المجلد الأول
مقدمة
...
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيراً.
أما بعد: فإن القرآن الكريم كلام الله الذي أنزله على قلب نبيه محمد ﷺ ليكون للعالمين نذيراً، وهو هدى ونور وشفاء لما في الصدور، كما أنه المصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي. لذا كان من مهمة الرسول ﷺ بيانه للناس، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤] .
وكان النبي ﷺ قد بيّن لأصحابه معاني القرآن الكريم، كما بيّن لهم ألفاظه١. ثم إن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - إذا أشكل عليهم فهم شيء من القرآن، سألوه، فيفسره لهم. كما أنهم - أي الصحابة – كانوا
стр. 2
يفسرون القرآن لتلامذتهم من التابعين١، فنشروا ما علموه بحكمة وصيانة مع التحري والتدقيق.
وهذا اللون من التفسير هو المسمى بالتفسير بالمأثور، فهو إذاً تفسير القرآن بالقرآن، وبما أثر عن النبي ﷺ وصحابته والتابعين بما يتعلق بتفسير القرآن الكريم. وقد دونّ العلماء الذين جاءوا في عصر التابعين ومن بعدهم تلك التفاسير في مصنفاتهم، منهم من أفردها بالتصنيف، ومنهم من جمعها مع السنة٢.
стр. 3
فكان الإمام البخاري ﵀ ممن تصدى لتدوين سنة المصطفى ﷺ ، بل كان أول من أفرد الحديث الصحيح في مؤلف. وأفرد في مصنفه هذا كتابا في التفسير أيضا، كما أورد روايات وأحاديث تتعلق بتفسير بعض الآيات في كتب وأبواب أخرى من هذا الجامع الذي سماه "الجامع الصحيح"، فلا يكاد يخلو كتاب من كتبه أو باب من أبوابه مما له تعلق بتفسير آية قرآنية.
وقد تصدى جمع من العلماء لشرح هذا الجامع، وإيضاح ما خفي على الأذهان مما أودع فيه، منهم شيخ الإسلام في الحديث العلامة الحافظ ابن حجر ﵀، فكان شرحه لصحيح البخاري من أجل الشروح، بل هو أجلها وأشملها وأنفعها.
ولا شك أن شرحه هذا الذي سمّاه بـ "فتح الباري" يعد موسوعة كبيرة في المعارف الإسلامية عموما؛ فإن الحافظ ابن حجر ﵀ قد أودع فيه علوما شتى ونافعة، لا نكاد نجد مثله في كتاب آخر، كما أنه يعتبر أكبر وأجمع ما ألفه ابن حجر. وهذا ليس بغريب؛ إذ أنه قضى في تأليفه خمسة وعشرين سنة، من بداية سنة٨١٧هـ إلى ٨٤٢هـ، وكان جمعه للمقدمة في سنة٨١٣هـ١. ففيه
стр. 4
مباحث فقهية قيمة، وفيه بيان لخفايا علم الرجال، وكشف عن مبهمات الحديث في المتن والإسناد، ومباحث لغوية مفيدة، كما فيه شرح لعدد من الآيات القرآنية.
ولقد نقل ابن حجر في هذا الكتاب العظيم روايات ونصوصا كثيرة في التفسير، من عدد من الكتب القيمة في التفسير والتي لا تزال في عداد المفقود، ومن تلك التفاسير المفقودة والتي نقل عنها ابن حجر:
تفسير الفريابي، وتفسير عبد بن حميد، وتفسير سفيان بن عيينة، وتفسير ابن المنذر، وتفسير إسحاق بن راهويه، وتفسير سنيد، وتفسير ابن مردويه، وأحكام القرآن لأبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي، وتفسير أبي الشيخ الأصبهاني وغيرها من التفاسير١.
وهذه الروايات الكثيرة التي نقلها ابن حجر من تلك الكتب منثورة في ثنايا هذا الكتاب. لذا عزمت على جمع تلك الروايات في مكان واحد وترتيبها وتخريجها وبيان درجتها من الصحة، في سبيل خدمة هذا الكتاب الجليل، وتسهيلا للباحثين. وذلك في رسالتي لإعداد مرحلة الدكتوراه بعنوان:
"الروايات التفسيرية في فتح الباري جمعًا ودراسةً".
стр. 5
أسباب اختيار الموضوع:
هناك أسباب ودوافع دفعتني لاختيار هذا الموضوع - غير ما ذكر -، وأهمها ما يلي:
١- مكانة الحافظ ابن حجر وشهرته ومنزلته عند العلماء، فهو "الحافظ المتقن الضابط الثقة المأمون" هكذا وصفه شيخه الحافظ العراقي١، وكذلك قيمة كتابه "فتح الباري" لدى العلماء وطلاب العلم٢، من الأسباب التي دفعتني أيضا إلى اختيار هذا الموضوع. فهذا الكتاب - أعني فتح الباري - يعتبر أنفع كتبه على الإطلاق. ورغم أنه مطبوع عدة مرات، فإنه مازال بحاجة إلى دراسته من جوانب عدة. فهذا الموضوع يبحث في جانب من أهم جوانب هذا الكتاب، ألا وهو دراسة الروايات التفسيرية فيه؛ فإنه غزير بهذه المادة، إذ زاد عدد الروايات التفسيرية فيه على [٣٥٠٠] رواية. فجمع تلك الروايات وتخريجها ودراستها يعتبر إسهاما في خدمة هذا الكتاب العظيم.
٢- تشجيع بعض الأفاضل من الأساتذة، فقد كنت أبحث عن موضوع يصلح أن يكون أطروحة لمرحلة الدكتوراه، أشار عليّ أستاذي الفاضل فضيلة الأستاذ الدكتور/ حكمت بشير ياسين، بجمع الروايات التفسيرية التي وقعت في كتاب فتح الباري ودراستها، وفي بادئ الأمر كنت أتهيب له بسبب كبر حجم هذا الموضوع، ولكنه - حفظه الله - أقنعني بأهمية هذا الموضوع وبجدوى العمل فيه، فانشرح صدري لذلك، وأقدمت عليه مستعينًا بالله.
стр. 6
٣- أثناء عملي في رسالة الماجستير، جمعت مرويات ابن مردويه في التفسير من فتح الباري بالاشتراك مع الزملاء، فكنت أقرأ في هذا الكتاب العظيم، فقد ازداد شوقي لمزيد من الاطلاع على هذا الكتاب، فكنت أقرأ فيه، فلا أمرّ على سطر إلا وأرى أنه مفيد للغاية، ولم أر فيه أي استطراد ليس في مكانه.
