يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يُحْرجه" أي يضيق صدره وأخرج أحمد وأبو دادو من حديث المقدام "أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليلة الضيف واجبة على كل مسلم فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا له عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه" وإسناده صحيح وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي هريرة نحوه وإسناده صحيح وفي الباب أحاديث وقد ذهب الجمهور إلى أن الضيافة مندوبة لا واجبة واستدلوا بقوله "فليكرمه ضيفه جائزته" قالوا: والجائزة هي العطية والصلة وأصلها الندب ولا يخفى أن هذا اللفظ لا ينافي الوجوب وأدلة الباب مقتضية لذلك لأن التغريم لا يكون للإخلال بأمر مندوب وكذلك قوله "واجبة " فإنه نص في محل النزاع وكذلك قوله "فما كان وراء ذلك فهو صدقة " قال في المسوى: وفي قوله "جائزته" قولان: أحدهما يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له ويقدم له في اليوم الثاني والثالث ما كان بحضرته ولا يزيد على عادته وما كان بعد الثلاثة فهو صدقة ومعروف إن شاء فعل وإن شاء ترك والثاني أن جائزته أن يعطيه ما يجوز به مسافر يوما وليلة "ويَحْرم أكل طعام الغير بغير إذنه"لقوله تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وكل مادل على تحريم مال الغير دل على ذلك لأنه مال وإنما خص منه ما ورد فيه دليل يخصه كالضيف إذا حرمه من يجب عليه ضيافته كما مر "ومن ذلك حلْب ماشيته وأخْذ ثمرته وزرعه لا يجوز إلا بإذنه إلى أن يكون محتاجا إلى ذلك فلْيُناد صاحب الإبل أو الحائط فإن أجابه وإلا فليشرب وليأكل غير متخذ خبنة"للأدلة العامة والخاصة أما العامة فظاهر كالآية الكريمة وحديث خطبة الوداع ونحو ذلك وأما الأدلة الخاصة فمثل: حديث ابن عمر في الصحيحين "أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلبن أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن يؤتى مشربته فينتثل١ طعامه وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه " وأخرج أحمد من حديث عمير مولى آبي اللحم قال: "أقبلت مع سادتي نريد الهجرة حتى إذا دنونا من المدينة قال: فدخلوا وخلفوني في
стр. 527
ظهرهم فأصابتني مجاعة شديدة قال: فمر بي بعض من يخرج من المدينة فقالوا: لو دخلت المدينة فأصبت من تمر حوائطها قال: فدخلت حائطا فقطعت منه قنوين فأتاني صاحب الحائط وأتى بي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأخبره خبري وعلي ثوبان فقال لي: أيهما أفضل؟ فأشرت إلى أحدهما فقال: خذه وأعط صاحب الحائط الآخر فخلى سبيلي "وفي إسناده ابن لهيعة وله طريق أخرى عند أحمد وفي إسناده أيضا أبو بكر بن يزيد بن المهاجر غير معروف الحال وقد أعل هذا الحديث بأن في إسناده عبد الرحمن بن اسحق عن محمد بن زيد وهو ضعيف وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يدخل الحائط فقال: " يأكل غير متخذ خبنة " وأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث سمرة "أن النبي ﷺ قال: إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاث فإن أجابه أحد فليستأذنه فإن لم يجبه أحد فليحتلب وليشرب ولا يحمل" وهو من سماع الحسن عن سمرة وفيه مقال معروف وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو يعلى وابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد "أن رسول الله ﷺ قال: إذا أتى أحدكم حائطا فأراد أن يأكل فليناد صاحب الحائط ثلاثا فإن أجابه وإلا فليأكل وإذا مر أحدكم بإبل فأراد أن يشرب من ألبانها فليناد يا صاحب الإبل أو يا راعي الغنم فإن أجابه وإلا فليشرب" وأخرج الترمذي وأبو داود من حديث رافع قال: "كنت أرمي نخل الأنصار فأخذوني فذهبوا بي إلى رسول الله ﷺ فقال: يارافع لم ترمي نخلهم؟ قال: قلت يا رسول الله: الجوع قال: لا ترم وكل ما وقع أشبعك الله وأرواك " وأخرج أبو داود والنسائي من حديث شرحبيل بن عباد في قصة مثل قصة رافع وفيها فقال رسول الله ﷺ لصاحب الحائط: "ما علمت إذا كان جاهلا ولا أطعمت إذا كان جائعا " والمراد بالخبنة ما يحمله الإنسان في حضنه وهي بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وبعدها نون ويمكن الجمع بين الأحاديث بأن تغريم النبي ﷺ لآبي اللحم لعدم المناداة منه ولو فرضنا عدم صحة الجمع بهذا كانت أحاديث الإذن عند الحاجة مع المناداة أرجح
стр. 528
" باب آداب الأكل "
فقد علّم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم آدابا يتأدبون بها في الطعام كما ستأتي "تُشرع للآكل التسمية"لحديث عائشة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والنسائي والترمذي وصححه قالت: "قال رسول الله ﷺ : " إذا أكل أحدكم طعاما فليقل بسم الله فإن نسي في أوله فليقل بسم الله على أوله وآخره " وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر "سمع النبي ﷺ يقول: " إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت فإذا لم يذكر الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء " وأخرج مسلم وغيره من حديث حذيفة بن اليمان قال: "قال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان ليستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه " الحديث وأخرج الترمذي عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يأكل طعاما في ستة من أصحابه فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه لو سمى لكفى لكم" وقال حسن صحيح وفي الباب أحاديث قلت وعليه أهل العلم قال النووي: الأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم فإن قال بسم الله حصلت السنة "والأكل باليمين"لحديث ابن عمر عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ قال: "لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" قلت: وعليه أهل العلم "ومن حافتي الطعام لا من وسطه"لحديث ابن عباس عند أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه "أن النبي ﷺ قال: "البركة تنزل في وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه" وأخرجه أبو داود بلفظ "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاه " "ومما يليه"لحديث عمر بن أبي سلمة في الصحيحين وغيرهما قال: "كنت غلاما في حِجر النبي ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي:" يا غلام سمّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك " "ويلعق أصابعه والصحفة"لحديث أنس عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ كان إذا طعم طعاما لعق أصابعه الثلاث وقال: "إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها
стр. 529
للشيطان وأمرنا أن نسلت١ القصعة وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة" وفي الصحيحين من حديث ابن عباس "أن النبي ﷺ قال: "إذ أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يُلعقها" وأخرج مسلم من حديث جابر أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: "إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة" قال في الحجة البالغة وقد اتفق لنا أنه زارنا ذات يوم رجل من أصحابنا فقربنا إليه شيئا فبينا يأكل إذا سقطت كسرة من يديه وتدهدهت في الأرض فجعل يتبعها وجعلت تتباعد عنه حتى تعجب الحاضرون بعض العجب وكابد هو في تتبعها بعض الجهد ثم إنه أخذها فأكلها فلما كان بعد أيام تخبط الشيطان إنسانا وتكلم على لسانه فكان فيما تكلم إني مررت بفلان وهو يأكل فأعجبني ذلك الطعام فلم يطعمني منه شيئا فخطفته من يده فنازعني حتى أخذه مني وبينا يأكل أهل بيتنا أصول الجزر إذ تدهده بعضها فوثب إليه إنسان فأخذه وأكله فأصابه وجع في صدره ومعدته ثم تخبطه الشيطان فأخبر على لسانه أنه كان أخذ ذلك المتدهده وقد قرع أسماعنا شئ كثير من هذا النوع حتى علمنا أن هذه الأحاديث ليست من باب إرادة المجاز وإنما أريد به حقيقتها فمن العلم الذي أعطاه الله نبيه ﷺ حال الملائكة والشياطين وانتشارهم في الأرض انتهى "والحمد عند الفراغ والدعاء"لحديث أبي أمامة عند البخاري وغيره "أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا" وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي والبخاري في التاريخ من حديث أبي سعيد قال: "كان النبي ﷺ إذا أكل وشرب قال "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث معاذ بن أنس قال: "قال رسول الله ﷺ : " من أكل طعاما فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه " وأخرج أبو داود من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه وإذا سقي لنبا فليقل "اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شئ يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن"
стр. 530
وأخرجه الترمذي بنحوه وحسنه ولكن في إسناده علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف وقد رواه عن محمد بن حرملة قال أبو حاتم بصري لا أعرفه "ولا يأكل متكئا "لحديث أبي جحيفة عند البخاري وغيره قال: "قال رسول الله ﵌: "أما أنا فلا آكل متكئا " قلت: لأن النبي ﵌ بُعث في العرب وعاداتهم أوسط العادات ولم يكونوا يتكلفون تكلف العجم والأخذ بها أحسن ولا أحسن لأصحاب الملة من أن يتبعوا سيرة إمامها في كل نقير وقطمير وما أكل رسول الله ﷺ على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق ولا رأى شاة سميطا بعينه قط وما رأى منخلا كانوا يأكلون الشعير غير منخول
