← Фикх общий

Фикх общий · id 7444

الروضة الندية شرح الدرر البهية ط المعرفة

صديق حسن خان

Полный текст (711 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

كتاب الوكالة حكم الوكالة ... كتاب الوكالة هي أن يكون أحدهما يعقد العقود لصاحبه "يجوز لجائز التصرف أن يُوكَّل غيره في كل شئ مالم يمنع منه مانع" لأنه قد ثبت عنه ﷺ التوكيل في قضاء الدين كما في حديث أبي رافع" أنه أمره ﷺ أن يقضي الرجل بكره" وقد تقدم وثبت عنه ﷺ التوكيل في استيفاء الحد كما في حديث" واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وهو في الصحيح وسيأتي وثبت عنه التوكيل في القيام على بدنة وتقسيم جلالها وجلودها وهو في الصحيح وثبت عنه ﷺ التوكيل في حفظ زكاة رمضان كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة وثبت عنه ﷺ "أنه أعطى عقبة بن عامر غنما يقسمها بين أصحابه" وقد تقدم في الضحايا وثبت عنه ﷺ "أنه وكل أبا رافع ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة" وقد تقدم وثبت عنه ﷺ أنه قال لجابر: "إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا" كما أخرجه أبو داود والدارقطني وفي الباب أحاديث كثيرة فيها ما يفيد جواز الوكالة فلا يخرج عن ذلك إلا ما منع منه مانع وذلك كالتوكيل في شئ لا يجوز للموكل أن يفعله ويجوز للوكيل كتوكيل المسلم للذمي في بيع الخمر أو الخنزير أو نحو ذلك فإن ذلك لا يجوز ولا يكون محللا للثمن لما ثبت عنه ﷺ "إ ن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه" وقد تقدم وقد ورد في الكتاب العزيز ما يدل على جواز التوكيل كقوله تعالى ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ وقوله ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ وقد أورد البخاري في الوكالة ستة وعشرين حديثا ستة معلقة والباقية موصولة وقد قام الإجماع على مشروعيتها "وإذا باع الوكيل بزيادة على ما رسمه موكِّله كانت الزيادة للموكل" لما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث عروة البارقي "أن النبي ﷺ أعطاه

стр. 562

دينارا ليشتري به له شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاء بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه فكان لو اشترى التراب لربح فيه"وأخرج الترمذي من حديث حكيم بن حزام" أن النبي ﷺ بعثه ليشتري له أضحية بدينا" فذكر نحو حديث عروة البارقي وفي إسناده انقطاع لأنه من رواية حبيب بن أبي ثابت عن حكيم ولم يسمع منه وأخرج أبو داود من حديث أبي حصين عن شيخ من أهل المدينة عن حيكم نحو ذلك وفيه هذا الشيخ المذكور وقد ذهب إلى ما ذكرناه الجمهور وقال الشافعي في الجديد وأصحابه: إن العقد باطل أي عقد البيع الواقع من الوكيل في مثل الصورة المذكورة لأنه لم يأمره الموكل بذلك "وإذا خالفه إلى ما هو أنفع أو إلى غيره ورضي به صح" لكون الرضا مناطا مسوغا لذلك ومجوزا له وإذا لم يرض لم يلزمه ما وقع من الوكيل مخالفا لما رسمه له المناط المعتبر وقد ثبت في البخاري وغيره من حديث معن بن يزيد قال "كان أبي خرج بدنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها فقال: والله ما إياك أردت بها فخاصمه إلى النبي ﷺ فقال: لك ما نويت يا يزيد ولك يا معن ما أخذت "ولعل هذه الصدقة صدقة تطوع لا صدقة فرض فقد وقع الإجماع على أنه لا تجزيء في الولد.

стр. 563

كتاب الضمانة "يجب على من ضمن على حي أو ميت تسليم مال أن يغرمه عند الطلب" لما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث أبي أمامة أنه ﷺ قال: "الزعيم غارم١ " وفي إسناده إسمعيل بن عياش ولكنه ثقة في الشاميين وقد رواه هنا عن شامي وهو شرحبيل بن مسلم فيم يصب ابن حزم في تضعيف الحديث بإسمعيل بن عياش وقد أخرجه النسائي من طريقين إحداهما من طريق أبي عامر

стр. 564

الوصابي١ والأخرى من طريق حاتم بن حريث كلاهما عن أبي أمامة وقد صححه ابن حبان من طريق حاتم هذه وحاتم قد وثقه الدارمي وقد أخرج الحديث ابن ماجه والطبراني من طريق سعيد بن أبي سعيد عن أنس وأخرجه ابن عدي من حديث ابن عباس وضعفه باسمعيل بن زياد السكوني ورواه أبو موسى المدنبي في الصحابة من طريق سويد بن جبلة قال الدارقطني: لا تصح له صحبة وحديثه مرسل قال: وبعضهم يقول له صحبة ورواه الخطيب في التلخيص من طريق ابن لهيعة عن عبد الله بن حبان٢ الليثي عن رجل عن آخر منهم وأخرج البخاري وغيره من حديث سلمة بن الأكوع "أن النبي ﷺ امتنع من الصلاة على من عليه الدين فقال أبو قتادة: صل عليه يارسول الله وعلي دينه فصلى عليه"وأخرج هذه القصة الترمذي من حديث أبي قتادة وصححه وأخرج هذه القصة الترمذي من حديث أبي قتادة وصححه وأخرجها أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والدارقطني والحاكم من حديث جابر وفي لفظ من حديث جابر هذا أن النبي ﷺ قال لأبي قتادة: "قد أوفى الله حق الغريم وبرىء منه الميت قال نعم فصلى عليه فلما قضاها قال له النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: الآن بردت عليه جلده" أخرج ذلك أحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني وصححه ابن حبان والحاكم "ويُرجع على المضمون عنه إن كان مأمورا من جهته" لكون الدين عليه والأمر منه للضمين بالضمانة كالأمر له بالتسليم فيرجع عليه لذلك "ومن ضمن بإحضار شخص وجب عليه إحضاره وإلا غرم ما عليه" لعموم قوله ﷺ "الزعيم غارم" والخلاف في الضمانة معروف وهذا خلاصة ما ورد به الشرع

стр. 565

كتاب الصلح حكم الصلح ... كتاب الصلح "هو جائز بين المسلمين" لقوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ "إلا صُلحاً أحل حراما أو حرم حلالا" لحديث عمرو ابن عوف عند أبي داود وابن ماجه والترمذي والحاكم وابن حبان أن النبي ﷺ قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صُلحاً حرم حلالا أو أحل حراما" وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه وهو ضعيف جدا وقد صحح الحديث الترمذي فلم يصب وقد اعتذر له ابن حجر فقال: كأنه اعتبر بكثرة طرقه وذلك لأنه رواه أبو داود والحاكم من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال الحاكم: على شرطهما وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي وأخرجه أيضا الحاكم من حديث أنس ومن حديث عائشة أخرجه الدارقطني "ويجوز عن المعلوم والمجهول بمعلوم وبمجهول" لحديث أم سلمة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه قالت جاء رجلان إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة فقال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إلى رسول الله وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن١ بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاما٢ في عنقه يوم القيامة" فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي فقال رسول الله ﷺ : "أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما٣ ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه" وفي إسناد هذا الحديث أسامة بن زيد بن أسلم المدني وفيه مقال ولكن أصل الحديث في الصحيحين وقد استدل به على جواز الصلح

стр. 566

والإبراء من المجهول وأخرج البخاري من حديث جابر أن أباه قُتل يوم أحد شهيداً وعليه دَين فاشتد الغرماء في حقوقهم قال: فأتيت النبي ﷺ فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي ويحللوا أبي فأبوا فلم يعطهم النبي ﷺ حائطي وقال "سنغدوا عليك" فغدا علينا حين أصبح فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة فجددتها١ فقضيتها وبقي لنا من ثمرها وفيه جواز الصلح عن معلوم بمجهول أقول: إسقاط الشئ فرع العلم به فمن جهل ما يريد إسقاطه فإما أن يعلمه بوجه من الوجوه أو بجهله من جميع الوجوه فإن علمه بوجه من الوجوه على صورة تتميز عنده بعض تميز بحيث يغلب في ظنه أنه من الجنس الفلاني وأن مقداره لا يجاوز كذا فهذا يصح إسقاطه وإن كان مجهولا من جميع الوجوه بحيث لا يعرف جنسه ولا مقداره كيفا ولا كما فهذا لا يصح إسقاطه لأنه قد يكون على صفة لو علم بها لم تطب نفسه بالإسقاط "وعن الدم كالمال بأقل من الدية أو أكثر" لكون اللازم في الدم مع عدم القصاص هو المال فهو صلح بمال عن مال يدخل تحت عموم قوله تعالي: ﴿أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ وتحت قوله ﷺ : "الصلح جائز" وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "من قتل متعمدا دُفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤا قتلوا وإن شاؤا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وذلك عقل العمد وما صولحوا عليه فهو وذلك تشديد العقل" وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وفيه مقال "لو عن إنكار" لعموم الأدلة واندراج الصلح عن إنكار تحتها ولم يأت من منعه ببرهان وقد ذهب إلى جوازه الجمهور وحكى في البحر عن الشافعي وابن أبي ليلى أنه لا يصح الصلح عن إنكار وقد ثبت في الصحيح عن كعب في قصة المتخاصمين في المسجد في دين فأشار النبي ﷺ إلى صاحب الدَّين أن يضع شطر دينه ويتعجل الباقي وهو دليل على جواز الصلح مع الخصام ووضع واستيفاء البعض قال في الحجة البالغة ومنه وضع جزء من الدين كقصة ابن أبي حدرد٢ وهذا الحديث أحد الأصول في باب المعاملات أقول: الظاهر أنها تجوز المصالحة عن إنكار نحو أن يدعى

