← Тараджим

Тараджим · id 745

المستفاد من ذيل تاريخ بغداد - ط العلمية

ابن أيبك الدمياطي

Полный текст (191 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله. فإن كتاب «المستفاد من تاريخ بغداد» أحد ذيول «تاريخ بغداد» للخطيب وهو عدد من التراجم التي اختارها ابن الدمياطي من الأصل الذي لم يصل إلينا منه إلا القليل، وعلى الرغم من أن عمل ابن الدمياطي يعتبر سطحي إلا أن هذا العمل يعد أكثر منفعة وأهمية لطلاب الحديث والأدب. ولقد بلغت تراجم هذا المختصر مائتين وأحد عشر شخصا، ستة منهم نساء، وقد بدأ ابن الدمياطي كتابه بترجمة لابن النجار نقلا عن ابن الدبيثي، ثم دون التراجم بعد ذلك حسب الاسم ابتداء بمحمد بن أحمد الحسين، ثم إبراهيم، وانتهاء بيوسف. وبعد ذلك الكنى، ثم النساء. وقد اهتم ابن الدمياطي في اختياره بالذين اشتهر عنهم السماع والتحديث. صاحب المستفاد: هو أبو الحسين أحمد بن أيبك بن عبد الله الحسامي، يعرف بابن الدمياطي. ولد بمصر سنة ٧٠٠ هـ بدمياط ونشأ بها ثم رحل إلى الشام سنة ٧٤٠ هـ ثم عاد إلى مصر إلى أن مات بالطاعون سنة ٧٤٩ هـ. وترك من المؤلفات ما لا بأس به منها: ١ - ذيل على كتاب صلة التكملة لوفيات النقلة. ٢ - تخريج حديث الرافعي. ٣ - تخريج معاجم الدبوس والسبكي وغيرهما.

стр. 2

٤ - المستفاد من تاريخ بغداد (١). الكتاب ومنهج التحقيق: الكتاب مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٩٥٥ يقع في ١٦٨ صفحة المتوسط. وقد قمنا بمراجعة المطبوعة على المخطوط وأثبتنا بعض ما ورد به من أغلاط مع تصحيحها وأغفلنا بعضها. قمنا بتخريج ما ورد به من تراجم كلما أمكن، وعلقنا على بعض المواضع وقدمنا الكتاب بمقدمة مبسطة. وندعو الله أن يجعله في صالح أعمالنا إنه قريب مجيب. _________ (١) انظر ترجمته في: الدرر الكامنة ١/ ١٠٨. وكشف الظنون ٢٠٢٠. والأعلام ١/ ١٠٢.

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأكملان الأتمان على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. أما بعد! فإن علم الحديث من أشرف العلوم قدرا، وأكملها شرفا وذخرا، لا سيما معرفة تراجم العلماء وأحوال الفضلاء. وهذه تراجم وقع الاختيار عليها من «ذيل تاريخ بغداد» للحافظ محب الدين أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل محمود بن أبي محمد الحسن بن هبة الله بن محاسن بن هبة الله البغدادي المعروف بابن النجار. كان مولده في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة في ليلة الثالث والعشرين من ذي القعدة ببغداد، وتوفي بها في بكرة الخامس من شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة، ودفن بمقابر الشهداء بباب حرب. وكان قد سمع ببغداد من أبي الفرج بن كليب وأبي حفص ابن طبرزد وأبي علي حنبل الرصافي وذاكر بن كامل والمبارك بن المبارك بن المعطوش (١) والحافظ أبي الفرج بن الجوزي في جماعة من أصحاب ابن الحصين (٢) والقاضي أبي بكر الأنصاري. وحج وسمع بمكة والمدينة. ورحل إلى الشام، فسمع بدمشق من أبي اليمن الكندي وابن الحرستاني (٣)، وبحلب من الهاشمي. ودخل بغداد. ورحل منها إلى أصبهان وخراسان. سمع بأصبهان من جماعة من أصحاب إسماعيل بن الفضل بن الإخشيد وزاهر الشحامي؛ وبنيسابور من المؤيد وزينب السعدية في آخرين؛ وبمرو من أبي المظفر بن السمعاني. وسمع ببسطام ودامغان وساوه وهمذان. ثم رحل إلى ديار مصر، وسمع بمصر والإسكندرية من جماعة من أصحاب الحافظ أحمد بن محمد السلفي، وكتب بخطه الكثير، وجمع وألف. وكان حافظا متقنا، عمدة، حسن التصنيف، عالي الهمة في طلب الحديث. ومن نظر في هذا التاريخ علم محله

стр. 4

وإتقانه وكثرة اطلاعه وسعة رحلته- ﵀. وقد أنبأني بجميع هذا التاريخ (١) الشيخ أبو محمد القاسم بن مظفر بن محمود بن عساكر الدمشقي وجماعة، وكان مولده في سنة تسع وعشرين [وستمائة] (٢) وتوفي بدمشق في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة- ﵀. قال: كتب إلي الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار البغدادي منها، رحمه الله تعالى. يتلوه محمد بن أحمد الشاشي. ١ - محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي، أبو بكر (٣): ولد بميافارقين، وتفقه بها على أبي عبد الله محمد بن بيان الكازروني وعلى القاضي أبي منصور الطوسي صاحب أبي محمد الجويني، ودخل بغداد ولازم أبا إسحاق الشيرازي وقرأ على أبي نصر بن الصباغ «كتاب الشامل». وسمع الحديث من أبي جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة وأبي الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون والقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء وغيرهم، وسمع بميافارقين من شيخه الكازروني وحدث، سمع منه جماعة من الحفاظ. وكان من الأئمة الأعلام وفقهاء الإسلام، مرجوعا إليه في الفتاوى والأحكام ومعرفة الحلال والحرام. وقد صنف في المذهب عدة مصنفات مشهورة. قال أبو بكر الشاشي: رأيت كأني أنشد هذه الأبيات في النوم من غير أن تكون على ذكرى: قد نادت الدنيا على نفسها … لو كان في العالم من يسمع كم واثق بالعمر أفنيته … وجامع بدّدت ما يجمع وحدث محمد بن عبد الله القرطبي الفقيه قال: حضرت عند الإمام أبي بكر الشاشي وقد أغمى عليه في مرضه. فلما أفاق أحضروا له ماء ليشربه، قال: لا أحتاج مذ سقاني الآني ملك شربة أغنتني عن الطعام والشراب ثم مات. مولده في يوم الأحد سابع المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وتوفي ليلة السبت خامس عشري شوال سنة سبع وخمسمائة، ودفن يوم السبت في تربة الشيخ أبي

стр. 5

إسحاق الشيرازي، وصلى عليه ولده الأكبر بجامع القصر- ﵀. ٢ - محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور بن إبراهيم الدقاق أبو بكر المعروف بابن الخاضبة (١): طلب الحديث وسمع الكثير من القاضي أبي الحسين محمد بن علي بن المهتدي وأبي الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون وأبي جعفر محمد بن المسلمة وأبي الحسين بن أحمد ومحمد بن النقور وأبي عبد الله محمد بن علي بن سكينة، والحافظ أبي بكر أحمد ابن علي الخطيب، وببيت المقدس أبا الحسين محمد بن بكر بن عثمان الأزدي وأبا زكريا عبد الرحيم بن أحمد البخاري. وكتب بخطه كثيرا من الحديث والسير والأدب لنفسه وتوريقا للناس، وكان يكتب خطا حسنا وله معرفة بهذا الشأن. ويوصف بالحفظ والصدقة والثقة، وكان ورعا زاهدا محبوبا إلى الناس. قال محمد بن طاهر المقدسي: ما كان في الدنيا أحسن قراءة للحديث من أبي بكر ابن الخاضبة في وقته؛ لو سمع بقراءته إنسان يومين لما ملّ قراءته. قال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: سمعت أبا بكر بن الخاضبة يقول: لما كانت سنة الغرق وقعت داري على قماشي وكتبي، ولم يكن لي شيء، وكان لي عائلة: الوالدة والزوجة والبنات (٢)، فكنت أورق الناس وأنفق على الأهل. فأعرف أني كتبت «صحيح مسلم» في تلك السنةبالوراقة سبع مرات، فلما كان ليلة من الليالي رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت. ومناد ينادي: أين ابن الخاضبة؟ فأحضرت، فقيل لي: ادخل الجنة، فلما دخلت الباب وصرت من داخل استلقيت على قفاي ووضعت إحدى رجلي على الأخرى وقلت: آه، استرحت والله من النسخ. توفي أبو بكر بن الخاضبة في ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الأول من سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وصلي عليه بكرة يوم الجمعة في جامع القصر، وكان له يوم مشهود. ٣ - محمد بن أحمد بن محمد بن سعيد بن زيد المنقري التكريتي، أبو البركات بن أبي الفرج بن أبي نصر (٣):

стр. 6

أصله من تكريت، وولد ببغداد في سنة أربعين وخمسمائة ونشأ بها، وكان يسكن بدرب الخبازين، وكان يبيع البربحان الصفة (١) بسوق الثلاثاء؛ وكان كثير المخالطة لأهل الأدب والفضل. ومن شعره: تصدت لقتلي بعد طول صدودها … بنفسي أفدي من تصدّت وصدت أماتت بذات الهجر مني مهجة … فلو أنها بالطيف حيث لأحيت أطاعت هوى الواشين في قتل وامق … وما استيقنت لكن تظنت وظنت أعالج فيها شقة ومشقة … فأهوى عذابي شقتي ومشقتي طويت الهوى في القلب والبعد … فوا كبدي من طيتي وطويتي نحوها وله: في ذلتي في حبكم وخضوعي … عار ولا شغفي بكم ببديع دين الهوى ذل وجسم ناحل … وسهاد أجفان وفيض دموع كم قد لحاني في هواكم لائم … فثنيت عطفي عنه غير سميع ما يحدث للقلب عندي سلوة … لكم ولو جئتم بكل قطيع وإذا الحبيب أتى بذنب واحد … جاءت محاسنه بألف شفيع توفي أبو البركات بن زيد في شهر ربيع الأول من سنة تسع وتسعين وخمسمائة بالموصل ودفن بها. ٤ - محمد بن الحسين بن الحسن بن الخليل بن الحسين أبو الفرح، الأديب (٢): من أهل [هيت] (٣) نزل بغداد، وكان يسكن باب البصرة، و [قرأ] الأدب على الشريف (٤) أبي السعادات بن الشجري، وأنشأ الخطب والمقامات. ومن شعره:

