بنفي وضوء من لم يذكر اسم الله وذلك يفيد الشرطية التي يستلزم عدمها العدم فضلاً عن الوجوب فإنه أقل ما يستفاد منه١, "إذا ذكر" تتقييد الوجوب بالذِّكر للجمع بين هذه الأحاديث وبين حديث: "ومن توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوءه". أخرجه الدارقطني رح تعالى والبيهقي رح من حديث ابن عمر ﵁ وفي إسناده متروك ورواه الدارقطني رح تعالى والبيهقي رح تعالى من حديث ابن مسعود ﵁ وفي إسناده أيضا متروك, ورواه أيضا الدارقطني رح تعالى والبيهقي رح تعالى من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه ضعيفان, وهذه الأحاديث لا تنتهض للاستدلال بها وليس فيها أيضا دلالة على المطلوب من أن الوجوب ليس إلا على الذِّكر ولكنه يدل على ذلك أحاديث عدم المؤاخذة على السهو والنسيان وما يفيد ذلك من الكتاب العزيز فقد اندرجت تلك الأحاديث الضعيفة تحت هذه الأدلة الكلية ولا يلزم مثل ذلك في الأعضاء القطعية وبعد هذا كله ففي التقييد بالذكر إشكال. قال في الحجة البالغة: قوله ﷺ : "لا وضوء لمن لا يذكر الله" هذا الحديث لم يُجمع أهل المعرفة بالحديث على تصحيحه, وعلى تقدير صحته فهو من المواضع التي اختلف فيها طريق التلقي من النبي ﷺ فقد استمر المسلمون يحكون وضوء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويعلّمون الناس ولا يذكرون التسمية حتى ظهر زمان أهل الحديث وهو نص على أن التسمية ركن أو شرط, ويمكن أن يجمع بين الوجهين بأن المراد هو التذكر بالقلب فإن العبادات لا تقبل إلا بالنية وحينئذ يكون صيغة لا وضوء على ظاهرها, نعم التسمية أدب كسائر الآداب لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله فهو أبتر" وقياساً على مواضع كثيرة،
стр. 37
ويحتمل أن يكون المعنى لا يكمل الوضوء لكن لا أرتضي مثل هذا التأويل فإنه من التأويل البعيد الذي يعود بالمخالفة على اللفظ انتهى. وأقول: قد تقرر أن النفي في مثل قوله: "لا وضوء" يتوجه إلى الذات إن أمكن فإن لم يمكن توجه إلى الأقرب إليها وهو نفي الصحة فإنه أقرب المجازيْن لا إلى الأبعد وهو نفي الكمال, وإذا توجه إلى الذات أي لا ذات وضوء شرعية أو إلى الصحة دل على وجوب التسمية لأن انتفاء التسمية قد استلزم انتفاء الذات الشرعية أو انتفاء صحتها فكان تحصيل ما يُحصِّل الذات الشرعية أو صحتها واجباً ولا يتوجه إلا نفي الكمال إلا لقرينة لأن الواجب الحمل على الحقيقة ثم على أقرب المجازات إليها إن تعذر الحمل على الذات ثم لا يحمل على أبعد المجازات إلا لقرينة, ويمكن أن يقال إن القرينة ههنا المسوِّغة لحمل النفي على المجاز الأبعد هي ما أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ وذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لجسده, ومن توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوئه كان طهورا لأعضائه". وس نده ضعيف. "ويتمضمض ويستنشق" وجهه أنهما من جملة الوجه الذي ورد القرآن الكريم بغسله وقد بين النبي ﷺ ما في القرآن بوضوئه المنقول إلينا ومن جملة ما نقل إلينا المضمضة والاستنشاق فأفاد ذلك أن الوجه المأمور بغلسه من جملة المضمضة والاستنشاق وقد ورد الأمر بذلك كما أخرجه الدارقطني رح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بالمضمضة والاستنشاق, وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضا أن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر". وثبت عند أهل السنن وصححه الترمذي رح تعالى من حديث لقيط بن صبرة رضي الله تعالى عنه بلفظ: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما١". وأخرج النسائي رح تعالى من حديث سلمة بن قيس رضي الله تعالى عنه: "إذا توضأت فانتثر" وأخرجه الترمذي رح تعالى أيضا وفي رواية
стр. 38
من حديث لقيط بن صبرة رضي الله تعالى عنه المذكور: "إذا توضأت فمضمض". أخرجها أبو داود بإسناد صحيح, وقد صحح حديث لقيط رضي الله تعالى عنه الترمذي رح تعالى والنووي رح تعالى وغيرهما, ولم يأت من أعلّه بما يقدح فيه, وقد ذهب إلى وجوب المضمضة والاستنشاق أحمد رح تعالى واسحق رح تعالى وبه قال ابن أبي ليلى رح تعالى وحماد بن سليمان رح تعالى١, وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الاستنشاق واجب في الغسل والوضوء والمضمضة سنة فيهما حكى هذا المذهب النووي رح تعالى في شرح مسلم عن أبي ثور رح تعالى وداود الظاهري وابن المنذر رح تعالى ورواية عن أحمد رح تعالى وقد روى غيره مثل ذلك عن أبي حنيفة رح تعالى والثوري رح تعالى وزيد بن علي رح تعالى وذهب مالك رح تعالى والشافعي رح تعالى والأوزاعي رح تعالى والليث رح تعالى والحسن البصري رح تعالى والزهري رح تعالى وربيعة رح تعالى ويحيى بن سعيد رح تعالى وقتادة رح تعالى والحكم بن عتيبة رح تعالى ومحمد بن جرير الطبري رح تعالى إلى أنهما غير واجبين, واستدلوا على عدم الوجوب بحديث: "عشر من سنن المرسلين" وهو حديث صحيح, ومن جملتها المضمضة والاستنشاق ورد بأنه لم يرو بلفظ عشر من السنن من الفطرة وعلى فرض وروده بذلك اللفظ فالمراد بالسنة الطريقة وهي تعم الواجب لا ما وقع في اصطلاح أهل الأصول فإن ذلك اصطلاح حادث وعرف متجدد لا تحمل عليه أقوال الشارع, وهكذا يجاب عن استدلالهم بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه بلفظ: "المضمضة والاستنشاق سنة" أخرجه الدارقطني رح تعالى وإسناده ضعيف, والمراد بالسنة في اصطلاح الشارع وأهل عصره ما دل عليه دليل من قوله ﷺ أو فعله أو تقريره, ولهذا جعلت السنة مقابلة للقرآن فهذه اللفظة أعم من المدعى فإنها تطلق على الواجب
стр. 39
كما تطلق على المندوب فيقال مثلا: الدليل على هذا الحكم من السنة ولا يقال: إن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية لأن المراد بالسنة كما عرفت في لسان الشارع ليس ما اصطلح عليه الفقهاء وأهل الأصول فتأمل.
ثم يغسل جميع وجهه والمراد بالوجه ما يسمى وجهاً عند أهل الشرع واللغة ووجوب غسل الوجه لا خلاف فيه في الجملة وقد قام عليه الدليل كتابا وسنة, ثم يديه مع مرفقيه وهو نص القرآن الكريم والسنة المطهرة ولا خلاف في ذلك, وإنما وقع الخلاف في وجوب غسل المرفقين معهما, ومما يدل على وجوب غسلهما جميعا حديث جابر رضي الله تعالى عنه عن الدارقطني رح تعالى والبيهقي رح تعالى أن النبي ﷺ أدار الماء على مرفقيه ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به". وفي إسناده ضعيفان هما عباد بن يعقوب والقاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل ولكن يغني عن هذا الضعف ما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه توضأ ثم غسل يده حتى شرع في العضد ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوصأ هكذا. وفي رواية الدارقطني رح تعالى من حديث عثمان ﵁ أنه غسل وجهه ويديه حتى مس أطراف العضدين. قال الحافظ: وإسناده حسن, وأخرج البزار والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعاً: ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه, وهذا بيان لما في القرآن فأفاد أن الغاية داخلة فيما قبلها. "ثم يمسح رأسه" ولا خلاف فيه في الجملة وإنما وقع الخلاف هل المتعين مسح الكل أم يكفي البعض؟ وما في الكتاب العزيز قد وقع الخلاف في كونه يدل على مسح الكل أم البعض والسنة الصحيحة وردت بالبيان وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة ﵁: أنه ﷺ توضأ ومسح بناصيته على العمامة. وأخرج أبو داود رح تعالى من حديث أنس ﵁: أنه ﷺ أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر وهذه هي الهيئة التي استمر عليها ﷺ فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي كان صلى الله تعالى عليه وسلم يداوم عليها
стр. 40
وهي مسح الرأس مقبلا ومدبرا وإجزاء غيرها في بعض الأحوال ولا يخفى أن قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ لا يفيد إيقاع المسح على جميع الرأس كما في نظائره من الأفعال, نحو: ضربت رأس زيد وضربت برأسه وضربت زيداً وضربت يد زيد فإنه يوجد المعنى اللغوي في جميع ذلك بوجوب الضرب على جزء من الأجزاء المذكورة وهكذا ما في الآية, وليس النزاع في مسمى الرأس لغة حتى يقال: إنه حقيقة في جميعه بل النزاع في إيقاع المسح عليه وعلى فرض الإجمال فقد بينه الشارع تارة بمسح الجميع وتارة بمسح البعض بخلاف الوجه فإنه لم يقتصر على غسل بعضه في حال من الأحوال بل غسله جميعا. وأما اليدان والرجلان فقد صرح فيهما بالغاية للمسح والغسل, فإن قلت: إن المسح ليس كالضرب الذي مثلت بت. قلت: لا ينكر أحد من أهل اللغة أنه يصدق قول من قال: مسحت الثوب أو بالثوب أو مسحت الحائط أو بالحائط على مسح جزء من أجزاء الثوب أو الحائط, وإنكار مثل هذا مكابرة وقد أوضح ذلك شيخنا العلامة الشوكاني في حاشية الشفاء وغيرها فليراجع. "مع أذنيه" وجهه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مسحهما مع مسح رأسه, وقد ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وسلم بلفظ: "الأذنان من الرأس" من طرق يقوي بعضها بعضا١. "ويجزئ مسح بعضه" قال الشافعي رح تعالى: الفرض أدنى ما يطلق عليه اسم المسح, وقال أبو حنيفة رح تعالى: مسح ربع الرأس, وقال مالك: مسح جميع الرأس في سفر السعادة٢, وكان يمسح جميع رأسه أحيانا وأحيانا يمسح على العمامة وأحيانا يمسح على الناصية والعمامة ولم يقتصر على مسح بعض الرأس أبدا وكان يمسح الآذان ظاهرا وباطنا ولم يثبت في مسح الرقبة حديث انتهى. "والمسح على العمامة" أو غيرهما مما هو على الرأس فقد ثبت ذلك عنه صلى الله تعالى عليه وسلم من حديث عمرو بن أمية الضمري عند البخاري رح تعالى وغيره ومن حديث بلال ﵁ عند مسلم رح تعالى وغيره ومن حديث المغيرة رضي