стр. 531
كتاب الأشربة
"كل مسكر حرام" لما أخرجه مسلم وغيره من حديث ابن عمر "أن النبي ﷺ قال: " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام " فيشمل ذلك جميع أنواع الخمر من الشجرتين وغيرهما فيتناوله قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية وفي لفظ لمسلم "كل مسكر خمر وكل خمر حرام " وفي الصحيحين من حديث عائشة قالت: "سئل رسول الله ﷺ عن البتع وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه فقال ﷺ : "كل شراب أسكر فهو حرام" وفيهما نحوه من حديث أبي موسى وفي الباب أحاديث قال في الحجة البالغة: وقد استفاض عن النبي ﷺ وأصحابه أحاديث كثيرة من طرق لا تحصى وعبارات مختلفة فقال: "الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة " وكذلك اتفق جميع الملل والنحل على قبحه بالمرة وليس الأمر كما يظنه من لا بصيرة له من أنه حسن بالنظر إلى الحكمة العملية لما فيه من تقوية الطبيعة فإن هذا الظن من باب اشتباه الحكمة الطبية بالحكمة العملية والحق أنهما متغايرتان وقد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل والخمر ما خامر العقل وقال: لقد حرمت الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا وعامة خمرنا البسر والتمر وكسر وادنان الفضيخ حين نزلت وهو يقتضيه قوانين التشريع فإنه لا معنى لخصوصية العنب وإنما المؤثر في
стр. 532
التحريم كونه مزيلا للعقل يدعو قليله إلى كثيره فيجب به القول ولا يجوز لأحد اليوم أن يذهب إلى تحليل ما اتخذ من غير العنب واستعمل أقل من حد الإسكار نعم كان ناس من الصحابة والتابعين لم يبلغهم الحديث في أول الأمر فكانوا معذورين ولما استفاض الحديث وظهر الأمر كرابعة النهار صح حديث "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها " لم يبق عذر أعاذنا الله تعالى والمسلمين من ذلك انتهى وتمام هذا البحث في مسك الختام فليرجع إليه "وما أسكر كثيره فقليله حرام" لحديث عائشة عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنه وابن حبان والدارقطني وأعله بالوقوف قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " كل مسكر حرام ما أسكر الفرق١ منه فملء الكف منه حرام " ورجاله رجال الصحيح إلا عمرو بن سالم الأنصاري مولاهم المدني قال المنذري: لم أر أحدا قال فيه كلاما وقال الحاكم: هو معروف بكنيته يعني أبا عثمان وأخرج أحمد وابن ماجه والدارقطني وصححه من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" وأخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وقال ابن حجر: رجاله ثقات من حديث جابر وأخرجه أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفي الباب أحاديث قال المسوى: وعليه الشافعي وأبو حنيفة إلا أن الشافعي يقول: كل ما خامر العقل فهو خمر قليله وكثيره حرام يجب منه الحد سواء كان من عنب أو تمر أو عسل أو غير ذلك وسواء كان نيئا أو مطبوخا وفي مذهب أبي حنيفة النيء من ماء العنب إذا اشتد هو الخمر والمسكر من فضيخ التمر حرام يحد منه دون سائر المسكرات انتهى "ويجوز الانتباذ في جميع الآنية"لما أخرجه مسلم وغيره من حديث بريدة قال: "قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم٢ فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا" وفي لفظ المسلم أيضا وغيره "نهيتكم عن الظروف وإن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه وكل مسكر حرام " وفي الباب أحاديث مصرحة بنسخ ما قد كان وقع منه ﷺ من النهي عن الانتباذ في الدباء والنقير والمزفت والحنتم ونحوها كما هو
стр. 533
مذكور في الأحاديث المروية في الصحيحين وغيرهما وذهب قوم إلى بقاء الحظر فيها وبه قال مالك وأحمد
"ولا يجوز انتباذ جنسين مختلطين"لحديث جابر في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أنه نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعا "وفيهما من حديث أبي قتادة نحوه ولمسلم نحوه من حديث أبي سعيد وله أيضا نحوه من حديث أبي هريرة وفي الباب أحاديث ووجه النهي عن انتباذ الخليطين أن الإسكار يسرع إلى ذلك بسبب الخلط فيظن المنتبذ أنه لم يبلغ حد الإسكار وقد بلغه قال النووي ومذهب الجمهور: أن النهي في ذلك للتنزيه لا للتحريم وإنما يحرم إذا صار مسكرا ولا تخفى علامته وقال بعض المالكية: هو للتحريم وقد ورد ما يدل على منع انتباذ جنسين سواء كان مما ذكر في الأحاديث السابقة أم لا وهو ما أخرجه النسائي وأحمد من حديث أنس قال: "نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: أن يجمع بين شيئين فيُنبذا يبغي أحدهما على صاحبه "ورجال إسناده ثقات قال في المسوى: اختلف أهل العلم فذهب جماعة إلى تحريمه وإن لم يكن الشراب المتخذ منه مسكرا لظاهر الحديث وبه قال مالك وأحمد وقال الأكثرون هو حرام إذا كان مشتدا ومسكرا إذ المعنى فيه الإسكار وإنما خص ذكره لأنه كان من عادتهم اتخاذ النبيذ المسكر بذلك وقال الليث إنما جاءت الكراهة أن ينبذا جميعا لأن أحدهما يشد صاحبه "ويحرم تخليل الخمر"لحديث أنس عند أحمد وأبي داود والترمذي وصححه "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سئل عن الخمر يتخذ خلا فقال لا " وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي من حديثه أيضا "أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن أيتام ورثوا خمرا فقال: أهرقها قال: أفلا نجعلها؟ خلا قال لا " وقد عزاه المنذري في مختصر السنن إلى مسلم وله حديث ثالث نحوه أخرجه الدارقطني وأخرج أحمد من حديث أبي سعيد نحوه قال ابن القيم: وفي الباب عن أبي الزبير وجابر وصح ذلك عن عمر بن الخطاب ولا نعلم له في الصحابة مخالفا ولم يزل أهل المدينة ينكرون ذلك قال الحاكم سمعت أبا الحسن علي بن عيسى الحبري يقول سمعت محمد بن إسحق يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: قدمت المدينة أيام مالك فتقدمت إلى قاض فقلت: عندك خل خمر فقال:
стр. 534
سبحان الله في حرم رسول الله ﷺ قال: ثم قدمت بعد موت مالك فذكرت ذلك لهم فلم ينكر علي أحد وأما ما روي عن علي من اصطناعه الخمر وعن عائشة أنه لا بأس به فهو خل الخمر إذا تخللت بنفسها لا بإتخادها اهـ وفي الحجة البالغة: سئل عن الخمر يتخذ خلا قال: لا قيل إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء. أقول: لما كان الناس مولعين بالخمر وكانوا يتحيلون لها حيلا لم تتم المصلحة إلا بالنهي عنها على كل حال لئلا يبقى عذر لأحد ولا حيلة انتهى "ويجوز شرب العصير والنبيذ قبل غليانه"لحديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن ماجه قال: "علمت أن النبي ﷺ كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ثم أتيته به فإذا هو ينش١ فقال: اضرب بهذا الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر " وأخرج أحمد عن ابن عمر في العصير قال: اشربه ما لم يأخذه شيطانه قيل: وفي كم يأخذه شيطانه قال: في ثلاث وأخرج مسلم وغيره من حديث ابن عباس "أنه كان يُنقع للنبي ﷺ الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقي الخادم أو يهراق "قال أبو داود ومعنى يسقي الخادم يبادر به الفساد "ومظِنّة ذلك ما زاد على ثلاثة أيام"لحديث ابن عباس المذكور وقد أخرج مسلم وغيره من حديث عائشة "أنها كانت تنتبذ لرسول الله ﷺ غدوة فإذا كان من العشي فتعشى شرب على عشائه وإن فضل شئ صبته أو أفرغته ثم تنتبذ له بالليل فإذا أصبح تغدى فشرب على غدائه قالت: نغسل السقاء غدوة وعشية "وهو لا ينافي حديث ابن عباس المتقدم أنه كان يشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة لأن الثلاث مشتملة على زيادة غير منافية والكل في الصحيح "وآداب الشرب أن يكون ثلاثة أنفاس"لحديث أنس في الصحيحين "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثا "وفي لفظ لمسلم "أنه كان يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول: إنه أروى وأمرأ " والمراد أنه كان يتنفس بين كل شربتين في غير الإناء وأما التنفس في الإناء فمنهي عنه لحديث أبي قتادة في الصحيحين وغيرهما "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم
стр. 535
قال: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه "وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي سعيد "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم نهى عن النفخ في الشراب فقال: الرجل القذاة أراها في الشراب فقال: أرقها فقال إني لا أروى من نفس واحد قال: فأبِن القدح إذاً عن فيك" قلت: وعلى هذا أهل العلم والنهي عن التنفس فيه من أجل ما يخاف أن يبرز شئ من ريقه أو مخاطه فيقع في الماء وقد تكون النكهة من بعض من يشرب متغيرة فتتعلق الرائحة بالماء لرقته ولطفه ثم إنه من فعل الدواب إذا كرعت في الأواني كرعت ثم تنفست فيها ثم عادت فشربت فيكون الأحسن في الأدب أن يتنفس بعد إبانة الإناء عن فمه والنفخ فيه يكون لأحد معنيين فإن كان من حرارة الشراب فليصبر حتى يبرد وإن كان من أجل قذى فليمطه بأصبع أو خلال وإن تعذر فليرقها كما جاء في الحديث "وباليمين"لما تقدم في آداب الأكل "ومن قعود"لأن الشرب قاعدا من الهيئات الفاضلة وأقرب لجموم النفس والري وأن تصرف الطبيعة الماء في محله لحديث أبي سعيد عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ نهى عن الشرب قائما "وأخرج مسلم أيضا من حديث أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ "لا يشربن أحدكم قائما فمن نسي فليستقي " ولا يعارض هذا حديث ابن عباس في الصحيحين "أن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم قائما "ولا ما أخرج البخاري وغيره من حديث علي "أنه شرب وهو قائم ثم قال: إن ناسا يكرهون الشرب قائما وإن رسول الله ﷺ صنع مثل ما صنعت "ولا ما أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه من حديث ابن عمر قال: "كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام "لأنه يمكن الجمع بأن الكراهة للتنزيه وإن كان قوله "فمن نسي فليستقيء " يشعر بعدم الجواز في حق من قصد مخالفة السنة على أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة ويخصص القول الشامل له وللأمة فيكون الفعل خاصا به كما تقرر في الأصول قلت: وعليه أكثر أهل العلم رأوا نهى النبي ﷺ عن الشرب