стр. 7

أمغرى بالدلال دع الملالا … فمن يدم السري يجد الكلالا (١) ولا تنس الإخا واذكر عهودا … عهدنا للسرور بها انقبالا (٢) ولو حملت ما حملت من ضنبا؟ … من الهجران لم تطق احتمالا ولست وإن حملت رسيس وجد … بهجرك مزمعا عنك احتمالا فهب لمتيم يهواك قلبا … يحاذر من تقلبك اغتيالا وإن تك غير منّان بوصل … فزر بخيالك الدنف الخيالا مولده سنة سبع وتسعين بهيت- وقيل: سنة خمس وتسعين وأربعمائة تقريبا، وتوفي يوم الأربعاء لسبع بقين من ربيع الأول سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ودفن من الغد [عند قبر] (٣) الإمام أحمد. وذكر أبو بكر بن مشّق: أنه توفي ليلة الخميس رابع عشر ربيع الآخر. ٥ - محمد بن الحسين بن عبد الله بن يوسف بن الشّبل بن أسامة، أبو علي الشاعر (٤): من أهل الحريم الطاهري صاحب الديوان المشهور، وحدث عن أبي الحسن أحمد ابن علي بن الباذي والأمير أبي محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله، وكان أبو علي هذا إماما في النحو واللغة وعلم الأدب، وعلق عنه الحافظ أبو بكر الخطيب شيئا من رسائله. ومن شعره: يا قلب مالك لا تفيق وقد … رأت عيناك ذلّ مصارع العشاق فبكت بك الحدق الحسان ولم تزل … تشكي [إليك] (٥) جناية الأحداق لو مس وجدي عين (٦) عذبه … والنار أذهلها عن الإحراق صروا على أبياتكم بلديغكم … يشفي ولا سعة هلاك الراقي واستوهبوا لي نظرة تحيي بها … ما مات مني أن يموت الباقي فوقى العقارب في السوالف رشفها … والسم ممتزج مع الترياق (٧)

стр. 8

مولده في سنة إحدى وأربعمائة، وتوفي في الحادي والعشرين من المحرم سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، ودفن بباب حرب. وكان سماعه من الباذي غريب الحديث. وهو أحد المجودين (١) من الشعراء- رحمه الله تعالى. ٦ - محمد بن حماد بن المبارك بن محمد بن حيان الشيباني المحرزي أبو نزار (٢) (٣): من أهل باب الأزج، ذكره أبو عبد الله محمد بن محمد الأصبهاني في كتاب «الخريدة» الذي جمعه في شعراء العصر، وأجازني روايته عنه، قال: محمد بن حماد ابن المحرزي أديب فاضل من أهل [العلم] (٤)، متطرف من كل فن، وكان مشغوفا بالجمع والتصنيف، توفي ستين وخمسمائة. فمن شعره قوله: فتنتني فتانة الألحاظ … صعبة الطوع سهلة الألفاظ خدلة عبلة (٥) كعوب لعوب … بعقول النّسّاك والوعاظ ريقها يبرد الغليل ويشفي (٦) … سقم القلب من لهيب الشواظ (٧) لست آسي عليك وصلا ولكن … لذة الحب بعد لوك المظاظ ٧ - محمد بن محمد بن خلف بن الحسين بن المنى، أبو بكر البندنيجي المعروف بحنفش (٨): أسمعه والده الحديث في صباه من أبي محمد الصريفيني وأبي الحسين بن النقور وأبي القاسم عبد الله بن الحسن الخلال وعلي بن أحمد بن محمد بن البسري. أخبرنا شهاب بن محمود المزكي بهراة قال: سمعت أبا سعد بن السمعاني يقول: محمد بن أحمد بن خلف البندنيجي أبو بكر نزل بغداد، وسكن النظامية، وتفقه على

стр. 9

أبي سعد المتولي، فكان يتكلم في المسائل، وكان عسرا في الرواية، سيئ الأخلاق، ضجورا، أدار إلى أصحاب الحديث يتبرم بهم، وسمعت غير واحد ممن أثق بهم إنه كلّ بالصلوات، وليست له طريقة محمودة. وسمعت أبا نصر الفتح بن أحمد بن عبد الباقي اليعقوبي بنيسابور يقول: قيل لحنفش إن ابن السمعاني ذكرك في «المذيل» وجرحك، فقال: ترى أخرج عني الدم؟. سألته عن مولده، فقال: بعد قتل البساسيرى، وكان قتله في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. كتب إليّ أبو المعالي بن الصناع أن حنفش توفي يوم الخميس من شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، ودفن بالوردية وقيل: إنما لقب «حنفشا» لأنه كان حنبليّا ثم صار حنفيّا ثم صار شافعيّا. ٨ - محمد بن سعيد بن إبراهيم بن سعيد بن نبهان، أبو علي بن أبي الغنائم الكاتب (١): من أهل الكرخ أسمعه جده لأمه أبو الحسين هلال بن المحسن الصابئ من أبي علي الحسن بن أحمد بن أدهم بن شاذان وابن الحسن بشرى بن عبد الله الفاتني وأبي علي الحسن بن الحسين بن دوما النعالي، ولم يبق على وجه الأرض من يروي عن هؤلاء الأربع غيره و [قرأت] (٢) عنه بخط أبي بكر الخطيب. أخبرنا أبو محمد بن الأخضر، قال: أنشدنا محمد بن ناصر من لفظه، قال: أنشدنا أبو علي بن نبهان لنفسه: أسعدنا من وفّقه الله … لكل فعل منه يرضاه ومن رضى من رزقه بالذي … قدّره الله وأعطاه واطرح الحرص وأطماعه … في نيل ما لم يعطه مولاه طوبى لمن فكر في بعثه … من قبل أن يدعو به الله واستدرك الفارط فيما مضى … وما نسى والله أحصاه فالموت حتم في جميع الورى … طوبى لمن تحمد عقباه

стр. 10

وكل من عاش إلى غاية … في العمر فالموت قصاراه يعلمه (١) حقا يقينا بلا … شك ولكن يتناساه (٢) كأنما خص به غيرنا … أو هو خطب نتوقاه (٣) قال أبو العلاء محمد بن جعفر بن عقيل البصري: كان شيخنا أبو علي بن نبهان إذا مكثوا أصحاب الحديث عنده زمانا فقال: قوموا واخرجوا فإن عندي مريضا. بقي على هذا سنين، فكان الناس يقولون «مريض ابن نبهان قط لا يبرئ». مولده سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وتوفي في ليلة الأحد السابع عشر من شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة، ودفن يوم الأحد في داره بالكرخ، وبلغ من العمر ستا وتسعين سنة. قال الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر: ولم يكن من أهل الحديث، وكان رافضيا. ٩ - محمد بن سعيد بن يحيى بن علي بن الحجاج بن محمد بن الحجاج بن مهلهل بن مقلد، أبو عبد الله بن أبي المعالي بن أبي طالب الدّبيثي (٤): من أهل واسط، ذكر أنه ولد بواسط في يوم الأحد بعد صلاة الظهر السادس والعشرين من رجب سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وقرأ القرآن بالروايات السبع والعشر على أبي الحسن علي بن المظفر خطيب شافياء (٥) وعلى أبي بكر الباقلاني، وهما من أصحاب القلانسي، وتفقه على المجير محمود بن المبارك البغدادي لما قدم عليهم واسط. قال: وعلقت عنه الأصلين والخلاف. وقرأ الأدب على شيخنا مصدق؛ وسمع الحديث بواسط من القاضي أبي طالب محمد بن علي بن الكتاني، ورحل إلى بغداد مرارا، وسمع بها من أبي العز محمد ابن محمد بن الخراساني وأبي الفتح بن شاتيل وأبي السعادات القزاز (٦) وأبي العلاء بن عقيل وعبد الجبار بن الأعرابي، وظاعن (٧) بن محمود الخياط وأبي منصور البغدادي

стр. 11

في آخرين، وكان حسن الصحبة وجميل الأخلاق والتودد والديانة وحسن الطريقة. أنشدني أبو عبد الله محمد بن سعيد بن يحيى الحافظ لنفسه: مدارك أعلام الشريعة أصلها … حديث رسول الله إذ كان يشرع فكن جامعا منه لما صح نقله … فقد فاز من أمسى لما قال يجمع ولا تستمع من كان فيه مفندا … فلتدين (١) الحكماء عن الخير تدفع توفي أبو عبد الله بن الدبيثي في يوم الاثنين ثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وستمائة، ودفن من الغد بالوردية. وكان قد أضر في آخر عمره. ١٠ - محمد بن سليمان بن قترمش (٢) بن تركانشاه السمرقندي أبو منصور (٣): من أولاد الأمراء، وكان أديبا فاضلا، له النثر والنظم الجيد، يحفظ كثيرا من الحكايات والأشعار والنوادر ويكتب خطا مليحا، وكان عارفا بالنحو واللغة والحساب والفلسفة، وكان قليل الدين لا يعتقد شيئا. أنشدنا أبو منصور محمد بن سليمان لنفسه بالمدرسة النظامية: يبكي عليك وحقه يبكيكا … صب بمهجة نفسه يفديكا ظمآن من شوق إليك وربه … لو كنت تنقعه مراشف فيكا يا مسلمي لصدوده وبعاده … رفقا سلمت فبعض ذا يكفيكا زعموا بأنك في الجمال كيوسف … صدقوا فرفقا يوسف يأتيكا مولده في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وتوفي عشية الاثنين السادس والعشرين من ربيع الآخر سنة عشرين وستمائة، وصلى عليه بالمدرسة النظامية، ودفن بالشونيزية.

