المجلد الأول
مقدمة
...
مقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، فإنه من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له, وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣.
ثم أما بعد, فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي سيدنا محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار، ومن يردِ الله به خيرًا يفقهه في الدين.
اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا رب العالمين، ربنا آتنا من لدنك رحمة, وهيئ لنا من أمرنا رشدا.
ليس يرتاب عاقلٌ في أن العلم خير ما فيه سُعِيَ, وأولُ ما له العبد دُعِيَ,
стр. 2
وأن أي علم يشرف بشرف موضوعه, فأنى يكون شرف من يجعل القرآن قبلته, وبيان ما نزل عليه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم وجهته, من ذا عساه أن يسكنه حقيقته, أو أن يدرك قصده وغايته لن يكون إلا الموفق, وإذا حقق النظر متأمل ودقق فسيجد الموفقين ثلة من الأولين وقليلا من الآخرين شأنهم شأن السابقين، ونعني بهم أولئك الذين عكفوا على كتاب الله وسنة رسوله, ورأوا أنهما أصلا هذا الدين، وأن الصلة بينهما صلة التواثق والتوافق والترابط والتطابق.
وحجية السنة ومكانتها في التشريع ومنزلتها من كتاب الله تعالى وعلاقتها به كل هذه المسائل قُتلت بحثا، وأمعن الناس دراستها، وأسهبوا في بسطها، شأنها في ذلك شأن بقية الموضوعات المتصلة بالكتاب والسنة.
فلقد حشد الله لكتابه ولسنة نبيه الكثير من الجهود جمع على مائدتهما الفينانة قلوب الكثيرين, يجمعون ويحصلون ويقعدون ويأصلون ويهذبون ويرتبون ويقومون وينظمون، وقل أن تجد لاحقا إلا وله استدراك على من سبقه، مما كان له الأثر البعيد في إثراء الفكر وتكوين تراث خالد، أتاح الفرصة لمن جاء بعد لأن ينهل من هذا الموروث الخالد, ولا عليه إلا أن يعب من هذا المزاج الخالص السائغ للقارئين النهمين.
فطالب التفسير يمكن له أن يشفي علته، وأن يروي غلته في تلك الدراسات القرآنية المتشعبة بأصحابها، والمنوعة لهم إلى باحث عن أسباب للنزول، وآخر يبحث عن الناسخ والمنسوخ، وثالث يطلب معرف مكي الآيات من مدنيها، ورابع يتوق إلى إبراز وجوه الإعجاز وإظهار الصور
стр. 3
البيانية التي أعجز بها القرآن أرباب البلاغة والبيان، وأساطين الفصاحة, وخامس يتتبع القراءات، وسادس يبتغي توضيح غريب الكلمات، وهناك من جمع شتات هذه الأبحاث كلها فأمعن النظر في الآيات مستنبطا وجوه تأويلها من الروايات, أو محاولا تفسيرها في ضوء ما صح عند أهل اللغة من استعمالات، فتنوع التفسير إلى تفسير بالمأثور، وتفسير بالرأي، وتنوع الأخير إلى محمود ومذموم، وتعددت إذن الاتجاهات وكثرت الموارد والمشارب، وتملكت الناس المآرب، وتفاوتت الأذواق، واختلفت المدارك، مما تطلب البحث في مناهج المفسرين تقييما لجهودهم وتمييزا بين منحرفهم ومستقيمهم وتفريقا بين صحيحهم وسقيمهم، فنشأ علم جديد عرف باسم "مناهج المفسرين" اعتمدت مادته على تتبع ما كتبه المفسر والخطوات التي اتخذها في تفسيره، والنهج الذي سلكه فيه، ومقارنته بمشابهه في ذلك أو محاكيه، وانساحت مباحث هذا العلم الجديد قديما في كتب علوم القرآن "كالبرهان في علوم القران لأبي عبد الله بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي المتوفى سنة أربع وتسعين وسبعمائة" و"الإتقان للجلال الدين السيوطي المتوفى في سنة إحدى عشر وتسعمائة", ولن يبعد النجعة من اعتبر الحواشي التي حشي بها على كتب معينة مادة خصبة لمناهج المفسرين ذلك أن المحشي غالبا ما يتعقب المحشي عليه يلاحقه بالنقد والتمحيص.
ولم تكن السنة عند ذوي الألباب، ولن تكون أقل شأنا من الكتاب، فقد حظيت بما حظي به من الاهتمام، واحتفدت حولها الأفهام وتكاتفت الجهود خدمة لحديث خير الأنام، وماذا يعني حديثه صلى الله
стр. 4
عليه وسلم؟ إنه يعني الأقوال والأفعال، والصفات والتقريرات، والهم والإشارات والحركات والسكنات والعادات، بعبارة أوجز يعني كل ما صدر عنه أو عن غيره ويعلمه بالحضور، أو بإعلام عالم الغيب والشهادة إياه به سواء كان فعلا أو تركا طيلة زمن الوحي على مدى ثلاثة وعشرين عاما، كل ذلك يصدق عليه لفظ حديث أو لفظ سنة.
وما أوسع دائرة هذا اللفظ وما أرحب الأفق التي تنضوي تحته، وما أعظم مسئولية الذين يتحملون أمانة الحفظ والوعي, ثم النقل والأداء للحديث أو للسنة.
كيف كان تحملهم وكيف كان نقلهم وأداؤهم وما حال الذين تحملوا عنهم، وما طرقهم في الرواية وأساليبهم في أخذها وإعطائها، ما الأدوار التي مر بها المنقول منذ عصر الرسول ﷺ إلى الآن، وما الأهوال التي هالت الذين ناءوا بهذا الأمر الجليل، وما الرياح العاتية التي هبت أعصاير قاصفة في كل العصور تريد النيل من هذا المنقول، أو العبث به، أو التطاول على حصن الدين من خلاله. والمحدثون على مر السنين يمثلون الطود الراسخ، لا تلين لهم عريكة ولا تنكسر لهم قناة، وهم يواجهون في صبر وأناة ضراوة أولئك العداة.
