المجلد الاول
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نحمدك اللهم أنت الذي علمت الناس في دينهم حكما وفي دنياهم أحكاما. وجعلت أمة خاتم الرسل المرحومة أكرم الأمم كلها منزلا ومقاما. ومازلت ألهمت من شئت وتلهم من تشاء منهم في كل قرن استعمال السنن المطهرة على وجهها إلهاما. ونهيتهم عن التفرق في الدين وأوضحت لهم سبيل اليقين فأصبحوا بنعمتك بررة كراما. وما انفك عدو لهم نفوا عن الدين وينفون عنه انتحال١ المبطلين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين حتى عاد علم الحق معتدلا قواما. .
ونصلي عليك أيها النبي الكريم, بك من الله علينا بالإيمان وهدانا إسلاما. لطفا بنا ورحمة علينا وبركة فينا وإحسانا إلينا وإكراما. فكان ذلك لزاما. ولولاك ما اهتدينا ولا صلينا ولا علمنا أحكاما. فكنت أنت داعينا إلى الله وهاديا لنا ورؤوفا بنا وفينا إماما. ونسلم عليكم أهل البيت الطاهرين الطيبين أنتم أصبتم من سعادة الدارين سهاما. وقمتم بالحق الحقيق بالاتباع كما يحق قياما. ورضي الله عنكم أصحاب النبي ﷺ بكم انتظم مبتغي الأمة الأمية بدءا وختاما. ومنك استتب أمر الملة المكرمة أصلا وفرعا واهتماما. ورحمة الله وبركاته عليكم أهل الحديث أنتم كشفتم للناس عن صراح٢ الحق وصحاح السنة وقح٣ الشريعة ظلاما. وعن وجه الدين القويم والصراط المستقيم لثاما. وكيف وقد جعلكم الله تعالى للمتقين إماما. .
وبعد: فلما جمع الإمام الهمام عز المسلمين والإسلام سلالة السلف الصلحاء تذكار العرب العرباء وارث علوم سيد المرسلين خاتم المفسرين والمحدثين شيخ شيوخنا الكاملين المجتهد المطلق العلامة الرباني قاضي قضاة القطر اليماني محمد
стр. 2
ابن علي بن محمد اليمني الشوكاني المتوفى سنة خمس وخمسين ومائتين وألف الهجرية رضي الله تعالى عنه وأرضاه وجعل الفرودس منزله ونزله ومأواه المختصر الذي سماه: "الدرر البهية في المسائل الفقهية" قاصدا بذلك جمع المسائل التي صح دليلها واتضح سبيلها تاركا لما كان منها من محض الرأي فإنه قالها وقيلها غير ملتفت إلى ما اشتهر فالحق أحق بالاتباع وغير جامد على ما ذكر في الزبر١ فلمسلك التحقيق اتساع بل محض فيه النصح النصيح ومخض٢ عن زبد الحق الصريح وأتى بتحقيقات جليلة خلت عنها الدفاتر وأشار إلى تدقيقات نفسية تحوها صحف الأكابر ونسبة هذا المختصر إلى المطولات من الكتب الفقهية نسبة السبيكة الذهبية إلى التربة المعدنية كما يعرف ذلك من رسخ في العلوم قدمه وسبح في بحار المعارف ذهنه ولسانه وقلمه سأله جماعة من أهل الانتقاد والفهم النافذ العاضين على علوم الاجتهاد بأقوى لحي٣ وأحد ناجذ٤ أن يجلي عليهم عروس ذلك المختصر ويزفه إليهم ليمعنوا في محاسنه النظر فاستمهلهم ريثما يصحح منه ما يحتاج إلى التصحيح وينقح فيه ما لا يستغني عن التنقيح ويرجح من مباحثه ماهو مفتقر إلى الترجيح ويوضح من غوامضه ما لا بد فيه من التوضيح فشرحه بشرح مختصر من معين عيون الأدلة معتصر وسماه: "الدراري المضية شرح الدرر البهية" وفيهما قال قائل:
إن شئت في شرح النبي ... تقدح بزند فيه واري٥
فاعكف على الدرر التي ... سلكت بسمط٦ من دراري
وشرحه هذا كان بالقول فجعلته شرحا ممزوجا وصيرته على منواله منسوجا مستوعبا للفظه ومعناه ومستصحبا لفحاويه ومبناه مضيفا إليه مذاهب الفقهاء ليظهر ضعفها أو قوتها عند تقابل الأدلة وتعارضها بالآراء لا للأخذ بها على ما كان بأي حال فإن الرجال تعرف بالحق لا الحق بالرجال ثم زدت عليه أشياء من حاشية الماتن٧ على شفاء الأوام التي سماها! وبل الغمام! ومن غيرها عند النظر الثاني
стр. 3
في هذا الكتاب فعاد بحمد الله تعالى كما قيل اللبأ وابن طاب١ هذا وقد أمليت هذا الشرح على طريق الارتجال بالاستعجال إرشادا إلى طرق من العلم طالما تركت وهزا لطبائع جامدة طالما ركدت راجيا من الله تعالى أن أكون ممن تعلم علم رسول الله ﷺ وعلمه وأذاعه وحفظه على الناس وفيهم روجه وأشاعه فدونك هذا المشروح والشرح يلقي إليك زمام التفويض في المدح والقدح يا من له في أوج التحقيق صعود وعليه من ملابس التدقيق برود كيف وهو يروي غليل طالبي فقه السنة ويشفي عليل السائقين إلى مساق الجنة فليسعد به كل طالب الحق الصادق ويضن به كل ذي باطل زاهق ولئن رده القاصرون فسيقبله الماهرون وإن ذمه الجهلة فسوف يمدحه الكملة وسميت هذا الشرح الأنيس بل العلق النفيس! الروضة الندية شرح الدرر البهية! والله أرجو أن يعين على التمام وينفعني به ومن أخلفه وجميع المتبعين للسنن في هذه الدار ودار السلام إنه ولي الإجابة وبيده الهداية والإصابة. قال ﵁: بسم الله الرحمن الرحيم أحمد من أمرنا بالتفقه في الدين وأشكر من أرشدنا إلى اتباع سنن سيد المرسلين وأصلي وأسلم على الرسول الأمين وآله الطاهرين وأصحابه الأكرمين.
стр. 4
كتاب الطهارة
باب
هذا الباب قد اشتمل على مسائل:
"الأولى الماء طاهر ومطهر" ولا خلاف في ذلك وقد نطق بذلك الكتاب والسنة وكما دل الدليل على كونه طاهرا مطهرا وقام على ذلك الإجماع كذلك يدل على ذلك الأصل والظاهر والبراءة فإن أصل عنصر الماء طاهر مطهر بلا نزاع وكذلك الظهور يفيد ذلك والبراءة الأصلية عن مخالطة النجاسة له مستصحبة "لا يخرجه
стр. 5
عن الوصفين" أي عن وصف كونه طاهرا وعن وصفه كونه مطهرا إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه من النجاسات.
هذه المسألة الثانية من مسائل الباب وهي أنه لا يخرج الماء عن الوصفين إلا ما غير أحد أوصافه الثلاثة من النجاسات لا من غيرها وهذا المذهب هو أرجح المذاهب وأقواها.
والدليل عليه ما أخرجه أحمد وصححه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه أيضا يحيى بن معين وابن حزم من حديث أبي سعيد قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض١ ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول الله ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شيء". وقد أعله ابن القطان باختلاف الرواة في اسم الراوي له عن أبي سعيد واسم أبيه وليس ذلك بعلة وقد اختلف في أسماء كثير من الصحابة والتابعين على أقوال ولم يكن ذلك موجبا للجهالة على أن ابن القطان نفسه قال بعد ذلك الإعلال: وله طريق أحسن من هذه ثم ساقها عن أبي سعيد وقد قامت الحجة بتصحيح من صححه من أولئك الأئمة.
وله شواهد منها حديث سهل بن سعد عند الدارقطني ومن حديث ابن عباس عند أحمد وابن خريمة وابن حبان ومن حديث عائشة عند الطبراني في الأوسط وأبي يعلى والبزار وابن السكن كلها بنحو حديث أبي سعيد, وأخرجه بزيادة الاستثناء الدارقطني من حديث ثوبان بلفظ: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو لونه أو طعمه", وأخرجه أيضا مع الزيادة ابن ماجة والطبراني من حديث أبي أمامة بلفظ: "إن الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه" وفي إسنادهما من لا يحتج به, وقد اتفق أهل الحديث على ضعف هذه الزيادة لكنه قد وقع الإجماع على مضمونها كما نقله ابن المنذر وابن الملقن في البدر المنير والمهدي في البحر, فمن كان يقول بحجيّة الإجماع كان الدليل عنده على ما أفادته تلك الزيادة هو الإجماع, ومن كان لا يقول بحجيّة الإجماع كان هذا الإجماع مفيداً لصحة تلك
стр. 6
الزيادة لكونها قد صارت مما أُجمع على معناها وتُلقّي بالقبول فالاستدلال بها لا بالإجماع. وعن الثاني ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المغيرات الطاهرة. .
هذه المسألة الثالثة من مسائل الباب ووجه ذلك أن الماء الذي شرع لنا التطهير به هو الماء المطلق الذي لم يضف إلى شيء من الأمور التي تخالطه فإن خالطه شيء أوجب إضافته إليه كما يقال ماء ورد ونحوه فليس هذا الماء المقيد بنسبته إلى الورد مثلاً هو الماء المطلق الموصوف بأنه طهور في الكتاب العزيز بقول سبحانه: ﴿مَاءً طَهُوراً﴾ وفي السنة المطهرة بقول ﷺ : "الماء طهور" فخرج بذلك عن كونه مطهراً ولم يخرج به عن كونه طاهراً لأن الفرض أن الذي خالطه طاهر واجتماع الطاهرين لا يوجب خروجهما عن الوصف الذي كان مستحقاً لكل واحد منهما قبل الاجتماع.
قال في حجة الله البالغة: وأما الوضوء من الماء المقيد الذي لا يطلق عليه اسم الماء بلا قيد فأمر تدفعه الملة بادي الرأي, نعم إزالة الخبث به محتمل بل هو الراجح. وقد أطال القوم في فروع موت الحيوان في البئر والعشر في العشر والماء الجاري وليس في كل ذلك حديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم البتة, وأما الآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين كأثر ابن الزبير في الزنجي وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الفأرة والنخعي والشعبي في نحو السِّنَّور فليست مما يشهد له المحدثون بالصحة ولا مما اتفق عليه جمهور أهل القرون الأولى, وعلى تقدير صحتها يمكن أن يكون ذلك تطييباً للقلوب وتنظيفاً للماء لا من جهة الوجوب الشرعي كما ذُكر في كتب المالكية ودون نفي هذا الاحتمال خرط القتاد.
وبالجملة: فليس في هذا الباب شيء يُعتد به ويجب العمل عليه وحديث القلتين أثبت من ذلك كله بغير شبهة ومن المحال أن يكون الله تعالى شرع في هذه المسائل لعباده شيئاً زيادة على ما لا ينفكون عنه من الارتفاقات وهي مما يكثر وقوعه وتعم به البلوى ثم لا ينص عليه النبي ﷺ نصاً جلياً ولا يستفيض في الصحابة ومن بعدهم ولا حديث واحد فيه والله أعلم انتهى. قلت: وقد أطال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في تخريج حديث القُلّتين والكلام عليه جرحاً وتعديلاً لفظاً ومعنى في كتابه تلخيص الحبير في تخريج
стр. 7
أخبار الرافعي الكبير إطالةً حسنةً فليرجع إليه.