стр. 536
قائما نهي أدب وإرفاق ليكون تناوله على سكون وطمأنينة فيكون أبعد من أن يكون منه فساد في المعدة كالكباد وغيره "وتقديم الأيمن فالأيمن"لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما "أن النبي ﷺ أُتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال "الأيمن فالأيمن" وفيهما من حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام "أتأذن لي أن أعطي هؤلاء فقال الغلام: والله يارسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا فتله أي وضعه رسول الله ﷺ في يده"قال في الحجة البالغة: أراد بذلك قطع المنازعة فإنه لو كانت السنة تقديم الأفضل ربما لم يكن الفضل مسلّما بينهم وربما يجدون في أنفسهم من تقديم غيرهم حاجة اهـ "ويكون الساقي آخرهم شربا" لحديث أبي قتادة عند ابن ماجه وأبي داود والترمذي وصححه وقال المنذري: رجال إسناده ثقات عن النبي ﷺ قال: "ساقي القوم آخرهم شربا " وقد أخرجه أيضا مسلم بلفظ"قلت لا أشرب حتى يشرب رسول الله ﷺ فقال: "إن الساقي آخرهم شُرباً" "ويسمِّي في أوله ويحمد في آخره" لحديث ابن عباس عند الترمذي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تشربوا نفسا واحدا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا الله إذا أنتم شربتم واحمدوا الله إذا إنتم رفعتم" أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي والبخاري في التاريخ من حديث أبي سعيد قال: كان النبي ﷺ إذا أكل وشرب قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" "ويُكره التنفس في السِّقاء والنفخ فيه"وقد تقدمت أدلة ذلك في الشرب ثلاثة أنفاس "والشرب من فمه"لأنه إذا ثنى فم القربة فشرب منه فإن الماء يتدفق وينصب في حقه دفعة وهو يورث الكباد ويضر بالمعدة ولا يتميز عنده في دفق الماء وانصبابه القذاة ونحوها ودليله حديث أبي سعيد في الصحيحين قال: "نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن اختناث الأسقية أن يشرب من أفواهها "وفي رواية لهما "واختناثها أن يقلب رأسها ثم يشرب منه "وفي البخاري من حديث أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ نهى أن يشرب منه "وفي البخاري من حديث أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ نهى أن يشرب من في السقاء "وزاد أحمد "قال أيوب فأنبئت أن رجلا شرب من في
стр. 537
السقاء فخرجت حية "وزاد في الحجة البالغة: "فدخلت في جوفه "وفي البخاري وغيره من حديث ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من في السقاء "وهذا لا يعارضه مارواه ابن ماجة والترمذي وصححه من حديث كبشة قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ فشرب من في قربة معلقة قائما فقمت إلى فيها فقطعته "وأخرج أحمد وابن شاهين والترمذي في الشمائل والطبراني والطحاوي من حديث أم سليم ونحوه وأخرج أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن بسر نحوه أيضا لأنه فعله ﷺ قد يكون لبيان الجواز فتحمل أحاديث النهي على الكراهة لا على التحريم وقد يكون ما فعله ﷺ لعذر فتحمل أحاديث النهي على عدم العذر وقد جزم ابن حزم بالتحريم وروي عن أحمد أن أحاديث النهي ناسخة "وإذا وقعت النجاسة في شئ من المائعات لم يحل شربه وإن كان جامدا أُلقيت وما حولها"لحديث ميمونة عند البخاري وغيره "أن النبي ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال: "لقوها وما حولها وكلوا سمنكم" وأخرج أبو داود في لفظ لهما من هذا الحديث "أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال: إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه " وصححه ابن حبان وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة قال: "سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال: "إن كان جامدا فخذوها وما حولها ثم كلوا ما بقي وإن كان مائعا فلا تقربوه" وقد أخرجه أيضا النسائي وحكم غير الفأرة مما هو مثلها في النجاسة والاستقذار حكمها إذا وقع في سمن أو نحوه قلت: وعليه أهل العلم ومعناه عندهم إذا كان جامدا فإن كان مائعا تنجس كله فلا يجوز أكله بالاتفاق وجوز أبو حنيفة بيعه ولم يجوزه الشافعي "ويحرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة"لحديث حذيفة في الصحيحين وغيرهما قال "سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" وفيهما أيضا من حديث أم سلمة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إن الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ولفظ مسلم "إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة" وأخرج
стр. 538
مسلم من حديث البراء بن عازب قال نهانا رسول الله ﷺ عن الشرب في الفضة فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة "وأخرج أحمد وابن ماجه من حديث عائشة نحو حديث أم سلمة قلت: الجرجرة صوت وقوع الماء في الجوف وعليه أهل العلم وفي حكمها الذهب ورخص الشافعي في تضبيب الإناء بقليل من الفضة عند الحاجة لحديث أنس أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة "قال الشيخ محي الدين بن إبراهيم النحاس في تنبيه الغافلين: ومنها استعمال أواني الذهب والفضة للرجال والنساء في الأكل والشرب والادهان والاكتحال ونحو ذلك كذا قال الشيخ شمس الدين ابن القيم وغيره ولا فرق بين أن تكون الآنية كبيرة كالصحن والزبدية ونحوهما أو صغيرة كالمكحلة والميل والإبرة ونحوها وكما يحرم استعمال أواني الذهب والفضة يحرم اتخاذها لغير استعمال على الرجال والنساء ويحرم على الصائغ عملها ومن قدم إليه طعام في آنية ذهب أو فضة ولم يستطع الإنكار فطريقه أن يأخذ الطعام من الآنية ويضعه في وعاء آخر أو على الخبز أو في يده الشمال ثم يأكل منه لأن ذلك ليس بأكل فيها وكذلك إذا أردا الاكتحال من كحل في مكحلة فضة أفرغ منه في شئ ثم اكتحل منه والله تعالى أعلم ١هـ أقول استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب فيها لم يرد ما يدل على المنع منه ولم يثبت إلا المنع من الأكل والشرب فيها فقط ومن زعم تحريم غيرهما لم يقبل إلا بدليل لأن الأصل الحل فلا ينقل عنه إلا بناقل وأما التحلي بهما فلم يرد ما يمنع من ذلك إلا في الذهب وأما الفضة فلم يرد شئ بل قال ﷺ "عليكم بالفضة فالعبوا بها كيف شئتم١" هذا خلاصة ما ينبغي القول به في الاستعمال والتحلي وللماتن رحمه الله تعالى أبحاث جليلة المقدار راجحة الأنظار في ذلك فلتراجع
стр. 539
كتاب اللباس
"ستر العورة واجب في الملأ والخلاء"لحديث حكيم بن حزام عن أبيه عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه والحاكم وصححه قال: "قلت يا رسول الله عوارتنا ماء نأتي منها وما نذر فقال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك" قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال: إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها فقلت: فإذا كان أحدنا خاليا قال: فالله ﵎ أحق أن يُستحيا منه " وقد اختلف أهل العلم في حد العورة وكذلك اختلفت الأدلة وقد استوفاها الماتن في شرح المنتقى "ولا يلبس الرجل الخالص من الحرير"لحديث عمر في الصحيحين وغيرهما قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " وفيهما نحوه من حديث أنس وفيهما وغيرهما من حديث ابن عمر " أنه رأى عمر حلة من إستبرق فأتى بها النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للعيد وللوفود فقال رسول الله ﷺ : "إنما هذه لباس من لا خلاق له" وأخرج أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: "أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها " وفي إسناده سعيد بن أبي هند عن أبي موسى قال أبو حاتم: إنه لم يلقه وقد صححه أيضا ابن حزم وروي من حديث علي عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان قال: أخذ النبي ﷺ حريرا فجعله في يمينه وأخذ ذهبا فجعله في شماله ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي " زاد ابن ماجه "حل لإناثهم " وهو حديث حسن وأخرج البيقهي بإسناد حسن نحوه وأخرج البزار من حديث عمر بن جرير البجلي١ نحوه
стр. 540