стр. 41
الله تعالى عنه عند الترمذي رح وصححه وليس فيه المسح على الناصية بل هو بلفظ: "ومسح على الخفين والعمامة". وفي الباب أحاديث غير هذه منها عن سلمان ﵁ عند أحمد رح تعالى وعن ثوبان ﵁ عند أبي داود وأحمد رح أيضا. والحاصل: أنه قد ثبت المسح على الرأس وحده وعلى العمامة وحدها وعلى الرأس والعمامة والكل صحيح ثابت, وقد ورد في حديث ثوبان رح ما يشعر بالإذن بالمسح على العمامة مع العذر وهو عند أحمد رح وأبي داود رح أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعث سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم شكوا إليه ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين, وفي إسناده راشد بن سعد قال الخلال في علله: إن أحمد رح قال: لا ينبغي أن يكون راشد بن سعد سمع من ثوبان ﵁ لأنه مات قديما. "ثم يغسل رجليه" وجهه ما ثبت عنه ﷺ في جميع الأحاديث الواردة في حكاية وضوئه فإنها جميعها مصرحة بالغسل وليس في شيء منها أنه مسح إلا في روايات لا تقوم بمثلها الحجة, ويؤيد ذلك قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم للماسحين على أعقابهم: "ويل للأعقاب من النار" كما ثبت في الصحيحين وغيرهما, ومما يؤيد ذلك وقوع الأمر منه ﷺ بغسل الرجلين كما في حديث جابر ﵁ عند الدارقطني رح ويؤيده أيضا قوله ﷺ : "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" وهو حديث رواه أهل السنن وصححه ابن خزيمة رح ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص, وكذلك قوله ﷺ : "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وكان في ذلك الوضوء قد غسل رجليه وكذلك قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" ثم ذكر له صفة الوضوء وفيها غسل الرجلين, وهذه أحاديث صحيحة معروفة وهي تفيد أن قراءة الجر إما منسوخة أو محمولة على أن الجر بالجوار, وقد ذهب إلى هذا الجمهور. قال النووي: ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به في الإجماع, وقال الحافظ رح في الفتح: إنه لم يثبت عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم خلاف ذلك إلا عن علي رضي الله تعالى عنه وابن عباس ﵁ وأنس
стр. 42
رضي الله عنه, وقد ثبت الرجوع منهم عن ذلك وروى سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رح قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ ﵃ على غسل القدمين, وقالت الإمامية: الواجب مسحهما, وقال محمد بن جرير والحسن البصري رح والجبائي: إنه مخير بين الغسل والمسح, وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين الغسل والمسح, ولم يحتج من قال بوجوب المسح إلا بقراءة الجر وهي لا تدل على أن المسح متعين لأن القراءة الأخرى ثابتة بلا خلاف بل غاية ما تدل عليه هذه القراءة هو التخيير لو لم يرد عن النبي ﷺ ما يوجب الاقتصار على الغسل. أقول: الحق أن الدليل القرآني قد دل على جواز الغسل والمسح لثبوت قراءة النصب والجر ثبوتاً لا ينكر وقد وصف تعسف القائلون بالغسل فحملوا الجر على الجوار وأنه ليس للعطف على مدخول الباء في مسح الرأس بل هو معطوف على الوجوه فلما جاور المجرور انجر وتعسف القائلون بالمسح فحملوا قراءة النصب على العطف على محل الجار والمجرور في قوله: ﴿بِِرُؤُوسِكُمْ﴾ ١ كما أن قراءة الجر عطف على لفظ المجرور وكل ذلك ناشئ عن عدم الإنصاف عند عروض الاختلاف ولو وجد أحد القائلين بأحد التأويلين اسما مجرورا في رواية ومنصوبا في أخرى مما لا يتعلق به الاختلاف ووجد قبله منصوبا لفظا ومجرورا لما شك أن النصب عطف على المنصوب والجر عطف على المجرور, وإذا تقرر هذا كان الدليل القرآني قاضيا بمشروعية كل واحد منهما على انفراده لا على مشروعية الجمع بينهما, وإن قال به قائل فهو الضعف بمكان لأن الجمع بين الأمرين لم يثبت في شيء من الشريعة. انظر الأعضاء المتقدمة على هذا العضو من أعضاء الوضوء فإن الله سبحانه شرع في الوجه الغسل فقط, وكذلك في اليدين وشرع في الرأس المسح فقط ولكن الرسول قد بين للأمة أن المفروض عليهم هو غسل الرجلين لا مسحهما, فتواترت الأحاديث عن الصحابة في حكاية وضوئه ﷺ وكلها مصرحة بالغسل ولم يأت في شيء منها المسح إلا في مسح الخفين فإن كانت الآية مجملة في الرجلين باعتبار احتمالها للغسل والمسح فالواجب الغسل بما وقع منه ﷺ من البيان المستمر جميع عمره, وإن كان ذلك لا يوجب الإجمال فقد ورد في السنة الأمر بالغسل ورودا ظاهرا؛ ومنه
стр. 43
الأمر بتخليل الأصابع فإنه يستلزم الأمر بالغسل؛ لأن المسح لا تخليل فيه بل يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ والكلام على ذلك يطول جدا. والحاصل: أن الحق ما ذهب إليه الجمهور من وجوب الغسل وعدم إجزاء المسح. قال في الحجة البالغة: ولا عبرة بقوم تجارت بهم الأهواء فأنكروا غسل الرجلين متمسكين بظاهر الآية فإنه لا فرق عندي بين من قال بهذا القول وبين من أنكر غزوة بدر وأحد مما هو كالشمس في رابعة النهار. نعم من قال بأن الاحتياط الجمع بين الغسل والمسح أو أن أدنى الفرض المسح وإن كان الغسل مما يلام أشد الملامة على تركه فذلك أمر يمكن أن يتوقف فيه العلماء حتى تنكشف جلية الحال انتهى. قلت: ويدفعه ما تقدم من الدليل على عدم إجزاء المسح والجمع بينه وبين الغسل فلا فائدة للتوقف في ذلك مع الكعبين أي مع القدمين للآية هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم, فالكلام في ذلك كالكلام في المرفقين, ولكنه لم يثبت في غسلهما عنه ﷺ مثل ما ثبت في المرفقين, وإذا تقرر أنه لا يتم الواجب إلا بغلسهما ففي ذلك كفاية مغنية عن الاستدلال بدليل آخر. وله المسح على الخفين ويشترط في المسح عليهما أن يكون أدخل رجليه فيهما وهما طاهرتان. قال الشافعي رح: يشترط كمال الوضوء عند اللبس, وقال أبو حنيفة رح: عند الحدث ومسح أعلى الخف فرض ومسح أسفله سنة عند الشافعي رح, وقال أبو حنيفة رح: لا يمسح إلا الأعلى. وبالجملة: فوجهه ما ثبت تواتراً عن النبي ﷺ من فعله وقوله, وقد قال الإمام أحمد رح: فيه أربعون حديثا, وكذلك قال غيره وقال ابن أبي حاتم رح: إنه رواه عن النبي ﷺ من الصحابة رض١ أحد وأربعون رجلا, وقال ابن عبد البر رح: أربعون رجلا. وقال ابن منده: إن الذين رووه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن النبي ﷺ ثمانون رجلا, ونقل ابن المنذر عن ابن المبارك رح أنه قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة ﵃ اختلاف لأن كل من روى عنه منهم
стр. 44
إنكاره فقد روي عنه إثباته وقد ذكر أحمد رح أن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في إنكار المسح باطل, وكذلك ما روي عن عائشة ﵂ وابن عباس ﵁ قد أنكره الحفاظ ورووا عنهم خلافه, وكذلك ما روي عن علي ﵁ أنه قال: سبق الكتاب الخفين. فهو منقطع, وقد روى عنه مسلم رح والنسائي رح القول بالمسح عليهما بعد موت النبي ﷺ , وقد روى الإمام المهدي في البحر عن علي ﵁ القول بمسخ الخفين, وقد ثبت في الصحيح من حديث جرير ﵁ أنه ﷺ مسح على الخفين: وإسلام جرير رضي الله تعالى عنه كان بعد نزول المائدة لأن آية المائدة نزلت في غزوة المريسيع, وقد روى المغيرة ﵁ عن النبي ﷺ المسح على الخفين وأنه فعل ذلك في غزوة تبوك وتبوك متأخرة عن المريسيع بالاتفاق, وقد ذكر البزار رح أن حديث المغيرة رض هذا رواه عنه ستون رجلا, وبالجملة: فمشروعية المسح على الخفين أظهر من أن يطول الكلام عليها ولكنه لما كثر الخلاف فيها وطال النزاع اشتغل الناس بها حتى جعلها بعض أهل العلم من مسائل الاعتقاد, وقد ورد توقيت المسح بثلاثة أيام للمسافر وبيوم وليلة للمقيم. قال ابن القيم رح في إعلام الموقعين١: سئل رسول الله ﷺ عن المسح على الخفين فقال: "للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوما" , وسأل رسول الله ﷺ ابن أبي عمارة ﵁ فقال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: "نعم" قال: يوما. قال: "ويومين" قال: وثلاثة أيام. قال: "نعم وما شئت" ذكره أبو داود رح وطائفة. قالت هذا مطلق أحاديث التوقيت مقيدة والمقيد يقضي على المطلق انتهى وأما مسح الرقبة فقد ورد من الروايات ما يصلح للتمسك به على مشروعية مسح الرقبة وقد بسطه المجتهد الرباني في شرح المنتقى وقد كاد يقع الإجماع بين أهل المذاهب على أنه بدعة, "ولا يكون وضوءا شرعيا إلا بالنية لاستباحة الصلاة" لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" وهو في الصحيحين وغيرهما, وورد من طرق بألفاظ قال في التلخيص: لم يبق من أصحاب الكتب المعتمدة ﵏ من لم يخرجه سوى مالك
стр. 45
رح فإنه لم يخرجه في الموطأ وإن كان ابن دحية رح وهم في ذلك وادعى أنه في الموطأ. قال الهروي: كتب هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد قلت: تتبعته من الكتب والأجزاء حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقا, هذا ما كنت وقفت عليه ثم إن في المستخرج لابن منده رح عدة طرق فضممتها إلى ما عندي فزادت على ثلثمائة طريق انتهى. فإن كان المقدر عاما فهو يفيد أنه لا يثبت العمل الشرعي إلا بها وإن كان خاصا فأقرب ما يقدر الصحة وهي تفيد ذلك. قال في الفتح: وقد اتفق العلماء على أن النية شرط في المقاصد, واختلفوا في الوسائل ومن ثم خالفت الحنفية ﵏ في اشتراطها للوضوء, ورد ابن القيم رح على الحنفية ﵏ بأحد وخمسين وجها في إعلام الموقعين فليرجع إليه, وقد نسب القول بفرضية النية إلى الشافعي رح ومالك رح والليث رح وربيعة رح وأحمد بن حنبل رح وإسحق بن راهوية رح. .
