← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7452

الضوء اللامع المبين عن مناهج المحدثين

أحمد محرم الشيخ ناجي

Полный текст (349 стр.). Показаны 316–349 · переход к 321.

стр. 316

فبين اتصالها إما من موطأ آخر, وإما من طريق غير طريق مالك وكذا المرسلة: "ج" اقتصر في دراسته على الأحاديث المضافة إلى رسول الله صلى عليه وسلم أما الآراء فلم يتعرض لها في كتابه هذا لأنه أفرد لها كتابا خاصا. "د" أثناء شرحه يتكلم عن الرواة, ويبين حالهم من التعديل والتجريح, ويتكلم على آراء العلماء في المسائل في ضوء مذهب مالك مع ميل بين إلى مذهب الشافعي ﵁ وعن الجميع. ومن كتب ابن عبد البر على الموطأ "الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار مما رسمه مالك في موطئه من الرأي والآثار" والمادة العلمية التي في هذا الكتاب هي التي في التمهيد، لكن الاختلاف في الترتيب والتنسيق، فهذا الكتاب هو شرح للموطأ على وضعه الطبيعي. ٢- السيوطي: وهو جلال الدين عبد الرحمن ابن بكر محمد الخضيري السيوطي, المولود سنة تسع وأربعين وثمانمائة، والمعروف بنهمه في التصنيف, وكثرة ما له من تآليف في علوم عديدة، فهو صاحب الجامع الكبير والجامع الصغير والزيادات عليه في الحديث، وصاحب الألفية في علومه، وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي, والآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، والتعقبات على الموضوعات والدرر المتناثرة في الأحاديث المتواترة، وغير ذلك, وهو صاحب الإتقان في علوم القرآن، والتحبير في أصول التفسير، والدر المنثور في التفسير بالمأثور،

стр. 317

وترجمان القرآن، وهو صاحب تاريخ الخلفاء، ونظم العقيان في تراجم الأعيان، وبغية الوعاة في تراجم اللغويين والنحاة، وطبقات المفسرين، وطبقات المحدثين، وحسن المحاضرة. وهو صاحب الهمع على اللمع، والأشباه والنظائر في النحو، وعشرات المصنفات بل ومئاتها، فقد وصلت كتبه إلى خمسمائة مصنف, وقد كان يكتب في كل يوم كراسة, وقال عن نفسه: إنه حفظ مائتي ألف حديث، ولو وجد أكثر لحفظ، وأنه بلغ حد الاجتهاد، وأنه نبغ في أكثر العلوم، وما أعياه إلا علم الحساب، وعلم الفلك، وقد توفي السيوطي سنة إحدى عشر وتسعمائة١. وقد كان من مؤلفاته على الموطأ: "تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك", وهو كما يظهر اسمه أنه شرح للموطأ له مقدمة مشتملة على سبع فوائد، تكلم فيها عن الإمام مالك وفضله, ثم عن كتابة الحديث والنصوص في ذلك, ثم عن فضل الموطأ ومكانته بين كتب الحديث, ثم عن عدد أحاديثه واختلاف رواياته عن مالك, ثم سرد العديد من شراحه وشروحه. وقد نهج في الشرح نهج المحدثين، فتكلم على أسانيد الأحاديث واختلاف الرواة، ورفع الموقوف وإسناد المرسل ووصل المنقطع، وعنى ببيان الغريب من ألفاظ الحديث، ولم يعول على ذكر المذاهب الفقهية.

стр. 318

وللكتاب غاية في الاختصار, وهو مطبوع في ثلاثة أجزاء صغار وألحق بنفس الطبعة كتاب آخر للسيوطي على الموطأ سماه "إسعاف المبطأ برجال الموطأ". وللسيوطي أيضا كتاب "كشف المغطى عن الموطأ", وله كتاب "تجريد أحاديث الموطأ". ٣- الزرقاني: هو محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الرزقاني المالكي أبو عبد الله محدث، فقيه، أصولي، ولد وتوفي بالقاهرة في سنتي خمس وخمسين وألف واثنتين وعشرين ومائة بعد الألف١. ومن تصانيفه: شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث، مختصر المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة، إشراق مصابيح السير المحمدية بمزج أسرار المواهب اللدنية. وشرحه على الموطأ سماه "أبهج المسالك بشرح موطأ الإمام مالك", وهو شرح وسط بين الطول والقصر، وتعرض فيه لشرح متون الأحاديث من جهة اللغة، وأفاض في شرح المذاهب الفقهية، ولم يعن بالرجال ولا بتراجم الأبواب، وقد نال الكتاب حظا موفورًا من الشهرة. ومن قدامى الشراح للموطأ: الإمام أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد

стр. 319

بن أيوب الباجي المتوفى سنة أربع وسبعين وأربعمائة, وكان من أعلام الرواية والفقه بالأندلس, وإليه انتهت الرئاسة, وروى عنه ابن عبد البر, وجرت بينه وبين ابن حزم مناظرات وللباجي على الموطأ ثلاثة شروح: الاستيفاء ويبدو أنه عمد فيه إلى الاستقصاء مما حمله على أن يلخصه في كتابه المنتقى: الذي عمد فيه إلى شرح أحاديث الموطأ من الناحيتين الفقهية والحديثية, وأكثر من ذكر المسائل الفقهية والتفريعات ويبدو أنه رام إرجاع الفقه المالكي إلى الأحاديث والآثار. والكتاب مطبوع في سبعة مجلدات, وهو شائع ذائع باسم: شرح الباجي على الموطأ, وقد عاد فاختصره في كتاب سماه: الإيماء. ولابن العربي أبي عبد الله محمد بن عبد الله الإشبيلي المتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة شرح على الموطأ؟ ثم قام لفيف من علماء الهند بشرح للموطأ حديثا, فممن عنى به الإمام شيخ الإسلام قطب الدين أحمد ولي الله ابن عبد الرحيم بن وجيه الدين الدهلوي الشهير بولي الله الدهلوي, وهو سليل بيت علم, وفضل ينتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظم تتلمذ على والده وأعلام عصره في الحديث، ثم انتقل إلى الحرمين فأقام بها عامين كاملين يأخذ من مشاهير علمائهم, ثم رجع إلى الهند فأخذ من علمائها حتى بلغ في العلم قدرًا جعل بعضهم يعده من حفاظ القرن الثاني عشرة توفي سنة ست وسبعين ومائة بعد الألف, وله على الموطأ شرحان:

