← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 744

مرويات المزاح والدعابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة

فهد بن مقعد العتيبي

Полный текст (110 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومن جميل مداعبته للحسن ما ثبت من أنه ﷺ كان يُدَلِّع له لسانه. فعن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ لَيُدَلِّعُ لسانه للحسن بن علي ﵁ فيرى الصبي حمرة لسانه فيبهش إليه». وعنه ﵁ قال: أخذ النبي- ﷺ بيد الحسن- أو الحسين- ﵄، ثم وضع قدميه على قدميه ثم قال: «تَرَقَّ». والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدًّا، وقد سُقْتُ لك جملة صالحة- إن شاء الله- منها في ذكر هديه في العشرة والمزاح مع

стр. 72

أهل بيته، وإن كان بعضها يفي بالمقصود، ولو أردت الإطناب والاستقصاء، لبلغت الوُرَيْقَات مجلدات ولعلَّ فيما تقدَّم مَنْدُوحة عن ذلك، والحمد لله.

стр. 73

فصل في مزاحه مع أصحابه ﵃ - لا شك أن كل عاقل إذا كانت له حَظْوَة عند أصحابه لا يصدرون إلا عن رأيه، ويمتثلون أمره فإنه يلاطفهم ويتحبب إليهم ويمازحهم دون أن ينال ذلك من منزلته أيَّ منال، وهو بذلك يُوطِّد تلك الحَظْوَة ويَأْسِر تلك القلوب، بجميل العشرة والصحبة. لذا فقد كان هدي نبينا ﷺ مع أصحابه كذلك، ولا غرو فهم أعلم الناس بسياسة القلوب وقد جاءت أحاديث صحاحٌ هنَّ شواهدُ لما أقول، فمن تلكم الأحاديث. أولًا: عن أنس بن مالك ﵁ قال: أتى رجل النبي ﷺ فاستحمله «أي سأله أن يُعْطِيَهُ حَمُولة يركبها» فقال رسول الله ﷺ : «إنا حاملوك على ولد ناقة»، قال: يا رسول الله، ما أصنع بولد ناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : «وهل تَلِد الإبلَ إلا النوق؟». ثانيًا: وعن الحسن البصري قال: أتت عجوز إلى النبي ﷺ -

стр. 74

فقالت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يُدْخِلَني الجنة، فقال: «يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز». قال الحسن: فَوَلَّتْ تبكي، فقال رسول الله ﷺ : «أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٧]. ثالثًا: عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهرَ- أو حرامَ بن حجال- وكان يهدي للنبي ﷺ الهديَّةَ من البادية، فَيُجَهِّزْه رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال

стр. 75

النبي ﷺ : «إن زاهرًا بادينا ونحن حاضروه»، قال: وكان يحبه النبي ﷺ ، وكان رجلًا دَميمًا، فأتاه النبي ﷺ يومًا وهو يبيع متاعه، فاحْتَضَنهُ من خلفه وهو لا يُبْصِره، فقال: «أرسلني، من هذا؟» فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النبيَّ ﷺ ، فجعل لا يَأْلُو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل النبي ﷺ يقول: «مَن يشتري العبد؟» فقال: يا رسول الله، إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال النبي ﷺ : «لكِنَّك عند الله لست بكاسد»، أو قال: «لكن عند الله أنت غالٍ». رابعًا: وعن عبد الحميد بن صَيْفِي، عن أبيه، عن جده صهيب ﵁ قال: قدمت على النبي ﷺ وبين يديه تمر وخبز، فقال: «ادنُ فَكُل» قال: «فأخذ يأكل من التمر» فقال له النبي ﷺ : «إن بعينك رمدًا» فقال: «يا رسول الله، إنما آكل من الناحية

стр. 76

الأخرى». فتبسم النبي ﷺ . وفي رواية: «تأكل تمرًا وبك رمد؟». قال ذلك على وجه المباسطة، ويحتمل أن من به رمد لا يناسبه أكل التمر؛ لأنه يحتاج إلى قوة في المضغ وهذا يؤلم العين، ولذا عَلِمَ صهيب ﵁ مراد النبي ﷺ وأنه ما قصد إلا الملاطفة والمباسطة، فقال: «إنما آكل من الناحية الأخرى» إشعارًا منه بقبول تلك المداعبة، ولذا تبسم النبي ﷺ ؛ لأن المضغ يؤلم العين مطلقًا، سواءً كان من جهة العين الوَجِعَة أو الجهة الأخرى. والله أعلم. خامسًا: عن ابن أبي الوَرْد، عن أبيه ﵁، أن النبي ﷺ رآه، فرأى رجلًا أحمر، فقال: «أنت أبو الورد».