أيضا وفي إسناده قيس بن أبي حازم وفي الباب أحاديث وقد ذكر المهدي في البحر أنه مجمع على تحريم الحرير للرجال وقال فيه إنه خالف في ذلك ابن علية وانعقد الإجماع بعده على التحريم وقال القاضي عياض: إنه حكي عن قوم إباحته وقال أبو داود: إنه لبس الحرير عشرون نفسا من الصحابة وقد اختلف أهل العلم في الحرير المشوب بغيره واستدل المانعون من لبسه بما ورد من منعه ﷺ للبس حلة السيراء كما في الصحيحين من حديث علي ولكنه قد وقع الخلاف في تفسير حلة السيراء ما هي فقيل إنها ذات الخطوط وقيل المختلفة الألوان وهذان التفسيران لا يدلان على مطلوب من استدل بذلك على المنع من لبس المشوب على أنه قد قيل إنه الحرير المحض واستدل من لم يقل بتحريم المشوب بل حرم الخالص فقط بمثل حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود قال: "إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت من قز "وفي إسناده خصيف بن عبد الرحمن وفيه ضعف والمصمت بضم الميم الأولى وفتح الثانية المخففة وهو الذي جميعه حرير لا يخالطه قطن ولا غيره وهذا البحث طويل الذيول أقول مسألة تحريم مشوب الحرير من المعارك التي تحتمل البسط قال الماتن في حاشية الشفاء: وقد طالت المراجعة فيها بيني وبين شيخي المجتهد المطلق السيد عبد القادر بن أحمد الكوكباني ﵀ أيام قراءتي عليه فكان جميع ما حرره وحررته نحو سبع رسائل وقد لخصت ما ظهر لي في المسألة في شرح المنتقى باختصار فليرجع إليه قلت: وحاصله ترجيح التحريم كما قررته في هداية السائل إلى أدلة المسائل فليراجع قال في المسوي: الحلة السيراء التي فيها خطوط كالسيور وهي برود من الحرير أو الغالب فيها الحرير والقسي ثياب مضلعة من الحرير أي منقوشة بصورة الضلاع وأشباهه قيل نسبة إلى قس قرية بساحل البحر وقيل إلى القز بالزاي فأبدل من الزاي السين وعلى هذا أهل العلم أن الحرير حرام على الرجال دون النساء ويرخص في موضع إصبع أو إصبعين أو ثلاث أو أربع من أعلام الحرير ورخص بعضهم في لبسه لأجل الحكة والقمل اهـ. وفي حديث علي عند مالك "نهى رسول الله ﷺ عن لبس القسي "وعليه أهل العلم وفي الأنوار يجوز لبس الكتان والقطن والصوف والخزوان كانت نفيسة "إذا كان فوق أربع أصابع"لحديث عمر في الصحيحين
стр. 541
وغيرهما "أن رسول الله ﷺ نهى عن لبوس الحرير إلا هكذا ورفع لنا رسول الله ﷺ يديه الوسطى والسبابة وضمهما "وفي لفظ لمسلم وغيره "نهى عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة "قال في الحجة البالغة: لأنه ليس من باب اللباس وربما تقع الحاجة إلى ذلك ونهى عن لبس الحرير والديباج والقسي والمياثر والأرجوان اهـ. "إلا للتداوي"لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما "أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن ابن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما "قال في الحجة البالغة: لأنه لم يقصد حينئذ به الإرفاه وإنما قصد به الاستشفاء "ولا يفترشه"أي الحرير لحديث حذيفة عند البخاري قال "نهانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه وقال: "هو لهم في الدنيا ولنا في الآخرة" وفي معنى ذلك أحاديث وهذا نص في محل النزاع وأما الاسترواح بالقياس على جواز افتراش ما فيه تصاوير فقياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار قال ابن القيم: ولو لم يأت هذا النص لكان النهي عن لبسه متناولا لافتراشه كما هو متناول للالتحاف به وذلك لبس لغة وشرعا كما قال أنس: "قمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس "ولو لم يأت اللفظ العام المتناول لافتراشه بالنهي لكان القياس المحض موجبا لتحريمه إما قياس المثل أو قياس الأولى فقد دل على تحريم الافتراش النص الخاص واللفظ العام والقياس الصحيح ولا يجوز رد ذلك كله بالمتشابه من قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ومن القياس على ما إذا كان الحرير بطانة الفراش دون ظهارته فإن الحكم في ذلك التحريم على أصح القولين والفرق على القول الآخر مباشرة الحرير وعدمها كحشو الفراش فإن صح الفرق بطل القياس وإن بطل الفرق منع الحكم وقد تمسك بعموم النهي عن افتراش الحرير طائفة من الفقهاء فحرموه على الرجال والنساء وهذه طريقة الخراسانيين من أصحاب الشافعي وقابهم من أباحه بنوعين والصواب التفصيل وأن من أبيح له لبسه أبيح له افتراشه ومن حرم عليه حرم عليه وهذا قول الأكثرين وهي طريقة العراقيين من الشافعية اهـ وفي تنبيه الغافلين الجلوس على الحرير والالتحاف به حرام على الرجال وصحح الرافعي تحريم افتراشه على النساء وخالفه النووي في
стр. 542
ذلك وحكى ابن الرفعة عن بعض العلماء أنه لا ينعقد النكاح بحضور الجالس على الحرير واستبعد وحكم القز في التحريم حكم الحرير على الأصح إذا كان على صبي غير بالغ ثوب حرير قال الغزالي: الصحيح أن ذلك منكر يجب نزعه عنه إن كان مميزا بعموم قوله ﷺ : "هذان حرامان على ذكور أمتي" وكما يجب منع الصبي عن شرب الخمر لكونه مكلفا ولكن لكونه يأنس به فإذا بلغ عسر عليه الصبر عنه كذلك شهوة التزين بالحرير وأما الصبي الذي لا تمييز له فيضعف - يعني - التحريم في حقه ولا تخلو عن احتمال والعلم فيه عند الله تعالى هذا كلام الغزالي وصحح النووي الجواز مطلقا والله تعالى أعلم اهـ وروي عن ابن عباس وأنس أنه يجوز افتراش الحرير وإليه ذهب الحنفية واستدل لهم بأن افتراش الحرير إهانة وليس هذا مما يستدل به عى المسائل الشرعية على فرض عدم المعارض فكيف وقد عارضه الدليل الصحيح الصريح "ولا المصبوغ بالعصفر"لحديث عبد الله بن عمرو عند مسلم وغيره قال: "رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عليّ ثوبين معصفرين فقال "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها " وأخرج مسلم وغيره أيضا من حديث علي قال: "نهاني رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن التختم بالذهب وعن لباس القسي وعن القراءة في الركوع والسجود وعن لباس المعصفر "وفي الباب أحاديث والعصفر يصبغ الثوب صبغا أحمر على هيئة مخصوصة فلا يعارضه مارود في لبس مطلق الأحمر كما في الصحيحين من حديث البراء قال: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مربوعا بعيد ما بين المنكبين له شعر يبلغ شحمة أذنيه رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه "وفي الباب أحاديث يجمع بينهما بأن الممنوع منه هو الأحمر الذي صبغ بالعصفر والمباح هو الأحمر الذي لم يصبغ به "ولا ثوب شهرة"لحديث ابن عمر "من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ورجال إسناده ثقات والمراد به الثوب الذي يشهر لابسه بين الناس ويلحق بالثوب غيره من الملبوس ونحوه مما يشهر به اللابس له لوجود العلة "ولا ما يختص بالنساء ولا العكس"لحديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود والنسائي "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن الرجل يلبس لبس المرأة والمرأة تلبس لبس الرجل "
стр. 543
وفي صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس قال: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهات من السناء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء"وفي الباب أحاديث "ويحرم على الرجال التحلي بالذهب لا بغيره"لما تقدم من الأحاديث الواردة في تحريم الذهب وهو لا يكون إلا حلية إذ لا يمكن لبسه وأما ما يخلط في بعض الثياب بالحرير أو بغيره فهو فضة لا ذهب وإن سماه الناس ذهبا ومن الأدلة على ذلك ما ورد في المنع من خاتم الذهب وما ورد فيمن حلى جيبا له ولو بخر بصيصة١ وقد جمع الماتن رسالة مستقلة في تحريم التحلي بقليل الذهب وكثيره وجمع أيضا رسالة مستقلة في تحلي النساء بالذهب وهل يجوز ذلك أم لا فليرجع إليهما قال المجد في القاموس جربصيصة: أي شئ من الحلي ونحوه في تاج اللغات وفي نهاية الحديث الجربصيصة الهنة التي تتراءى في الرمل لها بصيص كأنها عين جرادة قال في الحجة البالغة: ومن تلك الرؤس الحلي المترفة وهنا أصلان: أحدهما أن الذهب هو الذي يفاخر به العجم ويفضي جريان الرسم بالتحلي به إلى الإكثار من طلب الدنيا دون الفضة ولذلك شدد النبي ﷺ في الذهب وقال: "ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها " والثاني أن النساء أحوج إلى التزين ليرغب فيهن أزواجهن ولذلك جرت عادة العرب والعجم جميعا بأن يكون تزينهن أكثر من تزينهم فوجب أن يرخص لهن أكثر مما يرخص لهم ولذلك قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها وقال ﷺ في خاتم ذهب في يد رجل: " يعمد أحدكم إلى جمر من نار فيجعله في يده" ورخص ﵇ في خاتم الفضة لا سيما لذي سلطان وقال: "ولا تتمه مثقالا" ونهى النساء عن غير المقطع من الذهب وهو ما كان قطعة واحدة كبيرة قال: "من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فيحلقه من ذهب" وذكر على هذا الأسلوب الطوق والسوار وكذا جاء التصريح بقلادة من ذهب وسلسلة من ذهب وبين المعنى في هذا الحكم حيث قال:
стр. 544
"أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به" وكان لأم سلمة أوضاح من ذهب والظاهر أنها كانت مقطعة وقال ﷺ : "أحل الذهب للإناث" معناه الحل في الجملة هذا الحل في الجملة هذا ما يوجبه مفهوم هذه الأحاديث ولم أجد لها معارضا ومذهب الفقهاء في ذلك معلوم ومشهور وهو التحليل مطلقا بلا فرق بين المقطع وغيره والله تعالى أعلم بحقيقة الحال أقول: وأما التختم فقد أخرج أبو داود من حديث عمر والنسائي من حديث أنس "أن النبي ﷺ كان يختم في يساره"وأخرج أبو داود والنسائي من حديث علي والترمذي والنسائي أيضا من حديث أبي رافع "أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يتختم في يمينه "فالكل جائز بدون كراهة ولم يرد النهي إلا عن التختم في السبابة والوسطى كما أخرجه مسلم وأهل السنن من حديث علي بلفظ "نهاني أن أجعل الخاتم في هذه أو في التي تليها وأشار إلى السبابة.
