إلا بالمستقبل وإن كان ثم جزاء فهي مع الجزاء شرط كقولك والله إن كلمت فلانا لأعطينك مائة "ويمينان لا تكفران إحداهما لغو اليمين" وهو أي لغو اليمين على المشهور في تفسيره "أن يحلف على شيء يظنه" بمعنى يتيقنه هذا جواب عما يقال إن قوله يظنه يقتضي أن اليمين على الظن لغو وليس كذلك بل من أقسام الغموس أفاده الحطاب والمراد بالتيقن الاعتقاد لا الجزم المطابق لدليل لقوله ثم تبين له خلافه "كذلك في يقينه" المعنى يعتقده في عقله مماثلا لنا في نفس الأمر فالمشار له ما في نفس الأمر ومثل الاعتقاد الظن القوي لا إن كان غير قوي فغموس وأولى الشك "ثم يتبين له خلافه" وقوله: "فلا كفارة عليه" تكرار ذكره ليترتب عليه قوله: "ولا إثم" وإنما لم يكن عليه إثم لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ قال في المدونة ولا لغو إلا في اليمين بالله أو نذر لا مخرج له أي النذر
стр. 444
والأخرى الحالف متعمدا للكذب أو شاكا فهو آثم ولا تكفر ذلك الكفارة وليتب من ذلك إلى الله والكفارة إطعام عشرة مساكين من المسلمين الأحرار مدا لكل مسكين بمد النبي ﷺ .
ــ
المبهم كقوله إن فعلت كذا فعلي نذر ولا يفيد اللغو في نحو طلاق أو عتق أو نذر غير مبهم "والأخرى" اليمين الغموس وفسرها بأنها "الحالف متعمدا للكذب" مثل أن يحلف أنه لقي فلانا بالأمس وهولم يلقه "أو شاكا" مثل أن يحلف أنه لقيه وهو شاك هل لقيه أم لا ومثل الشك الظن أي غير القوي وظاهر قوله: "فهو" أي الحالف متعمدا للكذب أو شاكا آثم وإن وافق ما حلف عليه أي فهو "آثم" مطلقا وافق أم لا على الراجح "ولا تكفر ذلك" الحلف "الكفارة" أي فلا كفارة في الغموس إن تعلقت بماض وأما إن تعلقت بالحال أو الاستقبال كفرت واللغو كذلك إن تعلقت بمستقبل وإن تعلقت بماض أو حال لم تكفر "و" إذا كانت الكفارة لا تكفر اليمين فـ "ليتب من ذلك إلى الله " لأنها من الكبائر ويتقرب إليه بما قدر عليه من عتق وصدقة وصوم "والكفارة" في اليمين بالله تعالى تتنوع إلى أربعة أنواع ثلاثة على التخيير وهي الإطعام والكسوة والعتق وواحد مرتب بعد العجز عن هذه الثلاثة وهو الصوم وأفضلها الإطعام ولذا بدأ به فقال: "إطعام عشرة مساكين من المسلمين الأحرار مدا لكل مسكين بمد النبي ﷺ " أخذ من كلامه أن الإطعام له شروط خمسة العدد معتبر من قوله عشرة فلا يجزىء إعطاؤه لأكثر ولا لأقل ولا لواحد مرارا فإذا أعطى خمسة مدين مدين بنى على خمسة وكمل
стр. 445
وأحب إلينا أن لو زاد على المد مثل ثلث مد أو نصف مد وذلك بقدر ما يكون من وسط عيشهم في غلاء أو رخص ومن أخرج مدا على كل حال أجزأه وإن كساهم كساهم للرجل قميص وللمرأة قميص وخمار
ــ
لخمسة أخرى وله نزع الزائد بشرط أن يبقى بيد المسكين لم يتلفه وكان وقت الدفع له بين أنها كفارة وإن أطعم عشرين نصف مد نصف مد لم يجزه ثانيها أن يكونوا مساكين فلو دفعها لأغنياء مع علمه بذلك فإنه لا يجزئه ثالثها أن يكونوا مسلمين فلو دفعها لفقراء أهل الذمة فإنها لا تجزئه قياسا على الزكاة رابعها أن يكونوا أحرارا فلو دفعها لرقيق فلا يجزئ خامسها أن يكون المعطى مدا لكل مسكين بمده ﵊ فلا يجزىء دونه ويقوم مقام المد شيئان على سبيل البدل إما رطلان من الخبز مع أدم زيت أو لبن أو لحم وإما شبعهم غداء وعشاء أو غداءين أو عشاءين ولا يكفي غداء أو عشاء ولو بلغ مدا "وأحب إلينا" يعني