стр. 77

سادسًا: قال خَوَّات بن جُبير ﵁: نزلنا مع رسول الله ﷺ مرَّ الظهران قال: فخرجت من خِبائي فإذا نسوة يتحدثن، فَأَعْجَبْنني، فرجعت فاستخرجت عَيْبتي، فاستخرجت منها حُلَّة فلبستها وجئت فجلست معهن، وخرج رسول الله ﷺ من قُبَّتِهِ فقال: «أبا عبد الله، ما يجلسك معهن؟» فلما رأيت رسول الله ﷺ هبتُه واخْتَلَطْتُ، قلت: يا رسول الله جمل لي شرد، فأنا ابتغي له قيدًا؛ فمضى واتَّبَعْتُه، فألقى إليَّ رداءه ودخل الأراك كأني أنظر إلى بياض متنه في خُضْرَة الأراك، فقضى حاجته وتوضأ، فأقبل والماء يسيل من لحيته على صدره- أو قال: - يقطر من لحيته على صدره فقال: «أبا عبد الله ما فعل شِراد جملك؟» ثم ارتحلنا، فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال: «السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شِراد ذلك الجمل؟» فلمَّا رأيت ذلك تَعَجَّلْتُ إلى المدينة، واجتنبت المسجد والمجالسة إلى النبي ﷺ ، فلما طال ذلك تحينت ساعة خلوة المسجد، فأتيت المسجد فقمت أصلي، وخرج رسول الله ﷺ -

стр. 78

من بعض حُجَره فجاء فصلى ركعتين خفيفتين، وطَوَّلْتُ رجاء أن يذهب ويَدَعَني. فقال: «طوِّل أبا عبد الله ما شئت أن تُطَوِّل فلستُ قائمًا حتى تنصرف» فقلت في نفسي: والله لأعتذرنَّ إلى رسول الله ﷺ ولأبرئن صدره، فلما قال: «السلام عليك أبا عبد الله ما فعل شِراد ذلك الجمل؟». فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلم. فقال: «رحمك الله» ثلاثًا، ثم لم يَعُدْ لشيء مما كان. سابعًا: عن أنس ﵁ قال: رأى نبيُّ الله ﷺ جارية يتيمة عند أم سليم، وهي أم أنس بن مالك ﵄ فقال لها النبي ﷺ : «لقد شِبْتِ لا أَشَبَّ الله قرنك»، فقالت أم سليم: لقد دعوت يا رسول الله ﷺ على يتيمتي أن لا يُشِبَّ الله قرنها، فوالله لا تشِبُّ أبدًا، فقال النبي ﷺ : «يا أم سليم، أوما علمت أني اتخذت عند ربي عهدًا أيُّما أحد من أمتى دعوت عليه ليس من أهلها أن

стр. 79

يجعلها له طَهورًا أو قربة يقربه بها يوم القيامة». ثامنًا: عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فسلمتُ فَرَدَّ وقال: «ادخل» فقلت: أكلي يا رسول الله؟ قال: «كُلُّك» فدخلت. قال ابن أبي العاتكة: «إنما قال: «أَدْخُلُ كلي» من صغر القبة». قال العظيم آبادي: «وفيه أنه كما كان يمازح الصحابة كذلك كانوا يمازحونه». تاسعًا: وعن عدي بن حاتم ﵁: أنه أخذ عِقالًا أبيض وعِقالًا أسود، حتى كان بعض الليل نظر فلم يَسْتَبِينا، فلما أصبح قال: «يا رسول الله، جعلت تحت وسادي ... » فقال ﷺ : «إنَّ وِسَادَكَ إذًا لعريض أن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك». وفي رواية: «إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين»، ثم قال: «لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار».

стр. 80

هذا ما تيسَّر جمعه في هذا الفصل، وضروب مزاحه ﷺ مع أصحابه كثيرة، واستقصاؤها عسير، ولعلَّ في ذلك غُنْيَة والحمد لله.

стр. 81

فصل في مزاحه مع الصبيان لقد كان لصبيان أصحاب النبي ﷺ حظهم من حسن خلقه وجميل مزاحه ودعابته، فقد كان يخالطهم ويحملهم ويضحكهم إلى غير ذلك من جميل هديه معهم. وقد قدَّمت لك بعض الأمثلة من ذلك عند الكلام على هديه مع أهل بيته وملاطفته للحسن والحسين، فأغنى عن الإعادة إن شاء الله، ولذلك كان أنس بن مالك ﵁ يقول: «ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ .. «وفيه» فيأتيه الغلام وعليه أثر الغبار فَيَلْتَزِمُه ويقبِّله»، وكان يقول للنساء والصبيان: «اللهم أنتم من أحب الناس إليَّ»، وأحاديث تقبيله ﷺ للصبيان وضمهم إليه وإجلاسه إياهم في حِجْره كثيرة جدًّا من العَسير استيفاؤُها في هذا المقام. ولذلك أقتصر هنا على ذكر صور من جميل معاملته لهم فأقول والله المستعان: أولًا: فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «صليت مع النبي ﷺ الظهر والعصر، فلما سلم قال لنا: «على أماكنكم» وأُهْدِيَت له جَرَّة من حلواء، فجعل يُلْعِقُ كل رجل لعقة حتى أتى عليَّ وأنا

