← Фикх малики

Фикх малики · id 7441

الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني

صالح بن عبد السميع الأزهري

Полный текст (751 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والبيت على يساره سبعة أطواف ثلاثة خببا ثم أربعة مشيا ــ على المشهور ويباح فيه الكلام لما صح من قوله ﷺ : "الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير". والثاني: أن يكون الطواف داخل المسجد. والثالث: جعل البيت على يساره وإليه أشار بقوله: "والبيت" الشريف "على يساره" فلو جعله على يمينه لم يصح طوافه ولزمته الإعادة وينبغي أن يحتاط عند ابتداء الطواف فيقف قبل الركن بقليل بحيث يكون الحجر عن يمين موقفه كذا في الفاكهاني والموافق عن يسار موقفه ليستوعب جملته بذلك لأنه إن لم يستوعب الحجر لم يعتد بالشوط الأول فليتنبه لذلك فإن كثيرا ما يقع فيه الجهال ويكون في طوافه خارجا عن البيت فعلى من قبل الحجر الأسود أن لا يمشي إلا بعد أن ينتصب قائما كما كان ولا يجوز له أن يقبله ثم يمشي وهو مطأطئ رأسه أو يده لئلا يحصل بعض الطواف وليس جميع بدنه خارجا عن البيت لأنه يكون بعض البدن على الشاذروان وهو من البيت فلا يصح طوافه. والرابع: أن يطوف "سبعة أطواف" جمع طوف وهو الشوط وابتداؤه من الحجر إلى الحجر أي الحجر الأسود فلو ابتدأ من الركن اليماني أتم إليه وعليه دم. الخامس: الموالاة فلو نسي شوطا وذكر بالقرب ولم ينتقض وضوءه عاد إليه بالقرب كما يرجع إلى الصلاة وإن طال بطل الطواف قياسا على الصلاة. السادس: أن يركع ركعتين عقبه. وأما سننه فأربعة: أحدها: الرمل بفتح الراء وإليه أشار بقوله: "ثلاثة خببا" الخبب الرمل وهو الهرولة فوق المشي دون الجري وهو سنة الرجل لا المرأة ولو مريضا ولا دم في تركه ولو مع القدرة "ثم أربعة مشيا" ودليل هذا كله فعله ﵊. ثانيها: الدعاء وهو غير محدود. ثالثها: استلام الحجر.

стр. 387

ويستلم كلما مر به كما ذكرنا ويكبر ولا يستلم الركن اليماني بفيه ولكن بيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين ثم استلم ــ الأسود أول الطواف كما تقدم. رابعها: استلام الركن اليماني أول شوط. وأما مستحباته فأربعة: الأول: استلام الحجر الأسود في أول كل شوط ما عدا الأول وإليه أشار بقوله: "ويستلم الركن" يعني الحجر الأسود "كلما مر به كما ذكرنا" أولا وهو أن يستلمه بفيه إن قدر وإلا وضع يده عليه ثم يضعها على فيه من غير تقبيل وظاهر قوله: "ويكبر" أنه يجمع بين الاستلام والتكبير وظاهر المدونة خلافه لكن الراجح الجمع بينهما. الثاني استلام الركن اليماني في أول كل شوط غير الأول وإليه وإلى صفة استلامه أشار بقوله: "ولا يستلم" الركن "اليماني بفيه ولكن بيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل" ونحوه في المدونة. الثالث: الدنو من البيت للرجال دون النساء. الرابع: الدعاء بالملتزم بعد الفراغ من الطواف والملتزم ما بين الركن والباب فيعتنقه ويلح في الدعاء "فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين" اشتمل كلامه على واجب ومستحبين فالواجب فعل ركعتين بعد الطواف على المذهب والمستحبان كونهما عند المقام واتصالهما بالطواف ومفاده أنه ليس في ترك الاتصال دم مطلقا وليس كذلك بل الدم في بعض الأحوال فحينئذ ليس الاستحباب مطلقا بل في البعض والوجوب في البعض الآخر الذي يترتب فيه الدم وحاصل القول أن من لم يفعل الركعتين حتى تباعد أو رجع لبلده فإنه يفعلهما مطلقا ثم إن كانتا من طواف واجب فعليه الدم وإن كانتا من غيره لم يجب عليه دم وإن لم يتباعد ولا

стр. 388

الحجر إن قدر ثم يخرج إلى الصفا فيقف عليه للدعاء ثم يسعى إلى المروة ويخب في بطن المسيل فإذا أتى المروة وقف عليها للدعاء ثم يسعى إلى الصفا يفعل ذلك سبع ــ رجع لبلده فإن لم تنتقض طهارته أتى بالركعتين فقط مطلقا وإن انتقضت طهارته عمدا فيأتي بالطواف والركعتين ولو كانتا من غير فرض ويعيد السعي إن كان فعله وإن لم يتعمد نقض طهارته ففي الفرض يعيد الطواف والركعتين والسعي وفي غيره يعيدهما وهل يعيد الطواف أو لا الظاهر ترجيح الثاني ولا يستلم اليماني ويستحب بعد استلام الحجر الأسود أن يمر بزمزم فيشرب منها "ثم يخرج إلى الصفا" صرح الأقفهسي وابن عمر باستحباب الخروج من باب الصفا لكونه أقرب إلى الصفا ونقل زروق عن ابن حبيب أن النبي ﷺ خرج منه "فيقف عليه لـ" أجل "الدعاء ثم" إذا فرغ من الدعاء نزل منه فـ "يسعى" أي يمشي "إلى المروة" قال في المصباح المرو الحجارة البيض الواحدة مروة وسمي بالواحدة الجبل المعروف بمكة "و" الحال أنه "يخب" أي يسرع في مشيه وهذا سنة الرجل دون المرأة "في بطن السيل" خاصة في المرور إلى المروة والمسيل ما بين الميلين الأخضرين هما اللذان في جدار المسجد الحرام على يسار الذاهب إلى المروة أولهما في ركن المسجد تحت منارة علي والثاني بعده قبالة رباط العباس فإذا أتى المروة "وقف عليها لـ" أجل "الدعاء" والدعاء عليها وعلى الصفا غير محدود والوقوف عليهما سنة "ثم" بعد فراغه من الدعاء على المروة "يسعى" أي يمشي "إلى الصفا يفعل ذلك" أي ما ذكر من الوقوف على الصفا والمروة والدعاء عليهما والخبب في بطن المسيل "سبع

стр. 389

مرات فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا وأربعا على المروة ثم يخرج يوم التروية إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر ــ مرات" فيتحصل مما ذكرنا أنه "يقف لذلك أربع وقفات على الصفا وأربعا على المروة" وهذا السعي ركن من أركان الحج والعمرة التي لا بد منها لا يجزىء في تركه هدي ولا غيره دل على فرضيته الكتاب والسنة وله شروط وسنن ومستحبات أما شرائطه فأربعة الأول الترتيب وهو أن يأتي بالسعي بعد الطواف فلو بدأ بالسعي رجع فطاف وسعى الثاني الموالاة فإن جلس وطال وصار كالتارك ابتدأ السعي وإن كان شيئا خفيفا لم يضر وإن أصابه حقن أي حبس بول توضأ وبنى والكلام فيه أخف من الكلام في الطواف أي لا ينبغي له الكلام إلا أنه أخف الثالث إكمال العدد وإليه أشار بقوله سبع مرات فمن ترك شوطا من حج أو عمرة سواء كانا صحيحين أو فاسدين فليرجع لذلك من بلده ومن ترك من السعي ذراعا لم يجزه الرابع أن يتقدمه طواف صحيح ولا يشترط فيه أن يكون واجبا بل يكفي أي طواف كان على ما صدر به ابن الحاجب وفهمه خليل من المدونة وهو الراجح وقال زروق المشهور اشتراط كونه واجبا كطواف الإفاضة والقدوم "ثم" بعد فراغه من السعي إذا قرب وقت الوقوف فإنه "يخرج يوم التروية إلى منى" سميت بذلك لأن إبراهيم ﵊ تمنى فيها كشف ما نزل به من الأمر بذبح ولده وقيل لأن الدماء تمنى أي تراق فيها بينها وبين مكة ستة أميال ويستحب أن يكون خروجه إليها بقدر ما إذا وصل إليها حانت الصلاة "فيصلي بها الظهر والعصر

стр. 390

والمغرب والعشاء والصبح ثم يمضي إلى عرفات ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها وليتطهر قبل رواحه فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام ــ و" يستحب أيضا أن يبيت بها فيصلي بها "المغرب والعشاء" والأصل في هذا فعله ﵊ فقد روى أحمد أنه ﷺ صلى بمنى خمس صلوات الظهر والصبح وما بينهما ومن ترك المبيت بها كره له ذلك ولا دم عليه "ثم" إذا صلى الصبح من اليوم التاسع بمنى يستحب له أن لا يخرج منها إلا بعد طلوع الشمس فـ "يمضي إلى عرفات" وهو موضع الوقوف فإذا وصل إلى عرفة فالمستحب أن ينزل بنمرة وهو من آخر الحرم وأول الحل "ولا يدع التلبية في هذا كله" أي ما ذكر من الخروج بعد طلوع الشمس الخ "حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها" وهو مسجد نمرة "وليتطهر" أي يغتسل بعد الزوال "قبل رواحه إلى المصلى" ولا يتدلك في هذا الغسل دلكا بالغا بل بإمرار اليد فقط وهذا آخر اغتسالات الحج الثلاثة وقد تقدم بيان حكمه وهو للوقوف لا للصلاة فتخاطب به الحائض والنفساء "فـ" إذا وصل إلى المصلى "يجمع بين الظهر والعصر مع الإمام" جمعا وقصرا زاد في المدونة بأذانين وإقامتين والقراءة في ذلك سرا لا جهرا ولو وافقت جمعة لأنه يصلي ظهرا لا جمعة ومن فاته الجمع مع الإمام جمع في رحله وما ذكر من القصر فهو في حق غير أهل عرفة أما هم فيتمون والضابط أن أهل كل مكان يتمون فيه ويقصرون فيما سواه والقصر بعرفة إنما هو للسنة وإلا فهو ليس بمسافة قصر في حق المكي وأهل

