المبحث الرابع: نشأته العلمية، وطلبه للعلم .
قد حفظ ابن حجر القرآن الكريم في التاسعة من عمره - كما تقدم آنفا - وصلى بالناس التراويح بمكة سنة٧٨٥هـ. وسمع في تلك السنة "صحيح البخاري" على مسند الحجاز عفيف الدين عبد الله النشاوري.
وفي سنة٧٨٦هـ عاد من مكة، صحبة وصيه، إلى مصر محل إقامته، فحفظ كتبا من مختصرات العلوم "كالعمدة والحاوي الصغير ومختصر ابن الحاجب الأصلي، والملحة للحريري وغيرها"، وعرضها - كما هي العادة - على جماعة من أئمة العصر وكتبوا له خطوطهم بذلك١.
وكان الحافظ ابن حجر رزق في صغر سنه سرعة الحفظ بحيث كان يحفظ كل يوم نصف حزب، وبلغ من أمره في ذلك أن حفظ سورة مريم في يوم واحد٢. وأنه كان يصحح الصفحة من الحاوي الصغير ثم يقرأها تأملا مرة أخرى، ثم يعرضها في الثانية حفظا، ولم يكن ﵀ حفظه بالمدرسة على طريقة الأطفال، بل كان حفظه تأملا على طريقة الأدباء في ذلك غالبا٣.
وتشير المصادر التي ترجم لابن حجر أن فتوراً حصل في نشاطه العلمي والثقافي، وفي هذا قال السخاوي: "فتر عزمه عن الاشتغال؛ لأنه لم يكن له من يحثه على ذلك، فلم يشتغل إلا بعد استكمال سبع عشرة سنة"٤.
وفي مدة فتوره اشتغل بالتجارة فنشأ في وسط تجاري؛ لأن جده
стр. 37
وأعمامه كانوا تجاراً، وكان وصيه الزكي الخروبي رئيسا للتجار في مصر.
ولعل لموت الخروبي سنة٧٨٧هـ أثراً في فتور ابن حجر واشتغاله بالتجارة حيث فقد من كان يحثه على الاشتغال بالعلم، وهو في مرحلة يحتاج إلى ذلك١.
ثم عاد إلى الطلب سنة٧٩٠هـ يقول السخاوي: "وحبب الله إليه فنّ الحديث النبوي فأقبل عليه بكليته، وأول ما طلب بنفسه في سنة ثلاث وتسعين، لكنه لم يكثر من الطلب إلا في سنة ست وتسعين، فإنه - كما كتب بخطه ﵁ رفع الحجاب، وفتح الباب، وأقبل العزم المصمم على التحصيل، ووفق للهداية إلى سواء السبيل"٢. وقال أيضا "واشتغل بطلب ما غلب على العادة طلبه، من أصل وفرع ولغة ونحوها، وطاف على شيوخ الدراية، لكنه كان في مدة الفترة - وهو في المكتب - وبعد ذلك حبب إليه النظر في التواريخ وأيام الناس - حتى إنه كان يستأجرها ممن عنده، فعلق بذهنه الصافي الرائق شيء كثير من أحوال الرواة، وكان ذلك بإشارة شخص من أهل الخير سماه صاحب الترجمة لي وأنسيته، وممن رغبه في ذلك أيضا البدر البشتكي، وأعانه عليه بإعارة "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني وغيره ... "٣.
ولما بلغ التاسعة عشرة من عمره نظر في فنون الشعر، ففاق أقرانه فيها حتى لا يكاد يسمع شعراً إلا ويستحضر من أين أخذ ناظمه، وقال الشعر الرائق والنثر الفائق، ونظم مدائح نبوية ومقاطيع، وكتب عنه الأئمة من ذلك، ثم شغل عن ذلك بعد سنة٨٠٠هـ، فلم ينظر في كتب الفن ودواوينه
стр. 38
إلا اتفاقا، وأكثر نظمه قبل سنة٨١٦هـ١.
وكان قد تتلمذ على خيرة علماء عصره الحافظ زين الدين العراقي ت٨٠٦هـ الذي لازمه عشر سنوات، وحمل عنه جملة نافعة من علم الحديث سنداً ومتناً وعللا واصطلاحا، فقرأ عليه ألفيته وشرحها فنون الحديث، كما قرأ عليه نكته على ابن الصلاح وبعض الكتب الكبار والأجزاء القصار، وحمل جملة مستكثرة من أماليه واستملى عليه بعضها. وهو أول من أذن له بالتدريس في علوم الحديث عام ٧٩٧هـ٢.
стр. 39
المبحث الخامس: رحلاته العلمية .
لقد رحل ابن حجر في طلب العلم وطاف بلادا شتى في سبيل الحصول على العلم والحديث، فهذا كان ديدنة العلماء، فكان أحدهم إذا حصّل ما في بلده من الأحاديث كان يرحل إلى بلدان أخرى لكي يسمع ما عند أهل تلك البلدة من العلماء.
رحلته إلى قوص:
في سنة٧٩٣هـ رحل إلى قوص وغيرها من بلاد الصعيد، لكنه لم يستفد بها شيئا من المسموعات الحديثية، بل لقي جماعة من العلماء١.
رحلته إلى الإسكندرية:
وفي سنة٧٩٧هـ رحل إلى الإسكندرية، وسمع من مسنديها، وأقام بها إلى أن تمت السنة، ودخل في التي تليها عدة أشهر، وكتب جزءاً سماه "الدرر المضيئة من فوائد إسكندرية" ذكر في مسموعه هنالك، وما وقع له من النظم والمراسلات وغير ذلك، انتقاه السخاوي ثم أعلن ندمه على عدم كتابته كله٢.
رحلته إلى الحجاز:
وفي آخر شوال خرج قاصداً أرض الحجاز، فدخل الطور، فلقي بها عدداً من الفضلاء٣.
стр. 40
ذهابه إلى اليمن:
وفي ربيع الأول من سنة٨٠٠هـ دخل بلاد اليمن، ولقي بها بعدد من العلماء منهم العلامة شيخ اللغويين مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي صاحب القاموس، فقرأ عليه أشياء١.
وقد خرّج وهو هنالك من مرويات نفسه، وكتب بخطه أشياء واجتمع بالملك الأشرف - ملك اليمن - وأهداه تذكرته الأدبية في أربعين مجلداً لطافا.