стр. 82

غلام قال: فَأَلْعَقَني لعقة ثم قال: «أزيدك؟» فقلت: نعم، فزادني لعقة لصغر سني، ولم يزل كذلك حتى أتى على آخر القوم». ثانيًا: عن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ أحسن الناس خُلُقًا. وكان لي أخ يقال له أبو عمير- قال أحسبه فطيمًا- وكان إذا جاء قال: «يا أبا عمير، ما فعل النُّغَيْر؟» نِغْر كان يلعب به، فربما حضرت الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا». قال الحافظ ابن حجر: «فيه جواز الممازحة وتكرار المزح وأنها إباحةُ سنةٍ، لا رخصة». وظاهر كلام الحافظ ﵀ أن إتيان المزاح سنة متبعة يُندَبُ إليها، وليس رخصة تؤتى حينًا دون حين. والله أعلم. ثالثًا: عن محمود بن الربيع ﵁ قال: عَقَلْتُ من النبي ﷺ مَجَّة مَجَّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو». قال الحافظ: «وفي هذا الحديث من الفوائد، غير ما تقدم جواز إحضار الصبيان مجالس الحديث وزيارة الإمام أصحابه في دورهم ومداعبته صبيانهم»، وقال العيني: «قال التيمي: فيه

стр. 83

جواز مداعبة الصبي، إذا داعبه النبي ﵊ فأخذ ماءً من الدلو فمجَّه في وجهه». رابعًا: عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه بات ليلة عند ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ وهي خالته- فاضطجع في عَرْض الوسادة- واضطجع رسول الله ﷺ وأهلُه في طولها، فنام رسول الله ﷺ ، «وفيه» ثم قام إلى شَنٍّ معلقة فتوضأ فأحسن الوضوء ثم قام يصلي، قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يَفْتِلها .. » وفي رواية: «بذؤابتي». قال الحافظ: «قوله (فأخذ بأذني) زاد محمد بن الوليد في روايته (فعرفت أنه إنما صنع ذلك لِيُؤنِسَني بيده في ظلمة الليل)، وفي رواية الضحاك بن عثمان: (فجعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني) وفي هذا رَدٌّ على مَن زعم أن أخذ الأذن إنما كان في حال إدارته له من اليسار إلى اليمين مُتَمَسِّكًا برواية سلمة بن الأسهل الآتية في التفسير حيث قال: (فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه) لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصفة أن لا يعود إلى مسك أذنه، لما ذكره من تأنيسه وإيقاظه، لأن حاله كانت تقتضي ذلك لصغر سنه».

стр. 84

خامسًا: عن أم خالد بنت خالد بن سعيد ﵄ قالت: أتيت رسول الله ﷺ مع أبي وعَلَيَّ قميصٌ أصفر، قال رسول الله ﷺ «سَنَه سَنَه» قال عبد الله: «وهي بالحبشية: حسنة». قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فَزَبَرَنِي أبي، فقال رسول الله ﷺ : «دعها» ثم قال رسول الله ﷺ : «أبْلِي وأَخْلِقِي، ثم أبْلِي وأَخْلِقِي، ثم أبْلِي وأَخْلِقِي» قال عبد الله: «فَبَقِيَتْ حتى ذُكِرَ» يعني من بقائها. وفي رواية عند البخاري أيضًا: قالت: «فكساني رسول الله ﷺ خميصة لها أعلام، فجعل رسول الله ﷺ يمسح الأعلام بيده ويقول: «سَنَاه، سَنَاه». وفي رواية أنه دعاها وقال: «ائتوني بأم خالد». وفي أخرى: أنه ﷺ قال: «مَن ترون نكسوها هذه الخميصة؟ ... » فجعل ينظر إلى عَلَم الخميصة ويشير بيده إليَّ ويقول: «يا أم خالد، هذا سَنا». قال البدر العيني: «وإنما كان غرض رسول الله ﷺ من التكلم بهذه الكلمة الحبشية استمالة قلبها؛ لأنها كانت وُلِدَتْ بأرض الحبشة، قال الكرماني». قلت: كما أن في هذه الكلمة ممازحة لها، ولذلك بوَّب البخاري للحديث في بعض مواضعه من الصحيح بهذه الترجمة (باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به، أو قَبَّلها، أو مازحها). سادسًا: عن عبد الله بن الحارث ﵁ قال: «كان

стр. 85

رسول الله ﷺ يصفُّ عبد الله وعبيد الله من بني العباس ثم يقول: «مَن سبق إليَّ فله كذا وكذا»، قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبِّلهم». ففي الحديث استحباب ملاطفة الصغير وتقبيله لا سيما إذا كان من الأقارب، قاله الساعاتي. سابعًا: عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال له: «يا ذا الأُذنين». قال أبو أسامة «أحد رواته»: «يعني يمازحه». قال البيجوري: «لأن في التعبير عنه بـ (يا ذا الأُذنين). مباسطة وملاطفة حيث سمَّاه بغير اسمه، مما قد يوهم أنه ليس له من الحواس إلا الأذنان، أو أنه مختص بهما فهو من جملة مزحه، ولطيف أخلاقه ﷺ ». ثامنًا: وعنه ﵁ مرفوعًا قال: «كان ﷺ يلاعب زينب بنت أم سلمة وهو يقول: «يا زوينب، يا زوينب» مرارًا.