ماذا نقول عنهم أو فيهم، في أي موقع تبوءوه أو في أي زمان عاشوه، موقع الصحابي الذي أشرق نور النبوة في قلبه ففاض إشعاعه على عقله ولسانه، وبدت نضارة وجهه حين حفظ ووعى ما سمع وبلغ كما سمع.
ما أحوجنا إلى استكناه السبل التي سلكها الصحابة رضوان الله عليهم
стр. 5
خدمة للسنة الغراء, ثم وإن راقنا الانتقال إلى موقع آخر أو شاقنا تتبع الزمان فماذا هناك؟ تابعون بإحسان عظمت مهمتهم وتجاسمت مسئوليتهم باتساع دائرة التبليغ والإسماع لكل ما تحملوه عن الصحابة، وبانخراط بعض من لبسوا مسوح الكباش, وكانت قلوبهم أمر من العلقم، عجزوا عن مواجهة هذا الدين كفاحا فلم يقابلوه في ساحات الوغى، وإنما تظاهروا بقبوله واندسوا بين صفوف أبنائه، يكيدون له، ويحاولون النيل منه، فمن لهم ولكيدهم، ومن لدسهم وسمهم. وإذا قال قائلهم: "وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحل فيها الحرام، وأحرم فيها الحلال" كان الإسكات لهذا الضلال، والإهلاك لهذا الوبال يتمثل في هذا الرد "يعيش لها الجهابذة" ويمثل لهم بعبد الله بن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهما.
لكأني أتمثل حال الإمام الجهبذ المفضال "يحيى بن معين" المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وهو يجلس, وبين عينيه سجل حافل بأخبار كل من اشتغل بالرواية على مدى قرنين وثلث قرن, والرجل لا يعرف عن الراوي سنة مولده أو سنة وفاته فحسب، ولا يكتفي بمعرفة حاله في الرواية وما قيل فيه من مدح أو قدح، بل إنه يتتبع دقائق حله وترحاله وتفصيلات حياته، فيعرف من لقيهم ممن لم يلقهم، والذي لقيه ماذا أخذ عنه وماذا لم يأخذ، وتصل المعرفة بالدقائق والتفصيلات إلى حد رواية الراوي لمجرد ذكر اسمه عند صيرفي خبير بالحديث فامتخط, أو لكونه رآه يركض على
стр. 6
برذون. نقل السيوطي عن الخطيب أنه "قيل لشعبة١: لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون فتركت حديثه، وروي عن مسلم بن إبراهيم٢ أنه سئل عن حديث صالح المري٣ فقال: وما تصنع بصالح؟ ذكروه يوما عند حماد بن سلمة٤ فامتخط حماد"٥.
يا سبحان الله! أي أناس كانوا؟ وأي عقول تلك التي حفظت لنا ذلك كله؟ وأي نزاهة وتجرد في الحكم بعد أن يروي مثل علي بن عبد الله المديني شيخ البخاري المتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين قائلا: "حدثني أبي وكان غير ثقة"؟
ثم ماذا عن عشرات بل مئات الكتب التي عنيت بجمع الروايات وحشدها، وتنوعت أساليب مصنفيها فمن جامع لمرويات الصحابي الواحد ولا يعنيه إلا كونها من رواية ذلك الصحابي بغض النظر عن مضمونها
стр. 7
إلى آخر يراعي معانيها ومدلولها، ويمزجها بغيرها من فتاوى الصحابة والتابعين، ويوطئ بها للتصنيف في الحديث، إلى ثالث يرتب على الأبواب ويفرد الصحيح بالذكر في الكتاب دون غيره، إلى رابع يعنى بجمع أحاديث الأحكام، فخامس يجعل غاية أمره أن لا يخرج حديث من أجمعوا على تركه, فسادس يستدرك، فسابع يبين المبهم ويقيد المهمل، فثامن يوضح الغريب ويشرحه، فتاسع يعنى بالرجال وضبط أسمائهم وألقابهم وكناهم، فعاشر يعنى باستنباط الأحكام الفقهية ويؤيد بالنص هذا المذهب، أو ذاك، واحشد مع كل عدد ما شئت.
فإن تركت كتب المتون فما أوسع دائرة الفنون التي فننها المحدثون؛ فمن كتب في الطبقات إلى مصنفات في الرجال. فتنويع لهم، إلى ثقات وضعفاء ومتروكين، فموازين تنصب طلبا للاعتدال في نقد الرجال، حين يؤول الأمر إلى الاحتمال، ثم كتب في العلل الخفية التي تقدح في صحة الحديث، كوصل مرسل، أو اتصال منقطع أو رفع موقوف، أو غير ذلك ثم كتب في الناسخ والمنسوخ وكتب في غريب الحديث، كتب في تأويل مختلفه إلى غير ذلك مما لا يحصي القلم أسماؤه فكيف بمسماه؟
أليس الرواة قمينين بدراسة مناهجهم في الروايات، أليس من جاء بعدهم جديرين بمعرفة طرقهم في البحث والتمحيص والتخليص للأصل الثاني مما حاول المغرضون أن يلحقوه به.
أليس الذين أفنوا أعمارهم جمعا للحديث وحسن تبويب له وترتيب له وذبا للكذب عن ساحته بمستحقين لأن نطيل الوقوف أمام مناهجهم.
стр. 8
لا يسع أحدا أن يجيب إلا بقوله: بلى. فنحن أحوج ما نكون إلى أن نعيش في أنوار المحدثين، نسري على قبسهم، ونستهدي بسناهم، ونقتدي بهداهم، فهذه نفحات من سيرهم، ولمحات من حياتهم، وومضات من سلوكياتهم، وقبسات من خطواتهم التي خطوها على طريق النور المحمدي وليست المحاولة بدعا في بابها, فقد سبقت بجهود أئمة فضلاء، واعتمدت على محاولات نخبة من النبهاء في القديم وفي الحديث، فكل كتب علوم الحديث لا تخلوا من إشارات بل وربما توضحيات لكثير من مناهج المحدثين، وقريبا من هذا الحين كانت هناك محاولات أقرب إلى التخصص في مناهج المحدثين إن لم تتمحض له ككتاب فضيلة أستاذنا الكبير المغفور له الأستاذ محمد محمد أبو زهو الذي جاء تحت عنوان "الحديث والمحدثون" وحاكى به كتاب "التفسير والمفسرون" للأستاذ الدكتور المغفور له "محمد حسين الذهبي".
