Полный текст (594 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
المجلد: الأول
المتن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَبِهِ نَسْتَعِين﴾
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى سَيِّدِنَا محمد وعلى آله أَجْمَعِينَ
ذِكْرُ سَرْدِ النَّسَبِ الزَّكِيِّ
مِنْ مُحَمَّدٍ ﵌ إلَى آدَمَ ﵇
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عبدُ الْمَلِكِ بنُ هشام: هَذَا كتابُ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ -محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. وَاسْمُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: شَيْبَة١ بْنُ هَاشِمٍ. وَاسْمُ هَاشِمٍ: عَمْرُو٢ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَاسْمُ عَبْدِ مناف: المغيرة٣ بن قصي٤، بن كلاب٥
الحواشي
(١) ١ هكذا ذكر ابن إسحاق: أن اسمه شيبة -وهو الصحيح- وسمي بذلك لأنه ولد في رأسه شيبة. وأما غيره من العرب ممن اسمه شيبة، فإنما قصد في تسميتهم بهذا الاسم التفاؤل لهم ببلوغ سن الحنكة والرأي، كما سموا بهرم وكبير.
وعاش عبد المطلب مائة وأربعين سنة وكان لدى عبيد بن الأبرص الشاعر المشهور.
ويقال: إنه أول من خضب بالسواد. وقد ذكر أن اسمه عامر، "انظر الروض الأنف بتحقيقنا طبعة عباس شقرون ص٧ ج١".
٢ عمرو: وهو اسم منقول من أحد أربعة أشياء: من العَمر الذي هو العُمر. أو العَمر: الذي هو من عمور الأسنان. أو العُمر الذي هو طرف الكم. أو العَمر الذي هو القُرط.
٣ المغيرة: وهو منقول من الوصف، والهاء فيه للمبالغة، أي أنه مُغير على الأعداء، أو مغير من: أغار الحبل إذا أحكمه.
٤ قُصى واسمه زيد، وهو تصغير قَصيّ أي بعيد؛ لأنه بعد عن عشيرته في بلاد قُضاعة، حين احتملته أمه فاطمة مع ربيعة بن حرام.
٥ كلاب: وهو منقول إما من المصدر الذى هو معنى المكالبة، وإما من الكلاب جمع كلب؛ لأنهم يريدون الكثرة وقد قيل لأبي الرقيش الأعرابى: لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء نحو: كلب وذئب، وعبيدكم بأحسن الأسماء نحو: مرزوق ورباح، فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا، وعبيدنا لأنفسنا: يريد أن الأبناء عدة الأعداء وسهام في نحورهم؛ فاختاروا لهم هذه الأسماء.стр. 2
ابن مرة١، بن كعب٢ بن لؤي٣، بن غالب، بن فهر٤، بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، بْنِ خُزَيْمَةَ٥، بْنِ مُدْرِكَةَ، وَاسْمُ مُدْرِكَةَ: عَامِرُ، بْنُ إلْيَاسَ٦، بْنِ مضر٧،
الحواشي
(١) ١ مرة: منقول من وصف الحنظلة والعلقمة، ويجوز أن تكون الهاء للمبالغة، فيكون منقولًا من وصف الرجل بالمرارة. أو قد يكون من المسمين بالنبات فقد ذكر: أن المرة بقلة تقع فتؤكل بالخل والزيت.
٢ كعب: وهو منقول من الكعب الذي هو قطعة من السمن، أو من كعب القدم، يقولون: ثبت ثبوت الكعب، وكعب هو أول من جمع يوم العروبة، ولم تسم العروبة إلا مذ جاء الإسلام وقيل: هو أول من سماه الجمعة؛ فكان يجمع قريش في هذا اليوم ويذكرهم بمبعث النبي – ﷺ – ويعلمهم أنه ولده، ويأمرهم باتباعه.
٣ لؤي: هو تصغير اللأى، وهو الثور الوحشي كما ذكر ابن الأنباري.
٤ فهر: قيل: إنه لقب، والفهر من الحجارة الطويل، واسمه قريش وقيل: بل اسمه فهر، وقريش لقب له.
٥ خزيمة: تصغير خزمة، وهي المرة الواحدة من الخزم، وهو شد الشيء وإصلاحه.
٦ الياس. قال فيه ابن الأنباري: إلياس بكسر الهمزة وجعله موافقًا لاسم إلياس النبي، وقيل في اشتقاقه: إنه إفعال، من قولهم: رجل أليْس وهو الشجاع الذي لا يفر. قال العجاج:
أليْس عن حوبائه سخى
أما غير ابن الأنباري فقال: إنه إلياس، سمي بضد الرجاء، واللام فيه للتعريف والهمزة همزة وصل.
٧ مضر: قال فيه القتبى. هو من المضيرة وهي شيء يصنع من اللبن فسمي مضر لبياضه، فقيل: مضر الحمراء؛ لأن العرب تسمي الأبيض أحمر.стр. 3
ابن نِزَارِ١، بْنِ مَعَد٢ بْنِ عَدْنَانَ٣، بْنِ أُدٍّ٤.
وَيُقَالُ أدَد، بْنُ مُقَوِّم، بْنِ نَاحُورَ، بْنِ تَيْرَح، بْنِ يَعْرُب، بْنِ يَشْجُب٥، بْنِ نَابِتِ، بن إسماعيل٦، بن إبراهيم٧ -خليل الرحمن- ابن تَارِحٍ -وَهُوَ آزَرُ٨- بْنُ نَاحُورَ، بْنِ سَارُوغَ، بن داعو، بْنِ فَالَخٍ٩، بْنِ عَيْبر١٠، بْنِ شالَخٍ١١، بْنِ أرْفَخْشَذ١٢، بن سام، ابن نوح١٣، بن لمك، بن متوشلخ١٤، بن أخنوخ وَهُوَ إدْرِيسُ النَّبِيُّ -فِيمَا يَزْعُمُونَ- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ أَوَّلَ بَنِي آدَمَ أُعْطَى النُّبُوَّةَ، وَخَطَّ بالقلم -ابن يرد١٥ بن مهليل١٦،
الحواشي
(١) ١ نزار: واشتقاقه من النزر وهو القليل، وكان أبوه حين ولد له ونظر إلى النور بين عينيه وهو نور النبوة نحر وأطعم وقال: إن هذا كله نزر لحق هذا المولود.
٢ معد: أخذ من المعد وهو القوة.
٣ عدنان: فعلان من عدن إذا أقام.
٤ أد: ويقال: أدد. قال ابن السراج: هو من الود وانصرف.
٥ ناحور: من النحر، وتبرح: من الترحة. ويشجب: من الشجب.
٦ إسماعيل: تفسيره: مطيع الله.
٧ إبراهيم: معناه: أب راحم.
٨ قيل معناه: يا أعوج.
٩ ويقال فيه: فالغ.
١٠ عيبر: ويقال فيه عابر، وذكر الطبري: أن بين فالغ وعابر أبا اسمه قينن أسقط اسمه من التوراة؛ لأنه كان ساحرًا.
١١ شالخ: معناه الرسول أو الوكيل.
١٢ أرفخشذ: تفسيره المصباح مضيء.
١٣ نوح: واسمه عبد الغفار ويقال: إنه سمي "نوحا" لنوحه على ذنبه.
١٤ متوشلخ: وتفسيره مات الرسول؛ لأن أباه كان رسولًا ومات، ومتوشلخ في بطن أمه.
١٥ يرد: وتفسيره الضابط.
١٦ مهليل: وقيل مهلائيل: وتفسيره: الممدح.стр. 4
ابن قَيْنَنَ١، بْنِ يانِشَ٢، بْنِ شِيثِ٣، بْنِ آدَمَ٤، ﷺ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عبد الله البَكَّائى٥، عن محمد بن إسحاق الْمُطَّلِبِيِّ٦، بِهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ نَسَبِ مُحَمَّدٍ رسول الله ﵌ إلَى آدَمَ ﵇، وَمَا فِيهِ مِنْ حَدِيثِ إدْرِيسَ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي خلاد بن قُرَّة بن خالد السَّدومي، عن شَيْبان ابن زُهَيْر بْنِ شَقِيقِ بْنِ ثَوْر، عَنْ قتَادة بْنِ دِعامة، أَنَّهُ قَالَ:
إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ -خليل الرحمن- ابن تارِح -وهو آزر- ابن نَاحُورَ بْنِ أَسْرَغَ بْنِ أَرْغُو بْنِ فَالَخٍ بْنِ عَابِرِ بْنِ شَالَخٍ بْنِ أرْفَخْشَذ بْنِ سام بن نوح بن لَمْك بن متُّوشلخ بْنِ أَخْنُوخَ بْنِ يَرْدِ بْنِ مِهْلَائِيلَ بْنِ قَاين ابن أنُوش بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ ﷺ .
منهج ابن هشام في عرضه للسيرة: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنَا -إنْ شَاءَ اللَّهُ- مبتدئٌ هَذَا الْكِتَابَ بِذِكْرِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ وَلد رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ ولدِه، وأولادِهم لِأَصْلَابِهِمْ، الأولَ فالأولَ، مِنْ إسْمَاعِيلَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا يَعْرِض مِنْ حَدِيثهِمْ، وتاركٌ ذكْرَ غَيْرِهِمْ مِن وَلَدِ إسْمَاعِيلَ عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ، لِلِاخْتِصَارِ، إلَى حَدِيثِ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتاركٌ بعضَ مَا ذَكَرَهُ ابنُ إسْحَاقَ فِي هَذَا الْكِتَابِ، مِمَّا لَيْسَ لرسول الله ﷺ فِيهِ ذِكْرٌ. وَلَا نَزَلَ فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، وَلَيْسَ سَبَبًا لِشَيْءِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَلَا تَفْسِيرًا لَهُ، وَلَا شَاهِدًا عَلَيْهِ، لِمَا ذَكَرْتُ مِنْ الِاخْتِصَارِ، وَأَشْعَارًا ذَكَرَهَا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يَعْرِفُهَا، وَأَشْيَاءَ بعضُها يَشْنُعُ الْحَدِيثُ بِهِ، وَبَعْضٌ يَسُوءُ بعضَ النَّاسِ ذِكْره، وَبَعْضٌ لَمْ يُقرّ لَنَا البَكَّائى بِرِوَايَتِهِ، ومستقصٍ -إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْهُ بِمَبْلَغِ الرِّوَايَةِ لَهُ، والعلم به.
الحواشي
(١) ١ قينن: وقيل: قينان، وتفسيره المستوى.
٢ يانش: وقيل: أنوش، وتفسيره الصادق.
٣ شيث: وهو بالسريانية: شاث، وتفسيره: عطية الله.
٤ آدم: وفيه ثلاثة أقوال: أنه اسم سرياني، أو هو أفعل من الأدمة وهي السمرة، أو أخذ من لفظ الأديم؛ لأنه خلق من أديم الأرض.
٥ هو: أبو محمد زياد بن عبد الله البكائي الكوفي وهو محدث مشهور.
٦ هو أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار من المحدثين خاصة في المغازى والسير، توفي ببغداد سنة إحدى وخمسين ومائة هجرية. انظر تاريخه مفصلًا هو وابن هشام في مقدمة الكتاب.стр. 5
سِيَاقَةُ النَّسَبِ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ ﵇
أولاد إسماعيل ﵇: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الله البَكَّائى، عن محمد بن إسحاق المُطَّلِبي قَالَ:
ولدَ إسماعيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ ﵉ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: نَابِتًا -وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ- وقيْذَر وأذْبُل، ومنْشا ومِسْمَعًا، وماشى، ودمَّا، وأذر، وطيما، ويَطُورا، ونَبِش، وقَيْذُما، وأمهم: بنت مُضاض بن عَمر الجُرْهُمي. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مِضَاضٌ، وجُرهم بْنُ قَحْطَانَ –وَقَحْطَانُ أَبُو الْيَمَنِ كُلِّهَا، وَإِلَيْهِ يَجْتَمِعُ نَسَبُهَا- ابْنُ عَامِرِ بْنِ شالَخِ بْنِ أرْفَخْشَذ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ.
قَالَ ابْنُ إسحاق: جُرْهُم بن يَقْطن بن شالخ، ويَقْطن هو: قحطان ابن عَيْبر بن شالخ.
عمر إسماعيل وموطن أمه ووفاته: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عُمْرُ إسْمَاعِيلَ -فِيمَا يذكرون- مائة سَنَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَاتَ -رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِ- وَدُفِنَ فِي الحِجْر١ مَعَ أُمِّهِ هاجر -رحمهما الله تعالى.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَقُولُ الْعَرَبُ: هَاجَرَ وَآجَرَ، فَيُبْدِلُونَ الْأَلِفَ مِنْ الْهَاءِ، كَمَا قَالُوا: هَرَاقَ الْمَاءَ، وَأَرَاقَ الْمَاءَ، وَغَيْرَهُ. وَهَاجَرُ مِنْ أَهْلِ مصر.
حديث الوصاة بأهل مصر وسببها: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهيعَة، عَنْ عُمر مَوْلَى غَفْرَة٢ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"اللَّهَ اللَّهَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ. أَهْلِ المدَرَة السَّوْدَاءِ، السُّحْم الجِعاد٣، فَإِنَّ لَهُمْ نسبًا وصهرًا".
الحواشي
(١) ١ الحجر: هو حجر الكعبة وهو ما تركت قريش في بنائها من أساس إبراهيم ﵇ حينما ضافت بهم النفقة وحجرت على الموضع ليعرف أنه من الكعبة.
٢ غفرة: أخت أو بنت بلال ﵁.
٣ المدرة: البلدة. والسحم: السود. والجعاد: يقال فلان جعد الشعر إذا كان فيه تكسير.стр. 6
قَالَ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَة: نسبُهم: أَنَّ أمَّ إسْمَاعِيلَ النَّبِيِّ ﷺ -مِنْهُمْ. وصهرُهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تسرَّر فِيهِمْ١.
قَالَ ابْنُ لَهِيعَة: أُمُّ إسْمَاعِيلَ: هَاجَرُ، مِنْ: "أُمِّ العَرَب" قَرْيَةٍ كَانَتْ أَمَامَ الفَرَما٢ مِنْ مِصْرَ.
وَأُمُّ إبْرَاهِيمَ٣: مَارِيَةُ٤ سُرِّيَّة النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ مِنْ حَفْنٍ٥، مِنْ كُورَةِ أنصِنا٦.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مسلم بن عُبَيْد الله بن شهاب الزهري: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ السُّلَمي، حَدَّثَهُ: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا فتحتم مِصْرَ، فاستوصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمة ورحِمًا". فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ: مَا الرَّحِمُ الَّتِي ذَكر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ؟ فَقَالَ: كَانَتْ هاجَر أُمُّ إسْمَاعِيلَ مِنْهُمْ.
أَصْلُ الْعَرَبِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَالْعَرَبُ كُلُّهَا مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَقَحْطَانَ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْيَمَنِ يَقُولُ: قَحْطَانُ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَيَقُولُ: إسماعيل أبو العرب كلها.
الحواشي
(١) ١ تسرر الرجل: اتخذ أمة لفراشه.
٢ الفرما: مدينة شرق مصر كانت ميناء كبيرًا، وتعرف الآن بتل الفرما.
٣ هو إبراهيم ابن رسول الله ﷺ .
٤ مارية ومعناها: البقرة الفتية إذا كان اللفظ مخففًا، والملساء إذا كان اللفظ مشددًا وهي التي أهداها إلى النبي ﷺ المقوقس- واسمه جُرَيج بن ميناء. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قد أرسل إليه حاطب بن أبي بلتعة وجبرًا مولى أبي رُهْم الغفاري، فقارب الإسلام وأهدى معهما أيضًا بغلته التي يقال لها: دلدل -القنفذ العظيم- وأهدى إليه قدحًا من قوارير كان يشرب فيها. انظر: "الروض الأنف بتحقيقنا ج١ ص١٧".
٥ حفن: قرية بصعيد مصر وهي التي رفع عنها معاوية الخراج بوساطة الحسن بن علي ﵁ حفظًا لوصية رسول الله ورعاية لحرمة صهره ﷺ .
٦ أنصنا: قرية بصعيد مصر، يقال: إنها كانت مدينة السحرة وشهرتها قائمة على وجود شجر اللبخ بها.стр. 7
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: عَادُ بْنُ عَوْص بْنِ إرَم بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَثَمُودُ وجَديس ابْنَا عَابِرِ بْنِ إرَمِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وطَسْم وعِمْلاق وأمَيم بَنُو لاوِذ بْنِ سَامِ بنِ نُوحٍ. عربٌ كلُّهم. فَوَلَدَ نابتُ بنُ إسماعيلَ: يشْجُبَ بْنَ نَابِتٍ، فولَدَ يشجبُ: يعرُبَ بْنَ يَشْجُبَ: فولدَ يَعْرُبُ: تَيْرح بْنَ يَعْرُبَ، فَوَلَدَ تيرحُ: ناحورَ بْنَ تَيْرَحَ، فولَدَ نَاحُورُ: مُقَوّم بْنَ نَاحُورٍ، فَوَلَدَ مُقَوِّمُ: أدَدَ بنَ مُقَوِّمٍ، فَوَلَدَ أددُ: عدنانَ بْنَ اُدَد.