стр. 567

رجل على آخر مائة دينار فينكره في جميعها فيصالحه على النصف من ذلك المقدار لأن مناط الصلح التراضي والمنكر قد رضي بأن يكون عليه بعض ما أنكره وأي مقتض يمنع هذا وإن كان مثل حديث "لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه" هذا قد سلم بعضا مما أنكره طيبة به نفسه وإن كان غير ذلك فما هو؟ ثم حديث كعب المتقدم المشتمل على وقوع التنازع بين الرجلين إن كان التنازع بينهما في المقدار فهو أيضا صلح عن إنكار وقد جوزه الشارع وإن كان التنازع بينهما في التعجيل والتأجيل فهو أيضا صلح عن إنكار لأن منكر الأجل قد صولح على أن يتعجل البعض من دينه ويسقط الباقي إلى مقابل دعوى صاحبه للأجل *

стр. 568

كتاب الحوالة حكم الحوالة ... كتاب الحوالة وهي جائزة وعليه أهل العلم "من أُحيل على مليء فليحتل" ويقبل ذلك لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "مطل الغني ظلم ومن أحيل على مليء فليحتل" وفي لفظ لهما "وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" وقد أخرج نحوه ابن ماجه وأحمد والترمذي من حديث ابن عمر وفي إسناد ابن ماجة إسمعيل بن توبة١ وهو صدوق وبقية رجاله رجال الصحيح وفي شرح السنة قوله: "أتبع أحدكم" بالتخفيف معناه: إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع أي فليحتل أي فليقبل الحوالة يقال: أتبعت غريمي على فلان فتبعه أي أحلته فاحتال وقوله: "فليتبع " ليس ذلك على طريق الوجوب بل على طريق الإباحة أي الندب إن اختار قبل الحوالة وإن شاء لم يقبل انتهى وقد قيل: إنه يشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف والمحتال عند الأكثر والمحال عليه عند بعض أهل العلم قال في الحجة: هذا أمر استحباب لأن فيه قطع المناقشة "وإذا مطل المُحال عليه أو أفلس كان للمُحال أن يُطالب المحيل بدينه" لكون الدين باقيا بذمة المحيل لا يسقط عنه إلا بتسليمه إلى المحتال من المحال عليه فإذا لم يحصل التسليم كان دينه باقيا كما كان قبل

стр. 569

الحوالة ويستفاد ذلك من قوله: "على مليء" فإن من مطل أو أفلس ليس بالمليء الذي أرشد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صاحب الدين أن يقبل الحوالة عليه قال يحيى سمعت مالكا يقول: الأمرعندنا في الرجل يحيل الرجل على الرجل بدين له عليه إن أفلس الذي أحيل عليه أو مات ولم يدّع وفاء فليس للمحتال على الذي أحاله شئ وأنه لا يرجع على صاحبه الأول قال مالك: وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا فأما الرجل يتحمل له الرجل بدين له على رجل آخر ثم يهلك المتحمل أو يفلس فإن الذي تحمل له يرجع على غريمه الأول كذا في الموطأ قلت: وعليه الشافعي وفي شرح السنة إذا قبل الحوالة تحول الدين من المحيل إلى ذمة المحال عليه ولا رجوع للمحتال على المحيل من غير عذر فإن أفلس المحال عليه أو مات ولم يترك وفاء قال الشافعي: لا رجوع له على المحيل بحال وقال أبو حنيفة: يرجع إذا أفلس أو مات ولم يترك وفاء.

стр. 570

كتاب المفلس "يجوز لأهل الدَّيْن أن يأخذوا جميع ما يجدونه معه" أي مع المفلس "إلا ما كان لا يُستغنى عنه وهو المنزل وستر العورة وما يقيه البرد ويسد رمقه ومن يعول" لحديث أبي سعيد عند مسلم وغيره قال: "أصيب رجل على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال: تصدقوا عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لغرمائه: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" وأخرج الدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه من حديث كعب بن مالك "أن النبي ﷺ حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه"وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود وعبد الرزاق من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلا قال: كان معاذ بن جبل شابا سخيا وكان لا يمسك شيئا فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين فأتى النبي ﷺ فكلمه ليكلم غرماءه فلوا تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول الله ﷺ فباع رسول الله ﷺ لهم ماله حتى قام معاذ بغير شئ قال عبد الحق: المرسل أصح وقال ابن الطلاع في الأحكام:

стр. 571

هو حديث ثابت فأفاد ما ذكرناه أن أهل الدين يأخذون جميع ما يجدونه مع المفلس لكنه لم يثبت أنهم أخذوا ثيابه التي عليه أو أخرجوه من منزله أو تركوه هو ومن يعول لا يجدون ما لا بد لهم منه ولهذا ذكرنا أنه يستثنى له ذلك "ومن وجد ماله عنده بعينه فهو أحق به" لأنه كان في الأصل ماله من غير مزاحمة ثم باعه ولم يرض في بيعه بخروجه من يده إلا بالثمن فكان البيع إنما هو بشرط إيفاء الثمن فلما لم يؤد كان له نقضه ما دام المبيع قائما بعينه فإذا فات المبيع لم يمكن أن يرد البيع فصار دينه كسائر الديون ودليله حديث حسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: "من وجد متاعه عند مفلس بعينه فهو أحق به" أخرجه أحمد وأبو داود وقال ابن حجر في الفتح: إسناده حسن ولكن سماع الحسن عن سمرة فيه مقال معروف وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره" وفي لفظ لمسلم أنه ﷺ قال في الرجل الذي يعدم: "إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه أنه لصاحبه الذي باعه" وفي لفظ لأحمد "أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله ولم يكن اقتضى من ماله شيئا فهو له" وأخرج الشافعي وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي هريرة أنه قال في مفلس أتوه به: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من أفلس أو مات فوجد الرجل متاعه بعينه فهو أحق به وأخرج مالك في الموطأ وأبو داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام مرسلا أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: " أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقتض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء" وقد وصله أبو داود فقال عن أبي هريرة وفي إسناده إسمعيل بن عياش ولكنه ههنا روى عن الحرث الزبيدي وهو شامي وهو قوي في الشاميين وقد ذهب إلى أن البائع أولى بعين ماله الموجود عند المفلس الجمهور وخالفت في ذلك الحنفية فقالوا: لا يكون أولى به والحديث يرد عليهم وقد ذهب الجمهور أيضا إلى أن المشتري إذا كان قد قضى بعض الثمن لم يكن البائع أولى بما لم يسلم المشتري ثمنه بل يكون أسوة الغرماء كما أفاده ما تقدم في الرواية من قوله:

стр. 572

"ولم يكن اتقضى من ماله شيئا"وقال الشافعي: إن البائع أولى به وهكذا إذا مات المشتري والسلعة قائمة فذهب مالك وأحمد إلى أنها تكون أسوة الغرماء وقال الشافعي: البائع أولى بها "وإذا نقص مال المفلس عن الوفاء بجميع ديْنه كان الموجود أسوة الغرماء" لأن ذلك هو العدل لأن الديون اللازمة مستوية في استحقاق قضائها من مال المفلس وليس بعضها بأولى به من بعض إلا لمخصص ولا مخصص ههنا وقد أشار إلى هذا ما تقدم في الرواية من قوله: "فصاحب المتاع أُسوة الغُرماء" "وإذا تبين إفلاسه فلا يجوز حبسه" لأنه خلاف حكم الله سبحانه قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ "و" لمفهوم قوله ﷺ "ليّ الواجد١ ظلم" وهو حديث صحيح قد تقدم في الباب الذي قبل هذا والمفلس ليس بواجد "يحل عرضه وعقوبته" وأما إذا لم يتبين إفلاسه ولا كونه واجدا فهذا محل اللبس والواجب البحث عن حاله بحسب الإمكان حتى يتبين كونه واجدا فيعاقب بالحبس أو نحوه كما دل عليه حديث "مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته" وفي لفظ "لي الواجد ظلم" والكل في الصحيح أو تبين كونه غير واجد فينظر إلى ميسرة وأما حبس من تبين إفلاسه فلا يحل بوجه فإنه ظلم بحت قال في الحجة البالغة: ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته أقول: هو أن يغلظ له في القول ويحبس ويجيرعلى البيع إن لم يكن له مال غيره وفي شرح السنة وهذا قول أهل العلم: إن مال المفلس يقسم بين غرمائه على قدر ديونهم فإن نفذ ماله وفضل الدين ينظر إلى الميسرة قال مالك: إذا كان على رجل مال وله عبد لا شئ له غيره فأعتقه لم يجز عتقه وعند الشافعي تصرف المديون نافذ ما لم يحجر عليه القاضي ثم بعد الحجر لا ينفذ تصرفه في ماله وفي شرح السنة أيضا أما المعسر فلا حبس عليه بل ينظر فإنه غير ظالم بالتأخير وهذا قول مالك والشافعي فإن كان له مال يخفيه حبس وعزر حتى يظهر ماله وذهب شريح إلى أن المعسر يحبس وهو قول أهل الرأي "ويجوز للحاكم أن يحجزه عن التصرف في ماله ويبيعه لقضاء دينه" لحجره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على معاذ كما تقدم وكذلك يبيع الحاكم