نفسه "أن لو زاد على المد مثل ثلث مد أو نصف مد وذلك" أي استحباب الزيادة على المد "بقدر ما يكون من وسط عيشهم" ما مصدرية أي بقدر وجود أي حال عيشهم الوسط ووسط العيش الحب المقتات غالبا وقوله: "في غلاء" راجع لقوله ثلث مد وقوله: "أو رخص" راجع إلى نصف مد "ومن أخرج مدا على كل حال" أي في كل بلد وفي كل زمان من غير زيادة "أجزأه" لأنه هو الواجب "وإن كساهم" أي وإن اختار كسوة العشرة مساكين "كساهم للرجل قميص وللمرأة قميص وخمار"
стр. 446
أو عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد ذلك ولا إطعاما فليصم ثلاثة أيام يتابعهن فإن فرقهن أجزأه وله أن يكفر قبل الحنث أو بعده وبعد الحنث أحب إلينا
ــ
المراد بالرجل الذكر وبالمرأة الأنثى لأنه لا فرق بين الصغير والكبير في إعطاء الكسوة والإمداد ولا يشترط في الكسوة أن تكون من وسط كسوة أهله لأن الله تعالى شرط ذلك في الإطعام دون الكسوة "أو عتق رقبة" شرطوا فيها شروطا أحدها أشار إليه بقوله: "مؤمنة" فلا تجزىء الكافرة ثانيها أن تكون سليمة من العيوب التي تشين كالعمى والهرم والعرج الشديدين أما ما لا يشين كقطع الظفر فيجزئ ثالثها أن تكون ممن يستقر ملكه عليه بعد الشراء لا ممن يعتق عليه بمجرد الشراء أو يشتريه بشرط العتق رابعها أن تكون كاملة لا إن كانت مشتركة خامسها أن لا يكون فيها عقد حرية فلا تجزىء أم الولد ولا المكاتب
فإن عجز عن الخصال الثلاثة وهي الإطعام والكسوة والعتق انتقل إلى الخصلة الرابعة وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: "فإن لم يجد" المكفر "ذلك" أي العتق أي أو الكسوة بدليل قوله: "ولا إطعاما فليصم ثلاثة أيام يتابعهن" استحبابا لأن المبادرة إلى براءة الذمة أولى "فإن فرقهن" أي الأيام الثلاثة "أجزأه" ولكن لا بد من تبييت النية في كل ليلة "و" يباح "له" أي للحالف "أن يكفر قبل الحنث وبعده" ظاهره مطلقا سواء كانت يمينه على بر أو على حنث كانت كفارته بالصوم أو غيره "و" لكن تكفيره "بعد الحنث أحب إلينا" يعني نفسه إشارة إلى الرد على أشهب القائل بعدم الإجزاء أو على من يقول بعدم جواز تقديم الصوم دون غيره ثم انتقل يتكلم على
стр. 447
ومن نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولا شيء عليه ومن نذر صدقة مال غيره أو عتق عبد غيره لم يلزمه شيء ومن قال إن فعلت كذا فعلي نذر كذا وكذا لشيء يذكره من فعل البر من صلاة أو صوم أو حج أو عمرة أو صدقة شيء سماه
ــ
النذور فقال: "ومن نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" النذر لغة الإيجاب وشرعا التزام ما يلزم من القرب وهو على قسمين نذر طاعة يجب الوفاء به ونذر معصية لا يجب الوفاء به ومع عدم وجوب الوفاء به هل يكون عليه كفارة وهو قول أبي حنيفة أو لا كفارة عليه وهو مذهب الجمهور وإليه أشار بقوله: "ولا شيء عليه ومن نذر صدقة مال غيره أو عتق" رقبة "عبد غيره" كره و "لم يلزمه شيء" لا صدقة ولا عتق ما لم يعلق فإن علق على شرط لزم عند وجود الشرط على المشهور نحو لله علي أن أعتق عبد فلان إن ملكته "ومن قال إن فعلت كذا" سواء كان واجبا أو حراما "فعلي نذر كذا" أي منذور هو كذا فإنه يلزمه ما نذر إن فعل ما شرطه "وكذا" إن قال "لشيء" اللام زائدة أي وكذا إن ذكر شيئا بلسانه أو بقلبه فقوله: "يذكره" توكيد وقوله: "من فعل البر" بيان لشيء وإضافة فعل لما بعده من إضافة العام للخاص فهي للبيان وقوله من صلاة أي صلاة تطوع بيان لفعل البر واحترز به من الحرام والمباح فلا يلزمه "أو صوم" كذلك "أو حج" كذلك "أو عمرة أو صدقة شيء سماه" أي بين قدره لفظا أو نية فالتعميم