قَالَ ابنُ هشامٍ: ويقالُ: عدنانُ بْنُ أُدٍّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَمِنْ عَدْنَانَ تَفَرَّقَتْ الْقَبَائِلُ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ﵉ فَوَلَدَ عَدْنَانُ رَجُلَيْنِ: مَعَدَّ بْنَ عَدْنَانَ، وعَكّ بن عدنان.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَصَارَتْ عَكٌّ فِي دَارِ الْيَمَنِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَكَّا تَزَوَّجَ فِي الْأَشْعَرِيِّينَ، فَأَقَامَ فِيهِمْ؛ فَصَارَتْ الدَّارُ وَاللُّغَةُ وَاحِدَةً. وَالْأَشْعَرِيُّونَ: بَنُو أَشْعَرَ بْنِ نَبْت بْنِ أدَد بْنِ زَيْدِ بْنِ هَمَيْسع بْنِ عَمْرِو بْنِ عَرِيبِ بْنِ يَشْجُب بْنِ زَيْد بْنِ كَهْلان بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُب بْنِ يَعْرب بْنِ قَحْطَانَ وَيُقَالُ: أشعرُ: نَبْت بْنُ أدَد. وَيُقَالُ: أَشْعَرُ: ابنُ مَالِكٍ، وَمَالِكٌ: مَذْحج بْنُ أدَد بْنِ زَيْدِ بْنِ هَمَيْسع. وَيُقَالُ: أَشْعَرُ: ابْنُ سَبَأِ بْنِ يشجُب.
وَأَنْشَدَنِي أَبُو مُحْرِز خَلف الْأَحْمَرُ، وَأَبُو عُبَيْدة، لِعَبَّاسِ بْنِ مِرْداس، أَحَدِ بَنِي سُلَيْم بن منصور بن عِكْرِمة بن خَصَفة بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلان بْنِ مُضَر بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، يَفْخَرُ بِعَكِّ:
وَعَكُّ بْنُ عَدْنَانَ الَّذِينَ تلقَّبوا ... بِغَسَّانِ حَتَّى طُرِّدوا كلَّ مَطْرِد
ِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ: وَغَسَّانُ: مَاءٌ بِسَدِّ مَأْرِبَ بِالْيَمَنِ، كَانَ شِرْبًا لِوَلَدِ مَازِنِ بْنِ الأسْد١ بْنِ الغَوْث، فسُموا بِهِ. وَيُقَالُ: غَسَّانُ٢: مَاءٌ بالمُشَلَّل قَرِيبٌ مِنْ الجُحْفَة، وَاَلَّذِينَ شربوا منه تحزبوا فسُموا بِهِ قَبَائِلُ مِنْ وَلَدِ مَازِنِ بْنِ الْأَسْدِ، بْنِ الغَوْث، بْنِ نَبْت، بْنِ مَالِكِ، بْنِ زَيْد، بْنِ كَهْلان، بْنِ سَبَأِ، بْنِ يَشْجُب، بن يَعْرُب، بن قَحْطان.
الحواشي
(١) ١ ويقال فيه الأزد أيضًا.
٢ واشتقاق غسان -اسم ذلك الماء- من الغس والضعيف وبعد هذا البيت:
يا أخت آل فراس إنني رجل
من معشر لهم في المجد بنيانстр. 8
قَالَ حسانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَالْأَنْصَارُ بَنُو الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، ابنَىْ حَارِثَةَ، بْنِ ثَعْلبة، بْنِ عَمْرِو، بْنِ عَامِرِ، بْنِ حَارِثَةَ، بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، بْنِ ثَعْلَبَةَ، بْنِ مَازِنِ، بْنِ الأسْد، بْنِ الْغَوْثِ:
إمَّا سألْتِ فَإِنَّا مَعْشرٌ نُجُبٌ ... الأسْدُ نسبتُنا والماُء غسانُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.
فَقَالَتْ الْيَمَنُ، وَبَعْضُ عَكٍّ، وَهُمْ الَّذِينَ بِخُرَاسَانَ مِنْهُمْ: عَكُّ بْنُ عَدْنَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ. وَيُقَالُ: عُدْنان بن الديث بن عبد الله بن الأسْد بن الغوْث.
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: فوَلَدَ معدُّ بْنُ عَدْنَانَ أربعةَ نَفَرٍ: نِزَارَ بْنَ مَعَدٍّ، وَقُضَاعَةَ، بْنَ مَعَدٍّ، وَكَانَ قُضَاعَةُ بِكْر مَعَدٍّ الَّذِي بِهِ يُكْنَى -فِيمَا يَزْعُمُونَ- وقُنُص بْنَ مَعَدٍّ، وَإِيَادَ بْنَ مَعَدٍّ.
فَأَمَّا قُضاعة فَتَيَامَنَتْ إلَى حِمْير بْنِ سَبَأٍ -وَكَانَ اسْمُ سَبَأٍ: عَبْدَ شَمْسٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ سَبَأً؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَبَى فِي الْعَرَبِ– ابْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُب بْنِ قحطان.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَقَالَتْ الْيَمَنُ وَقُضَاعَةُ: قُضَاعَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ حِمْير. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجُهَنِيُّ١، وجُهَينة بْنُ زَيْدِ، بْنِ لَيْث، بن سَوْد، بن أسلم، بن الحاف، بن قُضاعة:
نَحْنُ بَنُو الشَّيْخِ الهِجان الأزْهَر ... قُضَاعَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ حِمْيَرِ
النَّسَبِ الْمَعْرُوفِ غَيْرِ المنْكَر ... في الحَجَرالمنقوش تحتَ المِنْبرِ٢
قُنُصُ بْنُ مَعَدٍّ وَنَسَبُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ: قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا قُنُص بْنُ مَعَدٍّ فَهَلَكَتْ بَقِيَّتُهُمْ -فِيمَا يزعمُ نُسَّاب مَعَدٍّ- وَكَانَ مِنْهُمْ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ مَلِكُ الحيرة. قال ابن إسحاق:
الحواشي
(١) ١ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
له حديثان أحدهما في أعلام النبوة، والآخر: "من ولي أمر الناس، فسد بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة، سد الله بابه دون حاجته وخلته ومسكنته يوم القيامة". انظر: "الروض الأنف بتحقيقنا ج١ ص٢٣".
٢ الهجان الكريم. الأزهر: المشهور، ويقال: إن هذا الشعر لأفلح بن اليعبوب كما ذكر ذلك ذو الحسبين عن الزبير. ويقال أول هذا الرجز قوله:
يا أيها الداعي أدعنا وأبشر ... وكن قضاعيًّا ولا تنزرстр. 9
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بْنِ عُبَيد اللَّهِ بْنِ شِهَابِ الزُّهْري: أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ كَانَ مِنْ وَلَدِ قُنُص بْنِ مَعَدٍّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ويُقال: قَنَص.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبة بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الأخْنَس، عَنْ شَيْخٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي زُرَيْق أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ أُتِيَ بِسَيْفِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ١، دَعَا جُبَيْر بن مُطْعِم بن عَدِي بن نَوْفَل بن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَى -وَكَانَ جُبَيْر مِنْ أَنْسَبِ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشِ، وَلِلْعَرَبِ قَاطِبَةً، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّمَا أَخَذْتُ النسبَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَنْسَبَ الْعَرَبِ- فَسَلَّحَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ قَالَ: مِمَّنْ كَانَ، يَا جُبَيْر النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ؟ فَقَالَ: كَانَ مِنْ أَشْلَاءِ قُنُص بْنِ مَعَدٍّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا سَائِرُ الْعَرَبِ فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مِنْ لَخْم، مِنْ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
لَخْمِ بْنِ عَدِيٍّ: قَالَ ابنُ هِشَامٍ: لَخْم: ابْنُ عَدِيِّ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ هَمَيْسَع بْنِ عَمْرِو بْنِ عَرِيب بْنِ يَشْجُب بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ. وَيُقَالُ: لَخْم: ابْنُ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَبَأٍ. وَيُقَالُ: رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرِ٢ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَكَانَ تَخَلَّفَ بِالْيَمَنِ بَعْدَ خُرُوجِ عَمْرِو بن عامر من اليمن.
الحواشي
(١) ١ وإنما أتى بهذا السيف حين افتتحت المدائن، وكانت بها خرائب كسرى وذخائره فأخذت نفائسه ومن جملتها خمسة أسياف. أحدها: سيف كسرى أبرويز، والثاني سيف كسرى أنوشروان وثالثها: سيف النعمان بن المنذر كان استلبه منه حين غضب عليه وقتله، ورابعها: سيف خاقان ملك الترك، وخامسها: سيف هرقل وكان تصير إلى كسرى أيام غلبته على الروم.
٢ ويقال فيه: نصر بن ربيعة: وهو في قول نساب اليمن ربيعة بن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم، وقال الزبير: نصر بن مالك بن شعوذ بن مالك بن عجم بن عمرو بن نمارة بن لخم.стр. 10
أَمْرُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ فِي خُرُوجِهِ مِنْ الْيَمَنِ: وَقِصَّةُ سَدِّ مَأْرِبٍ
وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ مِنْ الْيَمَنِ، فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو زَيْد الْأَنْصَارِيُّ، أَنَّهُ رَأَى جُرَذًا يَحْفِرُ فِي سَدِّ مأرِب الَّذِي كَانَ يَحْبِسُ عَلَيْهِمْ الْمَاءَ فَيُصَرِّفُونَهُ حَيْثُ شَاءُوا مِنْ أَرْضِهِمْ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا بقاءَ لِلسَّدِّ عَلَى ذَلِكَ، فَاعْتَزَمَ عَلَى النُّقْلة مِنْ الْيَمَنِ، فَكَادَ قَوْمَهُ، فَأَمَرَ أَصْغَرَ وَلَدِهِ إذَا أَغْلَظَ لَهُ وَلَطَمَهُ، أَنْ يَقُومَ إلَيْهِ فَيَلْطِمَهُ، فَفَعَلَ ابْنُهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ، فَقَالَ عَمْرٌو: لَا أُقِيمُ بِبَلَدِ لَطَمَ وَجْهِي فِيهِ أصغرُ وَلَدِي، وَعَرَضَ أموالَه، فَقَالَ أَشْرَافٌ مِنْ أَشْرَافِ الْيَمَنِ: اغْتَنِمُوا غضبةَ عَمرو، فَاشْتَرَوْا مِنْهُ أَمْوَالَهُ، وَانْتَقَلَ فِي وَلَدِهِ وَوَلَدِ ولده. وقال الْأَزْدُ: لَا نَتَخَلَّفُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، فَبَاعُوا أموالَهم، وَخَرَجُوا مَعَهُ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِلَادَ عَكٍّ مُجْتَازِينَ يَرْتَادُونَ الْبُلْدَانَ. فَحَارَبَتْهُمْ عَك، فَكَانَتْ حَرْبُهُمْ سِجالًا، فَفِي ذَلِكَ قَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ الْبَيْتَ الَّذِي كَتَبْنَا١. ثُمَّ ارْتَحَلُوا عَنْهُمْ، فَتَفَرَّقُوا فِي الْبُلْدَانِ، فَنَزَلَ آلُ جَفْنَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ: الشامَ، وَنَزَلَتْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ: يَثْرِبَ، وَنَزَلَتْ خُزَاعَةُ: مَرًّا، وَنَزَلَتْ أزدُ السراةَ: السَّرَاةَ. وَنَزَلَتْ أزدُ عُمان: عُمَانَ. ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى السدِّ السيلَ فَهَدَمَهُ، فَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ . [سبأ: ١٥] .
والعَرِم: السَّدُّ، وَاحِدَتُهُ: عَرِمَة، فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدة.
قال الأعشى: أعشى بني قيس، ابن ثَعْلَبَةَ، بْنِ عُكابة، بْنِ صَعْب، بْنِ عَلِيِّ، بْنِ بَكْرِ، بْنِ وَائِلِ بْنِ هِنْب، بْنِ أفْصَي، بْنِ جَديلة، بْنِ أسَد، بْنِ رَبِيعَةَ، بْنِ نِزار، بْنِ مَعَدّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَفْصَى بْنِ دُعْمِيّ بْنِ جَدِيلَةَ، وَاسْمُ الْأَعْشَى: مَيْمُونُ بْنُ قَيْس، بْنِ جَنْدَلِ، بْنِ شَرَاحِيلَ، بْنِ عَوْفِ، بْنِ سَعْدِ، بْنِ ضُبَيْعة، بْنِ قَيْسِ، بْنِ ثَعْلَبَةَ:
وَفِي ذَاكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ... ومأربُ عفَّى عَلَيْهَا العَرِمْ
رُخام بَنَتْهُ لَهُمْ حِمْيرٌ ... إذَا جَاءَ مَوَّارُه لَمْ يَرِمْ
فَأَرْوَى الزروعَ وأعنابَها ... عَلَى سَعةٍ مَاؤُهُمْ إذْ قُسِمْ
الحواشي
(١) ١ وهو قوله:
وَعَكُّ بْنُ عَدْنَانَ الَّذِينَ تَلَقَّبُوا
بِغَسَّانِ حَتَّى طردوا كل مطردстр. 11
فَصَارُوا أَيَادَى مَا يَقْدِرُو ... نَ مِنْهُ عَلَى شُرْبِ طِفْلٍ فُطِمْ
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَقَالَ أميةُ بنُ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفي -وَاسْمُ ثَقيف: قَسِيُّ بنُ مُنَبِّه، بْنِ بَكْرِ، بْنِ هَوَازِنَ، بْنِ مَنْصُورِ، بْنِ عِكرمة، بْنِ خَصَفة، بْنِ قَيْسِ، بْنِ عَيْلان، بْنِ مُضَر، بْنِ نِزَار، بْنِ مَعَدّ، بْنِ عَدْنَانَ:
مِنْ سَبَأِ الْحَاضِرِينَ مَأْرِبَ إذْ ... يَبْنُونَ مِنْ دُونِ سَيْلِهِ الْعَرِمَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَتُرْوَى لِلنَّابِغَةِ الجَعْدي، وَاسْمُهُ: قَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَحَدُ بَنِي جَعْدة، بْنِ كَعْبِ، بْنِ رَبِيعَةَ، بْنِ عَامِرِ، بْنِ صَعْصَعة، بْنِ مُعَاوِيَةَ، بْنِ بَكْرِ، بْنِ هَوَازن.
وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ، مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ مَا ذَكَرْتُ مِنْ الِاخْتِصَارِ.
حديث ربيعة بن نصر ورؤياه
رؤيا ربيعة: قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ مَلِكُ الْيَمَنِ بَيْنَ أضْعَاف مُلُوكِ التَّبَابِعَةِ، فَرَأَى رُؤْيَا هَالَتْهُ، وَفَظِعَ بِهَا، فَلَمْ يَدَعْ كَاهِنًا، وَلَا سَاحِرًا، وَلَا عَائِفًا١، وَلَا منجِّما مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ إلَّا جَمَعَهُ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إنِّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي، وفَظِعْت بِهَا؛ فأخْبروني بِهَا وَبِتَأْوِيلِهَا، قَالُوا لَهُ: اُقْصُصْهَا عَلَيْنَا نخبرْك بِتَأْوِيلِهَا، قَالَ: إنِّي إنْ أَخْبَرْتُكُمْ بِهَا لَمْ أَطْمَئِنَّ إلَى خبرِكم عَنْ تَأْوِيلِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ تَأْوِيلَهَا إلَّا مَنْ عَرَفَهَا قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَهُ بِهَا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: فَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ يُرِيدُ هَذَا فَلْيَبْعَثْ إلَى سَطيحٍ٢ وشِقٍّ٣، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَعْلَمَ مِنْهُمَا، فهما يخبرانه بما سأل عنه.
الحواشي
(١) ١ العائف: من يزجر الطير.
٢ وسمي سطيحا: لأنه كان جسما ملقى لا جوارح له ولا يقدر على الجلوس، إلا إذا غضب انتفح فجلس. ويذكر أن وجهه في صدره ولم يكن له رأس ولا عنق ويذكر عن وهب ابن منبه أنه قال: قيل لسطيح: أنى لك هذا العلم؟ فقال: لي صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء حين كلم الله تعالى موسى ﵇ فهو يؤدى إلي من ذلك ما يؤديه.
٣ وسمي بذلك؛ لأنه كان نصف إنسان، له يد واحدة؟ ورجل واحدة، وعين واحدة. وولد شق وسطيح في اليوم الذي ماتت فيه طريفة الكاهنة وهي بنت الخير الحميرية امرأة عمر بن عامر فدعت بشق وسطيح قبل أن تموت فتفلت في فيهما وأخبرت أنهما سيخلفانها في كهانتها.стр. 12
وَاسْمُ سَطِيحٍ: رَبِيعُ بْنُ رَبِيعَةَ، بْنِ مَسْعُودِ، بْنِ مَازِنِ، بْنِ ذِئْبِ، بْنِ عَدِيِّ، بْنِ مازن غسان، وشق: بن صَعْب، بْنُ يَشْكُر، بْنِ رُهْم، بْنِ أفْرَك، بن قَسْر، بن عَقْبَر، بْنِ أَنْمَارِ، بْنِ نِزَارٍ: وَأَنْمَارُ أَبُو بَجِيلَةَ وَخَثْعَمَ.