стр. 573

مال المفلس لقضاء دينه كما فعله ﷺ في مال معاذ "وكذلك يجوز له الحجر على المبذِّر ومن لا يحسن التصرف" لقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قال في الكشاف: السفهاء المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا يد بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها والخطاب للأولياء وأضاف الأموال إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وقال: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ ومما يدل على ذلك عدم إنكاره ﷺ على قرابة حبان أن يحجر عليه إن صح ذلك ويدل على ذلك رده ﷺ للبيضة التي تصدق بها من لا مال له كما أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة من حديث جابر وكذلك رده ﷺ صدقة الرجل الذي تصدق بأحد ثوبيه كما أخرجه أهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان من حديث أبي سعيد وكذلك رده ﷺ عتق من أعتق عبدا له عن دبر ولا مال له غيره كما أشار إلى ذلك البخاري وترجم عليه "باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل وإن لم يكن حجر عليه الإمام "وأخرج الشافعي في مسنده والبيهقي عن عروة بن الزبير قال: ابتاع عبد الله بن جعفر بيعا فقال علي ﵁ لآتين عثمان فلأحجرن عليه فأعلم ذلك ابن جعفر الزبير فقال: أنا شريكك في بيعتك فأتى عثمان فقال: احجر على هذا فقال الزبير: أنا شريكه فقال عثمان: إحجر على رجل شريكه الزبير ففي هذه القصة دليل على أن الحجر كان عندهم أمرا معروفا ثابتا في الشريعة لولا ذلك لأنكره بعض من اطلع على هذه القصة ولكان الجواب من عثمان على علي بأن هذا غير جائز وكذلك الزبير وعبد الله بن جعفر لو كان مثل هذا الأمر غير جائز لكان لهما عن تلك الشركة مندوحة وقد ذهب إلى جواز الحجر على السفيه الجمهور وعليه أهل العلم وفي الوقاية الحجر منع نفاذ تصرف قولي وسببه الصغر والجنون والرق فإن أتلفوا شيئا ضمنوا وفي المنهاج ولا يصح من المحجور عليه بسفه بيع ولا شراء ولا عتاق وهبة ونكاح بغير إذن وليه ويصح بإذن الولي نكاحه لا التصرف المالي في الأصح "ولا يمكن اليتيم من التصرف في ماله حتى

стр. 574

يؤنس منه الرشد" لقوله تعالى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ في المنهاج حجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيدا فلو بلغ غير رشيد دام الحجر وفي الوقاية: فإن بلغ غير رشيد لم يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة وصح تصرفه قبله وبعده يسلم إليه ولو بلا رشد "ويجوز لوليه أن يأكل من ماله بالمعروف" لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: "نزلت هذه الآية في ولي اليتيم إذا كان فقيرا أنه يأكل منه بالمعروف وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: إني فقير وليس لي شئ ولي يتيم فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل١" والمراد بقوله ولا مبادر ما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي مسرفين ومبادرين كبر الأيتام فهذه الآية والحديث مخصصان لقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا﴾ في شرح السنة اختلفوا في ذلك فذهب قوم إلى أنه يأكل ولا يقضي وعليه أحمد وآخرون إلى أنه يأكل ويرد مثله إذا كبر أقول: اختاره محمد بن الحسن والولي يتجر في أموال اليتامى ويضارب ويفعل ما فيه الغبطة قال مالك قال عمر بن الخطاب: "اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة "وكانت عائشة تعطي أموال اليتامى من يتجر لهم فيها قال مالك: لا بأس بالتجارة في أموال اليتامى لهم إذا كان الولي مأمونا فلا أرى عليه ضمانا قلت: وعليه الشافعي في المنهاج وله أي للولي بيع ماله بقرض ونسيئة للمصلحة ويزكي ماله وينفق عليه بالمعروف.

стр. 575

كتاب اللُّقطة "من وجد لُقطة فليعرف عفاصها" وهو الوعاء الذي تكون فيه من جلد أو خرقة أو غير ذلك من العفص وهو الثني والعطف وبه سمي الجلد الذي يكون على رأس القارورة "ووكاءها" وهو الخيط الذي يشد به الوعاء قيل: فائدة المعرفة أنه

стр. 576

لو ادعاها أحد ووصفها إليه وقيل: أن لا تختلط بماله اختلاطا لا يمكن معه التمييز إذا جاء مالكها في شرح السنة قال الشافعي: إذا عرف الرجل العفاص والوكاء والعدد والوزن ووقع في نفسه أنه صادق فله أن يعطيه ولا أجبره عليه إلا ببينة لأنه قد يصيب الصفة بأن يسمع الملتقط يصفها وفي الهداية فإن أعطى علامتها حل للملقتط أن يدفعها إليه ولا يجبر على ذلك في القضاء انتهى "فإن جاء صاحبها دفعها إليه" لحديث عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل أو ليحفظ عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها فلا يكتم فهو أحق بها وإن لم يجيء صاحبها فهو مال الله يؤتيه من يشاء" أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي وابن حبان وفي الصحيحين من حديث زيد بن خالد قال: "سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن لقطة الذهب والورق فقال: اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه وسأله عن ضالة الإبل فقال مالك: ولها دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها وسأله عن الشاة فقال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب " وفي لفظ لمسلم "فإن جاء صاحبها وعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك" وفي مسلم وغيره من حديث أبي بن كعب "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "عرفها فإن جاء أحد يخبرك بعدتها ووعائها ووكائها فأعطها إياه وإلا فاستمتع بها " فدل ما ذكرنا على أنه إذا جاء صاحبها دفعها إليه وفي إعلام الموقعين "قال يا رسول الله: فاللقطة يجدها في سبيل العامرة قال: عرفها حولا فإن وجدت باغيها فأدها إليه وإلا فهي لك قال: ما يوجد في الخراب قال: فيه وفي الركاز الخمس" ذكره أحمد وأهل السنن قال ابن القيم: والإفتاء بما فيه متعين وإن خالفه من خالفه فإنه لم يعارضه ما يوجب تركه انتهى "وإلا عرف بها حولا وبعد ذلك يجوز له صرفها ولو في نفسه ويضمن مع مجيء صاحبها" يعني إن جاء صاحبها بعد ذلك عرفها له إن كان قد أتلفها وأرجعها بعينها إن كانت باقية كما يفيده قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه" وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب التعريف بعد الحول وقد ورد في لفظ

стр. 577

للبخاري من حديث أبيّ ما يدل على أن التعريف يجب بعد الحول ولفظه قال: وجدت صرة فيها مائة دينار فأتيت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: "عرفها حولا" فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته ثانيا فقال: "عرفها حولا" فلم أجد ثم أتيته ثالثا فقال: "احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها فاستمتعت بها فلقيته بعد بمكة" وقد وقع الاختلاف بين الحفاظ في هذه الرواية فعن بعضهم أن الزيادة على العام غلط كما جزم بذلك ابن حزم قال ابن الجوزي: والذي يظهر لي أن سلمة أخطأ فيها ثم ثبت واستمر على عام واحد وجمع بعضهم بأن الزيادة على العام محمولة على مزيد الورع والكلام في ذلك يطول والمراد بقوله في الحديث "ولتكن وديعة عندك" أنه يجب ردها فتجوز بذكر الوديعة عن وجوب الرد لعوضها بعد الاستنفاق بها قال في المسوى: قوله "عرف سنة "عليه الشافعي وأبو حنيفة وخص منه الحقير لحديث علي أنه التقط دينارا في عهد النبي ﷺ ولم يعرفه وفي المنهاج والأصح أن الحقير لا يعرف سنة بل زمنا يظن أن صاحبه يعرضه عنه غالبا وفي الوقاية عرفت مدة لا تطلب بعدها ولقطة مكة المكرمة زادها الله شرفا أشد تعريفا من غيرها لما ثبت في الصحيح أنها لا تحل لقطة مكة إلا لمعرف مع أن التعريف لا بد منه في لقطة مكة وغيرها فحمل ذلك على المبالغة في التعريف لأن الحاج قد يرجع إلى بلده ولا يعود فاحتاج الملتقط لها إلى المبالغة في التعريف وقد قيل في التعريف وقد قيل غير ذلك ولا بأس بأن ينتفع المُلتقط بالشئ الحقير كالعصا والسوط ونحوهما بعد التعريف به ثلاثا " لما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث جابر قال: رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به وفي إسناده المغيرة بن زياد وفيه مقال وقد وثقه وكيع وابن معين وابن عدي وفي الصحيحين من حديث أنس أن النبي ﷺ مر بتمرة في الطريق فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" وقد أخرج أحمد والطبراني والبيهقي من حديث يعلى بن مرة مرفوعا "من التقط لقطة يسيرة حبلا أو درهما أو شبه ذلك فليعرفها ثلاثة أيام فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام" زاد الطبراني "فإن جاء صاحبها وإلا فليتصدق بها" وفي إسناده عمر

стр. 578

بن عبد الله بن يعلى وهو ضعيف وأخرج عبد الرزاق من حديث أبي سعيد "أن عليا جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بدينار وجده في السوق فقال النبي ﷺ : " عرفه ثلاثا ففعل فلم يجد أحدا يعرفه فقال كله " وأما إذا كان الشئ مأكولا فلا يجب التعريف به بل يجوز أكله في الحال لما تقدم من قوله ﷺ في التمرة "وتُلتقط ضالة الدواب إلا الإبل" للحديث المتقدم عن زيد بن خالد وإلحاق سائر الدواب بالشاة لكونها مثلها في معنى قوله ﷺ : "هي لك أو لأخيك أو للذئب" ولا يخرج من ذلك إلا الإبل كما صرح به ﷺ ومما يفيد ذلك ما أخرجه مسلم من حديث زيد بن خالد أن النبي ﷺ قال: "لا يأوي الضالة إلا ضال ما لم يعرفها" فإن الضالة تصدق على الشاة وغيرها وقد قيد ذلك بالتعريف فدل على جواز الالتقاط وخرجت الإبل بالحديث الآخر في المنهاج والحيوان الممتنع من صغار السباع بقوة أو بعدو أو طيران إن وجد بمفازة فللقاضي التقاطه ويحرم التقاطه للتملك وإن وجد بقرية فالأصح جواز التقاطه للتملك وما لا يمتنع منها كشاة يجوز التقاطه في القرية والمفازة ولا فرق عند أبي حنيفة بين أن يكون بهيمة أو غيرها