٤- لما كنت أحضر رسالة الماجستير، أشار عليّ بعض الزملاء في اختيار موضوع للمرحلة القادمة، يشمل تفسير كل سور القرآن الكريم، فمن ذلك الوقت وقع في نفسي ذلك، فرأيت أن هذا الموضوع سوف يأخذني للاطلاع على تفسير كل سور القرآن.
٥- رغبتي الشديدة في دراسة الروايات التي تتعلق بتفسير القرآن، فمنذ أن حضّرت رسالة الماجستير المشار إليه آنفا، زدت رغبة في هذا الجانب، فقد تيقنت منذ ذلك الحين، أن الطريق الصحيح لمعرفة تفسير القرآن الكريم هو ما صح عن الرسول ﷺ وسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين.
فهذه هي أهم الأسباب التي دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع.
стр. 7
خطة البحث:
تتكون خطة البحث من مقدمة وبابين وخاتمة وفهارس:
المقدمة، وقد تضمنت ما يلي:
- أهمية الموضوع.
- أسباب اختياره.
- عرض الخطة المرسومة للبحث.
- توضيح منهج الكتابة فيه.
- كلمة شكر وتقدير.
الباب الأول: دراسة حياة الحافظ ابن حجر - باختصار - وكتابه فتح الباري، وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: ترجمة الحافظ ابن حجر، وفيه أحد عشر مبحثا:
المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه.
المبحث الثاني: مولده.
المبحث الثالث: نشأته وأسرته.
المبحث الرابع: نشأته العلمية وطلبه للعلم.
المبحث الخامس: رحلاته العلمية.
المبحث السادس: شيوخه.
المبحث السابع: تلاميذه.
المبحث الثامن: مذهبه.
المبحث التاسع: آثاره العلمية.
المبحث العاشر: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث الحادي عشر: وفاته.
стр. 8
الفصل الثاني: دراسة فتح الباري، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: منهج ابن حجر في فتح الباري عموما.
المبحث الثاني: منهجه في تفسير الآيات القرآنية.
المبحث الثالث: قيمة فتح الباري العلمية وثناء العلماء عليه.
الفصل الثالث: جهود ابن حجر في تفسير القرآن الكريم وعلومه، من خلال كتابه فتح الباري، وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: تفسيره للقرآن بالقرآن.
المبحث الثاني: تفسيره للقرآن بالسنة.
المبحث الثالث: تفسيره للقرآن بأقوال الصحابة.
المبحث الرابع: عنايته بأسباب النزول.
المبحث الخامس: تناوله لقضايا النسخ.
المبحث السادس: ذكره للقراءات.
المبحث السابع: بيانه لغريب القرآن.
الفصل الرابع: دراسة الروايات التفسيرية في فتح الباري، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: منهجه في سياق الروايات التفسيرية.
المبحث الثاني: نقده للروايات والحكم عليها.
المبحث الثالث: عزوه للمصادر.
المبحث الرابع: موارده في الروايات التفسيرية.
الباب الثاني: الروايات التفسيرية في فتح الباري، وقد رتبتها حسب الآيات والسور القرآنية.
الخاتمة، ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها خلال البحث.
стр. 9
الفهارس، عملت فهارس متنوعة، تسهيلا للباحث الكشف عن مراده. وهي كالتالي:
١- فهرس الآيات المستشهد بها.
٢- فهرس الأحاديث.
٣- فهرس الآثار الموقوفة والمقطوعة.
٤- فهرس الأعلام المترجم لهم.
٥- فهرس الأماكن والبقاع.
٦- فهرس القبائل والشعوب.
٧- فهرس الفرق.
٨- فهرس المصادر والمراجع.
٩- فهرس الموضوعات.
منهج الكتابة فيه:
هذا وقد سلكت في هذه الرسالة المنهج الآتي:
- تتبعت الرواياتِ التفسيريةَ في "فتح الباري" من أوله إلى آخره، سطرا سطرا، وذلك من خلال القراءة المتأنية للكتاب، وكلما وجدت رواية تفسيرية كنت أحددها، ثم دوّنت تلك الروايات في أوراق، كل رواية في ورقة مستقلة، مع الإشارة إلى مكانها في فتح الباري، مع ترك فراغ أسفل الصفحة للتعليق عليها. ثم عنونت كل ورقة منها بعنوان، وذلك بكتابة الآية ورقمها واسم السورة، وهذا العمل قد استغرق منّي وقت طويل، وذلك بسبب تشتت مظان تلك الروايات، وتقطيع الحافظ ابن حجر لها، الأمر الذي يجعل الإنسان محتاراً في كيفية التعامل مع هذه الآثار المتقطعة، بالإضافة إلى
стр. 10
ذلك ما واجهني من أشغال خارجة عن إرادتي، فقد قضيت في هذا الجمع ما يقارب سنة كاملة.
ثم رتبت تلك الروايات حسب ترتيب السور والآيات في القرآن الكريم. وإذا وردت روايات متعددة في تفسير آية واحدة، فإني أراعي تقديم الأصح إلا أن يكون سياق ابن حجر لها على نسق لو قُدِّم أو أُخِّر يخل بالمعنى؛ فإن ابن حجر لا يورد جميع الروايات بكاملها غالبا؛ وإنما يورد رواية ثم يقول وعن غيره نحوه، أو وعند غيره زيادة كذا ونحو ذلك من العبارات. ففي هذه الحالة قد تكون رواية الغير هذه أقل درجة في الصحة من التي أورد بعدها، ولكن أضطر أن أسوقها كما أوردها.
وإذا وجدت رواية مكررة، أوردها ابن حجر في أكثر من موضع، فإن كان التكرار باللفظ، نقلتها من أول مكان ورد فيه، ثم أشرت إلى الأماكن الأخرى التي وردت فيها في الحاشية، وإن كان هناك اختلاف في اللفظ، حيث أوردها في مكان باختصار، ثم أوردها في مكان آخر بأطول من ذلك، أو أوردها من غير إسناد، ثم أوردها بالإسناد في مكان آخر، أو حكم عليها في مكان، ولم يحكم عليها في مكان آخر، فأختار الأكمل، والأشمل للحكم، أو الرواية، ثم أشير إلى الأماكن الأخرى في الحاشية. ثم رقمت الروايات بعد هذه التصفية.
- وكتبت في رأس الصفحة اسم السورة التي تناول البحث فيه كعنوان، تسهيلا للقارئ عن البحث عن أي سورة أراد البحث فيه.
- وذكرت الآية القرآنية التي تتناول تفسيرها قبل الرواية، مع رقمها، وذلك تسهيلا للبحث عنها أيضا.