ورجع من اليمن وقد ازدادت معارفه وانتشرت علومه ولطائفه.
رحلته إلى مكة:
سافر من اليمن إلى مكة فوصلها سنة ثمانمائة، فحجّ في تلك السنة، وهذه هي حجة الإسلام، ولقي بها جمعا من العلماء والمسندين٢.
وفي سنة٨٠٦هـ سافر إلى اليمن مرة أخرى، فلقي بها بعدد من العلماء وحمل عنهم.
وفي هذه المرة انصدع المركب الذي كان فيه فغرق جميع ما معه من الأمتعة والنقد والكتب، ثم يسر الله تعالى بطلوع أكثرها بعد أن أقام ببعض الجزائر هناك أياما٣.
وفي ١٦ من شعبان سنة٨٠٢هـ قرأ على شيخه العراقي تصنيفه في أحاديث مسند أحمد وكتب له عليه:
стр. 41
"قرأ عليّ هذا الجزء فيما وقع في "مسند أحمد" من الأحاديث التي قيل إنها موضوعة: صاحبه وكاتبه الشيخ المحدث المفيد المتقن شهاب الدين أبو العباس أحمد بن الإمام نور الدين علي ... "١. هذه الشهادة الكبيرة من حافظ كبير تكشف ما وصل إليه ابن حجر في تلك السنة.
رحلته إلى الشام:
وفي ٢٣ من شعبان سنة٨٠٢هـ خرج راحلا إلى الشام، فسمع بسر ياقوس وقطبة وغزة والرملة والخليل ودمشق والصالحية ونابلس وبيت المقدس وكانت إقامته بدمشق مائة يوم، ومسموعه في تلك المدة نحو ألف جزء حديثية، منها من الكتب الكبار: "المعجم الأوسط" للطبراني، ومن الكبير مجلد، والصغير بتمامه، ومن الدعاء مجلد، و"معرفة الصحابة" لابن مندة، والسنن للدارقطني، ومسند مسدد، والموطأ رواية أبي مصعب، ومن صحيح ابن خزيمة مجلد، ومن صحيح ابن حبان مجلد، ومن المختارة للضياء خمسة مجلدات، ومن الاستيعاب لابن عبد البر مجلد، وأكثر "مسند أبي يعلى"، وغير ذلك.
وقد كتب بخطه من الأجزاء الحديثية والفوائد النثرية والسماعات التي يلحقها في تصانيفه ونحوها ثماني مجلدات فأكثر، وعمل "أطراف كتاب المختارة" للحافظ الضياء المقدسي في مجلد ضخم.
وفي أول سنة٨٠٣هـ عاد إلى القاهرة٢. وقد حمل عن شيوخ كثيرين منهم نساء عدة قرأ عليهن كتبا مدهشة٣.
стр. 42
وفي هذه السنة توفي شيخه محب الدين بن الوحدية الذي نصحه أن يهتم بالفقه.
"اجتمع بي مرة بمصر فرآني حريصا على سماع الحديث وكتبه فقال: اصرف بعض هذه الهمة إلى الفقه، فإني أرى بطريق الفراسة أن علماء هذا البلد سينقرضون، وسيُحتاج إليك، فلا تقصر بنفسك، فنفعني كلمته، ولا أزال أترحم عليه لهذا السبب رحمه الله تعالى".
رحلته إلى حلب:
وكان حريصا، وهو في دمشق، على التوجه إلى حلب ليأخذ عن مسندها عمر بن ايدغمش، فبلغه وفاته، فتخلف عن التوجه إليها.
ثم في سنة٨٣٦هـ توجه إليها مع العساكر المصريين والقضاة بقيادة الملك الأشرف برسباي الذي خرج لدفع أذى التركمان الذين تغلبوا على آمد وماردين وغيرهما.
وفي أثناء توجهه إلى حلب، كتب بحماة عن ابن حجة الحنفي أشياء من نظمه ومن غيره، كما كتب في حمص، والتقى في حلب بالتقي العلامة محب الدين بن الشحنة، وسأله عن محدث البلاد الحلبية سبط بن العجمي، واجتمع به، وسمّع عليه المسلسل بالأولية١.
وكان دخولهم إلى حلب في الخامس من رمضان سنة٨٣٦هـ، وأقاموا بها خمسة عشر يوما، سمع خلالها عن مسنديها، وفي أثناء إقامته في حلب
стр. 43
كان يذهب إلى ما جاورها من القرى، وحيثما عرف بتواجد أحد من المسندين أو المهتمين بالحديث أو الأدباء للسماع منهم، فزار عدداً من البلدان والقرى المجاورة لحلب١. كما عقد أثناء إقامته مجالس الإملاء بجامع بني أمية، حضره عدد من القضاة والمشائخ والحفاظ والفضلاء والطلبة٢.
ثم رجعت العساكر في يوم السبت السابع من ذي الحجة، فرجع معهم ووصلوا إلى القاهرة٣.
стр. 44
المبحث السادس: شيوخه .
تلقى ابن حجر العلم عن كثيرين، وقد خصّص لشيوخه كتابه المسمى "المجمع المؤسس للمعجم المفهرس" قال في مقدمته "إن كثيراً من سلف المحدثين اعتنوا بجمع أسامي مشايخهم وتدوين أخبار كبارهم، فتغايرت مقاصدهم في الترجمة، فرأيت أن أحذو حذوهم، وأسير تلوهم لأتذكر عهدهم، وأجدد له الرحمة بعدهم، وجمعت أسامي شيوخي على المعجم مرتبا، وقسمته على قسمين مهذبا، فالأول مَن حملت عنه على طريق الرواية، والثاني من حملت عنه شيئا على طريق الرواية، وأضفت إلى الثاني من أخذت عنه شيئا في المذاكرة من الأقران ونحوهم، وقد قسمتهم من حيث العلو إلى خمس طبقات ... وقد بدا لي أن يكون هذا المعجم مشتملا على الفهرست جمعا بين النوعين، وتأصيلا للفرعين، فذكرت في ترجمة كل شخص جميع ما سمعته منه أو قرأته عليه إلا ما غاب عني ... "١.
وقد قسمهم تلميذه السخاوي إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: فيمن سمع منه ولو حديثا تاما، وعدتهم أزيد من [٢٣٠] نفساً٢.
القاسم الثاني: فيمن أجاز له وعدتهم أزيد من [٢٢٠] ٣.