стр. 579

كتاب القضاء من يصح منه القضاء ... كتاب القضاء "إنما يصح قضاء من كان مجتهدا" لما في الكتاب العزيز من الأمر بالقضاء بالعدل والقسط وبما أراه الله ولا يعرف العدل إلا من كان عارفا بما في الكتاب والسنة من الأحكام ولا يعرف ذلك إلا المجتهد لأن المقلد إنما يعرف قوله إمامه دون حجته وهكذا لا يحكم بما أراه الله إلا من كان مجتهدا لا من كان مقلدا فما أراه الله شيئا بل أراه إمامه ما يختاره لنفسه ومما يدل على اعتبار الاجتهاد حديث بريدة عن النبي ﷺ قال: "القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار" أخرجه ابن ماجه وأبو داود والنسائي والترمذي والحاكم وصححه وقد جمع ابن حجر طرقه في جزء مفرد ووجه الدلالة منه أنه لا يعرف الحق إلا من كان مجتهدا وأما المقلد فهو

стр. 580

يحكم بما قال إمامه ولا يدري أحق هو أم باطل فهو القاضي للناس على جهل وهو أحد قاضيي النار ومن الأدلة على اشتراط الاجتهاد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ ولا يحكم بما أنزل الله إلا من يعرف التنزيل والتأويل ومما يدل على ذلك حديث معاذ لما بعثه ﷺ إلى اليمن فقال له: "بما تقضي" قال: بكتاب الله قال: "فإن لم تجد" قال: فبسنة رسول الله قال: "فإن لم تجد" قال فبرأيي قال الماتن: وهو حديث مشهور قد بينت طرقه ومن خرجه في بحث مستقل ومعلوم أن المقلد لا يعرف كتابا ولا سنة ولا رأي له بل لا يدري بأن الحكم موجود في الكتاب أو السنة فيقضي به أو ليس بموجود فيجتهد برأيه فإذا ادعى المقلد أن حكم برأيه فهو يعلم أنه يكذب على نفسه لاعترافه بأنه لايعرف كتابا ولاسنة فإذا زعم أنه حكم برأيه فقد أقر على نفسه أنه حكم بالطاغوت وللسيد العلامة محمد بن إسمعيل الأمير رسالة مستقلة في تيسير الاجتهاد سماها إرشاد النقاد فليرجع إليها١ أقول الحاصل أن المقلد ليس ممن يعقل حجج الله إذا جاءته فضلا عن أن يعرف الحق من الباطل والصواب من الخطأ والراجح من المرجوح لا ينبغي أن ينسب المقلد إلى العلم مطلقا ولهذا نقل عضد الدين الإجماع على أنه لا يسم المقلد عالما وأما ما صار يستروح إليه من جوز قضاء المقلد من قلة المجتهدين في الأزمنة الأخيرة وأنه لو لم يل القضاء إلا من كان مجتهدا لتعطلت الأحكام فكلام في غاية السقوط فالمجتهدون في كل قطر ولكنهم في زمان غربة فمنهم من يخفي اجتهاده مخافة صولة المقصرين ومنهم من يحتقره المقلدون عن أن يكون مجتهدا لضيق إعطائهم وحقارة عرفانهم وتبلد أذهانهم وجمود قرائحهم وخمود أفكارهم ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهله ولقد عرفت مشايخي الذين أخذت عنهم العلم فأكثرهم مجتهدون وفي مدينة صنعاء من المجتهدين من يستغنى به عن القضاة المقلدين في جميع الأقطار اليمنية مع أنه لا يسلم لهم الاجتهاد إلا من كان مثلهم أو مقاربا لهم وأما أسراء التقليد فهيهات أن يذعن واحد واحد منهم لأحد بالاجتهاد مع أن العلوم المعتبرة في الاجتهاد عند هؤلاء المقلدين هي العلوم الخمسة المذكورة في كتب أصول الفقه وهي بالنسبة إلى ما يحفظ من وصفناه من المجتهدين شيء يسير قال الماتن ﵀: ومن غريب ما أحكيه لك أنه لما كثر الخلط من قضاة حضرة الخلافة استأذنت الخليفة

стр. 581

حفظه الله في جمعهم لقصد ترغيبهم في العدل وترهيبهم عن الجور فاجتمع منهم نحو أربعين قاضيا فسألتهم عن شئ مما يتعلق بشروط القضاء المدونة في كتب الفروع فلم يهتد أحد منهم إلى الجواب على وجه الصواب بل اعترفوا جمعيا بالقصور عن فهم دقائق التقليد فضلا عن معرفة علوم الاجتهاد أو بعضها وليت أنهم إذا قصروا لم يقصروا في الورع فإن الورع يردع صاحبه عن المجازفة ويرشده إلى أن شفاء العي السؤال ويكفه عن التسلق لأموال المسلمين ويرده عن التسرع إليها بأدنى شبهة ولعمري أن القاضي إذا جمع بين الجهل وعدم الورع أشد على عباد الله من الشيطان لأنه يقضي بين الناس بالطاغوت موهما لهم أنه إنما يقضي بينهم بالشريعة المطهرة ثم ينصب الجبائل لاقتناص أموالهم ويأكلها بالباطل ولا سيما أموال اليتامى والنساء اللهم أصلح عبادك وتداركهم من كل ما لا يرضيك انتهى فإن قلت حديث أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعث عليا إلى اليمن قاضيا فقال يا رسول الله: بعثتني بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء قال: فضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في صدري وقال: اللهم اهده وثبت لسانه قال علي فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين" أخرجه أهل السنن وغيرهم هل يدل على جواز قضاء من ليس بمجتهد لقوله "أنا شاب ولا أدي ما القضاء" قلت من تمسك بهذا فليأتنا برجل يدعو للقاضي الذي لا علم له بالقضاء بمثل هذه الدعوة النبوية حتى لا يشك بعدها كما لم يشك علي كرم الله وجهه بعد تلك الدعوة فإذا فعل هذا لنحن لا نخالفه والكلام على هذه المسألة يحتمل البسط وقد قضينا عنها الوطر في كتابنا ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على القاضي فليراجع فإن فيه ما يشفي العليل ويهد إلى سواء السبيل "متورِّعاً عن أموال الناس عادلا في القضية حاكما بالسوية" لكون من لم يتورع عن أموال الناس لا يتورع عن الرشوة وهي تحول بينه وبين الحق كما سيأتي وهكذا من لم يكن عادلا لجرأة فيه أو مداهنة أو محاباة فهو يترك الحق وهو يعلم به فهو أحد قضاة النار لأنه عرف الحق وجار في الحكم قال في الحجة البالغة: أقول لا يستوجب القضاء إلا من كان عدلا بريئا من الجور والميل وقد عرف منه ذلك وعالما يعرف الحق لا سيما في مسائل القضاء والسر في ذلك واضح فإنه لا يتصور وجود المصلحة المقصودة إلا بها أقول: وأما توليه القضاء من جهة

стр. 582

الظلمة فالسلطان الذي أوجب الله طاعته في كتابه العزيز وتوافرت الأحاديث الصحيحة بذلك هو من كان مسلما لم يفعل ما يوجب كفرا بواحا١ وكان مقيما لأعظم أركان الإسلام وأجل شعائره وهو الصلاة فهذا هو السلطان الذي تجب على الناس طاعته وامتثال أوامره ويحرم عليهم أن ينزعوا أيديهم في طاعته ولكن بشرط أن لا يكون ما يأمر به معصية لما ثبت "أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" وأن الطاعة في المعروف فإذا أمر بما هو من الطاعة وجب الامتثال وأمره للعالم بأن يكون قاضيا هو أمر بطاعة يجب امتثاله بنص الكتاب والسنة ولا يقدح في ذلك كونه مرتكبا لشئ مما لا يحل له أو يظلم الرعية في بعض ما لا يحل له فإن ذلك أمر آخر لا يوجب سقوط طاعته ونعم القدوة السلف الصالح فقد كانوا يعملون لسلاطين بني أمية الأعمال ويلون لهم القضاء مع كونهم في العلم والعمل بمكان لا يجهله أحد وسلاطين تلك الأزمنة فيهم من يستحل الدماء بغير حقها والأموال بدون حلها نعم القضاء قد ورد فيه ما يدل على الترغيب تارة والترهيب أخرى بل ورد في الإمارة التي هي أعم من القضاء ما يشعر بأن تجنبها أولى والجمع بين الأحاديث فيما يظهر لي يرجع إلى الأشخاص فمن علم من نفسه القيام بالحق والصدع به وعدم الضعف في الأمر وقوة الصلابة في القضاء والعفة عن الأموال والتسوية بين القوي والضعيف فالدخول في القضاء أولى له إن لم يكن واجبا عليه بشرط أن يكون في العلم على الصفة التي قدمنا ذكرها ومن كان يضعف عن هذه الأوصاف فالترك أولى به وقد يجب عليه الترك ومما يرشد إلى هذا قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لأبي ذر: "إني أراك ضعيفا" ثم أرشده إلى عدم الدخول في الإمارة كما ثبت ذلك في الحديث المشهور وقد أوضحت المقام في رسالتي في القضاء وبسطت المقال على مسائل الإمامة في كتابي إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة وهما هما في هذين البابين والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وهو المستعان وبه التوفيق ويحرم عليه الحرص على القضاء وطلبه لحديث عبد الرحمن بن سمرة في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي

стр. 583

وحسنه من حديث أنس قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: من سأل القضاء وكل إلى نفسه ومن جبر عليه ينزل عليه ملك يسدده " وأخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة" ولا ينافي هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود بإسناد لا مطعن فيه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار" لأن إثم الطلب قد لزمه بالطلب وحصل له الثواب بعد ذلك بالعدل الغالب على الجور قال الماتن في نيل الأوطار: وقد كثر التتابع من الجهلة في هذا المنصب الشريف واشتروه بالأموال ممن هو أجهل منهم حتى عمت البلوى بهم جميع الأقطار اليمنية اهـ قلت: ومثل ذلك وقع في الحرمين الشريفين من جهة الترك فإنا لله وإنا إليه راجعون "ولا يحل للإمام تولية من كان كذلك" أي حريصا على القضاء أو طالبا له لحديث أبي موسى في الصحيحين قال: "دخلت على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال: أحدهما يارسول الله أمِّرنا على بعض ما ولاك الله وقال الآخر مثل ذلك فقال: "إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا يسأله أو أحدا يحرص عليه" والسر فيه أن الطالب لا يخلو غالبا من داعية نفسانية من مال أو جاه أو التمكن من انتقام عدو ونحو ذلك فلا يتحقق منه خلوص النية الذي هو سبب نزول البركات. أقول: وأما أخذ الرزق على القضاء فمال الله موضوع لمصالح المسلمين ولهذا قيل له بيت مال المسلمين ومن أعظم مصالح دينهم ودنياهم القاضي العادل في أحكامه العارف من الشريعة المطهرة بما يحتاج إليه في حله وإبرامه بل ذلك هو المصلحة التي لا توازنها مصلحة لأنه يرشدهم إلى مناهج الشرع ويفصل خصوماتهم بأحكام الله فهو المحتمل لأعباء الدين المترجم عنه لمن يحتاج إليه من المسلمين فرزقه من بيت المال من أهم الأمور ولا سيما إذا استغرق أوقاته في فصل خصوماتهم فقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدون ومن بعدهم من السلف الصالح يقسمون أموال الله بين المسلمين

стр. 584

ويجعلون للعلماء نصيبا موفرا فالقاضي إذا كان متورعا عن أموال العباد قائما بمصالح الحاضر منهم والباد فقد استحق ما يكفيه من بيت المال من جهات منها كونه من المسلمين ومنها كونه عالما ومنها كونه قاضيا وأما ما اعتاده جماعة من القضاة من أخذ الأجرة من الخصوم على الرقوم فمن كان مكفيا من بيت مال المسلمين لا يحل له ذلك لأنه قد قبض أجرته من بيت المال وإن أظهر من يأتيه أن نفسه طيبة به فالذي أوجب طيبها كونه قاضيا وكون الأعراف قد جرت بمثل ذلك وإلا فهو لا يسمح له بماله لو لم يكن كذلك وهذا مما لا شك فيه ولا شبهة وأما إذا لم يكن مكفيا من بيت المال فشرط الحل أن يأخذ مقدار أجرته بطيبة من نفس من يقصده ويكون كالأجير له حكمه لكونه غير مؤجر من بيت مال المسلمين "ومن كان متأهِّلاً للقضاء فهو على خطر عظيم" لحديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي والحاكم والبيهقي والدارقطني وحسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين" قال في الحجة البالغة: هذا بيان أن القضاء حمل ثقيل وأن الإقدام عليه مظنة للهلاك إلا أن يشاء الله انتهى وأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "ما من حكم يحكم بين الناس إلا حبس يوم القيام وملك آخذ بقفاه حتى يقف به على جهنم ثم يرفع رأسه إلى الله فإن قال ألقه ألقاه في مهوي فهوى أربعين خريفا" وفي إسناده عثمان بن محمد الأخنسي وفيه مقال١ وأخرج ابن ماجه والترمذي وحسنه والحاكم في المستدرك وابن حبان من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار وكله إلى نفسه" وفي لفظ الترمذي: "فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان" وفي الباب أحاديث مشتملة على الترهيب وأحاديث مشتملة على الترغيب وقد استوفاها الماتن في شرح المنتقى "وله مع الإصابة أجران ومع الخطأ أجر إن لم يأل جهدا في البحث" يعني بذل طاقته في اتباع الدليل وذلك لأن التكليف بقدر الوسع وإنما وسع الإنسان أن يجتهد وليس في وسعه أن يصيب الحق البتة ودليله حديث عمرو بن العاصي الثابت في الصحيحين وغيرهما عنه ﷺ "إذا اجتهد الحاكم فأصاب"

стр. 585

فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " وقد ورد في روايات "أنه إذا أصاب فله عشرة أجور" وتحرم عليه الرشوة" وفي الأنوار في تفسير الرشوة وجهان: الأول أن الرشوة هي التي يشترط على قابلها الحكم بغير الحق أو الامتناع عن الحكم بالحق والثاني بذل المال لأحد ليتوسل بجاهه إلى أغراضه إذا كان جاهه بالقضاء والعمل فذلك هو الرشوة ويحرم على الرعية إعطاء الرشوة للحكام ليتوسلوا بذلك إلى ظلم ويحرم على الحكام أخذها قال الله تعالى: ﴿َلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ كذا في المسوى وروى مالك بإسناده أن عبد الله بن رواحة قال: ليهود خيبر: "فأما ما عرضتم من الرشوة فإنما هي سحت وإنا لا نأكلها "والهدية التي أُهديت إليه لأجل كونه قاضيا" لحديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي وحسنه وابن حبان وصححه قال: قال رسول الله ﷺ : "لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان والطبراني والدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو كحديث أبي هريرة وأخرج أحمد والحاكم من حديث ثوبان قال: "لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الراشي والمرتشي والرائش" يعني الذي يمشي بينهما وفي إسناد ليث بن أبي سليم قال البزار: إنه تفرد به وفي إسناده أيضا أبو الخطاب قيل: وهو مجهول وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف عند الحاكم وعن عائشة وأم سلمة أشار إليهما الترمذي وقد أجمع أهل العلم على تحريم الرشوة وقد استدل على تحريم الرشوة بقوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ كما روي عن الحسن وسعيد بن جبير أنهما فسرا الآية بذلك وحكي عن مسروق عن ابن مسعود أنه لما سئل عن السحت أهو الرشوة فقال: لا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمته فيهدي لك فإن أهدى لك فلا تقبل "وقد سبق حديث في هذا المعنى في كتاب الهدايا ويدل على تحريم الهدية التي أهديت للقاضي لأجل كونه قاضيا حديث "هدايا الأمراء غلول" أخرجه البيهقي وابن عدي من حديث ابن حميد قال ابن حجر: وإسناده ضعيف ولعل وجه الضعف أنه من رواية اسمعيل بن عياش

стр. 586

عن أهل الحجاز وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة قال ابن حجر: وإسناده أشد ضعفا وأخرجه سنيد بن داود في تفسيره من حديث جابر وفي إسناده إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف وأخرجه الخطيب في تلخيص المتشابه من حديث أنس بلفظ "هدايا العمال سحت" وأخرج أبو داود من حديث بريدة عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بلفظ "من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول" وقد بوب البخاري في أبواب القضاء باب هدايا العمال وذكر فيه حديث ابن اللتبية المشهور١ ومما يؤيد ذلك أن الهدية للقاضي لأجل كونه قاضيا نوع من الرشوة عاجلا أو آجلا قال ابن القيم: أما الهدية للقاضي ففيها تفصيل فإن كانت بغير سبب الفتوى كم عادته يهاديه أو من لا يعرف أنه مفت فلا بأس بقبولها والأولى أن يكافىء عليها وإن كانت بسبب الفتوى فإن كانت سببا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره ممن لا يهدي له لم يجز له قبول هديته لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء وأما أخذ الرزق من بيت المال فإن كان محتاجا إليه جاز له ذلك وإن كان غنيا عنه ففيه وجهان: وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة وعامل اليتيم فمن ألحقه بعامل الزكاة قال النفع فيه عام فله الأخذ ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي بل القاضي أولى بالمنع وأما أخذ الأجرة فلا يجوز لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله فلا تجوز المعارضة عليه كما لو قال: لا أعلمك الإسلام والوضوء والصلاة إلا بأجرة أو سئل عن حلال أو حرام فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا بأجرة فهذا حرام قطعا ويلزمه رد العوض ولا يملكه انتهي "ولا يجوز له الحكم حال الغضب" لحديث أبي بكرة في الصحيحين وغيرهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان" ولا يعارض هذا حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه في الصحيحين وغيرهما "أنه اختصم هو وأنصاري فقال النبي ﷺ للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى أخيك" فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" لأن

стр. 587

النبي ﷺ معصوم في غضبه ورضائه بخلاف غيره فإن الغضب يحول بينه وبين الحق ويختلط حال الغضب ويتشوش خاطره ويتكدر ذهنه ويذهل عن الصواب فلا يصلح الاستدلال بقضائه ﷺ حال غضبه لهذا الفرق فالحق أن حكم الحاكم حال الغضب حرام وأما كونه يصح أو لا يصح فينبغي النظر في نفس الحكم فإن كان واقعا على الصواب فالاعتبار بذلك ومجرد صدوره حال الغضب لا يوجب بطلانه وهو صواب وإن كان واقعا على خلاف الصواب فهو باطل وإذا التبس الأمر هل هو صواب أو خطأ كما يحصل الاشتباه في كثير من مسائل الخلاف فالاعتبار بما رآه الحاكم صوابا لأنه متعبد باجتهاده فإن وجد حكمه الواقع حال الغضب بعد سكون غضبه صحيحا موافقا لما يعتقده حقا فهو صحيح لازم للمحكوم عليه وإن كان آثما بإيقاع الحكم حال الغضب كما تقدم فلا ملازمة بين الإثم وبطلان الحكم ثم ظاهر النهي التحريم وقد ذهب الجمهور إلى أنه يصح حكم الغضبان أن وافق الحق قال ابن القيم: ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد أو جوع مفرط أو هم مقلق أو خوف مزعج أو نعاس غالب أو شغل قلب مستول عليه أو حال مدافعة الأخبثين بل متى أحس منه نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله وكمال نيته وبنيته أمسك عن الفتوى فإن أفتى في هذه الحال بالصواب صحت فتياه ولو حكم في هذه الحال فهل ينفذ حكمه أولا ينفذ فيه ثلاثة أقوال: النفوذ وعدمه والفرق بين أن يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ وبين أن يكون سابقا على فهم الحكومة فلا ينفذ في مذهب الإمام أحمد "وعليه التسوية بين الخصمين إلا إذا كان أحدهما كافرا" لحديث علي عند أبي أحمد الحاكم في الكنى أنه جلس بجنب شريح في خصومة له مع يهودي فقال: لو كان خصمي مسلما جلست معه بين يديك ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تساووهم في المجالس" وقد قال أبو أحمد الحاكم بعد إخراجه إنه منكر وأورده ابن الجوزي في العلل من هذا الوجه وقال: لا يصح ورواه البيهقي من وجه آخر من طريق جابر الجعفي عن الشعبي قال: خرج علي إلى السوق فإذا هو بنصراني يبيع درعا فعرف علي الدرع وذكر الحديث وفي إسناده عمرو بن سمرة عن جابر الجعفي وهما ضعيفان وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه من حديث عبد الله بن