وهناك أيضا "أعلام المحدثين" لفضيلة الأستاذ الدكتور المغفور له أبي السادات محمد محمد أبي شهبة صاحب المؤلفات الكثيرة والغزيرة في التفسير والحديث والسيرة.
وهذه خطوة نسأل الله أن يعطيها ضوءها لتلمع في سماء الواقع، مبينة عن مناهج المحدثين، وعن الأطوار التي مر بها الحديث والمحدثون منذ عهد النبي ﷺ إلى هذا الحين، ولسوف نحرص على الاستقصاء ما وسعنا ذلك، وندأب على الإطالة متجنبين الملل ما استطعنا, وقد استخرت الله في تسمية هذا الكتاب فألهمني, وأسأله أن يكون ما ألهمته هو الصواب, وسميته "الضوء اللامع المبين عن مناهج المحدثين".
стр. 9
فنبدأ الجزء الأول بكلمة في التعريف بمناهج المحدثين كعلم، وبيان أهميته، وثم نثني بالكلام على الحديث في العهد النبوي، لتتضح خصائصه وتبدو معالمه من خلال دور نبي الرحمة ومعلم الحكمة ﷺ في الحض على طلب العلم عامة، وتلقي الحديث ونقله خاصة، ثم حرص التلاميذ النجباء وما بدا منهم من تسابق وتنافس على الأخذ والتلقي مما أدى إلى انتشار الحديث إلى غير ذلك من العوامل التي أدت إلى انتشاره, ثم نعرض للحديث في عهد الصحابة وكيف كان حرص الراشدين عليه، تحوطا في تحمله، ثم في أدائه، ثم نتابع المسيرة مع التابعين فنعرض لمن ظهر منهم وتألق، ونيمم وجوهنا من غرب منهم وشرق، طلبا لتبليغ الحديث متتبعين أهم المدارس الحديثية، ومناهج أساتذتها، ثم نعرض بعض النماذج الرائدة في حفظ الحديث وتبليغه من الصحابة والتابعين، ثم ننتقل إلى القرن الهجري الثاني لنطلع على مناهج المحدثين فيه، فنقف على انتشار تدوين الحديث, أسبابه, تنوع مناهج المحدثين, أشهرا ما دون في هذا القرن وأشهر المدونين، إلى غير ذلك مما نستعين الله على بيانه.
فاللهم علمنا من علمك، وذكرنا ما نسينا، وافتح علينا أبواب رحمتك وخذ بأيدينا، واشرح صدورنا ويسر أمورنا واحلل ما تعقد في طريقنا.
стр. 10
التعريف بمناهج المحدثين كعلم وبيان أهميته:
بين لك أن قولك "مناهج المحدثين" مركب إضافي مكون من كلمتي "مناهج" مضاف و"المحدثين" مضاف إليه.
وكلمة "مناهج" كلمة مجموعة على صغية منتهى الجموع؛ فهي على وزن "فعالل" الوزن الذي اختاره وشبهه الصرفيون جمعا لما فوق الثلاثة ارتقى وقواعد الميزان الصرفي تقتضي أن يكون وزن كلمة "مناهج" "مفاعل" ومفردها "منهج" وهي مصدر ميمي" لنهج" ينهج مفتوح العين في الماضي والمضارع من باب قطع وفتح والمصدر الأصلي منه "نهج" بفتح فسكون ويدور معناه على البيان والوضوح.
قال الراغب "نهج: النهج الطريق الواضح ونهج الأمر وأنهج وضح ومنهج الطريق ومنهاجه، قال ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ومنه قولهم: نهج الثوب وأنهج بان فيه أثر البلى، وقد أنهجه البلى١ وقريبا منه ما ذكره ابن الأثير٢, وقد زاد أن النهج بفتح أوله وثانيه تتابع صوت النفس بسبب الربو أو سرعة الحركة وشدة الإجهاد، وأن فعله نهج بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع, وعليه فبابه تعب.
والنهج والمنهج والمنهاج ثلاثتها بمعنى. قال الفيروزآبادي: "النهج: الطريق الواضح كالمنهج والمنهاج وبالتحريك البهر وتتابع النفس, والفعل كفرح وضرب وأنهج وضح وأوضح, والدابة سار عليها حتى انبهرت
стр. 11
عليها حتى انبهرت, والثوب أخلقه كنهجه كمنعه, فنهج الثوب -مثلثة الهاء- بلي, كالنهج ونهج كمنع وضح وأوضح، والطريق سلكه، واستنهج الطريق صار نهجا كالنهج, وفلان سلك مسلكه١.
من كل ما سبق بدا لك أن كلمة منهاج تعني الطرق الواضحة والمسالك البينة للمحدثين, فكأن الإضافة بمعنى اللام, فمن المحدثون؟ الكلمة جمع مذكر سالم مفرده "محدث" اسم فاعل من التحديث، لقب من الألقاب التي خص بها جماعة معينة، ترى ما مؤهل استحقاق هذا اللقب، اختلفت عباراتهم في تحديد القمين بأن يوصف بوصف محدث "فالمسند" بكسر النون، هو من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به، أو ليس له إلا مجرد روايته، وأما المحدث فهو أرفع منه بحيث عرف الأسانيد والعلل وأسماء الرجال. وأكثر من حفظ المتون وسماع الكتب الستة والمسانيد والمعاجم والأجزاء الحديثية, وأما الحافظ فهو مرادف للمحدث عند السلف.
وقال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس: المحدث في عصرنا: من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع بين رواته، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك, عرف فيه خطه، واشتهر فيه ضبطه، فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخ شيوخه طبقة بعد طبقة بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله فهذا هو الحافظ
стр. 12
وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من قولهم، كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء فذلك حسب أزمنتهم١.