"ولا فرق بين قليل وكثير" هذه المسألة الرابعة من مسائل الباب, والمراد بالقلة والكثرة ما وقع من الاختلاف في ذلك بين أهل العلم بعد إجماعهم على أن ما غيّرت النجاسة أحد أوصافه الثلاثة ليس بطاهر فقيل: إن الكثير ما بلغ قلتين والقليل ما كان دونهما لما أخرجه أحمد وأهل السنن والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي وصححه الحاكم على شرط الشيخين من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة١ من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب فقال: "إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخبث" وفي لفظ أحمد: "لم ينجسه شيء" وفي لفظ لأبي داود: "لم ينجس" وأخرجه بهذا اللفظ ابن حبان والحاكم وقال ابن مندة: إسناد حديث القُلّتين على شرط مسلم. انتهى. ولكنه حديث قد وقع الاضطراب في إسناده ومتنه كما هو مبين في مواطنه وقد أجاب من أجاب عن دعوى الاضطراب, وقد دلّ هذا الحديث على أن الماء إذا بلغ قُلّتين لم يحمل الخبث وإذا كان دون القُلّتين فقد يحمل الخبث ولكنه كما قيد حديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء" بتلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها كذلك يقيد حديث القلتين بها فيقال: إنه لا يحمل الخبث إذا بلغ قلتين في حال من الأحوال إلا في حال تغير بعض أوصافه بالنجاسة فإنه حينئذ قد حمل الخبث بالمشاهدة وضرورة الحس فلا منافاة بين حديث القلتين وبين تلك الزيادة المجمع عليها, وأما ما كان دون القلتين فهو مظنة لحمل الخبث وليس فيه أنه يحمل الخبث قطعاً وبتّاً ولا أن ما يحمله من الخبث يخرجه عن الطهورية لأن الخبث المخرج عن الطهورية هو خبث خاص وهو الموجب لتغير أحد أوصافه أو كلها لا الخبث الذي لم يغير, وحاصله: أن ما دل عليه مفهوم حديث القلتين من أن ما دونهما قد يحمل الخبث لا يُستفاد منه إلا أن ذلك المقدار إذا وقعت فيه نجاسة قد يحملها, وأما أنه يصير نجساً خارجاً عن كونه طاهراً فليس في هذا المفهوم ما يفيد ذلك ولا ملازمة بين حمل الخبث والنجاسة المخرجة عن الطهورية؛ لأن الشارع قد نفى
стр. 8
النجاسة عن مطلق الماء كما في حديث أبي سعيد المتقدم وما شهد له ونفاها عن الماء المقيد بالقلتين! كما في حديث عبد الله بن عمر المتقدم أيضاً وكان النفي بلفظ هو أعم صيغ العام فقال في الأول: "لا ينجسه شيء" وقال في الثاني أيضا كما في تلك الرواية: "لم ينجسه شيء" فأفاد ذلك أن كل ماء يوجد على وجه الأرض طاهر إلا ما ورد فيه التصريح بما يخصص هذا العام مصرحاً بأنه يصير الماء نجساً كما وقع في تلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها فإنها وردت بصيغة الاستثناء من ذلك الحديث فكانت من المخصصات المتصلة بالنسبة إلى حديث أبي سعيد ومن المخصصات المنفصلة بالنسبة إلى حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما على القول الراجح في الأصول وهو: أنه يُبنى العام على الخاص مطلقاً فتقرر بهذا أنه لا منافاة بين مفهوم حديث القلتين وبين سائر الأحاديث بل يقال فيه: إن مادون القلتين إن حمل الخبث حملاً استلزم تغير ريح الماء أو لونه أو طعمه فهذا هو الأمر الموجب للنجاسة والخروج عن الطهورية وإن حمله حملاً لا يغير أحد تلك الأوصاف فليس هذا الحمل مستلزماً للنجاسة. .وقد ذهب إلى تقدير الماء القليل بما دون القلتين والكثير بهما الشافعي ﵀ وأصحابه ﵏ وذهب إلى تقدير القليل بما يظن استعمال النجاسة باستعماله والكثير بما لا يظن استعمال النجاسة باستعماله ابن عمر ومجاهد, وقد روي أيضا عن الشافعية ﵏ والحنفية ﵏ وأحمد بن حنبل ﵀ ولا أدري هل تصح هذه الرواية أم لا فمذاهب هؤلاء مُدونّة في كتب أتباعهم من أراد الوقوف عليها راجعها واحتج أهل هذا المذهب بمثل قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ١ فَاهْجُرْ﴾ وبخبر الاستيقاظ وخبر الولوغ وأحاديث النهي عن البول في الماء الدائم وهي جميعها في الصحيح ولكنها لا تدل على المطلوب ولو فرضنا أن لشيء منها دلالة بوجه ما كان ما أفادته تلك الدلالة مقيداً بما تقدّم لأن التعبد إنما هو بالظنون الواقعة على الوجه المطابق
стр. 9
للشرع على أنه لا يبعد أن يقال: إن العاقل لا يظن استعمال النجاسة باستعمال الماء إلا إذا خالطت الماء بجِرمها أو بريحها أو بلونها أو بطعمها مخالطة ظاهرة توجب ذلك الظن, ولا شك ولا ريب أن ما كان من الماء على هذه الصفة ينجس لأن المخالطة إن كانت بالجِرم فالمتوضئ مستعمل لعين النجاسة وإن كانت المخالطة بالريح أو اللون أو الطعم فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجحناه. .
والحاصل: أنهم إن أرادوا بقولهم إن ظُنّ استعمال النجاسة باستعماله فهو القليل وإن لم يظن فهو الكثير ما هو أعم من عين النجاسة وريحها ولونها وطعمها فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجحناه إلا من جهة أن هؤلاء اعتبروا المظنّة وأهل المذهب الأول اعتبروا المَئنّة١ ولكن لا يخفى أن المظنة إذا كانت هي الصادرة من غير أهل الوسوسة والشكوك فهي لا تكاد تخالف المِئنّة في مثل هذا الموضع وإن أرادوا استعمال العين فقط أو عدم استعمال العين فقط فهو مذهب مستقل غير ذلك المذهب ولكن الظاهر أنهم أرادوا المعنى الأول, ويدل على ذلك أنه قد وقع الإجماع على أن ما غيّر لون الماء أو ريحه أو طعمه من النجاسات أوجب تنجيسه كما تقدم تقريره فأهل هذا المذهب من جملة القائلين بذلك لدخولهم في الإجماع بل هو مصرِّح لحكاية الإجماع في البحر فتقرر بهذا أنهم يريدون المعنى الأول أعني الأعم من العين والريح واللون والطعم ثبوتا وانتقاء, وحينئذ فلا مخالفة بين المذهبين لأن أهل المذهب الأول لا يخالفون في أن استعمال المطهر لعين النجاسة مع الماء موجب لخروج الماء عن الطهورية خروجاً زائداً على خروجه عند استعمال ما فيه مجرد الريح أو اللون أو الطعم فتأمل هذا فهو مفيد, بل مجموع ما اشتمل عليه هذا البحث في الجمع بين المذاهب المختلفة في الماء وبين الأدلة الدالة عليها على هذه الصورة التي لخصتها مما لم أقف عليه لأحد من أهل العلم, وهذه المسألة هي من المضايق التي يتعثر في ساحاتها كل محقق ويتبلّد عند تشعب طرائقها كل مدقق, وقد حررها الماتن في سائر مؤلفاته٢ تحريرات مختلفة لهذه العلة وأطال
стр. 10
الكلام عليها في طيب النشر في المسائل العشر..
وقد استدل بعض أهل العلم بمثل حديث: "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون", ومثل حديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ولا يستفاد منهما إلا أن التورع عند الظن من الإقدام أولى, وأهل هذا المذهب يوجبون العمل بذلك الظن حتماً وجزماً, وقد عرفت أن أدلة المذهب الأولى على الوجه الذي لخصناه تدل على المذهب الثاني فإبعاد النُّجعة إلى مثل حديث: "استفت قلبك" و"دع ما يريبك" ليس كما ينبغي فإن قيل: إنه قصد الاستدلال على مجرد العمل بالظن من غير نظر إلى هذه المسألة فيقال: أدلة العمل بالظن في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأكثر منها أدلة النهي عن العمل به, وهكذا التعويل على حديث الولوغ والاستيقاظ ونحو ذلك لا يفيد, وقد حُكي في تحديد الماء الكثير أقوال منها: أن الكثير هو المستبحر وقيل: ما إذا حُرِّك طرفه لم يتحرك الطرف الآخر, وقيل: ما كان مساحة مكانه كذا وقيل: غير ذلك وهذه الأقوال ليس عليها أثارة من علم بل هي خارجة عن باب الرواية المقبولة والدراية المعقولة.
"وما فوق القلتين وما دونهما" قدَّر الشافعي الماء الذي لا ينجس بوقوع النجاسة ما لم يتغير بالقلتين وقدَّرهما بخمس قرب وفسرها أصحابه بخمسمائة رطل, وقدّره الحنفية بالغدير الكبير الذي لا يتحرك جانب منه بتحريك الآخر والعشر في العشر كذا في المسوى شرح الموطأ, وقال في حجة الله البالغة: ومن لم يقل بالقلتين اضطر إلى مثلهما في ضبط الماء الكثير كالمالكية أو الرخصة في آبار الفلوات من نحو أبعار الإبل انتهى. ويدفع ذلك ما مر من عدم الفرق بين ما دون القلتين وما فوقهما مع الدليل عليه, وإن شئت زيادة التفصيل فعليك بالفتح الرباني في فتاوى الشوكاني ففيها ما يشفي العليل ويسقي الغليل.
"ومتحرك وساكن", وجه ذلك أن سكونه وإن كان قد ورد النهي عن التطهير به حالة١ فإن ذلك لا يخرجه عن كونه طهوراً لأنه يعود إلى وصف كونه طهوراً بمجرد تحركه, وقد دلّت الأحاديث على أنه لا يجوز التطهير بالماء الساكن مادام ساكنا كحديث
стр. 11
أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: "لا يغتسلنّ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" فقالوا يا أبا هريرة: كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولاً, وفي لفظ لأحمد وأبي داود: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة" وفي لفظ للبخاري: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" وفي لفظ للترمذي: "ثم يتوضأ منه" وغير هذه الرويات التي يفيد مجموعها النهي عن البول في الماء الدائم على انفراده والنهي عن الاغتسال فيه على انفراده والنهي عن مجموع الأمرين ولا يصح أن يقال: إن روايتي الانفراد مقيدتان بالاجتماع لأن البول في الماء على انفراده لا يجوز فأفاد هذا أن الاغتسال والوضوء في الماء الدائم من دون بول فيه غير جائز فمن لم يجد إلا ماء ساكنا وأراد أن يتطهر منه فعليه أن يحتال قبل ذلك بأن يحركه حتى يخرج عن وصف كونه ساكناً ثم يتوضأ منه, وأما أبو هريرة فقد حمل النهي على الانغماس في الماء الدائم ولهذا لما سئل كيف يفعل قال: يتناوله تناولاً ولكنه لا يتم ذلك في الوضوء فإنه لا انغماس فيه بل هو يتناوله تناولاً من الابتداء فالأوْلى تحريك الماء قبل الشروع في الطهارة ثم يتطهر١ به, وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ما دلت عليه هذه الروايات فلم يفرقوا بين المتحرك والساكن ومنهم من قال: إن هذه الروايات محمولة على الكراهة فقط ولا وجه لذلك وقد قيل إن المُستبحر مخصوص من هذا بالإجماع والراجح أن الماء الساكن لا يحل التطهر به مادام ساكناً فإذا تحرك عاد له وصفه الأصلي وهو كونه مطهراً وهذه هي المسألة الخامسة من مسائل الباب.