- والتزمت رسم المصحف في كتابة الآيات القرآنية.
стр. 11
منهج تخريج الروايات: تتبعت في تخريج الروايات المنهج الآتي:
- خرجت الروايات من كتب الحديث المعتمدة الأصلية وكتب التفسير المسندة، كتفسير عبد الرزاق، وتفسير سعيد بن منصور - وهو جزء من سننه -، وتفسير آدم ابن أبي إياس المنسوب إلى مجاهد، ومعاني القرآن للفراء والزجاج والنحاس، وتفسير النسائي - وهو جزء من السنن الكبرى - وتفسير الطبري وتفسير إسحاق بن إبراهيم البستي، وتفسير ابن أبي حاتم، وتفسير البغوي، وكتب نواسخ القرآن، وأسباب النزول، وفضائل القرآن المذكورة في قائمة المصادر والمراجع في آخر هذه الرسالة، محاولاً خلال ذلك الوصول إلى معرفة درجة الرواية من الصحة - قدر الاستطاعة - اعتماداً في ذلك على أقوال الأئمة النقاد المعتبرين من المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين.
- وإذا لم أجد له تخريجا في المصادر المعتمدة، فإني قد أذكر شاهداً، أو شواهد له إن وجدت أو تقدمت، أو أذكر من فسر به من المفسرين، وأوردوها في كتبهم من غير إسناد كابن الجوزي في زاد المسير والقرطبي في تفسيره وابن كثير في تفسيره والسيوطي في الدر المنثور وغيرهم، وإذا لم أجد شيئا سكت عنه أو قلت: لم أجده أو لم أقف على تخريج له أو لم أقف على من ذكره ونحو ذلك.
- إذا نسب ابن حجر إلى مصدر بعينه، فإني - في الأغلب - أخرج منه مع ذكر إسناده كاملا إلا إذا كان الإسناد مما يتكرر عنده؛ فإني في هذه الحالة ذكرت إسناده في المقدمة، ولا أذكر ذلك كل ما تكرر، وذلك تجنبا للتكرار.
- وإذا نسبه إلى أكثر من مصدر، فإني في هذه الحالة أخرجه من تلك المصادر إن وجدت أو من غيرها من مصادر التخريج.
стр. 12
- إذا كان الحديث في صحيح مسلم أكتفي بتخريجه منه. إلا إذا نسبه إلى غيره، واللفظ المذكور عند ذلك الغير فإني أخرجه منه أيضا مع الإشارة إلى مكانه في صحيح مسلم.
- إذا علق البخاري الحديث عن صحابي أو تابعي، وذكر ابن حجر الذي أوصله، فإني أشير إلى تعليق البخاري في أول التخريج، ثم أتبعه بتخريجه من المصادر التي عزاه ابن حجر إليها ومن غيرها إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وإذا كان هذا المصدر مما هو مفقود أو في حكم المفقود، أو لم أعثر عليه، فأرجع إلى كتاب "تغليق التعليق" لابن حجر، فإنه أورد فيه ما علقه البخاري، ثم أوصلها بالإسناد.
- ترجمت لرجال الأسانيد الذين أوردهم ابن حجر، أما الذين وردت أسماؤهم في السند، ولم يذكرهم ابن حجر في الفتح، فلم أترجم لهم إلا في بعض الحالات مثل أن يكون هناك تصحيف أو أن الراوي لم يكن معروفا أو مشهورا أو ممن تكلم فيه جرحا، ونحو ذلك مما تدعو الحاجة إلى ترجمته فإني ترجمت له باختصار.
- عزوت الآيات المستشهد بها، وذلك بذكر اسم السورة، ورقم الآية.
- شرحت الكلمات الغريبة الواردة في الروايات، وعرفت بالأماكن والبقاع الواردة في الروايات،. وعرفت بالفرق الواردة في الروايات وهي قليلة جداً.
- ما وقع من التصحيف في بعض أسماء الرواة أثبت الصحيح ثم أشرت إلى ذلك في الحاشية.
- صححت الأخطاء التي وقعت في الآيات، من غير إشارة إلى ذلك.
- دراسة بعض الأسانيد والطرق المتكررة في هذه الرسالة.
стр. 13
لما رأيت أن جلّ المادة العلمية في هذا الكتاب كانت عن الصحابة والتابعين، كأمثال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، وأن كثيراً منها جاءت بأسانيد قد تتكرر عشرات المرات، ولما رأيت ذلك أحببت أن أسجل نبذة عن بعض تلك الأسانيد التي تكررت، في هذه المقدمة، وذلك تجنبا للتكرار١.
وأبدأ بأكثرها تكراراً، فأقول:
أولا: الأسانيد عن ابن عباس ﵁:
ويعتبر عبد الله بن عباس ﵁ أكثر الصحابة تفسيراً للقرآن، ولذا كان اعتماد ابن حجر على ما روي عنه كبيراً حيث بلغ عدد الروايات التفسيرية عنه في هذا الكتاب ٩٣٦ رواية، من بين ٣٥٤١ رواية.
وقد روى جمع غفير من التابعين عن ابن عباس ﵁. وأكثرها تكرارا في هذا الكتاب:
١- طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁.
وهي صحيفة مشهورة تداولها العلماء، فقد اعتمد عليها الإمام البخاري كثيراً في التراجم وغيرها، ولكنه لا يسميها بل يقول: قال ابن عباس أو يُذكر عن ابن عباس.
وعلي بن أبي طلحة: مولى بني العباس، أرسل عن ابن عباس ﵁
стр. 14
ولم يره، وقد تُكلم في روايته عن ابن عباس ﵁ بأنه لم يسمع منه. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سمعت دحيما يقول: إن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس ﵁ التفسير١.
وقد أجاب عن ذلك أبو جعفر النحاس فقال: والذي يطعن في إسناده يقول: ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس ﵁ وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وعكرمة، وهذا القول لا يوجب طعنا؛ لأنه أخذه عن رجلين ثقتين وهو في نفسه ثقة صدوق. اهـ٢.
وذكر ابن حجر في العجاب الرواة الثقات عن ابن عباس ﵁ فقال: وعلي صدوق لم يلق ابن عباس ﵁، لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة٣.
ونقل السيوطي عن ابن حجر أنه قال: بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة فلا ضير في ذلك٤.
وروى أبو جعفر النحاس بإسناده عن الإمام أحمد قال: بمصر صحيفة تفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيراً٥. ونقل ابن حجر العبارة عن معاني القرآن، ثم قال: وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن صالح،
стр. 15
عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁، وهي عند البخاري عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في صحيحه هذا كثيراً، وهي عند الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح. اهـ١.