стр. 12

١١ - محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله أبو الفضل (١): من أهل باب البصرة، كان خطيبا بجامع المنصور مدّة ثم تولى الخطابة بجامع القصر، وكان من أهل الديانة مديما للصيام، قرأ القرآن على أبي الخطاب أحمد بن علي بن عبد الله الصوفي، وسمع أباه وأبا القاسم عبد الله بن الحسن الخلال وأبا الحسين أحمد بن محمد بن النقور وأبا القاسم علي بن أحمد بن البسري. مولده في العشر الأول من ذي الحجة سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وتوفي في يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، ودفن يوم السبت في باب حرب على أبي الوفا بن القواس. ١٢ - محمد بن عبد الله بن عمر بن محمد بن الحسين بن علي الظريف (٢) بن محمد بن أبي بكر أحمد بن الحسن بن سهل بن عبد الله الفارسي، أبو الحياة بن أبي القاسم بن أبي الفتح بن أبي بكر الشاه بوري الواعظ (٣): من أهل بلخ، سافر أبو الحياة في طلب العلم وجال في خراسان وما وراء النهر؛ سمع ببلخ أباه وأبا حفص عمر بن علي المحمودي وأبا بكر محمد بن محمد الخلمي وأبا الشجاع عمر بن أبي الحسن بن عبد الله البسطامي؛ وبخوارزم محمود بن محمد بن عباس بن أرسلان وأبا حامد محمد بن إبراهيم بن أبي زكريا الفارابي، وبمصر أبو محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير، وبالإسكندرية أبا طاهر السلفي وأقام عنده زمانا، وروى السلفي عنه، وكان يعظمه ويبجله ويعجب بكلامه؛ ثم قدم بغداد مرات، ثم استوطنها إلى حين وفاته. وكان يعقد مجلس الوعظ بالنظامية، وكان فاضلا عالما مليح الوعظ، حسن الإيراد، حلو الاستشهاد، رشيق المعاني، لطيف الألفاظ، فصيح اللهجة؛ له يد باسطة في تنميق الكلام وتزويقه، وكان يرمي بأشياء منها شرب الخمر وشرى الجواري المغنيات وسماع الملاهي المحرمة، وأخرج عن بغداد مرارا لأجل ذلك. سمعت عبد العظيم بن عبد القوي المنذري الحافظ بالقاهرة يقول: سمعت شيخنا

стр. 13

الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي يقول: كتب البلخي مرة رقعة إلى شيخنا الحافظ السلفي وكتب على رأسها «فراش لمعة وفراش سمعة» قال: فأعجب بها شيخنا كثيرا وكان يكررها. ويقال إنه كان يسب الصحابة (١) كثيرا. مولده في أوائل سنة ثلاثين وخمسمائة في ربيع الأول منها، وتوفي في يوم الجمعة التاسع عشر من صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة- ﵀. ١٣ - محمد بن عبد الله بن محمد [بن] (٢) أبي الفضل السّلميّ، أبو عبد الله (٣): من أهل مرسية من بلاد الأندلس- قدم علينا بغداد شابا طالبا للعلم قافلا من مكة سنة خمس وستمائة، وأقام يسمع من شيوخنا الحديث ويقرأ الفقه والخلاف والأصلين بالمدرسة النظامية، ثم إنه سافر إلى خراسان وسمع بنيسابور وهراة؛ وحدّث ببغداد بكتاب «السنن» لأبي بكر البيهقي (٤) عن منصور بن عبد المنعم الفراوي. وكان من الأئمة الفضلاء في جميع فنون علم (٥) الحديث وعلوم القرآن والفقه والخلاف والأصلين والنحو واللغة، وله قريحة حسنة، وفهم ثاقب، وتدقيق في المعاني، وله مصنفات في جميع ما ذكرناه من العلوم، وهو مشتغل بذلك في جميع أوقاته، وله النظم والنثر المليح، ومع ذلك فهو زاهد متورع، حسن الطريقة، متدين، كثير العبادة، متعفف، نزه النفس، قليل المخالطة للناس، ما رأيت في فنه مثله. أنشدنا الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الفضل السلمي لنفسه: من كان يرغب في النجاة فما له … غير اتباع المصطفى فيما أتى ذاك السبيل المستقيم وغيره … سبل الضلالة والغواية والردى فاتبع كتاب الله والسنن التي … صحت فذاك إذا اتبعت هو الهدى ودع السؤال بكم وكيف فإنه … باب يجر ذوي البصيرة للعمى

стр. 14

الدين ما قال الرسول وصحبه … والتابعون ومن مناهجهم قفى وله أيضا: قالوا فلان قد أزال بهاءه (١) … ذاك العذار وكان بدر تمام فأجبتهم: بل زاد نور بهائه … ولذا تزايد فيه فرط (٢) عرامي استقصرت ألحاظه فنكأتها … فأتى العذار يمدها بسهام مولده بمرسية في سنة سبعين وخمسمائة. قلت وتوفي بين الزعقة والعريش من منازل الرمل وهو متوجه من مصر إلى دمشق في النصف من شهر ربيع الأول من سنة خمس وخمسين وستمائة، ودفن في بقعة بتل الزعقة- ﵀. ١٤ - محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان، أبو الفتح بن أبي القاسم الحاجب المعروف بابن البطي (٣): من ساكني الصاغة من دار الخلافة، محدّث بغداد في وقته، [به] (٤) ختم الإسناد، وكان أبواه صالحين، فعاد عليه بركتهما، سمع بإفادة أبي بكر بن الخاضبة، وأخذ له الإجازات من الشيوخ، وكان شيخا صالحا، حسن الطريقة، مليح الأخلاق، محبّا للتحديث، صدوقا، أمينا، سمع أبا عبد الله مالك بن أحمد بن علي البانياسي وأبا الخطاب نصر بن أحمد بن البطر وأبا عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد النعالي والنقيب طراد [بن محمد] (٥) الزينبي وأبا محمد عبد الله بن علي بن ذكري الدقاق وأبا محمد رزق الله التميمي وأبا عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي وأبا بكر أحمد بن عمر السّمرقندي. وروي عنه جماعة من الحفاظ الأكابر. مولده في يوم السبت رابع عشري جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وتوفي في ليلة الجمعة، ودفن يوم الجمعة ثامن عشري جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة بباب أبرز (٦).

стр. 15

١٥ - محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مشجعة بن الحارث (١) بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، أبو بكر بن أبي طاهر البزاز (٢): من أهل النصرية، بكر به أبوه فأسمعه من أبي إسحاق إبراهيم البرمكي والقاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري وأبي الحسن محمد بن أحمد بن الآبنوسي، وأبي الحسن علي بن أبي طالب المكي وأبي الفضل هبة الله بن أحمد بن المأموني، فهؤلاء تفرد بالرواية عنهم. وسمع أيضا بنفسه القاضي أبا يعلى الفراء وعبد العزيز الأنماطي وعبد الله بن الحسن الخلال والقاضي أبا المظفر صاحب إبراهيم النسفي. وقرأ بنفسه وكتب بخطه، وتفقه في صباه على القاضي أبي يعلى بن الفراء. وقرأ الفرائض والحساب والهندسة حتى برع في جميع ذلك، وله فيه مصنفات. قرأت بخط أبي الفضل بن سامع: سمعت أبا محمد بن الخشاب يقول: سمعت قاضي المرستان- يعني محمد بن عبد الباقي- يقول: نظرت في كل علم وحصلت منه بعضه (٣) أو كله إلا هذا النحو، فإني قليل البضاعة فيه. أخبرني شهاب بن محمود المزكي بهراة قال: أنبأني أبو سعد بن السمعاني قال: محمد بن عبد الباقي الأنصاري أسند شيخ بقي على وجه الأرض، وكانت إليه الرحلة من أقطار الأرض، عارف بالقوم، متدين، حسن الكلام، حلو المنطق، مليح المحاورة، ما رأيت أجمع للفنون منه، وكان سريع النسخ، حسن القراءة للحديث. سمعته يقول: ما أعرف أني ضيعت ساعة من عمري في لهو أو لعب. مولده في صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وتوفي في رجب سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، ودفن بباب حرب قريبا من بشر الحافي؛ وأوصى أن يكتب على لوح قبره: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾. ١٦ - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي الحسن مسعود بن أحمد بن الحسين ابن محمد المسعودي، أبو عبد الله البنجديهي الصّوفي (٤):

стр. 16

هكذا رأيت نسبه بخطه- رحل في طلب الحديث وطاف الأقطار: خراسان والعراق وآذربيجان والجزيرة وديار مصر والشام، وكان من الفضلاء في كل فن في الفقه والحديث والأدب، وله مصنفات: منها «شرح المقامات». سمع ببلده أباه أبا السعادات عبد الرحمن وأبا الفضل عبد الرحمن بن الحسن بن علي بن شراف، وبسجستان أبا محمد عبد الله بن عمر بن أبي بكر السجزي، وببلخ أبا شجاع عمر بن محمد بن عبد الله البسطامي وأبا الفتح حمزة بن محمد بن الحسون، وبنيسابور أبا بكر محمد بن علي الزاهد الطوسي وأبا المظفر محمد بن الحسن بن الحسين الزاهد، وبكرمان أبا المعالي إسماعيل بن الحسين المقرئ اللغوي، وبأصبهان أبا بكر محمد بن إبراهيم بن محمد الصالحاني، وبهمذان أبا الفرح ظهير بن زهير بن علي الرفاد، بتبريز أبا الصنوف إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم الحريري، وببغداد أبا المظفر محمد بن أحمد بن التريكي وأبا الفتح محمد بن عبد الباقي بن سلمان وأبا محمد عبد الواحد بن الحسين البارزي، وبالموصل أبا محمد عبد الرحمن بن أحمد الطوسي، وبديار بكر أبا عبد الله مروان بن علي بن سلامة الوزير، وبمصر أبا محمد عبد الله بن رفاعة ابن غالب وأبا محمد عبد الله بن برى (١)، وبالإسكندرية أبوي طاهر أحمد بن محمد السلفي وإسماعيل بن مكي بن عوف. كتب إلى عبد الخالق بن صالح بن زيدان المكي وأنشدني عنه ياقوت الحموي بحلب، قال: أنشدني محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعودي لنفسه: قالت عهدتك تبكي … دما حذار التنائي فلم تعوضت عنها … بعد الدماء بماء؟ فقلت: ما ذاك مني … لسلوة أو عزاء (٢) لكن دموعي شابت … من طول عمر بكائي توفي المسعودي في ليلة السبت التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول، سنة أربع وثمانين وخمسمائة بدمشق، ودفن بسفح قاسيون. وذكر أن مولده في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.