стр. 86

تاسعًا: وعن زينب بنت أبي سلمة- نفسها- قالت: «كانت أمي إذا دخل رسول الله يغتسل تقول: ادخلي عليه، فإذا دخلت عليه نَضَحَ في وجهي من الماء ويقول: «ارجعي» قال عطَّاف «أحد رواة الحديث» قالت أمي: «ورأيت زينب وهي عجوز كبيرة ما نقص من وجهها شيء». وبعد أن سقت لك بعض الأمثلة على مزاحه ﷺ للصبيان وملاطفته لهم. يحسن بي أن أختم هذا الفصل بهذا الأثر. قال ابن الحارث بن جزء ﵁: «ما رأيت أحدًا أكثر مزاحًا من رسول الله ﷺ ، ولا أكثر تبسُّمًا منه، وإن كان ليسْنوا أهل الصبي إلى مزاحه».

стр. 87

الباب السادس في مزاح الصحابة ﵃ والسلف ودعاباتهم وبما أن القدوة الحسنة والمعلم الأول ﷺ كان من هديه ممازحة إخوانه وأصحابه فإن سلف الأمة الصالح وأهل القرون المفضلة «وهم خير المتَّبعين له» لم يَفُتْهم أن يترسَّموا خُطَاه، وينهجوا نهجه في هذا الباب فعُلِمت عنهم أخبار فيها شيء من ذلك، وإليك بعضها. أولًا: اشتهر بعض أصحاب النبي ﷺ بكثرة مزاحه، وبتعمُّده إضحاك رسول الله ﷺ ومن أولئك الصحابة أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂. من أمثلة ما روي عنها في هذا الباب: ما رواه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٥٤) من طريق أبي معاوية الضرير قال أخبرنا الأعمش عن إبراهيم قال: قالت سودة ﵂ لرسول الله ﷺ : «صليت خلفك البارحة فركعتَ بي حتى أمسكتُ بأنفي مخافة أن يَقْطِرَ الدم». قال: فضحك، وكانت تضحكه الأحيان بالشيء.

стр. 88

ثانيًا: وممن اشتهر بالمزاح أيضًا «نعيمان بن عمرو» ﵁ وكان النبي ﷺ يضحك من مزاحه، وسأذكر لك إن شاء الله بعض ما روي عنه في هذا الباب فأقول: أ - عن أم سلمة أن أبا بكر ﵁ خرج تاجرًا إلى بُصْرى ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة (وكلاهما بدري) ﵄، وكان سويبط على الزاد، فجاءه نعيمان فقال: أطعمني. فقال: لا، حتى يأتي أبو بكر. وكان نعيمان رجلًا مِضْحَاكًا، فقال: لأُغيظنَّك. فذهب إلى أناس جَلَبُوا ظَهْرًا، فقال: (ابتاعوا مني غلامًا عربيًّا فارِهًا، وهو ذو لسان ولعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوني لا تفسدوا علي غلامي)، فقالوا: (بل نبتاعه منك بعشر قلائِص). فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عقلها ثم قال للقوم: (دونكم هو هذا) فجاء القوم فقالوا: (قد اشتريناك) قال سويبط: (هو كاذب أنا رجل حر)، فقالوا: (قد أخبرنا خبرك) وطَرَحُوا الحبل في رقبته فذهبوا به، فجاء أبو بكر فَأُخْبِرَ فذهب هو وأصحابه له فردوا القلائص وأخذوه. فضحك منها النبي ﷺ وأصحابه حولًا.

стр. 89

ب - وعن ربيعة بن عثمان قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فدخل المسجد وأناخ ناقته بفنائه فقال بعض أصحاب النبي ﷺ لنعمان: لو نَحَرْتَها فأكلناها، فإنا قد قَرِمْنا إلى اللحم، ويَغْرَم رسول الله ﷺ ثمنها»، قال: فنحرها النعيمان ثم خرج الأعرابي فرأى راحلته فصاح: «واعقراه يا محمد» فخرج رسول الله ﷺ . فقال: «مَن فعل هذا؟» قالوا: «النعيمان» فاتبعه يسأل عنه، فوجده في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قد اختفى في خندق وجعل عليه الجريد والسَّعَفَ، فأشار إليه رجل ورفع صوته يقول: «ما رأيته يا رسول الله» وأشار بأصبعه حيث هو، فأخرجه رسول الله

стр. 90

- ﷺ وقد تغير وجهه بالسَّعَف الذي سقط عليه فقال له: «ما حملك على ما صنعت؟» قال: «الذين دَلّوك عليَّ يا رسول الله هم الذين أمروني» قال: فجعل رسول الله ﷺ يمسح عن وجهه ويضحك. قال: ثم غمرها رسول الله ﷺ . ت - عن محمد بن عمرو بن حزم ﵁ قال: «كان بالمدينة رجل يقال له (نعيمان) يصيب الشراب، فكان يؤتى به النبيُّ ﷺ فيضربه بنعله ويأمر أصحابه فيضربونه بنعالهم ويحثون عليه التراب، فلما كثر ذلك منه، قال له رجل من أصحاب النبي ﷺ : «لعنك الله»، فقال رسول الله ﷺ : «لا تفعل فإنه يحب الله ورسوله». قال: وكان لا يدخل في المدينة رُسُلٌ ولا طُرْفَةٌ إلا اشترى منها ثم جاء به إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، هذا هدية لك»، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه من نعيمان جاء به إلى النبي ﷺ فقال: «اعط هذا ثمن هذا» فيقول رسول الله ﷺ : «أولم تُهْدِهِ لي؟» فيقول: «يا رسول الله، لم يكن عندي ثمنه وأَحْبَبْتُ أن تأكله»