ونحن نرى أن سعة أفق المحدث وكثرة حفظه قضية نسبية تختلف باختلاف الزمان والاستعداد، فبينما حدها الأقدمون بما ذكر نستطيع نحن الآن أن نحد المحدث أو أن نسمه ونصفه بأنه المشتغل بصنعة الحديث الخبير بها, وعليه يكون المقصود بهذا التركيب الإضافي "مناهج المحدثين" طرق البحث عندهم, وكيفية تحصيلهم للحديث, وسبل جمعهم له ووسائل فهمهم وهضمهم لمسائله، فأفق الدراسة إذن واسعة أمام المتكلم في هذه المادة.
إن كل محاولة بذلت في جمع الحديث أو من أجله تصلح لتكون محور الدراسة في منهاج المحدثين، وإذا كانوا قد اصطلحوا على تقسيم علم الحديث إلى قسمين: "رواية" ويعنون به العلم المشتمل على نقل ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو وصف خِلْقي أو خُلقي أو تقرير، و"دراية" يعنون به العلم المشتمل على قوانين وقواعد يعرف بها حال السند والمتن من صحة وحسن وضعف وعلوٍّ ونزول ورفع ووقف وقطع وكيفية التحمل والأداء ومعرفة صفة الرواية وحال الرواة، وغير ذلك؛ وإذاكانوا قد اصطلحوا على ذلك, فكل ما صنف في العلمين: الرواية والدراية من صميم تخصص الباحث في مناهج المحدثين، فأي أفق تلك التي سينساح
стр. 13
فيها؟ وأي وجهة تلك التي سيوليها؟ أيولي وجهه شطر الرواية, وما أدراك ما المصنف فيها، وما الحديث عنها ومعها بالمنقضي أبدا؟ أم يولي وجهه شطر الدراية, وهي القوانين التي تنضبط بها الرواية, فهي منها بمنزلة قواعد المنطق تعصم الذهن من الخطأ في الفكر، أو بمنزلة مسائل أصول الفقه من الفقه تمثل القواعد التي يرجع إليها الناد والشارد، أو بمنزلة أصول القراءة وأحكام التلاوة من القرآن لا يكون قرآنا إلا بها, ولا تأتي قراءته إلا من خلالها.
وأنواع علوم الحديث كثيرة ومادتها غزيرة, قال السيوطي: "اعلم أن أنواع علوم الحديث كثيرة لا تعد، قال الحازمي١ في كتاب "العجالة": علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مائة، كل نوع منها علم مستقل لو أنفق الطالب فيه عمره لما أدرك نهايته، وقد ذكر ابن الصلاح٢ منها, وتبعه المصنف٣ خمسة وستين، وقال: وليس ذلك بآخر الممكن في ذلك
стр. 14
فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى: أحوال رواة الحديث، وصفاتهم، وأحوال متون الحديث, وصفاتها، وما من حالة منها ولا صفة إلا وهي بصدد أن تفرد بالذكر وأهل له، فإذا هي نوع على حياله"١.
لعله من نافلة القول أن نقول ما أهم هذا العلم، وما أمس الحاجة إليه، إن أي علم يكتسب أهميته من أهمية موضوعه، وموضوع "مناهج المحدثين" هو كل محاولة بذلت خدمة للحديث رواية ونقلا وتحصيلا وجمعًا وفهمًا وهضمًا وتأصيلا وحكمًا وتوضيحًا وتبيينًا، بقدر رحابة واتساع دائرة البحث في هذا العلم تعظم أهميته، وتجل عن الوصف قيمته وتتضاءل الكلمات دون التعبير عن منزلته ومكانته.
стр. 15
المبحث الأول: الحديث في العهد النبوي
القرآن يقدم الحديث وصاحبه إلى الأمة:
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ١, وقال عز ذكره: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
في قمة الامتنان, وفي معرض الحديث عن دروب الإنعام والإحسان التي منّ بها الرحمن على الإنسان, يسوق لنا القرآن بآكد أسلوب وأقواه حديثا عن مهام الرسول الخاتم ﷺ ، وإنما ينتفع به المؤمن وتظهر وجوه التفضيل به على المؤمنين الذين يشرق نوره في قلوبهم، وتسطع أضواؤه في كل جوانب حياتهم، فينكشف لهم تمام المنة به عليهم.
واللام في قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ﴾ موطئة للقسم, والتقدير: والله لقد منّ، والمنّ في لغة القرآن يجيء على معانٍ منها: ما ينزل من السماء, الذي قالوا فيه: إنه
стр. 16
أحلى من العسل، وهو الذي أنعم به على بني إسرائيل ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ , ومنها القطع كقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ومنها أن تمنّ بما أعطيته للغير وتتحدث عنه فيتأذى به ذلك الغير.
ومنه قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ , وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ .
ومنها: الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه كقوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والمنان في صفة الله تعالى: المعطي ابتداء من غير أن يطلب منه عوضا.
والمفسرون١ على أن ﴿مَنَّ﴾ هنا بمعنى أحسن وأنعم على المؤمنين في علمه أو الذين يئول حالهم إلى الإيمان، منّ عليهم ببعث رسول عظيم من أشرفهم وأنبلهم وأكرمهم وأفضلهم وأوسطهم نسبا, ثم كان مهمة الرسول المبينة في هذه الآية تمثل ثلاث حلقات: قراءة للآيات, وتبليغ لها, وتزكية للنفوس وتطهيرها, وتعليم للكتاب وللحكمة، وقد علم أن الكتاب هو القرآن. فما الحكمة؟ لن تكون إلا السنة كما نص على ذلك أبو السعود٢, وسبقه إلى تقريره وتأكيده الشافعي٣, وهو يطلب ويستقصي أنواع بيان والسنة للقرآن.
стр. 17
وتزيدنا سورة الأعراف بعض الأوصاف التي كانت علامات وسمات واضحة فيه ﷺ , نصبت حتى قبل زمان نبوته, إقامة للحجة, وإسقاطا لمعذرة المتأبين على طاعته الرافضين لمتابعته ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.