стр. 545
كتاب الأضحية
مشروعيتها
...
كتاب الأُضحية
"تُشرع لأهل كل بيت" لحديث أبي أيوب الأنصاري قال: "كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته" أخرجه ابن ماجه والترمذي وصححه وأخرج نحو ابن ماجه من حديث أبي شريحة بإسناد صحيح وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث مخنف١ بن سليم أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ياأيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية" وفي إسناده أبو رملة واسمه عامر قال الخطابي مجهول وقد اختلف في وجوب الأضحية فذهب الجمهور إلى أنها سنة غير واجبة وبه قال مالك وقال: لا أحب لأحد ممن قوي على ثمنها أن يتكرها وعليه الشافعي وذهب ربيعة والأوزاعي وأبو حنيفة والليث وبعض المالكية إلى أنها واجبة على الموسر وحكي عن مالك والنخمي وتمسك القائلون بالوجوب بمثل حديث "على كل أهل بيت أضحية " المتقدم وبمثل حديث أبي هريرة عند أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم وقال ابن حجر في الفتح رجاله ثقات لكن اختلف في رفعه
стр. 546
ووقفه والموقوف أشبه بالصواب قاله الطحاوي وغيره قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا " ومن أدلة الموجبين قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ والأمر للوجوب وقد قيل إن المراد تخصيص الرب بالنحر لا للأصنام ومن ذلك حديث جندب بن سفيان البجلي في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله" ومن حديث جابر نحوه وجعل الجمهور حديث "أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ضحى عمن لم يضح من أمته بكبش "كما في حديث جابر عند أحمد وأبي داود والترمذي وأخرج نحوه أحمد والطبراني والبزار من حديث أبي رافع بإسناد حسن قرينة صارفة لما تفيده أدلة الموجبين ولا يخفى أنه يمكن الجمع بأنه ضحى عن غير الواجدين من أمته كما يفيده قوله: "من لم يضح من أمته "مع قوله "على كل أهل بيت أضحية" وأما مثل حديث "أمرت بالأضحى ولم يكتب عليكم " ونحوه فلا تقوم بذلك الحجة لأن في أسانيدها من رمي بالكذب ومن هو ضعيف بمرة "وأقلها شاة" لما تقدم وقال المحلي: البعير والبقرة تجزيء عن سبعة والشاة تجزيء عن الواحد وإن كان له أهل بيت حصلت بجميعهم وكذا يقال في كل واحد من السبعة يعني المشتركين في البدنة والبقرة فالتضحية سنة كفاية لك أهل بيت وسنة عين لمن ليس له بيت وعند الحنفية الشاة لا تجزي إلا عن واحد والبقرة والبدنة لا تجزئان إلى عن سبعة سبعة ولم يفرقوا بين أهل البيت وغيره وتأويل الحديث عندهم أن الأضحية لا تجب إلى على غني ولم يكن الغني في ذلك الزمان غالبا إلا صاحب البيت ونسبت إلى أهل بيته على معنى أنهم يساعدونه في التضحية ويأكلون لحمها وينتفعون بها ويصح اشتراك سبعة في بدنة أو بقرة وإن كانوا أهل بيوت شتى وهو قول العلماء وقاسوا الأضحية على الهدي ولا أضحية عن الجنين وهو قول العلماء "ووقتها بعد صلاة عيد النحر" لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من كان ذبح قبل أن نصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله" وهو في الصحيحين كما تقدم قريبا وفي الصحيحين من حديث أنس عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: "من كان ذبح قبل الصلاة
стр. 547
فليعد " قال ابن القيم: ولا قول لأحد مع رسول الله ﷺ سأله أبو بردة بن نيار عن شاة ذبحها يوم العيد فقال: "أقبل الصلاة؟ قال: نعم قال: تلك شاة لحم" الحديث قال: وهو صحيح صريح في أن الذبح قبل الصلاة لا يجزي سواء دخل وقتها أو لم يدخل وهذا الذي ندين الله به قطعا ولا يجوز غيره اهـ وفي الباب أحاديث وفيها التصريح بأن المعتبر صلاة الإمام ويمتد "إلى آخر أيام التشريق" لحديث جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: "كل أيام التشريق ذبح " أخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه والبيهقي وله طرق يقوي بعضها بعضا وقد روي أيضا من حديث جابر وغيره وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم والخلاف في المسألة معروف وفي الموطأ عن ابن عمر الأضحى يومان بعد يوم الأضحى مثل ذلك عن علي بن أبي طالب وعليه الحنفية ومذهب الشافعية أنه يمتد وقته إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق لحديث الحاكم الدال على ذلك "وأفضلها" أي الضحايا "أسمنها" لحديث أبي رافع "أن النبي ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين "الحديث وهوعند أحمد وغيره بإسناد حسن وأخرج البخاري من حديث أبي أمامة بن سهل قال: "كنا نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون " أقول: الحق أن أفضل الأضحية الكبش الأقرن كما ورد الحديث بذلك عن عبادة بن الصامت عند أبي داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي مرفوعا بلفظ "خير الأضحية الكبش الأقرن " وأخرجه الترمذي وأخرجه أيضا ابن ماجه والبيهقي من حديث أبي أمامة وفي إسناده عفير بن معدان وهو ضعيف والأضحية هي غير الهدي وقد ورد النص فيها فوجب تقديمه على القياس وحديث الكبش الأقرن نص في محل النزاع فإن كان خاصا بالفحل فظاهر وإن كان شاملا له وللخصي فالأفضلية لا تختص بالخصي وتضحية النبي ﷺ بالخصي لا تستلزم أن يكون أفضل من غيره بل غاية ما هناك أن الخصي يجزيء "ولا يجزيء ما دون الجذع من الضأن" لحديث جابر عند مسلم وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن" وأخرج أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نعم أو نعمت الأضحية الجذع
стр. 548
من الضأن "وأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي والطبراني من حديث أم بلال بنت هلال عن أبيها "أن رسول الله ﷺ قال: يجوز الجذع من الضأن ضحية "وفي الصحيحين من حديث عقبة بن عامر قال "قسم رسول الله ﷺ ضحايا بين أصحابه فصارت لعقبة جذعة فقلت: يا رسول الله أصابني جذع فقال ضح به "وقد ذهب إلى أنه يجزيء الجذع من الشأن الجمهور ومن زعم أن الشاة لا تجزيء إلى عن واحد أو عن ثلاثة فقط أو زعم أن غيرها أفضل منها فعليه الدليل ولا يفيده ما ورد في الهدي فذلك باب آخر "و" لا يجزيء دون "الثني من المعز" وهو ما استكمل سنتين وطعن في الثالثة لحديث أبي بردة في الصحيحين وغيرهما أنه قال: يا رسول الله إن عندي داجنا جذعة من المعز فقال: "اذبحها ولا تصلح لغيرك" وأما ما روي في الصحيحين وغيرهما من حديث عقبة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا فبقي عتود فذكره للنبي ﷺ فقال: "ضح به أنت " والعتود من ولد المعز ما أتى عليه حول فقد أخرج البيهقي عنه بإسناد صحيح أنه قال: أعطاني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غنما أقسمها ضحايا بين أصحابي فبقي عتود منها فقال: " ضح به أنت ولا رخصة لأحد فيه بعدك " وقد حكى النووي الاتفاق على أنه لا يجزيء الجذع من المعز قلت: اتفقوا على أنه لا يجوز من الإبل والبقر والمعز دون الثني والجذع من الضأن يجزيء عندهم ولا تجزيء مقطوعة الأذن إلا أن أبا حنيفة قال: إن كان المقطوع أقل من النصف فيجوز "ولا الأعور والمريض والأعرج والأعجف١ وأعضب القرن والأذن٢" لحديث البراء عند أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ضلعها٣ والكسير التي لا تنقي٤ أي التي لا مخ لها "
стр. 549
وقد وقع في رواية العجفاء بدل الكسيرة وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي من حديث علي قال: "نهى رسول الله ﵌ أن نضحي بأعضب القرن والأذن "قال قتادة: العضب النصف فأكثر من ذلك وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم والبخاري في تاريخه١ قال: "إنما نهى رسول الله ﷺ عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسيرة فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها والمستأصلة التي ذهب قرنها من أصله والبخقاء التي تبخق عينها٢ والمشيعة التي لا تتبع الغنم عجفا وضعفا والكسيرة التي لا تنقي"وهذا التفسير هو أصل الرواية وفي الباب أحاديث وأما مسلوبة الألية فأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي من حديث أبي سعيد: "اشتريت كبشا أضحي به فعدا الذئب فأخذ الألية فسألت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: " ضح به" وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف جدا
ويتصدق منها ويأكل ويدخر لحديث عائشة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: " كلوا وادخروا وتصدقوا " وهو في الصحيحين وفي الباب أحاديث والذبح في المصلى أفضل إظهارا لشعائر الدين لحديث ابن عمر عند البخاري عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "أنه كان يذبح وينحر بالمصلى" "ولا يأخذ من له أُضحية من شعره وظفره بعد دخول عشر ذي الحجة حتى يُضحِّي" لحديث أم سلمة عند مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره" وفي لفظ المسلم وغيره أيضا"من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي "وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد واسحق وداود وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه يحرم عليه أخذ شئ من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية وقال الشافعي وأصحابه وهو مكروه كراهة تنزيه وحكى المهدي في البحر عن الشافعي وغيره أن ترك الحلق والتقصير لمن أراد التضحية مستحب وقال أبو حنيفة: لا يكره
стр. 550
باب الوليمة