стр. 91

فيضحك النبي ﷺ ويأمر لصاحبه بثمنه. ث - وكان مخرمة بن نوفل ﵁ شيخًا كبيرًا بالمدينة أعمى وكان قد بلغ مائة وخمس عشرة سنة، فقام يومًا في المسجد يريد أن يبول فصاح به الناس فأتاه نعيمان بن عمرو فَنَحَى به ناحية من المسجد، ثم قال: «اجلس هاهنا»، فأجلسه يبول وتركه، فبال وصاح به الناس، فلما فرغ قال: «من جاء بي ويحكم في هذا الموضع»، قالوا له: «النعيمان بن عمرو» قال: «فعل الله به وفعل، أما إن لله عليَّ إن ظَفَرْت به أن أضربه بعصاي هذه ضربة تبلغ منه ما بلغت». فمكث ما شاء الله حتى نسي ذلك مخرمة، ثم أتاه يومًا وعثمان قائم يصلي في ناحية المسجد- وكان عثمان إذا صلى لم يلتفت- فقال له النعيمان: «هل لك في نعيمان؟»، قال:

стр. 92

«نعم، أين هو؟ دلني عليه» فأتى به حتى أَوْقَفَهُ على عثمان، فقال: «دُونَك هذا هو» فجمع مخرمة يديه بعصاه فضرب عثمان بن عفان ﵁ فَشَجَّهُ فقيل له: «إنما ضرب أمير المؤمنين عثمان ﵁». فسمعت بذلك بنو زهرة فاجتمعوا في ذلك فقال عثمان ﵁: «دعوا نعيمان، لعن الله نعيمان فقد شهد بدرًا». ج - وعن عبدان بن مصعب قال: «لقي نعيمان أبا سفيان بن الحارث فقال له: (يا عدو الله، أنت الذي تهجوا سيد الأنصار نعيمان بن عمرو؟) فاعتذر إليه، فلما ولَّى قيل لأبي سفيان: «إن نعيمان هو الذي قال لك ذلك» فعجب منه».

стр. 93

هذا وقد سقت لك ما روي عن النعيمان بن عمرو بن رفاعة ﵁ في هذا الباب، بسنده مع ذكر مَن خرَّجه، وبيَّنت لك صحة ذلك من ضعفه، وعليه فإنه لم يثبت عنه إلا حديث إهدائه للرسول ﷺ ، لكنني أردتُ أن أذكر الضعيف وأُبَيِّن سبب ضعفه ليُعْلَمَ ذلك، ولعله لا يخلو من زيادة نفع. وأعرضت عن بعض ما روي عنه لكون من ذَكَرَها لم يُسْنِدْهَا، والله أعلم. ثالثًا: وعن ابن عباس ﵄ قال: «قيدوا العلم بالكتاب، من يشتري مني علمًا بدرهم؟». رابعًا: عن أبي هريرة ﵁ قال: «إن الله وملائكته يصلون على أبي هريرة وجلسائه».

стр. 94

خامسًا: «عن بكر بن عبد الله ﵁ قال: «كان أصحاب النبي ﷺ يتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال». سادسًا: خَرَّجَ ابن قتيبة ﵀ في كتابه «عيون الأخبار» (١/ ٣١٥) من طريق حماد بن سلمة البُنَاني عن أبي رافع الصائغ قال: «كان أبو هريرة ﵁ على المدينة خليفة لمروان، فربما ركِبَ مارًّا قد شدَّ عليه بَرْدَعَة وفي رأسه حِليةٌ، فيلقى الرجل فيقول: «الطريق، قد جاء الأمير» وربما دعاني إلى عشائه بالليل فيقول: «دع العُراق للأمير» فأنظر فإذا هو ثريد بزيت». وابن قتيبة قال فيه الخطيب البغدادي: «كان ثقة دَيِّنًا فاضلًا»،

стр. 95

وقال الذهبي: «صدوق قليل الرواية». وحماد ومَن فوقه ثقات أثبات، إلا أن في السند انقطاعًا بين حماد المتوفي سنة سبع وستين ومائة، وابن قتيبة المتوفي سنة ستٍ وسبعين ومائتين. والآثار عنهم ﵃ في هذا الباب كثيرة لا تكاد تحصى، وعلى هذا المنهج من حسن الدعابة درج التابعون، فنقل عن ابن سيرين ﵀ آثار منها: أولًا: أن غالبًا القطان سأل ابن سيرين ﵀ عن هشام بن حسان فقال: «توفي البارحة، أما شعرت؟ فجزع واسترجع، فلما رأى ابن سيرين ﵀ جزعه قرأ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. ثانيًا: وكان ابن سيرين يداعب ويضحك حتى يسيل لعابه، فإذا أردته على شيء من دينه كانت الثريا أقرب إليك من ذلك. ثالثًا: وكان ﵀ ينشد: نُبِّئْتُ أنَّ فتاةً كنتُ أخطِبُهَا ... عرقوبُهَا مثلُ شَهْرِ الصومِ في الطولِ رابعًا: ومنهم الشعبي عامر بن شراحيل ﵀.