"ومستعمَل وغير مستعمَل" هذه المسألة السادسة من مسائل الباب وقد وقع الاختلاف بين أهل العلم في الماء المستعمل لعبادة من العبادات هل يخرج بذلك عن كونه مُطهِّراً أم لا؟ فحُكي عن أحمد بن حنبل والليث والأوزاعي والشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنهما وأبي حنيفة في رواية عنه أن الماء المستعمل غير مطهِّر واستدلوا بما تقدم من حديث النهي عن الاغتسال في الماء الدائم ولا دلالة له على ذلك لأن علة النهي عن التطهير به ليست كون ذلك الماء مستعملاً بل كونه ساكناً وعلة السكون لا ملازمة بينها وبين الاستعمال,
стр. 12
واحتجوا أيضاً بما ورد من النهي عن الوضوء بفضل وضوء المرأة ولا تنحصر علة ذلك في الاستعمال كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى فلا يتم الاستدلال بذلك لاحتماله, ولو كانت العلة الاستعمال لم يختص النهي بمنع الرجل من الوضوء بفضل المرأة والعكس بل كان النهي سيقع من الشارع لكل أحد عن كل فضل, ومن جملة ما استدلوا به: أن السلف كانوا يكملون الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بماء ساقط منه وهذه حجة ساقطة لا ينبغي التعويل على مثلها في إثبات الأحكام الشرعية, فعلى هذا المستدل أن يوضح هل كان هذا التكميل يفعله جميع السلف أو بعضهم والأول باطل والثاني لا يُدرى من هو فليبين لنا من هو على أنه لا حجة إلا الإجماع عند من يحتج بالإجماع, وقد استدلوا بأدلة هي أجنبية عن محل النزاع مثل: حديث غسل اليد ثلاثاً بعد الإستيقياظ قبل إدخالها الإناء ونحوه فالحق أن المستعمل طاهر ومطهر عملاً بالأصل وبالأدلة الدالة على أن الماء طهور, وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف والخلف ونسبه ابن حزم إلى عطاء وسفيان الثوري وأبي ثور وجميع أهل الظاهر ونقله غيره عن الحسن البصري والزهري والنخعي ومالك والشافعي وأبي حنيفة في إحداى الروايات عن الثلاثة المتأخرين, والحق أن الماء لا يخرج عن كونه طهوراً بمجرد استعماله للطهارة إلا أن يتغير بذلك ريحه أو لونه أو طعمه, وقد كان الصحابة يكادون يقتتلون على ما تساقط من وضوئه ﷺ فيأخذونه ويتبركون به والتبرك به يكون بغسل بعض أعضاء الوضوء كما يكون بغير ذلك. والحاصل: أن إخراج ما جعله الماء طهوراً عن الطهورية لا يكون إلا بدليل.
فصل"والنجاسات" جمع نجاسة وهي كل شيء يستقذره أهل الطبائع السليمة ويتحفظون عنه ويغسلون الثياب إذا أصابها كالعذرة والبول, هي غائط الإنسان مطلقا وبوله بالأدلة الصحيحة المفيدة للقطع بذلك بل نجاستهما من باب الضرورة الدينية كما لا يخفى على من له اشتغال بالأدلة الشرعية وبما كان عليه الأمر في عصر النبوة ولا يقدح في ذلك التخفيف في تطهيرهما في بعض الأحوال. . أما الغائط فكما في حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور" وفي لفظ: "إذا وطئ
стр. 13
الأذى بخفيه فطهورهما التراب". رواهما أبو داود ﵀ وابن السكن والحاكم والبيهقي وقد اختُلف فيه على الأوزاعي, وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم وابن حبان من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصلّ فيهما" وقد اختُلف في وصله وإرساله ورجح أبو حاتم في العلل الموصول, وأخرج أهل السنن عن أم سلمة مرفوعاً بلفظ: "يطهِّره ما بعده" وعن أنس عند البيهقي بسند ضعيف بنحوه وكذلك عن امرأة من بني عبد الأشهل عند البيهقي أيضا فإن جعل التراب مع المسح مطهراً لذلك لا يُخرجه عن كونه نجسا بالضرورة إذ اختلاف وجه التطهير لا يُخرج النجس عن كونه نجسا, وأما التخفيف في تطهير البول فكما ثبت أن النبي ﷺ أمر بأن يُراق على بول الأعرابي ذَنوب١ من ماء وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وأنس ﵄.
وأما ما عدا غائط الآدمي وبوله من الأبوال والأزبال فلم يحصل الاتفاق على شيء في شأنها والأدلة مختلفة فورد في بعضها ما يدل على طهارته كأبوال الإبل فإنه ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ أمر العُرَنيين بأن يشربوا من أبوال الإبل ومن ذلك حديث: "لا بأس ببول ما يؤكل لحمه" وهو حديث ضعيف أخرجه الدارقطني من حديث جابر ﵁ والبراء ﵁ وفي إسناده عمرو بن الحصين العقيلي وهو ضعيف جدا لا تقوم بمثله الحجة٢, وورد ما يدل على نجاسة الرَّوث ما أخرجه البخاري وغيره أنه قال ﷺ في الروثة: "إنها رِكْس" والركس النجس وقد نقل التيمي أن الروث مختص بما يكون في الخيل والبغال والحمير ولكنه زاد ابن خزيمة في رواية: "إنها ركس إنها روثة حمار"
ومعظم ما استدل به القائلون بالتعميم في النجاسة لا ينطبق على غير الخارج من الآدمي وحديث الروثة لا يستلزم التعميم وحديث عمار قد أطبق من رواه على أنه من الضعف بمكان يسقط به عن درجة الاعتبار لأنه من رواية ثابت بن حماد بن علي بن زيد بن جدعان والأول مجمع على تركه والثاني مجمع على ضعفه فلا
стр. 14
ينتهض بمثله حجة على التعميم١, واحتجوا بإذنه ﷺ بالصلاة في مرابض الغنم وبإذنه بشرب أبوال الإبل وهما صحيحان ولاحكم للمعارضة بنهيه ﷺ عن الصلاة في معاطن الإبل لأن النهي معلل بأنها ربما تؤذي المصلِّي فلا يستلزم ذلك عدم طهارة أزبالها وأبوالها كما أن تعليل الصلاة في مرابض الغنم بأنها بركة لا يستلزم أن الصلاة إنما كانت لأجل كونها بركة فإن مثل ذلك لا يُسوِّغ مباشرة ما ليس بطاهر. .
فالحق الحقيق بالقبول الحكم بنجاسة ما ثبتت نجاسته بالضرورة الدينية وهو بول الآدمي وغائطه, وأما ما عداهما فإن ورد فيه ما يدل على نجاسته كالروثة وجب الحكم بذلك من دون إلحاق وإن لم يرد فالبراءة الأصلية كافية في نفي التعبد بكون الشيء نجساً من دون دليل فإن الأصل في جميع الأشياء الطهارة والحكم بنجاستها حكم تكليفي تعم به البلوى, ولا يحل إلا بعد قيام الحجة قال الماتن رحمه الله تعالى: ولا يخفى عليك أن الأصل في كل شيء أنه ظاهر لأن القول بنجاسته يستلزم تعبد العباد بحكم من الأحكام والأصل عدم ذلك والبراءة قاضية بأنه لا تكليف بالمحتمل حتى يثبت ثبوتاً ينقل عن ذلك وليس من أثبت الأحكام المنسوبة إلى الشرع بدون دليل بأقل إثماً ممن أبطل ما قد ثبت دليله من الأحكام فالكل إما من التقول على الله تعالى بما لم يقل أو من إبطال ما قد شرعه لعباده بلا حجة "إلا الذكر الرضيع" لحديث:" يُغسل من بول الجارية ويُرش من بول الغلام" أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى والنسائي رحمه الله تعالى وابن ماجه والبزار وابن خزيمة من حديث أبي السمح خادم رسول الله ﷺ وصححه الحاكم وأخرج أحمد والترمذي وحسنه من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بول الغلام الرضيع يُنضح وبول الجارية يُغسل" وأخرجه أيضا ابن ماجه وأبو داود بإسناد صحيح عن علي موقوفاً, وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خريمة وابن حبان والطبراني من حديث أم الفضل لُبابة بنت الحارث قالت: بال الحسين بن علي في حِجر النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أعطني ثوبك والبس ثوباً غيره حتى أغسله فقال: "إنما يُنضح من بول الذكر ويُغسل
стр. 15
من بول الأنثى", وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أم قيس بنت مِحصن: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله, وفي صحيح البخاري من حديث عائشة قالت: أُتي رسول الله ﷺ بصبي يُحنِّكه فبال عليه فأتبعه الماء وفي صحيح مسلم عنها قالت: كان يؤتى بالصبيان فيبرِّك عليهم ويحنِّكهم فأتي بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله, فهذا تصريح بأنه لم يغسله فيكون إتباعه الماء مجرد النضح كما وقع في الحديثين الآخرين أو مجرد صب الماء عليه من دون غسل, وبالجملة: فالتصريح منه ﷺ بالقول بما هو الواجب في ذلك هو الأوْلى بالاتِّباع لكونه كلاماً مع أمته فلا يعارضه ما وقع من فعله على فرض أنه مخالف للقول, وقد ذهب إلى الاكتفاء بالنضح في بول الغلام لا الجارية جماعة منهم علي وأم سلمة والثوري والأوزاعي والنخعي وداود وابن وهب وعطاء والحسن الزهري وأحمد وإسحق ومالك في رواية وهذا هو الحق الذي لامحيص عنه, وذهب بعض أهل العلم -وقد حُكي عن مالك والشافعي والأوزاعي- إلى أنه يكفي النضح فيهما وهذا فيه مخالفة لما وقع في هذه الأحاديث الصحيحة من التفرقة بين الغلام والجارية, وذهب الحنفية ﵏ وسائر الكوفيين إلى أنهما سواء في وجوب الغسل وهذا المذهب كالذي قبله في مخالفة الأدلة وقد استدل أهل هذا المذهب الثالث بالأدلة الواردة في نجاسة البول على العموم ولا يخفاك أنها مخصصة بالأدلة الخاصة المصرحة بالفرق بين بول الجارية والغلام, وأما ما قيل من قياس بول الغلام على بول الجارية فلا يخفاك أنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار, وقد شدّد١ ابن حزم فقال: إنه يرش من بول الذكر أي ذكر كان وهو إهمال للقيد المذكور سابقاً بلفظ: "بول الغلام الرضيع يُنضَح" والواجب حمل المطلق على المقيد.
