← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 7452

الضوء اللامع المبين عن مناهج المحدثين

أحمد محرم الشيخ ناجي

Полный текст (349 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

"هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم: رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته"١. ٦- بلغ أبو حنيفة منزلة الإمام الأعظم, وكان الكثير من أهل عصره يجلونه ويكبرونه, مما أوغر عليه بعض الصدور, وهيج عليه بعض المشاعر. فالنفوس البشرية ليست معصومة من الغيرة, وحين يشتد التنافس لا عاصم من الزلل في القول أو الفعل إلا من رحم الله, فسما بنفسه وترفع بخلقه واستلهم نهج النبيين والصديقين، وقد قالوا: إن المعاصر لا يناصر. وعقد ابن البر بابا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض، وآخر: في أنه لا يقبل قول بعض إلا ببينة، وذكر فيما ذكر قول ابن عباس: استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض, فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغايرا من التيوس في زربها"٢. ٧- لقد كان أثر العوامل السابقة مجتمعة أن تناقل الناس أشياء عن أبي حنيفة منها ما لا ظل له من الحق, ومنها ما لم يفهمه الناس على حقيقته من طرائق أبي حنيفة في الاجتهاد، ولقد وصل ذلك إلى أسماع بعض العلماء البعيدين عنه كما بلغهم بعض آرائه التي خالفهم فيها دون أن يعرفوا مبرره في الخلاف مع اقتناعهم بترجيح أدلتهم وموافقة نظرهم للحق، وهنا يعبرون عن معارضتهم بعنف, وربما ينالون من الرجل أو ينتقصونه لعدم تبين الأمر, فإذا عرضوا الحق بدت لهم وجهة نظر الإمام ورأوا ما استند إليه سريعا ما يعدول عن رأيهم فيه فينصفونه بعد أن يروا من دقة رأيه وقوة دينه ما يحمله على الثناء عليه وامتداح رأيه.

стр. 282

وما حديث الأوزاعي مع ابن المبارك من الأسماع ببعيد. ما اتهم به الإمام في القديم والحديث من أنه كان قليل البضاعة في الحديث: مناقشة ذلك: يتحامل الخطيب البغدادي على الإمام الأعظم تحاملا عجيبا, فينقل بأسانيد متهافتة عن كثير من الأئمة ما يفيد أنه كان يتيما في الحديث وزمنا فيه, ولم يكن صاحب حديث, ولا يمثل أي شيء فيه حتى يسأل عنه, وليس له رأي ولا حديث, وأن جميع ما روي عنه مائة وخمسون حديثا، أخطأ في نصفها, وأن عبد الرزاق لم يكتب عن أبي حنيفة إلا ليكثر به رجاله. إلى غير ذلك من متناقض الروايات التي بثها الخطيب في ترجمته المطولة التي خصص نصفها تقريبا لما للإمام من مناقب ونصفها الآخر لما ألصق به من المثالب. وإنك لترى من أغرب الغرائب أن ينقل إمام, نقاد بصير صيرفي في الحديث وبالرواية خبير كالخطيب روايات متناقضة عن الأئمة, فهو ينقل عن الإمام الواحد المدح والقدح, فكيف السبيل إلى قبول ذلك؟ ومن قبل الخطيب ومن بعده تحامل كثيرون على شيخ الفقهاء, فها هو ذا ابن حبان يذكره بين المجروحين, ويتحامل عليه إلى حد أن محقق الكتاب جرد قلمه ليبرر صنيع أبي حاتم, وإنما ليرد عليه, فهو يقول بعد تصوير تحامل ابن حبان وتصنيفه كتابين في التهجم عليه, ورد ما قيل في مناقب أبي حنيفة بزعم أنه له عللا.

стр. 283

ورد رأيه أيضا بادعاء إبطال مستنده, يقول محقق كتاب المجروحين: "وليس ابن حبان أول محدث حمل على أبي حنيفة هذه الحملة, ولكن الأئمة العدول من المحدثين الذين خبروا الإمام قد أنصفوه ولم يسلموه لأقوال المتحاملين. يقول اللكنوي الهندي بعد أن ذكر فرح الدارقطني في أبي حنيفة. وقوله: إنه ضعيف في الحديث: "فتارة يقول إنه كان مشتغلا بالفقه". انظر بالإنصاف أي قبح فيما قالوا؟ بل الفقيه أولى بأن يؤخذ الحديث عنه. وتارة يقولون: إنه لم يلاق أئمة الحديث، إنما أخذ ما أخذ من حماد, وهذا باطل، فإنه روى عن كثير من الأئمة كالإمام محمد الباقر، والأعمش وغيرهما. مع أن حمادا كان وعاء للعلم فالأخذ منه أغناه عن الأخذ عن غيره, وهذا أيضا آية على ورعه وكمال تقواه, فإنه لم يكثر الأساتذة لئلا تكثر الحقوق فيخاف عجزه عن إيفائها، وتارة يقولون إنه من أصحاب القياس والرأي, وكان لا يعمل بالحديث حتى وضع أبو بكر بن أبي شيبة في كتابه المصنف بابا للرد عليه, ترجمته "باب الرد على أبي حنيفة". وهذا أيضا من التعصب, كيف وقد قبل المراسيل وقال: ما جاء عن رسول الله ﷺ فبالرأس والعين, وما جاء عن أصحابه فلا أتركه. ولم يخصص بالقياس عام خبر الواحد، فضلا عن عام الكتاب، ولم يعمل بالإحالة والمصالح المرسلة"١.

стр. 284

بل وأكثر من ذلك نجده يقدم الحديث الضعيف على القياس والرأي, وعلى ذلك انبنى مذهبه. قال العلامة ابن القيم: "وأصحاب أبي حنيفة ﵀ يجمعون على أن مذهب أبي حنيفة: أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي, وعلى ذلك بنى مذهبه كما قدم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي, وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس, ومنع قطع السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم والحديث فيه ضعف, وجعل أكثر الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعيف, وشرط في إقامة الجمعة المصر والحديث فيه كذلك, وترك القياس في مسائل الآبار لآثار فيه غير مرفوعة. فتقدم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله وقول الإمام أحمد, وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين, بل ما يسميه المتأخرون حسنا قد يسميه المتقدمون ضعيفًا"١. ويترامى رنين صوت الادعاء بأن الإمام أبو حنيفة كان قليل البضاعة في الحديث, ويتناقل البعض هذه القضية تارة بحسن نية, وأخرى بخبث وسوء طوية, وإن المرء ليبلغ به الاندهاش مداه إزاء هذا الاتجاه الذي يحرص أصحابه على انتقاص قدر الأئمة والنيل منهم. وإمام ينتشر مذهبه ويكثر أتباعه إلى حد عشرات الملايين بل مئاتها, كيف يسوغ اتهامه بقلة البضاعة فيما تنبني عليه استنباطاته وأحكامه؟