стр. 96

فعن سعيد بن عثمان قال: دخل رجل على الشعبي ومعه في البيت امرأة فقال: أيكم الشعبي؟ فقال: «هذه». خامسًا: وأتاه رجل فسأله: «ما اسم امرأة إبليس؟ قال: ذاك عرس، ما شَهِدْتُّه». سادسًا: وسأل عن لحم الشيطان فقال: «نحن نرضى منه بالكَفَاف» وقال السائل: فما تقول في الذُّبَّان؟ قال: «إن اشتهيته فَكُلْه». سابعًا: ومنهم الأعمش سليمان بن مهران ﵀. ذكر حديث: «ذاك بال الشيطان في أذنه» يومًا فقال: «ما أرى عيني عَمِشَتْ إلا من كثرة ما يبول الشيطان في أذني»، قال الراوي: وما أظنه فَعل هذا قط. قال الذهبي: «قلت: يريد أن الأعمش كان صاحب ليلٍ وتعبُّدٍ». وقال: بلغني أن الرجل إذا نام حتى يصبح- يعني ولم يُصَلِّ- توركَّه الشيطان فبال في أذنه، وأنا أرى أنه قد سَلح في حلقي

стр. 97

الليلة، «وذلك أنه كان يَسْعُل». وقال أبو بكر بن عيَّاش: رأيت الأعمش يلبس قميصًا مقلوبًا ويقول: «الناس مجانين يجعلون الخشن مقابل جلودهم». وقيل: إن الأعمش كان له ولد مُغَفَّل فقال له: «اذهب فاشتر لنا حَبْلًا للغسيل» فقال: يا أبه، طول كم؟ قال: «عشرة أذرع»، قال: في عرض كم؟ قال: «في عرض مصيبتي فيك».

стр. 98

الباب السابع فيما لا يجوز من المزاح للمزاح ضوابط وآداب يتحتَّم على كل أحد أن يعلمها ويعمل بها، لما في مخالفتها من مجانبة لهدي النبي ﷺ ، بل ربما أفضت تلك المخالفة إلى أمر أعظم كولوج باب محرم أو وقوع في كبيرة بل ربما أدى ذلك إلى مروقٍ من الدين من غير أن يكون ذلك في الحسبان. فمن تلك الضوابط: أولًا: ألا يكون المزاح بشيء من شرائع الدين؛ لأن النَّفَرَ الذين قالوا في غزوة تبوك: «لَم نَرَ مثل قرائنا هؤلاء أرغَب بطونًا وأكذب ألسُنًا وأجبن عند اللقاء» يعنون- النبي ﷺ وأصحابه- إنما قالوا ذلك مزاحًا وخوضًا ولعبًا ليقطعوا عنهم عناء الطريق كما قالوا، وهم أعلم الناس بحال النبي ﷺ وأصحابه وأنهم خلاف ما وصفوهم به، ومع ذلك ردَّ الله اعتذارهم بقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦]. وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عن أناس يمزحون بكلام فيه استهزاء بالله أو الرسول ﷺ أو الدين فما حكم ذلك؟ فأجاب بقوله: «نقول: إن هذا العمل وهو الاستهزاء بالله

стр. 99

ورسوله ﷺ ، أو كتابه أو دينه ولو كان على سبيل المزح، ولو كان على سبيل إضحاك القوم نقول إن هذا كفر ونفاق، وهو نفس الذي وقع في عهد النبي ﷺ في الذين قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسُنًا ولا أجبن عند اللقاء» يعني: رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فنزلت فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]؛ لأنهم جاؤوا إلى النبي ﷺ يقولون: إنما كنا نتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق، فكان رسول الله ﷺ يقول لهم ما أمره الله به: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].

стр. 100

فجانب الربوبية والرسالة والوحي والدين جانب محترم لا يجوز لأحد أن يعبث فيه، لا باستهزاء بإضحاك ولا بسخرية، فإن فعل فإنه كافر، لأنه يدل على استهانته بالله ورسله وكتبه وشرعه، وعلى من فعل هذا أن يتوب إلى الله مما صنع؛ لأن هذا من النفاق، فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفر ويصلح عَمَلَه ويجعل في قلبه خشية الله وتعظيمه وخوفه ومحبته، والله ولي التوفيق». اهـ.

стр. 101

وقال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ﵀: «﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي: فليس لكم عذر؛ لأن هذا لا يدخله الخوض واللعب، وإنما تحترم هذه الأشياء وتعظم ويخشع عندها، إيمانًا بالله ورسوله، وتعظيمًا لآياته، وتصديقًا وتوقيرًا، والخائض واللاعب متنقِّص لها، ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله وعدم احترامهم، أو الوقيعة فيهم لأجله، وفيه أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها. أو عمل يعمله، قال المصنف: «القول الصريح في الاستهزاء: هذا وما شابهه، وأما الفعل الصريح فمثل مدِّ الشَّفَة، وإخراج اللسان، ورمْز العين، وما يفعله كثير من الناس عند الأمر بالصلاة والزكاة فكيف بالتوحيد؟». وقال: «فيه- وهي العظيمة- أن من هَزَل بهذا أنه كافر، والفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ورسوله، وبين العفو الذي يحبه الله والغلظة على أعداء الله، وأن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل». ثانيًا: أن لا يكون في المزاح كذب؛ لأن الكذب مخالفة شريعة وكبيرة من كبائر الذنوب فيتعيَّن انتفاؤها في هذا المقام، ليكون العمل موافقًا لمنهج النبي ﷺ وإن كان الكذب محرمًا مطلقًا، لكن تحريمه هنا آكد؛ لكونه مما يتساهل فيه الناس باعتبار