стр. 391

ثم يروح معه إلى موقف عرفة فيقف معه إلى غروب الشمس ثم يدفع بدفعه ــ المزدلفة ونحوهم "ثم" بعد الفراغ من الصلاة مع الإمام "يروح معه إلى موقف عرفة" أخذ من كلامه أن موقف عرفة غير مصلاها ويصح الوقف في كل جزء منها إلا أنه يستحب الوقوف عند الصخرات العظام المفروشة في أسفل جبل الرحمة وهو الجبل الذي بوسط عرفة لأنه الذي وقف فيه ﷺ ويؤخذ منه أيضا أن أول الوقوف بعد الزوال وظاهر قوله: "فيقف معه" أي مع الإمام "إلى غروب الشمس" على ما قاله الفاكهاني وغيره أنه لا يؤخذ جزء من الليل والمذهب أنه لا بد من جزء من الليل قال ابن الحاجب والفرض من الوقوف الركن أدنى حضور جزء من الليل وجزء من عرفة حيث شاء سوى بطن عرنة بضم العين والراء وحاصل الفقه أن الوقوف بعرفة بعد الزوال واجب ينجبر بالدم والوقوف الركني الوقوف بها جزءا من الليل بعد الغروب والتعبير بالوقوف بيان للوجه الأكمل فلا ينافي أنه إذا مر بعرفة ليلا ولم يقف فيها يجزئه بشرطين أن يكون عالما بأن هذا المحل عرفة وأن ينوي الحضور بعرفة لا المار الجاهل بأن هذا المحل عرفة ويلزم المار على هذا الوجه المجزىء الدم لوجوب الطمأنينة بعرفة ويستحب الوقوف راكبا لفعله ﵊ ويستحب التسبيح والتحميد والتهليل والصلاة على سيدنا محمد ﷺ والدعاء للنفس وللوالدين ويستحب الفطر ليقوى على العبادة "ثم" بعد غروب الشمس من يوم عرفة وتمكن الليل "يدفع بدفعه" أي بدفع الإمام إلى المزدلفة فإن دفع قبل دفعه بعد غروب الشمس كان تاركا للأفضل فإذا وصل إليها فليكن أول اهتمامه إقامة الصلاة بعد حط ما خف

стр. 392

إلى المزدلفة فيصلي معه بالمزدلفة المغرب والعشاء والصبح ثم يقف معه بالمشعر الحرام يومئذ بها ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى ويحرك دابته ببطن ــ من رحله "فيصلي معه" أي مع الإمام "بمزدلفة المغرب والعشاء" جمعا وقصرا للعشاء لغير أهل مزدلفة والمذهب أن هذا الجمع سنة "و" إذا طلع الفجر استحب له أن يصلي مع الإمام "الصبح" أول الوقت أخذ من هذا أنه يطلب منه البيات بالمزدلفة على جهة الاستحباب كما نص عليه في المختصر وأما النزول فهو واجب ولا يكفي فيه إناخة البعير بل لا بد من حط الرحال قال الحطاب وهذا ظاهر إذا لم يحصل لبث أما إن حصل لبث ولو لم يحط الرحال بالفعل فالظاهر أنه كاف ومن ترك النزول من غير عذر حتى طلع الفجر لزمه دم ومن تركه لعذر فلا شيء عليه "ثم" بعد ذلك يستحب له على المشهور أن "يقف معه بالمشعر الحرام" ويجعل وجهه أمام البيت والمشعر جبل بالمزدلفة سمي بذلك لأن الجاهلية كانت تشعر هداياها فيه يومئذ أي يوم النحر المستفاد بطريق اللزوم لأنه لم يتقدم ذكر ليوم النحر والعامل في قوله: "يومئذ" ليصلي الصبح المقدر أو ليقف وقوله: "بها" أي بالمزدلفة أطلق اليوم على بعضه وهو من صلاة الصبح إلى قرب طلوع الشمس يدل عليه قوله: "ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى" ظاهره كالمختصر جواز التمادي بالوقوف بالمشعر إلى الإسفار والذي في المدونة لا يقف أحد بالمشعر الحرام إلى طلوع الشمس أو الإسفار ولكن يدفع قبل ذلك وفي الصحيح ما يدل للأول ففيه أنه ﷺ أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره ووحده وهلله ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا "و" الدافع إلى منى إن كان راكبا "يحرك دابته" على جهة الاستحباب "ببطن

стр. 393

محسر فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف ويكبر مع كل حصاة ــ محسر" بكسر السين المهملة وهو واد بين مزدلفة ومنى والطريق في وسطه وإن كان ماشيا أسرع الرجل ولا تسرع المرأة وهذا الإسراع تعبدي "فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة" يعني بدأ برميها أول ما يأتي منى وهو على حالته التي هو عليها من ركوب أو غيره وهي آخر منى من ناحية مكة سميت جمرة باسم ما يرمى فيها وهي الحجارة وللرمي وقت أداء وهو من طلوع الفجر إلى غروب شمس يوم النحر ووقت قضاء وهو كل يوم من أيام الرمي بل الليل عقب كل يوم قضاء لذلك اليوم ولا خلاف في وجوب الدم مع الفوات والفوات يكون بغروب الشمس من اليوم الرابع من أيام منى واختلف في وجوبه وسقوطه مع القضاء ولا يبطل الحج بفوات شيء من الجمار وللرمي شروط صحة فمن شروط الصحة أن يجعل الحصاة بين إبهامه وسبابته وقيل يمسكها بإبهامه والوسطى ومنها ما أشار إليه الشيخ "بسبع حصيات" واحدة بعد واحدة فلا يجزئ أقل من ذلك ولو رمى السبع في مرة واحدة احتسب منها بواحدة منها أن يكون المرمي به حجرا ونحوه فلا يجزىء الطين ولا المعادن كالحديد واختلف في مقدار المرمي به فالذي عليه أكثر الشيوخ ما أشار إليه بقوله: "مثل حصى الخذف" بخاء وذال ساكنة معجمتين وفاء ومقدار حصى الخذف قيل قدر النواة وقيل قدر الفولة فلا يجزىء الصغير جدا كالحمصة "ويكبر مع كل حصاة" أي على جهة الاستحباب فإن لم يكبر أجزأه الرمي وأن يتابع الرمي وأن يلتقط الحصيات ويكره له أن يأخذ حجرا ويكسره ويأخذ الحصيات بل المندوب أن يلتقطها من الأرض وأن تكون طاهرة فيكره الرمي بالنجس وأن تكون

стр. 394

ثم ينحر إن كان معه هدي ثم يحلق ثم يأتي البيت فيفيض ويطوف سبعا ويركع ثم يقيم بمنى ثلاثة أيام ــ من غير ما رمى به أولا وأن يكون رميها من بطن الوادي وبرمي جمرة العقبة يحل من كل شيء ما عدا النساء والصيد ويسمى التحلل الأصغر وبطواف الإفاضة يحل له كل شيء حتى النساء والصيد ويسمى التحلل الأكبر "ثم" بعد فراغه من رمي جمرة العقبة "ينحر" ما ينحر ويذبح ما يذبح "إن كان معه هدي" وقف به في عرفة ومنى كلها محل للنحر إلا ما وراء جمرة العقبة ولا ينتظر الإمام في ذلك إذ ليس هناك صلاة عيد "ثم" إذا فرغ من النحر "يحلق" أو يقصر إن كان رجلا لم يلبد رأسه ولم يعقصه أما إن لبد أو عقص فالحلاق ليس إلا أي يجب فيهما الحلاق ولا بد من حلق الرأس كله فبعضه كالعدم ومن برأسه وجع لا يقدر على الحلاق أهدى وأما المرأة فالسنة في حقها التقصير ليس إلا "ثم" بعد الحلاق "يأتي البيت" الحرام "فيفيض" أي يطوف طواف الإفاضة وهو آخر أركان الحج الأربعة التي لا تنجبر بالدم ويحل به جميع ما كان ممنوعا منه حتى النساء والصيد وأخذ من كلام الشيخ أن المبادرة به يوم النحر أفضل وهو كذلك ولو أخره عن أيام التشريق لا يلزمه دم وإنما يلزمه الدم إذا تركه حتى خرج ذو الحجة على المشهور ومقابله إذا أخره لحادي عشره لزمه الدم وقوله: "ويطوف سبعا ويركع" تفسير لقوله فيفيض ولا يرمل في هذا الطواف ولا يسعى لأنه سعى بعد طواف القدوم وهذا في حق غير المراهق وأما المراهق الذي ضاق عليه الزمن فلم يتيسر له طواف القدوم فيرمل في طواف الإفاضة ندبا "ثم" بعد الفراغ من طواف الإفاضة وركعتيه "يقيم بمنى ثلاثة أيام" بلياليها إن كان غير متعجل فلو ترك جل لياليها لزمه دم والإقامة

стр. 395

فإذا زالت الشمس من كل يوم منها رمى الجمرة التي تلي منى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يرمي الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك ويكبر مع كل حصاة ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية ولا يقف عند جمرة العقبة ولينصرف ــ هنا لغوية فيقصر الصلاة لا شرعية إذ لو كانت شرعية لتم ولا يجوز المبيت دون جمرة العقبة لأنه ليس من منى واستثنوا من لزوم البيات بمنى من ولي السقاية لأنه ﵊ أرخص للعباس البيات بمكة من أجل السقاية قال ابن حبيب وأرخص للرعاة أن ينصرفوا بعد جمرة العقبة يوم النحر ويأتون ثالثه فيرمون لليومين أي ثاني النحر وثالثه ثم إن شاؤوا تعجلوا فسقط عنهم رمي الرابع وإن شاؤوا أقاموا اليوم الرابع فيرمونه مع الناس وأما أهل السقاية فيرمون كل يوم وإنما يرخص لهم في ترك البيات بمنى لا في ترك الرمي نهارا فيبيتون بمكة ويرمون الجمار نهارا ويعودون لمكة كما في الطراز "فإذا زالت الشمس من كل يوم منها" أي من الأيام الثلاثة "رمى الجمرة" الأولى "التي تلي مسجد منى بسبع حصيات" بالشروط المتقدمة "يكبر مع كل حصاة ثم يرمي بعدها الجمرتين" فيبدأ بالوسطى ثم يختم بالثالثة وهي جمرة العقبة "كل جمرة بمثل ذلك" أي بسبع حصيات مثل حصى الخذف "ويكبر مع كل حصاة ويقف للدعاء بأثر الرمي في الجمرة الأولى" التي تلي مسجد منى "و" في الجمرة "الثانية" وهي الوسطى قال الأقفهسي قوله فإذا زالت يريد قبل الصلاة فإن رمى قبل الزوال لم يجزه ويعيد بعد الزوال كما إذا رمى جمرة العقبة قبل الفجر "ولا يقف" للدعاء "عند جمرة العقبة ولينصرف" أمامه أي سريعا عقب