وتتوجه سورة المائدة بالخطاب في أشد عتاب لأهل الكتاب على الإعراض عن الحق والتعامي عن النور ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
ومعروف أن الكتاب المبين إنما هو القرآن، ولن يكون النور إلا من كلف بالبيان.
من ذلك كله يتضح جليا المنزلة التي بوأها الله نبيه ﷺ , والصورة التي قدمه للناس من خلالها، إنه حبيبه ومصطفاه وخيرته من خلقه ومجتباه لتبليغ ما أراده من خلقه، فمنطقي أن يأمر بطاعته وأن يقرن
стр. 18
تلك الطاعة بطاعته جل في علاه فربما ينظمها أمر واحد، وربما تنفرد كل طاعة بأمر على استقلالها.
فالمؤمنون يقرءون في سورة آل عمران من كتاب ربهم المكنون: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ١ وبعد تسع وتسعين آية يقرءون في نفس السورة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢.
سورة النساء تؤكد على وجوب طاعة الرسول والتحاكم إليه:
ثم يجيء إفراد كل من الطاعتين على الاستقلال في سورة النساء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٣.
وأعجب كل العجب لإفراده طاعته بأمر وطاعة رسوله كذلك, ثم تأمل دمج طاعة أولي الأمر في طاعته تعالى, وطاعة رسوله ﷺ , وإيجابه علينا رد ما يعرض فيه التنازع إلى الله ورسوله, وبعد خمس آيات يجيء قسم أصدق القائلين, ففيم القسم؟ وعلام يقسم؟ على نفي الإيمان عن كل من لم يحتكم إليه ويحكمه فيما شجر أو ظهر من نزاع، بل ولا يكتفي
стр. 19
بمجرد التحاكم، بل لا بد من الرضا التام عن كل ما صدر من الأحكام, والإذعان والتسليم والقبول لقضاء الرسول ﷺ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١.
ونترك الحافظ ابن كثير المؤرخ المفسر المحدث يسفر ويبين عن مناهج المحدثين في فهم وإفهام آي التنزيل "يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحدكم حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .
أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به, وينقادون له في الظاهر والباطن, فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة.
كما ورد في الحديث: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به".
ثم ساق رواية البخاري بسنده عن عروة قال: "خاصم الزبير رجلا في شراج الحرة٢, فقال النبي ﷺ : "اسق يا زبير ثم أرسل
стр. 20
الماء إلى جارك"، فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ , ثم قال: "اسق يا زبير, ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر, ثم أرسل الماء إلى جارك" , فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري, وكان أشار عليهما ﷺ بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية"١.
وأشار الحافظ ابن كثير إلى أن البخاري أخرج الحديث في كتاب التفسير والشرب والصلح، وأن الإمام أحمد وافقه على إخراجه, وأن أكثر طرقه فيها إرسال لأن عروة بن الزبير لم يسمع من أبيه.
والراجح أنه سمعه عن عبد الله عن أبيه, وقد رجح البخاري بإخراجه له اتصاله بناء على ترجح سماع عروة من الزبير, وكيفما درا الحديث فهو عن الثقات.
والحديث يحكي نازلة حدثت مع الزبير، وكل من عروة وعبد الله توجد عندهما داعية قوية لحفظه لتعلقه بأبيهما.
وقد استرسلنا مع هذا الحديث لشدة الإعجاب بتحكم الصنعة الحديثية في ابن كثير٢.
стр. 21
ونمضي مع القرآن في تقديمه للسنة وتعريفه الأنام بمكانتها ومنزلتها, فنقرأ في سورة النساء أيضا, وبعد الآية التي عشنا معها بأربع عشرة آية ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ١.
أتبقى ريبة عند عاقل في مكانة السنة أو منزلتها من التشريع، بعد هذا الربط القرآني المحكم، إن طاعة الله ﵎ هي لازمة من لوازم طاعة رسول الله ﷺ ، فهي تقتضيها فلا سبيل إلى الفصل بين الطاعتين, ولا تتحقق إحداهما بدون الأخرى.
стр. 22
على طريق التأكيد تمضي المائدة والأنفال:
وبعد أمر قرآني بوجوب اجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وتعليل ذلك الأمر يجيء هذا الأمر القرآني العام ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ١.
ولنتأمل هنا بعد إفراد كل من الطاعتين بأمر مستقل هذا الأمر ﴿وَاحْذَرُوا﴾ ففيما التحذير ومن أي شيء؟ ينساق الذهن أول ما ينساق إلى المخالفة, وكأنه قال: أطيعوا واحذروا أن تخالفوا، الزموا الطاعة وإياكم والعصيان.
ثم نمضي لنقرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ٢.
стр. 23
ثم يتبع هذا نهي عن محاكاة المعرضين تعزيز عن التشبه بهم باعتبارهم أحط الدواب, وأسوأها وأشدها شرًّا وأبعدها عن دائرة التعقل والتأمل؛ فهم معطلون لحواسهم غير منتفعين بنعم الله عليهم، ثم يجيء هذا الأمر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ١.
وهكذا أوجب الاستجابة للرسول كما أوجب له الاستجابة تعالى والمعنى كما يقول صاحب المنار: "وإذا علمتم ما فرضنا عليكم من الطاعة، وشأن سماع التفقه من الهداية، وقد دعاكم الرسول بالتبليغ عن الله لما يحييكم فأجيبوا الدعوة بعناية وهمة، وعزيمة وقوة، فهو كقوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ والمراد بالحياة هنا حياة العلم بالله تعالى وسننه في خلقه، وأحكام شرعه, والحكمة, والفضيلة, والأعمال الصالحة التي تكمل بها الفطرة الإنسانية في الدنيا, وتستعد للحياة الأبدية في الآخرة، وقيل: المراد بالحياة هنا الجهاد في سبيل الله؛ لأنه سبب القوة والعزة والسلطان, والصواب أن الجهاد يدخل فيما ذكرنا, وليس هو الحياة المطلوبة، بل هو وسيلة لتحققها, وسياج لها بعد حصولها، وقيل: هي الإيمان والإسلام، وإنما يصح باعتبار ما كان يتجدد من الأحكام، وثمرته في القلوب والأعمال، بما في الاستجابة من معن المبالغة في الإجابة، وإلا فالخطاب للمؤمنين، وقيل: هي القرآن, ولا شك أنه ينبوعها الأعظم، الهادي إلى سبيلها الأقوم، مع بيانه من
стр. 24
سنة الرسول وهديه الذي أمرنا بأن يكون لنا فيه أسوة حسنة، ويدل عليه اقتران طاعته بطاعة الله تعالى، بل قال بعض العلماء: إنه كان إذا دعا شخصا, وهو يصلي يحب عليه أن يترك الصلاة استجابة له، وأن الصلاة لا تبطل بإجابته، بل له أن يبني على ما كان صلى ويُتم, واستدلوا على ذلك بحديث رواه البخاري عن سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول ﷺ , فلم أجبه -أو قال: فلم آته حتى صليت, ثم أتيته- فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: "ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ " , وروى الترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة "أنه صلى الله عليه سلم دعا أبي بن كعب وهو في الصلاة" وذكر نحوه مما رواه البخاري عن أبي سعيد وصححه١.