стр. 285

ولتأكيد معنى الإنكار في هذا الاستفهام نقول: أولا: كان أبو حنيفة إماما مجتهدا بإجماع موافقيه ومخالفيه، من شروط الاجتهاد أن يحيط علما بالأصول التي تنبني عليها الأحكام، ولا يختلف ذي الأفهام في أن الأحاديث هي أهم تلك الأصول، فلا يعقل أن يسلم للإمام اجتهاده إلا وهو ملم بالآلاف من الأحاديث أو على الأقل المئات لا سبعة عشرة حديثا فحسب كما تردد ذلك في بعض الكتب. ثانيا: لو طالعنا مذهب الإمام لوجدناه قد وافق الأحاديث الصحيحة في مئات المسائل: وقد جمع الشارح القاموس المحيط وإحياء علوم الدين السيد مرتضى الزبيدي ﵀ كتابا جمع فيه الأحاديث من مسانيد الإمام أبي حنيفة, والتي وافقه في روايتها أصحاب الكتب الستة سماه "عقد الجواهر المنيفة في أدلة أبي حنيفة"، فكيف وافق اجتهاد الإمام مئات الأحاديث الصحيحة، وليس عنده إلا بضعة عشر حديثا، أو خمسون أو مائة وخمسون أخطأ في نصفها! ثالثا: ولقد أفرد ابن أبي شيبة في مصنفه الكبير بابا لما خالف فيه أبو حنيفة ما صح من الأحاديث, فبلغت مائة وخمسة وعشرون مسألة. فلو سلم لابن أبي شيبة جميع ما أخذه عن أبي حنيفة كانت بقية المسائل التي أثرت عنه موافقة للحديث في كل مسألة ورد فيها حديث. وإذا كانت مسائل أبي حنيفة على أقل تقدير ثلاثا وثمانين ألف مسألة. وهناك روايات تبلغ العدد إلى ألف ألف ومائتي ألف. فهل هذا العدد

стр. 286

الضخم الباقي من المسائل التي يعترف ابن أبي شيبة أن أبا حنيفة لم يخالف فيها السنة جاءت فيها سنة أم لا؟ فإن جاءت فيها أو في بعضها سنة لزم ذلك أن يكون ما عند أبي حنيفة من الحديث مئات وآلاف ولم يجئ في شيء منها سنة، لزم أن يكون ما ورد من السنة لا يزيد على مائة وخمسة وعشرين حديثا فقط, ولا يقول هذا أحد من أئمة المسلمين وأهل العلم بالحديث"١. رابعًا: للإمام أبي حنيفة آراء في كثير من مسائل المصطلح مبثوثة في كتب علم الحديث, فكيف يكون قليل البضاعة في الحديث, ويعتمد كلامه فيه أئمته وحذاقه؟ خامسًا: عد الذهبي الإمام أبا حنيفة من بين الحفاظ وترجم له في تذكرته المخصصة لهم, وأفرد مناقبه بجزء وقد ذكروا أن الإمام أخذ عن أربعة آلاف شيخ, وأن يحيى بن نصر دخل عليه في بيت مملوء كتبا, فقال له: ما هذا؟ فقال: هذه الأحاديث وما حدثت منها إلا اليسير الذي ينتفع به. سادسًا: إذا كان أبو حينفة لم يجلس مجلس التحديث والإملاء, وكشأن أكثر العلماء, ولم يفرد كتابا في الأخبار والروايات كما فعل الإمام مالك, فلا يعني ذلك قلة ما روي عنه من الحديث، إلى هذا الحد الذي ذكره ابن خلدون, وتلقفه منه بعض المعاصرين كالأستاذ أحمد أمين.

стр. 287

إن الأدق والأوفق للحق هو أن ما روي عن الإمام سبعة عشر مسندًا كما ذكر علامة الشام محمد بن يوسف الصالحي, وكما ذكره ابن طولون أيضا. سبعة عشر مسندًا تحتوي على ألوف الأحاديث ويضاف إليها مسند الدارقطني والخطيب وابن شاهين, وهي لهم بأسانيدهم إلى الإمام. فهل بعد ذلك يستقيم الكلام حين يدعي قلة بضاعته في الحديث, أو ندرة ما روي عنه إلى الحد الذي ذكره ابن خلدون الذي نحسن الظن به ونقول: لعل الذي أوقعه في هذا هو أن محمد بن الحسن روى الموطأ عن مالك, وزاد فيه ثلاثة عشر حديثا من روايته عن أبي حنيفة وأربعة أحاديث من روايته عن أبي يوسف, فظن البعض أن زيادات ابن الحسن على الموطأ هي مروياته عن أبي حنيفة. وتنوقل هذا الوهم الذي يأباه الواقع ويرده، وقصارى القول وحماداه أن للإمام أبي حنيفة منزلته في الرواية التي كان يقدمها في الاستدلال على غيرها, ويخطئ من ظن أنه كان يقدم الرأي والقياس عليها, والأخبار المنقولة عنه مجمعة على تكذيب من يدعي أنه يقدم الرأي أو القياس, فهو لا يلجأ إليها إلا حين يعدم النص الصحيح الصريح في حكم النازلة, فحينئذ يقيس مسكوتا عليه على أمر آخر مبين مقول فيه. وأي غضاضة في هذا؟ وماذا يقال في حق ما يقول: "ما جاء عن النبي ﷺ فعلى العين والرأس, وما جاء عن الصحابة قبلناه وما جاء عن التابعين زاحمناهم فيه أو: فهم رجال ونحن رجال؛ لأنه كان تابعيا مثلهم, ولقد اتفق المحدثون على رد الحديث المرسل واعتباره من أنواع

стр. 288

الضعيف, ووافقهم الإمام الشافعي والإمام أحمد, أما أبو حنيفة فرأيه قبول المرسل والاستشهاد به اعتزازًا بالحديث واعتدادا به. فكيف يسوغ لمتقول ادعاء رد الإمام للآثار على رسول الله ﷺ في قبولها؟ نعم توقف الإمام في قول بعض الآثار شأنه في ذلك شأن الأئمة الذين لا يترجح عندهم مدلول بعض الآثار على مدلول بعضها الآخر, فلا يردونها, وإنما غاية أمرهم التوقف في قبولها, أو في العمل بها. وفي هذا الإطار أخذ بعض المحدثين على أبي حنيفة تركه لبعض الآثار التي صحت عندهم, وعدم أخذه بها كرفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه, وككون المسلم لا يقتل بالكافر. وذكر ابن أبي شيبة أن أبا حنيفة خالف الحديث في مائة وخمس وعشرين مسألة, فكيف جاز ذلك مع إجماع أهل العلم أنه لا يجوز لمسلم مخالفة حديث صح عن رسول الله ﷺ ؟ وقد أجيب عن ذلك من وجوه منها: ١- تتفاوت الأنظار وتخلتف في الحكم على الحديث تصحيحا أو تضعيفا, وذلك لاختلاف وجهات النظر في حال الرواة, فقد ينظر أبو حنيفة إلى راو فيراه عدلا ثقة أهلا للرواية عنه, ويخالفه غيره في ذلك, وقد كان أبو حنيفة أعرف بشيوخه الذين روى عنهم, وكان العهد بينه وبين الصحابة قريبا, فقد لا يفضله عن الصحابي إلا راو أو راويان فحينئذ يولي ثقته لما يرويه

стр. 289

هو عن شيوخه ولقلة معرفته بشيوخ الشاميين كثيرا ما يتوقف في قبول مروياتهم كما يتوقفون هم في قبول مروياته. ٢- قد يرى المجتهد فيما صح عنده, وعند غيره ما يخرجه عن ظاهره إلى وجه آخر لدليل ترجح عنده. وقد يترك العمل بالحديث لاعتقاده, وهم الراوي أو لعلمه بوجود ناسخ له, فيظن مخالفه أنه رد الحديث, ومن ذلك ما كتب به الليث بن سعد إلى مالك عن أنه عد عليه سبعين حديثا ترك العمل بها مع إخراجه لها في الموطأ. ٣- لا يستطيع أحد أن ينكر أن أبا حنيفة قد فاته بعض الحديث فمن ذا الذي أحاط بالسنة كلها؟ ولم يغب عليه شيء منها؟ وقد علم أن الصحابة تفرقوا في الأمصار, وبثوا ما معهم من الأخبار, وأخذ كل واحد حظه من العلم بقدر ما يسر له, بل إن الصحابة أنفسهم ما ادعى واحد منهم أنه أحاط بكل شيء في السنة علما, وإنما حفظ بعضهم ما نسيه البعض الآخر, وتساءلوا عما عساه أن يكون قد خفي عليهم. ٤- إن لأبي حنيفة شروطا دقيقة في قبول الأخبار حمله عليها نشو الكذب في الحديث في عهده, فأراد أن يحتاط لدين الله , فتشدد في قبول الأخبار، ومن شروطه في ذلك: ١- ألا يعارض خبر الآحاد الأصول المجتمعة عنده بعد استقراء موارد الشرع, فإذا خالف تركه عملا بأقوى الدليلين وعد الخبر شاذا.