стр. 588

الزبير قال: "قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم" وفي إسناده مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير وهو ضعيف "والسماع منهما قبل القضاء" لحديث علي عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنه وابن حبان وصححه أن رسول الله ﷺ قال: "يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء " وللحديث طرق "و" يجب عليه "تسهيل الحجاب" لحديث عمرو بن مرة عند أحمد والترمذي والحاكم والبزار قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من إمام أو وال يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة١ والمسكنة إلا غلق الله باب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته" وأخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي مريم الأزدي مرفوعا بلفظ "من تولى شيئا من أمر المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته" قال ابن حجر في الفتح: إن سنده جيد وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس بلفظ "أيما أمير احتجب عن الناس فأهمهم احتجب الله عنه يوم القيامة" قال ابن أبي حاتم هو حديث منكر "بحسب الإمكان" لأنه لنفسه عليه حقا ولأهله عليه حقا فلا يلزمه استيعاب كل أوقاته فإن ذلك يكدر ذهنه ويشوش فهمه ولا يحتجب كل أوقاته فإن ذلك ظلم لأهل الخصومات وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى أنه كان بوابا للنبي ﷺ لما جلس على قف٢ البئر وثبت في الصحيح أيضا في قصة حلفه أن لا يدخل على نسائه شهرا "أن عمر استأذن له الأسود لما قال له يا رباح استأذن لي "وقد ثبت في الصحيح أيضا "أنه كان لعمر حاجب يقال له يرفأ "ويجوز له اتخاذ الأعوان مع الحاجة" لما ثبت في البخاري من حديث أنس "أن قيس بن سعد كان يكون بين يدي رسول الله ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير "وقد يجب عليه ذلك إذا كان لا يمكنه إنفاذ الحق ودفع الباطل إلا بهم "و" يجوز للحاكم "الشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح" لحديث كعب بن مالك في الصحيحين وغيرهما "أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما"

стр. 589

حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى يا كعب فقال: لبيك يارسول الله قال: ضع من دينك هذا وأومأ إليه أي الشطر قال: قد فعلت يا رسول الله قال: قم فاقضه " وهذا الحديث فيه دليل على ما ذكرناه من الشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح لأنه شفاعة بمن عليه الدين باستيضاع من له الدين بعضه وفيه إرشاد إلى الصلح أيضا وقد سبق في كتاب الصلح ما يدل على مشروعيته من الكتاب والسنة والقاضي داخل في عموم الأدلة "وحكمه ينفذ ظاهرا فقط" لحديث أم سلمة في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ فإنما أقطع له قطعة من النار" وقد حكى الشافعي الإجماع على أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام قال النووي: والقول أن حكم الحاكم يحلل ظاهرا وباطنا مخالف لهذا الحديث الصحيح وللإجماع المذكور وبالجملة فلا وجه لما ذهبت إليه الحنفية من أن حكم الحاكم ينفذ ظاهرا وباطنا ويحلل الحرام وقد جاؤا في هذا المقام بما لا يتفق على من له في العلم قدم وتفصيل ذلك في نيل الأوطار ومسك الختام واللحن مفتوحة الحاء الفطنة يقال: لحنت للشئ بكسر الحاء ألحن له لحنا أي فطنت وأما اللحن بسكون الحاء فهو الخطأ قال في المسوى: اتفق أهل العلم على أن القضاء في الدماء والأملاك المطلقة لا ينفذ إلا ظاهرا واختلفوا في العقود والفسوخ فذهب أبو حنيفة إلى أنه ينفذ القضاء فيها ظاهرا وباطنا حتى لو شهد شاهدان زورا أن فلانا طلق امرأته فقضى به القاضي وقعت الفرقة بينهما بقضائه ويجوز لكل من الشاهدين أن ينكحها وقال الشافعي لا ينفذ باطنا وأما المسائل المختلف فيها مثل أن يقضي حنفي بشعفة الجار لرجل لا يعتقد ثبوتها أو مات رجل عن جد وأخ فقضى القاضي بالميراث للجد على مذهب الصديق رضي الله تعالى عنه والمحكوم له يرى رأي زيد أو مات رجل عن خال لا يرى توريث ذوي الأرحام فقضى له القاضي بالمال فأكثر أصحاب الشافعي على أنه ينفذ ظاهرا وباطنا لأنه أمر مجتهد فيه لا يتصور ظهور الخطأ

стр. 590

موضوع عن الآخر لكونه معذورا فيه وعليه أكثر أهل العلم وفي الحديث دليل على أن بينة المدعي مسموعة بعد يمين المدعى عليه وعليه الشافعي١ انتهى "فمن قضي له بشئ فلا يحل له إلا إذا كان الحكم مطابقا للواقع" لما تقرر أن حكم الحاكم ظني سواء تعلق بمحكوم فيه قطعي أو ظني في إيقاع أو وقوع فلا ينفذ إلا ظاهرا لا باطنا فلا يحل به الحرام ولا يحرم به الحلال للمحكوم له والمحكوم عليه ولكنه يجب امتثاله بحكم الشرع ويجبر من امتنع منه فإن كان المحكوم له يعلم بأن الحكم له بباطل لم يحلل له قبوله ولا يجوز له استحلاله بمجرد حكم الحاكم من غير فرق ومن قال ينفذ حكم الحاكم ظاهرا وباطنا فمقالته باطلة وشبهتها داحضة وقد دفعها الله في كتابه العزيز بقوله ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ودفعها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقوله: "فمن قضيت له بشئ من مال أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" هذا على تقرير أنهم يعممون المسألة في الأموال وغيرها والذي في كتبهم تخصيص ذلك بما عدا الأموال ولا يختلف في هذا من يقول بأن كل مجتهد مصيب ومن لا يقول بذلك لأن القائل بالتصويب لا يريد بذلك أن المجتهد قد أصاب ما في نفس الأمر وما هو الحكم عند الله وإنما يريد أن حكمه في المسألة هو الذي كلف به وإن كان خطأ في الواقع ولهذا يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن اجتهد فأصاب فله أجران" فجعله مصيبا تارة ومخطئا أخرى ولو كان مصيبا دائما لم يصح هذا التقسيم النبوي وبهذا نعرف أن المراد بقول من قال: كل مجتهد مصيب أنه أراد من الصواب الذي لا ينافي الخطأ لا من الإصابة التي تنافيه والله أعلم.

стр. 591

كتاب الخصومة "على المُدَّعي البيِّنة" لقوله ﷺ : "شاهداك أو يمينه" كما في الصحيحين

стр. 592

من حديث الأشعث بن قيس وأخرج مسلم من حديث وائل بن حُجر أن النبي ﷺ قال للكندي: "ألك بينة؟ " قال: لا قال: "فلك يمينه" "وعلى المنكر اليمين" لحديث ابن عباس في الصحيحين "أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه"وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح بلفظ "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وأخرج ابن حبان من حديث ابن عمر نحوه وأخرج الترمذي من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده نحوه وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وروي عن مالك أنه لا يتوجه اليمين إلا على من يبنه وبين المدعي اختلاط لئلا يبتذل أهل السفه أهل الفضل وهو رد للرواية بمحض الرأي "ويحكم الحاكم بالإقرار" وليس في ذلك خلاف ودلالة الكتاب العزيز على لزوم حكم الإقرار للمقر وفيه من ذلك الكثير الطيب فإن الله سبحانه رتب في كتابه العزيز أحكاما وعقوبات على حصول أمور هي إقرارات وإن لم يذكر فيها لفظ الإقرار وهو أقوى مستندات الحكم إذا لم يكن معلوم البطلان ولزوم المقر لما أقر به وجواز الحكم للحاكم بإقراره لا يحتاج إلى إيراد الأدلة عليه فقد كان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يسفك به الدماء ويقيم الحدود ويقطع الأموال بل اكتفى به في أعظم الأمور وهو الرجم كما وقع من المقر عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما في حديث "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وهو في الصحيح كما سيأتي فكيف بالإقرار فيما هو أخف من الرجم "و" الحكم "بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين" لنص القرآن الكريم وليس في ذلك خلاف إذا كان الشهود مرضيين كما قال تعالى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ أو رجل ويمين المدعي" لحديث ابن عباس عند مسلم وغيره "أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد"وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي والبيهقي من حديث جابر "أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد"وهو من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وقد روي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي "أن النبي ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق"أخرجه أحمد والدارقطني وقد صحح حديث جابر أبو عوانة