نَسَبُ بَجِيلَةَ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَتْ الْيَمَنُ: وَبَجِيلَةُ بَنُو أَنْمَارِ، بْنِ إرَاشِ بْنِ لَحْيان، بْنِ عَمْرِو، بْنِ الغَوْث، بْنِ نَبْت، بن مالك، بن زيد، بن كهلان، بن سَبَأٍ: وَيُقَالُ: إرَاشُ بْنُ عَمْرِو، بْنِ لحْيان، بن الغَوْث. ودار بجيلة وخثعم يمانية.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَعَثَ إلَيْهِمَا، فَقَدِمَ عَلَيْهِ سَطيح قبلَ شِقٍّ، فَقَالَ لَهُ: إنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي، وفظِعْت بِهَا، فأخبرْنى بِهَا، فَإِنَّكَ إنْ أصبتَها أصبتَ تأويلَها.
قَالَ: أفعلُ. "رأيتَ حُمَمَة، خَرَجَتْ مِنْ ظُلُمة، فَوَقَعَتْ بِأَرْضِ تَهَمة، فَأَكَلَتْ مِنْهَا كلُّ ذاتِ جُمْجُمة"١.
فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا أخطأتَ مِنْهَا شَيْئًا يَا سطيحُ؛ فَمَا عندَك فِي تَأْوِيلِهَا؟ فَقَالَ: أَحْلِفُ بِمَا بين الحَرَّتَيْن من حَنَش، ليهبِطنَّ أرضَكم الْحَبَشُ، فَلَيَمْلِكُنَّ مَا بَيْنَ أبيَن إلَى جُرَش٢، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَأَبِيكَ يَا سَطِيحُ، إنَّ هَذَا لَنَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ، فَمَتَى هُوَ كَائِنٌ، أَفِي زَمَانِي هَذَا؛ أَمْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ بَعْدَهُ بِحِينِ، أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ، يَمْضِينَ مِنْ السِّنِينَ، قَالَ: أَفَيَدُومُ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِهِمْ أَمْ يَنْقَطِعُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ يَنْقَطِعُ لِبِضْعِ وَسَبْعِينَ مِنْ السِّنِينَ، ثُمَّ يُقتلون وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا هَارِبِينَ. قَالَ: وَمَنْ يلي ذَلِكَ مِنْ قتْلِهم وَإِخْرَاجِهِمْ؟ قَالَ: يَلِيهِ إرَمُ ذي يَزن٣، يخرج
الحواشي
(١) ١ الحممة: الفحمة المحرقة، والظلمة: الظلام يريد خروج عسكر الحبشة من أرض السودان. وأرض تهمة أي منخفضة وقوله: أكلت منها كل ذات جمجمة" ولم يقل: كل ذي جمجمة لأن القصد إلى النفس والنسمة فهو أعم، ويدخل فيه جميع ذوات الأرواح.
٢ بنو حبش بن حام بن نوح وبه سميت الحبشة، وأبين هكذا رويت بفتح الهمزة وذكرها سيبويه بكسر الهمزة على مثل إصبع. وقال ابن ماكولا هو أبين بن زهير بن أيمن بن الهميسع من حمير، أو من ابن حمير سميت به البلدة، وذكر الطبري: أن أبين وعدن ابنا عدنان سميت بهما البلدتان، وجرش: مدينة باليمن.
٣ المعروف أن اسمه: سيف بن ذي يزن، ولكن جعل إرما، إما لأن الإرم هو العلم فمدحه بذلك، وإما شبهه بعاد إرم في عظم الخلقة، قال اللَّهُ ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ .стр. 13
عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَنَ، فَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ.
قَالَ: أَفَيَدُومُ ذَلِكَ مِنْ سُلْطَانِهِ، أَمْ يقطع؟
قَالَ: لَا، بَلْ يَنْقَطِعُ.
قَالَ: وَمَنْ يَقْطَعُهُ؟
قَالَ: نَبِيٌّ زَكِيٌّ، يَأْتِيهِ الْوَحْيُ، مِنْ قِبَلِ الْعَلِيِّ. قَالَ: وَمِمَّنْ هَذَا النَّبِيُّ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ غَالِبِ بْنِ فهْر بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْر، يَكُونُ المُلك فِي قَوْمِهِ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ. قَالَ: وَهَلْ لِلدَّهْرِ مِنْ آخِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، يومٌ يُجْمَع فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، يَسْعَدُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ، وَيَشْقَى فِيهِ الْمُسِيئُونَ. قَالَ: أَحَقٌّ مَا تُخْبِرُنِي؟ قَالَ: نَعَمْ. والشَّفق والغَسق، والفَلَق إذَا اتَّسق، إنَّ مَا أَنْبَأْتُكَ بِهِ لحق.
ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ شِق، فَقَالَ لَهُ كَقَوْلِهِ لِسَطِيحِ، وَكَتَمَهُ مَا قَالَ سَطِيحٌ، لِيَنْظُرَ أَيَتَّفِقَانِ أَمْ يَخْتَلِفَانِ. فَقَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ حُمُمة، خَرَجَتْ مِنْ ظُلُمة، فَوَقَعَتْ بَيْنَ رَوْضة وَأَكَمَهْ، فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ نَسَمَهْ.
قَالَ: فَلَمَّا قَالَ له ذلك، عرف أَنَّهُمَا قَدْ اتَّفَقَا، وَأَنَّ قَوْلَهُمَا وَاحِدٌ.
إلَّا أَنَّ سَطِيحًا قَالَ: "وَقَعَتْ بِأَرْضِ تَهَمة، فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ جُمْجُمة".
وَقَالَ شِق: "وَقَعَتْ بينَ رَوْضَةٍ وَأَكَمَهْ، فأكلتْ مِنْهَا كلُّ ذَاتِ نَسَمَهْ".
فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا أَخْطَأْتَ يَا شِقُّ مِنْهَا شَيْئًا، فَمَا عِنْدَكَ فِي تَأْوِيلِهَا؟
قَالَ: أَحْلِفُ بِمَا بَيْنَ الحَرَّتين مِنْ إنْسَانٍ، لينزلن أرضَكم السودان، فليغلبن على كل طَفْلة١ البنان، وليملكُن ما بين أبيَن إلى نَجْران.
فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَأَبِيكَ يَا شِقُّ، إنَّ هَذَا لَنَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ، فَمَتَى هُوَ كَائِنٌ؟ أَفِي زَمَانِي، أَمْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ بَعْدَهُ بِزَمَانِ، ثُمَّ يَسْتَنْقِذُكُمْ مِنْهُمْ عَظِيمٌ ذُو شَأْنٍ، وَيُذِيقُهُمْ أَشَدَّ الْهَوَانِ.
قَالَ: وَمَنْ هَذَا الْعَظِيمُ الشَّانِ؟ قَالَ: غُلَامٌ، لَيْسَ بدَنِيّ، وَلَا مُدَنّ٢، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ ذِي يَزَن، فلا يترك أحدًا منهم باليمن.
الحواشي
(١) ١ الطفلة: الناعمة الرخصة. والبنان. الأصبع.
٢ المدن: الذي جمع الضعف مع الدناءة.стр. 14
قَالَ: أَفَيَدُومُ سُلْطَانُهُ أَمْ يَنْقَطِعُ؟ قَالَ: بَلْ يَنْقَطِعُ بِرَسُولِ مُرْسَل يَأْتِي بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، بَيْنَ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ، يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إلَى يَوْمِ الْفَصْلِ؟ قَالَ: وَمَا يَوْمُ الْفَصْلِ؟ قَالَ: يومٌ تُجْزَى فِيهِ الولاةُ ويُدْعى فِيهِ مِنْ السَّمَاءِ بِدَعَوَاتِ، يَسْمَعُ مِنْهَا الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ، ويُجمع فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ لِلْمِيقَاتِ، يَكُونُ فِيهِ لِمَنْ اتَّقَى الفوزُ وَالْخَيْرَاتُ.
قَالَ: أَحَقٌّ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: إي وربِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ رَفْعٍ وخَفض، إنَّ مَا أَنْبَأْتُكَ بِهِ لَحَقٌّ، مَا فِيهِ أَمْضِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَمْضِ. يَعْنِي شَكَّا: هَذَا بِلُغَةِ حِمْيَرَ: وقال أبو عمرو. أمض أي: باطل. فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ مَا قَالَا، فَجَهَّزَ بَنِيهِ، وَأَهْلَ بَيْتِهِ إلَى الْعِرَاقِ بِمَا يُصْلِحُهُمْ، وَكَتَبَ لَهُمْ إلَى مَلِكٍ مِنْ ملوك فارس يقال له: سابور بن خرَّزاد فأسكنهم الحيرة.
رأي آخر في نَسَبُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ: فَمِنْ بَقِيَّةِ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ: النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ، فَهُوَ فِي نَسَبِ الْيَمَنِ وعِلْمِهم: النعمانُ بنُ الْمُنْذِرِ بْنِ عَمرو بْنِ عَدِي بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْر، ذَلِكَ الْمَلِكُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ، بْنِ الْمُنْذِرِ، فِيمَا أَخْبَرَنِي خَلَفٌ الأحمر.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا هَلَكَ رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ، رَجَعَ مُلك الْيَمَنِ كلِّه إلَى حَسَّانِ بْنِ تُبان أَسْعَدَ١ أَبِي كَرِبٍ -وتُبان أَسْعَدُ هو: تُبَّع الآخر، ابن كَلْكى كرَب بْنِ زَيْدٍ، وَزَيْدٌ هُوَ تُبَّع الْأَوَّلُ بن عمرو ذي الأذعار٢ ابن أبرهة ذي المنار٣ ابن الرّيْش -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الرَّائِشُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ابْنَ عَدِيِّ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سبأ الأصغر، بن كَعْب، كَهْف الظُّلم، ابن زَيْد
الحواشي
(١) ١ اسمان جعلا اسما واحدا، ويصح جعل الإعراب في الجزء الأول من الاسم وإضافة الاسم الثاني إليه ويجوز الإعراب في الجزء الثاني من الاسم. وتبان: من التبانة وهي الذكاء والفطنة. يقال. رجل تبن وطبن.
٢ وسمي ذا الأذعار؛ لأنه أوغر في ديار المغرب وسبا أمة ذات شكل غريب؛ فذعر الناس منهم فسمي بذلك.
٣ وسمي بذلك؛ لأنه رفع نيرانًا في جبال ليهتدى بها في إحدى غزواته.стр. 15
ابن سَهْل، بْنِ عَمرو، بْنِ قَيْس، بْنِ مُعَاوِيَةَ، بْنِ جُشَم، بْنِ عَبْدِ شَمْسِ، بْنِ وَائِلِ، بْنِ الغَوْث، بْنِ قَطَن، بْنِ عَرِيب، بْنِ زُهَيْرِ، بْنِ أَيْمَنَ، بْنِ الهَمَيْسَع، بْنِ العَرَنْجَج. والعَرَنْجَج: حِمْيَر بْنُ سَبَأٍ الْأَكْبَرِ بْنِ يَعْرُب، بْنِ يَشْجُب، بْنِ قَحْطَانَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَشْجُب: بن يَعْرُب بن قَحْطان.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وتُبان أَسْعَدُ: أَبُو كَرِب الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَسَاقَ الحَبْرَيْن مِنْ يَهُودِ المدينة إلى اليمن، وعثر الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَكَسَاهُ، وَكَانَ مُلكه قَبْلَ مُلك رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ الَّذِي يُقال لَهُ:
لَيْتَ حَظِّي مِنْ أَبِي كَرِب ... أن يسدّ خيرُه خبلَهْ١
تبان يغضب على أهل المدينة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ قَدْ جَعَلَ طَرِيقَهُ -حِينَ أَقْبَلَ مِنْ الْمَشْرِقِ- عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ قَدْ مَرَّ بِهَا فِي بَدْأَتِهِ، فَلَمْ يَهِجْ أهلَها، وَخَلَّفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ابْنًا لَهُ، فقُتل غِيلةً، فَقَدِمَهَا، وَهُوَ مُجمع لِإِخْرَابِهَا، وَاسْتِئْصَالِ أَهْلِهَا، وَقَطْعِ نَخْلِهَا٢، فَجُمِعَ لَهُ هَذَا الحيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَرَئِيسُهُمْ عَمْرُو بْنُ طَلَّة أَخُو بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ، وَاسْمُ مَبْذُولٍ: عَامِرُ، بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَاسْمُ النَّجَّارِ: تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ، بْنِ عَمْرِو، بْنِ الْخَزْرَجِ، بْنِ حَارِثَةَ، بْنِ ثَعْلَبَةَ، بن عمرو، بن عامر.
عمرو بن طلة ونسبه: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ طَلَّة: عَمْرُو بْنُ مُعَاوِيَةَ، بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ، بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وطَلَّة: أُمُّهُ: وهىِ بِنْتُ عامر بن زُرَيق، بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيق، بْنِ عَبْدِ حارثة بن مالك، بن غضْب، بن جُشَم، بن الخزرج.
الحواشي
(١) ١ الخيل: الفساد. وقد نسب هذا البيت إلى الأعشى ولكن البرقى نسبه إلى عجوز من بني سالم، قالته حين جاء مالك بن العجلان بخبر تتبع. فدخل سرا، فقال لقومه: قد جاء تبع فقالت العجوز البيت.
٢ يذكر القتبى أنه لم يقصد غزوها، وإنما قصد قتل اليهود الذين كانوا فيها، وذلك أن الأوس والخزرج كانوا نزولها معهم، حين خرجوا من اليمن على شروط وعهود كانت بينهم فلم يفِ بذلك يهود واستضاموهم، فاستغاثوا بتبع، فعند ذلك قدمها.стр. 16
قصة مقاتلة تُبَّانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ يقال له: أحمر، عدا على رجال من أصحاب تُبَّع في نَزَلَ بِهِمْ فَقَتَلَهُ. وَذَلِكَ أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي عَذْق لَهُ يَجُدُّه١ فَضَرَبَهُ بِمِنْجَلِهِ فَقَتَلَهُ، وَقَالَ: إنَّمَا التَّمْرُ لِمَنْ أَبَّرَهُ٢، فَزَادَ ذَلِكَ تُبعًا حنقا عليهم، قال: فَاقْتَتَلُوا، فتزعُم الأنْصار أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَاتِلُونَهُ بِالنَّهَارِ، وَيَقْرُونَهُ بِاللَّيْلِ، فَيُعْجِبُهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَيَقُولُ: وَاَللَّهِ إن قومَنا لكرام!!.
فبينا تُبع على ذلك من قتالهم؛ إذا جَاءَهُ حَبران مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، مِنْ بَنِي قُرَيظة، وقريظة والنضير والنَّحَّام وَعَمْرٌو -وَهُوَ هَدَل٣- بَنُو الْخَزْرَجِ بْنِ الصَّرِيحِ بن التَّوْمان٤، بْنِ السِّبط بْنِ الْيَسَعَ، بْنِ سَعْدِ، بْنِ لاوي، بن خير، بن النحام، بن تنحوم، بن عازر، عِزرى، بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ، بْنِ يَصْهَرَ، بن قاهث، بن لَاويّ بن يعقوب: وهو إسرائيل -ابن إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ- عَالِمَانِ رَاسِخَانِ فِي الْعِلْمِ، حِينَ سَمِعَا بِمَا يُرِيدُ مِنْ إهْلَاكِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا، فَقَالَا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّكَ إنْ أَبَيْتَ إلَّا مَا تُرِيدُ حِيلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ عَلَيْكَ عاجلَ الْعُقُوبَةِ، فَقَالَ لَهُمَا: وَلِمَ ذَلِكَ؟ فَقَالَا: هِيَ مهاجَر نَبِيٍّ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَرَمِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، تَكُونُ دارَه وقرارَه، فَتَنَاهَى عَنْ ذَلِكَ، وَرَأَى أَنَّ لَهُمَا عِلْمًا، وَأَعْجَبَهُ مَا سَمِعَ مِنْهُمَا، فَانْصَرَفَ عَنْ الْمَدِينَةِ، وَاتَّبَعَهُمَا عَلَى دِينِهِمَا، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ العُزَّى بْنِ غَزِيَّة بن عمرو بْنِ عَبْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ غُنْم بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ يَفْخَرُ بِعَمْرِو بْنِ طَلَّة:
أَصَحَّا أَمْ قَدْ نَهَى ذُكَرَهْ ... أَمْ قَضَى من لذةٍ وسرهْ٥
الحواشي
(١) ١ العذق: النخل، ويجده: يقطعه.
٢ أبر النخل: لقحه وأصلحه.
٣ هدل: بفتح الدال والهاء، كأنه مصدر: هدل هدلا إذا استرخت شفته، وذكره الأمير بن ماكولا عن أبي عبدة النسابة فقال فيه: هدل بسكون الدال.
٤ التومان: على وزن فعلان. كأنه من لفظ التوم، وهو الدر.