القسم الثالث: فيمن أخذ عنه مذاكرة أو إنشادا، وعدتهم أزيد
стр. 45
من [١٨٠] . فجملة الأقسام - من غير الحوالات -[٦٣٠] نفساً١.
وأكتفي هنا بذكر أهم شيوخه الذين ذكرهم السخاوي، فيقول:
"واجتمع له من الشيوخ الذين يشار إليهم، ويعول في حل المشكلات عليهم، ما لم يجتمع لأحد من أهل عصره؛ لأن كل واحد منهم كان متبحراً ورأساً في فنّ اشتهر به لا يلحق فيه: فالبلقيني في سعة الحفظ وكثرة الاطلاع، وابن الملقن في كثرة التصانيف، والعراقي في معرفة علم الحديث ومتعلقاته، والهيثمي في حفظ المتون واستحضارها، والمجد الشيرازي في حفظ اللغة واطلاعه عليها، والغماري في معرفة العربية ومتعلقاتها، وكذا المحب ابن هشام كان حسن التصرف فيها لوفور ذكائه، وكان الغماري فائقا في حفظها، والأبناسي في حسن تعليمه وجودة تفهيمه، والعز ابن جماعة في تفننه في علوم كثيرة، بحيث أنه كان يقول: أنا أقرئ في خمسة عشر علماً لا يعرف علماء عصري أسماءها، والتنوخي في معرفته القراءات وعلو سنده فيها. وهم مع ذلك في غاية التبجيل لصاحب الترجمة والتكريم، والتحرز عن مخاطبته بغير تعظيم، بل ربما راجعوه للتفهيم"٢.
стр. 46
المبحث السابع: تلاميذه .
لقد أخذ عن الحافظ ابن حجر عدد لا يحصون كثرة، ولقد كان ﵀ مقصد الطالبين ومَحَط رحالهم، فقد توافدوا إليه من الأقطار المختلفة متحملين في ذلك المشاق والصعاب، بل انتهت إليه الرحلة. وكل ذلك يرجع بلا ريب إلى علو مرتبته وعلمه الغزير النافع.
ولقد سرد السخاوي في الجواهر والدرر أسماء جماعة من الذين أخذوا عنه دراية أو رواية مرتباً إياهم على حروف المعجم، وأوصل عددهم إلى خمسمائة شخص، وهم من أقطار شتى ومذاهب مختلفة. وذكر أن هذه القائمة قد أوردها من غير التزام لاستيفاء ما علم من ذلك١.
ومن هؤلاء التلاميذ:
- الحافظ ابن فهد المكي ت ٨٧١هـ محدث مكة، صاحب"لحظ الألحاظ"، سمع من ابن حجر لما لقيه بمكة٢.
- العلامة محمد بن سليمان الكافيجي الحنفي ت ٨٧٩هـ٣.
- العلامة المفسر المحدث إبراهيم بن عمر البقاعي ت ٨٨٥هـ٤.
- العلامة المحدث المؤرخ محمد بن محمد الخيضري ت ٨٩٤هـ٥.
стр. 47
- الحافظ المؤرخ محمد بن عبد الرحمن السخاوي ت ٩٠٢هـ١.
- العلامة المفنن الشيخ زكريا بن محمد الأنصاري ت ٩٢٦هـ٢.
стр. 48
المبحث الثامن: مذهبه .
تتفق المصادر التي ترجمت لابن حجر أنه كان شافعي المذهب، وله مؤلفات فقهية في المذهب الشافعي١.
ولقد كان الحافظ ابن حجر يتمتع من العلوم ما يؤهله أن يكون مجتهداً. فقد رأينا أنه أثناء شرحه لهذا الكتاب - أعني صحيح البخاري - يبحث كثيراً في مسائل الخلافات الفقهية، ويستدل للرأي الراجح، ويبين المرجوح من غير تعصب، مع الإشارة إلى احتمال المرجوح أحيانا، وله استنباطات فقهية بارعة، وبحوث قيمة نادرة. ويطرح أسئلة واردة على النص، ويجيب عنها بالحجة والبرهان.
стр. 49
المبحث التاسع: آثاره العلمية
إن من فضل الله على هذه الأمة أن قيّض لها في كل عصر علماء جهابذة وهبوا أنفسهم لخدمة هذا الدين، فعكفوا على خدمة دينهم تدريسا وتأليفا مخلصين في ذلك دون تعب أو كل.
وكان الحافظ ابن حجر من هؤلاء الأعلام الجهابذة الذين وهبوا أنفسهم لخدمة هذا الدين، تدريسا وتأليفا، وبخاصة علوم الحديث والسنة النبوية.
فقد بدأ في التأليف مبكراً، ففي سنة٧٩٥هـ، وكان له من العمر اثنتان وعشرون سنة، اختصر "التلبيس" لابن الجوزي ت٥٩٧هـ١، وكتب شيئا في العروض٢، أما مؤلفاته الحديثية فقد ابتدأ بها سنة٧٩٦هـ. فألف كتبا كثيراً في فنون الحديث وغيره، ووصلت مؤلفات قريبا من الثلاثمائة، فمن مؤلفاته ما كمل قبل مماته، ومنها ما بقي في المسودات، ومنها ما شرع فيه، ولم يكمل.
وقد كتب العلماء والباحثون عن مؤلفات ابن حجر قديما وحديثا، منهم:
تلميذ ابن حجر السخاوي، فقد أفرد كتابا عن ترجمة شيخه ابن حجر سمّاه "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر"، وقد بلغ عدد مصنفاته عنده ٢٧٠ مصنفا٣.
وكذلك البقاعي - وهو أيضا من تلاميذ ابن حجر -، فقد كتب عن حياة شيخه، وقال "ومصنفاته تناهز مائة وخمسين مصنفا"، ثم ذكر ١٤٠
стр. 50
عنوانا، ومنها مالم يكمل ومالم يبيض١.
وممن كتب عن مؤلفاته في العصر الحديث:
الدكتور شاكر محمود عبد المنعم في كتابه "ابن حجر العسقلاني ومصنفاته ومنهجه وموارده في كتابه الإصابة"، أفرد فصلا خاصا بمؤلفاته٢، رتّبها على العلوم، وقد أحصاها وتتبعها تتبعا جيداً، وأطال النفس في ذكرها وبيان المصادر التي تذكرها ودراستها دراسة وافية.