стр. 593

وابن خزيمة وأخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث أبي هريرة قال:" قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد الواحد"ورجال إسناده ثقات وصححه أبو حاتم وأبو زرعة وأخرجه ابن ماجه وأحمد من حديث سرق ورجاله رجال الصحيح إلا الراوي له عن سرق فإنه مجهول وقد ذكر ابن الجوزي في التحقيق عدد من روى هذا الحديث يعني حكمه ﷺ بالشاهد واليمين من الصحابة فزاد على عشرين صحابيا وإليه ذهب الجمهور من الصحابة فمن بعدهم ويروى عن زيد بن علي والزهري والنخعي وابن شبرمة والحنفية أنه لا يجوز الحكم بشاهد ويمين وأحاديث هذا الباب ترد عليهم قلت: قال مالك في الموطأ مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد يحلف صاحب الحق مع شاهده ويستحق حقه فإن نكل أو أبى أن يحلف أُحلف المطلوب فإن حلف سقط عنه ذلك الحق وإن أبى أن يحلف ثبت عليه الحق لصاحبه قال مالك: وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة ولا يقع ذلك في شئ من الحدود ولا في نكاح ولا في طلاق ولا في عتاقة ولا في سرقة ولا في فرية قال مالك: ومن الناس من يقول لا يكون اليمين مع الشاهد الواحد ويحتج بقول الله ﵎ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ يقول: فإن لم يأت برجل وامرأتين فلا شئ له ولا يحلف مع شاهده قال مالك: فمن الحجة على من قال ذلك القول أن يقال له أرأيت لو أن رجلا ادعى على رجل مالا أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه فإن حلف بطل ذلك عنه وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق إن حقه لحق وثبت حقه على صاحبه فهذا مالا اختلاف فيه عند أحد من الناس ولا ببلد من البلدان فبأي شئ أخذ هذا وفي أي كتاب الله وجده فإذا أقر بهذا فليقر باليمين مع الشاهد وإن لم يكن ذلك في كتاب الله وإنه ليكفي ذلك ما مضى من السنة ولكن المرء قد يحب أن يعرف وجه الصواب وموقع الحجة ففي هذا يجيء بيان إن شاء الله تعالى قال في المسوى: وعلى هذا أهل العلم إلا مسألة القضاء بالشاهد الواحد مع يمين المدعي في الأموال خاصة قال الشافعي: يجوز ذلك وقال أبو حنيفة: لا يجوز وقد قال تعالى في حد القذف: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وقال في الطلاق: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقال في الدَّين:

стр. 594

﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو عامل على الكوفة أن اقض باليمين مع الشاهد وإن أبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار سئلا هل يقضى باليمين مع الشاهد فقالا نعم. والحاصل أن شهود الزنا أربعة وشهود سائر الحقوق اثنان وشهود الأموال رجلان أو رجل وامرأتان فإن لم يتيسر قضي بيمين المدعي مع الشاهد الواحد أقول: الحق أن الحكم بالشاهد العدل واليمين واجب وقد ثبت ذلك في السنة ثبوتا لا ينكره إلا من لا يعرف السنة وجملة من رواه من الصحابة زيادة على عشرين رجلا وللمانعين من ذلك أجوبة خارجة عن الإنصاف وأشف ما تمسكوا به أن الله تعالى أمر بإشهاد رجلين وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "شاهداك أو يمينه " ولا يخفاك أنه ليس في ذلك ما يفيد الحصر بل غاية ما فيه أن مفهومه يدل على عدم قبول الشاهد الواحد مع اليمين ولا حكم لهذا المفهوم مع وجود المنطوق وهو القضاء بالشاهد واليمين مع أن هذا المفهوم هو مفهوم لقب وهو مما لا يعمل به نحارير الأصول كما ذلك معروف وقد استوفى الماتن حجج الجميع في شرح المنتقى فليرجع إليه "و" يجوز الحكم "بيمين المنكر" لما قدمنا من أن اليمين على المنكر وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث وائل بن حُجر أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال للكندي: "ألك بينة" قال: لا قال: "فلك يمينه" فقال: يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شئ فقال "ليس لك منه إلا ذلك" "ويجوز الحكم بيمين الرد" لأن من عليه الحق قد رضي بها سواء قلنا إنها تجب على المدعي عند ردها من المنكر أم لا وقد استدل من لم يجعلها مستندا بمفهوم الحصر في قوله ﷺ : "ولكن اليمين على المدعي عليه" كما في بعض ألفاظ حديث ابن عباس عند مسلم وغيره ولقوله في حديث وائل: "ليس لك منه إلا ذلك"ولكن هذا إنما يفيد أنها لا تجب على المدعي إذا ردها المنكر وأما أنه يفيد عدم جواز الحكم بيمين الرد إذا طلبها المنكر ورضي بها وقبل ذلك المدعي فحلف فلا وأما ما رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث ابن عمر "أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق"

стр. 595

فلو صح لكان صالحا لتخصيص ما تقدم ولكن في إسناده محمد بن مسروق وهو غير معروف وفي إسناده أيضا اسحق بن الفرات وفيه مقال وقد أشار القرآن الكريم إلى رد اليمين بقوله: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ ولكن فيه احتمال إذ يمكن أن يكون المراد برد اليمين عدم قبولها وأما النكول فلا يجوز الحكم به لأن غاية ما فيه أن من عليه اليمين بحكم الشرع لم يقبلها ويفعلها وعدم فعله لها ليس بإقرار بالحق بل ترك لما جعله الشارع عليه بقوله "ولكن اليمين على المدعى عليه" فعلى القاضي أن يلزمه بعد النكول عن اليمين بأحد الأمرين: إما اليمين التي نكل عنها أو الإقرار بما ادعاه المدعي وأيهما وقع كان صالحا للحكم به كما مر "و" يجوز الحكم "بعلمه" لأن ذلك من العدل والحق اللذين أمر الله بالحكم بهما وليس في الأدلة ما يدل على المنع من ذلك وحديث "شاهداك أو يمينه" لا حصر فيه ومما يؤيده جواز الحكم بعلم الحاكم ما ثبت من قوله ﷺ للمدعي "ألك بينة" فإن البينة ما يتبين به الأمر وليس بعد العلم بيان بل هو أعلى أنواع البيان فإنه لا يحصل من سائر المستندات للحكم به إلا مجرد الظن بأن المقر صادق في إقراره والحالف بار في يمينه والشاهد صادق في شهادته وإذا جاز الحكم بمستند لا يفيد إلا الظن فكيف لا يجوز الحكم بالعلم واليقين وفي هذه المسألة مذاهب مختلفة وقد احتج أهل كل مذهب بحجج لا تصلح ولا تنطبق على محل النزاع وأقربها ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم من حديث أبي هريرة قال: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ﷺ فقال للمدعي: "أقم البينة" فلم يقمها فقال للآخر: "احلف" فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ماله عنده شئ فقال رسول الله ﷺ : "قد فعلت ولكن غفر لك بإخلاص لا إله إلا الله" وفي رواية الحاكم "بل هو عندك ادفع إليه حقه" وأما أقوال الصحابة فلا تقوم بها الحجة إلا إذا أجمعوا على ذلك عند من يقول بحجية الإجماع أقول: حكم القاضي بعلمه هذا هو الحق ومن منع من ذلك لم يأت بحجة واضحة وليس في الأدلة المقتضية لوجوب الشاهدين أو اليمين أو ما يقوم مقام أحدهما دليل يدل على انحصار مستند الحكم فيها ولا ريب أن الحاصل عن مثل الشهادة من عدلين أو يمين من ثقة أو نكول أو إقرار هو مجرد الظن للحاكم فقط لأن من الجائز أن يكذب الشاهدان ويفجر الحالف في يمينه

стр. 596

ويكذب المقر في إقراره وأما العلم فلا يكون إلا عن مشاهدة أو ما يقوم مقامها وهو أولى من الظن بلا نزاع وقد تقرر في الأصول أن فحوى الخطاب معمول به عند جميع المحققين وهذا منه فإن العلم أولى من الظن عقلا وشرعا ووجدانا والأدلة العامة شاملة له كالآيات التي ذكروها وتخصيص الحدود بقول عمر مما لا يرتضيه الإنصاف لأن المقام من مجالات الاجتهاد واجتهاده ليس بحجة علىغيره ودعوى الإجماع هي من تلك الدعاوى التي قد عرفناك بها غير مرة وقد حقق الماتن هذا البحث في شرح المنتقى بما لم أجده لغيره ولا تُقبل شهادة من ليس بعدل لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ الآية: وقد حكى في البحر الإجماع على أنها لا تصح شهادة فاسق قلت: شرط الشاهد كونه مسلما حرا مكلفا أي عاقلا بالغا ضابطا ناطقا عدلا ذا مروءة ليست به تهمة وعليه أكثر أهل العلم في الجملة غير أنهم اختلفوا في بعض التفاصيل فشهادة الذمي لا تقبل عند الشافعي على الإطلاق وقال أبو حنيفة: شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض جائزة وإن اختلفت مللهم وشهادة الصبيان لا تقبل عند الأكثرين إلا عند مالك في الجراح فيما بينهم خاصة مالم يصلوا إلى أهل بيتهم وأثر عبد الله بن الزبير أنه كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح معارض بقول ابن عباس إنها لا تجوز لأن الله تعالى يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وحد العدالة أن يكون محترزا عن الكبائر غير مصر على الصغائر والمروءة هي ما تتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء وهي حسن الهيئة والسيرة والعشرة والصناعة فإذا كان الرجل يظهر من نفسه شيئا مما يستحيي أمثاله من إظهاره في الأغلب يعلم به قلة مروءته وترد شهادته وإن كان ذلك مباحا "ولا" تقبل شهادة الخائن ولا ذي العداوة وإن كان مقبول الشهادة على غيره لأنه متهم في حق عدوه ولا يؤمن أن تحمله عداوته على إلحاق ضرر به فإن شهد لعدوه تقبل إذا لم يظهر في عداوته فسق "والمتهم والقانع لأهل البيت" لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن أحمد وأبي داود والبيهقي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت"