стр. 17

١٧ - محمد بن عبيد الله بن عبد الله، أبو الفتح الكاتب (١): سبط المبارك بن المبارك، المعروف بابن التعاويذي، من ساكني دار الخلافة، وكان شاعرا مجودا رشيق الألفاظ مليح المعاني رقيق الغزل حلوالعبارة، أكثر القول في الغزل وحدّث بشعره. أخبرنا أبو الحسين بن الوارث قال: أنشدنا ابن التعاويذي لنفسه: أمط اللثام عن العذار السائل (٢) … ليقوم عذري فيك عند عواذلي واغمد لحاظك قد فللت تجلدي … واكفف سهامك قد أصبت مقاتلي لا تجمع الشوق المبرح والقلى … والبين لي أحد (٣) الثلاثة قاتلي يكفيك ما تذكيه بين جوانحي … لهواك نار لواعجي وبلابلي وهناك أني لا أدين صبابة … لهوى سواك ولا ألين لعاذلي بت لاهيا جذلا بحسنك إنني … مذ بتّ في شغل بحزني شاغل واعطف على جلد كعهدك في الهوى … واه وجسم مثل خصرك ناحل ويلاه من هيف بقدك ضامن … تلفي ومن كفل بوجدي كافل وبنفسي الغضبان لا يرضيه غي … ر دمي وما في سفكه من طائل (٤) تصمي نبال جفونه قلبي فلا … شلت وإن أصمت يمين النابل ويهز قدا كالقناة لحاظه … لمحبه منها مكان العامل عانقته أبكي ويبسم … كالبرق أومض مض في غمام هاطل فألين في الشكوى لفاس قلبه … وأجد في وصف الغرام الهازل أخبرنا علي بن المبارك بن علي الحلاوي (٥)، قال: أنشدنا ابن التعاويذي لنفسه: تعشقته واهي المواثيق مذاقا … نرى كل يوم في الهوى منه أخلاقا أشد نفارا من جفوني عن الكرى … وأضعف من عزمي على الصبر (٦) سباقا كثير التجني كما قل عطفه … على عاشقيه زاده الله عشاقا

стр. 18

يجول (١) على متنيه سود غدائر … كما نفض الغصن المرنح أوراقا وقالوا نجا من عقرب الصدغ خده … فقلت اعترفتم أن [في] (٢) فيه درياقا شكوت إليه ما أجن فقال لي … هل الوجد إلا أن تجن وتشتاقا إذا ما تعشقت الحسان ولم تكن … صبورا على البلوى فلا تك عشاقا مولده في يوم الجمعة عاشر رجب سنة تسع عشرة وخمسمائة، وتوفي يوم السبت ثامن عشر شوال سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وكان قد أضر في آخر عمره. ١٨ - محمد بن علي بن الحسن المؤذّن، أبو عبد الله الترمذي المعروف بالحكيم (٣): كان إماما من أئمة المسلمين، له المصنفات الكبار في أصول الدين ومعاني الأحاديث، وله كتاب «نوادر الأصول». حدث عن والده وعن قتيبة بنسعيد وإبراهيم بن يوسف الحضرمي وعلي بن حجر وقبيصة بن عقبة السوائي وصالح بن محمد ومحمد بن علي الشقيقي ومحمد بن مؤيد الواسطي وعمر بن أبي عمر العبدي ومحمد بن موسى الحرشي ومحمد بن بشار وسفيان بن وكيع. ١٩ - محمد بن علي بن الحسن بن صدقة الحراني البزّاز، أبو عبد الله التاجر، يعرف بابن الوحشي: من أهل حران؛ سمع بنيسابور صحيح مسلم وغيره من أبي عبد الله الفراوي، وعاد إلى الشام، واستوطن بدمشق، وبنا بها مدرسة لأصحاب أحمد بن حنبل. مولده سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وتوفي ليلة الثلاثاء سادس عشر ربيع الآخر سنة أربع وثمانين وخمسمائة. ٢٠ - محمد بن علي بن عبيد الله بن أحمد بن صالح بن سليمان بن ودعان، أبو نصر (٤): من أهل الموصل؛ وكان يتولى القضاء بها. قدم بغداد مرارا. قال السلفي: ليس بثقة.

стр. 19

قرأت بخط أبي الفضل محمد بن ناصر قال: رأيت القاضي بن ودعان (١) لما دخل بغداد وحدث بها ولم أسمع منه شيئا لأنه كان متهما بالكذب. وكتابه في الأربعين سرقه من زيد بن رفاعة، وحذف منه الخطبة، وركب على كل حديث منه رجلا أو رجلين إلى شيخ زيد بن رفاعة؛ وزيد بن رفاعة وضعه أيضا وكان كذّابا، وألّف بين كلمات قد قالها النبي ﷺ وبين كلمات من كلام لقمان والحكماء وغيرهم، وطول الأحاديث. مولده سنة اثنتين وأربعمائة في شعبان بالموصل، وتوفي في محرم سنة أربع وتسعين وأربعمائة. ٢١ - محمد بن علي بن محمد بن العربي، أبو عبد الله الطائي (٢): من أهل الأندلس؛ ولد بمرسية ونشأ بها ودخل بلاد الشرق وبلاد الشام ودخل بلاد الروم، وصنف كتبا في علم التصوف (٣) وفي أخبار المشايخ، وكان ورعا زاهدا. أنشدني أبو عبد الله محمد بن العربي لنفسه بدمشق: أيا حائرا ما بين علم وشهوة … ليتصلا ما بين ضدين من وصل ومن لم يكن يستنشق الريح لم يكن … يرى الفضل للمسك الفتيق على الزبل مولده في الاثنين سابع عشر رمضان سنة ستين وخمسمائة بمرسية، وتوفي ليلة الجمعة الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن بقاسيون. ٢٢ - محمد بن علي بن ميمون بن محمد، أبو الغنائم النّرسيّ، المعروف بأبي (٤): من أهل الكوفة. كان من حفاظ الحديث، سمع بالكوفة أبا عبد الله محمد بن علي ابن الحسن العلوي وأبا الحسن محمد بن إسحاق بن فلويه وأبا المثنّى دارم، ثم قدم بغداد وسمع بها أبا الحسن أحمد بن محمد بن كامل وأبا نصر أحمد بن عبد الله الثابتي

стр. 20

وأبا الفتح أحمد بن علي بن محمد الأيادي وأبا الحسين أحمد بن محمد بن قفرجل وأبا محمد الحسن بن عبد الواحد بن سهل الدياج وأبا عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر وأبا إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي وأبا محمد الجوهري والقاضي أبا الطيب طاهر الطبري وآخرين، وكتب بخطه كثيرا لنفسه وتوريقا للناس، وجمع مجموعات حسان في فنون ورواها. قرأت بخط أبي الفضل محمد بن ناصر الحافظ السلامي وأنبأنيه عنه أبو محمد بن الأخضر قال: وفي هذا الشهر يعني شعبان من سنة عشر وخمسمائة مات الشيخ العدل أبو الغنائم محمد بن علي بن النّرسيّ الكوفي المقرئ المحدّث بحلة بني مزيد، وكان قد خرج من بغداد مريضا ليذهب إلى الكوفة، فمات يوم السبت السادس عشر من شعبان، وحمل إلى الكوفة ودفن هناك، وكان شيخا ثقة مأمونا فهما للحديث، عارفا بالحديث كثير تلاوة القرآن بالليل، وكان مولده على ما أخبرنا بذلك في شوال سنة أربع وعشرين وأربعمائة، فرحمه [الله] فما رأينا مثله في وقته. ٢٣ - محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد بن أبي عيسى المديني، أبو موسى بن أبي بكر الحافظ (١): من مدينة أصبهان، أحد الأئمة الحفاظ المشهورين، انتشر علمه في الآفاق. سمع منه أقرانه، وكثر عنه الحفاظ، واجتمع له ما لم يجتمع لغيره. قرأ القرآن في صباه بالروايات؛ وتفقه على مذهب الشافعي على أبي عبد الله الحسن بن العباس الرستمي، وقرأ النحو واللغة حتى مهر فيهما. وأسمعه والده في صباه من أبي سعد محمد بن علي ابن محمد الكاتب وأبي علي بن أحمد الحداد وأبي القاسم غانم بن محمد البرجي وأبي منصور محمد بن عبد الله بن مندويه (٢). وطلب هو بنفسه وقرأ على المشايخ، وكتب الكثير، ورحل إلى بغداد ودخلها في شوال سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وحج وعاد، فأقام بها. فسمع من أبي القاسم ابن الحصين وأبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وأبي العز بن كادش، ومن جملة مصنفاته كتاب «تتمة معرفة الصحابة» وكتاب «تتمة الغريبين» وكتاب «الأخبار