قال في الحُجّة: قد أخذ بالحديث أهل المدينة وإبراهيم النخعي وأضجع فيه القول محمد فلا تغتر بالمشهور بين الناس. قلت: قال الشافعي رحمه الله تعالى: يُنضح من بول الغلام ما لم يطعم ويغسل من بول الجارية, فسّره البغوي بأن بول الصبي نجس غير أنه يُكتفى فيه بالرش وهو أن ينضح الماء عليه بحيث يصل إلى جميعه فيطهّر من غير
стр. 16
مَرْس ولا دلك, وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: يغسل منهما سواء, ويتجه أن يقال من جانب أبي حنيفة رحمه الله تعالى إن المراد بالنضح الغسل الخفيف وبالغسل المرس والدلك وأصل المسألة أن التطهير إنما يكون بإزالة عين النجاسة وأثرها وبول الجارية أغلظ وأنتن فاحتيج فيه إلى زيادة المرس كذا في المُسوى. .
وأقول: أحاديث التخصيص هنها صحيحة لا شك في ذلك ولا ريب فما الذي دعاهم إلى الوقوع في مضيق التأويل المتعسف الذي لا يسوغ ارتكاب مثله مع وجود السعة وهذا كلام عاطل الجِيد عن الفائدة بمرة لأن هذا المعنى قد استُفيد من العام ثم إهدار لفائدة المغايرة بالمرة وحكم على كلام من أوتي جوامع الكلم وكان أفصح العرب بما يلحقه بكلام من هو من العيّ بمنزلة تُوقعه في الكلام القاصر عن رتبة الفصاحة والبلاغة, وقد ذكر في النهاية ما يفيد أن النضح يأتي بمعنى الغسل. قلت: قد يَرِد في مثل ذلك نادراً إذا اقتضاه المقام وههنا وقع مقابلاً للغسل فكيف يصح تفسيره به وقد أطبق أئمة اللغة أن النضح هو الرش فيجب حمله على ذلك إذا لم تقم قرينة على إرادة غيره فكيف إذا كان الكلام لا يصح إلا بالحمل على ذلك المعنى الأعم الأغلب وإلا كان الكلام حشواً وإن كان استعظام قائل قد قال بوجوب غسل البول فليس أحد أعظم منزلة ولا أكبر قدراً من رسول الله ﷺ فأقل الأحوال أن يجعل لكلامه مزيّة على غيره من علماء أمّته فيكون كلامهم مردوداً إلى كلامه وليت أن المشغوفين بمحبة مذاهب الأسلاف جعلوه كأسلافهم فسلكوا فيما بين كلامه وكلامهم طريقة الإنصاف ولكنهم في كثير من المواطن يجعلون الحظ لأسلافهم فيردون كلامه ﷺ إلى كلامهم فإن وافقهم فيها ونعمت وإن لم يوافقهم فالقول ما قالت حَذام, فإن أنكرتَ هذا فهات أبِنْ لي ما الذي اقتضى هذه التأويلات المتعسفة وردّ أحاديث التخصيص الصحيحة مع تسليمهم أن الخاص مقدم على العام وإنه يُبنى العام على الخاص وهذا مشتهر في الأصول اشتهار النهار.
"ولعاب كلب" قد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً" وثبت أيضاً عندهما وغيرهما مثله في حديث عبد الله بن مغفل فدل ذلك على نجاسة لعاب الكلب
стр. 17
وهو المطلوب هنا والكلام في الخلاف بين من عمل بظاهر هذه الأدلة ومن اكتفى بالتثليث معروف وليس ذلك مما يقدح في كونه نجساً لأن محل الدليل على النجاسة هو إيجاب الغسل وهكذا لا يتعلق بما نحن بصدده زيادة التغليظ بالتتريب كما وقع في أحاديث الباب في الصحيحين وغيرهما فإنه ليس المقصود ههنا إلا إثبات كون اللعاب نجساً لا بيان كيفية تطهيره فلذلك موضع آخر, والحاصل: أن الحق ما قضى به رسول الله ﷺ من التسبيع والتتريب وليس من شرط التعبد الاطِّلاع على علل الأحكام التي تعبَّدَنا الله بها على ما هو الراجح وقد صح لنا الأمر منه ﷺ بالغسل على الصفة المذكورة بالأحاديث الصحيحة ولم نجد عنه ما يدلنا على خلاف هذا الحكم فلا يحل تحويل الشرع المتقرر بأقوال علماء الأمة سواء كان القول المخالف منسوباً إلى جميعهم أو إلى بعضهم, وقد حفظ الله هذه السنة بأقوال جماعة من علماء الأمة كما هو معروف في كتب الخلاف والفقه وشروح السنة, ومن أغرب ما يراه من ألهمه الله رشده وحبب إليه الإنصاف ما يقع في كثير من المواطن من جماعة من ذلك عن الشريعة بمعزل والميل عن الحكم الثابت بشرع أوضح من الشمس من دون سبب يقتضي ذلك كما فيما نحن بصدده وفيما سلف في بول الصبي وأشباه هذا ونظائره لا تحصى والله المستعان.
وروث الدليل على نجاسته ما تقدمت الإشارة إليه من قوله ﷺ في الروثة: "إنها ركس" والركس في اللغة النجس فالروثة نجس وهو المطلوب وقد قدمنا كلام التيمي في تخصيص ذلك بروث الخيل والبغال والحمير. "ودم حيض" الدليل على ذلك ما ثبت عند أحمد وأبي داود والترمذي من حديث خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه قال: "فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه" قالت: يا رسول الله إن لم يخرج أثره, قال: "يكفيك الماء ولا يضرك أثره" وفي إسناده ابن لهيعة, وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن مرفوعاً بلفظ: "حُكّيه بضِلَع١ واغسليه بماء وسِدْر". قال ابن القطان: إسناده في غاية
стр. 18
الصحة, وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم حيض فكيف تصنع؟ قال: "تحتُّه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه" فالأمر بغسل دم الحيض وحكّه بضِلع يفيد ثبوت نجاسته وإن اختلف وجه تطهيره فذلك لا يخرجه عن كونه نجسا, وأما سائر الدماء فالأدلة فيها مختلفة مضطربة والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة أو المساوية١, ولو قام الدليل على رجوع الضمير في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ إلى جميع ما تقدم في الآية الكريمة من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير لكان ذلك لكان ذلك مفيداً لنجاسة الدم المسفوح والميتة ولكنه لم يرد ما يفيد ذلك بل النزاع كائن في رجوعه إلى الكل أو إلى الأقرب والظاهر رجوعه إلى الأقرب وهو لحم الخنزير لإفراد الضمير ولهذا جزمنا ههنا بنجاسة لحم الخنزير دون الميتة والدم الذي ليس بدم حيض ولا سيما وقد ورد في الميتة ما يفيد أنه لا يحرم منها إلا أكلها كما ثبت في الصحيح بلفظ: "إنما حُرِّم من الميتة أكلها" ومن رام تحقيق الكلام في الخلاف الواقع في مثل هذا الضمير المذكور في الآية فليرجع إلى ما ذكره أهل الأصول في الكلام على القيد الواقع بعد جملة مشتملة على أمور متعددة. ولحم الخنزير الدليل على نجاسته ما قدمنا قريباً من الآية الكريمة وفيما عدا ذلك خلاف, وأما المني فاحتجوا على نجاسته بأمور: الأول حديث عمار وقد سلف عدم صلاحيته للاحتجاج, والثاني بما ورد عن جماعة من الصحابة وذلك لا تقوم به حجة لأنه لم يكن إجماعاً ولا مرفوعاً والثالث بما ورد في المَذْي من الأمر بغسل الفرج والأُنثيين, ويجاب عنه أنه إثبات لنجاسة المني بقياس لأنهما متغايران على أنه يمكن أن يكون التغليظ في المذي إما لكونه يخرج غالباً مختلطاً بالبول أو لأنه ليس بأصل للنسل ويلزم أنه يطهُر بالنضح لما ورد عند أبي داود والترمذي وصححه من حديث سهل بن
стр. 19
حُنَيْف بلفظ: "يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به حيثما ترى أنه١ أصاب من ثوبك". وأما الجواب عن حديث أمره ﷺ لعائشة بفرك المني بأن المراد به الفرك قبل الغسل لا مجرد الفرك فقط فهذا خلاف ما تقتضيه المقابلة للفرك بالغسل وكان أقرب من هذا أن يجاب بأن الفرك لم يكن بأمره ﷺ إنما قالت عائشة: كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ كما في كتب الحديث. والأمر الرابع أن النبي ﷺ كان يغسل موضع المني من ثوبه ويجاب عنه بأن هذا فعل لا يصلح لإثبات النجاسة المستلزم لوجوب الإزالة مع احتمال أن يكون غسله تقذُّراً لما فيه من مخالفة النظافة, وأما فرك عائشة لمنيِّه ﷺ من ثوبه حال صلاته بأنه٢ لم يعلم بذلك فالجواب عنه بأنه لو كان نجساً لما أقره الله على ذلك كما ثبت في حديث خلع النعل بعد دخوله في الصلاة لإخبار جبريل له بذلك, وقد قدمت لك أن الحكم بكون الشيء نجساً لا يُقبل إلا بدليل تقوم به الحجة غير معارض بما هو أنهض أو مساوٍ لأن الحكم بكون الشيء نجساً يستلزم تعبد العباد بحكم من أحكام الشرع تعم به البلوى, وقد أوردت في مِسك الختام شرح بلوغ المرام حجج المختلفين ورجّحت هناك ما رجّحت وظهر لي الآن أن القيام في مقام المنع هو الذي ندين به عند الله, وفي سُبُل السلام والحق أن الأصل الطهارة والدليل على القائل بالنجاسة فنحن باقون على الأصل, وذهب الحنفية ﵏ إلى نجاسة المني كغيرهم ولكن قالوا يطهره الغسل أو الفرك أو الإزالة بالخِرقة أو الإذخرة عملاً بالحديثين وبين الفريقين القائلين بالنجاسة والقائلين بالطهارة مجادلات ومناظرات واستدلالات طويلة استوفيناها في حواشي شرح العمدة انتهى.