وكذلك الدكتور سعيد عبد الرحمن القزقي في دراسته لكتاب "تغليق التعليق" لابن حجر، فكتب عن مؤلفاته، ولم يستوعب، ووعد أنه سيقوم بحصر جميع مصنفاته وأماكن وجودها في كتاب "الجواهر والدرر"٣.
وهناك دراسات أخرى قام بها باحثون، يبدو أنهم جميعا أفادوا من الدكتور شاكر، فكانت دراسته أشمل دراسة عن مصنفات ابن حجر حيث استغرق ٤٣٢ صفحة من كتابه عن مؤلفات ابن حجر. وبلغ عددها عنده ٢٨١ مصنفا.
لذا سأكتفي باستعراض مؤلفاته في علوم القرآن وأهم مؤلفاته في الحديث وعلومه، مرتبا إياها على حروف المعجم:
أولا: مصنفاته في علوم القرآن:
١- الإتقان في جمع أحاديث فضائل القرآن من المرفوع والموقوف. لم يكمل٤.
стр. 51
٢- الإحكام لبيان ما في القرآن من إبهام: جمع فيه بين كتابي السهيلي وابن عساكر بترتيب المبهمات على الأبواب. ويقع في مجلد ضخمة١.
٣- تجريد التفسير من صحيح البخاري: رتبه على السور منسوبا لمن نقل عنه٢.
٤- العجاب في بيان الأسباب، بهذا الاسم صرح مؤلفه في نهاية مقدمته، ويسمى أسباب النزول، والأسباب، كما يسمى أيضا "الإعجاب ببيان الأسباب" أو "العباب في بيان الأسباب"٣. ويحتوي هذا الكتاب على أسباب نزول الآيات القرآنية التي ذكر لها سبب في الروايات عن الصحابة والتابعين، ويقع الكتاب في مجلد ضخم، لم يبيض كله، بل شرع في تصنيفه، فكتب قدر مجلدة٤.
стр. 52
٥- وله كتاب نفيس يتعرض للآيات المتشابهات، كقوله تعالى في سورة البقرة [آية: ٣٥] : ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ وكقوله في سورة الأعراف [آية: ١٩] ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ .
قال السخاوي: "وسمعت من يذكر أن شيخنا لخص ذلك من كتاب "درة التنزيل وغرة التأويل" الذي كتبه إبراهيم بن علي بن محمد المعروف بابن أبي الفرج الأردستاني من إملاء أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب عليه وزاد شيخنا عليه مواضع كما أخبرني بذلك من وقف عليه، والظاهر أن بعضهم أخفاه فلا حول ولا قوة إلا بالله"١.
٦- وفي علم معرفة ما وقع في القرآن من غريب لغة العرب، نظم القاضي تاج الدين السبكي منها سبعة وعشرين لفظا في أبيات وذيل عليه الحافظ ابن حجر وذيل السيوطي عليهما بالباقي وهو بضع وستون فتمت أكثر من مائة لفظ٢.
وتجدر الإشارة هنا إلى غزارة علم الحافظ ابن حجر في التفسير، فمن قرأ كتبه، بخاصة كتابه "فتح الباري" يجد أنه قد أطال القول في تفسير الآيات القرآنية، وأسباب النزول. وإعجاز القرآن، ووجوه القراءات بكلام بليغ شامل، جمعه من أمهات الكتب٣. وكان فيه آية من آيات الله تعالى. إلا أنه لم
стр. 53
يكن يدون ما يقع له من ذلك، مما لا يكون منقولا، وكان يظهر التأسف في إهماله تقييده، وكان يأتي في مجلسه من التفسير بدقائق، ومهمات، وغرائب لا توجد في سائر التفاسير، بل ينشئها من فكره، وكان يرد على الأسئلة من غير مراجعة كتاب لسعة حفظه، ومع ذلك كان يأخذ الحيطة والحذر في ذلك، فكان يقول "فضيحتنا من الله تعالى يتكلم في كلامه بالاحتمالات١.
ثانيا: مؤلفاته في الحديث وعلومه ورجاله:
وسأقتصر على ذكر أهمها، وهي:
- إتحاف المهرة بأطراف العشرة، جمع فيه أطراف أحد عشر كتابا. الموطأ، ومسند الشافعي، ومسند أحمد، وسنن الدارمي، وصحيح ابن خزيمة، ومنتقى ابن الجارود، وصحيح ابن حبان، ومستخرج أبي عوانة، ومستدرك الحاكم، وشرح معاني الآثار، وسنن الدارقطني.
- الإصابة في تمييز الصحابة.
- انتقاض الاعتراض أجاب على اعتراضات العيني على فتح الباري.
طبع بتحقيق: صبحي السامرائي.
- بلوغ المرام من أحاديث الأحكام.
- تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة.
- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس.
- تغليق التعليق على صحيح البخاري.
стр. 54
- تقريب التهذيب.
- التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير.
- تهذيب التهذيب.
- الجمع بين الصحيحين. جمعه على الأبواب بالأسانيد والطرق.
- الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة.
- الدراية في تخريج أحاديث الهداية.
- زوائد مسند أحمد بن منيع.
- زوائد مسند الحارث بن أبي أسامة على الستة، ومسند أحمد.
- شرح الترمذي، شرع فيه فكتب منه قدر مجلدة مسودة، وفتر عزمه عنه.
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
- القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد.
- الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف.
- لسان الميزان.
- مختصر زوائد مسند البزار.
- المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي.
- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية.
- معرفة الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة.
- نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر.
- نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر.
- النكت الظراف على الأطراف.
- النكت على صحيح البخاري.
- النكت على كتاب ابن الصلاح.
стр. 55
- هدي الساري مقدمة فتح الباري.
وهذه أبرز مصنفاته في الحديث وعلومه والتراجم، وله مصنفات كثيرة في أجزاء حديثية، جمع في كل منها طرق أحاديث، منها: طرق حديث "الأعمال بالنيات"، وطرق حديث صلاة التسبيح، وطرق حديث "الإفك"، وطرق حديث "احتج آدم وموسى" وغيرها الكثير.