٥ الذكر: جمع ذكره. والمستعمل في هذا المعنى ذكرى بالألف وقلما يجمع فعلى على فُعَل وإنما يجمع على فعال، فإن كان أراد في هذا البيت جمع ذكرى، وشبه ألف التأنيث بهاء التأنيث، فله وجه: قد يحملون على الشيء إذا كان في معناه.стр. 17
أَمْ تذكرْتَ الشبابَ، وَمَا ... ذِكرُك الشَّبَابَ أَوْ عُصُرَهْ١
إنَّهَا حَرْبٌ رباعِيةٌ ... مثلُها أَتَى الْفَتَى عِبَره٢
فَاسْأَلَا عمرانَ أَوْ أَسَدًا ... إذْ أَتَتْ عَدْوًا مَعَ الزُّهَرَة٣
فَيْلَقٌ فِيهَا أَبُو كَرِبٍ ... سُبَّغ أبدانُها ذَفِرَهْ٤
ثُمَّ قَالُوا: مَنْ نَؤُمُّ بِهَا ... أَبَنِي عَوْفٍ، أَمْ النجرَه؟ ٥
بَلْ بَنِي النَّجَّارِ إنَّ لَنَا ... فِيهِمْ قَتْلَى، وإنَّ تِرَهْ٦
فتلقَّتهم مُسايفة ... مَدُّها كالغيبةِ النَّثِرهْ٧
فِيهِمْ عَمْرُو بنُ طَلَّةَ مَلّى ... الإلهُ قومه عُمُرَهْ٨
الحواشي
(١) ١ أو عصره، أراد أو عصره وهما لغتان كما قال ابن جني ليس شيء على وزن فَعْل يمتنع فيه فُعَل. انظر: "الروض الأنف بتحقيقنا ج١ ص٣٧".
٢ حرب رباعية: مثل: أي ليست بصغيرة ولا جذعة، بل هي فوق ذلك، وضرب سن الرباعية مثلا، كما يقال: حرب عوان؛ لأن العوان أقوى من الفتية وأدرب.
٣ يريد صبحهم بغلس: وهي ظلمة آخر الليل قبل مغيب الزهرة: وهي نجم معروف شديد اللمعان.
٤ سبغ: كاملة. والأبدان: الدروع. وذفرة من الذفر وهي سطوع الرائحة طيبة كانت أو كريهة، وأما الدفر، فإنه فيما كره من الروائح، ومنه قيل للدنيا أم دفر.
٥ النجرة جمع ناجر، والناجر والنجار: بمعنى واحد، وهذا كما قيل المناذرة في بني المنذر، والنجار، وهم: تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، وسمي النجار؛ لأنه نجر وجه رجل بقدوم فيما ذكر بعض أهل النسب.
٦ فيهم قتلى وإنَّ تره: أظهر إن بعد الواو. أراد: إن لها قتلى وترة، والترة: الوتر. انظر تفصيل ذلك في: "الروض الأنف بتحقيقنا ج١ ص٣٨".
٧ مسايفة: أي كتيبة مسايفة. والغيبة: الدفعة من المطر. والنثرة: المنتثرة، وهي التي لا تمسك الماء.
٨ ملى. من قولهم: تمليته حينا. أي عشت معه حينًا وهو مأخوذ من الملاوة والملوين وفي القاموس. ملاك الله حبيبك تملية: متعك به، وتملى عمره. استمتع فيه، والملأ: الصحراء والملوان: الليل والنهار.стр. 18
سَيْد سام الملوكَ وَمَنْ ... رَامَ عَمرًا لَا يكنْ قَدَرَهْ
وَهَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ حَنَقُ تُبع عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ هَلَاكَهُمْ، فَمَنَعُوهُمْ مِنْهُ، حَتَّى انْصَرَفَ عَنْهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي شِعْرِهِ:
حَنقًا عَلَى سِبْطين حلَّا يَثْرِبَا ... أوْلى لَهُمْ بِعِقَابِ يَوْمٍ مُفْسِدِ
قَالَ ابن هشام: الشعر الذي فيه هَذَا الْبَيْتِ مَصْنُوعٌ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَنَا مِنْ إثباته١.
تبَّع يذهب إلى مكة ويطوف بالكعبة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ تُبَّعٌ وَقَوْمُهُ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ يَعْبُدُونَهَا، فَتَوَجَّهَ إلَى مَكَّةَ، وَهِيَ طريقهُ إلَى الْيَمَنِ، حَتَّى إذَا كَانَ بَيْنَ عسْفان، وأمَج أَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ هُذيل بْنِ مُدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعَدٍّ؛ فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ أَلَا نَدُلُّكَ على بيت مال دائر، أَغَفَلَتْهُ الْمُلُوكُ قَبْلك، فِيهِ اللُّؤْلُؤُ وَالزَّبَرْجَدُ وَالْيَاقُوتُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ؟ قَالَ: بَلَى قَالُوا: بَيْتٌ بِمَكَّةَ يَعْبُدُهُ أَهْلُهُ، وَيُصَلُّونَ عِنْدَهُ. وَإِنَّمَا أَرَادَ الْهُذَلِيُّونَ هَلَاكَهُ بِذَلِكَ، لِمَا عَرَفُوا مِنْ هَلَاكِ مَنْ أَرَادَهُ مِنْ الْمُلُوكِ وبغَى عِنْدَهُ. فَلَمَّا أَجْمَعَ لِمَا قَالُوا، أَرْسَلَ إلَى الْحَبْرَيْنِ، فَسَأَلَهُمَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا لَهُ: مَا أَرَادَ الْقَوْمُ إلَّا هلاكَك وَهَلَاكَ جُنْدِكَ. مَا نَعْلَمُ بَيْتًا لِلَّهِ اتَّخَذَهُ فِي الْأَرْضِ لِنَفْسِهِ غَيْرَهُ، وَلَئِنْ فَعَلْتَ مَا دَعَوْكَ إلَيْهِ، لَتَهْلَكَنَّ وَلَيَهْلَكَنَّ مَنْ مَعَكَ جَمِيعًا، قَالَ: فَمَاذَا تَأْمُرَانِنِي أَنْ أَصْنَعَ إذَا أنا قدمت إليه قَالَا: تَصْنَعُ عِنْدَهُ مَا يَصْنَعُ أَهْلُهُ: تَطُوفُ بِهِ وَتُعَظِّمُهُ وتكرِّمه، وَتَحْلِقُ رَأْسَكَ عِنْدَهُ وتذِل لَهُ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ: فَمَا يمنعكما أنتما من ذلك، قالا: أَمَا وَاَللَّهِ إنَّهُ لَبَيْتُ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ، وَإِنَّهُ لَكَمَا أَخْبَرْنَاكَ، وَلَكِنَّ أَهْلَهُ حَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ بِالْأَوْثَانِ الَّتِي نَصَبُوهَا حولَه، وَبِالدِّمَاءِ الَّتِي يُهْرقون عِنْدَهُ، وَهُمْ نَجِس أهلُ شِرْكٍ –أَوْ كَمَا قَالَا لَهُ– فَعَرَفَ نصحَهما وَصِدْقَ حَدِيثِهِمَا فَقَرَّبَ النَّفَرَ مِنْ هُذيل، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَنَحَرَ عِنْدَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَأَقَامَ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أَيَّامٍ –فيما يذكرون– ينحر بها للناس
الحواشي
(١) ١ على الرغم من زعم ابن هشام أن هذا البيت مصنوع فقد ذكره ضمن قصيد مطول في كتاب التيجان. أوله:
مَا بَالُ عَيْنِكَ لَا تَنَامُ، كَأَنَّمَا
كُحِلَتْ مآقيها بسم الأسودстр. 19
وَيُطْعِمُ أَهْلَهَا، وَيَسْقِيهِمْ الْعَسَلَ، وأرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنْ يَكْسُوَ الْبَيْتَ، فَكَسَاهُ الخَصَف١ ثُمَّ أرِيَ أَنْ يَكْسُوَهُ أحسنَ مِنْ ذَلِكَ فَكَسَاهُ المَعافرَ٢، ثُمَّ أُرَى أَنْ يَكْسُوَهُ أحسنَ مِنْ ذَلِكَ فَكَسَاهُ المُلاء وَالْوَصَائِلَ٣، فَكَانَ تُبع -فِيمَا يزعُمون-أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ٤، وَأَوْصَى بِهِ وُلَاتَهُ مِنْ جُرْهُمٍ، وَأَمَرَهُمْ بِتَطْهِيرِهِ وَأَلَّا يُقَرِّبُوهُ دَمًا، ولا ميتة، ولا مئلاتا -وَهِيَ الْمَحَايِضُ٥- وَجَعَلَ لَهُ بَابًا وَمِفْتَاحًا، وَقَالَتْ سُبَيْعة بِنْتُ الأحَبِّ، بْنِ زَبينة، بْنِ جَذِيمَةَ، بن عوف، بْنِ مُعَاوِيَةَ، بْنِ بَكْرِ، بْنِ هَوَازِنَ، بْنِ مَنْصُورِ، بْنِ عِكرمة، بْنِ خَصَفة، بْنِ قَيْسِ، بْنِ عَيْلَانَ، وَكَانَتْ عِنْدَ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كَعْبِ، بْنِ سَعْدِ، بْنِ تَيْم، بْنِ مُرة، بْنِ كَعْبِ، بْنِ لُؤَي، بْنِ غَالِبِ، بْنِ فِهْر، بْنِ مَالِكِ، بْنِ النَّضْرِ، بْنِ كِنَانَةَ، لِابْنِ لَهَا مِنْهُ يُقَالُ لَهُ: خَالِدٌ: تعظِّم عليه حرمة مكة، تنهاه عن البغي فيها، وتذكر تُبَّعا وتُذَلِّلُهُ له، وما صنع بها:
الحواشي
(١) ١ الخصف: جمع خصفة وهي شيء ينسج من الخوص والليف، والخصف أيضًا: الثياب الغليظة.
٢ المعافر: ثياب يمنية.
٣ الملاء: جميع ملاءة، وهي الملحفة. والوصائل: ثياب موصلة من ثياب اليمن.
ويروى أن تبعًا لَمّا كسا البيت المسوح والأنطاع انتفض البيت فزال ذلك عنه، وفعل ذلك حين كساه الخصف، فلما كساه الملاء والوصائل قبلها.
٤ قال ابن إسحاق: أو من كسا الكعبة الديباج: الحجاج، وذكر الدارقطنى: أنها نتيلة بنت جناب أم العباس بن عبد المطلب، كانت قد أضلت العباس صغيرًا. فنذرت: إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج ففعلت ذلك حين وجدته. وقال الزبير النسابة: بل أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير.
٥ لم يرد النساء الحيض: لأن حائضا لا يجمع على محائض: وإنما هي جمع محيضة، وهي خرقة المحيض. ويقال للخرقة أيضًا: مثلاة؛ وجمعها: المآلي.
٦ وقال أبو عبيدة: بنت الأجب -بالجيم- وقد قالت هذا الشعر في حرب كانت بين بني السبقا بن عبد الدار، وبين بني علي بن سعد بن تميم حتى تفانوا.стр. 20
أبنيَّ: لاتَظْلم بمكـ ... ـة لا الصغيرَ ولا الكبيرْ
واحفظْ محارمَها بنيَّ ... ولا يغرَّنْك الغَرورْ
أبُنَيَّ: من يَظلم بمكـ ... ـةَ يُلقَ أطرافَ الشرورْ
أبنَىَّ: يُضْرب وجهُه ... وَيلُحْ بخديْه السعيرْ
أَبُنَيَّ: قَدْ جربتُها ... فوجدتُ ظَالِمهَا يبورْ١
اللَّهُ أمَّنها، وَمَا ... بُنيت بعرْصَتها قصورْ
وَاَللَّهُ آمنَ طيرَها ... والعُصْم تَأْمَنُ فِي ثَبيرْ٢
وَلَقَدْ غَزَاهَا تُبعٌ ... فَكَسَا بنيتَها الحبيرْ٣
وأذلَّ رَبِّي مُلكَهُ ... فِيهَا فَأَوْفَى بالنُّذورْ
يَمْشِي إلَيْهَا حَافِيًا ... بفنائِها ألفَا بَعِيرْ
وَيَظَلُّ يُطْعِمُ أهلَها ... لحمَ المهاري والجَزُور٤
يسقيهم العسلَ المصفّـ ... ـى والرَّحيضَ مِنْ الشعيرْ٥
والفيلُ أُهْلِكَ جيشُه ... يُرْمَوْنَ فيها بالصخورْ
والملْكُ في أقصى البلاد ... وَفِي الأعاجِم والخَزِير٦
فاسمعْ إذَا حُدِّثت، وافهمْ ... كَيْفَ عاقبةُ الأمورْ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُوقَفُ على قوافيها لا تعرب.
أصل اليهودية باليمن: ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مُتَوَجِّهًا إلَى الْيَمَنِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنُودِهِ وبالحَبْرين حَتَّى إذَا دَخَلَ الْيَمَنَ دَعَا قَوْمَهُ إلَى الدُّخُولِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ، فأبَوْا عَلَيْهِ، حَتَّى يُحَاكِمُوهُ إلَى النَّارِ التي كانت باليمن.
الحواشي
(١) ١ يبور: يهلك.
٢ العصم: الوعول تعتصم في الجبال. وثبير: جبل بمكة.
٣ بنيتها: الكعبة. والحبير: نوع موشى من ثياب اليمن.
٤ المهارى: الإبل النجيبة.
٥ الرحيض: المنقى والمصفى.
٦ الخزير: يريد الخزر وهم أمة من العجم.стр. 21
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكِ القُرظي، قَالَ: سَمِعْتُ إبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ: أَنَّ تُبعًا لَمَّا دَنَا مِنْ الْيَمَنِ لِيَدْخُلَهَا حَالَتْ حِمْيَر بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَقَالُوا: لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْنَا، وَقَدْ فَارَقْتَ دِينَنَا، فَدَعَاهُمْ إلَى دِينِهِ وَقَالَ: "إنَّهُ خَيْرٌ مِنْ دِينِكُمْ"، فَقَالُوا: فَحَاكِمْنَا إلَى النَّارِ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَكَانَتْ بِالْيَمَنِ -فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْيَمَنِ- نَارٌ تَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، تَأْكُلُ الظَّالِمَ وَلَا تَضُرُّ الْمَظْلُومَ، فَخَرَجَ قَوْمُهُ بِأَوْثَانِهِمْ وَمَا يتقرَّبون بِهِ فِي دِينِهِمْ، وَخَرَجَ الحَبْران بِمَصَاحِفِهِمَا فِي أَعْنَاقِهِمَا مُتَقَلِّدَيْهَا، حَتَّى قَعَدُوا لِلنَّارِ عِنْدَ مَخْرَجِهَا الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ فَخَرَجَتْ النَّارُ إلَيْهِمْ فَلَمَّا أَقْبَلَتْ نَحْوَهُمْ حَادُوا عَنْهَا وَهَابُوهَا، فذَمَرهم١ مَنْ حَضَرَهُمْ مِنْ النَّاسِ، وَأَمَرُوهُمْ بِالصَّبْرِ لَهَا فَصَبَرُوا حَتَّى غَشِيَتْهُمْ، فَأَكَلَتْ الْأَوْثَانَ وَمَا قَرَّبُوا مَعَهَا، وَمَنْ حَمَلَ ذَلِكَ مِنْ رِجَالِ حِمْيَرَ، وَخَرَجَ الْحَبْرَانِ بِمَصَاحِفِهِمَا فِي أَعْنَاقِهِمَا تَعْرَقُ جِبَاهُهُمَا لَمْ تَضُرَّهُمَا، فأصفقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ حِمْيَرُ عَلَى دِينِهِ، فَمِنْ هُنَالِكَ، وَعَنْ ذَلِكَ، كَانَ أَصْلُ الْيَهُودِيَّةِ بِالْيَمَنِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي محدِّث أَنَّ الحَبْرين، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ حِمْيَرَ، إنَّمَا اتَّبَعُوا النَّارَ لِيَرُدُّوهَا، وَقَالُوا: مَنْ رَدَّهَا فَهُوَ أَوْلَى بِالْحَقِّ، فَدَنَا مِنْهَا رِجَالٌ مِنْ حِمْير بِأَوْثَانِهِمْ لِيَرُدُّوهَا، فَدَنَتْ مِنْهُمْ لِتَأْكُلَهُمْ، فَحَادُوا عَنْهَا وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا رَدَّهَا، وَدَنَا مِنْهَا الْحَبْرَانِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَعَلَا يَتْلُوَانِ التَّوْرَاةَ وَتَنْكُصُ عَنْهُمَا، حَتَّى ردَّاها إلَى مَخْرَجِهَا الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ، فأصفَقَتْ٢ عِنْدَ ذَلِكَ حِمْيَرُ عَلَى دِينِهِمَا. واللهّ أعلم أي ذلك كان.
هدم البيت المسمى رئام٣: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِئَامٌ بَيْتًا لَهُمْ يُعَظِّمُونَهُ، وَيَنْحَرُونَ عِنْدَهُ، ويُكَلَّمون مِنْهُ، إذْ كَانُوا عَلَى شِرْكِهِمْ، فَقَالَ الْحَبْرَانِ لتُبع: إنَّمَا هُوَ شيطان يفتنهم بذلك فخلِّ بيننا وبينه، فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ -فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْيَمَنِ- كَلْبًا أَسْوَدَ فَذَبَحَاهُ ثُمَّ هَدَمَا ذَلِكَ الْبَيْتَ، فَبَقَايَاهُ الْيَوْمَ -كَمَا ذُكِرَ لِي- بِهَا آثَارُ الدِّمَاءِ التي كانت تهراق عليه.
الحواشي
(١) ١ ذمرهم: شجعهم وحصنهم ليجدوا.
٢ أصفقت: اجتمعت.