стр. 396

فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة وقد تم حجه وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع ــ رميها من غير دعاء "فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف" من منى "إلى مكة" شرفها الله تعالى قال ابن عمر ولا يقيم بمنى بعد رميه في اليوم الثالث والمستحب أن ينزل بالمحصب فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويدخل مكة ليلا لفعله ذلك ﵊ وكذا الصحابة بعده رضوان الله عليهم أجمعين وإن صلى الظهر قبله فلا شيء عليه كما أنه لو ترك النزول به لا دم عليه وفي قوله: "وقد تم حجه" شيء وهو أن يقال ماذا أراد بالتمام فإن أراد بسننه وفرائضه وفضائله فقد بقي عليه طواف الوداع وإن أراد الفرائض فقد تمت قبل هذا فالجواب أنه أراد تم بفرائضه وسننه ولم يعتبر طواف الوداع لأنه لا يختص بالحاج بل يفعله كل من خرج من مكة حاجا أو غيره وقوله: "وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف" قسيم قوله يقيم بمنى ثلاثة أيام هذا ما لم تغرب الشمس من اليوم الثاني فإذا غربت فلا تعجيل لأن الليلة إنما أمر بالمقام فيها من أجل رمي النهار فإذا غربت الشمس فكأنه التزم رمي اليوم الثالث "فإذا خرج من مكة" أي أراد الخروج منها "طاف للوداع" بكسر الواو وفتحها وحكم هذا الطواف الاستحباب فلا دم في تركه "و" إذا فرغ منه "ركع" قال ابن فرحون لطواف الوداع ركعتان إن تركهما حتى تباعد

стр. 397

وانصرف والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة ثم يحلق رأسه وقد تمت عمرته والحلاق أفضل في الحج والعمرة والتقصير يجزئ وليقصر من جميع شعره وسنة المرأة التقصير ــ أو بلغ بلده ركعهما ولا شيء عليه وإن قرب وهو على طهارته رجع لهما وإن انتقض وضوءه تطهر وابتدأ الطواف وركعهما "وانصرف والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة" أخذ منه أن أركانها ثلاثة الإحرام والطواف والسعي ولها ميقاتان زماني ومكاني فالزماني الوقت كله والمكاني هو الحل سواء كان آفاقيا أو مقيما بمكة وظاهر قوله: "ثم يحلق رأسه وقد تمت عمرته" أن العمرة لا تتم حتى يحلق رأسه وليس كذلك لأن مالكا قال تتم عمرته بالطواف والسعي وأما الحلاق فمن شروط الكمال أي ليس شرط صحة فلا ينافي أنه واجب ويمكن الجواب بأن المراد بتمام العمرة كمالها فلا ينافي تمامها بالفراغ من طوافها وسعيها وقوله: "والحلاق أفضل في الحج والعمرة" من التقصير ليس على إطلاقه فإن التقصير في عمرة التمتع أفضل لاستبقاء الشعث للحج قاله زروق ولا يتم نسك الحلاق إلا بجميع الرأس لفعله ﷺ "والتقصير يجزىء" عن الحلاق "و" المقصر إن كان رجلا فـ "ليقصر من جميع شعره" قال ابن الحاجب وسنته أي التقصير من الرجل أن يجز من قرب أصوله أي الصفة الكاملة أي المندوبة أن يجز الخ وأقله أن يأخذ من جميع الشعر أي الذي لا يجزئ بدونه أن يأخذ من جميع الشعر ولو قدر الأنملة فإن اقتصر على بعضه فكالعدم "وسنة المرأة التقصير" أي الطريقة المتعينة في حقها

стр. 398

ولا بأس أن يقتل المحرم الفأرة والحية والعقرب وشبهها والكلب العقور وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها ويقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغربان والأحدية فقط ويجتنب في حجه وعمرته النساء ــ التقصير ويكره لها الحلاق وقيل هو حرام لأنه مثلة وعليه اقتصر في التحقيق فيفيد اعتماده والأصل في ذلك ما رواه أبو داود من قوله ﷺ : "ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير" ثم انتقل يتكلم على ما يجوز للمحرم قتله فقال: "ولا بأس" أي يجوز جوازا مستوي الطرفين "أن يقتل المحرم الفأرة" بالهمز وبدون همز والتاء فيه للوحدة لا للتأنيث "و" يجوز أيضا أن يقتل "الحية والعقرب وشبهها" أي شبه الفأرة "والحية والعقرب فشبه الفأرة ما يقرض الثياب كابن عرس وشبه الحية الأفعى والثعبان وشبه العقرب الزنبور "والكلب العقور" المراد به كل ما يعدو فيدخل فيه السبع والكلب والنمر قاله الفاكهاني فعلى هذا يكون قول الشيخ "وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها" تكرارا وانظر لم خالف الأسلوب بين ما تقدم وقوله: "ويقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغربان والأحدية" حيث قال أولا ولا بأس الخ ثم قال هنا ويقتل الخ وقوله والأحدية قال ابن العربي صوابه الحدأ بالهمز والقصر وظاهر كلامه أن هذين النوعين يقتلان وإن لم يبتدئا بالأذية كبيرا كان أو صغيرا وهو كذلك ومفهوم قوله: "فقط" إن ما آذى من الطير غيرهما وما آذى من غير الطير لا يقتل وهو أحد قولين حكاهما ابن الحاجب الراجح منهما قتل ما ذكر حيث ابتدأ بالأذية و "يجتنب" المحرم "في حجه وعمرته" وجوبا "النساء" أي الاستمتاع

стр. 399

والطيب ومخيط الثياب ــ بهن بالوطء وغيره أما الوطء فموجب للإفساد مطلقا كان في قبل أو دبر آدميا كان الموطوء أو غيره وقع عمدا أو نسيانا أو جهلا أنزل أو لا مباح الأصل أو لا كان موجبا للحد والمهر أو لا وقع من بالغ أو لا وظاهر كلامهم كما في الأجهوري ولولم يوجب الغسل كأن لف على الذكر خرقة كثيفة أو أدخله في هواء الفرج أو في غير مطيقة ويجب عليه إتمام ما أفسده لبقائه على إحرامه فإن لم يتمه ظنا منه أنه خرج منه بإفساده وتمادى إلى السنة الثانية وأحرم بحجة القضاء فإنه لا يجزئه ذلك عن الفائت وإحرامه الثاني لغولم يصادف محلا وهو على إحرامه الفاسد ولا يكون ما أحرم به قضاء عنه ومحل كونه يجب عليه إتمامه إذا أدرك الوقوف في العام الواقع فيه الفساد فإن لم يدركه فإنه يؤمر أن يتحلل منه بفعل عمرة وجوبا ولا يجوز له البقاء على إحرامه اتفاقا لأن فيه التمادي على الفاسد مع تمكنه من الخلوص منه وأما مقدمات الوطء كالقبلة والمباشرة فحرام فإن قبل أو باشر وحصل إنزال أفسد وإلا فليهد بدنة وأما النظر والفكر فلا يحصل فساد بخروج المني بسببهما إلا إذا كان كل منهما للذة وإدامة وأما خروجه بمجرد النظر والفكر فإنما فيه الهدي فقط هذه أحكام خروج المني وأما خروج المذي فموجب للهدي مطلقا خرج بعد مداومة النظر أو الفكر أو القبلة أو المباشرة أم لا "و" يجتنب المحرم في حجه وعمرته "الطيب" مذكرا كان كالورد والياسمين ولا فدية فيه أو مؤنثا وهو ما له جرم يعلق بالبدن والثوب كالمسك والزعفران وفيه الفدية ولو أزاله سريعا "و" يجتنب المحرم أيضا في حجه وعمرته "مخيط الثياب" لا خلاف في تحريمه على الرجال دون النساء والمراد به كل ما أحاط بالبدن أو ببعضه مخيطا كان أو غيره فيحرم عليه أن يلبس ما لبد أو نسج على شكل المخيط

стр. 400

والصيد وقتل الدواب وإلقاء التفث ولا يغطي رأسه في الإحرام ولا يحلقه إلا من ضرورة ثم يفتدي بصيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي ﷺ أو ينسك بشاة ــ ويحرم عليه أيضا أن يلبس العمائم والسراويل والبرانس "و" كذلك يجتنب المحرم في حجه وعمرته "الصيد" أي ما شأنه أن يصاد في البر فيحرم صيده والتسبب في اصطياده سواء كان مأكول اللحم كالغزال وحمار الوحش أو لا كالقرد من غير فرق بين أن يكون متأنسا أو وحشيا مملوكا أو مباحا ولا يستثنى من ذلك إلا ما يتناوله الحديث وهو الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور "و" كذلك يجتنب فيهما "قتل الدواب" فلا يقتل القمل ولا يلقيه عن جسده "و" كذلك يجتنب "إلقاء التفث" كقص الشارب تمثيل لإلقاء التفث فالتفث اسم لما تأنف منه النفس وتكرهه فإن أزال شيئا من شعره أطعم حفنة "ولا يغطي رأسه في الإحرام" أي يحرم على المحرم أن يغطي رأسه وكذا وجهه بأي ساتر كان كطين وأولى العمامة وأما غيرهما من سائر البدن فإنه يحرم تغطيته بنوع خاص وهو المخيط "ولا يحلقه إلا من ضرورة" لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ المعنى فحلق لإزالة الأذى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وقد أشار إلى ذلك بقوله: "ثم يفتدي بصيام ثلاثة" أيام ولو أيام منى "أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي ﷺ أو ينسك بشاة" أي يتعبد وقوله بشاة أي أو غيرها واقتصر على الشاة لأن الفدية كالضحية الأفضل فيها طيب اللحم ولا بد من ذبحها.