"والأصل الطهارة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه" لأن كون الأصل الطهارة معلوم من كليات الشريعة المطهرة وجزئياتها ولا ريب أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم من أحكام الشرع والأصل البراءة من ذلك ولا سيما من الأمور التي تعم بها البلوى وقد أرشدنا رسول الله ﷺ إلى السكوت عن الأمور التي سكت الله تعالى عنها وأنها عفو فما لم يرد فيه شيء من
стр. 20
الأدلة الدالة على نجاسته فليس لأحد من عباد الله تعالى أن يحكم بنجاسته بمجرد رأي فاسد أو غلط في الاستدلال كما يدعيه بعض أهل العلم من نجاسة ما حرّمه الله تعالى زاعماً أن النجاسة والتحريم متلازمان وهذا الزعم من أبطل الباطلات فالتحريم للشيء لا يدل على نجاسته بمطابقة ولا تضمن ولا التزام؛ فتحريم الخمر والميتة والدم لا يدل على نجاسة ذلك وكأن الشارع قد علم وقوع مثل هذا الغلط لبعض أمته فأرشدهم إلى ما يدفعه قائلاً: "إنما حُرِّم من الميتة أكلها" ١ ولم كان مجرد تحريم شيء مستلزماً لنجاسته لكان مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى آخره دليلاً على نجاسة النساء المذكورات في الآية والمسلم لا ينجس حيّاً ولا ميتاً كما ثبت ذلك عنه ﷺ في الصحيح وهكذا يلزم نجاسة أعيان وقع التصريح بتحريمها وهي طاهرة بالاتفاق كالأنصاب والأزلام وما يُسكر من النبات والثمرات بأصل الخلقة فإن قلت إذا كان التصريح بنجاسة شئ أو رجسيَّته أو ركسيَّته يدل على أنه نجس كما قلت في نجاسة الروثة ولحم الخنزير فكيف لم تحكم بنجاسة الخمر لقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ قلت: لما وقع الخمر ههنا مقترناً بالأنصاب والأزلام كان ذلك قرينة صارفة لمعنى الرِّجسيّة إلى غير النجاسة الشرعية وهكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ لما جاءت الأدلة الصحيحة المقتضية لعدم نجاسة ذوات المشركين كما ورد في أكل ذبائحهم وأطعمتهم والتوضؤ من آن يتهم والأكل فيها وإنزالهم المسجد كان ذلك دليلاً على أن المراد بالنجاسة المذكورة في الآية غير النجاسة الشرعية بل قد ورد البيان من الشارع لذلك بما لا يحتاج إلى زيادة فقال في وفد ثقيف لما أنزلهم المسجد: "ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء إنما أنجاسهم على أنفسهم" , فهذا يدل على أن تلك النجاسة حُكمية لا حِسِّيّة والتعبد إنما هو بالنجاسة الحسية, وأما ما ورد فيه ما يدل على نجاسته ولكنه قد
стр. 21
عورض بما هو أرجح منه فلا شك أنه يتعين العمل بالأرجح فإن عورض بما يساويه فالأصل عدم التعبد بما يتضمن ذلك الحكم حتى يرد مورداً خالصاً عن شَوْب المعارضة أو راجحاً على ما عارضه.
وبالجملة: فالواجب على المنصف أن يقوم مقام المنع ولا يتزحزح عن هذا المقام إلا بحجة شرعية قال في سبل السلام: والحق أن الأصل في الأعيان الطهارة وأن التحريم لا يلازم النجاسة فإن الحشيشة محرمة طاهرة وكل المخدرات والسمومات القاتلة لا دليل على نجاستها, وأما النجاسة فيلازمها التحريم فكل نجس محرم ولا عكس وذلك لأن الحكم في النجاسة هو المنع عن ملامستها على كل حال فالحكم بنجاسة العين حكم بتحريمها بخلاف الحكم بالتحريم فإنه يحرم لبس الحرير والذهب وهما طاهران ضرورة شرعية وإجماعاً, إذا عرفت هذا فتحريم الحُمُر والخمر الذي دلت عليه النصوص لا يلزم منه نجاستها بل لا بد من دليل آخر عليه وإلا بقيا على الأصول المتفق عليها من الطهارة فمن ادعى خلافه فالدليل عليه انتهى. وقد أوضح الماتن في مصنفاته كشرح المنتقى ووبل الغمام حاشية شفاء الأوام هذه المباحث المتعلقة بالنجاسة ما لا يحتاج الناظر في ذلك إلى النظر في غيره فليرجع. .
فصل "ويطهر ما يتنجس بغلسه" أي بإسالة الماء عليه ثم إن ورد فيه شيء عن الشارع كان الواجب الاقتصار في صفة التطهير على ذلك الوارد من دون مخالفة بزيادة عليه أو نقصان عنه كما ورد في أن النعل إذا تلوث بالنجاسة طهر بمسحه وقد تقدم ما يدل على ذلك وتقدم أيضا ما ورد في كيفية تطهير ما ينجس بدم الحيض وبلعاب الكلب. وبالجملة: فكل ما علمنا الشارع كيفية تطهيره كان علينا أن نقتصر على تلك الكيفية, وأما ما ورد فيه عن الشارع أنه نجس ولم يرد فيه بيان كيفية تطهيره فالواجب علينا إذهاب تلك العين حتى لا يبقى لها عين ولا لون ولا ريح ولا طعم؛ لأن الشيء الذي يجد الإنسان ريحه أوطعمه قد بقي فيه جزء من العين وإن لم يبق جرمها ولونها إذ انفصال الرائحة لا يكون إلا عن وجود شيء من ذلك الشيء الذي له الريح وكذلك وجود الطعم لا يكون إلا عن وجود شيء من ذلك الشئ الذي له الطعم. "والنعل بالمسح" وكذلك
стр. 22
الخف لأنه جسم صلب لا يتخلل فيه النجاسة والظاهر أنه عام في الرطبة واليابسة فيطهر من النجاسة التي لها جرم بالدلك ثم إن النبي ﷺ لما علم حدوث الشكوك في الطهارات فيما يأتي من الزمان وأطلعه الله على ما يأتي به المصابون بالوسوسة من التأويلات التي ليس لها في الشريعة أساس أوضح هذا المعنى إيضاحا ينهدم عنده كل ما بنوه على قنطرة الشك والخيال فقال: "إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر نعليه فإن كان فيهما خبث فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما". ولفظ أحمد وأبي داود: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما" فانظر هذه العبارة الهادمة لكل شك فإنه أولا بين لهم أنهم إذا وجدوا النجاسة في النعلين وجودا محققا فعلوا المسح بالأرض ثم أمرهم بالصلاة في النعلين ليعلموا بأن هذه هي الطهارة التي تجوز الصلاة بعدها ثم ترى أحدهم يلعب به الشيطان حتى يصير ماهو فيه نوعا من الجنون فيغسل يده أو وجهه مرة بعد مرة حتى يبلغ العدد إلى حد يضيق عنه الحصر مع دلك شديد وكلفة عظيمة واستغراق للفكر وهو يعلم بأن ذلك العضو لم تصبه نجاسة مغلظة ولا مخففة فلا يزال في تعب ونصب ومزاولة لا يشك من رآه أنه لم يبق عنده من العقل بقية ثم إذا فرغ من العضو الأول بعد جهد جهيد شرع في العضو الثاني ثم كذلك وكثير منهم من يدخل محل الطهارة قبل طلوع الفجر ولا يخرج إلا بعد طلوع الشمس فما بلغ الشيطان هذا المبلغ من أحد العصاة لأنه عذب نفسه في معصية لا لذة فيها للنفس ولا رفعة للقدر وصار بمجرد مجاوزة الثلاث الغسلات كما قال رسول الله ﷺ : "فمن تجاوزها فقد أساء وتعدى وظلم" فجمع له ﷺ بين هذه الثلاثة الأنواع ثم لم يقنع منه بهذا حتى صيره تاركا للفريضة التي ليس بين العبد وبين الكفر إلا تركها كما ثبت في الحديث الصحيح عن جابر بلفظ قال رسول الله ﷺ : "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأخرج أهل السنن وأحمد من حديث بريدة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" وأخرج الترمذي عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. فانظر
стр. 23
كيف صار هذا الموسوس بنص رسول الله ﷺ مسيئا متعديا ظالما كافرا إن بلغ إلى الحد الذي ذكرناه, فهذا باعتبار ما له عند ربه وأما باعتبار ما له عند الخلق فأقل الأحوال أن يقال: مجنون يلعب به الشيطان في مخالفة شريعة الرحمن فخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين, ومع هذا فهو يعذب نفسه بأشد العذاب وكثيرا ما يفضي به ذلك إلى علة كبيرة تكون سببا لهلاكه فيلقى ربه قاتلا لنفسه في معصية فلا يراح رائحة الجنة كما ثبت عنه ﷺ فيمن قبل نفسه وهذه المحنة يقع فيها العالم والجاهل فمن كان جاهلا اعتذر لنفسه بأعذار شيطانية قد استزله الشيطان بها فمنهم من يقول: لم أتيقن كمال الثلاث الغسلات في كل عضو وهو قد غسل ذلك العضو مئات ومنهم من يقول: أريد أن أغسل غسلا مشروعا لا تبقى شعرة ولا بشرة إلا وقد شملها الغسل والدلك فتراه يقلب يديه ورجليه ويدلك كل موضع منه في مقدار الجثة١ دلكا فظيعا فيشرع بالأنملة ثم يدلك جزءا بعد جزء حتى يفرغ من الأصبع ثم يأخذ في الأخرى ثم كذلك فلا يفرغ من غسل يده إلا بعد مدة طويلة ثم يلعب به الشيطان فيشككه فيما قد غسله أنه لم يغسله فيعود إليه ثم كذلك فلا يكمل الثلاث الغسلات في زعمه إلا بعد أن يبلغ بنفسه إلى حد يرحمه من رآه ومن كان عالما يعترف بأن هذا الفعل مخالف للشريعة وأنه وسوسة شيطانية وهو أقبح الرجلين فإنه ممن أضله الله على علم ونادى على نفسه بأنه منقاد لطاعة شيطانه في مخالفة خالقه مستغرق بعبادة عدو الله إبليس لم يبق فيه بقية تزجره عن معصيته فلم يستحي من الله فيحمله الحياء على إيثار الرحمن على الشيطان ولم يستحي من الناس فيردعه حياؤه عن التحدث لعباد الله بأنه قد اشتغل عن ربه بطاعته الشيطان, وفي مثل هذا قال رسول الله ﷺ : "إذا لم تستح فاصنع ما شئت". والحاصل: أن هذه المحنة قد عمت وطمت عند كل فرد من أفراد العباد منها جزء من الأجزاء وإن قل والكل من طاعة الشيطان ومخالفة الرحمن والناجي من ذلك هو الكبريت الأحمر وعنقاء مغرب والغراب الأبقع ومن أنكر هذا فليجرب نفسه ويعمل بمثل هذا النص الثابت عنه ﷺ في مسح الأذى الذي يعلق بالنعل في الأرض ثم يصلي فيه وينظر عند ذلك كيف يجد نفسه مع أن ذلك هو المهيع الذي لا يرجح المجتهد سواه إن أنصف من نفسه
стр. 24
فليصدق فعله قوله, وإن كان مقلدا فله بالأئمة الأسلاف قدوة وهم الأقل من القائلين بذلك وهيهات ذاك فإن الشكوك والخيالات قد جعلها الشيطان ذريعة يقتنص بها من لم يقع في شباكه المنصوبة للمتهتكين من العصاة المستهترين بمحبتها لأنه وجد قوما لا تطمح أنفسهم إلى شرب الخمور وارتكاب الفجور فحفر لهم حفيرة جمع لهم فيها بين خزي الدنيا والآخرة فهم أشقى أتباعه اللهم أعذنا من نزعات الشيطان وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. والاستحالة مطهرة أي إذا استحال الشيء إلى شيء آخر حتى كان ذلك الشيء الآخر مخالفا للشيء الأول لونا وطعما وريحا كاستحالة العذرة رمادا وقد أوضحت ذلك في كتابي دليل الطالب فليراجع وحققه الماتن في وبل الغمام والسيل الجرار وغيرهما, لعدم وجود الوصف المحكوم عليه يعني فقدْ فقدَ الوصف الذي وقع الحكم من الشارع بالنجاسة عليه وهذا هو الحق والخلاف في ذلك معروف
وما كان لا يمكن غسله من المتنجسات كالأرض والبئر فتطهيره بالصب عليه أو النزح منه حتى لا يبقى أي لا يوجد للنجاسة أثر لأنها لو كانت باقية لكان التعبد بإذهابها باقيا, ولكن هذا إنما يكون في مثل النجاسة التي لها جرم ولون, وأما مثل البول فقد ورد عن الشارع أن تطهيره بأن يصب عليه ذنوب من ماء فإذا وقع ذلك صارت الأرض المتنجسة بالبول طاهرة. أقول: البول على الأرض يطهره مكاثرة الماء عليه وهو مأخوذ مما تقرر عند الناس قاطبة أن المطهر الكثير يطهر الأرض وأن المكاثرة تذهب بالرائحة المنتنة وتجعل البول متلاشيا كأن لم يكن في المسوى. قال الشافعي رحمه الله تعالى: إذا أصاب الأرض بول أو غيره من النجاسة المائعة فصب عليها الماء حتى غلبها طهرت والغسالة طاهرة إذا لم يكن فيها تغير ولكنها لا تطهر وفرق بين ورود النجاسة على الماء وورود الماء على النجاسة, وعند الحنفية رحمهم الله تعالى الغسالة نجسة والأرض لا تطهر بصب الماء حتى تزول عنها الغسالة انتهى. والماء هو الأصل في التطهير فلا يقوم غيره مقامه إلا بإذن من الشارع لأن كون الأصل في التطهير هو الماء قد وصف بذلك في الكتاب والسنة وصفا مطلقا غير مقيد بل قوله ﷺ : "الماء طهور" يرشد إلى ما ذكرنا إرشادا تشهد له قواعد علم المعاني وعلم الأصول فإذا ثبت عن الشارع أن تطهيره شيء
стр. 25
من النجاسات يكون بغير الماء كمسح النعل بالأرض ونحو ذلك كان الماء غير متعين في تطهير تلك النجاسة بخصوصها بل نقتصر عليه هناك ويتعين الماء فيما عداها وهذا هو الحق, وقد ذهب الجمهور إلى أن الماء هو المتعين في تطهير النجاسات, وذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأبو يوسف رحمه الله تعالى إلى أنه يجوز التطهير بكل مائع طاهر ويرد على الجمهور بما ثبت عن الشارع تطهيره بغير الماء إن كانوا يقولون إن الماء يتعين في مثل ذلك ويرد على أبي حنيفة رحمه الله تعالى ومن معه بأن إثبات مطهر لم يرد عن الشارع أو تطهير على غير الصفة الثابتة عنه مدفوع.