فصل "ويستحب التثليت" وجهه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم غسل كل عضو ثلاث مرات وبيّن أن الواجب مرة واحدة في غير الرأس لأن الأحاديث الواردة بتثليث سائر الأعضاء وقع التصريح فيها بإفراد مسح الرأس ولا تقوم الحجة بما ورد في تثليثه, وأما الترتيب فمن جملة ما استدل به القائل بوجوب الترتيب أن الآية مجملة باعتبار أن الواو لمطلق الجمع على أي صفة كان فبيّن النبي ﷺ للأمة أن الواجب من ذلك هيئة مخصوصة هي المروية عنه وهي مرتبة وأيضا الوضوء الذي قال فيه ﷺ : "لا يقبل الله الصلاة إلا بت" كان مرتبا, والحديث المذكور وإن كان في جميع طرقه مقال لكنها يقوي بعضها بعضا, ويؤيده ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم مرفوعا عن أبي هريرة: "إذا توضأتم فابدؤوا بميانكم". قال ابن دقيق العيد: هو خليق بأن يصح وقد حقق الكلام على هذا شيخنا العلامة الشوكاني في شرح المنتقى, وإطالة الغرة والتحجيل لثبوته في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ : "أن أمتي يُدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار
стр. 46
الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". وتقديم السواك استحباباً" وجهه الأحاديث المتواترة من قوله ﷺ وفعله وليس في ذلك خلاف قال في الحجة: قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" معناه لولا خوف الحرج لجعلت السواك شرطا للصلاة كالوضوء, وقد ورد بهذا الأسلوب أحاديث كثيرة جدا وهي دلائل واضحة على أن لاجتهاد النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مدخلاً في الحدود الشرعية وأنها منوطة بالمقاصد وأن رفع الحرج من الأصول التي بُني عليها الشرائع, وقول الراوي في صفة تسوكه ﵌ يقول: أع أع كما يتهوع
أقول: ينبغي للإنسان أن يبلغ بالسواك أقاصي الفم فيخرج بلاغم الحلق والصدر والاستقصاء في السواك يذهب بالقُلاع ويصفي الصوت ويطيب النكهة انتهى. "وغسل اليدين إلى الرسغين ثلاثا قبل الشروع في غسل الأعضاء المتقدمة" لحديث أوس بن أوس الثقفي قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم توضأ فاستوكف ثلاثاً, أي غسل كفيه أخرجه أحمد رح والنسائي رح. وثبت في الصحيحين من حديث عثمان ﵁: فأفرغ على كفيه ثلاث مرات يغسلهما, وثبت نحو ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃ يروونه عن النبي ﵌.
فصل "وينتقض الوضوء بما خرج من الفرجين من عين أو ريح" فقد وردت الأدلة بذلك مثل: حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" وقد فسره أبو هريرة ﵁ لما قال له رجل ما الحدث؟ قال: فساء أو ضراط, ومعنى الحدث أعم مما فسره به ولكنه نبه بالأخف على الأغلظ ولا خلاف في انتقاض الوضوء بذلك, "وبما يوجب الغسل" في الجماع ولا خلاف في انتقاضه به أيضا. ونوم المضطجع وجهه أن الأحاديث الواردة بانتقاض الوضوء بالنوم كحديث: "من نام فليتوضأ" مقيد بما ورد أن النوم الذي ينتقض به الوضوء هو نوم المضطجع, وقد روي من طرق متعددة والمقال الذي فيها ينجبر بكثرة طرقها وبذلك
стр. 47
يكون الجمع بين الأدلة المختلفة, وفي ذلك ثمانية مذاهب استوفيناها في مسك الختام شرح بلوغ المرام واستوفاها الماتن في نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار, وذكر الأحاديث المختلفة وتخريجها وترجيح ما هو الراجح. قال الشافعي رح: النوم ينقض الوضوء إلا نوم ممكِّن مقعدته, وقال أبو حنيفة رح: لو نام قائماً أو قاعداً أو ساجداً ولا وضوء عليه حتى ينام مضطجعاً أو متكئاً كذا في المسوى, وأكل لحم الإبل وجهه قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لما قيل له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم". وهو في الصحيح من حديث جابر بن سمرة ﵁, وقد روي أيضا من طريق غيره وذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء, واستدلوا بالأحاديث التي نسخت الأحاديث الواردة في الوضوء مما مست النار ولا يخفى أنه لم يصرح في شيء منها بلحوم الإبل حتى يكون الوضوء منها منسوخاً, وقد ذهب إلى انتقاض الوضوء بأكل لحوم الإبل أحمد بن حنبل رح وإسحق بن راهويه رح ويحيى بن يحيى رح وابن المنذر رح وابن خزيمة رح والبيهقي رح, وحكي عن أصحاب الحديث ﵏ وحكي عن جماعة من الصحابة ﵃ كما قال النووي رح قال البيهقي رح: حكي عن بعض أصحابنا عن الشافعي رح أنه قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت بت. قال البيهقي رح: قد صح فيه حديثان حديث جابر بن سمرة ﵁ وحديث البراء ﵁. قال في الحجة: وأما لحم الإبل فالأمر فيه أشد لم يقل به أحد من فقهاء الصحابة ﵃ والتابعين ﵃ ولا سبيل إلى الحكم بنسخه فلذلك لم يقل به من يغلب عليه التخريج, وقال به أحمد رح١ وإسحق رح وعندي أنه ينبغي أن يحتاط فيه الإنسان والله أعلم وقد أطال ابن القيم رح في إعلام الموقعين في إثبات النقض به. أقول: الإنصاف في هذا أن لحوم الإبل ناقضة للوضوء وحديث النقض من الصحة بمكان يعرفه من يعرف هذا الشأن أخرجه مسلم وأهل السنن وصححه جماعة من غيرهم ولم يأت عنه ﷺ ما يخالف هذا من قول أو فعل أو تقرير وإلى هذا التخصيص ذهب
стр. 48
جماعة من أهل العلم كما تقدم ومن أراد الاطلاع على مذاهب العلماء وأدلتهم في هذه المسألة فهي مستوفاة في مؤلفات شيخنا العلامة الشوكاني, وأما حمل الوضوء على غسل اليد فالواجب علينا حمل ألفاظ الشارع على الحقائق الشرعية إن وجدت وهي ههنا موجودة فإنه في لسان الشارع وأهل عصره لغسل أعضاء الوضوء لا لغسل اليد فقط ولم يصح من أحاديث الغسل قبل الطعام وبعده شيء. "والقيء" وجهه ما روي عنه ﷺ : أنه قاء فتوضأ. أخرجه أحمد رح وأهل السنن رح. قال الترمذي هو أصح شيء في الباب وصححه ابن منده رح وليس فيه ما يقدح في الاحتجاج بت, ويؤيده أحاديث منها حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عنه ﷺ : "من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ" وفي إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال وفي الباب عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم والمجموع ينتهض للاستدلال بت, وقد ذهب إلى ذلك أبو حنيفة رح وأصحابه رح وذهب الشافعي رح وأصحابه رح إلى أنه غير ناقض وأجابوا عن أحاديث الوضوء من القيء بأن المراد بها غسل اليدين ولا يخفى أن الحقيقة الشرعية مقدمة, وفي الحجة البالغة قال إبراهيم رح بالوضوء من الدم السائل والقيء الكثير والحسن رح الوضوء من القهقهة في الصلاة ولم يقل: بذلك آخرون وفي كل ذلك حديث لم يُجمع أهل المعرفة بالحديث على تصحيحه, والأصح في هذه أن من احتاط فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن لا فلا سبيل عليه, وفي صراح الشريعة والدم السائل والقيء الكثير ملوثان للبدن مبلدان للنفس والقهقهة في الصلاة خطيئة تحتاج إلى كفّارة فلا عجب أن يأمر الشارع بالوضوء من هذه ولا عجب أن يأمر ويرغب فيه من غير عزيمة, وفي المسوى قال الشافعي رح: خروج النجاسة من غير الفرجين لا يوجب الوضوء وقال أبو حنيفة رح: يوجبه بشرط انتهى١. ونحوه والمراد بنحو القيء هو القلس والرعاف والخلاف في القلس كالخلاف في القيء. قال الخليل: هو ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه وليس بقيء, وفي النهاية: القلس ما خرج من الجوف, ثم ذكر مثل كلام الخليل. وأما الرعاف فقد
стр. 49
ذهب إلى أنه ناقض أبو حنيفة رح وأبو يوسف رح ومحمد رح وأحمد بن حنبل رح واسحق رح وقيدوه بالسيلان, وذهب ابن عباس ﵁ ومالك رح والشافعي رح وروي عن ابن أبي أوفى ﵁ وأبي هريرة ﵁ وجابر بن زيد ﵁ وابن المسيب رح ومكحول رح وربيعة رح إلى أنه غير ناقض وأجابوا عن دليل الأولين بما فيه من المقال وبالمعارضة بمثل حديث أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم احتجم فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه. رواه الدارقطني رح وفي إسناده صالح بن مقاتل وهو ضعيف ويُجاب عن الأول بأنه ينتهض بمجموع طرقه وعن المعارضة بأنها غير صالحة للاحتجاج وبأن دم الرعاف غير دم الحجامة فلا يبعد أن يكون لخروجه من الأعماق تأثير في النقض في المسوى. قال الشافعي رح: الرعاف والحجامة لا ينقضان الوضوء. وقال أبو حنيفة رح: ينقضان إذا كان الدم سائلاً وقال مالك رح: الأمر عندنا أنه لا يتوضأ من رعاف ولا دم ولا من قيح يسيل من الجسد ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من ذكر أو دبر أو نوم انتهى. أقول: قد اختلف أهل العلم في انتقاض الوضوء بخروج الدم وجميع ما هو نص في النقض أو عدمه لم يبلغ إلى رتبة تصلح للاحتجاج بها وقد تقرر أن كون الشيء ناقضاً للوضوء لا يثبت إلا بدليل يصلح للاحتجاج وإلا وجب البقاء على الأصل لأن التعبد بالأحكام الشرعية لا يجب إلا بإيجاب الله أو رسوله وإلا فليس بشرع ومع هذا فقد كان الصحابة رض يباشرون مع معارك القتال ومجاولة الأبطال في كثير من الأحوال ماهو من الشهرة بمكان أوضح من الشمس فلو كان خروج الدم ناقضاً لما ترك صلى الله عليه بيان ذلك مع شدة الاحتياج إليه وكثرة الحامل عليه, ومثل الدم القيء في عدم ورود دليل يدل على أنه ناقض وغاية ما هناك حديث إسماعيل بن عياش وفيه من المقال ما لا يخفى. "ومس الذكر", وقد دل على ذلك حديث بسرة بنت صفوان رض: أن النبي ﷺ قال: "من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ" رواه أحمد رح وأهل السنن رح ومالك رح والشافعي رح وابن خزيمة رح وابن حبان رح والحاكم رح وابن الجارود وصححه أحمد رح والترمذي رح والدارقطني رح ويحيى بن معين رح والبيهقي رح والحازمي رح وابن حبان رح وابن خزيمة رح. قال
стр. 50
البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب, وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة رض منهم جابر رض وأبو هريرة ﵁ وأم حبيبة ﵂ وعبد الله ابن عمر ﵄ وزيد بن خالد ﵁ وسعيد بن أبي وقاص رض وعائشة ﵂ وابن عباس ﵄ وابن عمرو ﵄ والنعمان ابن بشير ﵁ وأنس ﵁ وأبي بن كعب ومعاوية بن حيدة١ ﵁ وقبيصة ﵁ وأروى بنت أُنيس٢ ﵂ وحديث بسرة ﵂ بمجرده أرجح من حديث طلْق بن علي ﵁ عند أهل السنن رح مرفوعاً بلفظ: الرجل يمس ذكره أعليه وضوء؟ فقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إنما هو بضعة منك" فكيف إذا انضم إلى حديث بسرة ﵂ أحاديث كثيرة كما أشرنا إليه ومن مال إلى ترجيح حديث طلق فلم يأت بطائل وقد تقرر في الأصول أن رواية الإثبات أولى من رواية النفي وأن المقتضي للحظر أولى من المقتضي للإباحة, وقد ذهب إلى انتقاض الوضوء بمس الذكر جماعة من الصحابة والتابعين رض والأئمة رح ومالوا إلى العمل بحديث بسرة لتأخر إسلامها, وذهب إلى خلاف ذلك جماعة كذلك والحق الانتقاض. وقد ورد ما يدل على أنه ينتقض الوضوء بمس الفرج وهو أعم من القُبُل والدُبُر كما أخرجه ابن ماجه رح من حديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "من مس فرجه فليتوضأ" وصححه أحمد رح وأبو زرعة رح وقال ابن السكن رح: لا أعلم له علة, وأخرج الدارقطني رح من حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: "إذا مسّت إحداكن فرجها فلتتوضأ" وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله العمري وفيه مقال. وأخرج أحمد رح والترمذي رح والبيهقي رح من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ" وفي إسناده بقية بن الوليد ولكنه صرح بالتحديث. قال في المسوى قال الشافعي رح: يجب الوضوء على من مس الفرج وشرطه أن يمس ببطن الكف أو بطون الأصابع, وقال
стр. 51
أبو حنيفة رح مس الفرج لا ينقض واحتج بقول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "هل هو إلا بضعة منك" انتهى. قالوا: إن مس الفرج لما كانت حاجة الناس إليه عامة والبلوى به دائمة وجب أن ينقل شرعاً ثابتاً متواترا مستقرا. أقول: قد وقع في الأصول أن الحكم الذي تعم به البلوى لا بد أن يُنقل نقلاً مستفيضاً والقائل بذلك بعض الحنفية وخالفهم الجمهور لعموم الأدلة الدالة على قبول أخبار الآحاد وهذه القاعدة كثيراً ما ترى المشغوفين بمحبة ما ألفوه من مذاهب الأسلاف يدفعون بها الحجج الشرعية التي يوردها خصومهم فإذا استدلوا لأنفسهم على إثبات حكم قد دأبوا عليه ودرجوا وصار عندهم من المألوفات المعروفات مالوا عن ذلك ولم يُعرِّجوا عليه وهذا ستراه في غير موطن من كتب المتمذهبين فإن كنت ممن لا تنفق عليه التدليسات ولا يغره سراب التلبيسات فلا تلعب بك الرجال من حال إلى حال بزخارف ما تنمقه من الأقوال.
فكن رجلا رِجْله في الثَّرى ... ... وهامة همته في الثُرَيّا ...
ولا حرج على المجتهد إذا رجح غير ما رجحناه إنما الشأن في التكلم في مواطن الخلاف بما يتبرأ منه الإنصاف اللهم بصرنا بالصواب واجعل بيننا وبين العصبية من لطفك أمنع حجاب, وفي الحجة البالغة موجبات الوضوء في شريعتنا على ثلاث درجات: إحداها ما اجتمع عليه جمهور الصحابة رضي الله تعالى عنهم وتطابق فيه الرواية والعمل الشائع وهو البول والغائط والريح والمذي والنوم الثقيل وما في معناها. الثانية ما اختلف فيه السلف من فقهاء الصحابة والتابعين ﵃ وتعارض فيه الرواية عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كمس الذكر لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "من مس ذكره فليتوضأ". قال به عمر وسالم وعروة وغيرهم ﵃, ورده علي وابن مسعود ﵄ وفقهاء الكوفة ولهم قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "هل هو إلا بضعة منك" ولم يجيء الثلج بكون إحداهما منسوخا, ولمس المرأة قال ابن عمر وابن مسعود وإبراهيم ﵃ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ولا يشهد له حديث بل يشهد حديث عائشة ﵂ بخلافه لكن فيه نظر لأن في إسناده
стр. 52
انقطاعاً؛ وعندي أن مثل هذه العلة إنما تعتبر في مثل ترجيح أحد الحديثين على الآخر ولا تعتبر في ترك حديث من غير تعارض والله تعالى أعلم. وبالجملة: فجاء الفقهاء من بعدهم على ثلاث طبقات: آخذ به على ظاهره وتارك له رأساً: وفارق بين الشهوة وغيرها ولا شبهة أن لمس المرأة مهيج للشهوة مظنة لقضاء شهوة دون شهوة الجماع, وأن مس الذكر فعل شنيع ولذلك جاء النهي عن مس الذكر بيمينه في الاستنجاء فإذا كان قبضاً عليه كان من أفعال الشياطين لا محالة, والثالثة ما وُجد فيه شبهة من لفظ الحديث وقد أجمع الفقهاء من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم على تركه كالوضوء مما مست النار فإنه ظهر عمل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم والخلفاء وابن عباس وأبي طلحة وغيرهم رضي الله تعالى عنهم بخلافه وبيّن جابر ﵁ أنه منسوخ. قلت: عامة أهل العلم على أن الوضوء مما مسته النار منسوخ وتأول بعضهم على غسل اليد والفم. قال قتادة ﵁: من غسل فمه فقد توضأ كذا في المسوى.
стр. 53
باب الغسل
وأصله تعميم البدن بالغسل "يجب بخروج المني بشهوة ولو بتفكر" وقد دلت على ذلك الأدلة الصحيحة كأحاديث: "الماء من الماء" وأحاديث: في المني الغسل, وصدق اسم الجنابة على من كان كذلك وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ والاطهار استيعاب جميع البدن فالغسل كذا في المسوى ولا أعلم في ذلك خلافا وإنما وقع الخلاف المشهور بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم وكذلك بين من بعدهم هل يجب الغسل بالتقاء الختانين من دون خروج مني أم لا يجب إلا بخروج المني؟ والحق الأول لحديث: "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل" أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ﵏ من حديث أبي هريرة ﵁, وأخرج نحوه مسلم وأحمد والترمذي رحمهم الله تعالى وصححه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فهذان الحديثان وما ورد في معناهما ناسخان لما كان في أول الإسلام من أن الغسل إنما يجب بخروج المني, ويدل على ذلك حديث أبي
стр. 54
ابن كعب رضي الله تعالى عنه قال: إن الفتيا التي كانوا يقولون الماء من الماء رخصة كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم رخص بها في أول الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعدها. وأخرج مسلم رح تعالى من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل وعائشة رضي الله تعالى عنها جالسة فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل" وقال في الحجة البالغة: اختلف أهل الرواية هل يُحمل الإكسال أي الجماع من غير إنزال على الجماع الكامل في معنى قضاء الشهوة أعني ما يكون معه الإنزال والذي صح رواية وعليه جمهور الفقهاء هو أن من جهد فقد وجب عليهما الغسل وإن لم ينزل واختلفوا في كيفية الجمع بين هذا الحديث وحديث: "إنما الماء من الماء" فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: للاحتلام, وفيه ما فيه لأنه يأباه سبب ورود الحديث كما أخرجه مسلم, وقال أبي رضي الله تعالى عنه: كانت رخصة في أول الإسلام ثم نهي عنها, وقد روي عن عثمان وعلي وطلحة والزبير وأبي ابن كعب وأبي أيوب رضي الله تعالى عنهم فيمن جامع امرأته ولم يُمْن قالوا: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره, ورفع ذلك إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم, ولا يبعد عندي أن يُحمل ذلك على المباشرة الفاحشة فإنه قد يطلق الجماع عليها. قلت: على هذا أكثر أهل العلم أن غسل الجنابة يجب بأحد الأمرين: إما بإدخال الحشفة في الفرج أو بخروج الماء الدافق من الرجل أو المرأة بالتقاء الختانين وعلى هذا أكثر أهل العلم أن من جامع امرأته فغيّب الحشفة وجب الغسل عليهما وإن لم ينزل والختان موضع القطع من ذكر الغلام ونواة الجارية, "وبانقطاع الحيض والنفاس" ولا خلاف في ذلك, وقد دل عليه نص القرآن ومتواتر السنة وكذلك وقع الإجماع على وجوبه بانقطاع النفاس. وكذلك وقع الإجماع على وجوبه "بالاحتلام" إلا ما يُحكى عن النخعي رح تعالى ولكنه إنما يجب إذا وجد المحتلم بللاً. "مع وجود بلل" كما في حديث عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً فقال: "يغتسل" وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد
стр. 55
البلل فقال: "لا غسل عليه". أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ﵏ ورجاله رجال الصحيح إلا عبد الله بن عمر العمري وفيه مقال خفيف, وأخرج نحوه أحمد والنسائي رحمهما الله من حديث خولة بنت حكيم رضي الله تعالى عنها, وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما رحمهم الله تعالى من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن أم سليم رضي الله تعالى عنها قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت؟ قال: "نعم إذا رأت الماء" وهذه الأحاديث ترد على من اعتبر أن يحصل للمحتلم شهوة ويتيقن ذلك والمراد من البلل المني فإن رأى بللاً ولم يتيقن أنه مني لم يجب الغسل عند أكثر أهل العلم. قال في الحجة: أراد الحكم على البلل دون الرؤيا لأن الرؤيا تكون تارة حديث نفس ولا تأثير له وتارة تكون قضاء شهوة ولا تكون بغير بلل فلا يصلح لإدارة الحكم إلا البلل, وأيضا فإن البلل شيء ظاهر يصلح للانضباط. وأما الرؤيا فإنها كثيراً ما تنسى انتهى. "وبالموت" المراد وجوب ذلك على الأحياء إذ لا وجوب بعد الموت من الواجبات المتعلقة بالبدن أي يجب على الأحياء أن يغسلوا من مات وقد حكى المهدي في البحر والنووى رح الإجماع على وجوب غسل الميت وناقش في ذلك بعض المتأخرين مناقشة واهية وسيأتي الكلام على غسل الميت وصفته وتفاصيله إن شاء الله تعالى وفي الحجة وأما غسل الميت فلأن الرشاش ينتشر في البدن وجلست عند محتضر فرأيت أن الملائكة الموكلة بالقبض لها نكاية عجيبة في المحتضرين ففهمت أنه لا بد من تغيير الحالة لتنبه النفس لمخالفها, "وبالإسلام" وجهه ما أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود وابن حبان وابن خزيمة ﵏ عن قيس بن عاصم رض: أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر, وصححه ابن السكن رح وأخرج أحمد وعبد الرزاق والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان ﵏ من حديث أبي هريرة رض: أن ثمامة رضي الله تعالى عنه أسلم فقال النبي صلى الله وسلم عليه: " اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل" وأصله في الصحيحين وليس فيهما الأمر بالاغتسال بل فيهما أنه اغتسل. قال في الحجة: قال لآخر: ألق عنك شعر الكفر وسره أن يتمثل عنده الخروج من شيء أصرح ما يكون والله تعالى أعلم انتهى. وقد ذهب إلى الوجوب أحمد بن حنبل وأتباعه ﵏ وذهب
стр. 56
الشافعي رح إلى عدم الوجوب والحق الأول, ويؤيده ما وقع منه ﷺ من الأمر بالغسل عند الإسلام لواثلة بن الأسقع وقتادة الرهاوي رض كما أخرجه الطبراني رح وأمره أيضا لعقيل بن أبي طالب رض كما أخرجه الحاكم رح في تاريخ نيسابور وفي أسانيدها مقال.