стр. 21

الطوالات» وكتاب «اللطائف في المعارف» وغير ذلك. سمعت أبا عبيد الله محمد بن محمد بن غانم الحافظ بأصبهان يقول: سمعت محمد ابن الحسين بن علي يقول: مر الشيخ أحمد الخواص على باب الشيخ أبي بكر بن أبي موسى يوم ولد أبو موسى فقيل له: «ولد اليوم للشيخ أبي بكر ابن، فقال: هذا المولود يكون ركنا من أركان الدين». مولده تاسع عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة، وتوفي يوم الأربعاء منتصف النهار التاسع من جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ودفن بالمصلى خلف المحراب؛ وصنف الأئمة في مناقبه. ٢٤ - محمد بن طاهر بن أحمد بن علي الشيباني، أبو الفضل بن أبي بكر (١): من أهل بيت المقدس، يعرف بابن القيسراني، رحل في طلب الحديث إلى الأقطار، وصنف كثيرا، وكان حافظا متقنا متفننا حسن التصنيف. سمع ببيت المقدس أبا الفتح نصر [بن] إبراهيم النابلسي، وبمصر أبا إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبال (٢)، وبدمشق أبا القاسم علي بن محمد المصيصي، وبمكة أبا القاسم سعيد بن علي الزنجاني. ودخل بغداد، وسمع بها أبا الحسين أحمد [بن] (٣) النقور وأبا محمد عبد الله الصريفيني، وسمع بأصبهان أبا عمرو عبد الوهاب بن مندة وأبا مسعود سليمان الحافظ، وبجرجان أبا القاسم إسماعيل بن مسعدة، وبهراة أبا إسماعيل عبد الله الأنصاري وخلقا كثيرا، وحدث باليسير لأنه لم يعمر؛ وروى عنه الحفاظ. قرأت على أبي طالب بن أبي الفرج التاجر عن أبي زرعة طاهر بن حمد المقدسي قال: أنشدني والدي محمد بن طاهر لنفسه: أضحى العذول يلومني في حبهم … فأجبته والنار حشو فؤادي يا عاذلي لو بت محترق الحشا … لعرفت كيف تفتت الأكباد صد الحبيب وغاب عن عيني الكرى … وكأنما كانا على ميعاد أخبرني لامع بن أحمد في كتابه أن يحيى بن عبد الوهاب بن مندة أخبره قال: محمد

стр. 22

ابن طاهر المقدسي أحد الحفاظ، حسن الاعتقاد، وجميل الطريقة، كان صدوقا، عالما بالصحيح والسقيم، كثير التصانيف، لازما للأثر. قرأت على المرتضى بن حاتم بمصر عن أبي طاهر السلفي قال: سمعت الحافظ أبا الفضل محمد بن طاهر المقدسي يقول: كتبت صحيح البخاري ومسلم وأبي داود سبع مرات بالوراقة، وكتبت سنن ابن ماجة عشر مرات بالوراقة سوى التفاريق بالري. قال الحافظ أبو الفضل بن ناصر: محمد بن طاهر ممن لا يحتج به، صنف كتابا في «جواز النظر إلى المرد» وأورد فيه حكاية عن ابن معين: رأيت جارية مليحة، صلى الله عليها، فقيل له: تصلي عليها؟ فقال: صلى الله عليها وعلى كل مليح؛ ثم قال: كان يذهب مذهب الإباحة. مولده في شوال من سنة ثمان وأربعين وأربعمائة ببيت المقدس. قرأت في كتاب أبي الفضائل عبد الله بن أبي بكر بن الخاضبة بخطه: توفي الحافظ محمد بن طاهر المقدسي ببغداد في الجانب الغربي برباط البسطامي ضحى يوم الخميس عشرين [من] (١) شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة، ودفن في المقبرة وراء الرباط؛ وله حجات كثيرة على قدمه ذاهبا وجائيا، وراحلا وقافلا. وكان له معرفة بعلم التصوف وأنواعه متفننا فيه، ظريفا مطبوعا، وله تصانيف حسنة مفيدة في علم الحديث. ٢٥ - محمد بن عمر بن يوسف بن محمد الأرموي، أبو الفضل الفقيه الشافعي (٢): بكر بن أبوه وأسمعه من القاضي أبي الخير محمد بن علي بن المهتدي بالله وأبي الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون وأبي جعفر محمد بن المسلمة وأبي بكر أحمد ابن علي بن ثابت. أخبرنا شهاب الحاتمي بهراة قال: أخبرنا أبو سعيد بن السمعاني قال: محمد بن عمر ابن يوسف الأرموي أبو الفضل من أهل أرمية كان قاضي دير العاقول، وهو إمام متدين ثقة صدوق صالح، حسن الكلام في المسائل، كثير التلاوة للقرآن، سألته عن مولده، فقال: في سنة تسع وخمسين وأربعمائة.

стр. 23

وذكر عن ابن السمعاني أن مولد الأرموي في صفر سنة تسع وخمسين، وتوفي رابع رجب سنة سبع وأربعين وخمسمائة ودفن بباب أبرز (١) مقابل التاجية. ٢٦ - محمد بن فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يصل، أبو عبد الله بن أبي نصر الحميدي (٢): سمع بالأندلس أبا القاسم أصبغ بن راشد بن أصبغ اللخمي وأبا محمد عبد الله بن عثمان القرشي وأبا العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري وأباعمر يوسف النمري وأبا محمد علي بن حزم الظاهري، ولازمه حتى قرأ عليه مصنفاته وأكثر عنه، وكان على مذهبه، إلا أنه لم يكن يتظاهر بذلك. ثم رحل إلى بلاد الشرق، فسمع بمصر أبا القاسم عبد العزيز بن الحسن الضراب وأبا زكريا عبد الرحيم بن أحمد بن نصر البخاري؛ وبدمياط أبا القاسم عبد البر بن عبد الوهاب بن برد الدمياطي؛ وبدمشق أبا محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني وأبا بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، وكتب أكثر مصنفاته عنه؛ وبمكة أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني. ودخل بغداد فسمع بها القاضي أبا الحسين محمد بن علي بن المهتدي بالله وأبا جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة. وانحدر إلى واسط وأقام بها مدة، وسمع بها من القاضي أبي تمام علي بن محمد بن الحسن. ثم إنه عاد إلى بغداد واستوطنها، وكتب بها الكثير عن أصحاب أبي علي بن شاذان وغيره، وصنف كثيرا في الحديث وغيره. روي عنه أبو بكر الخطيب وابن ماكولا. ومن مصنفاته «تجريد الصحيحين للبخاري ومسلم والجمع بينهما»، و «تاريخ الأندلس»، وكتاب «تسهيل السبيل إلى علم الترسيل»، ومولده قبل العشرين وأربعمائة. وتوفي في ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، ودفن من الغد بمقبرة باب أبرز (٣) بالقرب من قبر الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وصلى عليه الفقيه أبو بكر الشاشي في جامع القصر، ثم نقل بعد ذلك في صفر سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى مقبرة باب حرب، ودفن عند قبر بشر الحافي.

стр. 24

٢٧ - محمد بن المبارك بن محمد بن عبد الله بن محمد بن الخل، أبو الحسن بن أبي البقاء، الفقيه الشافعي (١): أحد الأئمة من أصحاب الشافعي درس المذهب والخلاف والأصول على أبي بكر الشاشي، وكان إماما كبيرا في معرفة المذهب، ونقل نصوص الشافعي. وكان من الورع والزهد والتقشف في غاية. وكان يصلي إماما بالإمام المقتفي لأمر الله، وصنف كتاب «التوجيه في شرح التنبيه» في مجلدين. وسمع الحديث من أبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر وأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النعالي وأبي عبد الله الحسين بن علي بن البسري. مولده يوم الأربعاء عاشر ربيع الآخر سنة خمس وسبعين وأربعمائة. وتوفي في يوم الأربعاء خامس عشر المحرم سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ودفن بالوردية. وله شعر لا بأس به، رحمه الله تعالى وإيانا. ٢٨ - محمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن المظفّر بن الشهرزوري، أبو حامد بن أبي الفضل (٢): وقد تقدم ذكر والده، ورد بغداد في صباه؛ كان عالما فاضلا متضلعا من علم الأدب، وله النظم المليح، وكان موصوفا بالبذل والعطاء والجود والسخاء والتواضع. ومن شعره «في ساق أسود»: وأسود معسول الشمائل ناعم ال … مفاصل مثل المسك في اللون والبشر فبات يريني الشمس تطلع من دجى … إذا ضم يحسدها وتغرب في فجر وله أيضا: لا تحسبوا أني امتنعت من البكا … عند الوداع تجلدا وتصبرا لكنني زودت عيني نظرة … والدمع يمنع لحظها أن تنظرا إن كان ما فاضت فقد ألزمتها … صلة السهاد وسمتها هجر الكرا مولده في سنة سبع عشرة وخمسمائة، وتوفي بالموصل في ثامن عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين وخمسمائة- رحمه الله تعالى.

стр. 25

٢٩ - محمد بن محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد بن أبي عبد الله (١): من أهل طوس، إمام الفقهاء على الإطلاق، ورباني الأمة بالاتفاق، ومجتهد زمانه وعين وقته وأوانه، ومن شاع ذكره في البلاد واشتهر فضله بين العباد؛ قرأ في صباه طرفا من الفقه ببلده على أحمد الرادكاني (٢)، ثم سافر إلى جرجان إلى أبي نصر الإسماعيلي، وعلق عنه التعليق، وعاد إلى نيسابور فلازم الإمام أبا المعالي الجويني، وجد واجتهد حتى برع في المذهب والأصول والخلاف والمنطق، وقرأ الحكمة والفلسفة، وفهم كلام أرباب هذا العلم، وتصدى للرد عليهم وإبطال ما ادعوه، وصنف في كل فن من هذه العلوم كتبا أحسن تأليفها وأجاد ترتيبها وترصيفها. توفي في يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة، وقبره بظاهر الطابران قصبة طوس. ٣٠ - محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر، أبو الفضل السلامي (٣): كان والده من أولاد الترك، وقد رأيت بخطه في كتاب أشهد عليه فيه المعدلين محمود بن أبي منصور الناصر استوري (٤) - ويعرف بمحمد- بن تكسين- ويعرف بعلي- المضافري التركي الحر، ولم يكتب لهم هذا النسب في سماع قط، توفي والده وهو صغير فكفله جده لأمه أبو حكيم الخبري الفرضي، وأسمعه في صباه شيئا من الحديث يسيرا، وأشغله بحفظ القرآن والتفقه على مذهب الشافعي؛ ثم إنه صحب أبا زكريا التبريزي وقرأ عليه الأدب، وجدّ في طلب الحديث، وصحب أبا منصور بن الجواليقي في قراءة الأدب وسماع الحديث، ثم إنه خالط الحنابلة ومال إليهم، وانتقل (٥) عن مذهب الشافعي إلى مذهب ابن حنبل، وكان إماما حافظا صحيح النقل والضبط؛ سمع أبا القاسم علي بن أحمد بن البسري وأبا طاهر محمد بن أبي الصقر الأنباري وأبا عبد الله مالك البانياسي وأبا محمد رزق الله التميمي وأبا الفوارس طراد الزينبي وأبا الخطاب نصر بن البطر وأبا محمد جعفر بن أحمد السراج. وكانت له إجازات قيمة