стр. 290

٢- ألا يعارض عمومات الكتاب وظواهره, فإذا عارضها أخذ بظاهر الكتاب وترك الخبر عملا بأقوى الدليل، أما إذا كان بيانا لمجمل أو نصا لحكم جديد فيأخذ به. ٣- ألا يخالف السنة المشهورة, سواء أكانت قولية أو فعلية عملا بأقوى الدليلين. ٤- ألا يعارض خبرا مثله, فإذا عارض رجح أحدهما بوجوه من الترجيح كأن يكون أحد الصحابيين أفقه من الآخر أو أحدهما فقيها أو غير فقيه أو أحدهما شابا والآخر هرما ابتعادا عن مظان الغلط. ٥- ألا يعمل الراوي بخلاف حديثه، كحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا, فإنه مخالف لفتياه. ٦- ألا يكون الخبر منفردا بزيادة سواء كانت في المتن أو السند, إذ يعمل بالناقص منهما، احتياطا في دين الله. ٧- ألا يكون فيما تعم به البلوى, إذ لا بد حينئذ من الشهرة أو التواتر. ٨- ألا يترك أحد المختلفين في الحكم من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه أحدهم، إذ لو كان ثابتا لاحتج به أحدهم. ٩- ألا يسبق طعن أحد من السلف فيه. ١٠- الأخذ بالأخف فيما ورد في الحدود والعقوبات عند اختلاف الروايات.

стр. 291

١١- أن يستمر حفظ الراوي لرويه عند التحمل إلى وقت الأداء من غير تخلل نسيان. ١٢- ألا يخالف العمل المتوارث بين الصحابة والتابعين دون تخصيص ببلد. ١٣- ألا يعول الراوي على خطه ما لم يذكر مرويه. ذلك هو أهم ما اشترطه أبو حنيفة لصحة خبر الآحاد والعمل به, ولا شك أن المحدثين لا يوافقونه على أكثر هذه الشروط إذا لم نقل: كلها, وغيره من الأئمة يخالفونه في بعضها"١. ولسنا بصدد الدفاع عن الإمام فيما ذهب إليه وارتضاه وخالفه فيه غيره من الأئمة, وإنما الذي عنينا به أن نبرر موقف الإمام من بعض الأحاديث, وأن نجلي أمر اعتماده على الرأي والقياس، فهذا الذي قيل: إنه خالف فيه الناس إن كان عن اجتهاد, فليس بدعا فيه شأنه شأن من سبقه ومن لحقه إن كان عن هوى وعناد فهيات هيهات أن ينزلق إليه إمام ورع زاهد متنسك ثبتت إمامته, وعلت مكانته وسمت منزلته رغم أنف الكارهين، وقد أطال الكثيرون في ذكر مناقب هذا الإمام وأسهبوا في الترجمة له٢.

стр. 292

٢- الإمام مالك: اسمه ونسبه ومولده ومكانته: إمام دار الهجرة وعالمها ومحدثها وفقيهها, أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي الحميري, من ذرية ملوك حمير, وهو عربي أصيل, ولم يختلفوا في أنه من ولد قحطان, وإن اختلفوا في كونه أصبحيا أو كونه تيميا أو مولى لبني تيم بن مرة, والصحيح أن إطلاق مولى عليه ليس إلا بمعنى الحليف. وقد ولد ﵁، بالمدينة سنة ثلاث وتسعين على الأصح, وقيل سنة أربع أو خمس وتسعين. والمدينة إبان مولده مليئة بالعلم والعلماء غاصة بالمحدثين والفقهاء مما هيأ لاستقراره بها وعدم ارتحاله خارجها كما كان دأب المشتغلين بالعلم آنذاك, وعن كبار التابعين وأئمة المحدثين أخذ مالك فجالس ابن هرمز سبعة عشرة عامًا, واستفاد به كثيرا, كما جالس ابن شهاب الزهري فكان أثبت الناس في الرواية عنه وعن غيره.

стр. 293

وقد روى عنه في الموطأ مائة واثنتين وثلاثين حديثا, واشتهر أخذه عن نافع, وهو أصح الناس عنه, ولقي عطاء بن أبي رباح حين قدم المدينة، كما جالس يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي, وأثمرت هذه المجالسة إمامته أهل الحجاز في الفقه والحديث, وجعلته شيخ الإسلام وأحد الهداة الأعلام الذين طبقت شهرتهم كل مكان وسار بذكرهم الركبان, وارتحل إليهم, وفوخر بالأخذ عنهم ويكفي الإمام مالك فخرا أن يجلس إليه, ويتهادى بين يديه حتى إنه ليكون كالصبي أمام أبيه إجلالا وتوقيرا وتواضعا وأدبا إمام الفقهاء وشيخهم أبو حنيفة. وتضم مدرسة الإمام علم الأعلام الفقيه المحدث الأديب الفارس المقدام محمد بن إدريس الشافعي, ويجلس بين مالك مجلس التلميذ من الخلفاء اثنان المهدي وهارون الرشيد, ناهيك عن اعتزام أبي جعفر المنصور به وإعزازه لعمله حتى إنه في المدينة يتقدم على أميرها, فيأمر ويضرب ويحظى بشرف الأخذ عن الإمام من الأمراء معن بن عيسى وغيره, ومن أكابر العلماء محمد بن الحسن ويحيى بن يحيى الأندلسي, وعبد الله بن مسلمة والقمني ابن أخته وإسماعيل بن إدريس ابن أخيه, وعبد الله بن مبارك, والليث بن سعد, وخلق لا يحصون كثرة. ومن دلائل فضله وشواهد نبله ورسوخ قدمه في العلم رواية بعض شيوخه عنه كالزهري وابن سعيد الأنصاري. وقد جمع الإمام مالك بين الفقه والحديث, فكان فقيه المحدثين ومحدث الفقهاء بلا منازع.

стр. 294

وأكثر العلماء مجمعون على أنه المعني بحديث أبي هريرة ﵁: "ويوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم", وفي رواية: "يلتمسون العلم فلا يجدون عالما أعلم", وفي رواية: "أفقه من عالم المدينة", وفي رواية: "من عالم بالمدينة"١. وقد أثنى عليه الكثيرون: قال عبد الله بن أحمد قلت لأبي: من أثبت أصحاب الزهري؟ قال: مالك أثبت في كل شيء. وقال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم. وقال أيضا: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز. وقال ابن وهب: لولا مالك والليث لضللنا. وقال هو عن نفسه: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك. ولسبقه وتقدمه جلس للتحديث والفتوى ومجالس شيوخه مقامه فكان مجلسه أشد مزاحمة. وكان ﵁ شديد الاعتزاز بالعلم جوادا كريما سمح المحيا وكان مهيبا نبيلا ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط ورفع الصوت، وكان يقول الدنو من الباطل هلكة والقول بالباطل بعد عن الحق ولا خير في شيء, وإن كثر في الدنيا بفساد دين المرء ومروءته. وكان من تعظيمه لحديث رسول الله ﷺ أنه إذا أراد أن يحدث توضأ, وجلس على صدر فراشه, وسرح لحيته, واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة, ثم حدث, فقيل له في ذلك, فقال: أحب أن أعظم