٣ رئام: فعال من رئمت الأنثى ولدها ترأمه رئما ورئامًا إذا عطفت عليه ورحمته، فاشتقوا لهذا البيت اسما لموضع الرحمة التي كانوا يلتمسون في عبادته.стр. 22
مُلك حسان بن تبان وقتله على يد أخيه عمرو
فَلَمَّا مَلَكَ ابْنُهُ حَسَّانُ بْنُ تُبان أَسْعَدَ أَبِي كَرِب، سَارَ بِأَهْلِ الْيَمَنِ، يُرِيدُ أَنْ يَطَأَ بِهِمْ أَرْضَ الْعَرَبِ وَأَرْضَ الْأَعَاجِمِ، حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ أَرْضِ الْعِرَاقِ -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بالَبحريْنِ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ- كَرِهَتْ حِمْير وَقَبَائِلُ الْيَمَنِ الْمَسِيرَ مَعَهُ، وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إلَى بِلَادِهِمْ وَأَهْلِهِمْ، فَكَلَّمُوا أَخًا لَهُ يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو، وَكَانَ مَعَهُ فِي جَيْشِهِ، فَقَالُوا لَهُ: اُقْتُلْ أَخَاكَ حَسَّانَ، ونُملِّكْكَ علينا، وترجعْ بنا إلى بلادنا، فأجابهم، فاجتمعوا عَلَى ذَلِكَ إلَّا ذَا رُعَيْن الحِمْيري فَإِنَّهُ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ. فَقَالَ ذُو رعَيْن١:
أَلَا مَنْ يَشْتَرِي سَهْرًا بِنَوْمِ ... سعيدٌ مَنْ يبيتُ قريرَ عينِ٢
فَأَمَّا حِمْير غدرتْ، وَخَانَتْ ... فمعذرةُ الِإله لَذِي رُعَيْن
ثُمَّ كَتَبَهُمَا فِي رُقْعَةٍ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا عَمرًا، فَقَالَ لَهُ: ضَعْ لِي هَذَا الكتاب عندك ففعل ثم قَتل عَمْرٌو أَخَاهُ حَسَّانَ، وَرَجَعَ بِمَنْ مَعَهُ إلَى الْيَمَنِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ حِمْير:
لاهِ عينا الذي رأى مثلي ... حسان قَتِيلًا فِي سَالِفِ الأحقابِ٣
قَتَلَتْهُ مَقاوِلٌ خشيةَ الْحَبْسِ غداةَ قَالُوا: لَبَاب لَبابِ٤
ميتُكم خيرُنا وحيُّكم ربٌّ علينا، وكلُّكم أربابي
الحواشي
(١) ١ ذو رعين: تصغير رعمن، والرعن: أنف الجبل، ورعين: جبل باليمن وإليه ينسب ذو رعين.
٢ معناه: أمن يشتري، وحسن حذف ألف الاستفهام لتقديم همزة ألا. وفي البيت حذف تقديره: بل من يبيت قرير عين هو السعيد، فحذف الخبر لدلالة أول الكلام عليه.
٣ لاه: أراد الله وحذف لام الجر واللام الأخرى مع ألف الوصل، وهذا حذف كثير. ولكنه جاز في هذا الاسم خاصة لكثرة دوره على الألسنة. مثل قول الفراء:
لهنك من برق على كريم
أراد: والله إنك. انظر هذا الموضوع مفصلا في: "الروض الأنف بتحقيقنا ج١ ص٤٣".
٤ المقاول: يريد الأقيال، وهم الذين دون التبابعة واحدهم قيل وأصله قيل مثل سيد واستعمل بالياء في إفراده وجمعه، وإن كان أصله الواو؛ لأن معناه: الذي يقول ويسمع قوله.стр. 23
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَوْلُهُ: لَبَابِ لَبَابِ: لا بَأْسَ لَا بَأْسَ بِلُغَةِ حِمْير. قَالَ ابْنُ هشام: ويروى: لِبابِ لِباب.
هلاك عمرو وتفرق حِمير:
قال ابن إسحاق: فلما نزل عمرو ابن تُبان الْيَمَنَ مُنع مِنْهُ النَّوْمُ، وسُلط عَلَيْهِ السَّهَرُ، فَلَمَّا جَهَدَهُ ذَلِكَ سَأَلَ الْأَطِبَّاءَ والحُزاة مِنْ الْكُهَّانِ وَالْعَرَّافِينَ عَمَّا بِهِ فَقَالَ لَهُ قائل منهم: إنه مَا قَتَلَ رَجُلٌ قَطُّ أَخَاهُ، أَوْ ذَا رَحمه بَغْيًا عَلَى مِثْلِ مَا قَتلت أَخَاكَ عَلَيْهِ، إلَّا ذَهَبَ نَوْمُهُ، وسُلط عَلَيْهِ السَّهَرُ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ جَعَلَ يَقْتُلُ كُلَّ مَنْ أَمَرَهُ بِقَتْلِ أَخِيهِ حَسَّانَ مِنْ أَشْرَافِ الْيَمَنِ، حَتَّى خَلَصَ إلَى ذِي رُعَيْن، فَقَالَ لَهُ ذُو رُعَيْن: إنَّ لِي عِنْدَكَ بَرَاءَةً، فَقَالَ وَمَا هِيَ؟ قَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي دفعتُ إليك، فأخرجه فإذا الْبَيْتَانِ، فَتَرَكَهُ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ نَصَحَهُ وَهَلَكَ عَمْرٌو، فَمَرَجَ٢ أمْر حِمْيَرَ عِنْدَ ذَلِكَ وَتَفَرَّقُوا.
خبر لَخنيعة وذي نواس:
فَوَثَبَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ حِمْير لَمْ يَكُنْ مِنْ بُيُوتِ الْمَمْلَكَةِ، يُقَالُ لهَ: لَخْنيعة٣ يَنُوفَ ذُو شَنَاتر٤، فَقَتَلَ خِيَارَهُمْ، وَعَبِثَ بِبُيُوتِ أَهْلِ الْمَمْلَكَةِ مِنْهُمْ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ حِمْيَرَ للَخْنيعة:
تُقَتِّل أبنَاها وَتَنْفِي سَراتَها ... وَتَبْنِي بِأَيْدِيهَا لَهَا الذُّلَّ حميرُ
تُدَمِّر دُنْيَاهَا بطيشِ حلومِها ... وَمَا ضَيَّعَتْ مِنْ دِينِهَا فَهْوَ أكثرُ
كَذَاكَ القرونُ قبلَ ذاك بظلمِها ... وإسرافِها تأتي الشرورَ فتخسَرُ
فسوق لخنيعة: وكان لَخْنيعة امرءًا فَاسِقًا يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَكَانَ يُرْسِلُ إلَى الْغُلَامِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، فَيَقَعُ عَلَيْهِ فِي مَشْرَبة لَهُ قَدْ صَنَعَهَا لِذَلِكَ، لِئَلَّا يُمَلَّك بعدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَطْلُع مِنْ مَشْرَبَتِهِ تِلْكَ إلَى حَرَسِهِ وَمَنْ حَضَرَ مِنْ جُنْدِهِ، قَدْ أَخَذَ مِسواكًا، فَجَعَلَهُ فِي فِيهِ، أَيْ: فيعلمهم أَنَّهُ قَدْ فَرَغَ مِنْهُ، حَتَّى بَعَثَ إلَى زُرْعة ذِي نُواس بْنِ تُبان أَسْعَدَ أَخِي حَسَّانَ، وَكَانَ صَبِيَّا صَغِيرًا حِينَ قُتل حَسَّانُ، ثُمَّ شَبَّ غُلَامًا جَمِيلًا وَسِيمًا ذَا هَيْئَةٍ وعقل، فلما أتاه رسوله،
الحواشي
(١) ١ الحزاة: المنجمون.
٢ مرج: اختلط.
٣ قال ابن دريد: هو اللخع، وهو استرخاء الجسم.
٤ الشناتر، الأصابع واحدها شُنتر.стр. 24
عرف ما يريد منه، فأخذ سكينًا جديدًا لَطِيفًا، فَخَبَّأَهُ بَيْنَ قَدَمِهِ وَنَعْلِهِ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَلَمَّا خَلَا مَعَهُ وَثَبَ إلَيْهِ فَوَاثَبَهُ ذُو نُواس، فَوَجَأَهُ١ حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ حزَّ رَأْسَهُ، فَوَضَعَهُ فِي الكُوَّة الَّتِي كَانَ يُشرف مِنْهَا، وَوَضَعَ مِسْوَاكَهُ فِي فِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالُوا لَهُ: ذَا نُوَاسٍ أرطْب أَمْ يَباس فقال: "سَلْ نَحْماس اسْترطُبان ذو نواس اسْترطُبان لا باس".
قال ابن هشام: هذا كلام حمير. ونحماس: الرَّأْسُ. فَنَظَرُوا إلَى الْكُوَّةِ فَإِذَا رَأْسُ لَخَنِيعَةَ مَقْطُوعٌ، فَخَرَجُوا فِي إثْرِ ذِي نُوَاسٍ حَتَّى أَدْرَكُوهُ، فَقَالُوا: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَنَا غَيْرُكَ، إذْ أَرَحْتنَا مِنْ هَذَا الْخَبِيثِ.
مُلْكُ ذِي نُوَاسٍ: فملَّكوه، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ حِمْيَرُ وَقَبَائِلُ الْيَمَنِ، فَكَانَ آخِرَ مُلُوكِ حِمْيَرَ، وَهُوَ صَاحِبُ الْأُخْدُودِ، وتسمى: يوسف، فأقام في ملكه زمانًا.
سبب وجود النَّصْرَانِيَّةُ بِنَجْرَانَ: وَبِنَجْرَانَ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ عَلَى الْإِنْجِيلِ. أَهْلِ فَضْلٍ وَاسْتِقَامَةٍ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ، لَهُمْ رَأْسٌ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ.
وَكَانَ مَوْقِعُ أَصْلِ ذَلِكَ الدِّينِ بِنَجْرَانَ، وَهِيَ بِأَوْسَطِ أَرْضِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَأَهْلُهَا وَسَائِرُ الْعَرَبِ كُلِّهَا أَهْلُ أَوْثَانٍ يَعْبُدُونَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَقَايَا أَهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ يُقَالُ لَهُ: فَيْمِيون، وَقَعَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَحَمَلَهُمْ عليه، فدانوا به.
حديث فَيْمِيون٢: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي لَبِيَدٍ مَوْلَى الْأَخْنَسِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّه الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ مَوْقِعَ ذَلِكَ الدِّينِ بِنَجْرَانَ كَانَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَقَايَا أَهْلِ ديِن عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يُقَالُ لَهُ فَيْمِيون، وَكَانَ رَجُلًا صالِحًا مُجْتَهِدًا زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا، مُجاب الدَّعْوَةِ، وَكَانَ سَائِحًا يَنْزِلُ بَيْنَ الْقُرَى، لَا يُعْرَفُ بِقَرْيَةِ إلَّا خَرَجَ مِنْهَا إلَى قَرْيَةٍ لَا يُعرف بِهَا، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إلَّا مِنْ كَسْبِ يَدَيْهِ، وَكَانَ بنَّاء يَعْمَلُ الطِّينَ، وَكَانَ يُعَظِّمُ الْأَحَدَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ شَيْئًا. وَخَرَجَ إلَى فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ يُصَلِّي بِهَا حَتَّى يُمْسِيَ. قَالَ: وَكَانَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الشَّامِ
الحواشي
(١) ١ وجأه: ضربه.
٢ فيميون. وقال عنه السهيلي في الروض الأنف فيمثون. وذكر أن النقاش قال: إن اسمه يحيى، وكان أبوه ملكًا فتوفي، وأراد قومه أن يملكوه بعد أبيه، فنفر من الملك ولزم السياحة.стр. 25
يَعْمَلُ عَمَلَهُ ذَلِكَ مُسْتَخْفِيًا، فَفَطِنَ لِشَأْنِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا يُقَالُ لَهُ: صَالِحٌ، فَأَحَبَّهُ صَالِحٌ حُبًّا لَمْ يُحِبَّهُ شَيْئًا كَانَ قَبْلَهُ. فَكَانَ يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ، وَلَا يَفْطِنُ لَهُ فَيْميون، حَتَّى خَرَجَ مَرَّةً فِي يَوْمِ الْأَحَدِ إلَى فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ -كَمَا كَانَ يَصْنَعُ-وَقَدْ اتَّبَعَهُ صَالِحٌ، وفَيْمِيون لَا يَدْرِي؛ فَجَلَسَ صَالِحٌ مِنْهُ منظرَ الْعَيْنِ مُسْتَخْفِيًا مِنْهُ، لَا يُحِبُّ أَنْ يُعلم بِمَكَانِهِ، وَقَامَ فَيْمِيُونُ يُصَلِّي فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي إذْ أَقْبَلَ نَحْوَهُ التِّنِّينُ –الْحَيَّةُ ذَاتُ الرُّءُوسِ السَّبْعَةِ١– فَلَمَّا رَآهَا فَيْمِيون دَعَا عَلَيْهَا فَمَاتَتْ، وَرَآهَا صَالِحٌ وَلَمْ يَدْرِ مَا أَصَابَهَا، فَخَافَهَا عَلَيْهِ، فَعِيل عَوْلَه فَصَرَخَ: يَا فَيْمِيون! التِّنِّينُ قَدْ أَقْبَلَ نَحْوَكَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، وَأَمْسَى، فَانْصَرَفَ، وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ عُرف، وعَرف صَالِحٌ أَنَّهُ قَدْ رَأَى مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ: يا فَيْمِيون! تعلم والله مَا أَحْبَبْتُ شَيْئًا قطُّ حبَّك وَقَدْ أَرَدْتُ صُحْبَتَكَ، وَالْكَيْنُونَةَ مَعَكَ حَيْثُ كُنْتَ، فَقَالَ: مَا شئتُ، أَمْرِي كَمَا تَرَى، فَإِنْ عَلِمْتَ أَنَّكَ تَقْوَى عَلَيْهِ فَنَعَمْ، فَلَزِمَهُ صَالِحٌ، وَقَدْ كَادَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ يَفْطِنُونَ لِشَأْنِهِ، وَكَانَ إذَا فَاجَأَهُ الْعَبْدُ بِهِ الضرُّ دَعَا لَهُ فَشُفِيَ، وَإِذَا دُعي إلَى أَحَدٍ بِهِ ضُرٌّ لَمْ يَأْتِهِ، وَكَانَ لِرَجُلِ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ ابْنٌ ضَرِيرٌ، فَسَأَلَ عَنْ شَأْنِ فَيْمِيون، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يَأْتِي أَحَدًا دَعَاهُ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ يَعْمَلُ لِلنَّاسِ الْبُنْيَانَ بالأجْر، فَعَمَدَ الرَّجُلُ إلَى ابْنِهِ ذَلِكَ، فَوَضَعَهُ فِي حُجْرَتِهِ، وَأَلْقَى عَلَيْهِ ثَوْبًا ثم جَاءَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا فَيْمِيُونُ، إنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَعْمَلَ فِي بَيْتِي عَمَلًا، فَانْطَلِقْ مَعِي إلَيْهِ حَتَّى تَنْظُرَ إلَيْهِ فَأُشَارِطُكَ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ حُجْرَتَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا تُرِيدُ أَنْ تَعْمَلَ فِي بَيْتِكَ هَذَا؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ انْتَشَطَ الرجلُ الثوبَ عَنْ الصَّبِيِّ٢، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا فَيْمِيون، عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَصَابَهُ مَا تَرَى، فادعُ اللَّهَ لَهُ؟ فَدَعَا لَهُ فَيْمِيون؛ فَقَامَ الصَّبِيُّ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.
وعَرف فَيْمِيُونُ أَنَّهُ قَدْ عُرِف، فَخَرَجَ مِنْ الْقَرْيَةِ، وَاتَّبَعَهُ صَالِحٌ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي فِي بَعْضِ الشَّامِ إذْ مَرَّ بِشَجَرَةِ عَظِيمَةٍ، فَنَادَاهُ مِنْهَا رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا فَيْمِيون! قَالَ نَعَمْ. قَالَ: مَا زِلْتُ أَنْظُرُكَ، وَأَقُولُ: مَتَى هُوَ جَاءٍ؟ حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَكَ، فَعَرَفْتُ أَنَّكَ هُوَ، لَا تبرحْ حَتَّى تَقُومَ عليَّ فَإِنِّي مَيِّتٌ الْآنَ. قَالَ: فَمَاتَ، وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَتَبِعَهُ صَالِحٌ، حَتَّى وَطِئَا بَعْضَ أَرْضِ الْعَرَبِ، فعدُوا عَلَيْهِمَا، فَاخْتَطَفَتْهُمَا سَيَّارةٌ مِنْ بَعْضِ الْعَرَبِ، فخرجوا بهما، حتى
الحواشي
(١) ١ أي القرون السبعة.
٢ انتشط الثوب: رفعه بسرعة.стр. 26
بَاعُوهُمَا بِنَجْرَانَ، وَأَهْلُ نَجْرَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ الْعَرَبِ، يَعْبُدُونَ نَخْلَةً طَوِيلَةً بَيْنَ أظهرِهم لَهَا عِيدٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ، إذَا كَانَ ذَلِكَ الْعِيدُ عَلَّقُوا عَلَيْهَا كُلَّ ثَوْبٍ حَسَنٍ وَجَدُوهُ، وحُليّ النِّسَاءِ، ثُمَّ خَرَجُوا إلَيْهَا، فَعَكَفُوا عَلَيْهَا يَوْمًا.