"هي مشروعة" لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف: "أوْلم ولو بشاة" وقد أولم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على نسائه فأولم على صفية بتمر وسويق كما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان من حديث أنس وأخرج مسلم وغيره من حديثه "أنه جعل وليمتها التمر والأقط والسمن"وهو في الصحيحين بنحو هذا وفيه التصريح بأنه ما كان فيها من خبز ولا لحم وفي الصحيحين أيضا "أن النبي ﷺ ما أولم على شئ من نسائه ما أولم على زينب أولم بشاة"وقد قال بوجوب وليمة العرس مالك وقيل إن المشهور عنه أنها مندوبة وروي الوجوب عن أحمد وبعض الشافعية وأهل الظاهر وهو الحق ولم يأت في الأحاديث ما يشعر بصرف الأوامر بالوليمة عن المعنى الحقيق وأما كونها بشاة فأكثر فيمكن أن يكون فعله ﷺ صارفا للوجوب على فرض عدم الاختصاص به ويمكن أن يكون الأمر بالشاة فما فوقها مقيدا بالتمكن من ذلك فيكون واجبا مع التمكن وذهب الجمهور إلى أنها سنة غير واجبة "ويجب الإجابة إليها" لحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" وفيهما من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها" وفي لفظ لهما من حديثه "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" وفي آخر لمسلم وغيره من حديثه "من دعي فلم يجب فقد عصي الله ورسوله" وفي مسلم وغيره من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك" وفي لفظ من حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم" وقد نقل ابن عبد البر والقاضي عياض والنووي الاتفاق على وجوب الإجابة إلى وليمة العرس قال في الفتح: وفيه نظر نعم المشهور من أقول العلماء الوجوب وصرح جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين ونص عليه مالك وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة وحكى في البحر عن الشافعي
стр. 551
أن الإجابة إلى وليمة العرس مستحبة كغيرها والأدلة المذكورة تدل على الوجوب لا سيما بعد التصريح بأن من لم يجب فقد عصى الله ورسوله أقول: أحاديث الأمر بإجابة دعوة الوليمة معناها حقيقة الوجوب مقيدة بعدم المانع من منكر أو مباهاة أو حضور الأغنياء فقط أو نحو ذلك ولم يأت ما يدل على صرف تلك الأوامر عن معناها الحقيقي ووقع الخلاف في إجابة دعوة غير العرس هل تجب أم لا؟ فمن قال بالوجوب استدل بالرواية المطلقة المذكورة ومن قال بعدم الوجوب قال المطلقة محمولة على المقيدة وقد أوضح الماتن ما هو الحق في شرح المنتقى قال البغوي: من كان له عذرا وكان الطريق بعيدا يلحقه المشقة فلا بأس أن يتخلف وفي الأنوار من شروط وجوب الإجابة إلى الوليمة أن يعم عشيرته أو جيرانه أو أهل حرفته أغنياءهم وفقرءاهم فإن خص الأغنياء فلا يجب ولو دعا أهل حرفته وهم أغنياء لزمتهم الإجابة قال في المسوى: في كونه شرطا لوجوب الإجابة نظر لأن معنى كلام أبي هريرة إثبات الشرية لهذا الطعام بوجه من الوجوه وإثبات المعصية لمن لم يأتها وذلك صادق بأن يكون تخصيص الأغنياء مكروها للداعي ولا يكون مانعا لتأكد الإجابة ويقدَّم السابق ثم الأقرب بابا لحديث حمد بن عبد الرحمن الحميري عن رجل من الصحابة أن النبي ﷺ قال: "إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما بابا فإن أقربهما بابا أقربهما جوارا وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق" أخرجه أحمد وأبو داود وفي إسناده زيد بن عبد الرحمن الدالاني وقد وثقه أبو حاتم وضعفه ابن حبان وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة أنها سألت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي فقال: إلى أقربهما منك بابا" فهذا يشعر باعتبار القرب في الباب "ولايجوز حضورها إذا اشتملت على معصية" لحديث علي عند ابن ماجه بإسناد رجاله رجال الصحيح قال: "صنعت طعاما فدعوت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فجاء فرأى في البيت تصاوير فرجع" وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم من حديث ابن عمر قال: "نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن مطعمين عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر وأن يأكل وهو منبطح على بطنه" وفي إسناده انقطاع وقد ورد النهي عن القعود على المائدة التي
стр. 552
تدار عليها الخمر من حديث عمر عند أحمد بإسناد ضعيف ومن حديث جابر عند الترمذي وحسنه وأخرجه أيضا أحمد والنسائي والترمذي والحاكم من حديثه مرفوعا وفي الباب غير ذلك ويؤيده أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن ذلك "من رأى منكم منكرا فيلغيره بيده فإن لم يتسطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه" وهو في الصحيحين وغيرهما
"فصل والعقيقة مستحبة" يدل على مشروعيتها حديث سلمان بن عامر الضبي عند البخاري وغيره قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى" وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي والحاكم وعبد الحق من حديث الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "كل غلام رهينة بعقيقته يذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه" وقد قيل إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا هذا الحديث وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق" وكأنه كره الاسم فقالوا يا رسول الله: إنما نسألك عن أحدنا يولد له قال: من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة فكان هذا الحديث دليلا على أن الأحاديث الواردة في رهن الغلام بعقيقته ليست على الوجوب بل للاستحباب فقط ولو كان واجبا لم يكن مفوضا إلى الإرادة ولما قال لمن أحب أن ينسك والأولى في تفسير قوله "مرتهن بعتيقته" أن العقيقة لما كانت لازمة شبهت باعتبار لزومها للمولود بالرهن باعتبار لزومه وقيل: إن معنى كونه مرهونا بعقيقته أنه لا يسمى ولا يحلق شعره إلا بعد ذبحها وبه صرح صابح المشارق والنهاية وقال أحمد بن حنبل: إن معناه إذا مات وهو طفل ولم يعق عنه لم يشفع لأبويه قلت: العقيقة سنة عند أكثر أهل العلم إلا عند أبي حنيفة فإنه قال ليست بسنة "وهي شاتان عن الذكر وشاة عن الأنثى" وبذلك قال الشافعي لحديث عمرو بن شعيب المذكور ولحديث عائشة عند أحمد والترمذي وابن
стр. 553
حبان والبيهقي وصححه الترمذي قالت: قال رسول الله ﷺ : "عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة" وأخرج نحوه أحمد والنسائي والترمذي والحاكم والدارقطني وصححه الترمذي من حديث أمر كرز الكعبية والمراد بقوله "مكافأتان" المستويتان أو المتقاربتان ولا يعارض هذه الأحاديث ما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه عبد الحق وابن دقيق العيد من حديث ابن عباس "أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا" لأن الأحاديث المتقدمة متضمنة للزيادة وهي أيضا خطاب مع الأمة فلا يعارضها فعله ﷺ كما تقرر في الأصول والزيادة مقبولة إذا كانت غير منافية فلا يكون الفاعل للعقيقة متسننا إلا إذا ذبح عن الذكر شاتين لا شاة واحدة وقد وقع الإجماع على أن العقيقة عن الأنثى شاة وأما الذكر فذهب الجمهور إلى أن العقيقة عنه شاتان وقال مالك شاة. وقال المحلي: يحصل أصل السنة في عقيقة الذكر بشاة وكمال السنة شاتان وقال الشافعي: العقيقة في الأكل والتصدق كالأضحية ويسن طبخها ولا يكسر عظمها اهـ. أقول: ليس على شئ مما ذكروه من عدم الكسر والفصل من المفاصل وجمع العظام ودفنها وغير ذلك من كتاب ولا سنة ولا من عقل بل هذه الأمور خيالات شبيهة بما يقع من النساء ونحوهن من العوام مما لا يعود على فاعله بنفع دنيوي ولا ديني "يوم سابع المولود" لحديث سمرة المتقدم ولأنه لا بد من فصل بين الولادة والعقيقة فإن أهله مشغولون بإصلاح الوالدة والولد في أول الأمر فلا يكلفون حينئذ بما يضاعف شغلهم وايضاً فرب إنسان لا يجد شاة إلا بسعي فلو سن كونها في أول يوم لضاق الأمر عليهم والسبعة أيام مدة صالحة للفصل المعتد به غير الكثير "وفيه يسمى" وأحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن كما في الحديث لأنهما أشهر الأسماء ولا يطلقان على غيره تعالى بخلاف غيرهما وأنت تستطيع أن تعلم من هذا سر استحباب تسمية المولود بمحمد وأحمد فإن طوائف الناس أولعوا بتسمية أولادهم بأسماء أسلافهم المعظمين عندهم وكان يكون ذلك تنويها بالدين وبمنزلة الإقرار بأنه من أهله وأصدق الأسماء همام وحارث وأخناها ملك الأملاك "ويحلق رأسه" وإماطة الأذى للتشبيه بالحاج وقد أذن رسول الله ﷺ في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة والسر
стр. 554
فيه أن الأذان من شعائر الإسلام وأعلام الدين المحمدي ومن خاصية الأذان أن الشيطان يفر منه الشيطان يؤذي الولد في أول نشأته حتى ورد في الحديث أن استهلاله لذلك "ويُتصدق بوزنه ذهبا أو فضة" لأمره ﷺ لفاطمة الزهراء ﵍ أن تحلق شعر رأس الحسن وتتصدق بوزنه من الورق أخرجه أحمد والبيقهي وفي إسناده ابن عقيل وفيه مقال ويشهد له ما أخرجه مالك وأبو داود في المراسيل والبيهقي من حديث جعفر ابن محمد زاد البيهقي عن أبيه عن جده "أن فاطمة وزنت شعر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم فتصدقت بوزنه فضة "وأخرج الترمذي والحاكم من حديث علي قال: "عق رسول الله ﷺ عن الحسن شاة وقال: "يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة" فوزناه فكان وزنه درهما أوبعض درهم" وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: "سبعة من السنة في الصبي يوم السابع يسمى ويختن ويماط عنه الأذى ويثقب أذنه ويعق عنه ويحلق رأسه ويلطخ بدم عقيقته ويُتصدق بوزنه ذهبا أو فضة"وفي إسناده رواد بن الجراح وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات وفي لفظه ما ينكر وهو ثقب الأذن والتلطخ بدم العقيقة وقد أخرج أبو داود والنسائي بإسناد صحيح من حديث بريدة الأسلمي قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران. وقد أخرج نحوه ابن حبان وابن السكن وصححاه من حديث عائشة وقد ذهب الظاهرية والحسن البصري إلى وجوب العقيقة وذهب الجمهور إلى أنها سنة وذهب أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضا ولا سنة وقيل إنها عنده تطوع
стр. 555
كتاب الطب
حقيقة الطب
...