стр. 26
باب قضاء الحاجة
والحاجة كناية عن خروج البول والغائط وهو مأخوذ من قوله ﷺ : "إذا قعد أحدكم لحاجته" وعبر عنه الفقهاء بباب الاستطابة لحديث: "ولا يستطيب بيمينه" , والمحدثون بباب التخلي مأخوذ من قوله: "إذا دخل أحدكم الخلاء" والتبرز من قوله: "البراز في الموارد" والكل من العبارات صحيح على المتخلي الاستتار فينبغي أن يبعد لئلا يسمع منه صوت أو يشم منه ريح أو يرى منه عورة ولا يرفع ثوبه "حتى يدنو من الأرض" عند قضاء الحاجة ويستتر بمثل حائش نخل مما يواري أسفل بدنه فمن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم وذلك لأن الشيطان جبل على أفكار فاسدة وأعمال شنيعة كذا في الحجة, وذلك لما ورد من الأدلة الدالة على وجوب ستر العورة عموما وخصوصا إلا عند الضرورة ومنها قضاء الحاجة فلا يكشف عورته إلا عند القعود وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ: "من أتى الغائط فليستتر". "والبعد" لما أخرجه أهل السنن وصححه الترمذي من حديث جابر ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ في سفر فكان لا يأتي البراز حتى يغيب فلا يرى, ولفظ أبي داود: كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد, ورجاله رجال الصحيح إلا إسماعيل بن عبد الملك الكوفي ففيه مقال يسير. "أو دخول الكنيف" يعني إذا أراد أن يقضي الحاجة في البنيان وهناك كنيف فليس عليه
стр. 27
إلا أن يدخله وإن قرب من الناس لما سيأتي من حديث ابن عمر. وأما "ترك الكلام" فلحديث: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك". أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث أبي سعيد وأخرج نحوه ابن السكن وصححه من حديث جابر رضي الله تعالى عنه. وأما ترك الملابسة لما له حرمة فلحديث أنس ﵁ عند أهل السنن وصححه الترمذي والمنذري وابن دقيق العيد بلفظ كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء ينزع خاتمه, ولم يأت من ضعفه بما تقوم به الحجة في التضعيف. وتجنب الأمكنة التي منع عن التخلي فيها شرع كالتخلي في ظل الناس وطريقهم ومتحدثهم والماء الدائم فقد ورد في ذلك أحاديث منها حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم رحمه الله تعالى وأبي داود رحمه الله تعالى قال: "اتقوا اللاعنين" قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: "الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم". وافهم أن الحكمة الاحتراز عن لعنهم وتأذيهم ومنها حديث معاذ بن جبل عند أبي داود وابن ماجه والحاكم وابن السكن وصححاه قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل" وقد أعل بأنه من رواية أبي سعيد الحميري عن معاذ ولم يسمع منه, وفي الباب أحاديث فيها مقال ومن الأمكنة التي نهى الشارع عنها الجحر لحديث عبد الله بن سرجس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الجحر, أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم والبيهقي وقد أعل بأنه من رواية قتادة عنه ولم يسمع منه ولكنه قد صحح سماعه منه علي بن المديني وصحح الحديث ابن خزيمة وابن السكن, والجحر قد يكون مأوى حية أو مثلها فتخرج وتؤذي, ومنها ما أخرجه أحمد رحمه الله تعالى وأهل السنن من حديث عبد الله بن مغفل عن البني ﷺ قال: "لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه". ومنها ما أخرجه مسلم رحمه الله تعالى وأحمد رحمه الله تعالى والنسائي رحمه لله تعالى وابن ماجة رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الماء الراكد, "أو عرف" وجهه أنهم يتأذون بذلك وما كان ذريعة إلى ما لا يحل فهو لا يحل: "وعدم
стр. 28
الاستقبال والاستدبار للقبلة" قد ورد في ذلك أحاديث منها ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي أيوب بلفظ: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا". وأخرج نحوه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ومن حديث سلمان أيضا وابن ماجه وابن حبان من حديث عبد الله بن الحرث بن جزء وأبو داود من حديث عبد الله بن مغفل والدارمي في مسنده من حديث سهل بن حنيف وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثمانية أقوال استوفاها الماتن في نيل الأوطار وقد استدل من لم يمنع من ذلك بما أخرجه الجماعة من حديث ابن عمر قال: رقيت يوما على بيت حفصة رضي الله تعالى عنها فرأيت النبي ﷺ على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة, وجعلوا هذا الحديث ناسخا لأحاديث النهي. ومن جملة ما استدلوا به حديث جابر رضي الله تعالى عنه عند أحمد رحمه الله تعالى وأبي داود رح تعالى والترمذي رح تعالى وحسنه وابن ماجه رح تعالى والبزار رح تعالى وابن الجارود رح تعالى وابن خزيمة رح تعالى وابن حبان رح تعالى والحاكم رح تعالى والدارقطني رح تعالى قال: نهى النبي ﷺ أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها, وقد نقل الترمذي عن البخاري رح تعالى تصحيحه وصححه أيضا ابن السكن وحسنه أيضا البزار, ولا يخفى أنه قد تقرر في الأصول أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة فما وقع منه ﷺ لا يعارض النهي عن الاستقبال والاستدبار للقبلة١, فإن قلت حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند أحمد رح تعالى وابن ماجه رح تعالى قالت: ذكر لرسول الله ﷺ أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال: "أو قد فعلوها حولوا مقعدتي قبل القبلة". قلت: لو صح هذا لكان صالحا للنسخ لأن النبي ﷺ فعله لقصد التشريع للأمة ولمخالفة من كان يكره الاستقبال ولكنه لم يصح فإن في إسناده خالد بن أبي الصلب قال ابن حزم:
стр. 29
هو مجهول وقال الذهبي في الميزان في ترجمة خالد بن أبي الصلت إن هذا الحديث منكر١ وقد استدل من خصص المنع من الاستقبال والاستدبار للقبلة بالفضاء بما أخرجه أبو داود رح تعالى والحاكم رح تعالى عن مروان الأصفر ﵁ قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول إليها فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن ذلك فقال: بلى إنما نهي عن هذا في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس, وقد حسن الحافظ في الفتح إسناده ولكنه إنما يكون هذا دليلا إذا كان قد سمع من النبي ﷺ ما يفيد تخصيص ذلك النهي السابق, وأما إذا كان مستنده إنما هو مجرد فهمه من فعله ﷺ في بيت حفصة ﵂ فلا يكون هذا الفهم حجة ومع الاحتمال لا ينتهض للاستدلال قال الشافعي رح: الاستقبال والاستدبار محرمان في الصحراء لا في البنيان, ووجه الجمع عنده تنزيل النهي والإباحة على حالتين, وقال أبو حنيفة رح تعالى: مكروهان فيهما سواء ووجه الجمع عنده أن النهي للتنزيه والفعل لبيان الجواز في الجملة كذا في المسوى قال في سبل السلام: اختلف العلماء فيها على خمسة أقوال: أقربها يحرم في الصحارى دون العمران لأن أحاديث الإباحة وردت في الإباحة فحملت عليه وأحاديث النهي عامة وبعد تخصيص العمران بأحاديث فعله التي سلفت بقيت الصحراء على التحريم وقد قال ابن عمر: إنما نهي عن ذلك في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس رواه أبو داود وغيره وهذا القول ليس بالبعيد لبقاء أحاديث النهي على بابها وأحاديث الإباحة كذلك انتهى وروي عن عائشة عند الترمذي أن النبي ﷺ لم يبل قائما, وروي عن عمر عند الترمذي أن النبي ﷺ نهاه أن يبول قائما, وروى الحاكم أن بوله ﷺ قائما كان لمرض لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي فلم يكن صالحا لحمل بوله على حالة الضرورة فالأولى أن يقال: أن فعله ﷺ لبيان الجواز وإن البول من قيام مكروه فقط وفعله للمكروه لبيان حكم شرعي جائر ولا ريب أن البول من قيام من الجفاء والغلظة والمخالفة للهيئة المستحسنة مع كونه مظنة لانتضاح البول وترشرشه على البائل
стр. 30