стр. 56
المبحث العاشر: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه
لا شك أن الحافظ ابن حجر قد تبوأ مكانة عالية ومنزلة رفيعة، واكتسب شهرة واسعة في ميدان الحديث وعلومه، وذاع صيته وطارت شهرته في الآفاق. وقد أشار إلى هذه المكانة العلمية الكثير من شيوخه والذين عرفوا قدره وسعة اطلاعه، والكثير من تلاميذه الذين لازموا دروسه ووصفوه بالحفظ والإتقان والتقدم والعرفان، وكذلك الكثير من العلماء.
وممن شهد له بالتقدم في الحفظ والإتقان، والتوسع في المعارف من طبقة شيوخه:
- شيخه زين الدين العراقي، فقد أثنى عليه بقوله "الشيخ العالم الكامل الفاضل المحدث المفيد المجيد، الحافظ المتقن الضابظ الثقة المأمون ... جمع الرواة الشيوخ وميز بين الناسخ والمنسوخ، وجمع الموافقات والإبدال وميز بين الثقات والضعفاء من الرجال وأفرط بجده الحثيث حتى انخرط في سلك أهل الحديث، وحصل في الزمن اليسير على علم غزير"١.
ومن طبقة تلاميذه: الحافظ السخاوي، فقد أثنى عليه بكلمة ضافية في مقدمة كتابه "الجواهر والدرر" بيّن رتبته العالية وذكاءه الخارق وعلمه الغزير، ومما قال في وصفه بأنه "شيخ الإسلام وأوحد الأئمة الأعلام حافظ العصر وخاتمة المجتهدين قاضي القضاة أبو الفضل شهاب الدين الشهير بابن حجر"٢. وقد عقد السخاوي في هذا الكتاب بابا خاصا في ثناء الأئمة عليه
стр. 57
من الشيوخ والأقران وغيرهم١.
وأثنى عليه الحافظ السيوطي ووصفه بـ "إمام الحفاظ في زمانه، حافظ الديار المصدرية، بل حافظ الدنيا مطلقا، برع في الحديث وتقدم في جميع الفنون، - وقال أيضا -: حكي أنه شرب ماء زمزم ليصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ، فبلغها وزاد عليها، وانتهت إليه الرحلة والرياسة في الحديث في الدنيا بأسرها، فلم يكن في عصره حافظ سواه"٢.
وممن شهد له بالإمامة والفضل والتقدم الإمام الشوكاني، قال: "الحافظ الكبير، الإمام المنفرد بمعرفة الحديث وعلله في الأزمنة المتأخرة ... وشهد له بالحفظ والإتقان القريب والبعيد، والعدو والصديق، حتى صار إطلاق لفظ "الحافظ" عليه كلمة إجماع"٣.
فهذا الثناء العطر من هؤلاء الأئمة على الحافظ ابن حجر ليدلنا دلالة واضحة على على مكانته العلمية، وتبحره في العلوم، كما يتضح لنا من ذلك علو منزلته وأخلاقه وحسن سيرته الكريمة، فرحمه الله رحمة واسعة.
стр. 58
المبحث الحادي عشر: وفاته .
انقطع الحافظ ابن حجر في بيته بعد أن عزل نفسه من منصب قاضي القضاة في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة ولازم التصنيف، والتأليف ومجالس الإملاء، إلى أن مرض في ذي القعدة من السنة نفسها، رغم ذلك استمر في حضور الجامع للجمعة والجماعات والإقراء والإملاء، ولم يترك ذلك إلى أن اشتد به المرض جداً في يوم الثلاثاء رابع عشر من ذي الحجة، بحيث صار يصلي الفرض جالسا، وترك قيام الليل، ثم صرع يوم الأربعاء، وتكرر ذلك.
ثم أسلم الروح إلى بارئها في أواخر شهر ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة١. وقد ترك وصيته التي نقلها السخاوي، وفيها أنه أوصى لطلبة الحديث النبوي المواظبين على حضور مجالس الإملاء بجزء من تركته٢.
يقول السخاوي: "ولم يزل على جلالته وعظمته في النفوس، ومداومته على أنواع الخيرات إلى أن توفي في أواخر ذي الحجة سنة٨٥٢هـ، وكان له مشهد لم ير مَنْ حضره من الشيوخ، - فضلا عمن دونهم - مثله، وشهد أمير المؤمنين والسلطان فمن دونهما الصلاة عليه، وقدم السلطان الخليفة للصلاة، ودفن تجاه تربة الديلمي بالقرافة وتزاحم الأمراء والأكابر على حمل نعشه، ومشى إلى تربته مَن لم يمش نصف مسافتها قط، ولم
стр. 59
يخلف في مجموعة مثله، ورثاه غير واحد بما مقامه أجل منه"١.
وتوجهوا به إلى تربة الخروبي بجامع الديلمي، فدفنوه هناك بمقصورة صدر التربة المذكورة من جهة اليسار القبلة فسقية فيها غيره، وكان قد أوصى بدفنه بحوش والده وهو بتلك النواحي أيضا، لكن اعتذروا عن ذلك بما لا يسوى٢.
ويقول السيوطي٣: "وأخبرني الشهاب المنصوري٤ أنه شهد جنازته، فلما وصل إلى المصلى أمطرت السماء على نعشه، فأنشد في ذلك الوقت:
قد بكت السحب على ... قاضي القضاة بالمطر
وانهدم الركن الذي ... كان مشيداً من حجر
كما رثاه عدد من الشعراء منهم الشهاب الحجازي٥ بقصيدة تضم أكثر من خمسين بيتا.
стр. 60
الفصل الثاني: دراسة فتح الباري
المبحث الأول: منهج ابن حجر في فتح الباري عموما
...
المبحث الأول: منهج ابن حجر في فتح الباري عموما
إن الحافظ ابن حجر لم يقتصر على شرح صحيح البخاري في فتح الباري، وإنما قام بعمل تحقيق ذي منهج فريد، إذ جمع نُسَخ البخاري. هذه النسخ التي حصل على إجازة روايتها، وأثبت الفروق بين هذه النسخ، وضبط النص، ووجّه وجمع وبيّن إضافة إلى ذلك الشرح العظيم، كما أفاد من المكتبة الإسلامية ذات المصادر الأصلية، وحشد لها حشداً لم يكن في أي كتاب من الكتب، إذ بلغت المصادر التي استعان بها الحافظ ابن حجر قراية ألف وأربعة مصدر في تأليفه لهذا الكتاب القيم، والعبرة ليست بالكثرة، وإنما بنوعية هذه المصادر الأصلية واختياره للنسخ النفيسة؛ فإنه كان يختار نُسَخا ذات قيمة علمية عظيمة، ولا شك أن هذه المصادر ساعدت الحافظ ابن حجر في الحكم على الروايات وخصوصا الروايات خارج الصحيحين في ذكر المتابعات والشواهد توصل إلى فوائد عظيمة؛ لأن بعض تلك الروايات ضعيفة، ولكن في تتبعه للمصادر يجد متابعات فترتقي الرواية الضعيفة إلى الحسن، أو يجد لها شواهد.