كتاب الطب
وحقيقته التمسك بطبائع الأدوية الحيوانية والنباتية أو المعدنية والتصرف في الأخلاط نقصا وزيادة والقواعد الملية تصححه إذ ليس فيه شائبة شرك ولا فساد في الدين والدنيا بل فيه نفع كثير وجمع لشمل الناس "ويجوز التداوي" لما أخرجه مسلم وغيره
стр. 556
من حديث جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء بريء بإذن الله" وأخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه أيضا ابن خزيمة والحاكم من حديث أسامة "قالت الأعراب يا رسول الله: ألا نتداوى؟ قال: "نعم عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحدا" قالوا يا رسول الله ما هو؟ قال: "الهرم" وأخرج أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث أبي خزامة قال: "قلت يارسول الله: أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله" قلت: وعلى هذا اتفق المسلمون لا يرون به بأسا "والتفويض أفضل لمن يقدر على الصبر" لحديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما "أن النبي ﷺ أتته امرأة سوداء فقالت: إني أصرع وإني أنكشف فادع الله لي قال: "إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك" قالت: أصبر" وفي الصحيحين أيضا من حديثه أن النبي ﷺ قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذي لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" ولا يخالف هذا ما تقدم من الأمر بالتداوي فالجمع ممكن بأن التفويض أفضل مع الاقتدار على الصبر كما يفيده قوله: "إن شئت صبرت" وأما مع عدم الصبر على المرض وصدور الحرج والحرد وضيق الصدر من المرض فالتداوي أفضل لأن فضيلة التفويض قد ذهبت بعدم الصبر١ "ويحرم بالمحرمات" لحديث أبو هريرة "أن النبي ﷺ نهى عن الدواء الخبيث" أخرجه ومسلم وغيره وأخرج أبو داود من حديث أبو داود من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "أن الله أنزل الداء والدواء
стр. 557
وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام" وفي إسناده إسمعيل بن عياش وقد ثبت عنه ﷺ النهي عن التداوي بالخمر كما في صحيح مسلم وغيره وفي البخاري عن ابن مسعود أنه قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" وقد ذهب إلى تحريم التداوي بالأدوية النجسة والمحرمة الجمهور ولا يعارض هذا إذنه ﷺ بالتداوي بأبوال الإبل كما في الصحيح لأنها لم تكن نجسة ولا محرمة ولو سلمنا تحريمها لكان الجمع ممكنا ببناء العام على الخاص قال في المسوى: اختلف أهل العلم في التداوي بالشئ النجس فأباح كثير منهم التداوي به إلا الخمر لأن النبي ﷺ أباح للرهط العرنيين شرب أبوال الإبل وأما الخمر فقال: "إنها ليست بدواء ولكنها داء" وقال بعضهم: لا يجوز التداوي بالنجس لنهيه ﷺ عن الدواء الخبيث والمراد به خبث النجاسة وقال آخرون المراد به الخبيث من جهة الطعم اهـ وفي الحجة البالغة: إلا المداواة بالخمر إذ للخمر ضراوة لاتنقطع والمداواة بالخبيث أي السم ما أمكن العلاج بغيره فإنه ربما يفضي إلى القتل والمداواة بالكي ما أمكن بغيره لأن الحرق بالنار أحد الأسباب التي تنفر منها الملائكة اهـ وقد استوفيت الكلام على هذه المسألة في كتابي دليل الطالب أرحج المطالب "ويكره الاكتواء" لحديث ابن عباس عند البخاري وغيره عن النبي ﷺ قال: "الشفاء في ثلاثة في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار وأنهى أمتي عن الكي" وفي لفظ "وما أحب أن أكتوي" وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة الترمذي وصححه من حديث عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ نهى عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا وقد ورد ما يدل على أن النهي عن الكي للتنزيه لا للتحريم كما في حديث جابر عند مسلم وغيره "أن النبي ﷺ كوى سعد بن معاذ في أكحله مرتين" وأخرج الترمذي وحسنه من حديث أنس "أن النبي ﷺ كوى سعد بن زرارة من الشوكة"ووجه الكراهة أن في ذلك تعذيبا بالنار ولا يجوز أن يعذب بالنار إلا رب النار وقد قيل إن وجه الكراهة غير ذلك وقد جمع بين الأحاديث بمجموعات غير ما ذكرنا "ولا بأس بالحجامة" لحديث جابر في الصحيحين وغيرهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن كان في شئ من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة نار توافق
стр. 558
الداء وما أحب أن أكتوي"وقد تقدم حديث ابن عباس مثله وقد ثبت من حديث أنس عند الترمذي وأبي داود بإسناد صحيح قال: "كان النبي ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل١ وكان يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين"وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين كان شفاء من كل داء" ولا بأس بإسناده وفي الباب أحاديث متضمنة لذكر الأيام التي ينبغي فيها الحجامة وليس المراد هنا إلا الاستدلال على جوازها قلت: وعلى هذا عمل المسلمين "و" لا بأس "بالرقية" وحقيقتها تمسك بكلمات لها تحقق في المثال وأثر القواعد الملية لا تدفعها ما لم يكن فيها شرك ولا سيما إذا كان من القرآن أو السنة أو ما يشبهما من التضرعات إلى الله تعالى وكل حديث فيه نهي عن الرقي والتمائم والتولة٢ فمحمول على ما فيه شرك أو انهماك في التسبب بحيث يغفل عن الباري جل شأنه وفي المسوى اختلفت الأحاديث في الاسترقاء ووجه الجمع أن تحمل على الأحوال المتغايرة فالمنهي من الرقى ما كان فيه شرك أو كان يذكر فيه مردة الشياطين أو ما كان منها بغير لسان العرب ولا يدرى ما هو ولعله يدخل فيه سحر أو كفر وأما ما كان بالقرآن وبذكر الله تعالى فإنه مستحب ثم للرقية أنواع بعضها مأثور عن السلف فقد روي عن عائشة أنها كانت لا ترى بأسا أن يعوذ في الماء أي يقرأ التعوذ وينفث في الماء ثم يعالج به المريض وقال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض وأمر ابن عباس رجلا أن يكتب لامرأة تعسر عليها الولادة آيتين من القرآن وكلمات ثم يغسل وتسقى وسئل سعيد بن المسيب عن الصحف الصغار يكتب فيها القرآن تعلق على النساء والصبيان فقال: لا بأس بذلك إذا جعل في كبر من ورق أو شئ من الأديم أو يخرز عليه وقد روي النفث في الأحاديث المرفوعة "بما يجوز من العين وغيرها" لحديث أنس عند مسلم وغيره قال: "رخص رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الرقية من العين والحمة٣ والنملة"والمراد بالحمة السم من ذوات السموم وبالنملة
стр. 559
القروح تخرج من الجنب وأخرج مسلم وغيره من حديث عوف بن مالك قال: "كنا نرقي في الجاهلية فقلنا يارسول الله كيف ترى في ذلك فقال: اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" وفي صحيح مسلم من حديث جابر قال: "نهى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الرقى" فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ فقالوا يارسول الله: إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب وإنك نهيت عن الرقى قال: فعرضوها عليه فقال: "ما أرى بأسا فمن استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" وفي الصحيحين من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها أعظم بركة من يدي" وما ورد من الأدلة الدالة على النهي عن الرقى وأنها من الشرك فهي محمولة على الرقية بما لا يجوز كالتي تكون بأسماء الشياطين والطواغيث ونحو ذلك وكذلك يحمل على هذا ما ورد في حديث المغيرة بن شعبة عند أحمد وابن ماجه وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم عن النبي ﷺ أنه قال: "من اكتوى أو استرقى فقد برىء من التوكل" وقد ورد في الصحيحين من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أسترقي من العين" وأخرج أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت عميس" أنها قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفنسترقي لهم؟ قال: "نعم فلو كان شئ سابق القدر سبقته العين" وأخرج نحوه مسلم وغيره من حديث ابن عباس وفي الباب أحاديث وفيها ذكر إستغسال من العين أي غسل وجه العائن وبدنه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم يصب الماء على من أصيب بالعين على رأسه وظهره من خلفه أخرج ذلك أحمد ومالك في الموطأ والنسائي وصححه ابن حبان قال الزهري: يؤتى الرجل العائن بقدح فيدخل كفه فيه فيمضمض ثم يمجه في القدح ثم يغسل وجهه في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيصب على كفه اليمنى في القدح ثم يدخل يده اليمنى فيصب على يده اليسرى ثم يدخل اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر ثم يدخل يده اليسرى فيصب على قدمه اليمنى ثم يدخل يده اليمنى فيصب على قدمه اليسرى ثم يدخل يده اليسرى فيصب على
стр. 560
ركبة اليمنى ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبة اليسرى ثم يدخل داخلة إزاره ولا يوضع القدح في الأرض ثم يصب على رأس الرجل الذي أصيب بالعين من خلفه صبة واحدة.