стр. 448
فذلك يلزمه إن حنث كما يلزمه لو نذره مجردا من غير يمين وإن لم يسم لنذره مخرجا من الأعمال فعليه كفارة يمين ومن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو شبهه أو
ــ
الأول متعلق بأصل العبادة وهذا متعلق ببيان القدر "فذاك" أي كل واحد مما ذكر من الصلاة وما بعدها يريد ونحو ذلك من القرب كالعتق والذكر "يلزمه" ما سماه "إن حنث" أما إذا لم ينو الصلاة أي لم ينو قدرها ولا سماه فيلزمه أقل ما يطلق عليه اسم الصلاة وهو ركعتان وكذا الصوم إذا لم يسمه فيلزمه أقل ما يطلق عليه اسم الصوم وهو يوم وأما إن قال إن كلمت فلانا فعلي المشي إلى مكة فكلمه لزمه المشي في حج أو عمرة وأما الصدقة إذا لم يسم شيئا فيلزمه ثلث ماله أما إذا سمى فظاهر كلامه أنه يلزمه ما سماه ولو كان كل ماله.
قال ابن عمر: فإن ذكر الدار ولم يكن عنده إلا هي لزمه ذلك وفي كلام المصنف من المخالفة لما يأتي له بعد من قوله ومن جعل ماله صدقة أو هديا أجزأه ثلثه ما لا يخفى "كما يلزمه لو نذره مجردا من غير يمين" أي يلزمه المقيد بوقوع شيء عند وقوع ذلك الشيء كما يلزمه الذي لا تعليق فيه نحو لله علي صوم أو صلاة أو غيرهما "وإن لم يسم لنذره مخرجا من الأعمال" أي لم يسم لنذره شيئا يخرج منه النذر أي يتحقق به من تحقق الكلي في بعض جزئياته كقوله لله علي نذر ولم يسم هل هو صلاة أو صوم أو حج أو ما أشبه ذلك "فعليه كفارة يمين" على المذهب "ومن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر" هو المسكر من ماء العنب "أو شبهه" كالنبيذ وهو المسكر من غير ماء العنب "أو"
стр. 449
ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه وليستغفر الله وإن حلف بالله ليفعلن معصية فليكفر عن يمينه ولا يفعل ذلك وإن تجرأ وفعله أثم ولا كفارة عليه ليمينه ومن قال علي عهد الله وميثاقه في يمين فحنث فعليه كفارتان وليس على من وكد اليمين فكررها في شيء واحد غير كفارة واحدة
ــ
نذر "ما ليس بطاعة ولا معصية" كالمباح والمكروه "فلا شيء" أي لا كفارة "عليه ليمينه" في الفرعين وفي كلامه تكرار بالنسبة للفرع الأول الذي هو قوله ومن نذر معصية وهل قوله: "وليستغفر الله" راجع لنذر المعصية فقط أو له ولما بعده الراجح الثاني "وإن حلف" إنسان "بـ" اسم "الله" أو بصفة من صفاته النفسية أو المعنوية "ليفعلن معصية" من المعاصي كشرب الخمر أو قتل النفس أو سب من لا يجوز سبه "فليكفر عن يمينه" الذي حلفه "ولا يفعل ذلك" المحلوف عليه "وإن تجرأ" أي اقتحم "وفعله" عطف تفسير أي وإن ارتكب فعل المحلوف عليه مع علمه بأنه معصية ولم يبال بعقوبة عاقبته "فهو آثم" لفعله المعصية "ولا كفارة عليه ليمينه" لأنه بر في يمينه "ومن قال علي عهد الله وميثاقه في يمين فحنث فعليه كفارتان" لأن العهد يمين والميثاق يمين فإذا جمعهما فقد حلف يمينين وما ذكره خلاف المشهور والمشهور ما في التوضيح من عدم تعدد الكفارة سواء قصد الحالف التأكيد أو الإنشاء أو لا قصد له إلا أن ينوي كفارات "وليس على من وكد اليمين فكررها في شيء واحد غير كفارة واحدة" قال ابن الحاجب وإذا كرر اليمين على شيء واحد لم تتعدد