стр. 320

"أ" المسوى "باللغة العربية". "ب" المصفى "باللغة الفارسية". أما المسوى, فقد نهج فيه منهجا جديرًا بالتقدير, "فقد سار على طريقة المحدثين ومعتدلي الفقهاء, فرتب الأحاديث ترتيبا بديعا مفيدا مع حذف بعض أقوال مالك مما تفرد به مالك عن سائر المحدثين. وترجم على كل حديث بما استنبط منه جماهير العلماء, وضم إلى ذلك من القرآن العظيم ما لا بد للفقيه من حفظه, ومن تفسيره ما لا بد له من معرفته. وذكر في كل باب مذهب الشافعية والحنفية, ولم يتعرض لمذهب غيرهما إلا في مواضع لنكتة، وبين ما تعقب به الأئمة على مالك بإشارة لطيفة حيث كان التعقيب بحديث صحيح صريح وبين ما مست إليه الحاجة في معانيه اللغوية مع شرح غريب وضبط مشكل, وبين كذلك ما مست إليه الحاجة في معانيه الفقهية من بيان علة الحكم وأقسامه وتأويل الحديث عند الفريقين, ونحو ذلك, ثم إنه لم يتعرض لذكر من أخرج الحديث من أصحاب الكتب الستة إلا في مواضع يسيرة معللا ذلك بأن العلماء أغنونا عن ذلك, وإن في إسناد الموطأ كفاية لمن اكتفى. هذا وقد طبع الكتاب بالهند أكثر من مرة وطبع في مكة المكرمة سنة ١٣٥٢ بالمطبعة السلفية"١.

стр. 321

وممن عني بالموطأ الشيخ أبو الحسنات عبد الحي بن محمد بن عبد الحليم اللكنوي ينتهي نسبه إلى سيدنا أبي أيوب الأنصاري، ولد سنة ألف ومائتين وأربع وستين, وجد في الطلب حتى تأهل للتصنيف والتدريس في السابعة عشرة من عمره, وله المصنفات الكثيرة النافعة في الحديث والفقه والتاريخ، من أشهرها: الرفع والتكميل في معرفة الجرح والتعديل, لم يصنف في الباب مثله, وله: الفوائد البهية في تراجم الحنفية، وله: النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير, وله: طرب الأماثل بتراجم الأفاضل, وله: الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة, وتوفي سنة ألف وثلاثمائة وأربع١. وذكر الرواة عن مالك والكلام على نسخ الموطأ, وحملة أحاديث الموطأ, والكلام على شرحه, وترجمة الإمام محمد بن الحسن وشيخه, والمقارنة بين روايتي يحيى ومحمد, وتعداد الأحاديث والآثار التي في رواية محمد, وعادات الإمام محمد في هذا الكتاب. ولعله من الواضح أن مراده بموطأ محمد رواية محمد بن الحسن لموطأ مالك

стр. 322

أما منهجه في الشرح: ١- فهو لم يبال بالتكرار لبعض المطالب المفيدة في المواضع المتفرقة. ٢- التزم بذكر مذاهب الأئمة المختلفة مع الإشارة إلى أدلتها بقدر الضرورة وترجيح بعض على بعض. ٣- أسند أكثر البلاغات والأحاديث المرسلة, وعضد الأحاديث الموقوفة بالمرفوعة. ٤- أكثر من ذكر مذاهب الصحابة والتابعين, ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين والمعتبرين إشارة إلى أن اختلاف الأئمة رحمة. ٥- ترجم الرواة دون عصبية مذهبية أو غيرهم. ٦- ذكر بعض الاختلاف بين نسخ الموطأ. وممن شرح الموطأ من علماء الهند؛ الإمام الكاندهلوي محمد زكريا محمد يحيى الحنفي السهارتغوري, المولود سنة ألف وثلاثمائة وخمس عشرة, وقد سمى شرحه: أوجز المسالك شرح موطأ مالك. وقد نقل فيه كثيرا من شروح سابقيه مع عزو المنقول إلى أصله, لكنه أكثر النقل من شرح الزرقاني على الموطأ, ومن كتاب بذل المجهود في حل سنن أبي داود, ولكثرة اعتماده عليهما, وأخذه منهما لم يعز ولم ينسب ما نقله منهما, والكتاب مطبوع بالنقد في خمسة أجزاء.

стр. 323

"ج" مؤلفات على الموطأ في أغراض مختلفة: ألف في شرح غريبه: البرقي، وأحمد بن عمران الأخفش, وأبو القاسم العثماني المسرى. وألف في رجاله: القاضي أبو عبد الله الحذاء, وأبو عبد الله بن معزح, والبرقي, وأبو عمر الطلمنكي, وجلال الدين السيوطي. وألف القاضي إسماعيل شواهد الموطأ. وألف أبو الحسن الدراقطني كتاب "اختلاف الموطآت". وألف في أطرافه أبو بكر بن حبيب. وممن ألف من المتأخرين في كل ما يتعلق بالموطأ؛ من بيان أصحيته, وتقدمه على غيره, ورواته, وعدد أحاديثه إلى غير ذلك؛ المحدث الكبير الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي, صاحب "هداية المغيث", و"زاد المسلم مما اتفق عليه البخاري ومسلم", وألف نظما سماه: "دليل المسالك إلى موطأ الإمام مالك", وعلق عليه في حاشية سماها: "إضاءة الحالك من ألفاظ دليل السالك". ومن كل ما سبق يبين لكل من طالب الحق مدى عناية الأمة بحديث نبيها ﷺ , فها هو ذا الموطأ على صغر حجمه بالنسبة إلى غيره من أمهات كتب الحديث يحظى بهذا الاهتمام, فكيف بغيره؟ ولقد آن الأوان لأن نعيش مع ثمرة أخرى من ثمرات الإمام مالك, أو أن نتعرف على من تمثل مالكا علما وفضلا وشرفًا ونبلا, بل وربما زاد عليه.