стр. 401

يذبحها حيث شاء من البلاد وتلبس المرأة الخفين والثياب في إحرامها وتجتنب ما سوى ذلك مما يجتنبه الرجل وإحرام المرأة في وجهها وكفيها وإحرام الرجل في وجهه ورأسه ولا يلبس الرجل الخفين في الإحرام إلا أن لا يجد نعلين ــ ولا يكفي إخراجها غير مذبوحة كما أفاده بعضهم وقوله: "يذبحها حيث شاء من البلاد" مقيد بما إذا لم يقلدها أو يشعرها فإن قلدها أو أشعرها لم يذبحها إلا بمنى ثم بين ما تخالف فيه المرأة الرجل فقال: "وتلبس المرأة الخفين" مطلقا وجدت نعلين أم لا "و" تلبس "الثياب" المخيطة في إحرامها "وتجتنب ما سوى ذلك" أي ما سوى لبس الخفين والثياب "مما يجتنبه الرجل" في إحرامه من الوطء ومقدماته والصيد وقتل الدواب وإلقاء التفث وأما تغطية الرأس فلا تجتنبه وإليه أشار بقوله: "وإحرام المرأة في وجهها وكفيها" بمعنى أنها تبديهما فيحرم عليها سترهما بكل شيء ولو طينا وليس لها لبس النقاب ولا البرقع ولا اللثام فإن فعلت شيئا من ذلك افتدت "وإحرام الرجل في وجهه ورأسه" بمعنى أنه يبديهما في حال الإحرام ليلا ونهارا فإن غطى شيئا من ذلك وانتفع حرم عليه وافتدى ناسيا كان أو عالما أو جاهلا وإن نزعه مكانه فلا شيء عليه ويجوز توسده وستره بيده من شمس أو ريح فاليد لا تعد ساترا إلا إذا ألصقها برأسه وطال فعليه الفدية كما في العتبية ويجوز له أن يحمل على رأسه ما لا بد منه من خروجه وجرابه وغير ذلك كحزمة حطب يحملها ليبيعها فإن حمل لغيره أو للتجارة فالفدية ويجوز استظلاله بالبناء والأخبية "ولا يلبس الرجل الخفين" في الإحرام "إلا أن لا يجد نعلين

стр. 402

فليقطعهما أسفل من الكعبين والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران فمن قرن أو تمتع من غير أهل مكة فعليه هدي يذبحه أو ينحره بمنى إن أوقفه ــ فليقطعهما أسفل من الكعبين" كما ورد في الحديث ثم انتقل يبين الفاضل والمفضول من أوجه الإحرام فقال: "والإفراد" وهو أن يحرم "بالحج" فقط "أفضل عندنا" أي المالكية "من التمتع وسن القرآن" وإنما كان الإفراد أفضل لما في الصحيحين أنه ﷺ أفرد أي في حجة الوداع واتصل عمل الخلفاء أي فقد أفرد الصديق في السنة الثانية وعمر بعده عشر سنين وعثمان اثنتي عشرة سنة وما جاء من أنه ﷺ قرن أو تمتع فأجاب عنه الإمام بحمله على أن المراد أمر بعض أصحابه بالقران وأمر بعضا بالتمتع فنسب ذلك إليه على طريق المجاز ولأن الإفراد لا يحتاج إلى أن يجبر بالهدي بخلاف القران والتمتع فإنهما يحتاجان إليه وإلى ذلك أشار بقوله: "فمن قرن" بفتح الراء "أو تمتع من غير أهل مكة فعليه هدي" مفهومه أن أهل مكة لا هدي عليهم وهو كذلك والمراد بهم من كان حاضرا بها أو بذي طوى وقت فعل النسكين ولوجوب الدم على القارن شرطان أن لا يكون حاضرا بمكة أو بذي طوى وأن يحج من عامه فلو فاته الحج وتحلل بعمرة فلا دم عليه فإن ترك الأولى في حقه ولم يتحلل بعمرة وبقي على إحرامه لم يسقط عنه ثم بين محل نحر الهدي وذبحه بقوله: "يذبحه" أي الهدي إن كان مما يذبح "أو ينحره" إن كان مما ينحر "بمنى" أي في منى نهارا بعد الفجر فلا يجزىء فعله ليلا والأصل في هذا كله أي فيما ذكر من كونه في منى ونهارا وبعد الفجر فعله ﵊ ولصحة النحر بها شروط أحدها "إن أوقفه" من وجب عليه الهدي أو نائبه

стр. 403

بعرفة وإن لم يوقفه بعرفة فلينحر بمكة بالمروة بعد أن يدخل به من الحل فإن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج يعني من وقت يحرم إلى يوم عرفة ــ "بعرفة" ليلا قال ابن هارون أما اشتراط كون الوقوف ليلا فلا أعلم فيه خلافا لأن كل من اشترط الوقوف بعرفة ليلا كمالك جعل حكمه حكم ربه فيما يجزئه من الوقوف ثانيها: أن يكون النحر في أيام منى وهي يوم النحر واليومان بعده فلا يدخل اليوم الرابع ثالثها: أن يكون النحر في حجة أي كان الهدي سيق في إحرام حج سواء وجب لنقص فيه أو في عمرة أو تطوعا أو جزاء صيد فإذا اجتمعت هذه الشروط فلا يجوز النحر بمكة ولا بغيرها أي فالنحر بمنى واجب وإن فقد بعضها جاز وإليه أشار بقوله: "وإن لم يوقفه" بعرفة يعني أو فاتته أيام منى ولو وقف به بعرفة "فلينحره" أو يذبحه "بمكة" أو ما يليه من البيوت وجوبا ولا يجزئه الذبح بذي طوى ونحوها مما كان خارجا عن بيوتها ولو كان من لواحقها وحيث تعين الهدي وذبحه بمكة فلا يفعل ذلك إلا "بعد أن يدخل به من الحل" أي من أي جهة كانت لأن كل هدي لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرام والهدي يكون من الغنم والبقر والإبل لكن الأفضل الإبل ولا يجزىء في الجميع إلا السليم كالأضحية والهدي من هذه الثلاثة إنما يتعين على المتمتع والقارن إذا وجده "فإن لم يجد هديا" بأن يئس من وجوده "فـ" الواجب عليه "صيام ثلاثة أيام في الحج" وفاعل "يعني" ضمير يعود على الله والتلاوة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ ولم يذكر فيها إلا التمتع دون القران "من وقت يحرم" أي ابتداء الأيام الثلاثة التي في الحج من وقت يحرم "إلى" آخر "يوم عرفة" يعني أن النقص الموجب للهدي إن كان سابقا على الوقوف

стр. 404

فإن فاته ذلك صام أيام منى وسبعة إذا رجع وصفة التمتع أن يحرم بعمرة ثم يحل منها في أشهر الحج ثم يحج من عامه قبل الرجوع إلى أفقه أو إلى مثل أفقه في البعد ــ بعرفة فإنه يدخل زمن صوم الثلاثة من إحرامه ويمتد إلى يوم عرفة لأن له صومه وذلك كتعدي الميقات وتمتع وقران وترك طواف قدوم ومفهوم قولنا سابقا على الوقوف أن النقص إن تأخر عن الوقوف كترك النزول بالمزدلفة أو ترك رمي أو حلق أو أخر الثلاثة حتى فاتت أيام التشريق فإنه يصومها مع السبعة متى شاء "فإن فاته ذلك" أي صوم ثلاثة أيام في الحج "صام أيام منى" ولا إثم عليه إن تأخر الصوم إليها لعذر "و" بعد فراغه من صيام الأيام الثلاثة سواء صامها في الحج أو في منى فإنه "يصوم سبعة" أي سبعة أيام "إذا رجع" من منى إلى مكة سواء أقام بمكة أو لا فإن أخرها صام متى شاء ويندب التتابع في الثلاثة أيام وليس بلازم وكذا في العشرة وإنما هو مستحب على المشهور "وصفة التمتع أن يحرم بعمرة" أولا "ثم يحل منها في أشهر الحج" ولا يشترط إيقاع جميعها في أشهر الحج بل لو أحرم بها في رمضان وأكملها في ليلة شوال كان متمتعا إن كان ما أوقعه في أشهر الحج ركنا فلو لم يبق عليه إلا الحلق وأوقعه في أشهر الحج لا يكون متمتعا "ثم يحج من عامه" لأنهما إن لم يكونا في عام واحد لم يحصل التمتع كما أنه لا يكون متمتعا إذا رجع بعد عمرته في أشهر الحج وقبل إحرامه بالحج إلى بلده فالتمتع صادق في صورة ما إذا فرغ من العمرة في أشهر الحج وأحرم بالحج قبل رجوعه إلى بلده وإليه يشير قول المصنف "قبل الرجوع إلى أفقه" بضم الفاء وسكونها "أو" إلى "مثل أفقه في العبد" ظاهره ولو كان من أهل الحجاز وهو المشهور خلافا لابن المواز