стр. 561
كتاب الوكالة
حكم الوكالة
...
كتاب الوكالة
هي أن يكون أحدهما يعقد العقود لصاحبه "يجوز لجائز التصرف أن يُوكَّل غيره في كل شئ مالم يمنع منه مانع" لأنه قد ثبت عنه ﷺ التوكيل في قضاء الدين كما في حديث أبي رافع" أنه أمره ﷺ أن يقضي الرجل بكره" وقد تقدم وثبت عنه ﷺ التوكيل في استيفاء الحد كما في حديث" واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وهو في الصحيح وسيأتي وثبت عنه التوكيل في القيام على بدنة وتقسيم جلالها وجلودها وهو في الصحيح وثبت عنه ﷺ التوكيل في حفظ زكاة رمضان كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة وثبت عنه ﷺ "أنه أعطى عقبة بن عامر غنما يقسمها بين أصحابه" وقد تقدم في الضحايا وثبت عنه ﷺ "أنه وكل أبا رافع ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة" وقد تقدم وثبت عنه ﷺ أنه قال لجابر: "إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا" كما أخرجه أبو داود والدارقطني وفي الباب أحاديث كثيرة فيها ما يفيد جواز الوكالة فلا يخرج عن ذلك إلا ما منع منه مانع وذلك كالتوكيل في شئ لا يجوز للموكل أن يفعله ويجوز للوكيل كتوكيل المسلم للذمي في بيع الخمر أو الخنزير أو نحو ذلك فإن ذلك لا يجوز ولا يكون محللا للثمن لما ثبت عنه ﷺ "إ ن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه" وقد تقدم وقد ورد في الكتاب العزيز ما يدل على جواز التوكيل كقوله تعالى ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ وقوله ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ وقد أورد البخاري في الوكالة ستة وعشرين حديثا ستة معلقة والباقية موصولة وقد قام الإجماع على مشروعيتها "وإذا باع الوكيل بزيادة على ما رسمه موكِّله كانت الزيادة للموكل" لما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث عروة البارقي "أن النبي ﷺ أعطاه
стр. 562
دينارا ليشتري به له شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاء بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه فكان لو اشترى التراب لربح فيه"وأخرج الترمذي من حديث حكيم بن حزام" أن النبي ﷺ بعثه ليشتري له أضحية بدينا" فذكر نحو حديث عروة البارقي وفي إسناده انقطاع لأنه من رواية حبيب بن أبي ثابت عن حكيم ولم يسمع منه وأخرج أبو داود من حديث أبي حصين عن شيخ من أهل المدينة عن حيكم نحو ذلك وفيه هذا الشيخ المذكور وقد ذهب إلى ما ذكرناه الجمهور وقال الشافعي في الجديد وأصحابه: إن العقد باطل أي عقد البيع الواقع من الوكيل في مثل الصورة المذكورة لأنه لم يأمره الموكل بذلك "وإذا خالفه إلى ما هو أنفع أو إلى غيره ورضي به صح" لكون الرضا مناطا مسوغا لذلك ومجوزا له وإذا لم يرض لم يلزمه ما وقع من الوكيل مخالفا لما رسمه له المناط المعتبر وقد ثبت في البخاري وغيره من حديث معن بن يزيد قال "كان أبي خرج بدنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها فقال: والله ما إياك أردت بها فخاصمه إلى النبي ﷺ فقال: لك ما نويت يا يزيد ولك يا معن ما أخذت "ولعل هذه الصدقة صدقة تطوع لا صدقة فرض فقد وقع الإجماع على أنه لا تجزيء في الولد.
стр. 563
كتاب الضمانة
"يجب على من ضمن على حي أو ميت تسليم مال أن يغرمه عند الطلب" لما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث أبي أمامة أنه ﷺ قال: "الزعيم غارم١ " وفي إسناده إسمعيل بن عياش ولكنه ثقة في الشاميين وقد رواه هنا عن شامي وهو شرحبيل بن مسلم فيم يصب ابن حزم في تضعيف الحديث بإسمعيل بن عياش وقد أخرجه النسائي من طريقين إحداهما من طريق أبي عامر
стр. 564
الوصابي١ والأخرى من طريق حاتم بن حريث كلاهما عن أبي أمامة وقد صححه ابن حبان من طريق حاتم هذه وحاتم قد وثقه الدارمي وقد أخرج الحديث ابن ماجه والطبراني من طريق سعيد بن أبي سعيد عن أنس وأخرجه ابن عدي من حديث ابن عباس وضعفه باسمعيل بن زياد السكوني ورواه أبو موسى المدنبي في الصحابة من طريق سويد بن جبلة قال الدارقطني: لا تصح له صحبة وحديثه مرسل قال: وبعضهم يقول له صحبة ورواه الخطيب في التلخيص من طريق ابن لهيعة عن عبد الله بن حبان٢ الليثي عن رجل عن آخر منهم وأخرج البخاري وغيره من حديث سلمة بن الأكوع "أن النبي ﷺ امتنع من الصلاة على من عليه الدين فقال أبو قتادة: صل عليه يارسول الله وعلي دينه فصلى عليه"وأخرج هذه القصة الترمذي من حديث أبي قتادة وصححه وأخرج هذه القصة الترمذي من حديث أبي قتادة وصححه وأخرجها أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والدارقطني والحاكم من حديث جابر وفي لفظ من حديث جابر هذا أن النبي ﷺ قال لأبي قتادة: "قد أوفى الله حق الغريم وبرىء منه الميت قال نعم فصلى عليه فلما قضاها قال له النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: الآن بردت عليه جلده" أخرج ذلك أحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني وصححه ابن حبان والحاكم "ويُرجع على المضمون عنه إن كان مأمورا من جهته" لكون الدين عليه والأمر منه للضمين بالضمانة كالأمر له بالتسليم فيرجع عليه لذلك "ومن ضمن بإحضار شخص وجب عليه إحضاره وإلا غرم ما عليه" لعموم قوله ﷺ "الزعيم غارم" والخلاف في الضمانة معروف وهذا خلاصة ما ورد به الشرع
стр. 565
كتاب الصلح
حكم الصلح
...
كتاب الصلح
"هو جائز بين المسلمين" لقوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ "إلا صُلحاً أحل حراما أو حرم حلالا" لحديث عمرو ابن عوف عند أبي داود وابن ماجه والترمذي والحاكم وابن حبان أن النبي ﷺ قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صُلحاً حرم حلالا أو أحل حراما" وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه وهو ضعيف جدا وقد صحح الحديث الترمذي فلم يصب وقد اعتذر له ابن حجر فقال: كأنه اعتبر بكثرة طرقه وذلك لأنه رواه أبو داود والحاكم من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال الحاكم: على شرطهما وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي وأخرجه أيضا الحاكم من حديث أنس ومن حديث عائشة أخرجه الدارقطني "ويجوز عن المعلوم والمجهول بمعلوم وبمجهول" لحديث أم سلمة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه قالت جاء رجلان إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة فقال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إلى رسول الله وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن١ بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاما٢ في عنقه يوم القيامة" فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي فقال رسول الله ﷺ : "أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما٣ ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه" وفي إسناد هذا الحديث أسامة بن زيد بن أسلم المدني وفيه مقال ولكن أصل الحديث في الصحيحين وقد استدل به على جواز الصلح