стр. 324

٣- " الإمام الشافعي وجهوده في السنة ": لا نظن أن أي إنسان كائنا من كان, مهما أوتي من البيان يتسنى له أن يوفي ترجمة الإمام من حق وإكرام وعرفان بما أسدى وما أدى للحديث خاصة وللعلم عامة، فمن الشافعي؟ إنه إمام الأئمة, وعلم هذه الأمة, وحيد دهره, وفريد عصره أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع المطلبي القرشي الحسيب النسيب الملتقي مع الشفيع الحبيب ﷺ في الجد الثالث "عبد مناف بن قصي", فهو من أشرف القبائل "قريش", وأفضلها بعد النبي وأصحابه. ولد سنة خمسين ومائة حيث مات أبو حنيفة, وهكذا يقدر الملك العلام أن يموت إمام ويحيى إمام, وكان مولده بغزة, ثم حمل إلى مكة, وهو ابن سنتين, وتربى بالصحراء, وأخذ كل ما فيها من صفاء, ورحل في طلب العلم ضاربًا في طول البلاد وعرضها, نقل عنه أنه حفظ القرآن وهو ابن سبع والموطأ وهو ابن عشر, وكان أجل من رواه عن مالك وأفقههم به. وقد استظهر الشافعي علم المدينة بعد أن نهل من علم مكة وأخذ عن شيخ المكيين سفيان, كما استظهر فقه أبي حنيفة والعراقيين مشافهة عن محمد بن الحسن وأبي يوسف، كما سمع من ابن علية وابن أبي فديك ومن خلق لا يحصون. وعنه أخذ أساطين الرواية والفقه كأبي ثور والإمام أحمد ويونس بن

стр. 325

عبد الأعلى, وحرملة بن يحيى، والربيع بن سليمان المرادي, والربيع بن سليمان الجيزي, والمزني، وأبي يعقوب البويطي, وخلق كثير غيرهم. قال الإمام أحمد: إن الله تعالى يقيض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن, وينفي عن رسول الله ﷺ الكذب, فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز وفي رأس المائتين الشافعي. وقال الربيع بن سليمان: كان الشافعي يفتي وله خمس عشرة سنة, وكان يحيي الليل إلى أن مات. وقال ابن مهدي: ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها. ولقد برع الشافعي في كل شيء, فكان فارسًا لا يشق له غبار, حاذقا في الرمي, من أصوب قريش رماية, يصيب من العشرة عشرة. ولله دره من شاعر مجيد ولغوي متمكن ونسابة أحاط بأيام العرب خبرًا. ونقول مع الأستاذ المحقق الكبير السيد أحمد صقر أثناء تقدمته لكتاب: "مناقب الشافعي" للبيهقي: ولا أريد أن أطيل في ذكر ألوان عظمة الشافعي التي تتجلى من هذا الكتاب, فإن فيما رواه البيهقي عن داود بن علي الظاهري غنية عن ذلك. وأقوال داود تلك من أهم ما اشتمل عليه كتاب المناقب. قال داود: اجتمع للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره: فأول ذلك: شرف نسبه ومنصبه, وأنه من رهط النبي ﷺ , ومنها: صحة الدين وسلامة الاعتقاد من الأهواء والبدع.

стр. 326

ومنها: حفظه لكتاب ربه, ومعرفته به, وجمعه لسنن النبي, ومعرفته بالواجب منها من الندب, ومعرفته بناسخ القرآن من منسوخه, والعام منه والخاص, ثم معرفته بسيرة هدى نبيه ﷺ , وأئمة الهدى بعده, ومغازي رسول الله وخلفائه, وتركه تقليد أهل بلده, وإيثاره ما دل عليه كتاب ربه وثبت عن نبيه. ثم ما كشف عن تمويه المخالفين, وما أبطل من زخرفهم بالحق الذي قذف به على باطلهم فيدمغه، ثم ما بين من الحق الذي سهل -بتوفيق خالقه- معرفته حتى استطال به من لم يكن يميز بين ظلام وضياء, وألفوا للكتب وناظروا المخالفين. ومنها: ما من الله عليه من منطقه الذي طبع عليه, وكان يعترف له به كل من شاهده, ويقر بتقصيره عن بلوغ أدنى ما من الله به عليه منه. ومنها: ما وقاه الله من شح النفس الموجب له الفلاح. وما علمت أحدا من عصره كان أمن على أهل الإسلام منه لما نشر من الحق وقمع من الباطل, وأظهر من الحجج وعلم من الخير". وقل أن تجد مترجما للشافعي إلا وهو يعتذر بضيق المقام عن توفية الإمام حقه من الإجلال والإعظام.

стр. 327

ونشير إلى أهم من ترجم له من الأئمة الأعلام؛ فمنهم: البخاري١، وابن أبي حاتم٢، وابن النديم٣، والبيهقي٤، والخطيب٥، وابن الجوزي٦، وابن فرحون٧، والذهبي٨، وابن كثير٩، وابن حجر١٠، والسيوطي١١، والكتاني١٢، وابن خلكان١٣، والشيخ أبو زهرة١٤، والدكتور السباعي١٥، والدكتور أبو زهو١٦، والأستاذ عامر حيدر١٧، والدكتور صبحي صالح١٨.