стр. 450
ومن قال أشركت بالله أو هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا فلا شيء عليه ولا يلزمه غير الاستغفار ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله له فلا شيء عليه
ــ
وإن قصد التكرار أي الإنشاء ما لم ينو كفارات قال ابن عبد السلام يعني أن الحالف بشيء من أسماء الله تعالى أو صفاته إذا حلف على شيء ثم كرر اليمين بذلك الاسم بعينه أو الصفة بعينها على ذلك الشيء بعينه فإن نوى باليمين الثانية تأكيد الأولى أو لم تكن له نية لم تتعدد الكفارة عليه بالحنث اتفاقا وإن قصد تعدد الكفارة تعددت اتفاقا وإن قصد الإنشاء به ولم يتعرض إلى تعدد الكفارة فالمشهور أنها لا تتعدد اه ومفهوم في شيء واحد أنه لو كررها في شيئين مثلا لزم لكل كفارة يمين نحو والله لا أكلم فلانا والله لا آكل من هذا الطعام والله لا ألبس هذا الثوب "ومن قال" والعياذ بالله "أشركت بالله أو هو يهودي أو نصراني" أو عابد وثن ونحو ذلك "إن فعل كذا" ثم فعله "فلا شيء" أي لا كفارة "عليه" أي في شيء من ذلك لأن الحلف بغير أسماء الله أو صفاته لا تنعقد به يمين "ولا يلزمه غير الاستغفار" المراد منه التوبة أي ولا تطلب منه الشهادة فلا ينافي أنه يطلب منه زيادة على الاستغفار التقرب بشيء من أنواع القربات كعتق أو صدقة أو صوم ولو قال إن فعل كذا يكون مرتدا أو على غير ملة الإسلام أو يكون واقعا في حق رسول الله فكذلك "ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله له" من طعام أو شراب أو غير ذلك "فلا شيء" أي لا كفارة "عليه" ويلزمه الاستغفار لأنه آثم بذلك لأن المحلل والمحرم هو الله تعالى وقد ذم الله تعالى من فعل ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
стр. 451
إلا في زوجته فإنها تحرم عليه إلا بعد زوج ومن جعل ماله صدقة أو هديا أجزأه ثلثه ومن حلف بنحر ولده فإن ذكر مقام إبراهيم أهدى هديا يذبح بمكة وتجزئه شاة
ــ
لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ ويستثنى مما قال مسألتان أشار إلى إحداهما بقوله: "إلا في زوجته" إذا قال هي علي حرام "فإنها تحرم عليه" لأن تحريمها طلاقها ثلاثا لا تحل له "إلا بعد زوج" هذا في المدخول بها وأما غير المدخول بها فيلزمه فيها الثلاث إلا أن ينوي أقل والمسألة الثانية إذا حرم أمته ونوى بها العتق فإنها تصير حرة بذلك تحرم عليه لا يطؤها إلا بنكاح جديد وأما إذا لم يقصد العتق فهي كتحريم الطعام والشراب فلا يلزمه إلا الاستغفار "ومن جعل ماله كله صدقة" لله تعالى "أو هديا" يبعثه "إلى بيت الله" الحرام "أجزأه ثلثه" قال ابن عمر: يريد إذا كان ذلك في يمين أو نذر ويريد أيضا ما لم يسم شيئا أما إذا سمى لزمه ولو كان كل ماله ويريد أيضا ما لم يتصدق به على معين بالشخص كزيد أو بالوصف كبني زيد فيلزمه الجميع حين حلفه إلا أن ينقص فما بقي ويترك له ما يترك للمفلس "ومن حلف بنحر ولده" مثل أن يقول إن فعلت كذا فعلي نحر ولدي "فإن ذكر مقام إبراهيم" الخليل ﵊ أي قصته مع ولده "أهدى هديا" أعلاه بدنة ثم بقرة ثم شاة "يذبح بمكة" بعد أن يدخل به من الحل أو بمنى إن أوقفه بعرفة واختلف في حكم الهدي المذكور فقيل مستحب وقيل واجب وهو الراجح "وتجزئه شاة" أي مع الكراهة مع القدرة على أعلى منها والمراد بها هنا الذكر والأنثى والراجح أن الأجنبي مثل ولده في لزوم الهدي إذا