стр. 102

تقسيمهم إياه إلى كذب أبيض وآخر أسود، ولا شك أن تَسْمِيَة الكذب أبيض، تحقيرٌ للذنب، وقد حذر النبيُّ ﷺ من محقرات الذنوب. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومُحَقِّرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يُهْلِكْنَه»، وإن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلًا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فَحَضرَ صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادًا فأجَّجوا نارًا وأنْضَجُوا ما قذفوا فيها».

стр. 103

بل إن الكذب في المزاح خاصة جاء فيه خبر صريح عن النبي ﷺ من حديث أبي أمامة ﵁: «أنا زعيم بيت في رَبَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب في المزاح .. ». فجدير بعد ذلك بمن علم هذا الفضل المترتِّب على تجنُّب الكذب في المزاح، أن يأطر نفسه على تركه أطرًا، اقتداء بالنبي ﷺ : «الذي يمزح ولا يقول إلا حقًّا». خصوصًا إذا علم ما في مخالفة هذا الأمر من التعرض للوعيد الشديد. فعن بهز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدة القُشَيْري، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للذي يُحدِّث فيكذب، ليضحك به القوم، وَيْلٌ له، وَيْلٌ له». وفقنا الله وإياك لما يحب من الأعمال والأقوال، وجَنَّبنا مساخِطَه، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

стр. 104

ثالثًا: وعلى مَن أراد أن يمازح إخوانه أن لا يلحق بهم ضررًا لورود النهي عن ذلك كما في حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ضَرر ولا ضِرار»، ففي هذا الحديث قاعدة من قواعد الدين، تدلُّ على أن كل فعل أو ترك يلحق ضررًا بالآخرين فتركه واجب، فهو من جوامع الكَلِم التي أُعطيها ﷺ ، ولذلك نظمه الإمام النووي ﵀ في «أربعينيَّته»، والضرر أنواع، فمنها: أالإضرار بالضرب ونحوه، وقد صحَّ عنه ﷺ أنه قال في حديث طويل: « ... ولا تضربوا المسلمين». ب ومنها الترويع، ولعلَّه أكثر وقوعًا في هذا الباب، وقد وقع مثله في عهد النبي ﷺ ، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع رسول الله ﷺ في مسيرة فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى نبلٍ معه فأخذها فلما استيقظ الرجل فزع، فضحك القوم فقال: «ما يُضْحِكُكُم؟» فقالوا: لا، إلا أنَّا أخذنا نبل هذا ففزع، فقال رسول الله ﷺ : «لا يحلُّ لمسلم أن يروع مسلمًا».

стр. 105

ت ومن أنواع الإضرار أيضًا: أخذ متاع الغير (ويستوي في ذلك الجد والمزح)، فعن عبد الله بن السائب بن يزيد، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يأخذنَّ أحدكم متاع أخيه لا لاعبًا ولا جادًّا، ومَن أخذ عصا أخيه فَلْيَرْدُدْها». ث ومن أنواعه: التخويف بأن يشير إلى أخيه بسلاح «سكين ونحوها» بقصد الممازحة، وبئست الممازحة، فكم جرَّت من مصائب وَوَيْلات لم تكن بالحسبان، وكم أعقبت حسرة وندمًا لا ينقطعان، ولعل ذلك مصداق قول النبي ﷺ : «لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار». ولو قُدِّر أن من حمل السلاح في وجه أخيه زَعَمَ أنه يعلم من نفسه أن ذلك لن يفضي إلى مفسدة، فحسبه زاجرًا عن حمله في وجه أخيه أن الملائكة تلعنه حتى يضعه، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن

стр. 106

الملائكة تلعنه حتى ينتهي، وإن كان أخاه لأبيه وأمه». ج ومن أنواع الإضرار: السخرية والاستهزاء بأحد بعينه أو قبيلة أو طائفة أو أهل بلد، وكل ذلك مما دَرَجَت عليه ألسنة المزَّاحين، وحسبهم قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. هذا ما تيسَّر جمعه من ضوابط، ولم أقصد الاستقصاء، وما فاتني منها فاعرضه على قلبك فإن أفتاك وقد تجرَّد من هواه، فالزم فتواه، فعن وابصة بن مَعْبَد ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا أريد أن لا أدع شيئًا من البر والإثم إلا سألته عنه، وإذا عنده جمع فذهبت أتخطَّى الناس فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله ﷺ ، إليك يا وابصة قلت: أنا وابصة، دعوني أدنو منه فإنه من أحب الناس إليَّ أن أدنو منه، فقال لي: «ادن يا وابصة، ادن يا وابصة»، فدنوت منه حتى مَسَّت ركبتي ركبته. فقال: «يا وابصة، أخبرك ما جئت تسألني عنه، أو تسألني؟» فقلت: يا رسول الله، فأخبرني. قال: «جئت تسألني عن البر والإثم»، قلت: نعم، فجمع أصابعه الثلاث فجعل يَنْكُتُ بها في صدري ويقول: «يا وابصة، استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس،