ويقول الدكتور محمد كامل حسين "نستطيع أن نقول: "إن صحيفة علي ابن أبي طلحة في تفسير القرآن الكريم، هي من أقدم الروايات التي دوّنت عن ابن عباس ﵁، وإن هذه الرواية من أصحّ الطرق عنه، وإن البخاري، وابن جرير الطبري وغيرهما نقلوا هذه الصحيفة في كتبهم، ومجمل القول: إن هذه الطريق من أصحّ الطرق في التفسير، عن ابن عباس ﵄"٢.
٢- طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁.
وهي من الطرق الصحيحة على شرط الشيخين. قال السيوطي: ومن جيّد الطرق عن ابن عباس طريق قيس، عن عطاء بن السائب، عن سعيد ابن جبير، عنه؛ وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين. وكثيراً ما يخرج منها الفريابي، والحاكم في مستدركه٣.
٣- طريق سعيد بن جبير:
ومِن أكثر مَن روى عنه محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير. قال ابن حجر: هكذا بالشك، ولا يضر لكونه يدور على ثقة، وقد ذكر هذا الإسناد في مقدمة العجاب في بيان الأسباب ضمن أسانيد الثقات عن ابن عباس، فقال: والذين اشتهر عنهم القول في ذلك من التابعين أصحاب ابن عباس وفيهم ثقات وضعفاء، فمن الثقات مجاهد ابن جبر ويروي
стр. 16
التفسير من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، والطريق إلى ابن أبي نجيح قوية فإذا ورد عن غيره بينته، ومنهم عكرمة ويروى التفسير عنه من طريق الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عنه، ومن طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير - هكذا بالشك - ولا يضر لكونه يدور على ثقة ... ثم ذكر طريق علي بن أبي طلحة وعطاء بن أبي رباح ثم قال: ومن روايات الضعفاء فساقها ... ١. وقد حسّنه في فتح الباري٢. كما حسّنه السيوطي في لباب النقول في أسباب النزول٣ وقال في الإتقان٤: وهي طريق جيدة وإسنادها حسن.
بينما قال عنه الإمام الذهبي: لا يعرف٥ وفي الكاشف: وُثّق. وقال الحافظ ابن حجر٦ مجهول. وسكت عنه البخاري وابن أبي حاتم٧ وذكره ابن حبان في الثقات٨. وقال الشيخ أحمد شاكر عن توثيق ابن حبان: وكفى بذلك معرفة وتوثيقا٩.
وقد درس فضيلة الأستاذ الدكتور/ حكمت بشير هذا الإسناد في مقدمة موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور هذا الإسناد، وحشد ما تقدم من أقوال النقاد، ثم حسّنه إعتمادا عليها، وذكر أيضا: أن الإمام
стр. 17
الطبري قد اعتمد على هذا الإسناد ورجّحه، وأن الحافظ ابن كثير صحّحه، وأن أبا داود روى له، وأنه يروي عن كتب، كتفسير سعيد بن جبير وعكرمة وأن جميع هذه الروايات في المغازي وهي مغازي ابن إسحاق، وقد تقبلتها الأمة. وأن ابن حبان ذكره في الثقات، وكذا قال عنه الإمام الذهبي في الكاشف: وُثِّق. وقد اعتمده الحافظ ابن حجر والهيثمي والسيوطي، وكذلك اعتبر الشيخ محمد نسيب الرفاعي الذي اختصر تفسير ابن كثير هذا الإسناد من الأسانيد الثابتة حيث ذكر في مقدمة مختصره شرطه أنه يختار أصحّ الأقوال ولا يسوق الروايات الضعيفة والموضوعة، وأكثر النقل بهذا الإسناد١.
٤- طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ﵁.
وأكثر مَن روى مِن هذه الطريق عبد الملك بن جريج، لكن فيما يتعلق بالبقرة وآل عمران، وما عدا ذلك يكون عطاء هو الخرساني، وهو لم يسمع من ابن عباس، فيكون منقطعا، إلا إن صرح ابن جريج بأنه عطاء ابن أبي رباح. وقد ذكر ابن حجر هذا الإسناد ضمن أسانيد الثقات عن ابن عباس٢.
ومن الطرق الضعيفة عن ابن عباس ﵁:
١- طريق محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵁.
والكلبي ضعيف متهم بالكذب. قال ابن حجر: ومن روايات الضعفاء عن ابن عباس: التفسير المنسوب لأبي النضر محمد بن السائب الكلبي، فإنه
стр. 18
يرويه عن أبي صالح، وهو مولى أم هانئ عن ابن عباس ﵁، والكلبي اتهموه بالكذب، وقد مرض فقال لأصحابه في مرضه: كل شيء حدثتكم عن أبي صالح كذب١.
٢- طريق جويبر بن سعيد عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس ﵁.
والضحاك: صدوق كثير الإرسال، وقد وثقه الإمام أحمد وأبو زرعة وغيره.
ولكنه لم يسمع من ابن عباس ﵁. قال ابن حجر: صدوق كثير الإرسال، وفي سماعه من ابن عباس ﵁ وغيره من الصحابة نظر. وقد أنكر سماعه من ابن عباس شعبة وأبو حاتم وأبو زرعة. وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن عبد الملك بن ميسرة قال: قلت للضحاك سمعت من ابن عباس؟ قال: لا. قلت: فهذا الذي تروي عمن أخذته؟ قال: عنك وعن ذا وعن ذا. وقال عبد الملك أيضا: الضحاك لم يلق ابن عباس، وإنما لقي سعيد بن جبير بالري فأخذ عنه التفسير. وروى ابن أبي حاتم بسنده عن مشاش قال: قلت للضحاك سمعت من ابن عباس شيئا؟ قال: لا. قلت: رأيته؟ قال: لا.
هذا وخالف أبو جناب الكلبي الضعيف المدلس، الثقات حيث روى عن الضحاك أنه قال: جاورت ابن عباس سبع سنين. فلا ينظر إلى مثله٢.
٣- طريق عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵁.
وعطاء هو ابن أبي مسلم أبو عثمان الخراساني، صدوق يهم كثيراً،
стр. 19
ويرسل ويدلّس، مات سنة خمس وثلاثين ومائة١، وقد أورد ابن حجر هذا الطريق ضمن الطرق الضعيفة عن ابن عباس، حيث قال: ومنهم عثمان بن عطاء الخراساني: يروي التفسير عن أبيه، عن ابن عباس، ولم يسمع أبوه من ابن عباس٢، وعثمان ضعيف٣.