стр. 295

حديث رسول الله ﷺ ، وكان من أدبه الفائق مع رسول الله ﷺ : أنه لا يركب دابة بالمدينة ويقول: إني لأستحيي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله ﷺ بحافر دابة. وقد أورثه إجلاله لرسول الله ﷺ إجلالا وهيبة ووقارا وبهاء وإكبارا, فقد دخل على أبي جعفر المنصور, وهو على فراش ملكه, فإذا بصبي يخرج, ثم يرجع, فقال له أبو جعفر: أتدري من هذا؟ قال: لا. قال: ابني وإنما يفزع من هيبتك. ثم سأله عن أشياء منها حلال ومنها حرام فلما أجابه قال له: أنت والله أعقل الناس وأعلم الناس. قال: لا والله يا أمير المؤمين. قال: بلى ولكنك تكتم، لئن بقيت لأكتبن قولك كما تكتب المصاحف ولأبعثن به إلى الآفاق لأحملهم عليه. وأجازه المهدي بثلاثة آلاف، ثم طلب منه أن يصحبه إلى مدينة السلام فأجابه. "قال النبي ﷺ : "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" , والمال عندي على حاله, ولما قدم الرشيد المدينة طلب منه أن يسمعه الحديث, فقال الإمام أنا يقرأ علي ولا أقرأ على أحد, فقال: أخرج الناس عني حتى أقرأ أنا عليك. فقال: إذًا العام لأجل الخاص لم ينتفع الخاص, فأمر الرشيد وزيره معن بن عيسى فقرأ. وذكر أنه دعاه ليقرأ الموطأ على بنيه, فأبى قائلا: العلم يؤتى إليه, ولا يأتي إلى أحد, فكان أولاد الخليفة يحضرون مجلسه مع سائر الناس, وتضرب عليهم قبة. قال الذهبي: وقد اتفق لمالك مناقب ما علمتها اجتمعت لغيره

стр. 296

أحدها: طول العمر وعلو الرواية, وثانيتها: الذهن الثاقب والفهم وسعة العلم, وثالثتها: اتفاق الأئمة على أنه حجة صحيح الرواية, ورابعتها: تجمعهم على دينه وعدالته واتباعه السنن, وخامستها: تقدمه في الفقه والفتوى وصحة قواعده. ولا يصير مالكا ولا يغض من قدره افتيات البعض عليه وتزيدهم في حقه كابن إسحاق الذي نقم على مالك مكانته وجلالته, فراح ينتقصه ويدعي أنه من الموالي ويقول: ائتوني بعلم مالك فأنا بيطاره وذكروا أن ابن أبي ذؤيب شارك ابن إسحاق حملته على الإمام مالك, ولعل ذلك منهما كان موقفا شخصيا أو خلافا فقهيا, وربما حقدا عليه؛ لأن مالكا كان يخالفهما ويطعن عليهما، ومع ذلك فإن هؤلاء العلماء الذين نقدوا مالكا لم يستطع أحدهما أن ينقد رواية من رواياته للحديث الشريف. فهذه المسائل التي وجهت إلى الإمام لا تنقص من قيمته العلمية ولا من صحة روايته، وهي أقرب ما تكون إلى نقد المتنافسين بعضهم إلى بعض. ومما أخذ على الإمام تخلفه عن حضور الجماعة واتباع الجنائز وعيادة المرضى مع تعهد السؤال عن الأمراء, ولا شك أن ذلك حدث منه في آخر عمره, ويبدو أن له فيه عذرًا فقد سئل عن سبب ذلك, فقال: ما كل الأعذار يستطيع المرء أن يبديها. وقد امتد عمر مالك وقدر له أن يعايش تغيرات جذرية, وأن يراقب اضمحلال دولة بني أمية وسقوطها، وأن يواكب نشأة دولة بني العباس

стр. 297

وازدهارها وأن يعاصر ثورات العلويين ومحاولات كتبها وإخمادها, ولقد عرف عن الإمام عزوفه عن الفتن وإعراضه عن أهلها, فقد كان يؤثر الصمت ويلزم بيته عند اشتداد الأمر, ومع ذلك ناله عسف السلطان وظلم الحكم واضطهاده والإمارة. فقد سجن وجلد وضرب ضربا مبرحا واختلف الروايات في سبب ذلك فقيل: إنه طلب للقضاء فأبى فاعتبر المنصور ذلك نوعا من التمرد عليه فأوعز بضربه وقيل: إنه شارك ولو بالتحريض في ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن الشهير بالنفس الزكية, وقيل: إنه حدث بحديث "ليس على مستكره طلاق" ففهم منه التحريض على التحليل من بيعة المنصور لكون الناس أكرهوا عليها. وأيًّا ما كان الأمر فقد امتحن الإمام فصبر صبر المؤمنين الموقنين, ولم تطل فترة محنته, وإنما عاد سريعا إلى تبوء مكانته في نفوس العباسيين, فكان أثيرا عندهم محببا لديهم ذا حظوة ومنزلة. وبعد حياة مباركة طيبة فياضة بالخير والبركة قضى الإمام نحبه, ولقي ربه في الحادي عشر أو الرابع عشر من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة, فرضي الله عن الإمام مالك وأرضاه وطيب ثراه وجعل الجنة مثواه. وقد تركنا الإطالة في ترجمته للذين ترجموا له ولآثاره وتراثه منهم:

стр. 298

ابن سعد١، والإمام البخاري٢، وابن أبي حاتم٣، وابن النديم٤, وابن الجوزي٥, وابن خلكان٦, والذهبي٧, وابن كثير٨, وابن فرحون٩, وابن حجر١٠, والسيوطي١١, وأستاذ الجيل الشيخ أبو زهرة١٢, والأستاذ الدكتور محمد محمد أبو زهو١٣, والأستاذ الدكتور مصطفى السباعي١٤, والأستاذ الدكتور محمد كامل حسين١٥, والأستاذ محمد أبو شهبة١٦.

стр. 299

آثاره وتراثه: مما لا ريب فيه أن عمر الإمام المديد مكنه من أن يخلف بعده الأثر المجيد والتراث الزاخر التليد, فقد أنفق جل وقته في خدمة العلم دراسة وفهما وإتقانا وهضما, ثم بكر بإفراز ما فهم وهضم حتى قيل: إنه جلس للإفتاء والتحديث, وهو في السابعة عشرة من عمره, وإن استبعد الشيخ أبو زهرة ذلك, فالقريب الذي لا ينكر أنه تصدر للفتوى والتحديث زمنا طويلا يقارب الثلاثة أرباع قرن, وكان يخصص للفقه أياما وللحديث أخرى قد امتاز, عن أقرانه بالسبق إلى تصنيف أكبر وأقدم مدون حديثي فقهي. ولا يعترض على ذلك بما دونه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أو ابن شهاب الزهري أو بما عثر عليه من صحف للصحابة الكاتبين أو المستكتبين أو للتابعين ﵃ أجمعين, فلا سبيل إلى المقارنة بين ذلك كله وبين مصنف الإمام حجما وشهرة وحسن ترتيب وتبويب وتفننا في التصنيف والتأليف. والناظر إلى آثار الإمام يلحظ أن أولها في القديم وأولاها بالتعظيم كتاب الموطأ ولتعلمن نبأه بعد حين. ومن تراث مالك المنسوب وإن كان يجمع تلاميذه كتاب "المجالسات" لابن وهب، دون فيه ما سمعه من إمامه في مجالسه. وهو مجلد يشتمل على أحاديث وآثار وآداب رواها عن مالك. ومنه رسالة في القدر" أرسلها إلى تلميذه ابن وهب ورواها هذا عنه، ومنه "رسالته