فصل "والغسل الواجب هو أن يُفيض الماء على جميع بدنه أو ينغمس فيه" أقول: الغسل شرعاً ولغة هو ما ذُكر وقد وقع النزاع في دخول الدلك في مسمى الغسل ولكنه لا يخفى أن مجرد بل الثوب أو البدن من دون دلك لا يسمى غسلاً كما يفهم ذلك من الاستعمالات العربية وكما يفيد ذلك ما تقدم في بول الصبي أنه ﷺ أتبعه الماء ولم يغسله وهو في صحيح مسلم رح وغيره, مع المضمضة والاستنشاق فقد ثبتا في الغسل من فعله ﷺ ووجه الوجوب ما قدمناه في الوضوء وفيهما وفي السواك إزالة المخاط والبَخر "والدلك لما يمكن دلكه ولا يكون شرعيا إلا بالنية لرفع موجبه" لما قدمناه في الوضوء, "ونُدب" لا أنه وجب لأنه يصدق الغسل ويوجد مسماه بالإفاضة على جميع البدن من غير تقدم, "تقديم غسل أعضاء الوضوء إلا القدمين" لما قد ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه كان ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض على سائر جسده ثم يغسل رجليه, وهو من حديث عائشة رض وورد في الصحيحين وغيرهما من حديث ميمونة رض بلفظ: أنه ﷺ أفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثاً ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره ثم دلك يده بالأرض ثم مضمض واستنشق ثم غسل وجهه ويديه ثم غسل رأسه ثلاثاً ثم أفرغ على جسده ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه, وثبت عنه ﷺ أنه كان لا يتوضأ بعد غسل كما أخرجه أحمد وأهل السنن رح وقال الترمذي رح: حسن صحيح, وأخرجه البيهقي رح أيضا بأسانيد جيدة وقد روى ابن أبي شيبة رح عن ابن عمر رض مرفوعاً وموقوفاً أنه قال لما سئل عن الوضوء بعد الغسل: وأي وضوء أعم من الغسل, وروي عن حذيفة رض أنه قال: "أما يكفي أحدكم أن يغتسل من قرنه إلى قدمه حتى يتوضأ".
стр. 57
وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃ ومن بعدهم حتى قال أبو بكر ابن العربي: إنه لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث وهكذا نقل الإجماع ابن بطال رح, وتُعقِّب بأنه قد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرهما ﵏ إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء, وأما كون تقديم أعضاء الوضوء غير واجب فلأنه يصدق الغسل ويوجد مسماه بالإفاضة على جميع البدن من غير تقديم. "ثم التيامن" لثبوته عنه ﷺ قولاً وفعلاً عموما وخصوصا فمن العموم ما ثبت في الصحيح أنه صلى الله وسلم عليه كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. ومن الخصوص ما ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه بدأ بشق رأيه الأيمن ثم الأيسر في الغسل, وقد ثبت من قوله ما يفيد ذلك ولا خلاف في استحباب التيامن.
فصل "ويُشرع" أي الغسل "لصلاة الجمعة" لحديث: "إذا جاء أحد كم الجمعة فليغتسل" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر رض وقد تلقت الأمة هذا الحديث بالقبول ورواه عن نافع رح نحو ثلاثمائة نفس, ورواه من الصحابة غير ابن عمر رض نحو أربعة وعشرين صحابياً, وقد ذهب إلى وجوبه جماعة. قال النووي رح: حُكي وجوبه عن طائفة من السلف ﵏ حكوه عن بعض الصحابة رض وبه قال أهل الظاهر وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار رض ومالك وحكاه الخطابي عن الحسن البصري وحكاه ابن حزم عن جمع من الصحابة رض ومن بعدهم, وذهب الجمهور إلى أنه مستحب واستدلوا بحديث أبي هريرة رض عند مسلم بلفظ: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام١" وبحديث سمرة ﵁ أن النبي صلى الله وسلم عليه قال: "من توضأ للجمعة فبها ونِعمت ومن اغتسل فذلك أفضل" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ﵏ وفيه مقال مشهور وهو عدم سماع الحسن رح من سمرة رح وغير ذلك من
стр. 58
الأحاديث قالوا: وهي صارفة للأمر إلى الندب ولكنه إذا كان ما ذكروه صالحاً لصرف الأمر فهو لا يصلح مثل قوله صلى الله وسلم عليه: "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رض, وقد استوفى الماتن رح الكلام على حكم غسل الجمعة في نيل الأوطار فليرجع إليه ولا يخفى أن تقييد الغسل بالمجيء للجمعة يدل على أنه للصلاة لا لليوم. "وللعيدين" فقد روي من فعله صلى الله وسلم عليه من حديث الفاكه بن سعد رض: أنه صلى الله وسلم عليه كان يغتسل يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر. أخرجه أحمد وابن ماجه والبزار والبغوي رح. وأخرج نحوه ابن ماجه رح من حديث ابن عباس رض وأخرجه البزار رح من حديث أبي رافع رض وفي أسانيدها ضعف ولكنه يقوي بعضها بعضاً ويقوي ذلك آثار عن الصحابة رض جيدة. أقول: قد روي في ذلك أحاديث لم يصح منها شيء ولا بلغ شيء منها إلى رتبة الحسن لذاته ولا لغيره وأما اعتبار كون المغتسل يصلي صلاة العيد بذلك الغسل أي من دون أن يتخلل بين الغسل وبين الصلاة شيء من الأحداث فلا أحفظ فيه حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا قول صحابي وهو أحسن الاقتصار على ما ثبت وإراحة العباد مما لم يثبت. "ولمن غسل ميتاً" وجهه ما أخرجه أحمد وأهل السنن رح من حديث أبي هريرة رض مرفوعاً: "من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ". وقد روي من طرق وأعل بالوقف وبأن في إسناده صالحاً مولى التوأمة رح ولكنه قد حسنه الترمذي رح وصححه ابن القطان رح وابن حزم, وقد روي من غير طريق قال الحافظ ابن حجر رح: هو لكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنا فإنكار النووي رح على الترمذي رح تحسينه معترض وقال الذهبي رح: هو أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء رح وذكر الماوردي رح أن بعض أصحاب الحديث رح خرج لهذا الحديث مائة وعشرين طريقا وقد روي نحوه عن علي رض عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن شيبة وأبي يعلى والبزار والبيهقي رح وعن حذيفة رض عند البيهقي رح قال ابن أبي حاتم والدارقطني رح: لا يثبت. وعن عائشة رض من فعله صلى الله وسلم عليه عند أحمد وأبي داود رح, وقد ذهب إلى الوجوب علي وأبو هريرة رض والإمامية, وذهب الجمهور إلى أنه مستحب
стр. 59
فقط قالوا وهذا الأمر المذكور في الحديث السابق مصروف عن الوجوب بحديث: "إن ميتكم يموت طاهراً فحسبكم أن تغسلوا أيديكم" أخرجه البيهقي وحسنه ابن حجر رح ولحديث: كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل. أخرجه الخطيب رح عن ابن عمر رض وصحح ابن حجر أيضا إسناده ولما وقع من الفتيا من الصحابة رض لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر رض لما غسلته فقالت لهم: إن هذا يوم شديد البرد وأنا صائمة فهل علي من غسل؟ قالوا: لا. رواه مالك رح في الموطأ. "وللإحرام" لحديث زيد بن ثابت رض أنه رأى النبي صلى الله وسلم عليه تجرد لإهلاله واغتسل. أخرجه الترمذي والدارقطني والبيهقي والطبراني وحسنه الترمذي وضعفه العقيلي ﵏, ولعل وجه التضعيف كون عبد الله بن يعقوب المدني في إسناده قال ابن الملقن في شرح المنهاج: لعل الترمذي رح حسنه لأنه عرف عبد الله بن يعقوب أي عرف حاله, وفي الباب عن عائشة رض عند أحمد رح وعن أسماء رض عند مسلم رح وقد ذهب إلى استحباب غسل الإحرام الجمهور وقال الحسن البصري رح ومالك رح: أنه محتمل. "ولدخول مكة المكرمة حرسها الله تعالى" لما أخرجه مسلم عن ابن عمر رض: أنه كان لا يدخل مكة إلا بات بذي طُوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا ويذكر عن النبي صلى الله وسلم عليه أنه فعله, وأخرج البخاري رح معناه. قال في الفتح: قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء وليس في تركه عندهم فدية. وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء.