стр. 328

جهود الشافعي في السنة: عن جهود الشافعي في السنة حدث بإسهاب, وأطنب ما وسعك الإطناب, فلقد كان ﵁ فائق العناية بالحديث والمحدثين, شديد الاهتمام بالأصلين الأصيلين للدين, فكان أعلم أهل عصره بمعاني القرآن والسنة, وقد جمع في مذهبه بين أطراف الأدلة مع الإتقان والتحقيق والغوص على المعاني. ولقد عرف فضله على المشتغلين بالأثر, وذلك بإظهار معاني السنن ومعالمها, وامتشاقه الصارم المسلول في وجه كل من اجترأ على الحديث وأهله, أو آثر على القرآن والسنة سواهما. فها هو ذا يشتد على أهل الأهواء وكثيرا ما نهى عن ترك الكتاب والسنة إلى غيرهما من آراء الناس وأهوائهم، وقال: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد. وقال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد, ويطاف بهم في القبائل وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. وقال: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأنما رأيت رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ , جزاهم الله خيرًا, حفظوا لنا الأصل, فلهم علينا الفضل. ومما قاله نظما في هذه المعنى: كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين العلم ما كان فيه قال حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين ولقد صدق قول الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقودًا, فأيقظهم الشافعي. فبم أيقظهم؟ بخدمته الجادة الدءوبة للسنة من خلال ذوده عن

стр. 329

حياضها, ومنافحته عن أهلها, أقام الحجج والبراهين على حجيتها, والتمس اعتماد خبر الواحد والركون إليه من آكد الوجوه, وبالغ في الرد على مهمليه, ولو وقفت على كتابه "الأم" المنسوب إليه قطعا, لبدت لك قطعية أدلته, وسلامة حجته, فكيف بك إذا قرأت الرسالة التي يكفيها تقريظا ومدحا أنها من تصنيف الشافعي؟ كتبها مرتين قديما في مكة, ثم أرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي ببغداد, ويبدو أن ذا سر تسميتها بالرسالة، كان ابن مهدي قد طلب إليه أن يكتب له كتابا في معاني القرآن, فكتب له مجيبا طلبه, ثم أعادها الشافعي بمصر إملاء على الربيع, وهي أصل الأصول لكتب الأصول بين فيها منزلة السنة من الكتاب, ووجه بيانها له, ثم تكلم عن الناسخ والمنسوخ في تثبت ورسوخ, ثم سرد وجوها من الفرائض والأحكام, ثم أورد وجوها من علل الحديث, ثم تكلم عن العلم وأردفه بالحديث عن خبر الواحد والإجماع والقياس والاجتهاد والاستحسان والاختلاف؛ كل ذلك في أدب راق ورائق, وفي أسلوب مشوق فائق, وليس لمشتغل بالحديث أو الفقه أو الأصول أو التفسير غنى عن قراءة كتاب "الرسالة", ومن كتب الشافعي المتداولة المطبوعة كتاب "اختلاف الحديث". وقد طبع في حاشية الجزء السابع من كتاب "الأم" بمطبعة، بولاق, ثم حققه السيد عامر أحمد حيدر, وقدم له مقدمة طيبة, وخرج أحاديثه, وجاء الكتاب في ثلاثمائة وست عشرة صفحة. ويعنى باختلاف الحديث أو مختلفه إتيان حديثين متضادين في المعنى ظاهرًا, فإن أمكن التوفيق بينهما صير إليه, وإلا حاولنا الترجيح بينهما

стр. 330

فيعمل بالراجح دون غيره، وكان الشافعي أول من تكلم فيه, وصنف من غير قصد الاستيعاب, وإنما ذكر جملة منه في كتاب "الأم" ينبه بها على طريقة الجمع في ذلك. وقد صنف فيه بعض العلماء كابن قتيبة المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين, وكمحمد بن إسحاق بن خزيمة المتوفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة, وهو من أحسن الناس كلاما فيه حتى قال: لا أعرف حديثين متضادين, فمن كان عنده فليأتني بهما لأؤلف بينهما, ومن جمع الحديث والفقه والأصول والغوص على المعاني الدقيقة لا يشكل عليه من ذلك إلا النادر. والناظر في كتاب "اختلاف الحديث" للشافعي يجد أن كل أبوابه متصلة بالأحكام اللهم إلا كلامه في "باب بكاء الحي على الميت"١. ولا يبعد اندراجه في الأحكام أيضا, وبعد فكما قال شيخ المحققين الأستاذ أحمد محمد شاكر وهو يقدم لرسالة الشافعي: كفى الشافعي مدحا أنه الشافعي. نقول: إن الشافعي أمة وحده, وماذا لو أن العمر قد امتد به, ولكن لا مكان للو, فقد قدر الله وما شاء فعل, ولقي الشافعي ربه على خير العمل في شعبان سنة أربع ومائتين, وغمرت السعادة مصر والمصريين بجوار إمام الأصوليين والفقهاء والمحدثين والشعراء والأدباء, عالم العلماء وفتى قريش الذي ملأ طباق الأرض علما فرضي الله عن الإمام الشافعي وأرضاه وطيب ثراه.

стр. 331

٤- ابن جريج وقيمة الرواية عنه: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي الأموي مولاهم المكي الفقيه صاحب التصانيف أحد الأعلام. هكذا وصفه الذهبي١, وذكر ابن سعد٢ أنه ولد سنة ثمانين. روى عن حكيمة بنت رقيقة, وعن أبيه عبد العزيز, وعطاء بن أبي رباح, وإسحاق بن أبي طلحة, وزيد بن أسلم, والزهري, وصالح بن كيسان, وطاووس مولى ابن عباس, وابن أبي مليكة وعكرمة, وقيل: لم يسمع منه. وعمرو بن دينار, ومحمد بن المنكدر, ونافع مولى ابن عمر, وهشام بن عروة, وموسى بن عقبة, وأيوب السختياني, وجعفر الصادق, وخلق كثيرون من أجلاء التابعين وأتباعهم. وروى عنه ابناه: عبد العزيز ومحمد, وإمام أهل الشام الأوزاعي, والليث بن سعد, ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو من شيوخه, وحماد بن زيد, وعبد الوهاب الثقفي وحفص بن غياث, وإسماعيل بن علية, وسفيان بن عيينة, وابن المبارك, وابن وهب, ومكي بن إبراهيم, وغندر, ووكيع, وآخرون ممن جلوا قدرا وعظموا أثرا, ولعل من أخذ عنهم ومن أخذوا عنه, يمثلون خط الدفاع الأول عن هذا الإمام, وقد رمز له الحافظ ابن حجر عند ترجمته له٣ بما يدل على