стр. 300

في الأقضية" كتبها لبعض القضاة، وكذلك: رسالته في الفتوى، ولا سبيل إلى القطع بصحة نسبة هذه الآثار إليه, وإن كانت صحة نسبتها هي الأرجح لكن الذي لا يشك في صحة نسبته إليه وإنما هو "الموطأ". ومن الآثار المعزوة إليه كتاب: النجوم، وحساب دوران الزمان، ومنازل القمر، وهو كتاب جيد مفيد جدا قد اعتمد الناس عليه في هذا الباب وجعلوه أصلا, ويبدو أنه ثمرة اتصاله بالإمام جعفر الصادق وأخذه عنه, فقد عرف الإمام الصادق بالبراعة في هذا الصدد, ومع ذلك شكك الأستاذ أبو زهرة في صحة نسبته إليه, ورأى أن ما عني به مالك وصرف إليه همته من الاشتغال بالكتاب والسنة ينافي الاشتغال بالنظر في النجوم والفلك أو على الأقل لم يكن في دائرة اهتمامه. "الموطأ": "أهميته بين كتب الحديث": الموطأ من أشهر المصنفات الحديثية ورتبته تجيء بعد رتبة الصحيحين عند أكثر المحدثين منهم من يرى أنه بالتقديم عليهما قمين. قال الإمام الشافعي: ما ظهر على الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك, نقله السيوطي. ونقل عن ابن العربي المالكي أبي بكر محمد بن عبد الله الإشبيلي صاحب عارضة الأحوذي وأحكام القرآن والعواصم من القواصم, والمتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة نقل عنه السيوطي قوله: الموطأ هو الأصل واللباب وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب

стр. 301

وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي, ثم قال السيوطي: "وقال الحافظ مغلطاي: أول من صنف الصحيح مالك" وقال الحافظ ابن حجر: كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما "قلت: ما فيه من المراسيل فإنها مع كونها حجة عنده بلا شرط وعند من وافقه من الأئمة على الاحتجاج بالمرسل فهي أيضا حجة عندنا لأن المرسل عندنا حجة إذا اعتضد وما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد فالصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء. وقد صنف ابن عبد البر كتابا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمفضل قال: وجميع ما فيه من قوله بلغني ومن قوله عنم الثقة عنده مما لم يسنده أحد وستون حديثا كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث لا تعرف أحدهما: إني لا أنسى ولكن أنسى لأسن. والثاني: أن رسول الله ﷺ أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمر مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر, فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر. والثالث: قول معاذ: آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ , وقد وضعت رجلي في الغرز أن قال حسن خلقك للناس. والرابع: إذا أنشأت بحرية, ثم تشاءمت فتلك عين غديقة. وقال بعض العلماء: إن البخاري إذا وجد حديثا يؤثر عن مالك لا يكاد يعدل به إلى غيره حتى إنه يرى في الصحيح عن عبد الله بن محمد بن

стр. 302

أسماء عن عمه جودية عن مالك١. وقد دافع العلماء عن هذه الأحاديث الأربعة بأن معاني هذه الأحاديث صحيحة واستشهدوا لها بما في كتب السنة. لكن الشيخ الشنقيطي في كتابه "إضاءة الحالك" نقل عن ابن الصلاح أنه وصل هذه الأحاديث الأربعة٢. وقد استظهر السيوطي أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء. وفي سبب تسمتيه ذكر السيوطي٣ عن مالك قال: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ، ولفظه الموطأ بمعنى الممهد المنقح. وقد جاء المهدي حاجا فسمعه منه وأمر له بخمسة آلاف دينار وتلاميذه بألف, ثم رحل إليه الرشيد في إحدى حججه مع أولاده وسمعه ورغب أن يعلقه في الكعبة ويحمل الناس على العمل بما جاء به, فأجابه ﵀: "لا تفعل يا أمير المؤمنين إن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكل مصيب" فعدل الرشيد عن ذلك. وقد لهجت الألسنة بالثناء على الموطأ شعرًا ونثرا فما قيل فيه شعرًا:

стр. 303

أقول لمن يروي الحديث ويكتب ... ويسلك سبل الفقه فيه ويطلب إن أحببت أن تدعى لدى الخلق عالمًا ... فلا تعد ما تحوي من العلم يثرب أتترك دارًا كان بين بيوتها ... يروح ويغدو جبرائيل المقرب ومات رسول الله فيها وبعده ... بسنته أصحابه قد تأدبوا وفرق شمل العلم في تابعيهمو ... فكل امرئ منهم له فيه مذهب فخلصه بالسبك للناس مالك ... ومنه صحيح في المحس وأجرب فبادر موطأ مالك قبل فوته ... فما بعده إن فات للحق مطلب ودع للموطأ كل علم تريده ... فإن الموطأ الشمس والغير كوكب ومن لم يكن كُتْبُ الموطا ببيته ... فذاك من التوفيق بيت مخيب جزى الله عنا في موطاه مالكا ... بأفضل ما يجزى اللبيب المهذب

стр. 304

لقد فاق أهل العلم حيا وميتا ... فصارت به الأمثال في الناس تضرب وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: إذا ذكرت كتب العلوم فحيهل ... بكتب الموطا من تصانيف مالك أصح أحاديثا وأثبت حجة ... وأوضحها في الفقه نهجا لسالك عليه مضى الإجماع في كل أمة ... على رغم خيشوم الحسود المماحك فعنه فخذ علم الديانة خالصا ... ومنه استفد شرع النبي المبارك وشد به كف الضنانة تهتدي ... فمن حاد عنه هالك في الهوالك١

стр. 305

منهج الإمام فيه: وأخرج الإمام ابن عبد البر عن عمر بن عبد الواحد قال: عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يوما, فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة أخذوه في أربعين يوما ما أقل ما تفقهون فيه١. وهذا يدل على مبلغ الجهد الذي بذله الإمام في جمع هذا الكتاب وتحريه في الرواية، وليس أدل على هذا مما ذكره ابن الهباب أن مالكا روى مائة ألف حديث جمع منها في الموطأ عشرة آلاف, ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة وينقحها ويهذبها حتى رجعت إلى خمسمائة. وقد ألف الإمام مالك كتابه على الأبواب, ولم يتقيد فيه بالأحاديث المرفوعة إلى الرسول ﷺ , بل جمع فيه أيضا أقوال الصحابة وفتاوى التابعين. وطريقته فيه: أن يذكر في مقدمة الموضوع ما ورد فيه من حديث رسول الله ﷺ , ثم ما ورد من أقوال الصحابة, ثم ما ورد من فتاوى التابعين، وقل أن يكونوا من غير أهل المدينة. وأحيانا يذكر ما عليه العمل أو الأمر المجمع عليه بالمدينة، وقد يذكر بعض الآراء الفقهية له. ولم يتقيد الإمام في موطئه بالمسند المتصل بل ذكر فيه المرسل والمنقطع والبلاغات "وهي التي يقول فيها مالك: بلغني أو نحوه من غير أن يبين من روى عنه", كقوله: بلغني عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ , أنه قال: $"للمملوك طعامه وكسوته".