٤- طريق عطية العوفي عن ابن عباس ﵁.
وهو عطية بن سعد بن جنادة العوفي، أبو الحسن، ضعيف، يدلس، ويخطئ كثيرا، رمي بالتشيع. ضعفه أحمد والثوري ويحيى وهشيم وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي وأبو داود والساجي. قال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به ولا كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. وقال الذهبي: تابعي شهير ضعيف٤.
٥- طريق عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁.
وقد ذكر ابن حجر هذه الطريق ضمن الطرق الضعيفة عن ابن عباس، حيث قال: ومنهم عطاء بن دينار، وفيه لين. روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس تفسيراً، رواه عنه ابن لهيعة وهو ضعيف٥.
٦- طريق يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد عن ابن عباسرضي الله عنه.
ويزيد بن أبي زياد هذا مختلف فيه، قال ابن حجر: ضعيف، كبر فتغير وصار يتلقن، وكان شيعيا، وقد روى له مسلم إلا أن رواية مسلم عنه
стр. 20
كانت مقرونة١.
٧- طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة.
أورد الحافظ ابن حجر هذا الطريق ضمن روايات الضعفاء، حيث قال: ومنهم إبراهيم بن الحكم بن أبان العدني: وهو ضعيف يروي التفسير عن أبيه، عن عكرمة، وإنما ضعفوه لأنه وصل كثيراً من الأحاديث بذكر ابن عباس، وقد روى عنه تفسيرَه عبدُ بن حميد. اهـ٢.
ثانيا: الإسناد عن قتادة بن دعامة السدوسي:
روي التفسير عن قتادة من طرق، وأكثرها ورودا في هذا الكتاب - وهي أشهرها -:
١- طريق معمر بن راشد الأزدي.
وأكثر من روى عنه التفسير عبد الرزاق، ذكره ابن حجر في الطرق الصحيحة في تفاسير التابعين٣.
٢- طريق سعيد بن أبي عروبة البصري.
روى الطبري في تفسيره من هذا الطريق كثيراً، وقد ذكره ابن حجر في الطرق الصحيحة في تفاسير التابعين٤.
٣- طريق شيبان بن عبد الرحمن النحوي.
روى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من هذا الطريق كثيراً،
стр. 21
وقد ذكره ابن حجر في الطرق الصحيحة في تفاسير التابعين١.
٤- طريق سعيد بن بشير الأزدي.
وهذا من الطرق الضعيفة عن قتادة، وسعيد بن بشير الأزدي أو البصري، يروي عن قتادة وغيره، وعنه الوليد بن مسلم وغيره، ضعيف، بل وصفه بعضهم بأنه منكر الحديث، يروي عن قتادة منكرات، مات سنة تسع وستين ومائة٢.
وقد روى من هذا الطريق ابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردويه وغيرهما.
ثالثا: الإسناد عن مجاهد بن جبر المخزومي.
وأشهر الطرق عنه طريق ابن أبي نجيح، وقد ذكره ابن حجر في الطرق الصحيحة في تفاسير التابعين؛ إذ يقول: والذين اشتهر عنهم القول في التفسير من التابعين أصحاب ابن عباس، وفيهم ثقات وضعفاء، فمن الثقات: مجاهد بن جبر، ومن الطرق التي يُروى التفسير عنه طريق ابن أبي نجيح، والطريق إلى ابن أبي نجيح قوية٣.
ومن الطرق إلى ابن أبي نجيح عن مجاهد:
١- طريق عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
٢- وطريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.
٣- وطريق شبل بن عباد عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وكلها طرق صحيحة٤.
стр. 22
رابعًا: الإسناد إلى أبي بن كعب ﵁.
وأكثر ما ورد عن أبي بن كعب من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي. وبعضه لا يسمي الربيع فوقه أحداً، وبعضه موقوفا على أبي العالية. وقد أورده ابن حجر ضمن الطرق الصحيحة في تفاسير التابعين١. وهذا إسناد حسن، وإن كان أبو جعفر الرازي صدوقا سيء الحفظ، وكذا الربيع بن أنس صدوقا له أوهام؛ لأن ما يرويه أبو جعفر ليس من حفظه وكذلك الربيع لا يرويه من حفظه، بل يرويان عن نسخة. وهي نسخة مشهورة. وقد حسّن الحافظ ابن حجر هذا الإسناد ٢، وأفاد منها كبار المصنفين وبعضهم حكم عليها بالصحة مثل السيوطي فقال: "وأما أبي بن كعب فعنه نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية عنه، وهذا إسناد صحيح، وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم منها كثيرا وكذا الحاكم في مستدركه وأحمد في مسنده"٣.
خامسا: تفسير السدي الكبير.
والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي. قال ابن حجر: وهو كوفي صدوق، لكنه جمع التفسير من طرق منها عن أبي صالح، عن ابن عباس،
стр. 23
وعن مُرّة بن شراحيل، عن ابن عباس، وعن ناس من الصحابة وغيرهم. وخلط روايات الجميع فلم تتميز رواية الثقة من الضعيف، ولم يلق السدي من الصحابة إلا أنس بن مالك١.
سادسا: تفسير زيد بن أسلم.
أورده ابن حجر ضمن تفاسير ضعفاء التابعين. حيث قال: ومن تفاسير ضعفاء التابعين فمَنْ بعدهم: تفسير زيد بن أسلم، من رواية ابنه عبد الرحمن، عنه. وهي نسخة كبيرة يرويها ابن وهب وغيره عن عبد الرحمن، عن أبيه، وعن غير أبيه. وفيها أشياء كثيرة لا يسندها لأحد. وعبد الرحمن من الضعفاء، وأبوه من الثقات٢.
سابعا: تفسير مقاتل بن سليمان الأزدي.
أورده أيضا ابن حجر ضمن تفاسير ضعفاء التابعين فمن بعدهم. قال ابن حجر: ومنها تفسير مقاتل بن سليمان، وقد نسبوه إلى الكذب، وقال الشافعي: مقاتل قاتله الله تعالى، وإنما قال الشافعي فيه ذلك؛ لأنه اشتهر عنه القول بالتجسم.
وروى تفسير مقاتل هذا عنه: أبو عصمة نوح بن أبي مريم الجامع، وقد نسبوه إلى الكذب.
ورواه أيضا عن مقاتل هذيل بن حبيب وهو ضعيف لكنه أصلح حالاً من أبي عصمة٣.
стр. 24
ثامنا: تفسير مقاتل بن حيان.
قال ابن حجر: وتفسير مقاتل بن حيان، من طريق محمد بن مزاحم، عن بكير ابن معروف، عنه، ومقاتل هذا صدوق. اهـ١.