стр. 405

ولهذا أن يحرم من مكة إن كان بها ولا يحرم منها من أراد أن يعتمر حتى يخرج إلى الحل وصفة القران أن يحرم بحجة وعمرة معا ويبدأ بالعمرة في نيته وإذا أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع فهو قارن وليس على أهل مكة هدي في تمتع ولا قران ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع ــ القائل بعدم سقوط الدم عمن أفقه بالحجاز إلا بالعودة إلى نفس أفقه لا إلى مثله إلا أن يخرج عن أرض الحجاز بالكلية "ولهذا" اللام للإباحة والإشارة عائدة على المحرم بعمرة في أشهر الحج الدال عليه السياق أي ويباح للمحرم إذا حل من عمرته "أن يحرم من مكة إن كان بها" ويستحب أن يكون إحرامه من باب المسجد "ولا يحرم منها" أي من مكة "من أراد أن يعتمر حتى يخرج إلى الحل" لأن من شروط العمرة أن يجمع فيها بين الحل والحرم "وصفة القران أن يحرم بحج وعمرة معا" ويبدأ بالعمرة "في نيته وإذا أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع فهو قارن" ظاهر كلامه أنه لا يردف في الطواف والمشهور جوازه ويصح بعد كماله وقبل الركوع لكنه مكروه فإن ركع فات الإرداف فإن أردف بعد السعي لم يكن قارنا اتفاقا "وليس على أهل مكة" تقدم إنهم الحاضرون بها أو بذي طوى وقت فعل النسكين "هدي في تمتع" اتفاقا "ولا" في "قران" على المشهور أي قياسا على التمتع وأوجبه ابن الماجشون واختاره اللخمي "ومن حل من عمرته قبل أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع"

стр. 406

ومن أصاب صيدا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل من فقهاء المسلمين ــ ولو تأخر حلاقه إلى أشهر الحج "ومن أصاب" أي قتل "صيدا" بريا مأكول اللحم أو غير مأكوله غير ما نص عليه الشارع سواء كان القاتل محرما بأحد النسكين أو كان بالحرم ولو لم يكن محرما وسواء كان حرا أو عبدا ذكرا كان أو أنثى صغيرا كان أو كبيرا كان القتل عمدا أو خطأ أو نسيانا مباشرة أو تسببا تكرر ذلك منه أو لم يتكرر "فعليه" وجوبا "جزاء مثل ما قتل من النعم" والمثلية تكون في الصورة والمساواة في القدر أو القرب فعلى من قتل فيلا بدنة خراسانية ذات سنامين وعلى من قتل بقرة وحشية أو حمارا وحشيا أو ظبية بقرة إنسية وعلى من قتل نعامة بدنة لأنها تقاربها في القدر والصورة وعلى من قتل ضبعا أو ثعلبا أو حماما من حمام مكة والحرم ويمامهما شاة وفي غير حمام مكة والحرم حكومة أي فمن قتل حماما في الحل فإنه يلزمه قيمته طعاما أي حين الإتلاف وأدنى ما يجزىء في جزاء الصيد الجذع من الضأن والثني مما سواه لأن الله تعالى سماه هديا فيشترط فيه ما يشترط في الهدي ولما كان وجوب جزاء المثل لا يكتفى فيه بمعرفة نفسه قال: "يحكم به ذوا عدل" كما قال الله تعالى فإن أخرج قبل حكمهما عليه أعاد ولو كان المقوم غير مأكول واشتراط العدالة يستلزم الحرية والبلوغ ولا بد من لفظ الحكم ولا يكفي الفتوى "من فقهاء المسلمين" ومن شرط حكمهما أن لا يجتهدا بحكمهما في غير ما حكم به النبي ﷺ والصحابة فإن حكما بما لم يتقدم فيه حكم من مضى فإنه يرد ولا ينفذ ولا يخرج أحد جزاء من غير حكم فإن أخرجه من غير الحكم أعاده ولو وافق فيه حكم من مضى وخرج عن ذلك حمام مكة والحرم ويمامه فإنه لا يحتاج

стр. 407

ومحله منى إن وقف به بعرفة وإلا فمكة ويدخل به من الحل وله أن يختار ذلك أو كفارة طعام مساكين أن ينظر إلى قيمة الصيد طعاما فيتصدق به أو عدل ذلك صياما أن يصوم عن كل مد يوما ولكسر المد يوما كاملا ــ في لزوم الشاة لحكم لخروجه عن الاجتهاد بالدليل فكان حكما مقررا كغيره "ومحله" أي محل نحره أي جزاء الصيد إن كان مما ينحر وذبحه إن كان مما يذبح "منى إن وقف به" هو أو نائبه "بعرفة وإلا فمكة" أي وإلا يقف به هو أو نائبه فمحل ذبحه أو نحره مكة وهذا التفصيل في أحق الحاج وأما المعتمر أو الحلال فمحله مكة لا غير "و" حيث كان محله مكة فإنه "يدخل به من الحل" لأن من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرام فإن ملكه في الحرم فلا بد أن يخرج به إلى الحل ثم أشار إلى وجوب مثل ما قتل على التخيير بقوله: "وله" أي لمن قتل صيدا "أن يختار ذلك" أي مثل ما قتل من النعم "أو" يختار أحد شيئين أحدهما "كفارة طعام مساكين" وصفة الإطعام "أن ينظر إلى قيمة الصيد طعاما" من غالب طعام الموضع الذي قتل فيه الصيد بالغا ما بلغت فإن لم يكن له قيمة هنالك اعتبرت قيمة أقرب المواضع إليه "فيتصدق به" عليهم وإذا أطعم فلكل مسكين مد ولو أعطى ثمنا أو عرضا لم يجزه والشيء الآخر أشار إليه بقوله: "أو عدل ذلك" أي أو يختار عدل طعام المساكين "صياما" وصفة ذلك "أن يصوم عن كل مد يوما ولكسر المد يوما كاملا" وإنما وجب في كسر المد يوم لأنه لا يمكن إلغاؤه ولا يتبعض الصوم فلم يبق إلا جبره بالكمال كالأيمان في القسامة واختلف في العدل في الآية فقيل ما عدل الشيء من غير جنسه كالعشرة

стр. 408

والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ــ الأيام فإنها عدلت العشرة الأمداد وليست من جنسها وقيل عدل الشيء بالفتح مثله وليس بالنظير المساوي كما في المصباح أي أن صيام العشرة الأيام ليس مساويا للعشرة الأمداد لاختلاف الجنس والمساواة تقتضي اتحاد الجنس "والعمرة سنة مؤكدة مرة في العمر" ولها ميقاتان مكاني وهو ميقات الحج وزماني وهو جميع السنة ولها أركان ثلاثة الإحرام والطواف والسعي وليس الحلاق ركنا فيها وصفة الإحرام بها في استحباب الغسل وما يجوز من اللباس وما يحرم عليه والطيب الخ كالحج ويكره تكرارها في العام الواحد على المشهور "ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول آيبون تائبون" هما بمعنى واحد وهو الرجوع عن أفعال مذمومة إلى أفعال محمودة "عابدون لربنا" بما افترض علينا "حامدون" له على ذلك "صدق الله وعده" لنبيه محمد ﷺ من النصر وإنجاز الوعد بدخول مكة بقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ "ونصر عبده" محمدا ﷺ "وهزم الأحزاب وحده" وذلك أن المشركين تحزبوا على النبي ﷺ ونزلوا بالمدينة فأرسل الله عليهم ريح الصبا وهو الريح الشرقي قال ﷺ : "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" وهو الريح الغربي وإنما استحب قول هذا لأن النبي ﷺ كان يقوله إذا

стр. 409

باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان وما يحرم من الأطعمة والأشربة . والأضحية سنة واجبة على من استطاعها وأقل ما يجزىء فيها من الأسنان الجذع من الضأن وهو ابن سنة وقيل ــ "باب في الضحايا" حكما وصفة "و" في "الذبائح" أي بيان ما يذبح وما ينحر وصفة الذكاة "والعقيقة" أي صفة وحكما "و" في حكم "الصيد" أي الاصطياد وتقسيمه "و" في بيان حكم "الختان" وفي بيان "ما يحرم من الأطعمة والأشربة" وما لا يحرم منها وبدأ بما صدر به فقال: "والأضحية" بضم الهمزة وكسرها وسكون الضاد وكسر الحاء وتشديد الياء والجمع أضاحي بتشديد الياء وهي ما تقرب بذكاته من الأنعام يوم الأضحى وتالييه سميت بذلك لأنها تذبح يوم الأضحى وقت الضحى وسمي يوم الأضحى من أجل الصلاة فيه في ذلك الوقت وحكمها أنها "سنة واجبة" أي مؤكدة على المشهور "على من استطاعها" إذا كان حرا مسلما كبيرا كان أو صغيرا ذكرا كان أو أنثى مقيما كان أو مسافرا حالة كونه غير حاج لأن سنته الهدي عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من أقاربه كالوالد والأولاد الفقراء واحترز بالمستطيع عن غيره كالفقير قال ابن الحاجب والمستطيع من لا تجحف بماله أي من لا يحتاج إلى ثمنها في عامه والشركة فيها في الأجر جائزة دون الشركة في ثمنها "وأقل ما يجزىء فيها" أي الأضحية "من الأسنان الجذع من الضأن وهو" على المشهور "ابن سنة وقيل" هو

стр. 410

ابن ثمانية أشهر وقيل ابن عشرة أشهر والثني من المعز وهو ما أوفى سنة ودخل في الثانية ولا يجزىء في الضحايا من المعز والبقر والإبل إلا الثني والثني من البقر ما دخل في السنة الرابعة والثني من الإبل ابن ست سنين وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها وخصيانها أفضل من إناثها وإناثها أفضل من ذكور المعز ومن إناثها ــ "ابن ثمانية أشهر وقيل" هو "ابن عشرة أشهر والثني من المعز ما أوفى سنة ودخل في الثانية" ما ذكره في سن الثني من المعز هو المشهور وعليه يظهر الفرق بين سن الجذع من الضأن والثني من المعز "ولا يجزىء في الضحايا من المعز والبقر والإبل إلا الثني والثني من البقر ما دخل في السنة الرابعة" هذا مفسر لقوله في الزكاة وهي بنت أربع سنين "والثني من الإبل ابن ست سنين" أي ما دخل في السنة السادسة قال الفاكهاني انظر كيف قال في ثني البقر ما دخل في السنة الرابعة ولم يقل في ثني الإبل ما دخل في السادسة ولا فرق بينهما عند أهل اللغة وهو أن الثني من البقر ما أوفى ثلاث سنين ودخل في الرابعة والثني من الإبل ما أوفى خمس سنين ودخل في السادسة فما وجه التغاير بينهما والمعنى واحد "وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها وخصيانها أفضل من إناثها" وفي بعض النسخ وفحول الضأن في الضحايا وخصيانها أفضل من إناثها والنسخة الأولى موافقة للمشهور وهو أن الفحل أفضل من الخصي وعلل بأنه أكمل منه في الخلقة وإناثها أي إناث الضأن "أفضل من ذكور المعز ومن إناثها"