كما يبين خفايا علم الرجال، ورواياتهم في الصحيح، ويضبط الأسماء المشكلة بالحروف، ويبين درجاتهم من حيث الجرح والتعديل، ووفياتهم أحيانا.
كما تكلم على تفسير التراجم ومناسباتها بكلام دقيق عميق، واستنباط للأحكام منها، ونبّه على براعة البخاري في ترتيب أحاديث الباب الواحد، وترتيب الأبواب كذلك، وبيّن دقة نظر البخاري في تكرار
стр. 61
الحديث، وفائدة إعادته.
وقرّر أن الإمام البخاري قد جمع في صحيحه بين الرواية والدراية، فيقول عن الصحيح - في معرض الرد على الكرماني على اعتراضه على البخاري في شرح بعض الكلمات الغريبة، بأن ذلك تكثير لحجم الكتاب لا لتكثير الفوائد - قال:
"وهذا الكتاب وإن كان أصل موضوعه إيراد الأحاديث الصحيحة، فإن أكثر العلماء فهموا من إيراد أقوال الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، أن مقصوده أن يكون كتابه جامعا للرواية والدراية، ومن جملة الدراية شرح غريب الحديث. وجرت عادته أن الحديث إذا وردت فيه لفظة غريبة وقعت أو أصلها أو نظيره في القرآن أن يشرح اللفظة القرآنية، فيفيد تفسير القرآن وتفسير الحديث معا"١.
وفي موضع آخر ينقل كلام الكرماني في اعتراضه على البخاري لإيراده بعض المباحث الفقهية، حيث يقول "وأمثال هذه المباحث غير مناسبة لوضع هذا الكتاب إذ هو خارج عن فنه". ورد عليه قائلا:
"وهو ردّ عجيب منه، لأن كتاب البخاري كما تقدم تقريره لم يقصد به إيراد الأحاديث نقلا صرفا، بل ظاهر وضعه أنه يجعل كتابا جامعا للأحكام وغيرها، وفقهه في تراجمه، فلذلك يورد فيه كثيراً الاختلافات العالي ويرجح أحيانا ويسكت أحيانا توقفا عن الجزم بالحكم، ويورد كثيراً من التفاسير ويشير فيه إلى كثير من العلل وترجيح بعض الطرق على بعض، فإذا أورد فيه شيئا من المباحث لم تستغرب، وأما رمزه إلى أن طريقة البحث
стр. 62
ليست من فنه، فتلك شكة ظاهر عنك عارها، فللبخاري أسوة بالأئمة الذين سلك طريقهم كالشافعي وأبي ثور والحميدي وأحمد وإسحاق، فهذه طريقتهم في البحث وهي محصلة للمقصود وإن لم يعرجوا على اصطلاح المتأخرين"١.
ويوفق بين روايات الصحيح التي تبدو متعارضة، أو ما يبدو متعارضة بين حديث البخاري وغيره من كتب السنة، أو يرجّح ما ورد في البخاري قائلا: "وما في الصحيح أصح أو أولى" ونحو ذلك من عبارات الترجيح٢.
وفي شرحه لأبواب الفقه يرجع إلى أمهات كتب الفقه من المصادر الأصلية، ويبحث في الخلافات الفقهية، ويستدل للرأي الراجح، ويبين المرجوح من غير تعصب، مع الإشارة إلى احتمال المرجوح أحيانا، وله استنباطات فقهية بارعة، وبحوث قيمة نادرة. كما أنه كان يطرح أسئلة واردة على النص، ويجيب عنها بالحجة والبرهان.
ويشرح الحديث بالمكان اللائق به. ويشير إلى وجه إيراد الحديث في الباب إن كان ذلك خفيا، ويشرح ما له تعلق بذلك الباب، ويحيل إذا سبق شرحه أو على ما سيأتي.
وكان إذا حصل منه سهو ثم تنبه لذلك فإنه سرعان ما ينبه إلى ذلك ويرجع إلى الصواب، ومن أمثلة ذلك قال أثناء شرح قصة الإفك في تفسير سورة النور "وقد كنت أمليت في أوائل كتاب الوضوء أن قصة الإفك وقعت
стр. 63
قبل نزول الحجاب وهو سهو، والصواب بعد نزول الحجاب فليصلح هناك"١.
ويتكلم على نكت الحديث وفوائده، كما يتكلم على مبهمات الحديث في المتن والإسناد وعلى إشكالات واردة على الحديث.
ويحكم على ما أورده من الأحاديث في الشرح صحة وضعفا. وهذا الحكم على الروايات أسعف النقاد المعاصرين وحلّ كثيراً من المشكلات والمعضلات التي تعوق النقاد في الحكم على الروايات وخصوصا حينما لم يجدوا ترجمة للراوي أو يجد أن الراوي اختلف فيه أو أن الراوي قد سكت عنه.
ويتكلم على اللغويات بأسلوب سهل واضح، وإذا كثر الخلاف في اللفظة الواحدة استوعب الآراء، وردّ المرجوح، واختار الراجح مؤيداً بالدليل، كما يستشهد بالشعر المناسب إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
ويبين من له صحبة من الرواة ممن ليس كذلك، أو في صحبته شك أو اختلاف، ويختم كل كتاب من كتب الصحيح بخاتمة يذكر فيها عدد أحاديث ذلك الكتاب المرفوعة وما في حكمها، ويبين الموصول منها والمعلق، وعدد المكرر والخالص بلا تكرار، وما وافقه مسلم على تخريجه مما لم يوافقه، وعدد ما فيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم، مع أنه ينبه على ذلك خلال الشرح.
هذا بالإضافة إلى وصل المعلقات والمتابعات، وبيان ما وصله في موضع آخر من صحيحه مما لم يوصله منها فيه، أو ما صورته معلقا أثناء الحديث، أو حديث مستقل وهو موصول، أو ما صورته مرسل وهو موصول، ويبين ما كان من مرسلات الصحابة.