стр. 452
وإن لم يذكر المقام فلا شيء عليه ومن حلف بالمشي إلى مكة فحنث فعليه المشي من موضع حلفه فليمش إن شاء في حج أو عمرة فإن عجز عن المشي ركب ثم يرجع ثانية إن قدر فيمشي أماكن ركوبه فإن علم أنه لا يقدر قعد وأهدى
ــ
حلف بنحره وذكر مقام إبراهيم كما تقدم "وإن لم يذكر المقام فلا شيء عليه" لا هدي ولا كفارة وإنما عليه الاستغفار من ذلك "ومن حلف بالمشي إلى مكة" مثل أن يقول إن فعلت كذا فعلي المشي إلى مكة "فحنث فعليه المشي" لزوما "من موضع حلفه" يريد من البلد الذي حلف فيه لا من المكان الذي هو مستقر عليه حال حلفه إلا أن يعين موضعا بعينه وما ذكره من التخيير في قوله: "فليمش إن شاء في حج أو عمرة" محله إذا لم تكن له نية في أحدهما وهو المشهور أي إن التخيير عند عدم النية هو المشهور وذكر مبدأ المشي ولم يذكر منتهاه ومنتهاه في العمرة بعد الفراغ من السعي وفي الحج بعد الفراغ من طواف الإفاضة وما ذكره من لزوم المشي إلى مكة للحالف به محله إن استطاعه "فإن عجز عن المشي" إليها بعد أن شرع في المشي "ركب ثم يرجع" مرة "ثانية" ماشيا "إن قدر" عليه لتلافي ما ركب فإن لم يقدر فإنه يلزمه الهدي "فيمشي أماكن ركوبه" ويركب التي مشى إذا علم ما ركب فيه وما مشى ويهدي لتفرقة المشي بدنة فإن لم يجدها فبقرة فإن لم يجدها فشاة وإن لم يعلم ما مشى وما ركب فإنه يمشي الطريق كله "فإن علم" هذا مقابل قوله: إن قدر عليه أي ظن "أنه لا يقدر" على المشي "قعد وأهدى" ولا يلزمه الرجوع مرة
стр. 453
وقال عطاء لا يرجع ثانية وإن قدر ويجزئه الهدي وإذا كان صرورة جعل ذلك في عمرة فإذا طاف وسعى وقصر أحرم من مكة بفريضة وكان متمتعا والحلاق في غير هذا أفضل وإنما يستحب له التقصير في هذا استبقاء للشعث في الحج ومن نذر مشيا إلى المدينة أو إلى بيت المقدس أتاهما راكبا
ــ
ثانية "وقال عطاء" أي ابن أبي رباح من المجتهدين "لا يرجع" مرة "ثانية وإن قدر" على المشي ثانيا "ويجزئه الهدي" هذا خلاف المذهب أدى إليه اجتهاده وما ذكر من التخيير المتقدم إذا كان غير صرورة "و" أما "إذا كان صرورة" بالصاد المهملة وهو من لم يحج قط إذا حلف بالمشي إلى مكة وحنث أو نذر "جعل ذلك" المشي "في عمرة" وجوبا على ما في المختصر إذا لم تكن له نية أما إذا كان له نية مشى فيما نوى "فإذا طاف وسعى وقصر أحرم" من الحل استحبابا فإن لم يحرم منه أحرم "من مكة" ويستحب له أن يحرم من المسجد أي من جوفه على مذهب المدونة أو بابه على قول ابن حبيب "بفريضة" وهي حجة الإسلام "وكان متمتعا" إذا صادفت عمرته أو بعضها أشهر الحج "والحلاق في غير هذا" التمتع "أفضل" من التقصير "وإنما يستحب له التقصير في هذا" التمتع "استبقاء للشعث في الحج ومن نذر مشيا إلى المدينة" المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة وأكمل السلام "أو إلى بيت المقدس" مثل أن يقول لله علي أن أمشي إلى مدينة النبي ﷺ أو أمشي إلى بيت المقدس وكذا إذا حلف بالمشي إليهما "أتاهما راكبا" إن شاء أو ماشيا على المشهور وقال ابن وهب
стр. 454
إن نوى الصلاة بمسجديهما وإلا فلا شيء عليه وأما غير هذه الثلاثة مساجد فلا يأتيها ماشيا ولا راكبا لصلاة نذرها وليصل بموضعه ومن نذر رباطا بموضع من الثغور فذلك عليه أن يأتيه.