стр. 411

وفحول المعز أفضل من إناثها وإناث المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا وأما في الهدايا فالإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز ولا يجوز في شيء من ذلك عوراء ولا مريضة ــ أي وفحول المعز أفضل من خصيانها "وفحول المعز" أي وخصيانها "أفضل من إناثها وإناث المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا" أي وذكورهما أفضل من إناثهما فالمراتب اثنا عشر أعلاها فحل الضأن وأدناها أنثى الإبل والبقر وهذا آخر الكلام على التفضيل في الضحايا "وأما في الهدايا فالإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز" هذا هو المشهور لأن المقصود من الهدايا تكثير اللحم للمساكين والمقصود من الضحايا طيب اللحم أي لإدخال المسرة على الأهل قال بهرام والحجة لنا في الموضعين أن النبي ﷺ كان أكثر هداياه الإبل وضحى ﵊ بكبشين كما ورد في الصحيح ثم شرع يبين الصفات التي تتقى في الضحايا والهدايا لأنها إذا وجدت منعت من الإجزاء فقال: "ولا يجوز" بمعنى لا يجزىء "في شيء من ذلك" أي من الضحايا والهدايا "عوراء" هي من ذهب نور إحدى عينيها وإن بقيت صورتها أما إن كان على الناظر بياض يسير لا يمنع الإبصار فلا يمنع الإجزاء وإذا لم تجز العوراء فالعمياء أولى "و" كذلك "لا" تجزىء فيهما "مريضة" مرضا بينا أما إن كان خفيفا لا يمنعها التصرف فلا ومن المرض البين التخمة من الأكل غير المعتاد أو الكثير قال في المصباح التخمة وزان رطبة والجمع بحذف الهاء والتخمة بالسكون لغة والتاء مبدلة من واو لأنها من الوخامة ومنه الجرب الكثير وسقوط الأسنان كلها أو بعضها ما عدا الواحدة إذا كان السقوط لغير إثغار أو كبر

стр. 412

ولا العرجاء البين ضلعها ولا العجفاء التي لا شحم فيها ويتقى فيها العيب كله ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون يسيرا وكذلك القطع ومكسورة القرن إن كان ــ وإلا فتجزىء ولو الجميع "و" كذلك "لا" يجزىء فيهما "العرجاء البين ضلعها" بفتح الضاد المعجمة واللام وروي بالظاء المشالة أي المرتفعة أي البين عرجها وهي التي لا تلحق الغنم أما إن كان العرج لا يمنعها أن تسير بسيرهم فلا يمنع الإجزاء "و" كذلك "لا" يجزىء فيهما "العجفاء" بالمد هي التي لا مخ في عظامها وهذه العيوب الأربعة مجمع عليها وبها ورد الحديث واختلف هل يقاس عليها غيرها من العيوب أم لا المشهور القياس وعليه مشى الشيخ فقال: "ويتقى فيهما" أي في الهدايا والضحايا "العيب كله" إذا كان كثيرا ويغتفر اليسير ويعني بذلك الخرقاء وهي التي في أذنها خرق مستدير والمقابلة وهي التي قطع من أذنها من قبل وجهها وترك معلقا والمدابرة وهي التي قطع من أذنها من جهة قفاها والشرقاء وهي المشقوقة الأذن وإليها أشار بقوله: "ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون الشق يسيرا" وهو الثلث فما دونه "وكذلك القطع" أي قطع الأذن لا يجوز إلا أن يكون يسيرا واختلف في حده فالذي صححه الباجي ومشى عليه صاحب المختصر وهو الراجح أن ذهاب ثلث الأذن يسير وذهاب ثلث الذنب كثير لأن الذنب لحم وعصب ولا كذلك الأذن وهذا في ذنب الغنم التي لها ألية كبيرة وأما نحو الثور والجمل والغنم في بعض البلدان مما لا لحم في ذنبه فالذي يمنع الإجزاء منه ما ينقص الجمال ولا يتقيد بالثلث "ومكسورة القرن إن كان

стр. 413

يدمي فلا يجوز وإن لم يدم فذلك جائز وليل الرجل ذبح أضحيته بيده بعد ذبح الإمام أو نحره يوم النحر ضحوة ومن ذبح قبل أن يذبح الإمام أو ينحر أعاد أضحيته ومن لا إمام لهم فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه ومن ضحى بليل ــ يدمي" يعني لم يبرأ "فلا يجوز وإن لم" يكن "يدمي" بأن برىء "فذلك جائز" ومن لازم الجواز الإجزاء "وليل الرجل ذبح أضحيته" أو نحرها وكذلك هديه "بيده" على جهة الاستحباب إن أمكنه ذلك اقتداء برسول الله ﷺ فإن لم يمكنه ذلك لعذر وكل مسلما ويستحب أن يكون من أهل الفضل والصلاح فإن وكل تارك الصلاة كره وتجزىء على المشهور وإن وكل كافرا كتابيا أو غيره لم تجزه وابتداء زمن الذبح في الأضحية "بعد ذبح الإمام" ما يذبح "أو نحره" ما ينحر "يوم النحر" أي في يوم النحر وهو العاشر من ذي الحجة وذبح الإمام يوم النحر يكون "ضحوة" وهو وقت حل النافلة فمن ذبح قبل يوم النحر أو يوم النحر بعد الفجر وقبل طلوع الشمس لم يجزه وأعاد أضحيته "و" كذا "من ذبح قبل أن يذبح الإمام أو ينحر" لم يجزه "وأعاد أضحيته" لقوله تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال الحسن البصري نزلت في قوم ذبحوا قبل الإمام هذا حكم من لهم إمام "و" أما "من لا إمام لهم فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه" فيذبحون حينئذ فلو نحروا ثم تبين خطؤهم أجزأهم على المشهور والمعتبر إمام الصلاة على المشهور "ومن ضحى بليل" في ليلة اليوم الثاني أو الثالث

стр. 414

أو أهدى لم يجزه وأيام النحر ثلاثة يذبح فيها أو ينحر إلى غروب الشمس من آخرها وأفضل أيام النحر أولها ومن فاته الذبح في اليوم الأول إلى الزوال فقد قال بعض أهل العلم: يستحب له أن يصبر إلى ضحى اليوم الثاني ــ "أو أهدى لم يجزه" لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ فذكر الأيام دون الليالي والمراد بالليالي هنا من غروب الشمس إلى طلوع الفجر ومن ضحى في اليوم الثاني أو الثالث بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس أجزأه ويكون تاركا للمستحب بخلاف من ضحى في اليوم الأول بعد الفجر وقبل طلوع الشمس فإنه لا يجزئه "وأيام النحر" عند مالك تبعا لجماعة من الصحابة "ثلاثة" أي ثلاثة أيام يوم النحر ويومان بعده "يذبح فيها" ما يذبح "أو ينحر" ما ينحر وقد قدم أن ابتداء زمن النحر والذبح من ضحوة يوم النحر بعد صلاة الإمام وذبحه وأما آخره فـ "إلى غروب الشمس من آخرها" أي من آخر الأيام الثلاثة وهي متفاوتة في الفضيلة وقد بين ذلك بقوله: "وأفضل أيام النحر" للأضحية "أولها" لفعله ﷺ والخلفاء الراشدين بعده "ومن فاته الذبح" أو النحر "في اليوم الأول إلى الزوال فقد قال بعض أهل العلم" وهو ابن حبيب ونقله بهرام من روايته عن مالك "يستحب له أن يصبر إلى ضحى اليوم الثاني" قال بهرام لا خلاف أن ما قبل الزوال من أول يوم أفضل مما بعده واختلف هل ما بعد الزوال منه أفضل مما قبل الزوال من اليوم الثاني وهو ظاهر لفظ المختصر وهو مذهب الرسالة وغيرها وإليه ذهب ابن المواز أو ما قبل الزوال من الثاني أفضل مما بعده من الأول وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب وهو ضعيف فالمعتمد أن جميع اليوم الأول

стр. 415

ولا يباع شيء من الأضحية جلد ولا غيره وتوجه الذبيحة عند الذبح إلى القبلة وليقل الذابح بسم الله والله أكبر وإن زاد في الأضحية ربنا تقبل منا فلا بأس بذلك ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها فإنها تؤكل وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل وكذلك عند إرسال الجوارح ــ أفضل مما بعده حتى أن القابسي أنكر رواية ابن حبيب "ولا يباع" على جهة المنع "شيء من الأضحية" التي تجزىء بعد الذبح وكذا كل ما هو قربة كالهدي والعقيقة وقوله: "جلد ولا غيره" صرح به وإن كان داخلا فيما قبله إشارة للرد على من يقول يجوز بيع الجلد "وتوجه الذبيحة" في الأضحية وغيرها "عند الذبح إلى القبلة" استحبابا فإن تركه لعذر أو نسيانا أكلت اتفاقا "وليقل الذابح" عند الذبح "باسم الله والله أكبر" والجمع بين التسمية والتكبير هو الذي مضى عليه عمل الناس أما التكبير فسنة أي مستحب وأما التسمية فيؤخذ من كلامه بعد وهو مذهب المدونة أنها واجبة مع الذكر والقدرة ساقطة مع العجز والنسيان وإن اقتصر عليها أجزأه لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فلم يشترط سوى مجرد اسم الله تعالى "وإن زاد الذابح" على التسمية والتكبير "في" ذبح "الأضحية" والهدي أو النسك والعقيقة "ربنا تقبل منا فلا بأس بذلك" قيل لا بأس هنا بمعنى الاستحباب وقيل بمعنى الإباحة "ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها فإنها تؤكل فإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل" هذا على مذهب المدونة أنها فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان "وكذلك" من نسي التسمية "عند إرسال الجوارح" أو رمي السهم وغيره مما يصاد به