стр. 332

أن الجماعة رووا له, وأخرجوا حديثه, ورمز له الذهبي بالرمز "صح" إشارة إلى أن العملَ على توثيقه, ثم قال عنه: "أحد الأعلام الثقات يدلس, وهو في نفسه مجمع على ثقته مع كونه قد تزوج نحوا من سبعين امرأة نكاح المتعة, كان يرى الرخصة في ذلك, وكان فقيه أهل مكة في زمانه. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: بعض هذه الأحاديث, التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة, كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها -يعني قوله: "أخبرت وحدثت عن فلان"١. والمحدثون مجمعون على قبول تدليس الثقات إذا صرحوا بالسماع, وهم يرون أن تدليسهم نوع من الإرسال لما ثبتت صحته عند المدلس. ولا تقدم في الحكم على رواية هذا الرجل أحدًا على أصحاب الكتب الستة, سيما البخاري ومسلم, فمثل هؤلاء الأعلام أجل من أن يخفى عليهم وجه الصواب. وهاك طائفة من شهادات أئمة الجرح والتعديل في ابن جريج: قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من أول من صنف الكتب؟ قال: ابن جريج وابن أبي عروبة. وقال طلحة بن عمر المكي: قلت لعطاء: من نسأل بعدك؟ قال: هذا الفتى إن عاش. وقال عطاء: شاب أهل الحجاز ابن جريج.

стр. 333

وقال علي بن المديني: نظرت فإذا الأسانيد تدور على ستة فذكرهم, ثم قال: فصار علم هؤلاء إلى من صنف في العلم منهم من أهل مكة عبد الملك بن جريج. وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي وغير واحد: لمن طلبتم العلم؟ فكلهم يقول: لنفسي. غير ابن جريج, فإنه قال: طلبته للناس. وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان: ابن جريج أثبت في نافع من مالك. وقال أحمد: ابن جريج أثبت الناس في عطاء، وقال أبو بكر بن خلاد عن يحيى بن سعيد كنا نسمي كتب ابن جريج: كتب الأمانة, وإن لم يحدث بها ابن جريج من كتابه لم ينتفع به, وقال الأشرم عن أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان وقال فلان وقال فلان وأخبرت جاء بمناكير, وإذا قال: أخبرني وسمعت فحسبك به. وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله غير مرة يقول: كان ابن جريج من أوعية العلم. وقال مالك: كان ابن جريج حاطب ليل. وقال ابن معين عن ابن جريج: ليس بشيء في الزهري. وقال ابن مريم عن ابن معين أيضا: ثقة في كل ما روي عنه من الكتاب. وقال جعفر بن عبد الواحد عن يحيى بن سعيد: كان ابن جريج صدوقا, فإذا قال: حدثني. فهو سماع, وإذا قال: أخبرني. فهو قراءة، وإذا قال: قال. فهو شبه الريح، وقال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل: لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب, ولا من عمران بن أبي أنس. وقال أحمد: لم يسمع من عثيم

стр. 334

ابن كليب. وقال الدارقطني: تجنب تدليس ابن جريج, فإنه قبيح التدليس, لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح؛ مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما. ومع ذلك كله ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من فقهاء أهل الحجاز وقرائهم ومتقنيهم وكان يدلس. وقال الذهلي: وابن جريج إذا قال: حدثني وسمعت. فهو محتج بحديثه, داخل في الطبقة الأولى من أصحاب الزهري، وسئل أبو زرعة عن ابن جريج, فقال: بخ من الأئمة. وقال العجلي عن ابن جريج: مكي ثقة. وقال أبو عاصم: كان من العباد, وكان يصوم الدهر إلا ثلاثة أيام من الشهر. وبعد عرض هذه الأقوال يجدر بنا أن نحاكم الرجل محاكمة منصفة, فجريرته تتمثل في استمتاعه بسبعين امرأة بنكاح المتعة، الذي أداه اجتهاده إلى الترخيص فيه. ثم هو مدلس يدلس من غير الثقات, ومع ذلك فالأئمة الأثبات يعقدون له لواء الإمامة, ويوثقونه, وينقلون رواياته, ولا يردون شيئا مما صرح فيه بالسماع. هذا هو الاستنباط الصحيح من أقوال أئمة الجرح والتعديل, لكن الشيخ أبا رية, الذي نال من أبي هريرة ومن سائر الصحابة, وأنكر عد أبي هريرة في طبقتهم, وادعى أنه لم يحفظ القرآن, يرى قريبا من هذا في ابن جريج, بل ويغرب في تصيد الاتهامات له, فهو لا يشير ببنت شفه إلى قول

стр. 335

المعدلين فيه, وإنما يقول: "وممن كان يبث في الدين الإسلامي مما يخفيه قلبه: ابن جريج الرومي، الذي مات سنة خمسين ومائة, وكان البخاري لا يوثقه وهو على حق في ذلك. قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: إنه من أصل رومي, فهو نصراني الأصل, ويقول عنه بعض العلماء: إنه كان يضع الحديث، وإنه تزوج بتسعين امرأة زواج متعة"١. وإن تعجب فعجب أمر هذا التحامل, متى كان البخاري لا يوثقه؟ لقد ترجم له٢. فأورد كثيرا من أقوال موثقيه, وكيف لا يوثقه, وقد روى له في الصحيح وفي غيره؟ وما الذي بثه ابن جريح في الإسلام من حقد؟ وهل يعاب عليه كون أصله روميًّا! إذًا فما أكثر المصيبين فأهل فارس, وأهل الروم, بل وأهل كل البلاد المفتوحة على ذلك المقياس معيبون! ولِمَ لَمْ يقبل تعليل الذهبي وغيره استمتاع ابن جريج بسبعين امرأة؟ وما الذي رفع العدد إلى تسعين؟ اللهم إنه الحقد الدفين, ليس من ابن جريج, وإنما من الذين يتهجمون ويتطاولون على أعلام الدين, ولتنظر لقول المترجمين لابن جريج غير من سبق كالخطيب٣ وابن خلكان٤ والسيوطي٥.