стр. 306

ولقد اعتنى الإمام مالك بالحديث رواية ودراية: ولذلك كانت أحاديثه في الموطأ منتقاة, ولقد وصف ابن عبد البر مالكا في روايته وصفا موجزا محكما, فقال: "إن مالكا كان من أشد الناس تركا لشذوذ العلم, وأشدهم انتقادا للرجال, وأقلهم تكلفا, وأتقنهم حفظا, ولذلك صار إماما". هذا شأن المطأ في أحاديثه, أما فقهه: فقد كان بعضه تخريجا للأحاديث وبعضه بيانا للأمر الذي كان مجتمعا عليه بالمدينة, وبعضه بيانا لما كان عليه التابعون الذين التقى بهم, وبعضه رأيا اختاره من مجموع آرائهم, وبعضه رأيا رآه قد قاسه على ما علم, فهو شبيه بما علم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , وما اجتمع عليه أهل المدينة, وما نقله عن أهل العلم من الصحابة والتابعين. عدد كتبه وأبوابه وأحاديثه وتقييمه: قام الأستاذ الكبير محمود فؤاد عبد الباقي رحمه الله تعالى بتحقيق كتاب الموطأ, فأتقن وأجاد وأحسن, وبلغ عدد كتبه واحدا وستين كتابا تشتمل على سبعمائة وثلاثة أبواب, وقد رقم الكتب مجتمعة, ثم أفرد كل كتاب بترقيم يخصه في الأبواب والأحاديث. وقد تفاوتت عبارات العلماء في عدد أحاديث الموطأ قلة أو كثرة تبعا لتفاوت رواياته زيادة ونقصا. قال أبو بكر الأبهري: جملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثا المسند

стр. 307

منها ستمائة حديث, والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثا, والموقوف ستمائة وثلاثة عشرة, ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون. قال ابن حزم في كتاب مراتب الديانة: أحصيت ما في موطأ مالك فوجدت فيه من المسند خمسمائة ونيفا, وفيه ثلاثمائة ونيف مرسلا, وفيه نيف وسبعون حديثا قد ترك مالك نفسه العمل بها, وفيه أحاديث ضعيفة وهَّاها جمهور العلماء. ومن هنا يتبين لنا تجاوز الذين قوموا الموطأ على الصحيحين واعتبروه اللباب, واعتبروا صحيح البخاري الأصل الثاني في هذا الباب كابن العربي وغيره. وأما اعتبار الشافعي الموطأ أصح شيء بعد كتاب الله, فمرد ذلك وتأويله إلى أنه قاله قبل أن تشرق شمسا الصحيحين, ولو قدر له أن يعيش إلى زمنهما, وأن يقف عليهما لما قدم عليهما شيئا. وقد عد ابن الأثير المتوفى سنة ست وستمائة في كتابه جامع الأصول من أحاديث الرسول الموطأ كسادس الكتب الستة, ورأى أنه أحق من سنن ابن ماجه بذلك, ولم يوافقه أكثر المحدثين على ما ذهب إليه، وقد مال ابن الصلاح وغيره إلى جعل الموطأ في الدرجة التي تلي الصحيحين. والحق أن ما فيه من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى رسول الله ﷺ صحاح كلها هي في الصحة كأحاديث الصحيحين, وأما ما فيه من المراسيل والبلاغات وغيرها فيعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها مما

стр. 308

تحويه الكتب الأخرى, وإنما لم يعده أكثر العلماء في الكتب الصحاح لكثرة ما فيه ما المراسيل والبلاغات والمنقطعات, وكثرة الآراء الفقهية فيه لمالك وغيره. هذا وقد ذكر ابن عبد البر أن عدة أحاديث الموطأ من رواية يحيى بن يحيى ثمانمائة حديث وثلاثة وخمسون حديثا, وقد راجعت أنا النسخة المحققة. فوجدت عدد الأحاديث الموصولة والمرسلة ألفا وثمانمائة وأربعة عشر عدا الموقوف والآراء الفقهية. وقد ذكر فضيلة الأستاذ الدكتور أبو شهبة أنه راجع عد ابن عبد البر فوجده دقيقا جدا، وقد قالوا: إن ما في موطأ الإمام محمد بن الحسن من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة على الصحابة, ومن بعدهم مسندة كانت أو غير مسندة ألف حديث ومائة وثمانية حديثا, منها عن مالك: ألف حديث وخمسة أحاديث, ومن غير طريقه مائة وخمسة وسبعون حديثا، منها عن أبي حنيفة ثلاثة عشرة حديثا, ومن طريق أبي يوسف أربعة والباقي عن غيرهما, وهذا يدل على أنه زاد في الموطأ ما ليس في رواية مالك قطعا. روايات الموطأ وأشهر رواته: هكذا يتبين لك أن الموطأ قد روي بروايات مختلفة تتفاوت في ترتيب الأبواب وعدد الأحاديث، وقد ذكر القاضي عياض أن الذي اشتهر من نسخ الموطأ نحو عشرين نسخة، وذكر بعضهم أنها ثلاثون، وقال أبو القاسم بن محمد بن حسين الشافعي: الموطآت عن مالك أحد عشر

стр. 309

معناها متقارب، والمستعمل منها أربعة: موطأ يحيى، وموطأ ابن بكير، وموطأ أبي مصعب، وموطأ ابن وهب، ثم ضعف الاستعمال في الأخيرين. وقال الشيخ عبد العزيز الدهلوي المتوفى سنة ١١٣٩ في كتابه "بستان العارفين" المؤلف بالفارسية: إن نسخ الموطأ التي توجد في بلاد العرب في هذه الأيام متعددة عد منها ست عشرة نسخة، كل نسخة عن راو خاص"١. ومن الموطآت المشهورة المشروحة التي تدور بين يدي الناس الآن موطأ يحيى بن يحيى الليثي، وموطأ محمد بن الحسن الشيباني، ولا يعترض على الموطأ بما بين رواياته من تفاوت بالزيادة أو النقصان أو بالتقديم والتأخير في الأبواب، ولأن الإمام مالكا ﵁ ظل يرتب فيه ويحذف منه إلى قرب وفاته. وقد مر بك أنه كان يشتمل على عشرة آلاف حديث، فما زالت معالجته إلى أن آل حاله إلى ما هو عليه، وليس بلازم أن قصد الناس في زمان سماعه، فتتحد الروايات عددا وتنظيما، وإنما الذي حدث تتابع السماع على الإمام، فروى كل ما سمع في زمانه، فتفاوتت النسخ لذلك, ولا يضير الموطأ هذا التفاوت فالمعول عليه صحة السماع وانضباط النقل. على أن الأئمة الشراح تعرضوا لبيان تلك الزيادات في بعض النسخ عن بعض، كما فعل ابن عبد البر في آخر كتابه التقصي، حيث أشار إلى زيادات "يحيى" ورتبها على حروف المعجم.

стр. 310

ونتعرف الآن على أهم وأشهر رواة الموطأ ونكتفي منهم بعلمين: أولهما: محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، كنيته أبو عبد الله، أصله من قرية من قرى دمشق, قدم أبوه العراق, فولد بواسط سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ونشأ بالكوفة فسمع من أبي حنيفة ومسعر والنوري وعمر بن ذر ومالك بن مغول, وكتب عن مالك بن أنس والأوزاعي وأبي يوسف، وسكن بغداد وحدث بها. وقد أخذ عنه الشافعي حين قدم بغداد سنة أربع وثمانين ومائة, وناظره وأثنى عليه, وقد تولى ابن الحسن قضاء الرقة في عهد الرشيد, ثم عزل عنها. وقد عرف بالزاهد والورع، والعزوف عن الدنيا والانصراف إلى العلم, وقد ذكر أنه ورث عن أبيه ثلاثين ألفا، أنفق نصفها على النحو والشعر، وأنفق النصف الثاني على الحديث. قال عنه الشافعي: "ما رأيت حبرا سمينا مثله، ولا رأيت أخف روحا منه، ولا أفصح منه, كنت إذا سمعته يقرأ القرآن كأنما ينزل القرآن بلغته. وقال أيضا: ما رأيت أعقل منه، كان يملأ العين والقلب، قال الطحاوي: كان الشافعي قد طلب من محمد بن الحسن كتاب السير فلم يجبه إلى الإعارة فكتب إليه: قل للذي لم تر عيناي مثله ... حتى كأن من رآه قد رأى من قبله العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله ... لعله يبذله لأهله لعله قال: فوجه به إليه في الحال هدية لا عارية. وقال إبراهيم الحربي:

стр. 311

قيل لأحمد بن حنبل: هذه المسائل الدقاق من أين هي لك؟ قال: من كتب محمد بن الحسن ﵀"١. ولعل في أخذ محمد بن الحسن عن الإمام مالك واشتهار روايته، للموطأ وثناء الشافعي وأحمد عليه وهما من هما في الانتصار للسنة، والتعصب لأهلها لعل في ذلك كله ردا، بل وتأنيبا للخطيب الذي أطال٢ في ترجمة أبي عبد الله وحاكى صنيعه معه صنيعه مع الإمام أبي حنيفة، حيث نقل ما يشعر بمدحه, ثم عاد فقلب ظهر المجن ونقل ما يشعر بذمه وقدحه، ويبدو أن الخطيب استمرأ هذا مع أصحاب الإمام أبي حنيفة، يرد على قدحه في محمد بن الحسن بما أورده هو عن كثيرين من الثناء العاطر عليه. وقد توفي محمد بن الحسن في سنة تسع وثمانين ومائة نفس السنة التي توفي بها على بن حمزة بن عبد الله أبو الحسن المعروف بالكسائي أحد أئمة القراءات والنحو، وقيل: إنهما ماتا في يوم واحد، وقال عنهما الرشيد يوم بلغه نعيهما: دفنت اليوم اللغة والفقه جميعا. ثانيهما: يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي كنيته أبو محمد واسمه يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس، أصله من البربر من قبيلة, يقال لها: مصمودة، وتولى بني ليث فنسب إليهم.

стр. 312

اشتغل بالعلم وسمع على شيوخ قرطبة، وكان من سماعاته بها "الموطأ", ثم طلب سماعه عاليا فرحل إلى المشرق, وهو في الثامنة والعشرين من عمره فلقي الإمام مالكا وسمع الموطأ منه كاملا إلا بعض أبواب في كتاب الاعتكاف شك في سماعه إياها منه فرواها من غيره، وسمع في مكة من سفيان بن عيينة، وفي مصر من الليث بن سعد وابن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم. وتفقه بالمدنيين والمصريين من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك وملازمته له، وكان مالك يسميه عاقل الأندلس، وسبب ذلك فيما يروى أنه كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه، فقال قائل قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه، ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: ما لك تخرج فتراه؛ لأنه لا يكون بالأندلس؟ فقال: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك ولم أجئ لأنظر إلى الفيل، فأعجب به مالك وسماه عاقل أهل الأندلس، ثم عاد يحيى إلى بلاد الأندلس فانتهت إليه زعامة العلم بها، وبواسطته انتشر بها مذهب مالك، وتفقه به جماعة لا يحصون عددا وروى عنه خلق كثير. قال ابن خلكان "وأشهر روايات الموطأ" وأحسنها رواية يحيى المذكور, وكان مع إمامته ودينه معظما عند الأمراء مكينا، عفيفا عن الولايات متنزها، جلت رتبته عن القضاء، فكان أعلى قدرًا من القضاة عند ولاة الأمر هناك لزهده في القضاء وامتناعه منه, ثم نقل عن ابن بشكوال.

стр. 313

قوله: كان يحيى بن يحيى مجاب الدعوة, وكان قد أخذ في نفسه وهيئته ومعتمده هيئة مالك"١. وتوفي يحيى في شهر رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين: أهم الكتب المؤلفة حول الموطأ وأشهر شروحه: قال السيوطي فيما نقله عن القاضي عياض: "لم يعتن بكتب من كتب الحديث, والعلم اعتناء الناس بالموطأ فمن شرحه ابن عبد البر في التمهيد والاستذكار، وأبو الوليد بن الصفار وسماه الموعب"٢. وعدد السيوطي قدرا لا بأس به من أسماء شروحه وشراحه, وللسيوطي نفسه عدة كتب على الموطأ بعضها في رجاله وبعضها الآخر في شرحه, وفي وصل ما انقطع منه. ويمكننا أن ننوع المصنفات على الموطأ إلى: "أ" مختصراته: وهي كثيرة من أشهرها مختصر الإمام أبي سليمان حمد بن أحمد بن محمد بن خطاب البستي الخطابي المتوفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة, وهو صاحب

стр. 314

"معالم السنن" في شرح سنن أبي داود و"أعلام السنن" في شرح البخاري و"غريب الحديث" وغيرها. وممن اختصر الموطأ أيضا أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة أربع وسبعين وأربعمائة. وممن اختصره أيضا ابن رشيق، القيرواني المتوفى سنة ست وخمسين وأربعمائة. "ب" شروحه: انبرى لشرح الموطأ كثيرون قديما وحديثا وشرقا وغربا وكان من أبرزهم وأشهرهم عناية به: ١- ابن عبد البر: وهو الإمام شيخ الإسلام حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، المولود سنة: ثمان وستين وثلاثمائة وطلب العلم في الصغر، وتتلمذ على شيوخ قرطبة حاضرة الخلافة الإسلامية بالأندلس، الفردوس المفقود الذي حوى أعرق الحضارة وأرقاها، وكان سفيرا فوق العادة للنهضة الإسلامية في أواسط أوربا. وقد كان لابن عبد البر اليد الطولى على الثقافة الإسلامية نظرا لما تركه من المصنفات العلمية النافعة, والتي كان من أبرزها "كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب", ثم كان له على "الموطأ" أكثر من كتاب. وقد توفي ابن عبد البر سنة ثلاث وستين وأربعمائة بعد عمر مديد،

стр. 315

وترات زاخر تليد، حمل معاصره ابن حزم على أن يقول فيه: "له تآليف لا مثيل لها في جميع معانيها", وقال الذهبي: "علا سنده وجمع وصنف ووثق وضعف وسارت بتصانيفه الركبان, وخضع لعمله علماء الزمان"١. ومن أشهر مصنفات ابن عبد البر على الموطأ "كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد", قال عنه ابن حزم: "التمهيد لصاحبنا أبي عمر لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلا, فكيف أحسن منه؟ ". وقد كان العلماء قبل ابن عبد البر, وفي عصره يشرحون الموطأ فيعتنون بالأحاديث المرفوعة فقط دون أن يعطوا للأحاديث المرسلة والمنقطعة أيما اهتمام, وهذا ما دعا ابن عبد البر ليؤلف شرحه هذا, وكان منهجه فيه يختلف عن منهج الشراح والمعلقين فالناظر فيه يخيل له أنه كتاب مغاير للموطأ, فلقد سار فيه على الوجه التالي: "أ" وضع للكتاب مقدمة احتوت على جمل من العلم مهمة فذكر جملة من الأخبار الدالة على البحث عن صحة النقل, ووضع المتصل والمرسل والحديث عن الإمام مالك والموطأ. "ب" رتب الموطأ كترتيب المعاجم، فرتبه على شيوخ مالك، ورتب الشيوخ على حروف المعجم مقدما من مرويات الشيخ الأحاديث المتصلة, ثم ما اختلف في اتصاله، ثم المنقطع, ثم المرسل, ثم يأتي إلى الأحاديث المنقطعة