стр. 597

والقانع الذي ينفق عليه أهل البيت ولأبي داود في رواية "ولا زان ولا زانية" قال ابن حجر في التلخيص: وسنده قوي والغمر بكسر المعجمة وسكون الميم بعدها راء مهملة الحقد أي لا تقبل شهادة العدو على العدو وأخرج الترمذي والدارقطني والبيهقي من حديث عائشة مرفوعا بلفظ "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر لأخيه ولا ظنين١ ولا قرابة" وفي إسناده يزيد بن زياد الشافعي وهو ضعيف وقد أخرج الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر نحوه وفي إسناده عبد الأعلى وشيخه يحيى بن سعيد الفارسي وهما ضعيفان وأخرج أبو داود في المراسيل من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعث مناديا أنها لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين"ورواه البيهقي من طريق الأعرج مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجوز شهادة ذي الظنة والحنة٢ يعني الذي بينك وبينه عداوة"ورواه الحاكم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه مثله قال ابن حجر: وفي إسناده نظر والمراد بالمتهم هو من يظن به أنه يشهد زورا لمن يحابيه كالقانع والعبد لسيده وقد حكى في البحر الإجماع على عدم قبول شهادة العبد لسيده قال في المسوى: ولا تجوز شهادة الوالد لولده ولا الولد لوالده ويجوز عليهما وكذا لا تقبل شهادة من جر إلى نفسه نفعا كمن شهد لرجل بشراء دار وهو شفيعها أو شهد للمفلس واحد من غرمائه بدين على رجل أو شهد على رجل أنه قتل مورثه فهذه كلها مواضع التهمة واتفقوا على قبول شهادة الأخ للأخ وسائر الأقارب واختلفوا في شهادة أحد الزوجين لصاحبه فلم يجزها أبو حنيفة وأجازها الشافعي أقول: الحق أن القرابة بمجردها ليست بمانعة سواء كانت قريبة أو بعيدة إنما المانع التهمة فإذا كان القريب ممن تأخذه حمية الجاهلية ولا يردعه عن العصبية دين ولا حياء فشهادته غير مقبولة وإن كان على العكس من ذلك فشهادته مقبولة والأصل في المنع من قبول شهادة المتهم حديث "لا تقبل شهادة ذي الظنة والحنة" والظنة هي التهمة ولم يرد ما يدل على منع شهادة القريب لأجل القرابة "والقاذف" لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ

стр. 598

شَهَادَةً أَبَداً﴾ بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ وقد وقع الخلاف في كتب التفسير والأصول في حكم التوبة المذكورة في آخر الآية قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن الذي يجلد الجلد ثم تاب وأصلح تجوز شهادته وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك قلت: وعليه الشافعي وذهب أبو حنيفة إلى أن شهادة القاذف لا ترد بالقذف فإذا حد فيه ردت شهادته على التأبيد وإن تاب وأصل المسألة أن الاستثناء يعود إلى الفسق فقط في قول أهل العراق وإلى الفسق وعدم قبول الشهادة جميعا في قول أهل الحجاز وقال الشافعي: هو قبل أن يحد شر منه حين يحد لأن الحدود كفارات فكيف ترودنها في أحسن حاليه وتقبلونها في شر حاليه وإذا قبلتم توبة الكافر والقاتل عمدا كيف لاتقبلون توبة القاذف وهو أيسر ذنبا قيل: معنى قول أبي حنيفة أن القاذف ما لم يحد يحتمل أن يكون صادقا وأن يكون معه شهود تشهد بالزنا فإذا لم يأت بالشهداء وأقيم عليه الحد صار مكذبا بحكم الشرع لقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فوجب رد شهادته ثم رد شهادة المحدود في القذف تأبيدي عنده لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ والتأبيد ينافي التعليق فلا يجري فيه القياس وقال الواحدي: أبد كل إنسان مقدار مدته فيما يتصل بقصته يقال: الكافر لا يقبل منه شئ أبدا معناه ما دام كافرا كذلك القاذف لا تقبل شهادته أبدا ما دام قاذفا فإذا زال عنه الكفر أبده وإذا زال عنه الفسق زال أبده لا فرق بينهما في ذلك "ولا" تقبل شهادة "بدوي على صاحب قرية" لحديث أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لاتجوز شهادة بدوي على صاحب قرية " أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقي قال المنذري: رجال إسناده احتج بهم مسلم في صحيحه قال في النهاية: إنما كره شهادة البدوي لما فيه من الخفاء في الدين والجهالة بأحكام الشرع ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها وبنحو هذا قال الخطابي وروي نحوه عن أحمد بن حنبل وذهب إلى ذلك جماعة من أصحاب أحمد وبه قال مالك وأبو عبيد وذهب الأكثر إلى القبول قال ابن رسلان: وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم انتهى. وهذا توجيه قوي ومحمل سوي "وتجوز شهادة من يشهد على تقرير فعله أو قوله إذا انتفت التهمة"

стр. 599

لأنه لم يرد ما يمنع من ذلك حتى يخصصه من عموم الأدلة وأيضا حديث قبول خبر المرضعة وقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعد خبرها "كيف وقد قيل "ورتب على خبرها التحريم وقد تقدم في الرضاع وهي شهدت على تقرير فعلها كما لا يخفى ولم يستدل المانع إلا على١ أن الشاهد إذا شهد على تقرير قوله أو فعله لم يخل من تهمة وقد قيدنا ذلك بانتفاء التهمة وأما تحليف الشهود عند الريبة فالظاهر أنه من جملة التثبيت المأمور به ولا سيما مع فساد الزمان وتواثب كثير من الناس على شهادة الزور وكثيرا ما يتحرج بعض المتساهلين في الشهادة عن اليمين الفاجرة والبعض بالعكس من ذلك ولم يرد ذلك على المنع من تحليف الشهود وأما الاستدلال بقوله تعالى ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ ففي انطباقه على محل النزاع خلاف وأما تفريق الشهود فهو من أعظم ما يستعان به على الفرق بين صدقة الشهادة وكذبها ولا سيما إذا سألهم الحاكم عن بعض الأحوال التي تجوز تواطؤهم عليها قال الماتن ﵀ في حاشية الشفاء: ولقد انتفعت بتفريق الشهود وتنويع سؤالهم وقل ما تصح شهادة بعد ذلك والحاكم لا يحل له التساهل بل يجب عليه إكمال البحث عن كل ما يتوصل به إلى كشف الحقيقة وهذا منه "وشهادة الزور من أكبر الكبائر" لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما قال: ذكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: "الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين" وقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قول الزور أو قال شهادة الزور" وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" قلنا بلى يارسول قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين" وكان متكئا فجلس وقال: "ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت" ثم أقول: المراد بالشهادة الإخبار بما يعلمه الشاهد عند التحاكم بأي لفظ كان وعلى أي صفة وقع ولا يعتبر إلا أن يأتي بكلام مفهوم يفهمه سامعه فإذا قال مثلا رأيت كذا وكذا أو سمعت كذا وكذا فهذه شهادة شرعية وقد أحسن المحقق ابن القيم ﵀ حيث قال في فوائده: ليس مع من اشترط لفظ الشهادة فيها دليل لا من كتاب ولا من

стр. 600

سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح انتهى وقد تقرر في محله أن اشتراط الألفاظ إنما هو صنيع من لم يمعن النظر في حقائق الأشياء ولا وصل إلى أن يعقل أن الألفاظ غير مرادة لذاتها وإنما هي قوالب للمعاني تؤدى بها فإذا قد حصلت التأدية للمعنى المراد فاشتراط زيادة على ذلك لم تدل عليه رواية ولا دراية "وإذا تعارض البيِّنتان ولم يوجد وجه ترجيح قسم المدعى" لحديث أبي موسى عند أبي داود والحاكم والبيهقي "أن رجلين ادعيا بعيرا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فبعث كل واحد منهما بشاهدين فقسمه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بينهما نصفين"وقد أخرج نحوه ابن حبان من حديث أبي هريرة وصححه وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث تميم بن طرفة ووصله الطبراني عن جابر بن سمرة وقد ثبت عنه ﷺ قسمة المدعى إذا لم يكن للخمصين بينة فأخرج أحمد وابن ماجه والنسائي من حديث أبي موسى "أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في دابة ليس لواحد منهما بينة فجعلها بينهما نصفين"وثبتت قسمة المدعى عنه ﷺ في حديث أبي موسى المذكور أولا بزيادة ذكرها النسائي فقال: "ادعيا دابة وجداها عند رجل فأقام كل منهما شاهدين فلما أقام كل واحد منهما شاهدين نزعت من يد الثالث أو دفعت إليهما" "وإذا لم يكن للمُدعِّي بينة فليس له إلا يمين صاحبه ولو كان فاجرا" لحديث الأشعت بن قيس في الصحيحين وغيرهما قال: "كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال "شاهداك أو يمينه فقلت: إنه إذن يحلف ولا يبالي فقال: من حلف على يمين يقتطع بها مال أمريء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان " وأخرج مسلم وغيره من حديث وائل بن حجر "أن النبي ﷺ قال للكندي: "ألك بينة" قال: لا قال: "فلك يمينه" فقال يارسول الله: الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شئ فقال: "ليس لك منه إلا ذلك" "ولا تُقبل البينة بعد اليمين" لما يفيده قوله ﷺ "شاهداك أو يمينه " فاليمين إذا كانت تطلب من المدعي فهي مستند للحكم صحيح ولا يقبل المستند المخالف لها بعد فعلها لأنه لا يحصل بكل واحد منهما إلا مجرد ظن ولا ينقض الظن بالظن وقد ذهب إلى هذا
следующие страницы →