ــ
يلزمه الإتيان إليهما ماشيا واستحسنه اللخمي والمازري وغيرهما لأنها طاعة يجب الوفاء بها ولا يلزمه الإتيان إليهما إلا "إن نوى الصلاة" المفروضة وقيل والنافلة "بمسجديهما" ومثل الصلاة الصوم والاعتكاف "وإلا" أي وإن لم ينو الصلاة فيهما "فلا شيء عليه" لأن مجرد المشي ليس بعبادة "وأما غير هذه الثلاثة مساجد" المفهومة من السياق "فلا يأتيها" من نذر المشي إليها "ماشيا ولا راكبا" قربت داره أو بعدت "لـ" أجل "صلاة نذرها" أي يصليها فيها "وليصلـ" ـها "بموضعه" لما في مسلم من قوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى" وهذا الحديث مخصص لحديث: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" "ومن نذر رباطا بموضع من الثغور" ولو كان من أهل مكة والمدينة "فذلك" المنذور واجب عليه "أن يأتيه" لأن الرباط قربة ومن التزم قربة لزمته بلا خلاف
стр. 455
باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع
ــ
"باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع" هذه ثمانية أشياء أولها هو الأصل والباقي توابع
стр. 456
ولا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل
ــ
له ولكل منها معنى لغة واصطلاحا تذكر في موضعها إن شاء الله تعالى أما النكاح لغة فهو حقيقة في الوطء مجاز في العقد من استعمال اسم المسبب في السبب واصطلاحا حقيقة في العقد مجاز في الوطء من استعمال اسم السبب في المسبب ويترتب على كونه مجازا في الوطء لا حقيقة أن من زنى بامرأة لا يحرم عليه بنتها ولا أمها وقد يستعمل عرفا مرادا به الوطء كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ فيفيد هذا أن الوطء يسند لكل من الرجل والمرأة بأن يقال نكحت المرأة الرجل أي وطئته كما يقال نكح الرجل امرأته أي وطئها إلا أنه ينافيه قول المصباح وطئته برجلي أطؤه وطأ علوته إلى أن قال وطىء زوجته وطأ جامعها لأنه استعلى عليها والنكاح بمعنى الوطء لا يجوز في الشرع إلا بأحد أمرين عقد نكاح أو ملك يمين لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ والأول له أركان أربعة الولي والمحل والصيغة والصداق المفروض ولو حكما وبدأ في ذكر الأركان بالولي اهتماما به فقال: "ولا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل" أي ولا عقد نكاح إلا بولي وهو كما قال ابن عرفة من له على المرأة ملك أو أبوة أو تعصيب أو إيصاء أو كفالة أو سلطنة أو ذو إسلام ويشترط فيه الإسلام والحرية والبلوغ والعقل والذكورية ولا تشترط العدالة على المشهور في صحة العقد بل في كماله ولا الرشد فيعقد السفيه لابنته بإذن وليه عند ابن القاسم وهو شرط صحة لا يصح العقد بدونه لقوله ﷺ : "لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" رواه الدارقطني وقال حسن صحيح فإن وقع بغير ولي فسخ قبل البناء وبعده وإن ولدت الأولاد وهل الفسخ بطلاق أو بغيره روايتان
стр. 457
فإن لم يشهدا في العقد فلا يبني بها حتى يشهدا وأقل الصداق
ــ
وأما الصداق فشرط صحة في الدخول أيضا لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ أي هبة من الله للنساء وأما الإشهاد فشرط صحة في الدخول لا في صحة العقد ويشترط في شاهدي النكاح العدالة لما رواه ابن حبان في صحيحه من قوله ﵊: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل الحديث فإن لم توجد العدول استكثروا من الشهود كالثلاثين والأربعين ومن شروط صحة العقد الصيغة من الولي والزوج أو وكيله فمن الولي بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد في حال الحياة كأنكحتك أو زوجتك ومن الزوج ما يدل على الرضا كقبلت أو رضيت ولا يشترط الترتيب بل هو مندوب فلو بدأ الزوج بأن قال زوجني فيقول الولي زوجتك لصح نعم يشترط الفور بين القبول والإيجاب ولا يضر التفريق اليسير بخلاف الكثير إلا في صورة واحدة وهي ما إذا كان رجل مريضا وقال إن مت من مرضي هذا فقد زوجت ابنتي من فلان ومات بعد شهر مثلا وقبل الزوج بعد موته فإنه يصح.