وقد استنبط الحافظ ابن حجر من الحديث "أن الأمر يقتضي الفور؛ لأنه عاتب الصحابي على تأخير إجابته، وفيه استعمال صيغة العموم في الأحوال كلها, قال الخطابي: فيه إن حكم لفظ العموم أن يجري على جميع ما اقتضاه, وأن الخاص والعام إذا تقابلا كان العام منزلا على الخاص؛ لأن الشارع حرم الكلام في الصلاة على العموم, ثم استثنى منه إجابة دعاء النبي ﷺ في الصلاة، وفيه أن إجابة المصلي دعاء النبي ﷺ لا تفسد الصلاة، هكذا صرح به جماعة من الشافعية وغيرهم.
وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا سواء كان المخاطب
стр. 25
مصليا أو غير مصلٍ. أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج, فليس من الحديث ما يستلزمه, فيحتمل أن تجب الإجابة, ولو خرج المجيب من الصلاة, وإلى ذلك جنح بعض الشافعية.
وهل يختص هذا الحكم بالنداء أو يشتمل ما هو أعم حتى تجب إجابته إذا سأل؟ فيه بحث, قد جزم ابن حبان بأن إجابة الصحابة في قصة ذي اليدين كان كذلك١.
стр. 26
القرآن يواصل حديثه عن استواء طاعة الله ورسوله في الوجوب:
ويتواصل حديث القرآن في وجوب طاعة الله ورسوله, فيرد في السورة التي أنزلها وفرضها, وأنزل فيها آيات بينات على ثلاث حلقات:
الأولى:
في معرض تبكيت المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم, ويقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم طوع أمره, لا يقومون على عصيانه، فينهاهم عن القسم ويبالغ في تسفيههم في ادعائهم الطاعة، فهي طاعة معروفة واضحة بينة المعالم والخصائص جلية منكشفة, سيما والمراقب لها هو الخبير بكل أعمالهم الذي لا تخفى عليه خافية, ثم يقول لحبيبه ومصطفاه موجها له أن يأمر هذا الأمر العام المقرون بإعفاء كل فريق من تبعة الآخر وجريرته ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ١.
стр. 27
وتجيء الحلقة الثانية: بعد الأولى بآية واحدة مبدوءة بأمر خاص, متدرج في العام الذي يتلوه تنبيها على شرف الخاص والعام, فإذا استحق الخاص أن يفرد بالذكر, وأن يسارع إلى إيراده, فكيف بالعام الذي يندرج الخاص تحت أفراده؟ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١.
ثم تجيء الحلقة الثالثة: في إطار الإظهار لمزيد العناية, والاهتمام بأمر المطاع, المربي, المعلم ﷺ ، فبعد ثناء رباني عاطر على المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله, ومدح لهم ببعض ما وهبهم, ووفقهم إليه من التزام جانب الأدب مع القائد, وترك الاستئذان عن مصاحبته, والذهاب معه إلى الميدان، متى كانت لهم مندوحة عن الاستئذان فهم لا يستأذنونه إلا لعذر قهري, لذا أمر أن يقبل عذرهم فيأذن لهم. ومزيدا من التكريم والتفخيم لشأنه العظيم, أطلق مشيئة في الإذن ولم يحددها إلا بدائرة تحقق العذر للمستأذن, بعد ذلك يحيطه بهالات من الوقار, ويكسوه ثوب الجلال والإكبار, فهو المتواضع الذي رفعه تواضعه فوق القاطبة فلا يصح أن ينادى بما يتنادون هم به, ولا أن يعامل منهم إلا على أنه المربي الوقور, والقائد الجسور الذي يُهاب ولا يَهاب, وتتقاصر الأحداق, وتضعف دون طلعته ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢.
стр. 28
هكذا بلغت الأنظار "إلى ضرورة توقير الرسول ﷺ عند الاستئذان، وفي كل الأحوال, فلا يدعى باسمه: يا محمد, أو كنيته: يا أبا القاسم، كما يدعو المسلمون بعضهم بعضا، إنما يدعى بتشريف الله له وتكريمه: يا نبي الله، يا رسول الله.
فلا بد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله ﷺ -حتى نستشعر توقير كل كلمة منه, وكل توجيه, وهي لفتة ضرورية، فلا بد للمربي من وقار، ولا بد للقائد من هيبة، وفرق بين أن يكون هو متواضعا هينا لينا، وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم لبعض. يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم, يرتفع بها عليهم في قرارة شعورهم، ويستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير، ثم يحذر المنافقين الذين يتسللون ويذهبون بدون إذن، يلوذ بعضهم ببعض، ويتدارى بعضهم ببعض فعين الله عليهم، وإن كانت عين الرسول لا تراهم:
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ , وهو تعبير يصور حركة التخلي والتسلل بحذر من المجلس، ويتمثل فيها الجبن عن المواجهة، وحقارة الحركة والشعور المصاحب لها في النفوس ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، وإنه لتحذير مرهوب, وتهديد رهيب.