فَابْتَاعَ فَيْمِيونَ رجلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَابْتَاعَ صَالِحًا آخرُ، فَكَانَ فيمِيون إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ -يَتَهَجَّدُ فِي بَيْتٍ لَهُ أَسْكَنَهُ إيَّاهُ سَيِّدُهُ- يُصَلِّي، اُسْتُسْرِجَ لَهُ البيتُ نُورًا حَتَّى يُصْبِحَ مِنْ غَيْرِ مِصْبَاحٍ، فَرَأَى ذَلِكَ سَيِّدُهُ، فَأَعْجَبَهُ مَا يَرَى مِنْهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِ فَأَخْبَرَهُ بِهِ، وَقَالَ لَهُ فَيْمِيُونُ: إنَّمَا أَنْتُمْ فِي بَاطِلٍ، إنَّ هَذِهِ النَّخْلَةَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْ دَعَوْتُ عَلَيْهَا إلَهِي الَّذِي أَعْبُدُهُ، لَأَهْلَكَهَا وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: فَافْعَلْ، فَإِنَّكَ إنْ فَعَلْتَ دَخَلْنَا فِي دِينِكَ، وَتَرَكْنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ. قَالَ فَقَامَ فَيْمِيون، فَتَطَهَّرَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ عَلَيْهَا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا رِيحًا فَجَعَفَتْها١ مِنْ أَصْلِهَا فَأَلْقَتْهَا، فاتَّبعه عِنْدَ ذَلِكَ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى دِينِهِ، فَحَمَلَهُمْ عَلَى الشَّرِيعَةِ مِنْ دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇، ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ الْأَحْدَاثُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى أَهْلِ دِينِهِمْ بِكُلِّ أَرْضٍ، فَمِنْ هُنَالِكَ كَانَتْ النَّصْرَانِيَّةُ بِنَجْرَانَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا حَدِيثُ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّه عن أهل نجران.
خبر عبد الله بن الثامر
عبد الله بن الثامر والاسم الْأَعْظَمُ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَحَدَّثَنِي أَيْضًا بَعْضُ أَهْلِ نَجْرَانَ عَنْ أَهْلِهَا: أَنَّ أَهْلَ نَجْرَانَ كَانُوا أَهْلَ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَكَانَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهَا قَرِيبًا مِنْ نَجْرَانَ -وَنَجْرَانُ: الْقَرْيَةُ الْعُظْمَى الَّتِي إلَيْهَا جِمَاعُ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ- سَاحِرٌ يُعَلِّمُ غِلْمَانَ أَهْلِ نَجْرَانَ السِّحْرَ، فَلَمَّا نَزَلَهَا فَيْمِيون -وَلَمْ يُسَمُّوهُ لِي بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، قَالُوا: رَجُلٌ نَزَلَهَا- ابْتَنَى خَيْمَةً بَيْنَ نَجْرَانَ، وَبَيْنَ تِلْكَ الْقَرْيَةِ الَّتِي بِهَا السَّاحِرُ، فَجَعَلَ أَهْلُ نَجْرَانَ يُرْسِلُونَ غِلْمَانَهُمْ إلَى ذَلِكَ السَّاحِرِ، يُعَلِّمُهُمْ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إلَيْهِ الثامرُ ابنَه عبدَ اللَّهِ بْنَ الثَّامِرِ مَعَ غِلْمَانِ أَهْلِ نَجْرَانَ، فَكَانَ إذَا مَرَّ بِصَاحِبِ الْخَيْمَةِ أَعْجَبَهُ مَا يَرَى مِنْهُ مِنْ صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَجَعَلَ يَجْلِسُ إلَيْهِ، وَيَسْمَعُ مِنْهُ حَتَّى أَسْلَمَ فوحَّد
الحواشي
(١) ١ جعفتها: أسقطتها.стр. 27
اللَّهَ وَعَبَدَهُ، وَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ حَتَّى إذَا فَقِهَ فِيهِ، جَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ -وَكَانَ يعْلمُه- فَكَتَمَهُ إيَّاهُ وَقَالَ له: يابن أَخِي! إنَّكَ لَنْ تحملَه، أَخْشَى عَلَيْكَ ضعفَك عَنْهُ. وَالثَّامِرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا يَظُنُّ إلَّا أَنَّ ابنَه يَخْتَلِفُ إلَى السَّاحِرِ كَمَا يَخْتَلِفُ الغلمانُ، فَلَمَّا رَأَى عبدُ اللَّهِ أَنَّ صاحبَه قَدْ ضَنَّ بِهِ عَنْهُ، وتخوَّف ضَعْفَه فيه، عمد إلى قِداح١ فَجَمَعَهَا، ثُمَّ لَمْ يُبق لِلَّهِ اسْمًا يَعْلَمُهُ إلا كتبه في قِدْح، لكلِّ اسْمٍ قِدْح، حَتَّى إذَا أَحْصَاهَا أَوْقَدَ لَهَا نَارًا، ثُمَّ جَعَلَ يَقْذِفُهَا فِيهَا قِدْحًا قِدْحًا، حَتَّى إذَا مَرَّ بِالِاسْمِ الْأَعْظَمِ قَذَفَ فِيهَا بِقدْحه، فَوَثَبَ القِدْح حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا لَمْ تَضُرَّهُ شَيْئًا، فَأَخَذَهُ ثُمَّ أَتَى صَاحِبَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ الِاسْمَ الَّذِي كَتَمَهُ، فَقَالَ: وما هو؟ قال: هو كذا وكذا، قال: وَكَيْفَ عَلِمْتَهُ؟ فَأَخْبَرَهُ بِمَا صَنَعَ، قَالَ: أَيْ ابنَ أَخِي! قَدْ أَصَبْتَهُ فأمسكْ عَلَى نفسِك، وما أظنُّ أن تفعلَ.
عبد الله بن الثامر يدعو إلى التوحيد: فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ إذَا دَخَلَ نَجْرَانَ لَمْ يَلْقَ أَحَدًا بِهِ ضُرٌّ إلَّا قال: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أتوحِّدُ اللَّهَ، وَتَدْخُلُ فِي دِينِي، وَأَدْعُو اللَّهَ، فَيُعَافِيكَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُوَحِّدُ اللَّهَ ويُسْلم، وَيَدْعُو لَهُ فيُشْفَى، حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِنَجْرَانَ أَحَدٌ بِهِ ضُر إلَّا أَتَاهُ فاتَّبعه عَلَى أَمْرِهِ، وَدَعَا لَهُ فعوفِيَ، حَتَّى رُفِعَ شَأْنُهُ إلَى مَلك نَجْرَانَ، فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: أَفْسَدْتَ عليَّ أَهْلَ قَرْيَتِي، وَخَالَفْتَ دِينِي وَدِينَ آبَائِي، لأمثلنَّ بِكَ. قَالَ: لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: فَجَعَلَ يُرسل بِهِ إلَى الْجَبَلِ الطَّوِيلِ، فيُطرَح عَلَى رَأْسِهِ، فَيَقَعُ إلَى الْأَرْضِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَجَعَلَ يَبْعَثُ بِهِ إلَى مِيَاهٍ بِنَجْرَانَ، بحورٍ لَا يَقَعُ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا هَلَكَ، فيُلْقَى فِيهَا، فَيَخْرُجُ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، فَلَمَّا غَلَبَهُ، قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ: إنَّكَ وَاَللَّهِ لَنْ تَقْدِرَ عَلَى قَتْلِي حَتَّى تُوَحِّدَ اللَّهَ فَتُؤْمِنَ بِمَا آمنتُ بِهِ، فَإِنَّكَ إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ، سُلِّطْتَ عليَّ فَقَتَلْتنِي، قَالَ: فوحَّد اللَّهَ تَعَالَى ذَلِكَ الْمَلِكُ، وَشَهِدَ شَهَادَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الثَّامِرِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِعَصَا فِي يَدِهِ، فَشَجَّهُ شَجَّةً غَيْرَ كَبِيرَةٍ، فَقَتَلَهُ ثُمَّ هَلَكَ الْمَلِكُ مَكَانَهُ، وَاسْتَجْمَعَ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى دِينِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الثَّامِرِ، وَكَانَ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مِنْ الْإِنْجِيلِ وحُكمه، ثُمَّ أَصَابَهُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ أَهْلَ دِينِهِمْ مِنْ الْأَحْدَاثِ، فَمِنْ هُنَالِكَ كَانَ أَصْلُ النَّصْرَانِيَّةِ بِنَجْرَانَ -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بذلك.
الحواشي
(١) ١ القداح: السهام.стр. 28
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظيّ، وَبَعْضِ أَهْلِ نَجْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الثَّامِرِ -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كان.
ذو نواس يدعو أهل نجران إلى اليهودية: فَسَارَ إلَيْهِمْ ذُو نُوَاسٍ بِجُنُودِهِ، فَدَعَاهُمْ إلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ وَالْقَتْلِ، فَاخْتَارُوا الْقَتْلَ، فخدَّ لَهُمْ الْأُخْدُودَ١، فَحَرَقَ مَنْ حَرَقَ بِالنَّارِ، وقتل من قتل بالسيف، ومثَّل بهم، حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَفِي ذِي نُواس وَجُنْدِهِ تِلْكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ . [البروج: ٤-٨]
تفسير الأخدود: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأُخْدُودُ: الحَفْر الْمُسْتَطِيلُ فِي الْأَرْضِ، كَالْخَنْدَقِ وَالْجَدْوَلِ وَنَحْوِهِ، وَجَمْعُهُ: أَخَادِيدُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ -وَاسْمُهُ: غَيْلان بْنُ عُقبة، أَحَدُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ أُدِّ بن طابخة بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضر:
مِنْ العراقِيَّةِ اللَّاتِي يُحيلُ لَهَا ... بَيْنَ الفَلَاةِ وبينَ النخلِ أخدودُ
يَعْنِي: جَدْوَلًا. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ: وَيُقَالُ لِأَثَرِ السَّيْفِ وَالسِّكِّينِ فِي الْجِلْدِ، وأثر السوط ونحوه: أخدود، وجمعه أخاديد.
نهاية عبد الله بن الثَّامِرِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيُقَالُ: كَانَ فِيمَنْ قَتَلَ ذُو نُوَاسٍ، عبدَ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ رأسهم وإمامهم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمرو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ حُدث: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ كَانَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حفرَ خَرِبة مِنْ خَرِب نَجْرَانَ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَوَجَدُوا عبدَ اللَّهِ بْنَ الثَّامِرِ تَحْتَ دَفْنٍ مِنْهَا قَاعِدًا، وَاضِعًا يَدَهُ على
الحواشي
(١) ١ روى ابن سنجر عن جبير بن نفير قال: الذين خددوا الأخدود ثلاثة: تبع صاحب اليمن، وقسطنطين بن هلانى -وهي أمه- حين صرف النصارى عن التوحيد ودين المسيح إلى عبادة الصليب، وبختنصر من أهل بابل حين أمر الناس أن يسجدوا له، فامتنع دانيال وأصحابه، فألقاهم في النار، فكانت بردًا وسلامًا عليهم.стр. 29
ضربة في رأسه، مُمسكا عليها بيده، فإن أخِّرت يدَه عَنْهَا تَنْبَعِثُ دَمًا، وَإِذَا أُرْسِلَتْ يَدُهُ ردَّها عَلَيْهَا، فَأَمْسَكَتْ دمَها، وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ مَكْتُوبٌ فِيهِ: "رَبِّي اللَّهُ" فَكُتِبَ فِيهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُخْبَرُ بِأَمْرِهِ فَكَتَبَ إلَيْهِمْ عمرُ ﵁: أَنْ أَقِرُّوهُ عَلَى حَالِهِ وَرُدُّوا عَلَيْهِ الدَّفْن الَّذِي كَانَ عليه، ففعلوا١.
فرار دوس ذي ثعلبان من ذي نواس واستنجاده بِقَيْصَرَ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَفْلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ مِنْ سَبَأٍ. يُقَالُ لَهُ دَوْس ذُو ثَعْلبان عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَسَلَكَ الرَّمْلَ فَأَعْجَزَهُمْ، فَمَضَى عَلَى وَجْهِهِ ذَلِكَ، حَتَّى أَتَى قَيْصَرَ مَلِكَ الرُّومِ، فَاسْتَنْصَرَهُ عَلَى ذِي نُوَاسٍ وَجُنُودِهِ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا بَلَغَ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ: بَعُدَتْ بِلَادُكَ منا، ولكن سَأَكْتُبُ لَكَ إلَى مَلِكِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا الدِّينِ، وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى بِلَادِكَ، وَكَتَبَ إليه يأمره بنصره والطلب بثأره.
النجاشي ينصر دوسًا: فَقَدِمَ دوسٌ عَلَى النَّجَاشِيِّ بِكِتَابِ قَيْصَرَ، فَبَعَثَ مَعَهُ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ الْحَبَشَةِ وأمَّر عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أَرْيَاطُ -وَمَعَهُ فِي جُنْدِهِ أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ- فَرَكِبَ أَرْيَاطُ الْبَحْرَ حَتَّى نَزَلَ بِسَاحِلِ الْيَمَنِ، وَمَعَهُ دَوْس ذُو ثَعْلبان.
نهاية ذي نواس: وَسَارَ إلَيْهِ ذُو نُواس فِي حِمْير، وَمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَلَمَّا الْتَقَوْا انْهَزَمَ ذُو نُوَاسٍ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا رَأَى ذُو نُوَاسٍ مَا نَزَلَ بِهِ وَبِقَوْمِهِ، وَجَّهَ فَرَسَهُ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ، فَدَخَلَ بِهِ فَخَاضَ بِهِ ضَحْضَاح٢ الْبَحْرِ، حَتَّى أَفْضَى بِهِ إلَى غَمْرِه٣، فأدخله فيه،
الحواشي
(١) ١ يصدق ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ ... ﴾ وما وجد من شهداء أحد وغيرهم على هذه الصورة لم يتغيروا بعد الدهور الطويلة، كحمزة بن عبد المطلب ﵁ فإنه وجد حين حفر معاوية العين صحيحًا لم يتغير وأصابت الفأس أصبعه، فدميت. وكذلك أبو جابر عبد الله بن حرام، وعمرو بن الجموح. وطلحة بن عبيد الله، استخرجته بنته عائشة من قبره حين أمرها في المنام بنقله فاستخرجته من موضعه بعد ثلاثين سنة لم يتغير. وحدثني من لا أشك في قوله أنه رأى كثيرًا من الشهداء في حرب فلسطين لم يتغيروا بعد السنين الطويلة.
٢ الضحضاح من الماء: الذي يظهر قعره.
٣ الغمر: الماء الكثير.стр. 30
وَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ. وَدَخَلَ أَرْيَاطُ الْيَمَنَ، فملكها١.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ -وَهُوَ يَذْكُرُ مَا سَاقَ إلَيْهِمْ دَوْسٌ مِنْ أَمْرِ الْحَبَشَةِ:
"لَا كَدَوْس وَلَا كأعلاقَ رَحْله"٢.
فَهِيَ مَثَلٌ باليمن إلى هذا اليوم.
قول ذي جدن الحميري في هذه القصة: وَقَالَ ذُو جَدَنٍ الْحِمْيَرِيُّ:
هونكِ٣ لَيْسَ يردُّ الدمعَ مَا فَاتَا ... لَا تَهْلِكِي أَسَفًا فِي إثْر مَنْ ماتَا
أبعدَ بَيْنون لَا عَيْنٌ وَلَا أثرٌ ... وبعدَ سَلْحِين يَبْنِي الناسُ أبياتَا؟!
بَيْنُونُ وَسِلْحِينُ وَغُمْدَانُ: مِنْ حُصُونِ الْيَمَنِ الَّتِي هَدَمَهَا أَرْيَاطُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي النَّاسِ مثلُها. وَقَالَ ذُو جَدَنٍ أَيْضًا:
دَعِينِي-لَا أَبَا لكِ -لَنْ تُطِيقِي٤ ... لحاكِ اللَّهِ! قَدْ أنزفْتِ رِيقِي٥
لَدَى عَزفِ القيانِ إذْ انْتَشَيْنَا ... وإذْ نُسقى من الخمرِ الرحيق٦
الحواشي
(١) ١ هذا ما ذكره ابن إسحاق وهناك رواية أخرى: أن ذا نواس أدخل الحبشة: صنعاء اليمن، حين رأى أن لا قبل له بهم، بعد أن استنفر جميع المقاول ليكونوا معه يدا واحدة عليهم فأبو إلا أن يحمي كل واحد منهم حوزته على حدته، فخرج إليهم ومعه مفاتيح خزانته وأمواله على أن يسالموه ومن معه، فكتبوا إلى النجاشي بذلك فقبل، ثم كتب ذو النواس إلى كل موضع ببلاده أن اقتلوا كل ثور أسود فقتل أكثر الحبشة فوجه النجاشي جيشًا إلى أبرهة وعليهم أرياط وأمره أن يقتل ذا نواس، ويخرب ثلث بلاده ويسبي ثلث النساء والذرية ففعل ذلك أبرهة.
٢ الأعلاق: النفائس.