تنبيه: يلزم النكاح بمجرد القبول والإيجاب ولو قال الأول بعد رضا الآخر لا أرضى أنا كنت هازلا لأن النكاح جد ولو قامت قرينة من الجانبين على إرادة الهزل "فإن لم يشهدا" أي الولي والزوج "في العقد فلا يبني بها حتى يشهدا" وفي نسخة حتى يشهد بالإفراد أي الزوج فلو دخل من غير إشهاد فسخ بطلقة بائنة ويحدان إن لم يفش ولم يعذرا بجهل وأقرا بالوطء أما إن فشا فلا يحدان وإن كانا عالمين والفشو بالوليمة والدف والشاهد الواحد "وأقل الصداق" بفتح الصاد وكسرها أي أقل ما يصح به العقد إما "ربع دينار" من الذهب الخالص وهو وزن ثمان عشرة
стр. 458
ربع دينار وللأب إنكاح ابنته البكر بغير إذنها وإن بلغت وإن شاء شاورها وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن وإذنها صماتها
ــ
حبة من الشعير الوسط وإما ثلاثة دراهم من خالص الفضة كل درهم خمسون حبة وخمسا حبة وإما قيمة أحدهما من العروض ولا حد لأكثره لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ "وللأب إنكاح" أي جبر "ابنته البكر" على النكاح ممن شاء بما شاء ولو كان أقل من صداق المثل فله أن يزوجها بربع دينار وإن كان صداق مثلها ألفا ولا كلام لها ولا لغيرها "بغير إذنها وإن بلغت" ولو عانسا وهي التي طال مكثها في بيت أهلها بعد بلوغها واختلف في حد التعنيس فقيل ثلاثون سنة وقيل أربعون وقيل غير ذلك "وإن شاء شاورها" التخيير من غير أرجحية على حسب ظاهره والذي في الجواهر وغيرها يستحب له استئذانها "وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن وإذنها صماتها" قال في المدونة لا تزوج اليتيمة التي يولى عليها حتى تبلغ وتأذن قال ابن ناجي إلا أن يكون نص الأب في الوصية على الإجبار فينزل منزلته ونص في المختصر على أن الوصي ووصيه ينزل منزلة الأب في الإجبار بشرطين على سبيل البدل أحدهما أن يعين له الزوج والآخر أن يأمره الأب بإجبار وهذا الثاني نص عليه الشيخ بعد قوله ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها فعلى هذا يحمل قول الشيخ هنا حتى تبلغ على ما إذا لم يأمره الأب بالإنكاح وما ذكره في غير الوصي كالجد والأخ هو المعروف من المذهب وقيل له جبرها إن كانت مميزة وخيف فسادها مع بلوغ سنها عشر سنين مع مشورة القاضي المراد أن
стр. 459
ولا يزوج الثيب أب ولا غيره إلا برضاها وتأذن بالقول ولا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها كالرجل من عشيرتها أو السلطان
ــ