стр. 60
باب التيمم
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وقد كثر الاختباط في تفسير هذه الآية والحق أن قيد عدم الوجود راجع إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فتكون الأعذار ثلاثة السفر والمرض وعدم الوجود في الحضر وهذا ظاهر على قول من قال: إن القيد إذا
стр. 61
وقع بعد جُمل متصلة كان قيداً لآخرها, وأما من قال: أنه يكون قيداً للجميع إلا أن يمنع مانع فكذلك أيضا لأنه قد وجد المانع ههنا من تقييد السفر والمرض بعدم الوجود للماء وهو: أن كل واحد منهما عذر مستقل في غير هذا الباب كالصوم, ويؤيد هذا أحاديث التيمم الواردة مطلقة ومقيدة بالحضر فإن قلت: ما المعتبر في تسويغ التيمم للمقيم؟ هل هو عدم الوجود عند إرادة الصلاة كما هو الظاهر من الآية أم عدم الوجود مع طلب مخصوص كما قيل إنه يطلب في كل جهة من الجهات الأربع في ميل أو ينتطر إلى آخر الوقت حتى لا يبقى إلا ما يسع الصلاة بعد التيمم؟ قلت: الحق أن المعتبر هو ما يصدق عليه مفهوم عدم الوجود المقيد بالقيام إلى الصلاة فإذا دخل الوقت المضروب للصلاة وأراد المصلي القيام إليها فلم يجد حينئذ ما يتوضأ به أو يغتسل في منزله ومسجده وما يقرب منهما كان ذلك عذراً مسوغاً للتيمم وليس المراد بعدم الوجود في ذلك أن لا يجده بعد الكشف والبحث وإخفاء السؤال, بل المراد أن لا يكون معه علم أو ظن بوجود شيء منه هنالك ولم يتمكن في تلك الحالة من تحصيله بشراء أو نحوه فهذا يصدق عليه أنه لم يجد الماء عند أهل اللغة والواجب حمل كلام الله على ذلك مع عدم وجود عرف شرعي وقد وقع منه صلى الله وسلم عليه ما يشعر بما ذكرناه فإنه تيمم في المدنية من جدار كما ثبت ذلك في الصحيحين من دون أن يسأل ويطلب ولم يصح عنه في الطلب شيء تقوم به الحجة فهذا كما يدل على عدم وجوب الطلب يدل على عدم وجوب انتظار آخر الوقت, ويدل على ذلك حديث الرجلين اللذين تيمما في سفر ثم وجدا الماء فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر فقال صلى الله وسلم عليه للذي لم يعد: "أصبت السنة" أخرجه أبو داود والحاكم وغيرهما من حديث أبي سعيد فإنه يرد قول من قال بوجوب الانتظار إلى آخر الوقت على المتيمم سواء كان مسافراً أو مقيماً إذا تقرر لك هذا استرحت عن الاشتغال بكثير من التفاريع المحررة في كتب الفقه فإن هذه هي ثمرة الاجتهاد فأي فرق بين من لا يفرق بين الغث والسمين من المجتهدين وبين من هو في عداد المقلدين. قال في القاموس: والصعيد التراب أو وجه الأرض انتهى. والثاني: هو الظاهر من لفظ الصعيد لأنه ما
стр. 62
صعد أي علا وارتفع على وجه الأرض وهذه الصفة لا تختص بالتراب ويؤيد ذلك حديث: "جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" وهو متفق عليه من حديث جابر وغيره, وما ثبت في رواية بلفظ: "وتربتها طهوراً" كما أخرجه مسلم من حديث حذيفة فهو غير مستلزم لاختصاص التراب بذلك عند عدم الماء لأن غاية ذلك أن لفظ التراب دل بمفهومه أن غيره من أجزاء الأرض لا يشاركه في الطهورية وهذا مفهوم لقب لا ينتهض لتخصيص عموم الكتاب والسنة ولهذا لم يعمل به من يعتد به من أئمة الأصول فيكون ذكر التراب في تلك الرواية من باب التنصيص على بعض أفراد العام وهكذا يكون الجواب عن ذكر التراب في غير هذا الحديث ووجه ذكره أنه الذي يغلب استعماله في هذه الطهارة, ويؤيد هذا ما تقدم من تيممه صلى الله وسلم عليه من جدار. وأما الاستدلال بوصف الصعيد بالطيب ودعوى أن الطيب لا يكون إلا تراباً طاهراً منبتاً لقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً﴾ فغير مفيد للمطلوب إلا بعد بيان اختصاص الطيب بما ذُكر, والضرورة تدفعه فإن التراب المختلط بالأزبال أجود إخراجاً للنبات قال الماتن في شرح المنتقى: ومن الأدلة الدالة على أن المراد خصوص التراب ما ورد في القرآن والسنة من ذكر الصعيد فالأمر بالتيمم منه وهو التراب لكنه قال في القاموس: والصعيد التراب أو وجه الأرض, وفي المصباح: الصعيد وجه الأرض تراباً كان أو غيره. قال الزجاج لا أعلم اختلافا بين أهل اللغة في ذلك. قال الأزهري: ومذهب أكثر العلماء أن الصعيد في قوله تعالى: ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ هو التراب. وفي كتاب فقه اللغة للثعالبي: الصعيد تراب وجه الأرض ولم يذكر غيره وفي المصباح أيضا ويقال الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه على التراب الذي على وجه الأرض وعلى وجه الأرض وعلى الطريق, ويؤيد حمل الصعيد على العموم تيممه صلى الله وسلم عليه من الحائط فلا يتم الاستدلال وقد ذهب إلى تخصيص التيمم بالتراب الشافعي وأحمد وداود, وذهب مالك وأبو حنيفة وعطاء والأوزاعي والثوري إلى أنه يجزئ بالأرض وما عليها قال: واستدل القائل بتخصيص التراب بما عند مسلم من حديث حذيفة مرفوعاً بلفظ: "وجُعلت تربتها لنا طهوراً" وهذا خاص فينبغي أن يُحمل عليه العام, وأجيب بأن تربة كل مكان ما فيه من تراب أو
стр. 63
غيره فلا يتم الاستدلال, ورُدّ بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ التراب أخرجه ابن خزيمة وغيره. وفي حديث علي: "جُعل التراب لي طهوراً" أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن وأجيب أيضا عن ذلك الاستدلال بأن تعليق الحكم بالتربة مفهوم لقب ومفهوم اللقب ضعيف عند أرباب الأصول ولم يقل به إلا الدقاق فلا ينتهض لتخصيص المنطوق ورُدّ بأن الحديث سيق لإظهار التشريف فلو كان جائزاً بغير التراب لما اقتصر عليه, وأنت خبير بأنه لم يقتصر على التراب إلا في هذه الرواية نعم الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجداً دون الآخر كما سيأتي في حديث مسلم يدل على الافتراق في الحكم وأحسن من هذا أن قوله تعالى في آية المائدة: ﴿مِنْهُ﴾ يدل على أن المراد التراب وذلك لأن كلمة مِن للتبعيض كما قال في الكشاف أنه لا يفهم أحد من العرب من قول القائل مسحت برأسه من الدهن والتراب إلا معنى التبعيض انتهى. فإن قلت سلمنا التبعيض فما الدليل على أن ذلك البعض هو التراب؟ قلت: التنصيص عليه في الحديث المذكور انتهى. "يستباح به ما يستباح بالوضوء والغسل لمن لا يجد الماء" لأن حكم التيمم مع العذر المسوغ له حكم الوضوء لمن لم يكن جنباً وحكم الغسل لمن كان جنبا يصلي به ما يصلي المتوضئ بوضوئه ويستبيح المغتسل بغسله فيصلي به الصلوات المتعددة ولا ينتقض بفراغ من صلاة ولا بالاشتغال بغيره ولا بخروج وقت على ما هو الحق والخلاف في ذلك معروف والأدلة الواردة لمشروعية التيمم عند عدم الماء ثابتة كتاباً وسنة. قال في الحجة: ولم أجد في حديث صحيح تصريحاً بأنه يجب أن يتيمم لكل فريضة أو لا يجوز التيمم للآبق ونحوه وإنما ذلك من التخريجات وإنما لم يفرق بين بدل الغسل والوضوء ولم يشرع التمرغ لأن من حق ما لا يعقل بادي الرأي أن يجعل كالمؤثر بالخاصية دون المقدار فإنه هو الذي اطمأنت نفوسهم به في هذا الباب ولأن التمرغ فيه بعض الحرج فلا يصلح رافعاً للحرج بالكلية وفي معنى المرض البرد الضار لحديث عمرو بن العاص رض والسفر ليس بقيد إنما هو صورة لعدم وجدان الماء تتبادر إلى الذهن وإنما لم يؤمر بمسح الرِّجْل بالتراب لأن الرِّجل محل الأوساخ وإنما يؤمر بما ليس حاصلاً ليحصل التنبيه به انتهى. "أو خشي الضرر من استعماله"
стр. 64
لما أخرجه داود وابن ماجه والدارقطني ﵏ من حديث جابر رض قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون له رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات, فلما قدمنا علي رسول الله صلى الله وسلم عليه أخبرناه بذلك فقال: "قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده". وقد تفرد به الزبير بن خريق رح وليس بالقوي وقد صححه ابن السكن رح وروي من طريق أخرى عن ابن عباس ﵄, وقد ذهب إلى مشروعية التيمم بالعذر الجمهور, وذهب أحمد بن حنبل رح وروي عن الشافعي رح في قول له: أنه لا يجوز التيمم لخشية الضرر ولا أدري كيف صحة ذلك عنهما فإن هذا الحديث يؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ الآية وكذلك حديث المسح على الجبائر المروي عن على رض وكذلك حديث عمرو بن العاص لما بعثه رسول الله صلى الله وسلم عليه في غزوة ذات السلاسل فاحتلم في ليلة باردة فتيمم وصلى بأصحابه فلما قدموا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله وسلم عليه فقال: يا عمرو أصليت مع أصحابك وأنت جنب؟ فقال: ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ فتيممت ثم صليت فضحك رسول الله صلى الله وسلم عليه ولم يقل شيئاً. رواه أحمد والدارقطني وابن حبان والحاكم وأخرجه البخاري تعليقاً قال في الحجة: وكان عمر وابن مسعود رض لا يريان التيمم عن الجنابة وحملا الآية على اللمس وأنه ينقض الوضوء لكن حديث عمران وعمار يشهد بخلاف ذلك, "وأعضاؤه الوجه ثم الكفان يمسحها" أي الوجه والكفين لما ورد من الأحاديث الصحيحة قولاً وفعلاً وقد أشار بالعطف بثم إلى الترتيب بين الوجه والكفين وأما الاقتصار على الكفين فلكون الأحاديث الصحيحة مصرحة بذلك منها حديث عمار بن ياسر: أن النبي صلى الله وسلم عليه أمره بالتيمم للوجه والكفين. أخرجه الترمذي وغيره وصححه ومنها ما في الصحيحين من حديث عمار أيضا أن النبي صلى الله وسلم عليه قال له: "إنما كان يكفيك هكذا وضرب النبي صلى الله وسلم عليه لكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه" وفي لفظ للدارقطني: "إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب ثم تنفخ فيهما ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين" وقد ذهب إلى
стр. 65