فليحذر الذين يخالفون عن أمره، ويتبعون نهجا غير نهجه, ويتسللون من الصف ابتغاء منفعة أو اتقاء مضرة, ليحذروا أن تصيبهم فتنة تضطرب فيها المقاييس، وتختل فيها الموازين، وينتكث فيها النظام، فيختلط الحق
стр. 29
بالباطل، والطيب بالخبيث، وتفسد أمور الجماعة وحياتها، فلا يأمن على نفسه أحد، ولا يقف عند حده أحد، ولا يتميز فيها خير من شر وهي فترة شقاء للجميع ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدنيا أو في الآخرة جزاء المخالفة عن أمر الله, ونهجه الذي ارتضاه للحياة"١.
ودفعا للسآمة والملل نستعفي من الوقوف بكل إجلال في رحاب سورة الحجرات, وهي تؤدب, وتهذب سلوك المؤمن تجاه الله ورسوله، فلا يصح التقديم بين يديهما، ولا حتى مجرد رفع الصوت فوق صوت النبي, فضلا عن مناداته من وراء الحجرات، وتصريح يذم من يفعل ذلك وتعريض به من خلال امتداح مقابله, أولئك الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله مبرهنين على أن الله استخلص قلوبهم للتقوى واصطفاهم لها.
стр. 30
قمة ما تستند إليه السنة في حجيتها:
ثم نصل إلى قمة ما تستند إليه السنة في حجيتها والغاية التي تعليها إلى مكانتها ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١.
نقل القرطبي عن المهدوي في التعليق على الآية: "هذا يوجب أن كل ما أمر به النبي ﷺ أمر من الله تعالى، والآية وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره ﷺ ونواهيه دخل فيها, ثم
стр. 31
نقل عن الشافعي ﵁ قوله: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله تعالى وسنة نبيكم ﷺ ، فسئل: ما تقول -أصلحك الله- في المحرم يقتل الزنبور؟
فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ , وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان قال:
قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر". حدثنا سفيان ابن عيينة عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر بقتل الزنبور. قال علماؤنا: وهذا جواب في نهاية الحسن، أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام، وبين أنه يقتدى فيه بعمر، وأن النبي ﷺ أمر بالاقتداء به، وأن الله سبحانه أمر بقبول ما يقوله النبي ﷺ , فجواز قتله مستنبط من الكتاب والسنة١.
وإذا كان العلماء قد انبهروا بجواب الشافعي هذا واعتبروه غاية في الحسن، فإن للشافعي إماما, وقدوة في دقة الفهم, هذه التي استوعبت ما بين الكتاب والسنة من شديد التواثق, وحسن التطابق والتوافق، ذلكم هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود, فقد روى لنا الإمام مسلم بسنده الصحيح
стр. 32
إلى عبد الله ﵁ قال: "لعن الله الواشمات١ والنامصات٢ والمتنمصات والمتفلجات٣ للحسن المغيرات خلق الله".
قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب٤.
وكانت تقرأ القرآن فأتته, فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسولُ الله ﷺ ، وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته, فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه, قال الله : ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ
стр. 33
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ , فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذا على امرأتك الآن, قال: اذهبي فانظري, قال: فدخلت على امرأة عبد الله, فلم تر شيئا, فجاءت إليه, فقالت: ما رأيت شيئا، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها"١.
ونختم بقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ٢.
وقد سبقت الإشارة إلى حكم الله على مبايعته ﷺ بأنها مبايعة لله، وما أسعد الموفين بما بذله رب العالمين أكرم الأكرمين لهم من وعد، وما أشقى الناكثين بما توعدهم به القوي المتين من الوعيد ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٣.
стр. 34
المطاع والمطاع فيه والمطيعون
المطاع
...
المطاع والمطاع فيه والمطيعون:
بعد هذا التأكيد القرآني على وجوب طاعته ﷺ من خلال العديد من الآيات المتضمنة للأمر بالطاعة اقترانا أو استقلالا, يجدر بنا أن نمعن التأمل في هذه الأمور الثلاثة موضوع العنونة:
المطاع:
المأمور بطاعته هو رسول الله ﷺ , ولا ريب في استحقاقه لهذا الاهتمام, ولا بد من أن تكون كل مؤهلات الإمام قد بلغت فيه حد الكمال والتمام حتى يقبل الناس عليه مذعنين فيأتمروا بأمره ويكونوا طوع بنانه. يقول فيستمعون, ويدعو فيلبون, ويأمر فيطيعون, وبأمره يصدعون. إذا اقتنعوا به وبمقومات إمارته عليهم استسهلوا كل صعب دون إجابته, وخفوا مسرعين لدعوته.
ولا نظن أن قائدا ملك عناصر القيادة, وتوفرت فيه كل مقومات الزعامة, وتوفرت له سائر أسباب النجاح قدر ما كان القائد المعلم محمد رسول الله ﷺ , حتى قبل أن يكون رسولا اضطلع بمعالي الأمور, وتخلق بمكارم الأخلاق, وعرف بين العامة والخاصة بالصادق الأمين, وملك جماع المحامد والمفاخر والمآثر, وحاز الجمال والكمال خِلقة وخُلقًا.
وكيف لا, وهو خيرة الله وصفوته وإبداعه وصنعته؟ صنعه على عينه ورباه على هديه ونهجه, ونقاه من كل شوب, وبرأه من كل عيب, وصدق من قال فيه:
стр. 35
خلقت مبرّأً من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء
فأفضل منك لم تر قط عيني ... وأجمل منك لم تلد النساء
وعن جماله الخلقي الجذاب وما منحه إياه المعطي الوهاب من الشمائل والفضائل تحدثنا أم معبد عاتكة بنت خالد التي مر الحبيب المصطفى ﷺ ورفاقه بخيمتها, وهم في طريقهم إلى المدينة في رحلة الهجرة المباركة الميمونة, وكان من يمنه وبركته عليها, وعلى آلها ما كان حين مسح ضرع شاتها العجفاء فدر الضرع لبنا غزيرًا مما شاق زوجها أكثم بن أبي الجون إلى معرفة صفة المبارك الذي درت بركته لبن غير ذات الفحل, فطلب من أم معبد أن تصفه له فقالت:
"رأيت رجلا ظاهر الوضاءة, أبلج الوجه, حسن الخلق, لم تعبه ثجلة١, ولم تزر به صعلة٢, وسيم قسيم في عينيه دعج٣.