стр. 64
أما من حيث الأسلوب فهو يشرح الحديث بأسلوب بديع، ويردّ أوهام بعض شرّاح البخاري.
هذا مجمل لمزايا ومنهج ابن حجر في فتح الباري وطريقته في شرحه١.
стр. 65
المبحث الثاني: منهجه في تفسير الآيات القرآنية .
والحقيقة أن هذا تابع لمنهجه في الشرح، إلا أنني لاحظت خلال هذه الدراسة أنه قد أطال القول في تفسير الآيات القرآنية، وأسباب النزول١. وإعجاز القرآن، ووجوه القراءات بكلام بليغ شامل، جمعه من أمهات الكتب، ونقل عن أئمة اللغة والتفسير والقراءات.
فقد أكثر النقل عن أبي عبيدة، والفراء في كتابيهما معاني القرآن، في تفسير المفردات القرآنية.
وأما ما يتعلق بالروايات التفسيرية، فقد أكثر النقل عن الإمام الطبري في تفسيره، ويعتبر هذا التفسير أهم مصادره في الروايات التفسيرية إطلاقا، ثم يأتي بعد ذلك تفسير ابن أبي حاتم، كما أكثر النقل عن عبد بن حميد وعبد الرزاق والفريابي والإمام أحمد وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والنسائي وغيرهم ممن جمعوا التفسير المسند.
ومن منهجه في تفسير الآيات القرآنية، أنه إذا ورد في تفسير آية روايات متعددة ثابتة أو اختلفت أقوال السلف في تفسير آية؛ فإنه يحاول إيراد هذه النصوص، ثم يحاول الجمع بين تلك الروايات، أو ترجيح ما صحّ من ذلك فمثلا لما شرح قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] أورد ثلاثين رواية في تفسير المراد بالصلاة الوسطى. وكذا لما شرح قوله
стр. 66
تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أورد سبع عشرة رواية في بيان المراد بالحرث.
ولما شرح قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء: ٧٩] أورد روايات مختلفة في تفسير المقام المحمود، ثم رجّح القول بأنه الشفاعة العظمى وأيّد هذا الترجيح بروايات متعددة عن السلف.
وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف:٩٤] أورد روايات كثيرة في وصف يأجوج ومأجوج وخروجهم على الناس، وفسادهم على أهل الأرض، ثم كيف يكون إهلاكهم والتخلص من شرهم.
وعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر:٨٧] أورد ثلاث عشرة رواية في بيان المراد بالسبع المثاني١.
فهذا بعض النماذج في ذلك، والمطلع على هذه الرسالة يرى اهتمام ابن حجر في هذا الجانب، وقدرته على جمع الطرق والترجيح أو الجمع بين الروايات المختلفة.
стр. 67
المبحث الثالث: قيمة فتح الباري العلمية وثناء العلماء عليه
ومما تقدم علم قيمة هذا الكتاب العظيم، فإنه شرح جامع وواف لصحيح البخاري، ويعتبر موسوعة كبيرة في المعارف الإسلامية عموما، فإن الحافظ ابن حجر ﵀ قد أودع فيه علوما شتى ونافعة، لا نكاد نجد مثله في كتاب آخر، كما أنه يعتبر أكبر وأجمع ما ألفه ابن حجر. وقد قضى في تأليفه ربع قرن من الزمن. وقد أودع فيه مباحث قيمة في الفقه، وخفايا علم الرجال، وكشف عن مبهمات الحديث في المتن والإسناد، ومباحث لغوية مفيدة، كما فيه شرح لعدد من الآيات القرآنية. وأطال القول في تفسير الآيات القرآنية وأسباب النزول وإعجاز القرآن، ووجوه القراءات، بكلام بليغ شامل، جمعه من أمهات الكتب.
هذا وقد حظي هذا الكتاب الجليل بالثناء العظيم من عدد من العلماء. قال عنه ابن خلدون: "إن شرح البخاري دين على هذه الأمة١، يعني بذلك أن أحداً لم يوف ما يجب من الشرح، وقال حاجي خليفة: "لعل ذلك الدين قضي بشرح المحقق ابن حجر والقسطلاني والعيني بعد ذلك"٢.
وقال عنه السيوطي: "لم يصنف أحد من الأولين ولا من الآخرين مثله"٣.
ووصفه غيره بقوله "ما ألف في ملة الإسلام شرح على جميع المصنفات في علم الحديث مثل هذا الشرح"، وقال في موضع آخر: "أعلم أنه
стр. 68
لم يؤلف في فقه الحديث مثل هذا الشرح"١.
وقيل للشوكاني: أما تشرح الجامع الصحيح للبخاري كما شرح الآخرون؟ فقال: "لا هجرة بعد الفتح"٢.
وقد نظم شعراء العصر في مدح الشرح ومؤلفه قصائد، منها ما أنشد في مجلس الختم ومنها ما أنشد بعد ذلك٣.
стр. 69
الفصل الثالث: جهود ابن حجر في تفسير القرآن الكريم وعلومه من خلال كتابه فتح الباري
مدخل
...
الفصل الثالث: جهود ابن حجر في تفسير القرآن الكريم وعلومه من خلال كتابه فتح الباري
وفيه سبعة:
المبحث الأول: تفسيره للقرآن بالقرآن.
المبحث الثاني: تفسيره للقرآن بالسنة.
المبحث الثالث: تفسيره للقرآن بأقوال الصحابة.
المبحث الرابع: عنايته بأسباب النزول.
المبحث الخامس: تناوله لقضايا النسخ.
المبحث السادس: ذكره للقراءات.
المبحث السابع: بيانه لغريب القرآن.
стр. 70
لقد كان الحافظ ابن حجر ﵀ واسع الاطلاع على تفسير القرآن الكريم وعلوم القرآن، كما أنه كان بحراً في علم الحديث. وقد ألّف كتبا فيما يتعلق بالتفسير وعلوم القرآن كتجريد التفسير من صحيح البخاري والعجاب في بيان الأسباب١، كما أن له مباحث قيمة في تفسير بعض الآيات أوردها أثناء شرحه لصحيح البخاري. وقد قال عنه تلميذه السخاوي: أما في التفسير فكأنه آية من آيات الله تعالى. وقال أيضا: ودرّس في أماكن كالتفسير بالحسينية والمنصورية. وكان يرد على الأسئلة من غير مراجعة كتاب لقوة حفظه وسعة اطلاعه وهو يفسر القرآن بالقرآن وبالحديث وبما أثر عن الصحابة والتابعين وعن أئمة اللغة وبأقوال المفسرين. فكان ﵀ واسع الاطلاع على هذا الجانب، ولكنه لم يكن يدون ما يقع له من ذلك وكثيراً ما أظهر أسفه لهذا الأمر. كما أنه كان يأخذ الحيطة والحذر في تفسير القرآن، فكان يقول "فضيحتنا من الله تعالى يتكلم في كلامه بالاحتمالات٢.