стр. 26

كابن النقور والصريفيني وابن ماكولا وغيرهم من الغرباء أخذها له ابن ماكولا في رحلته إلى البلاد. أخبرنا شهاب بن محمود المزكي بهراة قال: حدثنا أبو سعد السمعاني قال: محمد ابن ناصر السلامي أبو الفضل سكن درب الشاكرية، حافظ ثقة ديّن خيّر متقن متثبت، له حظ كامل من اللغة ومعرفة تامة بالمتون والأسانيد، كثير الصّلاة، دائم التلاوة للقرآن، مواظب على صلاة الضحى، غير أنه يحب أن يقع في أعراض [الناس] (١) ويتكلم في حقهم. كان يطالع هذا الكتاب ويلحق على حواشيه بخطه ما يقع له من مثالبهم. سمعت جماعة من شيوخي يذكرون أن ابن ناصر وابن الجواليقي كانا يقرءان الأدب على التبريزي ويسمعان الحديث على المشايخ، فكان الناس يقولون: يخرج ابن ناصر لغوي بغداد وابن الجواليقي محدثها، فانعكس الأمر، فصار ابن ناصر محدث بغداد وابن الجواليقي لغويها. مولده في ليلة الخميس الخامس عشر من شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة. وتوفي ليلة الثلاثاء الثامن عشر من شعبان سنة خمسين وخمسمائة. ودفن من الغد بباب حرب- رحمه الله تعالى. آخر الجزء الأول من المستفاد

стр. 27

الجزء الثاني من المستفاد من ذيل تاريخ بغداد انتقاه كاتبه أحمد بن أيبك بن عبد الله الحسامي عرف بابن الدمياطي لنفسه ثم لمن شاء الله من بعده عفا الله عنه. للحافظ أبى عبد الله محمد بن النجار البغدادي

стр. 28

(سم الله الرّحمن الرّحيم) رب يسر وأعن [حرف الألف] ٣١ - إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر بن ثعلبة بن سعد بن حلام ابن غزية بن أسامة بن ربيعة بن ضبيعة بن عجل بن نجم، أبو إسحاق الزاهد (١): من أهل بلخ، دخل بغداد مجتازا، وسكن الشام إلى حين وفاته، وقد طلب العلم والحديث ثم استقل بالزهد، وحدث عن أبيه أدهم وعن محمد بن زياد صاحب أبي هريرة والأعمش ومحمد بن عجلان ومنصور بن المعتمر ويحيى بن سعيد وسفيان الثوري وهشام بن حسان والأوزاعي، روي عنه بقية بن الوليد وسفيان الثوري وشقيق البلخي وسهل بن هاشم. قال النسائي: أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم ثقة مأمون أحد الزهاد. وروى المؤلف بسنده إلى عطاء بن مسلم قال: ضاعت نفقة إبراهيم بن أدهم بمكة [فبقي] (٢) خمسة عشر يوما يستف الرمل. وروى أيضا إلى عبد الله بن الفرج القنطري العابد قال: اطلعت على إبراهيم بن أدهم في بستان بالشام وهو مستلق وإذا حية في فهما طاقة نرجس فما زالت تذب عنه حتى انتبه. وروى أيضا إلى المتوكل بن الحسين قال: قال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف: فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة؛ فالفرض الزهد في الحرام، والفضل الزهد في الحلال، والسلامة الزهد في الشبهات. قال محمد بن إسماعيل البخاري: مات إبراهيم بن أدهم سنة إحدى وستين ومائة، ودفن بسوقين حصن ببلاد الروم.

стр. 29

قال أبو داود سليمان بن الأشعث: سمعت أبا توبة الربيع بن نافع يقول: مات إبراهيم بن أدهم سنة اثنتين وستين ومائة، ودفن على ساحل البحر. ٣٢ - إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله الفيروزآبادي الشيرازي (١)، أبو إسحاق (٢): إمام أصحاب الشافعي ومن انتشر فضله في البلاد، وفاق أهل زمانه بالعلم والزهد والسداد، وأقر بعلمه وورعه الموافق والمخالف والمعادي والمحالف، وحاز قصب السبق في جميع الفضائل وتعزى بالدين والنزاهة على كل الرذائل، وكان سخي النفس، شديد التواضع، طلق الوجه، لطيفا ظريفا، كريم العشرة، سهل الأخلاق، كثير المحفوظ للحكايات والأشعار. ولد بفيروزآباد بليدة بفارس، ونشأ بها، ودخل شيراز، وقرأ الفقه على أبي عبد الله الأنصاري، وقرأ على أبي القاسم الداركي، وقرأ الداركي علىالمروزي، وقرأ المروزي علي ابن سريج، وقرأ ابن سريج على ابن الأنماطي، وقرأ ابن الأنماطي على المزني والربيع بن سليمان، وقرء على الشافعي، ثم دخل بغداد سنة خمس عشرة وأربعمائة وقرأ على القاضي أبي الطيب الطبري، ولازمه حتى برع في العلم وصار من أنظر أصحابه، وامتدت إليه الأعين وتقدم على أقرانه. وكان يدرس بمسجده بباب المراتب إلى أن بنى له الوزير نظام الملك أبو علي المدرسة على شاطئ دجلة فانتقل إليها، ودرّس بها بعد امتناع شديد، ولم يزل يدرّس بها إلى حين وفاته. سمع ببغداد من أبي بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني وأبي علي الحسن بن شاذان وأبي الطيب الطبري، روي عنه الخطيب الحافظ في بعض مصنفاته شيئا من شعره؛ وكان عارفا بالأدب. ومن شعره:

стр. 30

لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا … وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد وقلت يا عدتي (١) في كل نائبة … ومن عليه لكشف الضر أعتمد وقد مددت يدي والضر مشتمل … إليك يا خير من مدت إليه يد فلا تردنها يا رب خائبة … فبحر جودك يروي كل من يرد أنشدني شهاب الحاتمي بهراة قال: أنشدنا أبو سعد بن السمعاني قال: أنشدنا أبو المظفر شبيب بن الحسين القاضي، أنشدني أبو إسحاق- يعني الشيرازي- لنفسه: جاء الربيع وحسن ورده … ومضى الشتاء وقبح برده فاشرب على وجه الحبيب … ووجنتيه وحسن خده قال ابن السمعاني: قال لي شبيب: ثم جاء بعد [أن] (٢) أنشدني هذين البيتين بمدة: كنت جالسا عند الشيخ، فذكر بين يديه أن هذين البيتين أنشدا عند القاضي يمين الدولة حاكم صور، بلدة على ساحل بحر الروم، فقال لغلامه: احضر ذاك الشأن- يعني الشراب- فقد أفتانا به الإمام أبو إسحاق، فبكى الإمام ودعا على نفسه، وقال: ليتني لم أقل هذين البيتين قط. ثم قال لي: كيف نردها من أفواه الناس؟ فقلت: يا سيدي هيهات! قد سارت به الركبان. كان أبو إسحاق إذا بقي مدة لا يأكل شيئا صعد إلى النصرية في أعلى بغداد وكان له فيها صديق باقلاني، فكان يثرد له رغيفا ويشربه بماء الباقلاء فربما صعد إليه وكان قد فرغ من بيع الباقلاء ويغلق الباب، فيقف أبو إسحاق ويقرأ ﴿تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ ويرجّع. كان القاضي أبو الطيب يسمى الشيخ أبا إسحاق «حمامة المسجد» للزومه واشتغاله بالعلم طول ليله ونهاره. كان الشيخ أبو إسحاق يمشي في الطريق ومعه بعض أصحابه فعرض لهما كلب، فقال ذلك الفقيه للكلب: اخسأ! وزجره، فنهاه الشيخ أبو إسحاق عن ذلك وقال: لم طردته عن الطريق؟ أما عرفت أن الطريق بيني وبينه مشترك. قال ابن الخاضبة: سمعت الشيخ أبا إسحاق يقول: لو عرض هذا الكتاب الذي صنفته- وهو المهذب- على النبي ﷺ [لقال] هذا هو شريعتي [التي] (٣) أمرت بها أمتي.

стр. 31

قال الحافظ السلفي: سألت أبا غالب شجاع بن فارس الذهلي عن أبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، فقال: إمام أصحاب الشافعي والمقدم عليهم في وقته ببغداد، كان ثقة ورعا صالحا عالما بمعرفة الخلاف علما لا يشاركه فيه أحد، سمعت منه شيئا من حديثه ومصنفاته. مولده سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وتوفي ليلة الأحد. ودفن يوم الأحد الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربعمائة، وقيل: إن مولده سنة خمس وتسعين. ٣٣ - أحمد (١) بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس، أبو الخير القزويني الزاهد الرباني (٢): رئيس أصحاب الشافعي. كان إماما في المذهب والخلاف والتفسير والحديث. ورحل من بلدة قزوين إلى نيسابور، فأقام بها عند الفقيه محمد بن يحيى، وقرأ عليه ولازمه حتى برع في العلم. دخل بغداد وعقد بها مجلس الوعظ وسارت وجوه الدولة إليه ملتفة، وكثر التعصب له، وكان يجلس بالنظامية وبجامع القصر ويحضر مجلسه الخلق الكثير والجم الغفير، ثم ولّى التدريس بالمدرسة النظامية في رجب سنة تسع وستين وخمسمائة، ودرّس بها، وعقد مجلس الوعظ إلى أوائل سنة ثمانين وخمسمائة، ثم إنه طلب العود إلى بلاده فأذن له في ذلك، فعاد إلى قزوين وأقام بها إلى حين وفاته. سمع بقزوين أبا سعد إسماعيل، وبنيسابور أبا عبد الله الفراوي وأبا القاسم زاهرا، وأبا بكر وجيه بن طاهر الشحامي، وببغداد أبا الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد ابن سليمان. وأملى بجامع القصر وبالنظامية عدة أمالي، وكان كثير العبادة، دائم الذكر، كثير الصّلاة والصيام والتهجد والتقلل من الطعام، حتى ظهر ذلك على وجهه وغيّر لونه، وكان لا يفتر لسانه من التسبيح في جميع حركاته وسائر أحواله. مولده سنة اثنتي عشرة وخمسمائة في رمضان.