وثيابه فأقل أحوال النهي مع هذه الأمور أن يكون البول من قيام مكروها, وهذا على فرض أن فعله ﷺ لقصد التشريع حتى يكون لبيان الجواز ويكون صارفا للنهي فإن لم يكن كذلك فالنهي باق على حقيقته والبول من قيام من خصائصه١ ولكن بعد ثبوت النهي من طريق صحيحة أو حسنة وقد أوضح ذلك شيخنا العلامة الشوكاني في شرح المنتقى. وعليه الاستجمار بثلاثة أحجار طاهرة أي مسحات لأنها لا تنقي غالبا بأقل من ثلاثة أحجار لما في صحيح مسلم وغيره من حديث سلمان: أن النبي ﷺ نهى عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار وعن الاستنجاء برجيع أو عظم, وأخرج أحمد رح تعالى والنسائي رح تعالى وأبو داود رح تعالى وابن ماجه رح تعالى والدارقطني رح تعالى وقال إسناده صحيح حسن من حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه" وأخرج نحوه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي رح تعالى وابن ماجه رح تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ كان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروثة والرمة. وأخرج ابن خزيمة وابن حبان والدارمي وأبو عوانة في صحيحه والشافعي رح تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضا بلفظ: "وليستنج أحدكم بثلاثة أحجار" وفي الباب أحاديث غير ما ذكرناه. . ثم اعلم أنه قال الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي في المسوى شرح الموطأ قال الشافعي رح تعالى: الاستنجاء واجب والمراد ثلاث مسحات, وقال أبو حنيفة رح تعالى: سنة والمراد الإنقاء. وقال الشافعي: لا يجوز الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار وإن حصل الإنقاء بما دونها فإن لم يحصل فإن حصل بعدها بشفع يستحب أن يختم بالوتر, وقال أبو حنيفة رح تعالى: يسن الإنقاء ولا يستحب الإيتار وتأويل الحديث عنده أن المراد بالإيتار هو التثليث كنى به عن الإنقاء ويستحب الاستنجاء بالماء من غير وجوب عن عمر بن الخطاب:
стр. 31
"يتوضأ بالماء لما تحت إزاره". قلت: معنى الوضوء ههنا الغسل والتنظيف وعليه عامة أهل العلم انتهى. وورد كيفية استعمال الثلاث في حديث ابن عباس ﵁ حجران للصفحتين وحجر للمسربة بسين مهملة وراء مضمومة أو مفتوحة مجرى للحدث من الدبر. أو ما يقوم مقامها للضرورة أي إذا لم توجد الأحجار ما لم يكن ذلك الغير مما ورد النهي عنه كالروثة والرجيع والعظم فإنه لا يجوز ولا يجزئ. قال في الحجة: لأنه طعام الجن وكذا سائر ما ينتفع به ويستحب الجمع بين الحجر والماء. وأقول: لا شك أن الاستنجاء بالماء أفضل من الاستنجاء بالحجارة من دون ماء لأنه أقطع للنجاسة فلا تبقى بعده عين للنجاسة ولا ريح بخلاف الاستنجاء بالحجارة وهو الاستجمار فإذا لم يبق جزء من عين النجاسة بقي أثر من آثارها, وإذا لم يبق شيء من الآثار بقيت الريح ومع هذا فهو من السنن كما ثبت في الأحاديث الصحيحة مقرونا بما لا خلاف في شرعيته إنما الشأن في كونه يجب على من قضى الحاجة إذا أراد القيام إلى الصلاة أن يستنجي بالماء ولا يكفيه الاستجمار بالأحجار. ثم يتوضأ وضوء الصلاة ثم يصلي والاستدلال على الوجوب بحديث أهل قبا لا يخفى أن غاية ما فيه تخصيصهم بالأمر بذلك دون غيرهم فإن سائر الصحابة كانوا إذ ذاك لا يستنجون بالماء ولهذا خص الله أهل قبا بالثناء ثم لم يرد أنه ﷺ أمر غير أهل قبا بذلك, وقد ذهب إلى أنه يكفي الأحجار ابن الزبير وسعد بن أبي وقاص والشافعية والحنفية كما حكى ذلك في البحر الزخار عنهم بل حكى أيضا عن عطاء أن غسل الدبر محدث وعن سعيد بن المسيب ما يفعله إلا النساء هكذا في البحر, وروى عنه أنه كان يقول: إذن لا يزال في يدي نتن يعني إذا غسل فرجه بالماء ويدل على عدم الوجوب في أحاديث الأمر بالاستجمار وما ورد من أن ثلاثة أحجار ينقين المؤمن لم يصح.
والحاصل: أنه لا نزاع في كون الماء أفضل إنما النزاع في أنه يتعين ولا يجزئ غيره وهذا كله على فرض ثبوت قوله في حديث أهل قباء: "ذلكموه فعليكموه" ولكنه لم يثبت في شيء من كتب الحديث بل الذي في الجامع عن أنس أن النبي ﷺ قال لأهل قباء: "إن الله قد أحسن الثناء عليكم فما ذاك"؟ قالوا: نجمع في الاستجمار بين الأحجار والماء. قال في الجامع ذكره رزين وفي التلخيص عن البراز في مسنده قال: "نبأنا عبد الله بن شبيب نبأنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز
стр. 32
قال: وجدت في كتاب أبي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن العباس قال: نزلت هذه الآية في أهل قبا ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ فسألهم رسول الله ﷺ قالوا: إنا نتبع الحجارة والماء. قال البزار لا نعلم أحدا رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز ولا عنه إلا ابنه انتهى. ومحمد بن عبد العزيز ضعفه أبو حاتم فقال: ليس له ولأخويه عمران وعبيد الله حديث مستقيم وعبد الله بن شبيب أيضا ضعيف وأصل الحديث في سنن أبي داود والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة وليس في شيء هنا الجمع بين الأحجار والماء فمحل الاستدلال على وجوب الاستنجاء بالماء هو قوله لهم: "فعليكموه" إغراء لهم على الفعل بمعنى الزموه لم يثبت حتى يثبت ما دل عليه واعلم أن الأدلة في هذه المسألة غير مقيدة بكون الأحجار المذكورة للفرج الأعلى أو الأسفل أو لهما جميعا إذ يصدق قوله١ ﷺ : "وأن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار" على من أراد أن يستنجي بعد البول فقط أو بعد الغائط فقط أو بعدهما, وكذلك قوله٢ ﷺ : "وكان يأمرنا بثلاثة أحجار" يصدق على كل ذاهب إلى الغائط سواء ذهب إلى البول فقط أو إلى الغائط فقط أو لهما, والمراد بالغائط في قوله ﷺ : "إذا أتى أحدكم الغائط": المكان المطمئن لا نفس الخارج كما صرح به أئمة اللغة. وكذلك قوله: "وليستنج أحدكم بثلاثة أحجار" شامل لكل قاض للحاجة سواء ذهب إلى البول فقط أو الغائط فقط أو ذهب إليهما جميعا كذلك قوله ﷺ : "فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطب بهن فإنها تجزي عنه" يتناول من بال فقط كما يتناول من تغوّط فقط, وكذلك قوله ﷺ : "فليستنج بثلاثة أحجار" يصدق على كل قاض للحاجة كما عرفت, وكذلك حديث: أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نجتزي بأقل من ثلاثة أحجار, وقوله: "وأعدوا النبل" إذا تقرر هذا علمت أنه شرع الاستجمار لمن بال كما شرع لمن تغوط وأن يكون بثلاثة أحجار ولم يَرِدْ ما يخالف هذا من شرع ولا لغة ولا اشتقاق والاستنجاء هو غسل البدن عن الأذى بالماء ومسحه بالحجر كما صرح به صاحب النهاية وصاحب الصحاح والقاموس والاستجمار عندهم استعمال الجِمار والتمسح بالجِمار وهي الأحجار الصغار وهو استعمال
стр. 33
من غير تقييد. قال في القاموس: استجمر استنجى انتهى. وهو كما لا يخفى يصدُق على من استنجى بها للفرج الأعلى أو الأسفل أو لهما وكذلك تصدق الاستطابة على مسح الذكر والفرج قال في النهاية: الاستطابة والإطابة كناية عن الاستنجاء وسمي بها من الطيب لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء أي يطهره, ومثل ذلك في الصحاح والقاموس ثم قد وردت أحاديث فيها مجرد الأمر بثلاثة أحجار من غير ذكر استنجاء ولا استطابة ولا استجمار ولا نزاع في صدقها على الذاهب إلى البول كما تصدق على الذاهب إلى الغائط وحينئذ تعلم أنه شرع لمن بال أن يستجمر بالأحجار عقب البول كما شرع لمن تغوط أن يفعل ذلك ولا ينافي ذلك حديث: "إذا بال أحدكم فلينثر ذكره ثلاثاً" كما أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي من حديث عيسى بن يزداذ عن أبيه وقد قال ابن معين: لا يعرف عيسى ولا أبوه, وقال الثوري: اتفقوا على أنه ضعيف, وقال أبو حاتم: حديثه مرسل لأن الحديث وإن كان مما لا تقوم به الحجة لكنه يمكن الجمع بينه وبين أحاديث الاستجمار إذ الاستجمار إنما هو المسح بالجِمار لما تلوث بالبول أو الغائط من خارج الفرج أو الذكر لا لاستخراج ما كان داخلهما فالنثر والاستجمار مختلفان مفهوماً وصدقاً وزماناً ومكاناً وصفة فكيف يجعل أحدهما معارضاً للآخر لا سيما وحديث النثر بمكان من الضعف لا تقوم به الحجة على فرض انفراده فكيف يؤخذ به وتترك أحاديث الاستجمار المتواترة تواتراً معنوياً عند من له أدنى ممارسة للفن وقد أوضحت ذلك في دليل الطالب على أرجح المطالب فليراجع.
"وتُندب الاستعاذة عند الشروع" أي الدخول لأن الحشوش مُحتضَرة يحضرها الشياطين لأنهم يحبون النجاسة ووجهه ما أخرجه الجماعة من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وقد روى سعيد بن منصور في سننه: أنه كان ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وإسناده على شرط مسلم. "والاستغفار والحمد بعد الفراغ" لأنه وقت ترك ذكر الله تعالى ومخالطة الشياطين, والدليل عليه ما أخرجه ابن ماجه رح تعالى بإسناد صالح من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ إذا خرج من
стр. 34
الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى" ١. وأخرج نحوه النسائي رح تعالى وابن السني رح تعالى من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه ورمز السيوطي رح تعالى لصحته وأخرج أحمد رح تعالى وأبو داود رح تعالى والترمذي رح تعالى وابن ماجه رح تعالى من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" وصححه ابن حبان رح تعالى وابن خزيمة رح تعالى والحاكم رح تعالى. .