يثبت عند القاضي موجبات التزويج من خوف فسادها بزنى أو ضيعة لفقر وكونها بلغت عشر سنين فأكثر "ولا يزوج الثيب" البالغة العاقلة الحرة التي لم تزل بكارتها بعارض أو بزنى رشيدة كانت أو سفيهة "أب ولا غيره إلا برضاها وتأذن بالقول" وقيدنا بالبالغة احترازا من الصغيرة التي ثيبت قبل البلوغ فلا يتوقف تزويجها على رضاها بل حكمها حكم المجبرة وبالعاقلة احترازا عن المجنونة أي عن الثيب البالغ المجنونة فإن الأب يجبرها ولو كان لها أولاد وكذا الحاكم يجبر المجنونة البالغة إذا لم يكن هناك أب وبالحرة احترازا من الأمة فإن للسيد جبرها اتفاقا وبالتي لم تزل بكارتها الخ مما أزيلت بكارتها بعارض فإن للأب جبرها اتفاقا ومن أزيلت بكارتها بزنى فكذلك على ما في المدونة وما ذكر من أنها تأذن بالقول فهو كذلك لما رواه مالك والشافعي ومسلم أنه ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها" والمراد بالأيم الثيب والفرق بين البكر والثيب أن الحياء قائم في البكر والثيب قد زال منها ذلك أي لم يوجد بتمامه نقل عن ابن القصار أن الحياء عشرة أجزاء تسعة في النساء وجزء في الرجال فإذا تزوجت المرأة ذهب ثلثه فإذا ولدت ذهب ثلثاه فإذا زنت ذهب كله "ولا تنكح المرأة" ذات الحال "إلا بإذن وليها" أو وكيله لما تقدم أن الولي شرط في صحة العقد ولا خلاف في ذلك عندنا "أو" بإذن "ذي الرأي من أهلها كالرجل من عشيرتها أو السلطان" وذو الرأي من
стр. 460
وقد اختلف في الدنية أن تولي أجنبيا والابن أولى من الأب والأب أولى من الأخ ومن قرب من العصبة أحق
ــ
اجتمعت فيه شروط الولاية وشروطها الذكورة والحرية والعقل والبلوغ وعدم الإحرام وعدم الكفر في المسلمة وقوله كالرجل من عشيرتها تفسير لذي الرأي وقوله أو السلطان معطوف على ذي الرأي فأو للترتيب وإنما قيدنا المرأة في كلامه بذات الحال لقوله: "وقد اختلف في الدنية" وهي التي لا يرغب فيها لكونها ليست ذات جمال ولا مال ولا حال فمتى اتصفت بجمال أو مال أو حال تكون شريفة والحال ما يعد مفخرة كالنسب والحسب ككرم الآباء هل لها "أن تولي أجنبيا" وهو من له ولاية الإسلام فقط أي فلم يكن وليا ولا ذا رأي من أهلها ولا مولى ولا سلطانا مع وجود الولي الخاص فقال ابن القاسم يجوز لها أن توليه ابتداء مع وجود القريب وقال أشهب لا يجوز ذلك إلا لعدم القريب فالشيخان متفقان على الصحة وإنما الخلاف بينهما في الجواز ابتداء هذا ما أفاده بعضهم وأفاد التتائي خلاف ذلك وأن الخلاف بينهما إنما هو بالصحة وعدمها فابن القاسم يقول بالصحة أي مع الكراهة وهو المعتمد وأشهب يقول بعدمها ثم انتقل يتكلم على مراتب الأولياء بالنسبة للثيب فقال: "والابن أولى" بتزويج أمه "من الأب" أي من أبيها لأنه أقوى العصبة بدليل أنه أحق بموالي مواليها من الأب فلو كانت المرأة أعتقت عبدا والعبد أعتق عبدا فالعبد الثاني مولى لمولاها الذي هو العبد الأول الذي باشرت عتقه فالأحق بذلك الذي جعل مولى لمولاها ابنها لا أبوها وأحق بالصلاة عليها منه "والأب أولى" بنكاح ابنته "من الأخ" الشقيق أو لأب لأن الأخ يدلي بالأب والأب يحجبه عن الميراث والحاجب أولى من المحجوب ولو اقتصر على قوله: "ومن قرب من العصبة" فهو "أحق".
следующие страницы →