стр. 32

سمعت أبا المناقب محمد بن أحمد بن القزويني يقول: ولد والدي في السابع والعشرين من رمضان سنة إحدى عشرة وخمسمائة بقزوين، وتوفي بها في يوم الجمعة الحادي والعشرين من المحرم سنة تسع وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. ٣٤ - أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر، أبو عبد الرحمن النّسائي الحافظ (١): أحد الأئمة الأعلام. صنف «السنن» وغيرها من الأدب، وله الرحلة الواسعة. قدم بغداد، وكتب بها عن جماعة من الشيوخ، ودخل الشام ومصر وأقام هناك إلى حين وفاته، وحدث عن قتيبة بن سعيد وإسحاق بن راهويه وإسحاق بن شاهين وإبراهيم ابن سعيد الجوهري وأحمد بن بكار بن أبي ميمونة وأحمد بن جعفر بن عبد الله وأحمد ابن عبد الله بن الحكم وهناد بن السري وعيسى بن حماد زغبة وأحمد بن عيسى التستري وأحمد بن عبد الواحد بن عبود، روي عنه ابنه عبد الكريم وأبو بشر الدولابي. قال الحاكم أبو عبد الله بن البيع الحافظ: حدثني علي بن عمر الحافظ أنه لما امتحن بدمشق- أعني النسائي- قال: احملوني إلى مكة! فحمل إلى مكة وتوفي بها. وهو مدفون بين الصفا والمروة، وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة. قال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النسائي يكنى أبا عبد الرحمن قدم مصر قديما، وكتب بها وكتب عنه، وكان إماما في الحديث، ثقة ثبتا حافظا، وكان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة، وتوفي بفلسطين يومالاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة. ذكر الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر أن أبا عبد الرحمن النسائي سئل عن مولده، فقال: يشبه أن يكون سنة خمس عشرة ومائتين. ٣٥ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، أبو نعيم الحافظ (٢):

стр. 33

سبط محمد بن يوسف البناء. الزاهد من أهل أصبهان، تاج المحدثين وأحد أعلام الدين ومن جمع الله له في الرواية والحفظ والفهم والدراية، فكانت تشد إليه الرحال وعاجز إلى بابه الرجال. سمع بأصبهان أباه وأبا محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس، وأبا القاسم سليمان بن أحمد الطبراني وأبا بكر محمد بن إسحاق بن أيوب وأبا بكر محمد بن جعفر المغازلي وأبا عمر محمد بن أحمد بن إبراهيم العسال وأبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة الحافظ وأبا إسحاق إبراهيم بن إسحاق الخشاب وأبا أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، وبمكة أبا بكر محمد بن الحسين الآجري وأبا العباس أحمد بن إبراهيم بن علي الكندي وأبا الفضل العباس بن أحمد الجرجاني، وبواسط أبا عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن شعبان وأبا بكر محمد بن حبيش بن خلف الخطيب، وبالبصرة أبا بكر محمد بن علي بن مسلم، وبالأهواز القاضي أبا بكر محمد ابن إسحاق الأهوازي وأبا الحسين محمد بن أحمد بن إسحاق الدقيقي وأبا علي الحسين بن محمد بن أحمد بن يزيد الشافعي، وبالكوفة أبا الحسين محمد بن الطاهر بن الحسين بن محمد بن جعفر بن عبد الله وأبا عبد الله محمد بن محمد بن علي بن خلف ابن مطر، وبجرجان أبا أحمد محمد بن أحمد بن الغطريف، وبنيسابور أبا عمرو محمد ابن أحمد بن حمدان والحاكم أبا أحمد محمد بن محمد بن أحمد الحافظ، وخلقا كثيرا. وجمع معجما لشيوخه، وحدث بالكثير من مسموعاته ومصنفاته. وصنف كثيرا، منها: «حلية الأولياء» و «المستخرج على الصحيحين» ذكر فيها أحاديث ساوى فيها البخاري ومسلما، وأحاديث علا عليهما فيها (١) كأنهما سمعاها منه، أو ذكر فيها حديثا كأن البخاري ومسلما سمعاه ممن سمعه منه، أو بلغ في رئاسة علم الحديث ما لم يبلغه غيره. قرأت على محمود بن الحداد عن أبي طاهر الحافظ، قال: سمعت السيد حمزة- يعني ابن العباس العلوي الأصبهاني بهمذان- يقول: كان أصحاب الحديث في مجلس أحمد ابن الفضل الباطرقاني يقولون وأنا أسمع. بقي أبو نعيم أربع عشرة سنة بلا نظير، لا يوجد شرقا وغربا أعلى إسنادا ولا أحفظ منه. وكانوا يقولون: لما صنف كتاب «حلية الأولياء» حمل إلى نيسابور حالة حياته، فاشترى هناك بأربعمائة دينار.

стр. 34

قال الحافظ أبو بكر الخطيب: وقد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أن يقول في الإجازة: أنا من غير أن يبين! والله أعلم. قال عبد العزيز النخشبي: لم يسمع أبو نعيم مسند الحارث بتمامه من أبي بكر بن خلاد، فحدث به كله!. مولده في رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. وتوفي بكرة يوم الاثنين العشرين من المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة، ودفن وقت الظهر بمردنان تحت قبر أبي القاسم السوذرجاني، وصلى عليه محمد بن عبد الواحد الفقيه. وحكى بعضهم أنه رأى في المنام قائلا يقول له: من أحب أن يستجاب دعوته فليدع عن قبر أبي نعيم سبط محمد بن يوسف- رحمه الله تعالى. ٣٦ - أحمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن بن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن عثمان بن أبي الحديد، أبو الحسن السلمي (١): من أهل دمشق من بيت مشهور بالحديث والرواية. سمع الحديث بدمشق من أبي طاهر الخشوعي (٢)، وسافر إلى مصر فسمع بها من أبي القاسم هبة الله التوحيدي وإسماعيل بن صالح بن ياسين. وقدم علينا ببغداد طالبا للحديث وهو شاب في سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وسمع معنا من جماعة من أصحاب ابن الحصين وأبي بكر بن عبد الباقي وعاد إلى دمشق، ثم إنه سافر إلى أصبهان وأقام بها مدة في سنة ثمان وستمائة، وحصل من الكتب والأجزاء (٣) عدة أحمال. وعاد بها إلى بلاده، ثم إنه أقام بحران وسكن بعض قراها إلى حين وفاته، وحدث هناك وكتب عنه. أنشدني أبو الحسن أحمد بن أبي الحديد السلمي من حفظه ببغداد قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن ناصر قال: أنشدنا محمد بن الحراني (٤) لنفسه في غلام اسمه سهم وقد التحى:

стр. 35

قالوا التحى السهم قلت حصّن … حشاك فالآن لا تطيش فالسهم لا ينفذ الرمايا … إلا إذا كان فيه ريش مولده بدمشق في جمادى الآخرة سنة سبعين وخمسمائة. وتوفي في أحد الربيعين من سنة خمس وعشرين وستمائة بالذهبانية من قرى حران، ودفن بها. ٣٧ - أحمد بن علي بن بختيار بن عبد الله، أبو القاسم الصوفي (١): كان والده أستاذ دار الخلافة. ونشأ أبو القاسم هذا متأدبا فاضلا، حسن الطريقة متدينا صالحا، له معرفة بالأدب، وهو مقيم برباط والده بباب الجعفرية. أنشدني أحمد بن علي بن بختيار لنفسه: أعاذلتي في الحب هل غير ذلك … فإني لأسباب الهوى غير تارك دعيني وأوصافي فلست بعاشق … إذا رمت ميلا عن طريق المهالك أرى الحب أن ألقي المنية مسفرا … إذا شئت أن ألقي عذاب المضاحك أيا ظبية الوعساء إن حال بيننا … سباسب تنضى ناجيات الرواتك فلست بناس وقفة لم تزل بها … دماء المآقي سافحات المسافك تربعت من دون الأراكة معهدا … وغادرت عهدي بين تلك الأرائك فقلت (٢) إلى الواشي وكنت غرية … إذا ما سعى الواشي بما غير ذلك ألم تعلمي أني ألم بعالج … وأشتاق آثارا حلت من جمالك سألت أبا القاسم بن بختيار عن مولده، فقال: في أحد الربيعين سنة خمس وستين وخمسمائة. وتوفي ليلة الخميس الثامن والعشرين من جمادى الآخرة من سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ودفن من الغد برباط والده ﵀. ٣٨ - أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب، أبو بكر الحافظ (٣):

стр. 36

إمام هذه الصنعة (١) ومن انتهت إليه الرئاسة في الحفظ والإتقان والقيام بعلوم الحديث. نشأ ببغداد وقرأ القرآن بالروايات، وقرأ الفقه على القاضي أبي الطيب الطبري، وعلق عنه شيئا من الخلاف، ثم إنه اشتغل بسماع الحديث من الشيوخ ببغداد، ثم رحل إلى البصرة. سمع سنن أبي داود من القاضي أبي عمر الهاشمي، وتوجه إلى خراسان فسمع بها من أصحاب الأصم، ثم إنه خرج إلى الشام حاجّا في سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وسمع بدمشق وصور، وحج تلك السنة، وقرأ صحيح البخاري في خمسة أيام بمكة على كريمة المروزية. ورجع إلى بغداد وصار له قرب من الوزير أبي القاسم بن المسلمة، فلما وقعت فتنة البساسيري ببغداد في سنة خمسين وأربعمائة وقبض على الوزير، استتر الخطيب وخرج إلى الشام، وكان يتردد ما بين صور ودمشق، ثم عاد إلى بغداد في آخر عمره. سمع ببغداد أبا الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه وأبا الحسن أحمد بن محمد بن الصلت وأبا عمر عبد الواحد بن عبد الله بن مهدي، وبالبصرة القاضي أبا عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وبنيسابور القاضي أبا بكر أحمد الحرشي، وبأصبهان أبا نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، وبالري أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن فضالة، وبهمذان أبا منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز، وبدمشق أبا الحسين محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أبي نصر، وبصور أبا الفرج عبد الوهاب بن الحسين ابن الغزال، وبحلب أبا الفتح أحمد بن علي بن محمد النحاس. ومن شعره: الشمس تشبهه والبدر يحكيه … والدر يضحك والمرجان من فيه ومن سرى وظلام الليل معتكر (٢) … فوجهه عن ضياء البدر يغنيه (٣) زوى له الحسن حتى حاز أحسنه … لنفسه وبقي للناس باقيه فالعقل يعجز عن تحديد غايته … والوهم يقصر عن فحوى معانيه يدعو القلوب فتأتيه مسارعة … مطيعة الأمر منه ليس تعصيه