أنه يُقتصر من اليدين على الكفين عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد واسحق وابن المنذر وعامة أصحاب الحديث هكذا في شرح مسلم, وذهب الجمهور إلى أن المسح في التيمم إلى المرفقين وذهب الزهري إلى أنه يجب المسح إلى الإبطين وقال الخطابي: إنه لم يختلف أحد من أهل العلم في أنه لا يلزم مسح ما وراء المرفقين والحق ما ذهب إليه الأولون لأن الأدلة التي استدل بها الجمهور منها ما لا ينتهض للاحتجاج به كحديث ابن عمر عند الدارقطني والحاكم والبيهقي مرفوعاً بلفظ: "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" وفي إسناده علي بن ظبيان قال الدارقطني وثقه يحيى بن القطان وهشيم وغيرهما وقال الحافظ: هو ضعيف ضعفه ابن القطان وابن معين وغير واحد. وأما ما ورد فيه لفظ اليدين كما وقع في بعض روايات من حديث عمار فالمطلق يحمل على المقيد بالكفين واحتج الزهري بما ورد في رواية من حديث عمار أيضا بلفظ: "إلى الآباط" وقد نسخ ذلك كما قال الشافعي. مرة بضربة واحدة لأن ذلك هو الثابت في الأحاديث الصحيحة ولم يثبت ما يخالف ذلك من وجه صحيح وقد ذهب إلى كون التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين الجمهور, وذهب جماعة من الأئمة والفقهاء إلى أن الواجب ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين, وذهب ابن المسيب وابن سيرين إلى أن الواجب ثلاث ضربات ضربة للوجه وضربة للكفين وضربة للذراعين
ناوياً مسمياً لما تقدم في الوضوء لأنه بدل عنه وأدلة النية شاملة لكل عمل. "ونواقضه نواقض الوضوء" لما ذكرنا من البدلية ومن أثبت للتيم شيئاً من النواقض لم يثبت في الوضوء لم يقبل منه ذلك إلا بدليل ولم نجد دليلاً تقوم به الحجة يصلح لذلك فالواجب الاقتصار على نواقض الوضوء, وأما وجود الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة بالتيمم فقد صرح النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لمن لم يعد الصلاة من الرجلين اللذين سألاه بعد أن صلياها بالتيمم ثم وجدا الماء أن الذي لم يعد أصاب السنة والحديث معروف. وأما قوله للذي أعاد لك من الأجر مرتين فلكونه قد كرر العبادة معتقداً وجوب ذلك فكان له الأجر الآخر لذلك وليس المراد ههنا إلا الإجزاء وسقوط الوجوب وقد أفاد ذلك قوله صلى الله وسلم عليه: "أصبت السنة" مع ما في إصابة السنة من الخير والبركة والتعريض بأن ما عدا ذلك مخالف
стр. 66
للسنة كما لا يخفى. وأما القول بأن من أسباب التيمم تعذر استعمال الماء وخوف سبيله ونحو ذلك فلا يخفى أن هذه داخلة تحت ما ذكرناه من عدم الماء أو خشية الضرر من استعماله فإن من تعذر عليه استعمال الماء هو عادم للماء إذ ليس المراد الوجود الذي لا ينفع فمن كان يشاهد ماء في قعر بئر يتعذر عليه الوصول إليه بوجه من الوجوه فهو عادم وهكذا خوف السبيل الذي يسلك إلى الماء وهكذا من كان ينجسه, ولا محالة إذا استعمله وهكذا من كان يحتاجه للشرب فهو عادم له بالنسبة إلى الوضوء. وأما ما قيل من أن فوات الصلاة باستعمال الماء وإدراكها بالتيمم سبب من أسباب التيمم فليس على ذلك دليل بل الواجب استعمال الماء وهو إن كان تراخيه عن تأدية الصلاة إلى ذلك الوقت لعذر مسوغ للتأخير كالنوم والسهو ونحوهما فلم يوجب الله تعالى عليه إلا تأدية الصلاة في ذلك الوقت بالطهور الذي أوجبه الله تعالى, وإن كان التراخي لا لعذر إلى وقت لو استعمل الوضوء فيه لخرج الوقت فعليه الوضوء, وقد باء بإثم المعصية وأما ما قيل من الطلب إلى مقادير محدودة فليس على ذلك حجة نيرة.
стр. 67
باب الحيض
لم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة وكذلك الطهر لأن ما ورد في تقدير أقل الحيض والطهر وأكثرهما فهو إما موقوف ولا تقوم به الحجة أو مرفوع ولا يصح فلا تعويل على ذلك ولا رجوع إليه بل المعتبر لذات العادة المتقررة هو العادة وغير المعتادة تعمل بالقرائن المستفادة من الدم فذات العادة المتقررة تعمل عليها فقد صح في غير حديث اعتبار الشارع للعادة كحديث: "إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة, وأخرج مسلم وغيره من حديثها نحو ذلك أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أم سلمة أنها استفتت النبي صلى الله وسلم عليه في امرأة تهراق الدم فقال: "لتنتطر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر فتدع الصلاة" وهو حديث صالح للاحتجاج به وكذلك حديث زينب بنت جحش
стр. 68
أن النبي صلى الله وسلم عليه قال في المستحاضة: "تجلس أيام أقرائها" أخرجه النسائي والأحاديث في هذا لمعنى كثيرة. وغيرها ترجع إلى القرائن المستفادة من الدم لحديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي صلى الله وسلم عليه: "إن كان دم الحيض فإنه أسود يُعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عِرْق" أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم, وأخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي والحاكم أيضا بزيادة: "فإنما هو داء عرَض أو ركضة من الشيطان أو عرق انقطع١. "فدم الحيض يتميز عن غيره فتكون حائضا إذا رأت دم الحيض" أخرج أبو داود والنسائي من حديث فاطمة بنت حبيش أنه قال صلى الله وسلم عليه: "دم الحيض أسود يُعرف" ٢ صححه ابن حزم وأخرج النسائي من حديث عائشة مرفوعاً نحوه وأخرج الطبراني والدارقطني من حديث أبي أمامة مرفوعاً بلفظ: "دم الحيض لا يكون إلا أسود٣". فدلت هذه الأحاديث على أنه لا يقال للصفرة والكُدرة دم حيض ولا يعتد بها سواء كانت بين دمي حيض أو بعد دم الحيض وليس التحيض بين دمي الحيض مع تخلل الصفرة والكدرة لأجلهما بل لكون ما توسط بين دمي الحيض حيضا كما لو لم يخرج دم أصلا بين دمي الحيض ولا يعارض هذا ما أخرجه في الموطأ وعلقه في البخاري: أن النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدِّرَجة فيها الصفرة والكدرة من دم الحيض ليسألنها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعجلن حتى
стр. 69
ترين القصة البيضاء؛ فإن هذا مع كونه رأيا منها ليس بمخالف لما تقدم لأنها لم تخبرهن بأن الصفرة والكدرة حيض إنما أمرتهن بالانتظار إلى حصول دليل يدل على أنه قد انقضى الحيض وهو خروج القصة فمتى خرجت لم يخرج بعدها دم حيض ولم تأمرهن بالانتظار ما دامت الصفرة والكدرة وهذا واضح لا يخفى. ومستحاضة وهي التي يستمر خروج الدم منها إذا رأت غيره تعمل على العادة المتقررة فتكون فيها حائضاً تثبت لها فيه أحكام الحائض وفي غير أيام العادة تكون طاهراً لها حكم الطاهر, وهي كالطاهرة كما أفادت ذلك الأحاديث الصحيحة الواردة من غير وجه فإذا لم تكن لها عادة متقررة كالمبتدأة والملتبسة عليها عادتها فإنها ترجع إلى التمييز فإن دم الحيض أسود يُعرف كما قال ﵌ فتكون إذا رأت دماً كذلك حائضاً وإذا رأت دماً ليس كذلك طاهراً وقد أطال الناس الكلام في هذا الباب في غير طائل وكثرت فيه التفريعات والتدقيقات والأمر أيسر من ذلك, "وتغسل أثر الدم" لقوله صلى الله وسلم عليه في حديث عائشة الثابت في الصحيح: "فاغسلي عنك الدم وصلي" وقد ورد ما يفيد معنى ذلك من غير وجه. "وتتوضأ لكل صلاة" وذلك هو الذي ورد من وجه معتبر وإذا جمعت بين الصلاتين فأخرت الأولى إلى آخر وقتها وقدمت الثانية في أول وقتها كان لها أن تصليهما بوضوء واحد ولم يأت في شيء من الأحاديث الصحيحة إيجاب الغسل لكل صلاة ولا لكل صلاتين ولا في كل يوم بل الذي صح إيجاب الغسل صح إيجاب الغسل عند انقضاء وقت حيضها المعتاد أو عند انقضاء ما يقوم مقام العادة من التمييز بالقرائن كما في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما بلفظ: "فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" وأما ما في صحيح مسلم: أن أم حبيبة كانت تغتسل لكل صلاة فلا حجة في ذلك لأنها فعلته من جهة نفسها ولم يأمرها النبي صلى الله وسلم عليه بذلك بل قال لها: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي" فإن ظاهر هذه العبارة أنها بعد المكث قدْر ما كانت تحبسها الحيضة وذلك هو الغسل الكائن عند إدبار الحيضة وليس فيه ما يدل على أنها تغتسل لكل صلاة وقد ورد الغسل لكل صلاة من طرق لا تقوم بمثلها الحجة لا سيما مع معارضتها لما ثبت في الصحيح ومع ما في ذلك من المشقة العظيمة على النساء
стр. 70
الناقصات العقول والأديان, والشريعة سمحة سهلة ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ واتقوا الله ما استطعتم. "والحائض لا تصلي ولا تصوم" لما ورد في ذلك من الأدلة الصحيحة كحديث: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم"؟ وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد وهو مجمع عليه وكان هذا شأن الحائض في زمن النبوة وأيام الصحابة فمن بعدهم أنها تدع الصلاة والصوم أيام حيضتها وتقضي الصوم لا الصلاة بعد طهرها ولم يخالف في ذلك غير الخوارج ولا ريب أن القضاء إن كان بدليل الأصل كما ذهب إليه البعض فلا وجوب للأصل ههنا ولا دليل عليه في حال الحيض وإن كان بدليل جديد غير دليل المقضي فلم يقم في الصلاة وقام في الصيام فطاح القياس وذهب الإلزام, وأما كونها لا توطأ حتى تغتسل بعد الطهر فذلك نص الكتاب العزيز قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ والأحاديث في ذلك كثيرة منها قوله صلى الله وسلم عليه: "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" وهو في الصحيح وهو مجمع على تحريم ذلك ليس فيه خلاف وتحريم الصلاة والصوم على الحائض كما تقدم وكذلك وطؤها هو إلى غاية هي الغسل بعد الطهر كما صرحت بذلك الأدلة. وأما كونها "تقضي الصيام" فلحديث عائشة بلفظ: فنؤمر بقضاء الصيام ولا نؤمر بقضاء الصلاة, وهو في الصحيحين وغيرهما وقد نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع المسلمين على ذلك وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبون على الحائض قضاء الصلاة ولا يقدح في إجماع الأمة مخالفة هؤلاء الذين هم كلاب النار.