стр. 416

على الصيد ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك ولا عصب ولا غير ذلك ويأكل الرجل من أضحيته ويتصدق منها أفضل له وليس بواجب عليه ولا يأكل من فدية الأذى ــ "على الصيد" فإنه يؤكل وإن تعمد ترك التسمية لم يؤكل لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ولو قدم هذه المسألة على التي قبلها لكان أولى لأن النص إنما جاء في إرسال الجوارح على الصيد ولم يأت في الذبيحة نص وفي قوله: "ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك" أي دهن "ولا عصب" أي عروق "ولا غير ذلك" مثل القرن والشعر والصوف تكرار مع قوله ولا يباع شيء من الأضحية قال ابن عمر يحتمل تكراره ليرتب عليه قوله: "ويأكل الرجل" يريد أو غيره "من أضحيته ويتصدق منها أفضل له" يحتمل عود الفضل على التصدق خاصة ويحتمل عوده على الجمع بين الأكل والتصدق وهو الظاهر لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ القانع الفقير أي سواء كان يسأل أم لا وقيل الفقير الذي لا يسأل والمعتر الزائر المتعرض لما يناله من غير سؤال ويكره التصدق بالجميع وليس لما يؤكل أو يطعم حد والجمهور على منع إطعام الكافر منها مطلقا كتابيا كان أو مجوسيا وقوله: "وليس بواجب عليه" تكرار مع قوله أفضل له "ولا يأكل" الرجل أو غيره ممن وجب عليه هدي "من فدية الأذى" المترتبة في ذمته إذا بلغت محلها هذا

стр. 417

وجزاء الصيد ونذر المساكين وما عطب من هدي التطوع قبل محله ويأكل مما سوى ذلك إن شاء والذكاة قطع الحلقوم والأوداج ولا ــ إذا جعلها هديا بأن قلدها أو أشعرها فإن لم يجعلها فإنه لا يأكل منها بلغت محلها أم لا "و" كذلك لا يأكل من "جزاء الصيد" الذي ترتب في ذمته بعد بلوغ محله "و" كذا لا يأكل من "نذر المساكين" غير المعين بعد محله "و" كذلك لا يأكل "مما عطب من هدي التطوع قبل محله" أي لاتهامه على عطبه "ويأكل مما سوى ذلك" كفدية الأذى قبل بلوغ محلها وجزاء الصيد قبل محله ونذر المساكين قبل محله وما عطب من هدي التطوع بعد محله وهدي القران والتمتع وهدي الفساد وكل هدي لنقص شعيرة من شعائر الحج وقوله: "إن شاء" إشارة إلى أن الأصل في الهدي عدم الأكل بخلاف الأضحية ثم اعلم أن المحل هو منى إن وقف بها بعرفة وكان في أيام النحر ومكة إن لم يقف بها أو خرجت أيام النحر وإنما حرم الأكل من المذكورات الثلاثة بعد بلوغ محلها لأن الله سمى الفدية والجزاء كفارة والإنسان لا يأكل من كفارته وأخرج نفسه في الثالث لجعله للمساكين وإنما جاز له الأكل قبل المحل لأن عليه البدل وإنما جاز له الأكل من هدي التطوع إذا عطب بعد المحل لعدم الاتهام وإنما جاز له الأكل من هدي القران والتمتع وهدي الفساد وكل هدي لزم لنقص شعيرة من شعائر الحج مطلقا قبل المحل وبعده لعدم الاتهام إذا لم يبلغ المحل لأن عليه البدل وبعده الأمر ظاهر "والذكاة قطع الحلقوم" جميعه "و" قطع جميع "الأوداج" أي الودجين عبر بالجمع عن المثنى "ولا

стр. 418

يجزىء أقل من ذلك وإن رفع يده بعد قطع بعض ذلك ثم أعاد يده فأجهز فلا تؤكل وإن تمادى حتى قطع الرأس أساء ولتؤكل ومن ذبح من القفا لم تؤكل ــ يجزىء أقل من ذلك" أي من قطع الحلقوم بتمامه والأوداج هذا قول سحنون وشهر وقيل يكتفى بقطع تمام الودجين ونصف الحلقوم وظاهر كلام الشيخ أنه لا يشترط قطع المريء قال عياض المريء بفتح الميم وكسر الراء وهمز آخره وقد يشدد آخره ولا يهمز مبلع الطعام والشراب وهو البلعوم وفسره الجوهري بالحلق "وإن رفع" الذابح "يده" عن الذبيحة "بعد قطع بعض ذلك" الحلقوم والأوداج "ثم أعاد يده فأجهز فلا تؤكل" ظاهره سواء طال الرفع أولم يطل وهو كذلك باتفاق في الطول واختلف إذا رجع بالقرب فقال سحنون تحرم وقال ابن حبيب تؤكل لأن كل ما طلب فيه الفور يغتفر فيه التفريق اليسير وهو المعتمد وفقه المسألة أنه لو رفع يده بعد إنفاذ مقاتلها وعاد عن بعد فلا تؤكل ولو كان رفع يده اضطرارا وأما لو رفع يده قبل إنفاذ شيء من مقاتلها فإنها تؤكل ولو عاد عن بعد لأن الثانية ذكاة مستقلة وكذلك تؤكل إذا أنفذ مقاتلها وعاد عن قرب كما ذهب إليه ابن حبيب "وإن تمادى الذابح" عمدا "حتى قطع الرأس" من الذبيحة "أساء ولتؤكل" يعني وتؤكل ولم يرد الأمر وإذا أكلت مع العمد فأحرى مع النسيان أو غلبة السكين "ومن ذبح من القفا" أو من صفحة العنق "لم تؤكل" لأنه لم يأت بالذكاة المشروعة ولأنه قد أنفذ المقتل بقطع النخاع وإذا أنفذت المقاتل قبل الذبح لم تؤكل ولو قطع الحلقوم عسرت السكين على الودجين لعدم حد السكين فقلبها وقطع بها الأوداج من داخل لم تؤكل

стр. 419

والبقر تذبح فإن نحرت أكلت والإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل وقد اختلف في أكلها والغنم تذبح فإن نحرت لم تؤكل وقد اختلف أيضا في ذلك وذكاة ما في البطن ذكاة أمه إذا تم خلقه ونبت شعره ــ على المذهب "والبقر تذبح فإن نحرت أكلت والإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل" فالبقر يجوز فيها الأمران لأن لها موضع النحر وموضع الذبح ومحل النحر اللبة وهو موضع القلادة من الصدر من كل شيء ولا يشترط في النحر قطع شيء من الحلقوم والودجين لأن محله اللبة وهو محل تصل منه الآلة إلى القلب فيموت بسرعة ويستحب في نحر الإبل أن تكون قائمة "وقد اختلف في أكلها" أي المذبوحة من الإبل فقوله إنها لا تؤكل إذا ذبحت مثله في المدونة وحمله ابن حبيب على التحريم وشهره ابن الحاجب وهو الراجح وحمله غيره على الكراهة ومحل الخلاف إذا وقع الذبح لغير ضرورة وأما إن كان لضرورة كما لو وقع بعير في مهواة ولم يصل إلى لبته فذبح فأكله جائز اتفاقا والغنم تذبح "فإن نحرت لم تؤكل وقد اختلف أيضا في ذلك" أي في أكلها وهو مقيد أيضا بما إذا لم تكن ضرورة والمشهور التحريم وإن كان لضرورة كما لو وقع في مهواة ونحر أكل اتفاقا "وذكاة ما في البطن ذكاة أمه" معناه أن البهيمة من ذوات الأنعام إذا ذكيت فخرج من بطنها جنين ليس فيه روح فإنه يؤكل بشروط "إذا تم خلقه ونبت شعره" يريد بتمام خلقه تناهي خلقته ووصولها إلى الحد الذي ينزل عليه من بطن أمه لا كمال أطرافه فيؤكل ناقص يد أو رجل ثم انتقل يبين ما لا تعمل فيه الذكاة من الأنعام "وهو" أشياء

стр. 420

والمنخنقة بحبل ونحوه والموقوذة بعصا وشبهها والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إن بلغ ذلك منها في هذه الوجوه مبلغا لا تعيش معه لم تؤكل بذكاة ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ــ منها "المنخنقة بحبل ونحوه والموقوذة" وهي المضروبة "بعصا وشبهها" كالرمح والحجر "والمتردية" وهي الساقطة من علو إلى أسفل "والنطيحة" أي المنطوحة "وأكيلة السبع" وهي التي ضربها السبع وهو كل ما يتسبع "إن بلغ ذلك" الفعل المذكور "منها" أي من الخمسة المذكورة في هذه الوجوه من ترد ونحوه "مبلغا لا تعيش معه لم تؤكل بذكاة" لأن سبيلها سبيل الميتة والمقاتل خمسة انقطاع النخاع وهو المخ الذي في عظام الرقبة والصلب وقطع الأوداج وخرق المصران وانتشار الحشوة ونثر دماغ وأما إذا لم تنفذ مقاتلها فإن كانت مرجوة الحياة فلا خلاف في أعمال الذكاة فيها وإن كانت غير مرجوة فعن مالك من رواية أشهب أنها لا تذكى ولا تؤكل وهو الذي مشى عليه الشيخ ومذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أنها تذكى وتؤكل وهو الراجح "ولا بأس للمضطر" وهو من خاف الهلاك على نفسه ولا يعني بذلك أن يكون قد أشرف على الموت إذ الأكل حينئذ لا ينفع "أن يأكل الميتة" من كل حيوان غير الآدمي ولو كافرا ولو مما لا حرمة له كالمرتد والحربي إما لأنه يؤذي أكله أو لمحض التعبد ولو وجد المحرم الصيد والميتة أكل الميتة وإذا وجد ميتة وخنزيرا أكل الميتة وإن لم يجد إلا خنزيرا أكل منه ويستحب له تذكيته وذكاته العقر قال التتائي والظاهر أنه لا يحتاج إلى تذكيته لأن الذكاة