٣ هونك: ترفقى، وقد روى عن ابن إسحاق من غير رواية ابن هشام: هونكما لن يرد. وهو من باب قول العرب للواحد: افعلا.
٤ أي لن تطبقى صرفي بالعدل عن شأني.
٥ أي أيبست ريقى في فمى، وقلة الريق من الحصر، وكثرته من قوة النفس وثبات الجأش.
٦ الرحيق: الخالص.стр. 31
فَأَصْبَحَ بَعْدَ جِدَّته رَمَادًا ... وغيَّر حسنَه لهبُ الْحَرِيقِ
وأسلَمَ ذُو نُواس مُسْتَكينا ... وحذَّر قومَه ضَنْك المضيق
قول ربيعة ابن الذئبة الثقفي في هذه القصة: وقال عبد الله ابْنُ الذِّئْبَةِ الثَّقَفِيُّ فِي ذَلِكَ -قَالَ ابْنُ هشام: الذئبة أمه، واسمه: ربيعة ابن عَبْد يَالَيْلُ بْنِ سَالِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حُطَيْط بْنِ جُشَم بْنِ قَسِيّ:
لَعَمْرك مَا للفتى من مقر ... مَعَ الْمَوْتِ يَلْحَقُهُ والكِبَر
لعَمرك مَا لِلْفَتَى صُحْرة ... لَعُمْرُكَ مَا إنْ لَهُ مِنْ وزَر١
أبعْدَ قبائلَ مِنْ حِمْيَر ... أُبِيدُوا صَبَاحًا بِذَاتِ العبَر٢
بألفِ ألوفٍ وحُرَّابة ... كمثلِ السَّمَاءِ قُبَيْلِ الْمَطَرْ٣
يُصِمُّ صياحُهم المقْربَات ... وَيَنْفُونَ مَنْ قَاتَلُوا بالذّفرْ٤
سَعَالِيَ مثلُ عَدِيدِ التُّرَا ... بِ تَيْبس منهم رطابُ الشجرْ٥
الحواشي
(١) ١ الصُّحرة: المتسع، أخذ من لفظ الصحراء. والوزر: الملجأ، ومنه اشتق الوزير لأن الملك يلجأ إلى رأيه. وقد قيل من الوزر؛ لأنه يحمل عن الملك أثقالا؛ لأن الوزر: الثقل.
٢ ذات العَبَر: أي ذات الحزن، يقال: عَبَر الرجل إذا حزن، ويقال: لأمه العبر، كما يقال: لأمه الثُّكل.
٣ الحُرَّابة: ذوو الحراب. وتوله كمثل السماء أي كسحاب لاسوداد السحاب وظلمته قبيل المطهر.
٤ المقربات. الخيل العتاق التي لا تسرح في المراعي ولكن تحبس قرب البيوت معدة للعدو. والدفر: الرائحة الشديدة، أي ينفون من قاتلوا بريحهم وأنفاسهم، وهذا إفراط في وصفهم بالكثرة وقيل غير ذلك. انظر: "الروض الأنف بتحقيقنا ج١ ص ٦٠".
٥ سعالِيَ: الجن، والمفرد سِعلاة ويقال: بل هي الساحرة من الجن.стр. 32
قول عمرو بن معدي كرب الزبيدي في هذه القصة: وقال عمرو بن مَعْدي كرب الزُّبيْدي١ فِي شَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَيْسِ بْنِ مَكْشوُحٍ المرَاديّ٢، فَبَلَغَهُ أَنَّهُ يَتَوَعَّدُهُ، فَقَالَ يَذْكُرُ حِمْير وَعِزَّهَا، وَمَا زَالَ مِنْ مُلْكِهَا عَنْهَا:
أتوعِدني كَأَنَّكَ ذُو رُعَيْنٍ ... بِأَفْضَلِ عِيشةٍ أَوْ ذُو نُوَاس
وكائنْ كَانَ قبلَك مِنْ نعيمٍ ... ومُلكٍ ثابتٍ فِي النَّاسِ رَاسِي
قديمٍ عَهْدُهُ مِنْ عَهْدِ عَادٍ ... عَظِيمٍ قَاهِرِ الْجَبَرُوتِ قَاسِي
فَأَمْسَى أهلُه بَادُوا، وَأَمْسَى ... يُحوَّل مِنْ أناسٍ
نسب زبيد ومراد: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زُبَيْد بْنُ سَلَمَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ مُنَبِّه بْنِ صَعْبِ بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ بْنِ مَذْحِج. وَيُقَالُ: زُبيد بْنُ منبِّه بْنِ صَعْبِ بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ، وَيُقَالُ: زُبيد بن صعب بن سعد. ومراد: يُحابِر بن مُذْحج.
لماذا قال عَمْرِو بْنِ مَعِدِي كَرِبٍ هَذَا الشِّعْرَ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: كَتَبَ عُمر بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إلَى سلْمان بْنِ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيِّ، وَبَاهِلَةَ بْنِ يَعْصُرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ. وَهُوَ بأرْمينية يَأْمُرُهُ أَنْ يُفَضِّلَ أَصْحَابَ الْخَيْلِ العِراب على أصحاب
الحواشي
(١) ١ عمرو بن معدي كرب -رضى الله عنه- صحابي، يكنى: أبا ثور تُضرب الأمثال بفروسيته وبسالته. ومعدي كرب بالحميرية: وجه الفَلَّاح، المعدي هو: الوجه بلغتهم، والكرب هو: الفلاح.
٢ ليس من مراد، إنما هو حليف لها، واسم مراد: يحابر بن سعد للعشيرة بن مذحج، ونسبُه في بجيلة ثم في بني أحمس، وأبوه مكشوح اسمه: هبيرة بن هلال. ويقال: عبد يغوث بن هبيرة بن الحارث بن عمرو بن عامر بن علي بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار، وأنمار هو: والد بجيلة وخثعم، وسُمي أبوه مكشوحًا؛ لأنه ضُرب بسيف على كَشْحه "وهو ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف"، ويكنى قيس: أبا شداد، وهو قاتل الأسود العنسي الكذاب هو وذَدَوَيه وفيروز، وكان قيس بطلا شجاعًا، قُتل مع علي -رضى الله عنه- يوم صفين، وله في ذلك اليوم مواقف لم يُسمع بمثلها، وكذلك له في حروب الشام مع الروم وقائع ومواقف لم يسمع بمثلها عن أحد بعد خالد بن الوليد.стр. 33
الْخَيْلِ الْمَقَارِفِ١ فِي الْعَطَاءِ فَعَرَضَ الْخَيْلَ، فَمَرَّ بِهِ فَرَسُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبٍ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: فَرَسُكَ هَذَا مُقْرف، فَغَضِبَ عَمْرٌو، وَقَالَ: هَجِينٌ عَرَفَ هَجِينًا مِثْلَهُ، فَوَثَبَ إلَيْهِ قيس فتوعده، فقال عمرو هذه الأبيات.
تصديق قول شق وسطيح: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَهَذَا الَّذِي عَنَى سَطِيحٌ الْكَاهِنُ بِقَوْلِهِ: "لَيَهْبِطَنَّ أرْضَكُم الْحَبَشُ، فليملُكُنَّ مَا بَيْنَ أبْيَن إلَى جُرَش" وَاَلَّذِي عَنَى شِقٌّ الْكَاهِنُ بِقَوْلِهِ: "لَيَنْزِلَنَّ أَرْضَكُمْ السُّودَانُ، فليغلُبن عَلَى كل طَفلة البنان وليملُكن ما بين أبْيَن إلى نجران".
النزاع على اليمن بين أبرهة وأرياط:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ أرْيَاط بِأَرْضِ الْيَمَنِ سِنِينَ فِي سُلْطَانِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ نَازَعَهُ فِي أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشي، حَتَّى تَفَرَّقَتْ الْحَبَشَةُ عَلَيْهِمَا، فَانْحَازَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَارَ أحدُهما إلَى الْآخَرِ، فَلَمَّا تَقَارَبَ النَّاسُ أَرْسَلَ أبرهةُ إلَى أرياطَ: إنَّكَ لَا تَصْنَعُ بِأَنْ تَلْقَى الْحَبَشَةُ بَعْضُهَا بِبَعْضِ، حَتَّى تَفِنِيهَا شَيْئًا، فَابْرُزْ إليَّ، وَأَبْرُزُ إلَيْكَ، فَأَيُّنَا أَصَابَ صاحبَه انْصَرَفَ إلَيْهِ جندُه، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ أَرْيَاطُ: أنصفتَ؛ فَخَرَجَ إليه أبرهة -وكان رجلًا قصيرًا لحيمًا، وكان ذا دين النَّصْرَانِيَّةِ -وَخَرَجَ إلَيْهِ أَرْيَاطُ وَكَانَ رَجُلًا جَمِيلًا عَظِيمًا طَوِيلًا، وَفِي يَدِهِ حَرْبَةٌ لَهُ وَخَلَفَ أَبْرَهَةَ غُلَامٌ لَهُ، يُقَالُ لَهُ: عَتْودَة٢، يَمْنَعُ ظَهْرَهُ، فَرَفَعَ أرياطُ الْحَرْبَةَ، فَضَرَبَ أَبْرَهَةَ يُرِيدُ يَافُوخَهُ، فَوَقَعَتْ الْحَرْبَةُ عَلَى جَبْهَةِ أَبْرَهَةَ، فَشَرَمَتْ حَاجِبَهُ وَأَنْفَهُ وَعَيْنَهُ وَشَفَتَهُ، فَبِذَلِكَ سُمى: أَبْرَهَةَ الْأَشْرَمَ، وَحَمَلَ عَتْوَدة عَلَى أَرْيَاطَ مِنْ خَلْفِ أَبْرَهَةَ فَقَتَلَهُ، وَانْصَرَفَ جندُ أَرْيَاطَ إلَى أَبْرَهَةَ فَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْحَبَشَةُ بِالْيَمَنِ، وَوَدَى٣ أبرهةُ أرياطَ.
غضب النجاشي على أبرهة: فلما بلغ النَّجَاشِيَّ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: عَدَا عَلَى أميري فقتله بغير أمري، ثم حَلَفَ: لَا يَدَعُ أَبْرَهَةَ حَتَّى يَطَأَ بِلَادَهُ، ويجز ناصيته. فحلق أبرهة رأسَه
الحواشي
(١) ١ المقارف: جمع مقرف الذى دانى الهجنة، وهو الذي أمه عربية وأبوه ليس بعربي فالإقراف من جهة الأب والهجنة من جهة الأم. انظر ذلك مفصلًا في الصحاح للجوهري مادة قرف.
٢ العتودة: الشدة في الحرب.
٣ وداه: تحمل ديته.стр. 34
وَمَلَأَ جِرَابًا مِنْ تُرَابِ الْيَمَنِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إلَى النَّجَاشِيِّ، ثُمَّ كَتَبَ إلَيْهِ:
"أَيُّهَا الْمَلِكُ، إنَّمَا كَانَ أرْياطُ عبدَك، وَأَنَا عبدُك، فَاخْتَلَفْنَا فِي أمرِك، وَكُلٌّ طاعتُه لَكَ، إلَّا أَنِّي كُنْتُ أَقْوَى عَلَى أَمْرِ الْحَبَشَةِ وَأَضْبَطَ لَهَا، وَأَسْوَسَ مِنْهُ، وَقَدْ حَلَقْتُ رَأْسِي كُلَّهُ حِينَ بَلَغَنِي قَسَمُ الْمَلِكِ، وَبَعَثْتُ إلَيْهِ بِجِرَابِ تراب من أرض، لِيَضَعَهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَيَبَرُّ قسمَه فيَّ".
فَلَمَّا انْتَهَى ذَلِكَ إلَى النَّجَاشِيِّ رَضِيَ عَنْهُ، وَكَتَبَ إلَيْهِ: أَنْ اُثْبُتْ بِأَرْضِ الْيَمَنِ حَتَّى يَأْتِيَكَ أمري، فأقام أبرهة باليمن.
"القليس" أو كنيسة أبرهة: ثُمَّ إنَّ أَبْرَهَةَ بَنَى القُلَّيْسَ١ بِصَنْعَاءَ، فَبَنَى كَنِيسَةً لَمْ يُر مثلُها فِي زَمَانِهَا بِشَيْءِ مِنْ الْأَرْضِ، ثُمَّ كَتَبَ إلَى النَّجَاشِيِّ: إنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ كَنِيسَةً لَمْ يُبْنَ مثلُها لِمَلِكِ كَانَ قَبْلَكَ، وَلَسْتُ بمنتهٍ حَتَّى أصرفَ إلَيْهَا حَجَّ الْعَرَبِ، فَلَمَّا تَحَدَّثَتْ الْعَرَبُ بِكِتَابِ أَبْرَهَةَ ذَلِكَ إلَى النَّجَاشِيِّ، غَضِبَ رَجُلٌ مِنْ النَّسأة، أَحَدُ بَنِي فُقَيْم بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيمة بْنِ مُدْرِكة بن إلياس بن مضر.
النَّسَأَةِ: وَالنَّسَأَةُ: الَّذِينَ كَانُوا يَنْسَئُونَ الشُّهُورَ عَلَى الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فيحلُّون الشَّهْرَ مِنْ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَيُحَرِّمُونَ مكانَه الشهرَ مِنْ أشهرِ الْحِلِّ، ليواطئوا عدةَ ما حرَّم الله. وَيُؤَخِّرُونَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، فَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ ﵎: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ .
الحواشي
(١) ١ وهي الكنيسة التي أراد أبرهة أن يصرف حج العرب إليها وسميت بهذا الاسم لارتفاع بنائها وعلوها، ومنه أخذت القلانس لأنها تعلو الرأس، ويقال: تقلنس الرجل إذا لبس القلنسوة، وقلس طعامًا أي: ارتفع من معدته إلى فيه، وكان أبرهة قد استذل أهل اليمن في بنيان هذه الكنيسة وجشمهم أنواعًا من السخر، وكان ينقل إليها العدد من الرخام المجزع والحجارة المنقوشة بالذب من قصر بلقيس صاحبة سليمان ﵇ وكان من موضع الكنيسة على فراسخ وكان فيه بقايا من آثار مُلكها، وكان أراد أن يرفع في بنائها حتى يَشرُف منها على عدن، ونصب فيها صلبانًا من الذهب والفضة ومنابر من العاج والأبنوس. وكان حكمه في العامل إذا طلعت عليه الشمس قبل أن يأخذ في عمله أن يقطع يده، فنام رجل منهم ذات يوم، حتى طلعت الشمس، فجاءت معه أمه، وهي امرأة عجوز، فتضرعت إليه تستشفع لابنها، فأبى إلا أن يقطع يده، فقالت: اضرب بمعولك اليوم، فاليوم لك، وغدًا لغيرك. انظر قصة هذه الكنيسة مفصلة في: "الروض الأنف بتحقيقنا جـ١ ص ٦٣".стр. 35
قال ابن هشام: لِيُوَافِقُوا، وَالْمُوَاطَأَةُ: الْمُوَافَقَةُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: واطأتُك عَلَى هَذَا الْأَمْرِ، أَيْ وَافَقْتُكَ عَلَيْهِ، وَالْإِيطَاءُ فِي الشِّعْرِ: الْمُوَافَقَةُ، وَهُوَ اتِّفَاقُ الْقَافِيَتَيْنِ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ وَجِنْسٍ وَاحِدٍ، نَحْوَ قَوْلِ العَجّاج -وَاسْمُ العَجاج١: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُؤبة أَحَدُ بَنِي سعد بن زيد مَناة بن تميم ابن مُر بن أد بن طابخة بن إلياس بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ.
فِي أثْعبان المَنْجَنون المرسَل٢
ثُمَّ قَالَ:
مُدُّ الخليجِ فِي الخليجِ المرْسَل
وهذان البيتان في أرجوزة له.
أول من ابتدع النسيء: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ نَسَأَ الشُّهُورَ عَلَى الْعَرَبِ، فَأَحَلَّتْ مِنْهَا مَا أُحِلَّ، وَحَرَّمَتْ مِنْهَا مَا حَرَّمَ القَلمس٣، وَهُوَ حُذَيفة بْنُ عَبْدِ بْنِ فُقَيْم بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيمة، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبَّادُ بْنُ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ عَبَّادٍ: قَلَع بْنُ عبَّاد، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ قَلَع: أُمَيَّةُ بْنُ قَلَعٍ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ أُمَيَّةَ: عَوف بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ عَوْف: أَبُو ثُمامة، جُنَادة بْنُ. عَوْف، وَكَانَ آخِرَهُمْ، وَعَلَيْهِ قَامَ الْإِسْلَامُ٤، وَكَانَتْ الْعَرَبُ إذَا فَرَغَتْ مِنْ حَجِّهَا اجْتَمَعَتْ إلَيْهِ، فَحَرَّمَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ الْأَرْبَعَةَ: رَجَبًا، وَذَا الْقَعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحِلَّ شَيْئًا أحلَّ الْمُحَرَّمَ فَأَحَلُّوهُ وَحَرَّمَ مَكَانَهُ صَفَرَ
الحواشي
(١) ١ وكنيته: أبو الشعثاء وسُمي العجاج بقوله: "حتى يعج عندها من عججا" المرجع السابق ص ٦٥.
٢ الأثعبان: ما يندفع من الماء من مثعبه، والمثعب: المجرى. والمنجنون: الدولاب التي يستقى عليها، نفس المرجع هامش صفحة٦٢.