стр. 316

فبين اتصالها إما من موطأ آخر, وإما من طريق غير طريق مالك وكذا المرسلة: "ج" اقتصر في دراسته على الأحاديث المضافة إلى رسول الله صلى عليه وسلم أما الآراء فلم يتعرض لها في كتابه هذا لأنه أفرد لها كتابا خاصا. "د" أثناء شرحه يتكلم عن الرواة, ويبين حالهم من التعديل والتجريح, ويتكلم على آراء العلماء في المسائل في ضوء مذهب مالك مع ميل بين إلى مذهب الشافعي ﵁ وعن الجميع. ومن كتب ابن عبد البر على الموطأ "الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار مما رسمه مالك في موطئه من الرأي والآثار" والمادة العلمية التي في هذا الكتاب هي التي في التمهيد، لكن الاختلاف في الترتيب والتنسيق، فهذا الكتاب هو شرح للموطأ على وضعه الطبيعي. ٢- السيوطي: وهو جلال الدين عبد الرحمن ابن بكر محمد الخضيري السيوطي, المولود سنة تسع وأربعين وثمانمائة، والمعروف بنهمه في التصنيف, وكثرة ما له من تآليف في علوم عديدة، فهو صاحب الجامع الكبير والجامع الصغير والزيادات عليه في الحديث، وصاحب الألفية في علومه، وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي, والآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، والتعقبات على الموضوعات والدرر المتناثرة في الأحاديث المتواترة، وغير ذلك, وهو صاحب الإتقان في علوم القرآن، والتحبير في أصول التفسير، والدر المنثور في التفسير بالمأثور،

стр. 317

وترجمان القرآن، وهو صاحب تاريخ الخلفاء، ونظم العقيان في تراجم الأعيان، وبغية الوعاة في تراجم اللغويين والنحاة، وطبقات المفسرين، وطبقات المحدثين، وحسن المحاضرة. وهو صاحب الهمع على اللمع، والأشباه والنظائر في النحو، وعشرات المصنفات بل ومئاتها، فقد وصلت كتبه إلى خمسمائة مصنف, وقد كان يكتب في كل يوم كراسة, وقال عن نفسه: إنه حفظ مائتي ألف حديث، ولو وجد أكثر لحفظ، وأنه بلغ حد الاجتهاد، وأنه نبغ في أكثر العلوم، وما أعياه إلا علم الحساب، وعلم الفلك، وقد توفي السيوطي سنة إحدى عشر وتسعمائة١. وقد كان من مؤلفاته على الموطأ: "تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك", وهو كما يظهر اسمه أنه شرح للموطأ له مقدمة مشتملة على سبع فوائد، تكلم فيها عن الإمام مالك وفضله, ثم عن كتابة الحديث والنصوص في ذلك, ثم عن فضل الموطأ ومكانته بين كتب الحديث, ثم عن عدد أحاديثه واختلاف رواياته عن مالك, ثم سرد العديد من شراحه وشروحه. وقد نهج في الشرح نهج المحدثين، فتكلم على أسانيد الأحاديث واختلاف الرواة، ورفع الموقوف وإسناد المرسل ووصل المنقطع، وعنى ببيان الغريب من ألفاظ الحديث، ولم يعول على ذكر المذاهب الفقهية.

стр. 318

وللكتاب غاية في الاختصار, وهو مطبوع في ثلاثة أجزاء صغار وألحق بنفس الطبعة كتاب آخر للسيوطي على الموطأ سماه "إسعاف المبطأ برجال الموطأ". وللسيوطي أيضا كتاب "كشف المغطى عن الموطأ", وله كتاب "تجريد أحاديث الموطأ". ٣- الزرقاني: هو محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الرزقاني المالكي أبو عبد الله محدث، فقيه، أصولي، ولد وتوفي بالقاهرة في سنتي خمس وخمسين وألف واثنتين وعشرين ومائة بعد الألف١. ومن تصانيفه: شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث، مختصر المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة، إشراق مصابيح السير المحمدية بمزج أسرار المواهب اللدنية. وشرحه على الموطأ سماه "أبهج المسالك بشرح موطأ الإمام مالك", وهو شرح وسط بين الطول والقصر، وتعرض فيه لشرح متون الأحاديث من جهة اللغة، وأفاض في شرح المذاهب الفقهية، ولم يعن بالرجال ولا بتراجم الأبواب، وقد نال الكتاب حظا موفورًا من الشهرة. ومن قدامى الشراح للموطأ: الإمام أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد

стр. 319

بن أيوب الباجي المتوفى سنة أربع وسبعين وأربعمائة, وكان من أعلام الرواية والفقه بالأندلس, وإليه انتهت الرئاسة, وروى عنه ابن عبد البر, وجرت بينه وبين ابن حزم مناظرات وللباجي على الموطأ ثلاثة شروح: الاستيفاء ويبدو أنه عمد فيه إلى الاستقصاء مما حمله على أن يلخصه في كتابه المنتقى: الذي عمد فيه إلى شرح أحاديث الموطأ من الناحيتين الفقهية والحديثية, وأكثر من ذكر المسائل الفقهية والتفريعات ويبدو أنه رام إرجاع الفقه المالكي إلى الأحاديث والآثار. والكتاب مطبوع في سبعة مجلدات, وهو شائع ذائع باسم: شرح الباجي على الموطأ, وقد عاد فاختصره في كتاب سماه: الإيماء. ولابن العربي أبي عبد الله محمد بن عبد الله الإشبيلي المتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة شرح على الموطأ؟ ثم قام لفيف من علماء الهند بشرح للموطأ حديثا, فممن عنى به الإمام شيخ الإسلام قطب الدين أحمد ولي الله ابن عبد الرحيم بن وجيه الدين الدهلوي الشهير بولي الله الدهلوي, وهو سليل بيت علم, وفضل ينتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظم تتلمذ على والده وأعلام عصره في الحديث، ثم انتقل إلى الحرمين فأقام بها عامين كاملين يأخذ من مشاهير علمائهم, ثم رجع إلى الهند فأخذ من علمائها حتى بلغ في العلم قدرًا جعل بعضهم يعده من حفاظ القرن الثاني عشرة توفي سنة ست وسبعين ومائة بعد الألف, وله على الموطأ شرحان:

стр. 320

"أ" المسوى "باللغة العربية". "ب" المصفى "باللغة الفارسية". أما المسوى, فقد نهج فيه منهجا جديرًا بالتقدير, "فقد سار على طريقة المحدثين ومعتدلي الفقهاء, فرتب الأحاديث ترتيبا بديعا مفيدا مع حذف بعض أقوال مالك مما تفرد به مالك عن سائر المحدثين. وترجم على كل حديث بما استنبط منه جماهير العلماء, وضم إلى ذلك من القرآن العظيم ما لا بد للفقيه من حفظه, ومن تفسيره ما لا بد له من معرفته. وذكر في كل باب مذهب الشافعية والحنفية, ولم يتعرض لمذهب غيرهما إلا في مواضع لنكتة، وبين ما تعقب به الأئمة على مالك بإشارة لطيفة حيث كان التعقيب بحديث صحيح صريح وبين ما مست إليه الحاجة في معانيه اللغوية مع شرح غريب وضبط مشكل, وبين كذلك ما مست إليه الحاجة في معانيه الفقهية من بيان علة الحكم وأقسامه وتأويل الحديث عند الفريقين, ونحو ذلك, ثم إنه لم يتعرض لذكر من أخرج الحديث من أصحاب الكتب الستة إلا في مواضع يسيرة معللا ذلك بأن العلماء أغنونا عن ذلك, وإن في إسناد الموطأ كفاية لمن اكتفى. هذا وقد طبع الكتاب بالهند أكثر من مرة وطبع في مكة المكرمة سنة ١٣٥٢ بالمطبعة السلفية"١.
следующие страницы →