стр. 37

سألته زروة يوما أفوز بها … فأظهر الغضب المقرون بالتّيه وقال لي دون ما تبغي وتطلبه … تناول الفلك الأعلى وما فيه رضيت يا معشر العشاق منه … بأن أضحيت يعلم أني من محبيه وأن يكون فؤادي في يديه لكي … يميته بالهوى منه ويحييه وله: لو قيل لي ما تمنى قلت في … عجل أخا صدوقا أمينا غير خوان إذا فعلت جميلا ظل يشكرني … وإن أسأت تلقاني بغفران ويستر العيب في سخط وحال رضى … ويحفظ الغيب في سر وإعلان وأين في هذا الخلق عز مطلبه … فليس يوجد ما كر الجديدان مولده في يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. قال: فأول ما سمعت الحديث، وقد بلغت إحدى عشرة سنة في المحرم سنة ثلاث وأربعمائة. قال الأمير أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن ماكولا الحافظ: وبعد فإن أبا بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي كان أحد الأعيان ممن شاهدناه معرفة وإتقانا وحفظا وضبطا لحديث رسول الله ﷺ ، وتفهما في علله وأسانيده وخبرة (١) برواته وناقليه، وعلما بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره وسقيمه ومطروحة، ولم يكن للبغداديين بعد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني من يجرى مجراه، ولا قام بعده مهتما بهذا الشأن سواه، فقد استفدنا كثيرا من هذا اليسير الذي نحسنه به وعنه، وتعلمنا شطرا من هذا القليل الذي نعرفه بتنبيهه ومنه، فجزاه الله تعالى عنا الخير ولقّاه الحسنى، ولجميع مشايخنا وأئمتنا ولجميع المسلمين. حضر أبو بكر الخطيب درس الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، فروى الشيخ حديثا من رواية بحر بن كثير (٢) السقائي، ثم قال للخطيب: ما تقول فيه؟ فقال الخطيب: إن أذنت لي ذكرت حاله. فأسند الشيخ أبو إسحاق ظهره من الحائط قعد مثل ما يقعد التلميذ بين يدي الأستاذ يستمع كلام الخطيب، وشرع الخطيب في شرح أحواله ويقول: قال فيه فلان كذا، وقال فلان كذا وشرح أحواله شرحا حسنا وما ذكر فيه

стр. 38

الأئمة من الجرح والتعديل إلى أن فرغ منه، فأثنى الشيخ أبو إسحاق عليه ثناء حسنا وقال: هو دارقطني عهدنا. لما رجع أبو بكر الخطيب من الشام كانت له ثروة من الثياب والعين، وما كان له عقب. فكتب إلى القائم بأمر الله: إني إذا مت يكون ما لي لبيت المال فأذن لي حتى أفرق مالي على من شئت! فأذن له الخليفة في ذلك، ففرقها على أصحاب الحديث. ذكر بعض مصنفاته: «تاريخ بغداد»، مائة وستة أجزاء، «المؤتلف والمختلف» أربعة وعشرون جزءا، «المتفق والمفترق» ثمانية عشر جزء، «تلخيص المتشابه»، «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»، «الكفاية»، «رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب»، «كتاب الفقيه والمتفقه»، «السابق واللاحق»، «المكمل في بيان المهمل»، «تمييز المزيد (١) في متصل الأسانيد»، «التبيين لأسماء المدلسين»، «سهو أصحاب الحديث»، «من وافقت كنيته اسم أبيه»، «تقييد العلم»، «كتاب البخلاء»، «كتاب الطفيليين»، «كتاب القنوت»، «قبض العلم»، «الغسل للجمعة»، «الجهر بالتسمية»، «منهج سبيل (٢) الصواب في أن التسمية آية في فاتحة الكتاب»، «من حدث ونسى»، «صلاة التسبيح»، «اقتضاء العلم العمل» (٣). أنشدني جعفر بن علي الهمذاني في الإسكندرية قال: أنشدني أبو طاهر السلفي الحافظ لنفسه من مصنفات الخطيب: تصانيف ابن ثابت الخطيب … ألذ من الصبا الغض (٤) الرطيب تراها إذا رواها من حواها … رياضا للفتى اليقظ اللبيب ويأخذ حسن ما قد ضاع منها … بقلب الحافظ الفطن الأريب فأية راحة ونعيم عيش … يوازي كتبها بل أي طيب قال الحافظ أبو بكر الخطيب: من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس. تقدم رئيس الرؤساء إلى الخطباء والوعاظ أن لا يرووا حديثا حتى يعرضوه على الخطيب، فما ذكر صحته أو ردوه، وما رده لم يذكروه. وأظهر بعض اليهود كتابا وادعى أنه كتاب رسول الله ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر وفيه شهادات الصحابة

стр. 39

وذكروا أن خط علي بن أبي طالب فيه، وحمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء، فعرضه على الخطيب، فتأمله ثم قال: هذا مزور! قيل له: ومن أين قلت ذلك؟ فقال: في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم عام الفتح سنة ثمان، وخيبر فتحت سنة سبع ولم يكن مسلما في ذلك الوقت ولا حضر ما جرى، وفيه شهادة سعد بن معاذ الأنصاري ومات يوم بني قريظة بسهم أصابه في أكحله (١) يوم الخندق، وذلك قبل فتح خيبر بسنتين، فاستحسن ذلك منه ولم يجزهم على ما في الكتاب. قال أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون: توفي الخطيب ضحوة نهار يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة، ودفن بباب حرب إلى جنب بشر بن الحارث، وصلي عليه في جامع المنصور، وتقدم عليه القاضي أبو الحسين محمد بن علي بن المهتدي بالله وتصدق بجميع ماله وهو مائتا دينار، فرق ذلك على أصحاب الحديث والفقهاء والفقراء في مرضه، ووقف جميع كتبه على المسلمين وأخرجت من حجرة تلي النظامية في نهر مقلى، وتبعه الفقهاء والخلق العظيم، وكان بين يدي الجنازة جماعة ينادون: هذا الذي كان يذب عن رسول الله ﷺ ، هذا الذي كان يحفظ حديث رسول الله ﷺ . مولده سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. أخبرنا أبو البركات الأمين بدمشق، أنبأنا عمي أبو القاسم الحافظ قال: قرأت بخط غيث بن علي قال أبو القاسم مكي بن عبد السلام المقدسي: كنت جالسا في منزل الشيخ أبي الحسن الزعفراني ببغداد ليلة الأحد الثاني عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وستين وأربعمائة فرأيت في المنام عند السحر كأنا اجتمعنا عند الشيخ أبي بكر الخطيب في منزله بباب المراتب لقراءة التاريخ على العادة، فكان الشيخ الإمام جالسا والشيخ الفقيه أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي عن يمينه وعن يمين الفقيه نصر رجل جالس لا أعرفه فسألت عنه، فقلت: من هذا الرجل الذي لم تجر عادته بالحضور معنا؟ فقيل لي: هذا رسول الله ﷺ ، جاء ليسمع التاريخ. فقلت في نفسي: هذه جلالة للشيخ أبي بكر إذ يحضر النبي ﷺ مجلسه، فقلت في نفسي: وهذا أيضا رد لقول من يعيب التاريخ ويذكر أن فيه تحاملا على أقوام- ﵀.

стр. 40

٣٩ - أحمد بن علي بن محمد بن برهان الوكيل، أبو الفتح الفقيه الشافعي (١): تفقه في صباه على مذهب أحمد بن حنبل على أبي الوفاء بن عقيل، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، وقرأ على أبي بكر الشاشي وأبي حامد الغزالي، وكان ذكيا، خارق الذهن، ولم يزل يبالغ في الطلب والاشتغال والحفظ والتحقيق وحل المشكلات واستخراج المعاني حتى صار يضرب به المثل. ولى التدريس بالنظامية، ثم عزل عنها. سمع الحديث بنفسه من أبي طاهر أحمد بن الحسن الكرخي وأبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر وأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النعال. توفي يوم الأربعاء ثامن عشر جمادى [الأولى] (٢) من سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وصلّى عليه بجامع القصر ودفن بباب أبرز. ٤٠ - أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن المعمر بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبيد الله العلوي الحسيني (٣): نقيب الطالبيين ببغداد. ولى النقابة على الطالبيين بعد أبيه في سنة ثلاثين وخمسمائة، ولم يزل على ولايته إلى حين وفاته، وكان يسكن بالحريم الظاهري في دار له مشرفة على دجلة. سمع أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن العلاف وأبا الحسين المبارك بن عبد الجبار الصّيرفيّ، وكان مجدا في الرواية، وكان يشعر شعرا حسنا، وينثر نثرا فائقا، فمن شعره: دمع يخد وجنة تتخدد … وجوى يزيد وزفرة تتجدد وصبابة ترمي وصبر نافر … وضنى يجول وجور وجد يلبد وهوى يشعب فكرتي ويذيبني … شوقا يقسمه كواعب خرد وحنين قلب واشتجار وساوس … ودوام تهيام وجفني يسهد وأنين خلب محدق وغرام ووج … د معلق وجوارح تتلبد ونحول جسم واضح وسقام ح … ب فاضح وحياد عقل يشرد
следующие страницы →