стр. 107

والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس». ولعلَّ من المناسب أن أختم هذا الفصل بقول وهب بن منبه ﵀: «إذا أردت أن تعمل بطاعة الله- - فاجتهد في نصحك وعلمك لله، فإن العمل لا يقبل ممن ليس بناصح، وإن النصح لله لا يَكْمُل إلا بطاعة الله، كمثل الثمرة الطيبة ريحها طيب، وطعمها طيب، كذلك مثل طاعة الله، النصح ريحها، والعمل طعمها، ثم زيِّن طاعة الله بالعلم والحلم والفقه، ثم أكرم نفسك عن أخلاق السفهاء، وعَبِّدها على أخلاق العلماء، وعَوِّدها على فعل الحلماء، وامنعها عمل الأشقياء، وألزمها سيرة الفقهاء، اعزلها عن سبل الخبثاء» .. وقال: «ثم لا يستعين على شيء من قوله بالكذب، فإن الكذب في الحديث مثل الآكلة في الخشبة يُرَى ظاهرها صحيحًا، وجوفها نَخِرًا، لا يزال من يغتر بها يظن أنها حاملة ما عليها حتى تنكسر على ما فيها ويهلك من اغتر بها، وكذلك الكذب في الحديث لا يزال صاحبه يغتر به ويظن أنه معينه على حاجته وزائد له في رغبته حتى يُعرف ذلك منه، ويتبين لذوي العقول غروره .. ».

стр. 108

الخاتمة رزقنا الله حسنها ينقل عن أبي حيان التوحيدي أنه قال: «ينبغي أن لا يخلو تصنيف من أحد المعاني الثمانية التي تصنف لها العلماء وهي: اختراع معدوم، أو جمع متفرق، أو تكميل ناقص، أو تفصيل مُجْمل، أو تهذيب مطوَّل، أو ترتيب مخلَّط، أو تعيين مُبْهَم، أو تبيين خطأ». ثم أيها القارئ الكريم، بعد عرض مباحث الكتاب والتفصيلات المتعلقة بها يحسن أن نبيِّن خلاصة هذه المباحث في نقاط: ١ - تقديم هدي النبي ﷺ ، في جميع نواحي الحياة، والتحذير من مخالفته إذ كل شيء خالف أمره أو نهيه فهو مردود في الدنيا، مسؤول عنه يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾. ٢ - معنى المزاح والدعابة واشتقاقهما.

стр. 109

٣ - إنَّ كلمة «مزاح» ليست مشتقة من «زاح» أي مال، وبيان بطلان التدليل على ذلك من ستة أوجه. ٤ - بطلان القول بتحريم المزاح مطلقًا؛ بل الحق إباحته، والإذن فيه. وعليه: فإن ما روي عن السلف في التحذير منه محمول على الاستكثار منه، والمداومة عليه. ٥ - لم يأت حديث صحيح صريح في النهي عن الدعابة والمزاح، بل الأدلة على خلاف ذلك. ٦ - أن المزاح غالبًا ما يكون إما لإيناس الحاضرين، أو لنفي الفتور والتعب والملل عنهم. ٧ - كريم أخلاق نبينا ﷺ ، وجميل دعابته وممازحته للكبير والصغير. ٨ - أن خير من تابع النبي ﷺ ، في هذا الباب- وغيره- أصحابه ﵃ ثم تابعوهم، وذكر صور من دعاباتهم. ٩ - المزاح لا يجوز بشيء مما جاء عن الله أو رسوله ﷺ ؛ لأن جانب الشرع محترم، يصان عن الضحك والاستهزاء والسخرية. ١٠ - أن الكذب -باسم المزاح- لا يجوز؛ إذ كيف يكون المزاح مبيحًا للكذب؟ وقد كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقًّا مع كون الأحاديث متواترة في تحريم الكذب. ١١ - أن إلحاق الضرر بالمسلم لا يجوز، وإن كان ذلك ممازحة.

стр. 110

تلك أبرز مباحث الكتاب، وإني لأرجو الله أن أكون قد وفيت الباب حقه ولا أُبَرِّئُ نفسي من النقص والخطأ، إذ البضاعة مزجاة، والجهد قليل والموطن ناءٍ. والظَّنُّ بالقارئ الكريم إقالة العثرة، واتخاذ العذر، وإصلاح الخطأ، ورحم الله القائل: إن تجد عيبًا فَسُدَّ الخللَ ... جلَّ من لا عيب فيه وَعَلا والله أسأل أن يتقبل هذا الجهد بقبول حسن، وأن يُنَمِّيَهُ عنده، وأن يكتب لي به أوفر الحظ والنصيب ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. والله أعلى وأعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وكتب: فهد بن مقعد النفيعي العتيبي ٢٠/ ٩ /١٤١٧ هـ في مدينة عفيف