стр. 336

٥- شعبة أمير المؤمنين في الحديث: شعبة بن الحجاج بن الورد أبو بسطام العتكي، مولاهم، واسطي الأصل بصري الدار, رأى الحسن، ومحمد بن سيرين، وسمع قتادة, ويونس بن عبيد, وأيوب, وخالد الحذاء, وعبد الملك بن عمير، وأبا إسحاق السبيعي, وطلحة بن مصرف، وعمرو بن مرة، ومنصور بن المعتمر, وسلمة بن كهيل, وسليمان الأعمش، وعمرو بن دينار, وسعيد المقبري، وخلقًا كثيرا من طبقتهم. وروى عنه: أيوب السختياني, والأعمش, ومحمد بن إسحاق، وإبراهيم بن سعد, وسفيان الثوري، وشريك بن عبد الله, وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي, وعبد الله بن المبارك, وغيرهم. ولقد لقب شعبة بشيخ الإسلام الحافظ الحجة -أمير المؤمنين وكان أرعى الناس للمسكين وأرفقهم به- إذا رأى مسكينا لا يرفع عنه بصره حتى يغيب عنه. وكان أعرف أهل زمانه بشعر العرب, شديد الاشتياق من الحديث, يعتمد على ذاكرته, ولا يكتب إلا نادرًا، يسمع الحديث عشرين مرة, بينما يكتفي غيره بمرة, يكره التدليس كراهية شديدة, ويرى أنه أخو الكذب, ولأن يخر من السماء أهون عليه من أن يدلس, وكان جوادًا كريما شديد السخاء، منحه المهدي ثلاثين ألفا ففرقها, وما حبس شيئا على نفسه في طلب الحديث حتى إنه باع طست أمه بسبعة دنانير.

стр. 337

وبذلك كله استحق هذا الثناء العاطر، قال ابن المديني: له نحو ألفي حديث. وقال الثوري: شعبة أمير المؤمنين في الحديث. وقال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. وقال أبو بكر البكراوي: ما رأيت أحدا أعبد لله من شعبة, لقد عَبَدَ اللهَ حتى جف جلده على عظمه واسود. وقال أبو داود الطيالسي: قلت ليحيى بن سعيد: رأيتَ أحدًا أحسن حديثا من شعبة؟ قال: لا. قلت: كم صحبته؟ قال: عشرين سنة. وقال أحمد بن حنبل: كان شعبة أمةً وحده في هذا الشأن. يعني في الرجال وبصره بالحديث. وقال الإمام أحمد: شعبة أثبت في الحكم من الأعمش, وأحسن حديثا من الثوري, لم يكن في زمن شعبة مثله. وقال ابن منجويه: كان من سادات أهل زمانه حفظا وإتقانا وورعا وفضلا, وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين وجانب الضعفاء والمتروكين, وصار علما يقتدى به وتبعه عليه بعده أهل العراق. نعم كان شعبة جبل الحفظ, وسياج الرواية, وصونا للحديث, وسورًا صعب على أعداء السنة أن يتسوروه, وكان جديرا بتضرع وكيع بن الجراح إلى الله أن يرفع له في الجنة درجات بذبه عن رسول الله ﷺ . وفي سنة ستين ومائة١ لقي شعبة ربه راضيا مرضيا بعد سبع وسبعين سنة قضاها في خدمة الحديث, مما أورثه ذكرا خالدا, فرضي الله عن شعبة٢.

стр. 338

سنة قضاها في خدمة الحديث, مما أورثه ذكرا خالدا, فرضي الله عن شعبة١.

стр. 339

٦- علم الرواية والنقد والورع والزهد "ابن المبارك ": عبد الله بن المبارك بن واضح التميمي: الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام, فخر المجاهدين, قدوة الزاهدين؛ أبو عبد الرحمن الحنظلي, مولاهم, المروذي, التركي الأب, الخوارزمي الأم, التاجر السفار, صاحب التصانيف النافعة والرحلات الشاسعة، ولد سنة ثماني عشرة ومائة أو بعدها بعام. سمع سليمان التيمي, وعاصم الأحول, وحميد الطويل, والربيع بن أنس, وهشام بن عروة, وخالد الحذاء, وأمما سواهم؛ ودون العلم في الأبواب والفقه وفي الغزو والزهد والرقائق وغير ذلك. وحدث عنه خلق لا يحصون من أهل الأقاليم منهم: عبد الرحمن بن مهدي, ويحيى بن معين, وحبان بن موسى, وأبو بكر بن أبي شيبة وأخوه عثمان, وأحمد بن منيع, والحسن بن عرفة, وكثير غيرهم. وقد منح الله ابن المبارك التقوى والعبادة والإخلاص والجهاد وسعة العلم والإتقان والمواساة, وما لا يحصى من الصفات الحميدة.