стр. 421

ويشبع ويتزود فإن استغنى عنها طرحها ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ ولا يصلى عليه ولا يباع ولا بأس بالصلاة ــ لا تفيد في محرم الأكل "و" كذلك لا بأس للمضطر أن "يشبع ويتزود" من الميتة إذا خاف العدم فيما يستقبل ومحل جواز أكل الميتة للمضطر حيث لم يجد طعام الغير وإلا قدمه حيث لم يكن ضالة الإبل ولم يخف القطع أو الضرب الشديد فيما لا يقطع فيه فإذا أكل من طعام الغير عند عدم خوف القطع أو الضرب الشديد فقيل يقتصر على سد الرمق من غير شبع وتزود وعليه المواق وقيل يشبع ولا يتزود وعليه الحطاب وكما يباح له أكل الميتة عند الاضطرار يباح له أيضا شرب كل ما يرد عطشا كالمياه النجسة وغيرها من المائعات النجسة كماء الورد النجس إلا الخمر فإنها لا تحل لإساغة الغصة وأما العطش فلا إذ لا تفيد في ذلك بل ربما زادت العطش "ولا بأس بالانتفاع بجلدها" أي الميتة ويباح الانتفاع به "إذا دبغ" بما يزيل ريحه ورطوبته ومفهوم الشرط أنه لا ينتفع به قبل الدبغ وهو كذلك وظاهر كلامه أن الدبغ يفيد في جلد كل ميتة وبه قال سحنون وابن عبد الحكم والمشهور أن الدبغ لا يعمل في جلد الخنزير وظاهره أيضا أن طهارته عامة في المائعات وغيرها وهو كذلك عند سحنون وغيره والمشهور أن طهارته مقيدة باليابسات والماء وحده من بين المائعات لأن له قوة يدفع بها عن نفسه "ولا يصلى عليه" أي ولا فيه على المشهور "ولا يباع" على إحدى الروايتين وهي المشهورة في المذهب وطهارته طهارة مخصوصة بجواز استعماله في اليابسات وفي الماء وحده من بين سائر المائعات وليست عامة حتى في جواز بيعه والصلاة فيه وعليه "ولا بأس بالصلاة" استعمل لا بأس هنا

стр. 422

على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها وينتفع بصوف الميتة وشعرها وما ينزع منها في حال الحياة وأحب إلينا أن يغسل ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها وأنيابها وكره الانتفاع بأنياب الفيل ــ بمعنى الجواز أي وتجوز الصلاة "على جلود السباع إذا ذكيت" أي ونحوها من كل حيوان مكروه الأكل ليشمل الفيل والذئب والثعلب والضبع بشرط أن تذكى "و" كذلك لا بأس بـ "بيعها" أي بيع جلود السباع إذا ذكيت "وينتفع بصوف الميتة وشعرها" بعد الجز انتفاعا عاما من البيع والصلاة عليه والصدقة به وغير ذلك إلا أنه إذا باع بين وظاهر قوله وشعرها دخول شعر الخنزير وهو كذلك عند مالك وابن القاسم وغيرهما يقول باستثناء شعر الخنزير والكلب فقول الشيخ آخر الكتاب وكل شيء من الخنزير حرام أراد به إلا شعره "و" كذلك "ما ينتزع منها" أي الميتة "في" حال "الحياة" أي على تقدير لو انتزع منها في حال الحياة لم يؤلمها إلا اللبن فإنه نجس وهو مما ينتزع منها في حال الحياة ولا يؤلمها "وأحب إلينا" أي المالكية "أن يغسل" ما ذكر من الصوف وما بعده إذا لم تتيقن طهارته ولا نجاسته أما إن تيقنت طهارته فلا يستحب غسله وإن تيقنت نجاسته وجب غسله "ولا ينتفع بريشها" أي الميتة ظاهره معارض لقوله أولا وما ينتزع منها في حال الحياة وقد تقدم ما يزيل الاعتراض وهو تخصيص ما تقدم بقوله ولا يؤلمها "و" كذلك "لا" ينتفع "بقرنها" أي الميتة "وأظلافها وأنيابها" ظاهره على جهة التحريم لأن الحياة تحله "وكره الانتفاع بأنياب الفيل" وكذا عبر في المدونة

стр. 423

وقد اختلف في ذلك وما ماتت فيه فأرة من سمن أو زيت أو عسل ذائب طرح ولم يؤكل ولا بأس أن يستصبح بالزيت وشبهه في غير المساجد وليتحفظ منه وإن كان جامدا طرحت وما حولها وأكل ما بقي ــ "وقد اختلف في ذلك" أي في أنياب الفيل وكذا القرن والظلف وهو للبقر والشاة والظبي والظفر وهو للبعير والإوز والنعامة وحمر الوحش والعظم على أربعة أقوال مشهورها أن ذلك كله نجس بناء على أنه تحله الحياة قال ابن وهب طاهر أي بناء على أنه لا تحله الحياة وما تقرر من كون ناب الفيل نجسا إذا كان من ميتة مثله المنفصل من الفيل حال الحياة وحيث كان المنفصل من الميتة نجسا فالكراهة في قول المدونة وأكره الأدهان في أنياب الفيل والمشط بها والتجارة فيها لأنها ميتة محمولة على التحريم وأما أنياب الفيل المذكى ولو بالعقر فإنه مكروه والكراهة على التنزيه "وما مات فيه فأرة" بالهمز "من سمن أو زيت أوعسل" أو ودك "ذائب" راجع للجميع "طرح ولم يؤكل" ولا يباع ومثل الفأرة كل ما له نفس سائلة ولما ذكر أنه يطرح ولا يؤكل وخشي أن يتوهم أنه لا ينتفع به أصلا رفع ذلك الإيهام بقوله: "ولا بأس" بمعنى ويباح "أن يستصبح بالزيت المتنجس وشبهه" كالودك والسمن "في غير المساجد" كالبيوت والحوانيت "و" أما المساجد فـ "ليتحفظ منه" لأنه نجس فلا يستصبح به فيها لتنزيهها عن النجاسات ثم صرح بمفهوم ذائب فقال: "وإن كان" ما ذكر من السمن وما عطف عليه "جامدا طرحت" الفأرة التي ماتت فيه هي "وما حولها وأكل ما بقي" وله بيعه إلا أنه يبين لأن النفس تكرهه ولا تحديد فيما يطرح

стр. 424

قال سحنون إلا أن يطول مقامها فيه فإنه يطرح كله ولا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم وكره أكل شحوم اليهود منهم من غير تحريم ولا يؤكل ما ذكاه المجوسي ــ منه وإنما ذلك على حب غلبة الظن "قال سحنون إلا أن يطول مقامها" بضم الميم أي إقامتها "فيه فإنه يطرح كله" لأن النجاسة إذا طال مقامها في الجامد نفذت في جميع أجزائه "ولا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم" لا بأس هنا للإباحة قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآية الجمهور من المفسرين على أن المراد بالطعام الذبيحة كلها ما حل ذلك منها وما حرم عليه كالطريفة وهي أن توجد الذبيحة فاسدة الرئة ولابد لجواز الأكل أن يكون ممن لا يستحل الميتة وأما من يستحلها فقال الباجي إن ذبح بحضرتك وأصاب وجه الذكاة جاز أكلها وأما إن غاب عنها فلا يجوز "وكره أكل شحوم اليهود منهم من غير تحريم" أي مما هو محرم عليهم بشرعنا كشحم البقر والغنم الخالص كالشحم الرقيق الذي يغشى الكرش والأمعاء فإن قيل شحم اليهود مما ثبت تحريمه بشرعنا فلم لم يكن حراما فالجواب أنه جزء مذكى والمذكى حل له فهو لم يذبح غير حل له لكن لحرمته عليه كره أكله لنا "ولا يؤكل ما ذكاه المجوسي" مطلقا وثنيا كان وهو ما يعبد الوثن أي الصنم قال في المصباح الوثن الصنم سواء كان من خشب أو حجر أو غير وثني ذكاه لنفسه أو لمسلم إلا أن يأمره المسلم بالذبح ويقول له قل باسم الله عليها فإنها تؤكل من غير خلاف وكذلك لا تؤكل ذبيحة السكران والمجنون ولو أصابا الذكاة لفقدان عقلهما قال ابن الحاجب وتصح من الصبي المميز والمرأة من غير ضرورة على الأصح

стр. 425

وما كان مما ليس فيه ذكاة من طعامهم فليس بحرام والصيد للهو مكروه والصيد لغير اللهو مباح وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله إذا أرسلته عليه ــ "وما كان مما ليس فيه ذكاة من طعامهم" يجوز أكله اتفاقا إن تيقنت طهارته أما إن تيقنت نجاسته فيحرم أكله وما شك فيه يحمل على التنجيس "والصيد للهو مكروه" قال في التنبيه اللهو مصدر لهوت بالشيء بالفتح لهوا إذا لعبت به "والصيد لغير اللهو مباح" وقد يكون واجبا إذا كان لا يمكنه الإنفاق على عياله إلا منه "وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله" لا خصوصية لهذين بل كل ما علم بالفعل من الكلاب والسباع والطيور وهو أن يكون بحيث إذا أرسل أطاع وإذا زجر انزجر إلا أن يكون طيرا فيكفي فيه الإطاعة عند إرادة الإرسال ولا يشترط فيه قبول الانزجار بعد الإرسال "إذا أرسلته عليه" فقتله فإنه يجوز أكله فيشترط في المصاد به إذا كان حيوانا أن يكون علم بالفعل ولو كان من نوع ما لا يقبل التعليم كالأسد والنمر والنمس وأولى ما يقبله من كلب وباز وسنور ولو كان طبع المعلم بالفعل الغدر كدب فإنه لا يمسك إلا لنفسه وأن يكون مرسلا من يد الصائد ويشترط في المصيد أن يكون مرئيا أي أو يكون في مكان محصور كغار أو غيضة علم به أو لم يعلم به أبصره أو لا ويشترط أن لا يكون لهما منفذ آخر وإلا لم يؤكل ما كان بواحد منهما وأن يكون مما يؤكل لحمه ولو ظن خلافه كما لو ظنه أرنبا مثلا فأرسل عليه كلبه فإذا هو ظبي وأن يكون غير مقدور عليه أي جملة أو في القدرة عليه مشقة ككونه في شاهق جبل أو على شجرة ولا يتوصل إليه إلا بأمر يخاف منه
следующие страницы →