فصل "والنفاس أكثره أربعون يوماً" لحديث أم سلمة قالت: كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله وسلم عليه أربعين يوماً. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والدارقطني والحاكم وللحديث طرق يقوي بعضها بعضا وإلى ذلك ذهب الجمهور وقد قيل إن أكثره ستون يوماً وقيل سبعون يوماً وقيل خمسون وقيل نيف وعشرون والحق الأول وهذا القدر هو أرجح ما قيل لأن ما عداه خال عن الدليل.
وأما كونه لا حد لأقله فلم يأت في ذلك دليل بل ما دام الدم باقياً
стр. 71
كانت المرأة نفساء فإن انقطع قبل الأربعين انقطع عنها حكم النفاس فإن جاوز دمها الأربعين عاملت نفسها معاملة المستحاضة إذا جاوزت أيام العادة المتقررة, وهو أي النفاس كالحيض في تحريم الوطأ وترك الصلاة والصيام ولا خلاف في ذلك وكذلك لا تقضي النفساء الصلاة, وفي رواية لأبي داود من حديث أم سلمة قالت: كانت المرأة من نساء النبي صلى الله وسلم عليه تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقضاء صلاة النفاس, وقد تقدم الإجماع على ذلك في الحائض وهو في النفاس إجماع كذلك ولعل الخوارج يخالفون ههنا كما خالفوا هنالك ولا يُعتد بهم.
стр. 72
كتاب الصلاة
مقدمة
...
كتاب الصلاة
قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والأمر بمطلق الصلاة إنما يفيد الإتيان بها في زمان ومكان من دون تعيين لأن مطلق الزمان والمكان من ضروريات الفعل, وأما الوقت الخاص الذي شرع الله فيه الصلاة وكذلك كونها على هيئة مخصومة مع شروط محصورة فهذا لا دلالة للآية عليه بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ولم يدل على ذلك إلا السنة الثابتة عنه صلى الله وسلم عليه قولاً وفعلاً وليس في القرآن من ذلك إلا النادر القليل كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ فإنه في هذه الآية ذكر الوضوء وهو شرط من شروط الصلاة وقيد الأمر به بالقيام إليها فكان ذلك مقيداً لوجوب الفعل ولا بد للشرطية من دليل أخص من ذلك وقد ورد في السنة ما يفيد الشرطية وكذلك ورد في القرآن ذكر بعض هيآت الصلاة كالسجود والركوع ولكن بدون ذكر صفة ولا عدد ولا كون ذلك في الموضع الذي بينته السنة المطهرة, "أول وقت الظهر" تعيين أول الأوقات وآخرها قد ثبت في الأحاديث الصحيحة من تعليم جبرائيل ﵇ له صلى الله وسلم عليه ومن تعليمه صلى الله وسلم عليه لمن سأله وغير ذلك من أقواله وأفعاله. "الزوال" أي زوال الشمس ويبين ذلك باخضرار الجدار إلى جهة الشرق يعرفه كل ذي عينين. "وآخره مصير ظل الشيء مثله سوى فيء الزوال" فإن قلت: أخرج النسائي وأبو داود
стр. 73
من حديث ابن مسعود: كان قدر صلاة رسول الله صلى الله وسلم عليه في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام. قلت: إنهم حملوه على الإبراد كما قاله ابن العربي المالكي في القبس وتبعه الحافظ السيوطي وأنه حديث قد قُدح فيه فإنه من رواية عبيدة بن حميد الطيبي الكوفي عن أبي مالك سعد بن طارق عن كثير بن مدرك عن الأسود وفي عبيدة وشيخه سعد خلاف ففي الميزان في ترجمة سعد وثقه أحمد وابن معين وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه في القبول وقد ضعف عبد الحق حديث تقدير صلاة رسول الله صلى الله وسلم عليه بالأقدام في الشتاء والصيف والعجب من الحافظ ابن الحجر في التلخيص لم يتكلم على لفظ الحديث ولا سنده وذكر كلام ابن العربي وأبطله السيد محمد الأمير في اليواقيت نعم أيام الشتاء يحسن التأني بالظهر حتى يحصل ظن أن الشمس لو كانت في كبد السماء أن قد زالت لأنه يدرك بالحس والمشاهدة إذا كانت من جهة الجنوب لأن ظلها يزداد في جهة الشرق زيادة كثيرة لكن لا إلى الحد الذي يقدّر بالأقدام وغايته أن ينظر في أمارات تحصل الظن بالزوال وأهل الأقدام ليس معهم إلا الظن لا غير وليس أحد مخاطباً بظن غيره بل بظن نفسه فتأمل. وهو أول وقت العصر أي صيرورة ظله مثله قال ابن القيم: وأنهم كانوا يصلونها مع النبي صلى الله وسلم عليه ثم يذهب أحدهم إلى العوالي قدر أربعة أميال والشمس مرتفعة١, وقال أنس صلى بنا رسول الله صلى الله وسلم عليه العصر فأتاه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله: إنا نريد أن ننحر جزوراً وإنا نحب أن تحضرها. قال: "نعم" فانطلق وانطلقنا معه فوجد الجزور لم تُنحر فنحرت ثم قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس٢, ومحال أن يكون هذا بعد المثلين وفي صحيح مسلم عنه: "وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر" ٣ , ولا معارض لهذه السنن في الصحة ولا في الصراحة والبيان فرُدّت بالمجمل من قوله صلى الله وسلم عليه: "ومثل أهل الكتاب قبلكم كمثل رجل استأجر أجيراً فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط"
стр. 74
الخ ويا لله العجب أي دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل مثلين بنوع من أنواع الدلالة وإنما يدل على أن من صلاة العصر إلى غروب الشمس أقصر من نصف النهار إلى وقت العصر وهذا لا ريب فيه انتهى. وآخره أي آخر وقت العصر صيرورة ظله مثليه قال الشافعي: آخر الوقت المختار للعصر أن يكون ظل كل شيء مثليه وقيل: إلى أن تصفر الشمس وآخر وقت الضرورة مغيب الشمس كذا في المسوى وفي الحجة البالغة وكثير من الأحاديث يدل على أن آخر وقت العصر أن تتغير الشمس وهو الذي أطبق عليه الفقهاء فلعل المثلين بيان لآخر الوقت المختار والذي يستحب فيه أو نقول لعل الشرع نظر أولاً إلى المقصود من اشتقاق العصر أن يكون الفصل بين كل صلاتين نحواً من ربع النهار فجعل الأمد الآخر بلوغ الظل إلى المثلين ثم ظهر من حوائجهم وأشغالهم ما يوجب الحكم بزيادة الأمد وأيضا معرفة ذلك الحد تحتاج إلى ضرب من التأمل وحفظ الفيء الأصلي ورصد وإنما ينبغي أن يُخاطب الناس في مثل ذلك بما هو محسوس ظاهر فنفث الله تعالى في روعه صلى الله وسلم عليه أن يجعل الأمد تغيير قرص الشمس أو ضوئها والله تعالى أعلم. "مادامت الشمس بيضاء نقية" فإذا اصفرت خرج وقت العصر لما ورد في ذلك من الأحاديث منها حديث ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى وسلم عليه: "وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور١ الشفق ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس". أخرجه مسلم وأحمد والنسائي وأبو داود ولا يخالف ما وقع في هذا الحديث في آخر وقت العصر والعشاء ما ورد في بعض الأحاديث أن آخر وقت العصر مصير ظل الشيء مثليه وآخر وقت العشاء ذهاب ثلث الليل. فإن هذا الحديث قد تضمن زيادة غير منافية للأصل لأن وقت اصفرار الشمس هو متأخر عن المثلين إذ هي تبقى بيضاء نقية بعد المثلين وكذلك نصف الليل هو متضمن لزيادة غير منافية لما وقع في رواية بلفظ ثلث الليل على أن الرواية المتضمنة للزيادتين
стр. 75
هي أصح من الأخرى١. وأول وقت المغرب غروب الشمس أي سقوط القرص وهو وقت الاختيار الذي يجوز أن يصلى فيه من غير كراهية والعمدة فيه حديثان: حديث جبرائيل ﵇ فإنه صلى بالنبي صلى الله وسلم عليه يومين وحديث بريدة ففيه أنه صلى الله وسلم عليه أجاب السائل عنها أي عن الأوقات بأن صلى يومين والمفسر منهما قاض على المبهم وما اختلف يتبع فيه حديث بريدة لأنه مدني متأخر والأول مكي متقدم وإنما يتبع الآخر كذا في الحجة. "وآخره ذهاب الشفق الأحمر" جميع كتب اللغة مصرحة بهذا وجميع أشعار العرب ومن بعدهم زعم أن الشفق في لسان أهل اللغة أو لسان أهل الشرع يطلق على البياض فعليه الدليل ولا دليل ولو فُرض وجود ما يدل على ذلك فلا يُنكر ندوره كما لا ينكر أن الشائع في لسان العرب وأهل الشرع وإطلاقه على الحمرة والحمل على الأعم الأغلب هو الواجب ولا يُحمل على النادر فليس ههنا ما يسوغ اختلاف المذاهب قال ابن القيم رح تعالى: امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر وقد تقدم وفي صحيحه أيضا عن أبي موسى أن سائلا سأل رسول الله صلى الله وسلم عليه عن المواقيت فذكر الحديث وفيه: فأمره فأقام المغرب حين وجبت الشمس فلما كان اليوم الثاني قال: ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق ثم قال: الوقت ما بين هذين. وهذا متأخر عن حديث جبرائيل ﵇ لأنه كان بمكة وهذا قول وذلك فعل وهذا يدل على الجواز وذلك على الاستحباب وهذا في الصحيح وهذا في السنن وهذا يوافق قوله صلى الله وسلم عليه: "وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي بعدها" وإنما خُص منه الفجر بالإجماع فما عداها من الصلوات داخل في عمومه والفعل إنما يدل على الاستحباب فلا يعارض العام ولا الخالص. "وهو" أي ذهاب