стр. 340

قال ابن مهدي: الأئمة أربعة: مالك والثوري وحماد بن زيد وابن المبارك. وقد فضله ابن مهدي أيضا عن الثوري, وقال مرة: حدثنا ابن المبارك وكان نسيج وحده. وقال أحمد بن حنبل: لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه. وقال يحيى بن معين: كان ثقة متثبتا, وكانت كتبه التي حدث بها نحوا من عشرين ألف حديث. وقال عباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والسخاء ومحبة الفرق له. وقد اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك فقالوا: عدوا خصال ابن المبارك. فقالوا: جمع العلم, والفقه, والأدب, والنحو, واللغة, والزهد, والشجاعة, والشعر, والفصاحة, وقيام الليل, والعبادة, والحج, والغزو, والفروسية, وترك الكلام فيما لا يعنيه, والإنصاف, وقلة الخلاف على أصحابه. وقال نعيم بن حماد: ما رأيت أقل من ابن المبارك ولا أكثر اجتهادا منه. وقال عبد الله بن سنان قدم ابن المبارك مكة وأنا بها فلما خرج شيعه بن عيينة والفضيل بن عياض وودعاه, فقال أحدهما: هذا فقيه أهل المشرق. فقال الآخر: وفقيه أهل المغرب. وقد أقسم الفضيل على أنه ما رأت عيناه مثل ابن المبارك. وقد صنف ابن المبارك في الزهد كتابا خطه واقعُه قبل أن يخطه يراعُه, حتى قيل: إنه كان إذا تكلم في الزهد, فكأنه ثور مذبوح لا يقوى على الكلام.

стр. 341

وكتاب الزهد مطبوع, وهو في بابه بديع, أحسن ابن المبارك ترتيبه وأجاد تبويبه، وله كتاب مطبوع أيضا في الجهاد, ويروعك صدق تعبيره وقوة تأثيره؛ لصدوره من جوانح بطل مغوار, خبر الحرب وخاض غمارها, وأبلى في الله خير البلاء, فقد كانت له مشاركة في الغزو ومرابطة في ثغور الإسلام. قال عبده بن سليمان المروزي: كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو, فدعا إلى البراز, فخرج إليه رجل فقتله, ثم آخر فقتله, ثم دعا إلى البراز, فخرج إليه رجل, فطارده ساعة, فطعنه, فقتله, فازدحم إليه الناس, فكنت فيمن ازدحم إليه, فإذا هو يلثم وجهه, فأخذت بطرف كما, فمددته, فإذا هو عبد الله بن المبارك. ولابن المبارك كتاب في الحديث يعرف "بمسند ابن المبارك", وهو مخطوط, وله شعر جميل معبر, ومنه ما نقله السخاوي١ في ترجمة المقريزي: قد أرحنا واسترحنا ... من غدو ورواح واتصال بلئيم ... أو كريم ذي سماح بعفاف وكفاف ... وقنوع وصلاح وجعلنا اليأس مفتا ... حًا لأبواب النجاح وهكذا كانت مشاركة ابن المبارك لأهل عصره, وكان عمره المبارك الطيب الذي كانت خاتمته حين أدركته الوفاة سنة إحدى وثمانين ومائة٢.

стр. 342

٧- " مسك الختام مع علم الأعلام في الرواية والنقد": "ابن مهدي " هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان، الحافظ الكبير والإمام العلم الشهير، اللؤلؤي أبو سعيد البصري، ولد سنة خمس وثلاثين ومائة، لقي أساطين الرواية, وسمع منهم, وحدث عنهم؛ كهشام الدستوائي ومعاوية بن صالح وشعبة وسفيان الثوري، وروى عنه: ابن المبارك وأحمد وإسحاق وابن المديني وخلق سواهم. وقد برز ابن مهدي, ولمع بكثرة ما حصل وجمع, وقد دقق في الرواية وتحقق, وفحص الرواة, وفتش عن حالهم, ومحص الأخبار, وخلصها من الشوائب والأكدار, وكان أحد الجهابذة الذين عاشوا لمجابهة الوضع والوضاعين, وتخليص الدين وتصفيته من إفك الأفاكين. قال عنه أحمد بن حنبل: هو أفقه من يحيى القطان، وهو أثبت من وكيع؛ لأنه أقرب عهدا بالكتاب، اختلفا في نحو من خمسين حديثا للثوري, فنظرنا, فإذا عامة الصواب مع عبد الرحمن. وقال إسماعيل القاضي: سمعت عليًّا يقول: أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي. وقال محمد بن أبي بكر المقدمي: ما رأيت أحدًا أتقن لما سمع ولما لم يسمع ولحديث الناس من عبد الرحمن بن مهدي. وقال القواريري: أملي على ابن مهدي عشرين ألف حديثا حفظا.

стр. 343

وقال نعيم بن حماد: قلت لابن مهدي: كيف تعرف الكذاب؟ قال: كما يعرف الطبيب المجنون. وكان عبد الرحمن فقيها بصيرا بالفتوى عظيم الشأن؛ لذا قال ابن المديني: لو حلفت بين الركن والمقام لحلفت إني لم أر مثل عبد الرحمن. وكان يقول: أعلم الناس بقول الفقهاء السبعة: الزهري, ثم بعده مالك، ثم بعده ابن مهدي. وكان يكثر قراءة القرآن فيختمه في كل ليلتين مرة, وكان يرى أن معرفة الحديث إلهام. وقد انعقد الإجماع على أنه ثقة ثبت, وأن روايته عن الرجل توثيق له, وأن من أراد الدين والدنيا أتى بيته ونظر إليه, وقد اتسم بالهيبة والوقار واستحق الإجلال والإكبار لما أداه من دور في خدمة الحديث والمحدثين. وقد انتقل ابن مهدي إلى رحاب رب العالمين في شهر رجب سنة ثمان وتسعين ومائة١, بعد ثلاثة وستين عاما نافح فيها عن الحديث وكافح, فرضي الله عنه وأرضاه.