وأذكر في هذا الفصل نماذج من تفسير ابن حجر من خلال كتابه فتح الباري، في المباحث الآتية.
стр. 71
المبحث الأول: تفسيره للقرآن بالقرآن .
إن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا، فلا تعارض بين آياته، فما أُجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر.
فقد كان الحافظ ابن حجر لما شرح صحيح البخاري، وبخاصة كتاب التفسير منه كان يأخذا باعتبار ذلك. فإنه كثيراً ما يفسر القرآن بالقرآن، وله مباحث قيمة في تفسير بعض الآيات. وإليك أمثلة على ذلك.
فلما شرح حديث البخاري الذي أخرجه برقم٤٦٧٠ من حديث ابن عمر في قصة عبد الله بن أبي لما توفيّ، ثم سأل ابنه عبد الله بن عبد الله ابن أبي رسول الله ﷺ أن يصلي عليه، فقام ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ : فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما خيَّرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠] ، وسأزيدن على السبعين ... " الحديث.
قال ابن حجر: ووقع عند ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس "فقال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ قال: "أين؟ " قال: قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية. ثم قال ابن حجر: وهذا مثل رواية الباب، فكأن عمر قد فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب مِن أن أو ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الوصف المذكور، أي أن الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواء، وهو كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ
стр. 72
أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] إلى آخر كلامه١.
فإنه فسّر هنا آية التوبة بآية المنافقون، وبيّن أن أو التي في آية التوبة ليست للتخير، وإنما هي للتسوية في عدم الوصف المذكور، أي أن الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواء.
وكذلك لما شرح حديث ابن مسعود برقم٤٦٨٧ أن رجلا أصاب من امرأة قُبلة، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فأُنزلت عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] قال الرجل: ألي هذه؟ قال: "لمن عمل بها من أمتي".
قال ابن حجر: وتمسك بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ المرجئة، وقالوا: إن الحسنات تكفر كل سيئة كبيرة كانت أو صغيرة، وحمل الجمهور هذا المطلق على المقيد في الحديث الصحيح "إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر" ... وقيل: المراد أن الحسنات تكون سببا في ترك السيئات كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] لا أنها تكفر شيئا حقيقة.
فقد فسر آية هود بآية العنكبوت في أن المراد بـ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ أنها تكون سببا في ترك السيئات، على قول من قال به.
стр. 73
المبحث الثاني: تفسيره للقرآن بالسنة .
وتفسير النبي ﷺ هو المصدر الثاني من مصادر التفسير، فإن السنة شارحة للقرآن وموضحة له، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] . فبيان ما في القرآن من إجمال هو مهمة الرسول ﷺ ، لذا يجب على المفسر إذا وجد التفسير النبوي بطريق صحيح ثابت، ألا يعدو إلى غيره، فإنه - أعني التفسير النبوي هو الطراز الأول لتفسير القرآن.
ولقد اهتم الحافظ ابن حجر بهذا الجانب أيما اهتمام، فقد كان يبذل غاية وسعه في أن يجد حديثا صحيحا في تفسير السورة أو الآية التي تطرق إليها بالكلام والتفسير، وإن لم يجد شيئا من ذلك صرّح به، كما قال في سورة "لإيلاف قريش": أما هذه السورة فلم أر فيها حديثا مرفوعا صحيحا١.
والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، ومن ذلك:
ذكر في الفاتحة حديث عدي بن حاتم ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ النصارى" ٢.
وفي سورة البقرة، عند قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] أورد عدة روايات في المراد بالصلاة الوسطى، منها حديث ابن مسعود قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر حتى
стр. 74
احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله ﷺ : "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا" أو قال: "حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا" ١.
وذكر في سورة يونس حديث صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: إن لكم عند الله وعدا، فيقولون: ألم يبيض وجوهنا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم شيئا هو أحب إليهم منه"، ثم قرأ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] "٢.
стр. 75
المبحث الثالث: تفسيره للقرآن بأقوال الصحابة .
وتفسير الصحابة هو المصدر الثالث من مصادر تفسير القرآن؛ فإنهم شهدوا التنزيل وهم أعرف الناس به، لذا يعتبر تفسيرهم بمنزلة المرفوع إلى النبي ﷺ . وهم أي الصحابة لم يكونوا في درجة واحدة بالنسبة لفهم معاني القرآن، بل تفاوتت مراتبهم، وأشكل على بعضهم ما ظهر لبعض الآخر منهم، وهذا يرجع إلى تفاوتهم في القوة العقلية، وتفاوتهم في معرفة ما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات. وهذا ليس بغريب؛ فإنه لا يحيط باللغة أحد إلا النبي ﷺ ، فإن الله تعالى علمه إياها.
ومن هنا نرى أن الذين اشتهروا بالتفسير من الصحابة عدد قليل. وقد عدّ السيوطي ﵀ في الإتقان من اشتهر بالتفسير من الصحابة وسماهم، وهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير ﵃ أجمعين -.
وليس معنى هذا أن غيرهم من الصحابة لم يتكلموا بالتفسير، بل هناك عدد آخر من الصحابة من تكلموا بتفسير القرآن غير هؤلاء: كأنس ابن مالك وأبي هريرة وعبد الله ابن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو ابن العاص وعائشة.
على أن أكثرهم رواية عبد الله بن عباس ثم عبد الله بن مسعود ثم علي بن أبي طالب ثم أبي بن كعب.
لذا نجد أن الحافظ ابن حجر قد أكثر النقل عن ابن عباس فيما يتعلق بتفسير القرآن. فنظرة عابرة إلى فهرس الآثار من هذا الكتاب تبرهن ذلك جليا؛ فإن ما في هذا الكتاب مما روي عنه قارب الربع؛ إذ بلغ ما روي عن