في أشفاده وطف٤, وفي صوته صهل٥, وفي عنقه سَطَع٦, وفي لحيته
стр. 36
كثاثة١, أزج٢, أقرن٣, إن صمت فعليه الوقار, وإن تكلم سماه وعلاه البهاء, أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأجمله من قريب, حلو المنطق فصلا لا نزر ولا هذر٤, كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن.
ربعة, لا تشنأه من طول, ولا تقتحمه عين من قصر, غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا, وأحسنهم قدرًا, له رفقاء يحفون به, إن قال سمعوا لقوله, وإن أمر تبادروا إلى أمره, محفود٥, محشود٦, لا عابس ولا مفند٧".
وأصبح صوت بمكة عاليا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه, وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا٨ خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما ذوى الله عنكم ... به من فعال لا يجازى وسؤدد
ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من بسعد الله يسعد٩
стр. 37
وليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت ... عليه صريحا ضرة الشاة مزيد١
فغادره رهنا لديها لحالب ... يرددها في مصدر بعد مورد
فلما سمع حسان الهاتف بذلك٢ شبب يجاوب الهاتف فقال:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليهم ويفتدي
ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم ... فأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا ... عمي وهداة يهتدون بمهتد
وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد٣
стр. 38
المطاع مزود من قبل من أرسله الآمر بطاعته بصفات جبلية تستهوي القلوب, وتأسر الأفئدة، كيف وقد زانته في الخلق العظيم شمائل، أو اكتنفت كل تصرفاته فضائل, فهو الحي الكريم الأشد حياء من العذراء في خدرها وهو الشجاع المقدام الذي تتقى به السهام، وإذا حمي الوطيس واشتد البأس لم يكن أحد منهم أقرب إلى رماح العدو وسيوفه منه ﷺ ,
وهو السياج لهم والملجأ والملاذ, هو نبي الرحمة وهو نبي الملحمة, بعث رحمة للعالمين, ولم يبعث لعانا, ولم يكن فظا ولا غليظًا ولا صخابًا بالأسواق.
لا يدفع بالسيئة السيئة, وإنما يعفو ويصفح, إنه الهين اللين الذي يحب الرفق في الأمر كله، إنه السخي الذي يفضُل في سخائه الريح المرسلة، إنه الجواد الكريم الرءوف الرحيم الذي تتعدى رحمته الإنس والجن, فتتسع أرجاؤها لتشمل الحيوان الأعجم الذي يحس كما يحس الإنسان, ويتوجع ويتألم ويبكي ولكن بغير دموع، ومهما تكلم اللسان وأفصح البيان فهيهات أن يعرب عن معشار معشار ما بلغه سيد الأبرار من علو شأن في كريم الأخلاق وطيب الخلال وجميل الخصال، ولن يقدره إلا العليم الخبير الذي منحه وأعطاه وأعلن بآكد الكلام وأقواه أن عطاياه ستتوالى حتى يتحقق رضاه ولن
стр. 39
يروم مخلوق ثناء على أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله بعد ما أثنى عليه الخلاق فقال وهو أصدق القائلين: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
جاذبيات متعددة تلك التي تستهوي القلوب والأفئدة, أمر من الملك الأعلى جل في علاه, مؤكد ومكرر بطاعة حبيبه ومصطفاه, ومناقب جوهرية في المطاع, وصفات جبلية فيه, وسجايا كريمة وأخلاق عظيمة تقرب الناد وتؤوي البعيد والشارد, فلا عجب أن ينسل الناس إليه من كل حدب وصوب, وأن يأتيه الدانون والقاصون رجالا وركبانا ليشهدوا منافع لهم, ولا غرابة في أن يجتمع الناس على طاعته, وأن يتعاهدوا على حمايته, ويبايعوه على أن يحموه مما يحمون منه نساءهم وأولادهم وأنفسهم.
يتاسبق الجميع في البذل والعطاء ويتنافسون في التضحية والفداء, وما نبأ الفدائي الأول في الإسلام علي بن أبي طالب ببعيد عن الأفهام، وما أكثر الذين حملوا أرواحهم على أكفهم فداء للدعوة والداعية ﷺ , ما أرخص الدماء, وما أهون الآباء والأبناء, وإلحاح أبي بكر على الإذن له في مبارزة ولده ومكافحة أمين هذه الأمة أبي عبيدة ومواجهته أباه, وبلاء طلحة الذي أوجب يوم أحد, ومنافحة سعد وتدرع أبي دجانة للنبي ﷺ , وتلقيه السهام دونه, كل هذه مواقف سجلتها الأيام لأولئك الأعلام في سطور من نور, وحفظتها ووعتها صدور عرفت أن للحق فرسانه وشجعانه عرفوا به, وما كان ليعرف إلا بهم.
стр. 40
ويصف هذه المواقف العظيمة ويسجلها لأنصار الحق, عروةُ بن مسعود بن معتب الثقفي, سفير قريش إلى النبي ﷺ , ومفاوضهم الأول بعد أن أبلغهم بديل بن ورقاء بنية المسلمين وقصدهم, فلم يقبلوا منه ذلك واتهموه بمصانعتهم، ويعنينا من وصف عروة الجزء أو القدر الذي يجري فيه الحق على لسانه شهادة تالدة خالدة لخير قرن وخير أمة.
ولا يفوتنا أن نسجل موقف الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة بن مسعود, فعروة عمه, لكن ولاءه لدينه وعقيدته, قال عروة بعد أن أعلمه النبي ﷺ بمثل ما أعلمه بديلا: "أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك, هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوها, وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر ﵁: امصص بظر اللات١.
أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كان لك عندي لم أجزك بها لأجبتك قال:
وجعل يكلم النبي ﷺ , فكلما تكلم أخذ بلحيته, والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه سلم ومعه السيف وعليه المغفر