стр. 344

" خاتمة ": وإلى هنا يتوقف القلم, وفي سحر ليلة الأربعاء ينتهي الإملاء, مع الوعد بالقاء في ثاني الأجزاء من هذا الكتاب الذي توطد العزم على متابعة مسيرة المحدثين من خلاله. وقد عشنا مع القرنين الأولين, ويبقى من خير القرون ثالثها, وكأن الذي ألهم النبي الخاتم ﷺ أن يحكم بالخيرية على القرون قدر أن يجعل مسك الختام في آخرها, فحشد له جهد أئمة صدقوا الله ما عاهدوه عليه, فكانت شمس الكتب الستة, وغيرها, وانعكست أضواء تلك الشموس على القرن الهجري الرابع, فأومضت الوميض اللامع, ومع ذلك كله نترك القاري إلى الجزء الثاني عسى أن يوفق الخالق الباري، وعسى أن يكون التوفيق قد حالف الكلمة، فإن كان كذلك فلله الحمد والمنة وإلا فخواتيم سورة البقرة خير ما يسعنا: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . ونختم بما كان يختم به الحبيب المصطفى ﷺ مجلس التحديث؛ فقد روى الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمر أنه ﷺ كان يختم مجلس التحديث بهذا الدعاء:

стр. 345

"اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك, ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك, ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا, ومتعنا بأسماعنا, وأبصارنا, وحواسنا, وقوتنا ما أحييتنا, واجعله اللهم الوارث منا. اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا, وانصرنا على من عادانا, ولا تجعل مصيبتنا في ديننا, ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي". وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله أعلى وأعلم وأجل وأكرم. الأستاذ الدكتور/ أحمد محرم الشيخ ناجي. أستاذ مساعد ورئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين والدعوة "بأسيوط"

стр. 346

الفهرس ... الفهارس: الصفحة الموضوع ٥ المقدمة ١٤ التعريف بمناهج المحدثين كعلم وبيان أهميته المبحث الأول: الحديث في العهد النبوي ١٩ القرآن يقدم الحديث وصاحبه إلى الأمة ٢٥ على طريق التأكيد تمضي المائدة والأنفال ٢٨ القرآن يواصل حديثه عن استواء طاعة الله ورسوله في الوجوب ٣١ قمة ما تستند إليه السنة في حجيتها ٣٥ المطاع والمطاع فيه والمطيعون ٣٥ المطاع ٤٣ المطاع فيه: "السنة أو الحديث" ٤٤ أمثلة للطرق التي تعلو السنة من خلالها ٤٧ المطيعون ٥٠ الترغيب في طلب العلم وحفظ السنة وتبليغها ٥٣ إقبال الصحابة على تلقي الكتاب والسنة ٥٧ وجوه بيان السنة للقرآن ٦٩ عوامل وأسباب انتشار السنة في العهد النبوي المبحث الثاني: ٧٦ السنة في عهد الصحابة ٨١ احتياط الصحابة وتثبتهم من الراوي والمروي ٨٦ نقد الصحابة للمتن

стр. 347

الصفحة الموضوع ٩٤ رد ما جاء في ضعيف الخبر أن عمر حبس ثلاثة نفر من الصحابة لإكثارهم الرواية ٩٧ ١- ابن مسعود ٩٨ ٢- أبو الدرداء ٩٩ ٣- أبو مسعود الأنصاري ١٠١ هل روى الصحابة الحديث بالمعنى أم باللفظ ١٠٥ دعوى باطلة وردها ١١٤ عدالة الصحابة ومعناها ١١٩ المكثرون من الرواية والتعريف بهم ١٢٠ رواية الإسلام: أبو هريرة ١٢٢ عدد مروياته وما أثير حوله من شبه ١٢٨ افتيات أبي رية وجرأته ١٣٥ المكثرون من الرواية "عبد الله بن عمر" ١٣٨ من المكثرين من الرواية "أنس بن مالك" ١٤١ من المكثرين من الرواية "أم المؤمنين عائشة" ١٤٣ من المكثرين من الرواية "عبد الله بن عباس" ١٤٦ من المكثرين من الرواية "جابر بن عبد الله الأنصاري" ١٤٨ من المكثرين من الرواية "أبو سعيد الخدري" ١٤٩ من المكثرين من الرواية "عبد الله بن عمرو بن العاص" ١٥٤ كلمة عن الإسرائيليات وموقف الصحابة منها والرد على المتقولين ١٦٠ من وهب؟ ومن ولد؟ وما رأي علماء الجرح والتعديل فيه المبحث الثالث: ١٦٤ التابعون والحديث إلى نهاية القرن الأول ١٦٨ من هم التابعون

стр. 348

الصفحة الموضوع ١٧٠ هل التابعون كلهم عدول ١٧٢ ظهور الفرق في عهد التابعين ١٧٣ الخوارج ١٧٥ قلة فقه الخوارج واجتراؤهم على الحديث ١٧٩ الشيعة ١٧٣ موقف الشيعة من الحديث ووضعهم له ١٨٩ الفرق الأخرى وأثرهم في الحديث ١٩٦ جهد التابعين في المحافظة على الحديث ومقاومة الضالين ٢٠١ أهم المدارس الحديثية في الأمصار الإسلامية ومناهج المحدثين فيها ٢٠٣ ١- مدرسة المدينة ٢٠٥ ٢- مدرسة مكة ٢٠٧ ٣- مدرسة الكوفة ٢٠٨ ٤- مدرسة البصرة ٢١٠ ٥- مدرسة الشام ٢١١ ٦- مدرسة مصر ٢١٤ ٧- مدرسة اليمن ٢١٦ ١- سعيد بن المسيب ٢١٨ ٢- سالم بن عبد الله ٢١٩ ٣- سليمان بن يسار ٢٢٠ ٤- عبد الله بن عتبة ٢٢١ ٥- عروة بن الزبير ٢٢٢ ٦- القاسم ٢٢٣ ٧- ابن شهاب الزهري

стр. 349

الصفحة الموضوع ٢٣٢ مناهج المحدثين في القرن الهجري الثاني ٢٣٩ ١- أبو حنيفة ٣٥٦ ٢- الإمام مالك ٢٨٨ ٣- الإمام الشافعي ٢٩٥ ٤- ابن جريج ٣٠٠ ٥- شعبة ٣٠٢ ٦- ابن المبارك ٣٠٥ ٧- ابن مهدي