تاسعا: تفسير سُنَيْد، واسمه الحسين بن داود.
وقد أورده ابن حجر ضمن تفاسير ضعفاء التابعين فمن بعدهم. وقال: "يروي عن حجاج بن محمد المصيصي كثيراً، عن أنظاره، وفيه لين"٢.
وهذا السند يتكرر عند ابن جرير كثيرا، وسُنيد، من حفاظ الحديث، وله تفسير مشهور. قال عنه ابن حجر في التقريب ١/٣٣٥: ضعيف مع إمامته ومعرفته، لكونه كان يلقن حجاج بن محمد شيخه.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: رأيت سنيداً عند حجاج بن محمد وهو يسمع منه كتاب الجامع لابن جريج: أخبرت عن الزهري وأخبرت عن صفوان بن سليم وغير ذلك، قال: فجعل سنيد يقول لحجاج: يا أبا محمد قل: "ابن جريج عن الزهري" و"ابن جريج عن صفوان بن سليم"، قال: فكان يقول له هكذا، قال: ولم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج، وذمّه على ذلك، قال أبي: وبعض تلك الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة كان ابن جريج لا يبالي عن من أخذها.
وقال الخلال: وروي أن حجاجا كان هذا منه في وقت تغيره، ويرى أن أحاديث الناس عن حجاج صحاح إلا ما روى سنيد٣.
стр. 25
كلمة شكر وتقدير
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان: ١٢] ، وقال جل شأنه ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] وقال النبي ﷺ "من لم يشكر الناس، لم يشكر الله " ١. وقال ﵊ "من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أن قد كافأتموه" ٢.
فعملا بهذين الأساسين لا يسعني في هذا المقام إلا أتضرع إلى الله وأتوجه إليه سبحانه بالحمد والثناء والشكر على ما منَّ به عليّ من نعمه الكثيرة، من بينها أن منّ عليّ سبيل طريق العلم، كما أشكره سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الرسالة؛ فله الحمد والشكر أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
كما أوجه شكري وامتناني وتقديري إلى والدي العزيزين الَّذَّيْنِ تحمَّلا عِبْئَ تربيتي منذ طفولتي بكل فرح وسرور وبصدر رحب، حتى فارقا هذه الحياةَ الفانيةَ، وقد وجّهاني إلى سلوك طريق العلم الشرعي، فأدعو الله أن يجزل مثوبتهما، ويسكنهما فسيح جناته.
كما يطيب لي أن أتوجه بخالص الشكر والامتنان والتقدير إلى فضيلة الشيخ أستاذي الفاضل الدكتور/ محمد عمر حوية الذي تفضل بالإشراف على هذه الرسالة، رغم انشغاله وما أنيط به من الأعمال، فقد بذل معي
стр. 26
الكثيرَ من أوقاته الثمينةِ في الاستماع إلى هذه الرسالة، وأسدَى كثيراً من توجيهاته الرشيدة وملاحظاته القيمة التي كانت لها الأثر البالغ في إنجاز هذه الرسالة على هذا الوجه.
كما أتوجه بالشكر والامتنان لأستاذي الفاضل فضيلة الدكتور/ أحمد بن عبد الله الزهراني المشرف الأول على هذه الرسالة الذي رسم لي الخطوط العريضة في أُوْلَى مراحلها. فكنت في بادئ الأمر محتارا في كيفية التعامل مع الرواية الواردة في الفتح، وكيفية تدوينها، والتفريق بين الروايات التفسيرية وغيرها من أقوال الأئمة، فكان - حفظه الله - خير عون لي - بعد الله في هذه المرحلة الحرِجة، كما كان يشجعني ويحثني دائما على الجد والمثابرة.
وأتوجه بخالص الشكر والامتنان لحكومة المملكة العربية السعودية - وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله - على ما تقدمه من الدعم والجهود المتواصلة لنشر تعاليم الإسلام في أرجاء المعمورة، وما هذه الجامعة المباركة إلا رمزاً لتلك الجهود المباركة.
ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر والتقدير لهذه الجامعة المباركة التي احتضنتني طيلة فترة الدراسة فيها حتى وصلت إلى هذه المرحلة - ولله الحمد -، فأشكر القائمين على أمر هذا الصرح العلمي وأساتذته على ما يقدمونه لطلابه من تسهيلات ورعاية وتوجيهات في سبيل العلم والمعرفة، وفي مقدمتهم معالي مدير الجامعة فضيلة الدكتور/ صالح بن عبد الله العبود - حفظه الله -. وأشكر أيضا المسؤولين في كلية القرآن وأخصّ منهم بالذكر فضيلة عميدها الدكتور/ سليمان بن صالح الخزي، وفضيلة رئيس قسم التفسير الدكتور صالح كاتب.
وأشكر أيضا جميع مشايخي وأساتذتي الذين درّسوني طيلة أيام الدراسة في الجامعة والذين استفدت منهم أثناء إعداد الرسالة.
стр. 27
وأتقدم بالشكر الجزيل وفائق الامتنان لكل من الأستاذين الفاضلين الكريمين، فضيلة الأستاذ الدكتور/ حكمت بن بشير ياسين، وفضيلة الدكتور/ عاصم بن عبد الله القريوتي - حفظهما الله - الذين تفضلا بقبول مناقشة هذه الرسالة وتحملا عناء قراءتها وتقويمها مع كثرة مشاغلهما وضيق وقتهما، فجزاهما الله عني خير الجزاء.
وأشكر زملائي وإخواني الذين ساعدوني في التصحيح والمقابلة وغير ذلك.
كما أشكر كل من قدّم لي يد العون والمساعدة في إنجاز هذه الرسالة سواء بإعارة كتاب أو إرشاد أو تصحيح أو غير ذلك.
وأكرّر شكري وتقديري لأستاذي فضيلةِ الأستاذ الدكتور/ حكمت بشير ياسين على إرشاده إيايَّ إلى هذا الموضوع القيم، وتشجيعِه إيايَّ على العمل فيه، وأشكره أيضا على توجيهاتِه وإرشاداتِه.
فجزى الله الجميع خير الجزاء وأجزل مثوبتهم وسدّد خطاهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 28
الباب الأول: دراسة حياة الحافظ ابن حجر وكتابه فتح الباري
الفصل الأول: ترجمة الحافظ ابن حجر
مدخل
...
الباب الأول: دراسة حياة الحافظ ابن حجر - باختصار -وكتابه فتح الباري
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: ترجمة الحافظ ابن حجر.
الفصل الثاني: دراسة فتح الباري.