٣ وسمي القلمس لجوده، إذ إنه من أسماء البحر.
٤ وجد السهيلي خبرًا عن إسلام أبي ثمامة فقد حضر الحج في زمن عمر، فرأى الناس يزدحمون على الحج فنادى: أيها الناس، إني قد أجرته منكم فخفقه عمر بالدرة وقال: ويحك، إن الله أبطل أمر الجاهلية.стр. 36
فحرَّموه؛ لِيُوَاطِئُوا عدَّةَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ الحُرُم. فَإِذَا أَرَادُوا الصَّدَر١ قَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ أَحَدَ الصَّفرَيْن، الصَّفَرَ الْأَوَّلَ، وَنَسَّأَتْ الآخرَ لِلْعَامِ الْمُقْبِلِ٢" فَقَالَ فِي ذَلِكَ عُمَيْر بْنُ قَيْس، جِذْل الطَّعان٣، أحدُ بَنِي فراس بن غَنْم بن ثعلبة بن بالك بْنِ كِنَانَةَ، يَفْخَرُ بالنَّسأة عَلَى الْعَرَبِ:
لَقَدْ علمتْ مَعَد أَنَّ قَوْمِي ... كرامُ الناسِ أَنَّ لَهُمْ كِرَامَا٤
فَأَيُّ الناسِ فَاتُونَا بوِتْر ... وَأَيُّ الناسِ لَمْ نُعْلِكْ لِجَامَا٥
ألسْنا النَّاسئين عَلَى مَعد ... شهورَ الحِلِّ نجعلها حَرامًا؟
الحواشي
(١) ١ الصدر هنا: الرجوع من الحج.
٢ وأما نَسَؤُهُم فكان على ضربين، أحدهما: ما ذكر ابن إسحاق من تأخير شهر المحرم إلى صفر لحاجتهم إلى شن الغارات وطلب الثارات. والثاني: تأخيرهم الحج عن وقته تحريًا منهم للسنة الشمسية، فكانوا يؤخرونه في كل عام أحد عشر يومًا أو أكثر قليلا، حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته، ولذلك قال ﵇ في حجة الوداع: "إن الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السمواتِ والأرض" وكانت حجة الوداع في السنة التي عاد فيها الحج إلى وقته، ولم يحج رسولَ الله ﷺ من المدينة إلى مكة غير تلك الحجة، وذلك لإخراج الكفار الحج عن وقته، ولطوافهم بالبيت عراة -والله أعلم- إذ كانت مكة بحكمهم، حتى فتحها الله على نبيه ﷺ .
٣ وكان عُمير من أطول الناس، وسمي جذل الطعان لثباته في الحرب كأنه جذل شجرة واقف، وقيل: لأنه كان يُستَشفَى برأيه، ويُسْتَراح إليه، كما تستريح البهيمة الجرباء إلى الجذل "وهو عود ينصب للبُهم الجرباء لتحتك به".
٤ أي: آباءً كرامًا وأخلاقًا كرامًا.
٥ أي: لم نقدعهم ونكفهم، كما يقدع الفرس باللجام. تقول: أعلكت الفرس لجامه: إذا رددته عن تنزعه، فمضغ اللجام كالعلك من نشاطه، فهو مقدوع.стр. 37
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوَّلُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ: المحرَّم١.
الكناني يحدث في القليس: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ الكنانيُّ حَتَّى أَتَى القلَّيْس فَقَعَدَ٢ فِيهَا -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي أَحْدَثَ فِيهَا- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ فَلَحِقَ بِأَرْضِهِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبْرَهَةُ فَقَالَ: مَنْ صَنَعَ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: صَنَعَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي تَحُجُّ العربُ إلَيْهِ بِمَكَّةَ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَكَ: "أَصْرِفُ إلَيْهَا حَجَّ الْعَرَبِ" غَضِبَ فَجَاءَ، فَقَعَدَ فيها، أي أنها ليست لذلك بأهْل.
خروج أبرهة لهدم الكعبة: فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ أَبْرَهَةُ وَحَلَفَ: ليسيرنَّ إلَى الْبَيْتِ حَتَّى يهدمَه، ثُمَّ أَمَرَ الْحَبَشَةَ فَتَهَيَّأَتْ وتجهَّزت، ثُمَّ سَارَ وَخَرَجَ مَعَهُ بِالْفِيلِ، وَسَمِعَتْ بِذَلِكَ الْعَرَبُ فَأَعْظَمُوهُ وفَظِعوا بِهِ، وَرَأَوْا جِهَادَهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ، حِينَ سَمِعُوا بِأَنَّهُ يُرِيدُ هَدْمَ الكعبة، بيت الله الحرام.
أشراف اليمن يدافعون عن البيت: فَخَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَمُلُوكِهِمْ يُقَالُ لَهُ: ذُو نَفْر، فَدَعَا قَوْمَهُ، وَمَنْ أَجَابَهُ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ إلَى حَرْبِ أَبْرَهَةَ، وَجِهَادِهِ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَمَا يُرِيدُ مِنْ هَدْمِهِ وَإِخْرَابِهِ، فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ مَنْ أَجَابَهُ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ فَقَاتَلَهُ، فَهُزم ذُو نَفْر وَأَصْحَابُهُ، وَأُخِذَ لَهُ ذُو نَفْر، فَأُتِيَ بِهِ أَسِيرًا، فَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ، قَالَ لَهُ ذُو نَفْر: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَا تَقْتُلْنِي فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَائِي مَعَكَ خَيْرًا لَكَ مِنْ قَتْلِي، فَتَرَكَهُ مِنْ الْقَتْلِ، وَحَبَسَهُ عِنْدَهُ فِي وَثَاقٍ، وَكَانَ أَبْرَهَةُ رَجُلًا حَلِيمًا.
الحواشي
(١) ١ وقال غير ابن هشام: إن أولها ذو القعدة لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بدأ به حين ذكر الأشهر الحُرم، ومن قال المحرم أولها، احتج بأنه أول السنة. وتظهر فائدة هذا الخلاف فيمن نذر صيام الأشهر الحرم. فيقال له على الأول: ابدأ بالمحرم، ثم رجب، ثم ذي القعدة، وذي الحجة. وعلى القول الآخر: يبدأ بذي القعدة حتى يكون آخر صيامه في رجب من العام الثاني.
٢ قعد: أي أحدث فيها -وهذا شاهد لقول مالك وغيره من الفقهاء في تفسير القعود على المقابر المنهي عنه.стр. 38
خثعم تجاهد أبرهة: ثُمَّ مَضَى أَبْرَهَةُ عَلَى وَجْهِهِ ذَلِكَ يُرِيدُ مَا خَرَجَ لَهُ، حَتَّى إذَا كَانَ بِأَرْضِ خَثْعَم١ عَرَض لَهُ نُفَيْل بْنُ حَبِيبٍ الخَثْعمي فِي قَبيلَيْ خَثْعَم: شَهْران ونَاهِس٢، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَقَاتَلَهُ فَهَزَمَهُ أَبْرَهَةُ، وَأُخِذَ لَهُ نُفَيْل أَسِيرًا، فَأُتِيَ بِهِ، فَلَمَّا همَّ بِقَتْلِهِ قَالَ لَهُ نُفَيْل: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَا تَقْتُلْنِي فَإِنِّي دَلِيلُكَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، وَهَاتَانِ يَدَايَ لَكَ عَلَى قبيلَيْ خَثْعم: شَهْران وَنَاهِسُ بِالسَّمْعِ والطاعة، فخلى سبيلَه.
وَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ يدلُّه، حَتَّى إذَا مَرَّ بِالطَّائِفِ خَرَجَ إلَيْهِ مَسْعُودُ بْنُ مُعَتِّب بْنِ مالك بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمرو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْف بْنِ ثَقِيفٍ فِي رِجَالِ ثَقِيفٍ.
نَسَبُ ثقيف٣: وَاسْمُ ثَقِيف: قَسِيُّ بنُ النَّبيت بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ يَقْدُم بْنِ أفْصَى بْنِ دُعْمىّ بْنِ إيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ.
قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْت الثَّقَفِيُّ٤:
قَوْمِي إيَادٌ لَوْ أنهمْ أمَم ... أَوْ لَوْ أَقَامُوا فتُهْزَل النَّعَمُ٥
قَوْمٌ لَهُمْ ساحةُ العراقِ إذا ... ساروا جميعًا والقطّ والقَلم٦
الحواشي
(١) ١ خثعم: اسم جبل سمي به بنو عِفرس بن خلف بن أفتل بن أنمار؛ لأنهم نزلوا عنده، وقيل: إنهم تخثعموا بالدم عند حلف عقدوه بينهم أي تلطخوا.
٢ يقال إن خثعم ثلاث: شهران وناهس وأكلب غير أن أكلب عند أهل النسب هو: ابن ربيعة بن نزار، ولكنهم دخلوا في خثعم، وانتسبوا إليهم.
٣ اختلف النسابون في نسب ثقيف فبعضهم ينسبهم إلى إياد، والبعض إلى قيس وقد نسبوهم إلى ثمود أيضًا. وفي حديث رواه معمر بن راشد في جامعه: "أن أبا رغال من ثمود". انظر: "الروض الأنف من تحقيقنا ج١ ص ٦٦، ٦٧".
٤ واسم أبي الصلت: ربيعة بن وهب.
٥ الأمم: القريب. أو لو أقاموا: أي بالحجاز لأنهم انتقلوا عنها حين ضاقت عن مسارحهم فصاروا إلى ريف العراق.
٦ القط: ما قُط من الكاغد والرق -الكاغد: القرطاس، والرق: جلد رقيق يُكتب فيه. وما قط: أي ما قطع– ونحوه؛ وذلك أن الكتابة كانت في تلك البلاد التي ساروا إليها وقد قيل لقريش: ممن تعلمتم القط؟ فقالوا: تعلمناه من أهل الحيرة، وتعلمه أهل الحيرة من أهل الأنبار.стр. 39
وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْت أَيْضًا:
فإمَّا تَسْألي عَنِّي لُبَيْنَى ... وَعَنْ نَسَبِي أخَبِّرْك اليَقينَا
فَإِنَّا للنَّبيتِ أَبِي قَسِي ... لمنصورِ بنِ يَقْدُمَ الْأَقْدَمِينَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثَقِيفٌ: قَسِيُّ بْنُ مُنبه بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوازن بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكرمة بْنِ خَصَفَة بْنِ قَيْس بْنِ عَيْلان بن مُضَر بن نزار بن معد بْنِ عَدْنَانَ، وَالْبَيْتَانِ الأوَّلان وَالْآخِرَانِ فِي قَصِيدَتَيْنِ لأمية.
ثقيف تهادن أبرهة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إنَّمَا نَحْنُ عبيدُك سَامِعُونَ لَكَ مُطِيعُونَ، لَيْسَ عِنْدَنَا لَكَ خِلَافٌ، وَلَيْسَ بَيْتُنَا هَذَا الْبَيْتَ الذي تريد -يعنون اللات- إنما نريد الْبَيْتَ الَّذِي بِمَكَّةَ، وَنَحْنُ نَبْعَثُ مَعَكَ مَنْ يَدُلُّكَ عَلَيْهِ، فَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ.
اللَّاتُ: وَاَللَّاتُ: بَيْتٌ لَهُمْ بِالطَّائِفِ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ نَحْوَ تَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النَّحْوِيُّ لِضِرَارِ بْنِ الْخَطَّابِ الفِهْرِي:
وفَرَّت ثَقِيفٌ إلَى لأنها ... بمُنْقَلَب الخائبِ الخاسِر
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ له.
أبو رغال ورجم قبره: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَعَثُوا مَعَهُ أَبَا رِغَالٍ يدلُّه عَلَى الطَّرِيقِ إلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ أَبْرَهَةُ وَمَعَهُ أَبُو رِغَالٍ حَتَّى أَنْزَلَهُ المُغَمِّس١، فَلَمَّا أنزله به مات أبو رغال هناك، فَرَجَمَتْ قبرَه العربُ، فَهُوَ الْقَبْرُ الَّذِي يَرْجُمُ الناس بالمغمِّس.
الحواشي
(١) ١ المغمس: هكذا ألفيته في نسخة الشيخ أبي بحر المقيدة على أبي الوليد القاضي بفتح الميم الآخرة من المغَمس. وذكر البكري في كتاب المعجم أنه المُغمس بكسر الميم الآخرة، وأنه أصح ما قيل فيه، وذكر أيضًا أنه يُروَى بالفتح، فعلى رواية الكسر هو: مغمِّس مفعل من غمست، كأنه اشتق من الغميس وهو الغمير، وهو النبات الأخضر الذي ينبت في الخريف تحت اليابس، يقال: غمس المكان وغمر إذا نبت فيه ذلك، وأما على رواية الفتح، فكأنه من غمست الشيء. إذا غطيته، وذلك أنه مكان مستور إما بهضاب وإما بعضاه -كل شجر له شوك- وإنما قلنا هذا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "إذا كان بمكة، كان إذا أراد حاجة الإنسان خرج إلى المغمس"، وهو على ثلث فرسخ من مكة.
أما على رواية كسر الميم الثانية بزنة اسم الفاعل فهو مشتق من الغميس وهو الغمير "نبات أخضر ينبت في الخريف".стр. 40
الأسْود بن مقصود يهاجم مَكَّةَ: فَلَمَّا نَزَلَ أَبْرَهَةُ المغَمَّس، بَعَثَ رَجُلًا مِنْ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهُ: الأسْوَد بْنُ مَقْصُودٍ١ عَلَى خَيْلٍ لَهُ، حَتَّى انْتَهَى إلَى مَكَّةَ، فساق إليه أموالَ تِهامة مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ وَأَصَابَ فِيهَا مِائَتَيْ بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا، فَهَمَّتْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وهُذَيل ومن كان بذلك الحرم بِقِتَالِهِ، ثُمَّ عَرَفُوا أَنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ به، فتركوا ذلك.
رسول أبرهة إلى مكة: وبعث أبرهة حباطة الْحِمْيَرِيَّ إلَى مَكَّةَ، وَقَالَ لَهُ: سَلْ عَنْ سَيِّدِ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ وَشَرِيفِهَا، ثُمَّ قُلْ لَهُ: إنَّ الْمَلِكَ يَقُولُ لَكَ: إنِّي لَمْ آتِ لِحَرْبِكُمْ، إنَّمَا جِئْتُ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ، فإن لم تتعرضوا دُونَهُ بِحَرْبِ، فَلَا حَاجَةَ لِي بِدِمَائِكُمْ، فَإِنْ هُوَ لَمْ يُرِدْ حَرْبِي فَأْتِنِي بِهِ؛ فَلَمَّا دخل حباطة مَكَّةَ، سَأَلَ عَنْ سَيِّدِ قُرَيْشٍ وَشَرِيفِهَا، فَقِيلَ له: عبد المطلب بن هاشم، فَجَاءَهُ. فَقَالَ لَهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَبْرَهَةُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: وَاَللَّهِ مَا نُرِيدُ حَرْبَهُ، وَمَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ طَاقَةٍ، هَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْرَاهِيمَ ﵇ -أَوْ كَمَا قَالَ– فَإِنْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ، فَهُوَ بَيْتُهُ وَحَرَمُهُ، وَإِنْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَوَاَللَّهِ مَا عِنْدَنَا دَفْع عَنْهُ. فَقَالَ لَهُ حباطة: فَانْطَلِقْ مَعِي إلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ آتيه بك.
أنيس يشفع لعبد المطلب: فَانْطَلَقَ مَعَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَمَعَهُ بَعْضُ بَنِيهِ، حَتَّى أَتَى الْعَسْكَرَ، فَسَأَلَ عَنْ ذِي نَفر، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَحْبِسِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا ذَا نَفْر هَلْ عِنْدَكَ مِنْ غَناء فِيمَا نَزَلَ بِنَا؟ فَقَالَ لَهُ ذُو نَفْر: وَمَا غَناء رَجُلٍ أَسِيرٍ بيدَيْ مَلِكٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَقْتُلَهُ غُدوًّا أَوْ عَشِيًّا؟! مَا عِنْدَنَا غَناء فِي شَيْءٍ مِمَّا نَزَلَ بِكَ، إلَّا أَنَّ أنَيْسا سَائِسَ الْفِيلِ صَدِيقٌ لِي، وَسَأُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُوصِيهِ بِكَ، وأعْظم عَلَيْهِ حَقَّكَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَكَ على الملك، فتكلمه بما بدا لك، ويشبع لَكَ عِنْدَهُ بِخَيْرِ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ: حَسْبِي. فَبَعَثَ ذُو نَفْر إلَى أنَيْس، فَقَالَ لَهُ: إنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ سَيِّدُ قُرَيْشٍ، وَصَاحِبُ عِير مَكَّةَ، يُطْعِمُ النَّاسَ بالسَّهل، وَالْوُحُوشَ في رءوس
الحواشي
(١) ١ وهو الأسود بن مقصود بن الحارث بن منبه بن مالك بْنِ كَعْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عمرو بن علة. ويقال فيه: عُلَة على وزن عمر -ابن خالد بن مذحج بعثه النجاشى مع الفيلة والجيش، وكانت الفيلة ثلاثة عشر فيلًا هلكت كلها إلا "محمود" فيل النجاشي لامتناعه عن التوجه إلى الكعبة.следующие страницы →