стр. 35
باب الوضوء
فُرض مع الصلاة قبل الهجرة بسنة وهو من خصائص هذه الأمة بالنسبة لبقية الأمم لا لأنبيائهم "يجب على كل مكلف" لم أراد الصلاة وهو مُحْدِث أو جنب: أن يسمي, وجه وجوب التسمية ما ورد من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" أخرجه أحمد رح تعالى وأبو داود رح تعالى وابن ماجه رح تعالى والترمذي رح تعالى في العلل والدارقطني رح تعالى وابن السكن رح تعالى والحاكم رح تعالى والبيهقي رح تعالى وليس في إسناده ما يُسقطه عن درجة الاعتبار وله طرق أخرى من حديثه عند الدارقطني رح تعالى والبيهقي رح وأخرج نحوه أحمد رح تعالى وابن ماجه رح تعالى من حديث سعيد بن زيد ﵁ ومن حديث أبي سعيد ﵁ وأخرج آخرون نحوه من حديث عائشة ﵂ وسهل بن سعد ﵁ وأبي سبرة ﵁ وأم سبرة ﵂ وعلي ﵁ وأنس ﵁ ولا شك ولا ريب أنها جميعاً تنتهض للاحتجاج بها بل مجرد الحديث الأول ينتهض للاحتجاج لأنه حسن فكيف إذا اعتضد بهذه الأحاديث الواردة في معناه, ولا حاجة للتطويل في تخريجها فالكلام عليها معروف وقد صرح الحديث
стр. 36
بنفي وضوء من لم يذكر اسم الله وذلك يفيد الشرطية التي يستلزم عدمها العدم فضلاً عن الوجوب فإنه أقل ما يستفاد منه١, "إذا ذكر" تتقييد الوجوب بالذِّكر للجمع بين هذه الأحاديث وبين حديث: "ومن توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوءه". أخرجه الدارقطني رح تعالى والبيهقي رح من حديث ابن عمر ﵁ وفي إسناده متروك ورواه الدارقطني رح تعالى والبيهقي رح تعالى من حديث ابن مسعود ﵁ وفي إسناده أيضا متروك, ورواه أيضا الدارقطني رح تعالى والبيهقي رح تعالى من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه ضعيفان, وهذه الأحاديث لا تنتهض للاستدلال بها وليس فيها أيضا دلالة على المطلوب من أن الوجوب ليس إلا على الذِّكر ولكنه يدل على ذلك أحاديث عدم المؤاخذة على السهو والنسيان وما يفيد ذلك من الكتاب العزيز فقد اندرجت تلك الأحاديث الضعيفة تحت هذه الأدلة الكلية ولا يلزم مثل ذلك في الأعضاء القطعية وبعد هذا كله ففي التقييد بالذكر إشكال. قال في الحجة البالغة: قوله ﷺ : "لا وضوء لمن لا يذكر الله" هذا الحديث لم يُجمع أهل المعرفة بالحديث على تصحيحه, وعلى تقدير صحته فهو من المواضع التي اختلف فيها طريق التلقي من النبي ﷺ فقد استمر المسلمون يحكون وضوء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويعلّمون الناس ولا يذكرون التسمية حتى ظهر زمان أهل الحديث وهو نص على أن التسمية ركن أو شرط, ويمكن أن يجمع بين الوجهين بأن المراد هو التذكر بالقلب فإن العبادات لا تقبل إلا بالنية وحينئذ يكون صيغة لا وضوء على ظاهرها, نعم التسمية أدب كسائر الآداب لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله فهو أبتر" وقياساً على مواضع كثيرة،
стр. 37
ويحتمل أن يكون المعنى لا يكمل الوضوء لكن لا أرتضي مثل هذا التأويل فإنه من التأويل البعيد الذي يعود بالمخالفة على اللفظ انتهى. وأقول: قد تقرر أن النفي في مثل قوله: "لا وضوء" يتوجه إلى الذات إن أمكن فإن لم يمكن توجه إلى الأقرب إليها وهو نفي الصحة فإنه أقرب المجازيْن لا إلى الأبعد وهو نفي الكمال, وإذا توجه إلى الذات أي لا ذات وضوء شرعية أو إلى الصحة دل على وجوب التسمية لأن انتفاء التسمية قد استلزم انتفاء الذات الشرعية أو انتفاء صحتها فكان تحصيل ما يُحصِّل الذات الشرعية أو صحتها واجباً ولا يتوجه إلا نفي الكمال إلا لقرينة لأن الواجب الحمل على الحقيقة ثم على أقرب المجازات إليها إن تعذر الحمل على الذات ثم لا يحمل على أبعد المجازات إلا لقرينة, ويمكن أن يقال إن القرينة ههنا المسوِّغة لحمل النفي على المجاز الأبعد هي ما أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ وذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لجسده, ومن توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوئه كان طهورا لأعضائه". وس نده ضعيف. "ويتمضمض ويستنشق" وجهه أنهما من جملة الوجه الذي ورد القرآن الكريم بغسله وقد بين النبي ﷺ ما في القرآن بوضوئه المنقول إلينا ومن جملة ما نقل إلينا المضمضة والاستنشاق فأفاد ذلك أن الوجه المأمور بغلسه من جملة المضمضة والاستنشاق وقد ورد الأمر بذلك كما أخرجه الدارقطني رح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق, وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضا أن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر". وثبت عند أهل السنن وصححه الترمذي رح تعالى من حديث لقيط بن صبرة رضي الله تعالى عنه بلفظ: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما١". وأخرج النسائي رح تعالى من حديث سلمة بن قيس رضي الله تعالى عنه: "إذا توضأت فانتثر" وأخرجه الترمذي رح تعالى أيضا وفي رواية
стр. 38
من حديث لقيط بن صبرة رضي الله تعالى عنه المذكور: "إذا توضأت فمضمض". أخرجها أبو داود بإسناد صحيح, وقد صحح حديث لقيط رضي الله تعالى عنه الترمذي رح تعالى والنووي رح تعالى وغيرهما, ولم يأت من أعلّه بما يقدح فيه, وقد ذهب إلى وجوب المضمضة والاستنشاق أحمد رح تعالى واسحق رح تعالى وبه قال ابن أبي ليلى رح تعالى وحماد بن سليمان رح تعالى١, وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الاستنشاق واجب في الغسل والوضوء والمضمضة سنة فيهما حكى هذا المذهب النووي رح تعالى في شرح مسلم عن أبي ثور رح تعالى وداود الظاهري وابن المنذر رح تعالى ورواية عن أحمد رح تعالى وقد روى غيره مثل ذلك عن أبي حنيفة رح تعالى والثوري رح تعالى وزيد بن علي رح تعالى وذهب مالك رح تعالى والشافعي رح تعالى والأوزاعي رح تعالى والليث رح تعالى والحسن البصري رح تعالى والزهري رح تعالى وربيعة رح تعالى ويحيى بن سعيد رح تعالى وقتادة رح تعالى والحكم بن عتيبة رح تعالى ومحمد بن جرير الطبري رح تعالى إلى أنهما غير واجبين, واستدلوا على عدم الوجوب بحديث: "عشر من سنن المرسلين" وهو حديث صحيح, ومن جملتها المضمضة والاستنشاق ورد بأنه لم يرو بلفظ عشر من السنن من الفطرة وعلى فرض وروده بذلك اللفظ فالمراد بالسنة الطريقة وهي تعم الواجب لا ما وقع في اصطلاح أهل الأصول فإن ذلك اصطلاح حادث وعرف متجدد لا تحمل عليه أقوال الشارع, وهكذا يجاب عن استدلالهم بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه بلفظ: "المضمضة والاستنشاق سنة" أخرجه الدارقطني رح تعالى وإسناده ضعيف, والمراد بالسنة في اصطلاح الشارع وأهل عصره ما دل عليه دليل من قوله ﷺ أو فعله أو تقريره, ولهذا جعلت السنة مقابلة للقرآن فهذه اللفظة أعم من المدعى فإنها تطلق على الواجب
стр. 39
كما تطلق على المندوب فيقال مثلا: الدليل على هذا الحكم من السنة ولا يقال: إن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية لأن المراد بالسنة كما عرفت في لسان الشارع ليس ما اصطلح عليه الفقهاء وأهل الأصول فتأمل.
ثم يغسل جميع وجهه والمراد بالوجه ما يسمى وجهاً عند أهل الشرع واللغة ووجوب غسل الوجه لا خلاف فيه في الجملة وقد قام عليه الدليل كتابا وسنة, ثم يديه مع مرفقيه وهو نص القرآن الكريم والسنة المطهرة ولا خلاف في ذلك, وإنما وقع الخلاف في وجوب غسل المرفقين معهما, ومما يدل على وجوب غسلهما جميعا حديث جابر رضي الله تعالى عنه عن الدارقطني رح تعالى والبيهقي رح تعالى أن النبي ﷺ أدار الماء على مرفقيه ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به". وفي إسناده ضعيفان هما عباد بن يعقوب والقاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل ولكن يغني عن هذا الضعف ما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه توضأ ثم غسل يده حتى شرع في العضد ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوصأ هكذا. وفي رواية الدارقطني رح تعالى من حديث عثمان ﵁ أنه غسل وجهه ويديه حتى مس أطراف العضدين. قال الحافظ: وإسناده حسن, وأخرج البزار والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعاً: ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه, وهذا بيان لما في القرآن فأفاد أن الغاية داخلة فيما قبلها. "ثم يمسح رأسه" ولا خلاف فيه في الجملة وإنما وقع الخلاف هل المتعين مسح الكل أم يكفي البعض؟ وما في الكتاب العزيز قد وقع الخلاف في كونه يدل على مسح الكل أم البعض والسنة الصحيحة وردت بالبيان وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة ﵁: أنه ﷺ توضأ ومسح بناصيته على العمامة. وأخرج أبو داود رح تعالى من حديث أنس ﵁: أنه ﷺ أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر وهذه هي الهيئة التي استمر عليها ﷺ فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي كان صلى الله تعالى عليه وسلم يداوم عليها
стр. 40
وهي مسح الرأس مقبلا ومدبرا وإجزاء غيرها في بعض الأحوال ولا يخفى أن قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ لا يفيد إيقاع المسح على جميع الرأس كما في نظائره من الأفعال, نحو: ضربت رأس زيد وضربت برأسه وضربت زيداً وضربت يد زيد فإنه يوجد المعنى اللغوي في جميع ذلك بوجوب الضرب على جزء من الأجزاء المذكورة وهكذا ما في الآية, وليس النزاع في مسمى الرأس لغة حتى يقال: إنه حقيقة في جميعه بل النزاع في إيقاع المسح عليه وعلى فرض الإجمال فقد بينه الشارع تارة بمسح الجميع وتارة بمسح البعض بخلاف الوجه فإنه لم يقتصر على غسل بعضه في حال من الأحوال بل غسله جميعا. وأما اليدان والرجلان فقد صرح فيهما بالغاية للمسح والغسل, فإن قلت: إن المسح ليس كالضرب الذي مثلت بت. قلت: لا ينكر أحد من أهل اللغة أنه يصدق قول من قال: مسحت الثوب أو بالثوب أو مسحت الحائط أو بالحائط على مسح جزء من أجزاء الثوب أو الحائط, وإنكار مثل هذا مكابرة وقد أوضح ذلك شيخنا العلامة الشوكاني في حاشية الشفاء وغيرها فليراجع. "مع أذنيه" وجهه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مسحهما مع مسح رأسه, وقد ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وسلم بلفظ: "الأذنان من الرأس" من طرق يقوي بعضها بعضا١. "ويجزئ مسح بعضه" قال الشافعي رح تعالى: الفرض أدنى ما يطلق عليه اسم المسح, وقال أبو حنيفة رح تعالى: مسح ربع الرأس, وقال مالك: مسح جميع الرأس في سفر السعادة٢, وكان يمسح جميع رأسه أحيانا وأحيانا يمسح على العمامة وأحيانا يمسح على الناصية والعمامة ولم يقتصر على مسح بعض الرأس أبدا وكان يمسح الآذان ظاهرا وباطنا ولم يثبت في مسح الرقبة حديث انتهى. "والمسح على العمامة" أو غيرهما مما هو على الرأس فقد ثبت ذلك عنه صلى الله تعالى عليه وسلم من حديث عمرو بن أمية الضمري عند البخاري رح تعالى وغيره ومن حديث بلال ﵁ عند مسلم رح تعالى وغيره ومن حديث المغيرة رضي