الفصل الثالث: جهود ابن حجر في تفسير القرآن الكريم، وعلومه، من خلال كتابه فتح الباري.
الفصل الرابع: دراسة الروايات التفسيرية في فتح الباري.
стр. 29
الفصل الأول: ترجمة الحافظ ابن حجر
المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه.
المبحث الثاني: مولده.
المبحث الثالث: نشأته وأسرته.
المبحث الرابع: نشأته العلمية وطلبه للعلم
المبحث الخامس: رحلاته العلمية.
المبحث السادس: شيوخه.
المبحث السابع: تلاميذه.
المبحث الثامن: مذهبه.
المبحث التاسع: آثاره العلمية.
المبحث العاشر: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث الحادي عشر: وفاته.
стр. 30
ترجمة الحافظ ابن حجر
كتب ابن حجر عن نفسه في مصنفاته مثل رفع الإصر عن قضاة مصر وإنباء الغمر والمعجم المفهرس والمجمع المؤسس والدرر الكامنة، وهي متناثرة غير مجموعة.
ومن الذين ترجموا له أديب عصره العلامة بدر الدين محمد بن إبراهيم البشتكي ت ٨٣٠هـ في كتابه "المطالع البدرية لمن اشتهر بالصناعة الشعرية".
ووصفه "بالشيخ العلامة المحدث الحافظ أوحد زمانه وسيد أقرانه في التصانيف المفيدة والفضائل العديدة"، وأورده في أعيان العصر١.
كما ترجم له تلميذه السخاوي في كتاب كبير سماه "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر".
وتعتبر ترجمته في "الجواهر والدرر" فريدة في بابها من حيث التفاصيل، فلقد جاءت مفصلة غزيرة المادة.
وقد قسّم السخاوي هذا الكتاب على عشرة أبواب، وقدّم له بمقدمة طويلة عرّف فيها الحافظ والمحدِّث والفرق بينهما مستعرضا آراء أئمة الحديث، ثم ذكر منهم أحفظهم، ثم ذكر نسب ومولد ابن حجر، وبعض أسلافه وسيرته وأسماء من حمل عنهم من شيوخه وأسانيده بالكتب وعقده لمجالس الإملاء ووظائفه وما علمه من مصنفاته وما كتبه ابن حجر بخطه من تصانيف غيره وتحريه في أموره كلها. وسرد أسماء جماعة من أخذوا عنه
стр. 31
دراية ورواية مرتبا إياهم على حروف المعجم، ثم وفاته ومراثي أدباء العصر له، وفي الخاتمة عدّد كتبا في سيرة النبي ﷺ ثم أسماء التراجم المنفردة للأنبياء والصحابة والأئمة والملوك والعلماء وأصحاب المذاهب والأدباء والشعراء وأئمة الحديث١.
стр. 32
المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه
هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي ابن محمد بن أحمد بن حجر الكناني العسقلاني١ الشافعي المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة، القاهري٢.
واختلفت المصادر في اسم جده الرابع، فتذكر تارة محمود، وتارة أحمد، والذي يترجح أنه "أحمد" كما في الترجمة التي كتبها هو لنفسه، كما أن السخاوي أثبت ذلك، وقال: هذا هو المعتمد في نسبه٣.
وقد اشتهر بـ"ابن حجر"، واختلفت المصادر في اعتباره اسما أو لقبا، وذهب بعضهم إلى القول بأنه نسبه إلى آل حجر، وهم قوم يسكنون الجنوب الآخر على بلاد الجزيرة٤.
стр. 33
المبحث الثاني: مولده .
ولد في الثاني والعشرين من شعبان سنة٣٧٧هـ على شاطئ النيل بمصر١.
وفي هذا قال ابن حجر:
شعبان عام ثلاثة من بعد سبع ... مائة وسبعين اتفاق المولد٢.
стр. 34
المبحث الثالث: نشأته وأسرته .
ونشأ ابن حجر يتيما - كما عبر هو عن نفسه -١ إذ مات أبوه العالم الأديب الشاعر التاجر سنة٧٧٧هـ٢. وكانت أمه قد ماتت قبل ذلك وهو طفل٣.
وكان له أخ شقيق نشأ وطلب العلم، ثم مات فحزن عليه والده جداً، ولكن أحد المشايخ الصالحين بشره بأن الله سيخلف عليه غيره ويعمره، قال ابن حجر: "فولدت أنا له بعد ذلك بيسير، وفتح الله بما فتح"٤. وليس له سوى شقيقة واحدة أكبر منه نشأت ومهرت في العلم وتوفيت شابة سنة٧٩٨هـ، وقد وصفها أخوها بقوله "أمي بعد أمي"٥.
وبعد وفاة أبيه، لم يكن له من يكفله، وكان والده قد أوصى قبل وفاته بولده اثنين من الذين كانت بينه وبينهم مودة، وأصبح اليتيم في وصاية "زكي الدين أبي بكر ابن نور الدين على الخرُّوبي" ت٧٨٧هـ، وكان تاجراً كبيراً بمصر.
ولم يدخل الكتاب حتى أكمل خمس سنين، فأكمل حفظ القرآن الكريم وله تسع سنين٦.
стр. 35
ولما بلغ الثاني عشر من عمره صلى بالناس التراويح في مكة في بيت الله الحرام، إذ أنه كان مع وصيه الخروبي في مكة في تلك السنة.
وسمع في تلك السنة "صحيح البخاري" على مسند الحجاز عفيف الدين عبد الله النشاوري١.
وقد نشأ الحافظ ابن حجر نشأة كانت في غاية العفة والصيانة والرياسة، وتذكر المصادر أن الخرُّوبي المذكور لم يأل جهداً في رعايته والعناية بتعليمه. فكان يستصحبه معه عند مجاورته في مكة٢.
وظل يرعاه إلى أن مات سنة٧٨٧هـ وكان الحافظ ابن حجر راهق ولم تعرف له صبوة ولم تضبط له زلة٣.
стр. 36
المبحث الرابع: نشأته العلمية، وطلبه للعلم .
قد حفظ ابن حجر القرآن الكريم في التاسعة من عمره - كما تقدم آنفا - وصلى بالناس التراويح بمكة سنة٧٨٥هـ. وسمع في تلك السنة "صحيح البخاري" على مسند الحجاز عفيف الدين عبد الله النشاوري.
وفي سنة٧٨٦هـ عاد من مكة، صحبة وصيه، إلى مصر محل إقامته، فحفظ كتبا من مختصرات العلوم "كالعمدة والحاوي الصغير ومختصر ابن الحاجب الأصلي، والملحة للحريري وغيرها"، وعرضها - كما هي العادة - على جماعة من أئمة العصر وكتبوا له خطوطهم بذلك١.
وكان الحافظ ابن حجر رزق في صغر سنه سرعة الحفظ بحيث كان يحفظ كل يوم نصف حزب، وبلغ من أمره في ذلك أن حفظ سورة مريم في يوم واحد٢. وأنه كان يصحح الصفحة من الحاوي الصغير ثم يقرأها تأملا مرة أخرى، ثم يعرضها في الثانية حفظا، ولم يكن ﵀ حفظه بالمدرسة على طريقة الأطفال، بل كان حفظه تأملا على طريقة الأدباء في ذلك غالبا٣.
وتشير المصادر التي ترجم لابن حجر أن فتوراً حصل في نشاطه العلمي والثقافي، وفي هذا قال السخاوي: "فتر عزمه عن الاشتغال؛ لأنه لم يكن له من يحثه على ذلك، فلم يشتغل إلا بعد استكمال سبع عشرة سنة"٤.
وفي مدة فتوره اشتغل بالتجارة فنشأ في وسط تجاري؛ لأن جده
стр. 37
وأعمامه كانوا تجاراً، وكان وصيه الزكي الخروبي رئيسا للتجار في مصر.
ولعل لموت الخروبي سنة٧٨٧هـ أثراً في فتور ابن حجر واشتغاله بالتجارة حيث فقد من كان يحثه على الاشتغال بالعلم، وهو في مرحلة يحتاج إلى ذلك١.
ثم عاد إلى الطلب سنة٧٩٠هـ يقول السخاوي: "وحبب الله إليه فنّ الحديث النبوي فأقبل عليه بكليته، وأول ما طلب بنفسه في سنة ثلاث وتسعين، لكنه لم يكثر من الطلب إلا في سنة ست وتسعين، فإنه - كما كتب بخطه ﵁ رفع الحجاب، وفتح الباب، وأقبل العزم المصمم على التحصيل، ووفق للهداية إلى سواء السبيل"٢. وقال أيضا "واشتغل بطلب ما غلب على العادة طلبه، من أصل وفرع ولغة ونحوها، وطاف على شيوخ الدراية، لكنه كان في مدة الفترة - وهو في المكتب - وبعد ذلك حبب إليه النظر في التواريخ وأيام الناس - حتى إنه كان يستأجرها ممن عنده، فعلق بذهنه الصافي الرائق شيء كثير من أحوال الرواة، وكان ذلك بإشارة شخص من أهل الخير سماه صاحب الترجمة لي وأنسيته، وممن رغبه في ذلك أيضا البدر البشتكي، وأعانه عليه بإعارة "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني وغيره ... "٣.
ولما بلغ التاسعة عشرة من عمره نظر في فنون الشعر، ففاق أقرانه فيها حتى لا يكاد يسمع شعراً إلا ويستحضر من أين أخذ ناظمه، وقال الشعر الرائق والنثر الفائق، ونظم مدائح نبوية ومقاطيع، وكتب عنه الأئمة من ذلك، ثم شغل عن ذلك بعد سنة٨٠٠هـ، فلم ينظر في كتب الفن ودواوينه
стр. 38
إلا اتفاقا، وأكثر نظمه قبل سنة٨١٦هـ١.
وكان قد تتلمذ على خيرة علماء عصره الحافظ زين الدين العراقي ت٨٠٦هـ الذي لازمه عشر سنوات، وحمل عنه جملة نافعة من علم الحديث سنداً ومتناً وعللا واصطلاحا، فقرأ عليه ألفيته وشرحها فنون الحديث، كما قرأ عليه نكته على ابن الصلاح وبعض الكتب الكبار والأجزاء القصار، وحمل جملة مستكثرة من أماليه واستملى عليه بعضها. وهو أول من أذن له بالتدريس في علوم الحديث عام ٧٩٧هـ٢.
стр. 39
المبحث الخامس: رحلاته العلمية .
لقد رحل ابن حجر في طلب العلم وطاف بلادا شتى في سبيل الحصول على العلم والحديث، فهذا كان ديدنة العلماء، فكان أحدهم إذا حصّل ما في بلده من الأحاديث كان يرحل إلى بلدان أخرى لكي يسمع ما عند أهل تلك البلدة من العلماء.
رحلته إلى قوص:
في سنة٧٩٣هـ رحل إلى قوص وغيرها من بلاد الصعيد، لكنه لم يستفد بها شيئا من المسموعات الحديثية، بل لقي جماعة من العلماء١.
رحلته إلى الإسكندرية:
وفي سنة٧٩٧هـ رحل إلى الإسكندرية، وسمع من مسنديها، وأقام بها إلى أن تمت السنة، ودخل في التي تليها عدة أشهر، وكتب جزءاً سماه "الدرر المضيئة من فوائد إسكندرية" ذكر في مسموعه هنالك، وما وقع له من النظم والمراسلات وغير ذلك، انتقاه السخاوي ثم أعلن ندمه على عدم كتابته كله٢.
رحلته إلى الحجاز:
وفي آخر شوال خرج قاصداً أرض الحجاز، فدخل الطور، فلقي بها عدداً من الفضلاء٣.
стр. 40
ذهابه إلى اليمن:
وفي ربيع الأول من سنة٨٠٠هـ دخل بلاد اليمن، ولقي بها بعدد من العلماء منهم العلامة شيخ اللغويين مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي صاحب القاموس، فقرأ عليه أشياء١.
وقد خرّج وهو هنالك من مرويات نفسه، وكتب بخطه أشياء واجتمع بالملك الأشرف - ملك اليمن - وأهداه تذكرته الأدبية في أربعين مجلداً لطافا.
ورجع من اليمن وقد ازدادت معارفه وانتشرت علومه ولطائفه.
رحلته إلى مكة:
سافر من اليمن إلى مكة فوصلها سنة ثمانمائة، فحجّ في تلك السنة، وهذه هي حجة الإسلام، ولقي بها جمعا من العلماء والمسندين٢.
وفي سنة٨٠٦هـ سافر إلى اليمن مرة أخرى، فلقي بها بعدد من العلماء وحمل عنهم.
وفي هذه المرة انصدع المركب الذي كان فيه فغرق جميع ما معه من الأمتعة والنقد والكتب، ثم يسر الله تعالى بطلوع أكثرها بعد أن أقام ببعض الجزائر هناك أياما٣.
وفي ١٦ من شعبان سنة٨٠٢هـ قرأ على شيخه العراقي تصنيفه في أحاديث مسند أحمد وكتب له عليه: