كثاثة١, أزج٢, أقرن٣, إن صمت فعليه الوقار, وإن تكلم سماه وعلاه البهاء, أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأجمله من قريب, حلو المنطق فصلا لا نزر ولا هذر٤, كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن.
ربعة, لا تشنأه من طول, ولا تقتحمه عين من قصر, غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا, وأحسنهم قدرًا, له رفقاء يحفون به, إن قال سمعوا لقوله, وإن أمر تبادروا إلى أمره, محفود٥, محشود٦, لا عابس ولا مفند٧".
وأصبح صوت بمكة عاليا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه, وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا٨ خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما ذوى الله عنكم ... به من فعال لا يجازى وسؤدد
ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من بسعد الله يسعد٩
стр. 37
وليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت ... عليه صريحا ضرة الشاة مزيد١
فغادره رهنا لديها لحالب ... يرددها في مصدر بعد مورد
فلما سمع حسان الهاتف بذلك٢ شبب يجاوب الهاتف فقال:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليهم ويفتدي
ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم ... فأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا ... عمي وهداة يهتدون بمهتد
وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد٣
стр. 38
المطاع مزود من قبل من أرسله الآمر بطاعته بصفات جبلية تستهوي القلوب, وتأسر الأفئدة، كيف وقد زانته في الخلق العظيم شمائل، أو اكتنفت كل تصرفاته فضائل, فهو الحي الكريم الأشد حياء من العذراء في خدرها وهو الشجاع المقدام الذي تتقى به السهام، وإذا حمي الوطيس واشتد البأس لم يكن أحد منهم أقرب إلى رماح العدو وسيوفه منه ﷺ ,
وهو السياج لهم والملجأ والملاذ, هو نبي الرحمة وهو نبي الملحمة, بعث رحمة للعالمين, ولم يبعث لعانا, ولم يكن فظا ولا غليظًا ولا صخابًا بالأسواق.
لا يدفع بالسيئة السيئة, وإنما يعفو ويصفح, إنه الهين اللين الذي يحب الرفق في الأمر كله، إنه السخي الذي يفضُل في سخائه الريح المرسلة، إنه الجواد الكريم الرءوف الرحيم الذي تتعدى رحمته الإنس والجن, فتتسع أرجاؤها لتشمل الحيوان الأعجم الذي يحس كما يحس الإنسان, ويتوجع ويتألم ويبكي ولكن بغير دموع، ومهما تكلم اللسان وأفصح البيان فهيهات أن يعرب عن معشار معشار ما بلغه سيد الأبرار من علو شأن في كريم الأخلاق وطيب الخلال وجميل الخصال، ولن يقدره إلا العليم الخبير الذي منحه وأعطاه وأعلن بآكد الكلام وأقواه أن عطاياه ستتوالى حتى يتحقق رضاه ولن
стр. 39
يروم مخلوق ثناء على أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله بعد ما أثنى عليه الخلاق فقال وهو أصدق القائلين: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
جاذبيات متعددة تلك التي تستهوي القلوب والأفئدة, أمر من الملك الأعلى جل في علاه, مؤكد ومكرر بطاعة حبيبه ومصطفاه, ومناقب جوهرية في المطاع, وصفات جبلية فيه, وسجايا كريمة وأخلاق عظيمة تقرب الناد وتؤوي البعيد والشارد, فلا عجب أن ينسل الناس إليه من كل حدب وصوب, وأن يأتيه الدانون والقاصون رجالا وركبانا ليشهدوا منافع لهم, ولا غرابة في أن يجتمع الناس على طاعته, وأن يتعاهدوا على حمايته, ويبايعوه على أن يحموه مما يحمون منه نساءهم وأولادهم وأنفسهم.
يتاسبق الجميع في البذل والعطاء ويتنافسون في التضحية والفداء, وما نبأ الفدائي الأول في الإسلام علي بن أبي طالب ببعيد عن الأفهام، وما أكثر الذين حملوا أرواحهم على أكفهم فداء للدعوة والداعية ﷺ , ما أرخص الدماء, وما أهون الآباء والأبناء, وإلحاح أبي بكر على الإذن له في مبارزة ولده ومكافحة أمين هذه الأمة أبي عبيدة ومواجهته أباه, وبلاء طلحة الذي أوجب يوم أحد, ومنافحة سعد وتدرع أبي دجانة للنبي ﷺ , وتلقيه السهام دونه, كل هذه مواقف سجلتها الأيام لأولئك الأعلام في سطور من نور, وحفظتها ووعتها صدور عرفت أن للحق فرسانه وشجعانه عرفوا به, وما كان ليعرف إلا بهم.
стр. 40
ويصف هذه المواقف العظيمة ويسجلها لأنصار الحق, عروةُ بن مسعود بن معتب الثقفي, سفير قريش إلى النبي ﷺ , ومفاوضهم الأول بعد أن أبلغهم بديل بن ورقاء بنية المسلمين وقصدهم, فلم يقبلوا منه ذلك واتهموه بمصانعتهم، ويعنينا من وصف عروة الجزء أو القدر الذي يجري فيه الحق على لسانه شهادة تالدة خالدة لخير قرن وخير أمة.
ولا يفوتنا أن نسجل موقف الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة بن مسعود, فعروة عمه, لكن ولاءه لدينه وعقيدته, قال عروة بعد أن أعلمه النبي ﷺ بمثل ما أعلمه بديلا: "أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك, هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوها, وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر ﵁: امصص بظر اللات١.
أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كان لك عندي لم أجزك بها لأجبتك قال:
وجعل يكلم النبي ﷺ , فكلما تكلم أخذ بلحيته, والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه سلم ومعه السيف وعليه المغفر
стр. 41
فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف, وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ , فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة, فقال: أي غدر! ألست أسعى في غدرتك؟
وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية, فقتلهم وأخذ أموالهم, ثم جاء فأسلم, فقال النبي ﷺ : "أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء" , ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه, قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم, فدلك بها وجهه وجلده, وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له, فرجع عروة إلى أصحابه, فقال: أي قوم! والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا.
والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده, فإذا أمرهم ابتدروا أمره, وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه, وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له, وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها"١.
стр. 42
المطاع فيه: "السنة أو الحديث ":
هذا الذي أمر الله تعالى بطاعة رسوله ﷺ فيه, وتطلبته شخصية المطاع: ليس هو إلا السنة أو الحديث بكل الإطلاقات عليهما عند الأصوليين أو الفقهاء أو المحدثين, بل واللغويين أيضا, فالسنة عندهم هي الطريقة والسيرة محمودة كانت أم مذمومة, والحديث هو ما يستعمل في مقابلة القديم فيرادف الجديد, أو ما يدور على لسان الشخص, وقد يعبر به أو يحكي به الفصل والإشارة والوصف والتقرير أيضا لا بد له من حديث ينقل به أو يعبر به عنه.
والأصوليون يعتبرون السنة بمن صدرت عنه فما جاء عن النبي فهو سنة أو يقابلون بها القرآن, فالسنة ما جاء عن النبي ﷺ , والقرآن ما جاء عن الله تعالى بواسطته, فهي عندهم تقابل البدعة, وعند الفقهاء تستعمل السنة باعتبار كونها دليلا للأحكام المستنبطة, وأيضا باعتبار كونها وصفا للحكم, فهي تغاير بقية الأحكام الخمسة نعني الوجوب والإباحة, والكراهة والحرمة.
وقد يعرفونها مريدين وقوعها وتحققها فيقولون: السنة ما واظب عليه النبي ﷺ وأظهره في جماعة, ولم يدل دليل عليها من الكتاب, وأما المحدثون فإنهم ينظرون إلى النبي ﷺ من خلال كونه قدوة, فكل ما صدر عنه من قول أو فعل أو وصف خلقي أو تقرير فهو سنة, ويطلق الحديث عند جمهورهم مرادًا به هذا المعنى, ويندرج فيه أيضا المضاف
стр. 43
إلى الصحابي والتابعي ثقة بالصحابة والتابعين, فهم إما مقررون أو مقتدون متبعون أو مستنبطون مجتهدون, وهم في ذلك مقدمون لمعاصرتهم نزول الوحي ومعايشتهم التشريع أو لقربهم منهما.
ولقد غلب إطلاق المحدثين هذا على غيره من الإطلاقات, فالحديث أو السنة يطلق كل منهما على الآخر, وتتسع دائرة الإطلاق لتشمل كل ما للحياة من آفاق, فإذا أمر الناس بالطاعة ففيم يطيعون؟ والجواب في كل شيء حين يحيون وحين يموتون, حين يتحركون وحين يسكنون, حين يقيمون وحين يظعنون, في عبادتهم, في عاداتهم, في معاملاتهم, في فرحهم وفي ترحهم, في كل نازلة تنزل بهم يجدون للأسوة الحسنة توجيها, وفي كل واقعة تقع منهم أو معهم يصادفون له فيها إرشادًا سديدًا قد يشاهدون الحادثة والتوجيه فيها, وقد يسألون من شاهد, وقد يشكل الأمر عليهم, فلا ينزاح الإشكال إلا بالسؤال لمن هو خبير بالحال.
وهاك أمثلة للطرق التي تعلموا السنة من خلالها:
١- حوادث يعايشها النبي ﷺ , أو يطلع عليها فيتبين الحكم فيها, ثم ينتشر هذا الحكم بواسطة كثرة من سمعوه, وقد يرسل النبي ﷺ من ينادي به الناس.
روى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر برجل يبيع طعاما, فسأله: "كيف تبيع؟ " فأخبره, فأوحي إليه: أدخل يدك فيه, فأدخل يده, فإذا هو مبلول, فقال رسول الله صلى الله عليه
стр. 44
وسلم: "ليس منا من غش"١.
٢- وقد تقع الحادثة مع أحدهم, فيفزع إلى النبي ﷺ يستفتيه فيفتيه. روى قيس بن طلق عن أبيه أنه سأل النبي ﷺ , أو سأله رجل فقال: بينما أنا في الصلاة, ذهبت أحك فخذي, فأصابت يدي ذكري؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل هو إلا بضعة منك" ٢.
وقد تقع الحادثة مع الشخص فيستحيي أن يسأل هو, فينيب من يستفتي له. من ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت رجلا مذاء, فكنت أستحيي أن أسأل رسول الله صلى الله عليه سلم؛ لمكان ابنته, فأمرت المقداد بن الأسود, فسأله فقال: "يغسل ذكره ويتوضأ" ٣.
٣- قد تقع الوقائع وتحدث الحوادث, فيتصرف النبي ﷺ بمقتضى الوحي الذي يوحي به إليه, ويحضر الصحابة, فيبلغوا ما رأوه, ويخبروا عما شاهدوه, وينقلوا ما سمعوه أداء لأمانة العلم, وخروجا من عهدة الكتمان, وطلبا للثواب والأجر, وذلك كثيرا وأكثر الأحكام الشرعية انبنت على هذه الطريقة في النقل, فعلمنا بواسطتها كيفيات وضوئه واغتساله وتيممه
стр. 45
وصلاته وصيامه وحجه إلى غير ذلك مما يبلغ في الشهرة والكثرة حد الاستغناء عن المثال.
أضف إلى كل ما سبق حرص الصحابة على تمام الاستفادة من معلمهم الأعظم ﷺ , وحلاوة الاستمتاع بمخالطته ومعايشته، ثم ولا بد أن يعلم أن الذي تكفل بحفظ القرآن كان ولابد أن يحفظ البيان له, وأن يهيئ كل الوسائل اللازمة لذلك, وأن يحفظ الهمم, وأن يقوي العزائم على خدمة السنة الغراء, والنهوض بواجب تبليغها وصيانتها من ضياعها, أو ضياع شيء منها أو امتداد يد العبث إليها, ونستطيع أن نؤكد واثقين مطمئنين أن الحديث كله حفظ بواسطة الصحابة أجمعين, ولم تغب جزئية من جزئياته عن مجموعهم, فإن غابت عن البعض فلا بد وأن تكون موجودة عند البعض الآخر, ولا يعقل ولا يقبل أن شيئا من السنن قد ضاع أو غفل عنه؛ لأن معنى ذلك ضياع شيء من الدين ونقصان فيما أحكم الله إكماله, واتهام لمن بلغوا القمة في حسن الالتزام بالتقصير والتفريط في واجبهم, وهم أعلى وأجل من أن يضيع منهم شيء كثر أو قل من السنة.
"ويخطئ من يدعي أن بعض السنن فات الصحابة جميعا بعد أن رأينا مدى عنايتهم بها, وحرصهم عليها فكيف يغيب عنهم شيء منها, وهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ نيفا وعشرين عاما قبل الهجرة وبعدها, فحفظوا عنه أقواله وأفعاله ونومه ويقظته وحركته وسكونه وقيامه وقعوده واجتهاده وعبادته وسيرته وسراياه ومغازيه، ومزاحه وزجره، وخطبه وأكله وشربه، ومعاملته أهله، وتأديبه فرسه، وكتبه إلى المسلمين
стр. 46
والمشركين، وعهوده ومواثيقه، وألحاظه وأنفاسه وصفاته هذا سوى ما حفظوا عنه من أحكام الشريعة وما سألوه عن العبادات والحلال والحرام أو تحاكموا فيه إليه"١.
стр. 47
المطيعون:
المأمورون بالطاعة في دائرة متسعة الأرجاء متعددة الأنحاء, تتناول كل حياتهم وتضمن لهم إن هم امتثلوها ونفذوا كل ما فيها الخير لهم في عاجلهم وآجلهم, في حالهم ومآلهم. هؤلاء المأمورون بالطاعة هم الأئمة الأعلام مادة الإسلام, جعلهم الله أمناء على وحيه بعد رسوله ﷺ , وحملة لشرعه ونقلة لهديه, فمنطقي أن يكونوا أرضا خصبة أمسكت الماء وانتفعت به فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. إنهم الجديرون بثناء ربهم وتعديده لفضائلهم في غير ما موضع من كتابه وعلى لسان رحمته المهداة ونعمته المسداة.
فهم الأمة الوسط, والوسطية تعني الخيرية, ومطلق الأفضلية المسببة بالأسباب القوية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١.
وما كانوا شهداء على الناس إلا بعد أن ملكوا كل مقومات الشهادة وحاذوا عناصرها, والحكم العدل أعز من أن يقبل شهادة المساوي في
стр. 48
مساويه فقوانين التنزيه المطلق توجب أن يكون الشاهد أكمل وأتم فيما يشهد فيه عن المشهود عليه.
ثم يجيء الحكم بالخيرية معللا ومسببا ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١.
نقل ابن كثير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة, والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه, وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ , ثم الذين يلونهم, كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية٢.
والثناء على مجموعهم في كتاب الله كثيرا ناهيك عن اختصاص العديد منهم بفضائل, اقتضت أن ينزل الله فيهم قرآنا يتلى إلى يوم الدين.
إنهم خير القرون السابقون الأولون الراضون والمرضيون المقبولون الذين حذرنا من الخوض فيهم, أو النيل منهم, وأعلمنا أننا لو أنفقنا مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.
إنهم نجوم الهدى ومصابيح الدجى وأيادي الندى وليوث الفدا, حرصوا على الفضل حرص الضنين وبذلوا في بلوغه كل نفيس وثمين كان
стр. 49
منهم الصديق والحواري والأمين والفاروق والفدائي والكريم الحيي والفطن الذكي، فكل من رآه ﷺ مؤمنا به ومات على إسلامه فهو الصحابي, لذا كانوا طبقات, فكان منهم البدري.
ولعل الله اطلع على أهل بدر, فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وسبقه المبشر بالجنة من سابقيهم إلى الإسلام فالأقدم صحبة في الزمان وتلاه من حضر بيعة الرضوان ثم أسلم يوم الفتح، ثم من شهد حجة الوداع وهم جموع لا يحصون. ذكر البعض أنه حضرها تسعون ألفا, وزاد البعض ألفا آخرين، المهم أنهم كانوا كثرة كاثرة مستكثرة, وما كانت كثرتهم قط كغثاء السيل, وإنما كان الواحد منهم يفضل أمة.
والناس واحد منهم كألف ... والألف كالواحد إن أمر عنى
سمع هؤلاء أوامر ربهم بطاعة نبيه ﷺ , فصدعوا لها وبهروا بشخصيته, فالتفوا حوله كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم، وأحسوا بمسيس حاجتهم إلى إرشاداته وتوجيهاته, ورغبوا فيما وعدهم به من الثواب العظيم والنعيم المقيم إن هم علموا وعلّموا غيرهم, وفقهوا وفقّهوا سواهم, وأخذوا وبلغوا من بعدهم, وكان للجو العلمي الذي أحاط بالدعوة وصاحبها منذ البداية أكبر دافع لهم لطلب العلم وحافز عليه, فأول ما قرءوا في كتاب ربهم أمر بالقراءة وإشادة بوسائلها, ورأوا أن الوحي يحتاج إلى كتبة يسجلونه, وأنهم إن أرادوا قهر عدوهم المتربص بهم الدوائر فلا بد وأن يأخذوا بأسباب العلم.
كان قبوله ﷺ في فداء أسرى بدر مبدأ تعليم من يجيد
стр. 50
القراءة والكتابة منهم عشرة من أبناء المسلمين فتحا لباب المنافسة في العلم على مصراعيه وانطلاقة كبرى في آفاق العلم, وماذا بعد أن يقصر الله الخشية الحقيقية له على العلماء, وأن يكرر هذا الاستفهام عن صحة المساواة بين من يعلم ومن لا يعلم ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢.
стр. 51
الترغيب في طلب وحفظ السنة وتبليغها
...
التغريب في طلب العلم وحفظ السنة وتبليغها:
ويرغبهم ﷺ في طلب العلم, ويرهبهم من كتمانه ويكفيهم أن يقرءوا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ ١.
نعم يطردهم ربهم من رحمته, ويبعدهم عن ساحته جزاء وفاقا لما حاولوه من صد عن سبيل الله من خلال كتمان هداه, وإيصادهم باب الخير في وجه من ابتغاه, وبعد هذا الطرد والإبعاد يتنوع التهديد لهم والإرعاد, فقد يلجمون لجاما من نار وما أصبرهم عليها.
وفي المقابل تضاعف لمن علم وعلم الحسنات, وترفع لهم الدرجات حتى
стр. 52
في أثناء الطلب يسرع إليهم الثواب والأجر, فمن سلك طريقا يلتمس فيها علما سهل الله له بها طريقا إلى الجنة, ويتوالى التغريب ويكثر في التفقه في الدين وفهم أصوله وفروعه, والنهل من ينبوعه, فمن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
وخير الناس من تعلم القرآن وعلمه، ويزداد الأمر تخصيصا في شأن السنة فتتوالى النصوص في الأمر بحفظها وتبليغها, والحض على مزيد الاعتناء بها, والإشادة بفضل وشرف من ينتسب إليها, والتحذير من التزيد فيها.
وقد جمع ذلك كله قوله ﷺ : "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج, ومن كذب عليّ متعمدا فليبتوأ معقده من النار" ١.
هكذا يأمرهم بالتبليغ عنه لما يسمعوه, ويحدثنا أبي نجيح العرباض بن سارية فيقول: "وعظنا رسول الله ﷺ يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب, فقال رجل: إن هذه موعظة مودع, فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي, فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور, فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم
стр. 53
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" ١.
وما أكثر ما أمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب, ثم ما أعظم دعائه بتحقيق النضارة والحسن والبهاء والوضاءة في وجوه من سمعوا مقالته, فعن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : "نضر الله أمرأ سمع مقالتي فبلغها، فرب حامل فقه غير فقيه, ورب حامل فقه إلى من أفقه منه" ٢.
ومن ذا الذي لا يحرص على نضارة وجهه؟ ثم من لا يرضى أن يبلغ ما عنده إلى من هو أفقه به منه أو أوعى! ثم إن المبلغ صلوات الله وسلامه عليه جذبهم إليه ورغبهم في الإقبال على ما يقوله بتحينه أوقات رغبتهم وحاجتهم إليه, ولا يثقل عليهم, وإنما يتخولهم بالموعظة مخافة السآمة والملل, وهو يترفق بهم ويتمهل في تعليمهم بحيث لو أراد أحد عدّ ما يقوله لأحصاه, ويكرر العبارة ثلاثا ليفهم عنه, ويحنو على السائل, ويرفض الاشتداد عليه, ويدني من مجلسه كل من يحتاج إلى أنسه, ويبسط من بشاشة الوجه وطيب المحيا وسعة الحلم والصفح ما يحول عداوة الخصم الألد إلى إقبال وحب وود, ويبذل العون المادي لمن يحتاج إليه, ومن هنا تنقطع أعذار الصادين وتسقط حجج المعرضين.
стр. 54
إقبال الصحابة على تلقي الكتاب والسنة:
ويقبل الكافة على مجلس النبي ﷺ , يتلقفون ما ينزل من الوحي في تلهف واشتياق, ويأخذون البيان النبوي له والشرح التطبيقي لأوامره ونواهيه, ويذهبون لينفذوا ما تعلموه.
"وفي ذلك يقول أبو عبد الرحمن السلمي١:
حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما, أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه سلم عشر آيات، لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا"٢.
هكذا كانوا يعملون بما يعلمون ولا ريب في انتفاعهم بثمرة العمل على أنهم لم يكونوا على وتيرة واحدة, وإنما كان منهم الملازم لرسول الله ﷺ , وكان منهم المنشغل بشئون الحياة سقيا للزرع أو رعيا للضرع أو صفقا في الأسواق.
كان منهم القاصون الذين يتواردون على المدينة من أطراف الجزيرة
стр. 55
وأنحائها فيقضون الأيام وربما الشهور ينهلون ويتعلمون, ثم يعودون إلى ذويهم معلمين مبلغين كثيرا ما يطيب لبعضهم المقام في الجوار النبوي, فلا يقوون على مفارقة النبي ﷺ , ثم إنهم لم ينقطعوا للتلقي, ولم يتواكلوا فيقعدوا عن طلب الرزق, وإنما سعوا في مناكب الذلول ليأكلوا من رزق ربهم ويشكروا له, ولم تملكهم الدنيا, ولا منعهم السعي على المعاش من تحصيل ما يأتي به الوحي, وإنما جمعوا خيري الأمرين, فإذا انشغل أحدهم بالسعي على عياله, استناب أحد جيرانه أو آله في حضور مجلس الرسول ﷺ ؛ ليأتيه بخبر ذلك اليوم الذي استنابه فيه, ويأخذ كل من المستنيب والمستناب نوبته, وعلى هذا المعنى ترجم البخاري في صحيحه باب التناوب في العلم.
من حديث عمر بن الخطاب ﵁, قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوما وأنزل يوما, فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره, وإذا نزل فعل مثل ذلك, فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته, فضرب بابي ضربا شديدا, فقال: أثم هو؟ ففزعت فخرجت إليه, فقال: قد حدث أمر عظيم، فدخلت على حفصة, فإذا هي تبكي, فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا أدري, ثم دخلت على النبي صلى الله عليه سلم, فقلت وأنا قائم: أطلقت نساءك؟ قال: "لا"، قلت: الله أكبر١.
стр. 56
معنى هذا أن البعض قد يكتفي بحضور البعض, وأنهم لم يلتزموا بالسماع مشافهة من النبي ﷺ , وإنما كانوا عدولا مأمونين, يثق بعضهم في بعض, ولا يتطرق الشك إليهم, وقد عبر الصحابي الجليل البراء بن عازب الأوسي عن أخذ بعضهم عن بعض، فقال: "ما كل الحديث سمعناه من رسول الله ﷺ كان يحدثنا أصحابنا, وكنا مشتغلين برعاية الإبل وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من رسول الله ﷺ , فيسمعونه من أقرانهم وممن هو أحفظ منهم, وكانوا يشددون على من يسمعون منه"١.
والنصوص في إقبال الصحابة على تلقي الكتاب والسنة كثيرة مستفيضة, والذي يتبادر إلى الذهن في هذا الصدد هو أن الصحابة رضوان الله عليهم ملك عليهم القرآن عقولهم ومشاعرهم وعكفوا على حفظه وتلاوته وتدبر معانيه واستنباط أحكامه وفهم مراميه, وكان يسمع لهم به دوي كدوي النحل.
ولم تكن السنة عندهم أقل درجة من القرآن, وإنما تواكب اهتمامهم به مع اهتمامهم بها. نعم من الثابت أنهم عنوا بكتابة القرآن أكثر مما عنوا بكتابة الحديث, بل ثبت نهيهم عن كتابة شيء غير القرآن, وأمروا بمحو كل ما كتبوه من سواه خوفا من أن يختلط القرآن بغيره, ومن اتكالهم على الكتابة, وتركهم إعمال الذهن, فلما أمن ذلك منهم أذن لهم في كتابة الحديث. ومن الحقائق المطوية في ثنايا الكتب أن الكثير من الحديث النبوي دون في العهد
стр. 57
النبوي أو بعده بقليل وقد سجلت المراجع الموثوق بها أن هناك عددا من الصحابة كانوا كاتبين أو مستكتبين واشتهر نبأ صحيفة "الصادقة" لعبد الله بن عمرو بن العاص, وصحيفة "أبي هريرة" التي نقلها عنه تلميذه همام بن منبه المتوفى سنة إحدى ومائة, وقد نقلت إلينا هذه الصحيفة كاملة واشتملت على مائة واثنين وثلاثين حديثا, وكذلك كانت لجابر بن عبد الله صحيفة نقلها عنه قتادة بن دعامة السدوسي، كما كانت هناك "صحيفة عبد الله بن أبي أوفى", وغيرها من الصحف.
لكن بقي الطابع المعول عليه في الحديث في الحقبة الأولى, إنما هو الحفظ والإتقان والنقل الدقيق المتثبت لكل ما يسمع أو يشاهد من أحوال أو أقوال صاحب الوحي ﷺ , وطاعة لأمر رب العالمين وانصرافا فطريا أو جبليا نحو الصادق الأمين, وتفاعلا مع ما تحلى له من الخلق الكريم, وإحساسا نحو الصادق الأمين, وتفاعلا مع ما تحلى له من الخلق الكريم, وإحساسا بأهمية ما يطيعون فيه وأهلية من المأمورين بالطاعة لتلقي السنة وانسياقا لتحقيق سنة الله الماضية في إنفاذ ما وعد به من حفظ الكتاب المستلزم لحفظ البيان والتفصيل له.
واستجابة لذلك كله وتجاوبا معه كان حرص الصحابة على السنة, ومزيد اهتمامهم بها, وعظيم إقبالهم على تحصيلها، وانضم لذلك كله إحساسهم بشدة حاجتهم إلى معرفتها في تدينهم.
إنهم رأوا الكتاب المنزل ينزل على النبي ﷺ بالأمر المجمل من نحو أمرهم بالصلاة دون تحديد لمواقيتها وكيفيتها وهيئاتها.
فكيف ينفذون هذا الأمر؟ وكم وجدوا في القرآن من أوامر مجملة وأحكام
стр. 58
عامة تحتاج إلى تخصيص, أو مطلقة تحتاج إلى تقييد, فأنى لهم تفصيل المجمل, أو توضيح المبهم, أو تقييد المطلق, أو تخصيص العام بعيدا عن من أنزل عليه القرآن، وكلفه تكليفا جازما بالبيان له.
فقال فيما أنزل عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
وبعد تسع عشرة آية من نفس السورة يقول الحق عز من قائل بأسلوب القصر ومن خلال أقوى طرقه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢ فكيف كان البيان؟ وما وجوهه؟
стр. 59
وجوه بين السنة للقرآن
...
وجوه بيان السنة للقرآن:
تدور استعمالات اللغة لكلمة "بيان" ومادته على الوضوح والظهور والتفصيل والإفصاح مع ذكاء١, وقد عرف ابن حزم البيان فقال: "كون الشيء في ذاته ممكنا أن تعرف حقيقته لمن أراد علمه, والإبانة والتبيين: فعل المبين وهو إخراجه للمعنى من الإشكال إلى إمكان الفهم له بحقيقة, وقد يسمى أيضا على المجاز ما فهم منه الحق, وإن لم يكن للمفهوم منه فعل ولا قصد
стр. 60
إلى الإفهام مبينا, كما تقول: بين لي الموت أن الناس لا يخلدون، والتبيين فعل نفس المبين للشيء في فهمه إياه وهو الاستبانة أيضا, والمبين هو الدال نفسه١.
إذا تبين هذا نقول: قد أنزل الله القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان, وكفل فيه لهم ما يصلح حالهم ومآلهم, وجعل منهج حياة لهم, وحتى يتسنى لهم حفظه, وينجز لهم وعده بتيسيره للذكر جعله في الأعم الأغلب مجملا لا يتوصل إلى مراد الله به إلا من خلال الرجوع إلى من أنزل عليه ﷺ ربطا للدعوة بالداعية, وتوثيقا للصلة بين البيان والمبين.
ومما ينبغي أن يعلم رجوع السنة إلى القرآن, واعتباره أصلها فكل ما بينته من الأحكام, أو أسسته بمعنى استقلالها ببيان حكمه راجع إلى القرآن, فهو الذي أمر بطاعته ﷺ , وحذر من مخالفته, وأمرنا بأخذ كل ما أعطانا والانتهاء عن كل ما عنه نهانا, ولقد مر بك فهم الشافعي لهذا المعنى, وسبق ابن مسعود له بهذا الفهم, وكيف اعتبر أن ما جاء عنه ﷺ صريحا مفصلا جاء ضمنا أو مجملا في القرآن, على أن رسول الله ﷺ حين يتولى مهمة البيان لا يصدر عن نفسه, إنما يتبع ما يوحى إليه من ربه الذي أعلن في وضوح تام أن كل ما يجيء به فعن الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢.
стр. 61
فوظيفة السنة تفسير القرآن، والكشف عن أسراره، وتوضيح مراد الله تعالى من أوامره وأحكامه.
والمتتبع للسنة من حيث دلالتها على الأحكام المتضمنة في القرآن إجمالا أو تفصيلا فسيلفينها واردة على وجوه أربعة:
الأول: قد ترد السنة موافقة لما في القرآن مطابقة له، فيكون ورودها على جهة التأكيد والتقرير والتقوية لما جاء فيه, وذلك كتوصيته بالنساء وحضه على الإحسان إليهن ومداراتهن, فإن كل ما ورد في هذا الباب يعد تأكيدًا لما في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ١.
الثاني: وقد ترد السنة بيانا لما أريد بالقرآن من خلال تفصيل مجمله, أو تقييد مطلقه, أو تخصيص عامه, أو توضيح مشكله، فمن باب تفصيل المجمل ما وضحته السنة من مواقيت الصلاة وعدد ركعاتها وكيفيتها والهيئات التي تؤدى عليها, وكبيان الأنواع التي تجب فيها الزكاة والنصاب الذي يجب ببلوغ المال حده، والقدر المخرج في كل نوع. فالقرآن إنما أمر بإقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة على جهة الإجمال, وتولت السنة تفصيل ذلك كله, ومثل ذلك في الحج, أوجبه القرآن على المستطيع, وأوجب إتمامه والعمرة على من شرع فيها, ثم جاءت السنة فبينت المناسك ووضحت كل الشعائر التي أمر الله بتعظيمها.
وما من عبادة في القرآن إلا وهي محتاجة إلى البيان العملي لها.
стр. 62
ومن باب تقييد المطلق تحديد اليد التي أمر الله بقطعها في السرقة في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
فههنا أمر بقطع الأيدي وذلك عام في اليدين كلتيهما يصدق على اليمنى واليسرى ويصدق على كل اليد من العضد إلى الكف، فهل تقطع اليدان أم اليمنى أم اليسرى؟ وهل يكون القطع من العضد أم من المرفق أم من الكوع؟ إبهام لا يرفعه إلا تقييد المطلق ببيان أن المقصود بالأيدي إحداهما واليمنى بالذات, ثم يكون القطع من الكوع.
ومن باب تخصيص العام توضيح معنى الظلم في قوله: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢، فإن الصحابة رضوان الله عليهم فهموا من الآية عموم الظلم, ففزعوا فزعا شديدًا، فأي الناس لم يخلط إيمانه بظلم؟ فبين لهم النبي صلى الله عليه سلم أن المراد بالظلم هنا ظلم مخصوص لا عموم ظلم, وردهم إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٣.
ومن أمثلة توضيح المشكل ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٤ فقد فهم البعض
стр. 63
من لفظ الآية أن المقصود به العقال الأبيض والعقال الأسود، وجعل عريض القفا يمسك بهما, ولا يمسك عن الطعام والشراب حتى يتبين له أحدهما من الآخر، فبين لهم النبي صلى الله عليه سلم إزاحة للإشكال أن المراد من البياض والسواد بياض الصبح وسواد الليل.
ولا يخفى عليك أن أصل هذه الأحكام موجودة في القرآن, وغاية ما هناك أنه تطلب البيان ممن هو أعلم بالقرآن.
الثالث: من وجوه السنة للقرآن أن تكون دالة على حكم سكت عنه القرآن كالحكم بطهورية ماء البحر وحل ميتته, وكتحريم لحوم الحمر الأهلية, وتحريم كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السباع, وتحريم ربا الفضل, وتحريم الجمع بين البنت وعمتها أو خالتها.
فهذه الأحكام كلها استقلت السنة بتشريعها وليس للقرآن نص فيها، لكنها لا تخرج عنه إذ لا سبيل للفصل بينه وبين السنة، أليس هو الآمر بأخذ كل ما فيها والانتهاء عن كل ما نهت عنه.
الرابع: قد ترد السنة ناسخة لحكم ثبت بالكتاب على رأي من يقول بنسخ السنة للقرآن، فهناك رأيان للعلماء في هذه المسألة، الأول قال به الأحناف فجوزوا نسخ الكتاب بالسنة المتواترة والمشهورة، وحجتهم في ذلك أن المتواتر قطعي الثبوت كالقرآن, والمشهور قد اكتسب من القوة نظرا لاشتهاره في أيدي العلماء، وعمل الفقهاء به ما يلحقه بالمتواتر، والمتواتر والمشهور وحي غير متلو, فلا مانع من أن ينسخ بهما الوحي المتلو, ومثلوا للنسخ بالمشهور بالمسح على الخفين وللنسخ بالمتواتر نسخ الوصية للوالدين ولسائر الوارثين لذوي القرابات بحديث "لا وصية لوارث" والرأي،
стр. 64
الثاني، رأي الجمهور القائل: بأنه لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة سواء كانت متواترة أو غير متواترة، وقد استدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ١ قالوا: وليست السنة مثل القرآن فضلا عن أن تكون خيرا منه، واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى﴾ ٢, فدل ذلك على أنه متبع لكل ما يوحى إليه، وغير مبدل له والنسخ تبديل, ثم إنه مكلف ببيان ما نزل إليه ليعمل الناس بالمنزل.
والقول بنسخ السنة للكتاب معناه: تعطيل للمنزل والعمل بغيره، واستدل الجمهور أيضا بأن "مع نسخ الكتاب بالسنة أقرب إلى صيانة رسول الله ﷺ عن طعن الطاعنين فيه، وبالاتفاق يجب المصير في باب بيان أحكام الشرع إلى طريق يكون أبعد عن الطعن فيه, وذلك أنه إذا جاء منه أن يقول ما هو مخالف للمنزل في الظاهر على وجه النسخ له, فالطاعن يقول: "هو أول قائل وأول عامل بخلاف ما يزعم أنه أنزل عليه، فكيف يعتمد قوله فيه؟ وإذا ظهر منه قول, ثم قرأ ما هو مخالف لما ظهر منه من القول, فالطاعن يقول: قد كذبه ربه فيما قال فكيف نصدقه؟ وإلى هذا أشار بقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ ٣, ثم نفى عنه هذا الطعن بقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ
стр. 65
رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ ١ ففي هذا بيان أنه ليس في نسخ الكتاب بالكتاب تعريضه للطعن من الوجه الذي قاله الطاعنون، فيجب سد هذا الباب لعلمنا أنه مصون عما يوهم الطعن فيه"٢.
ونرى مع الإمام مالك والأحناف والمتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة جواز نسخ الكتاب بالسنة، فكلاهما وحي من الله بنص القرآن والمثلية أو الخيرية في المأتي به بدل المنسوخ أهم من أن تكون فيما لا يتلى في المصلحة أو الثواب.
ثم إن النبي ﷺ حين يأتي بسنة ناسخة لما في القرآن, لن يكون من تلقاء نفسه, وإنما التبديل بوحي من عند الله.
ولا عبرة باعتراض المعترضين على الوحي, ووقوع النسخ فيه فلو أقمنا وزنا لاعتراضهم ما سلم شيء وما استقام شرع, فالمعترض الجاحد قد يكون مرد اعتراضه إلى جحوده، ألا ترى إلى تسلية الله لرسوله وتسريته عنه ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٣.
ثم إن نسخ القرآن بالسنة ليس إبطالا للبيان, بل هو نوع منه، فالنسخ بيان لأمد العمل بالحكم السابق, وإنهاء له بالدليل الشرعي المتأخر المقتضي رفع العمل بالمتقدم, فالنسخ نوع من البيان.
стр. 66
بقي أن جواز نسخ القرآن بالسنة, وإن كان ممكن الوقوع عقلا وشرعا إلا أننا نوافق القائلين بعدم وقوعه، والمسائل التي قيل فيها: إنها منسوخة بالسنة عند التأمل يتضح انها منسوخة بالقرآن.
وقد أيد الشيخ الزرقاني رأي الإمام مالك وأصحاب أبي حنيفة وجمهور المتكلمين في هذه المسألة، ثم رأى عدم وقوع النسخ للكتاب بالسنة, ثم أورد هذين الاعتراضين.
"لقائل أن يقول: إن من السنة ما يكون ثمرة لاجتهاده ﷺ ، وهذا ليس وحيا أوحى إليه به، بدليل العتاب الذي وجهه القرآن إلى الرسول في لطف تارة وفي عنف أخرى، فكيف يستقيم بعد هذا أن نقول: إن السنة وحي من الله؟
والجواب أن مرادنا هنا بالسنة، ما كانت عن وحي جلي أو خفي, أما السنة الاجتهادية فليست مرادة هنا البتة، لأن الاجتهاد لا يكون إلا عند عدم النص، فكيف يعارضه ويرفعه؟
ولقائل أن يقول: إن من السنة ما كان أحاديا، وخبر الواحد مهما صح, فإنه لا يفيد القطع والقرآن قطعي المتن، فكيف ينسخ بالسنة التي لا تفيد القطع؟ ومتى استطاع الظن أن يرفع اليقين؟
والجواب: أن المراد بالسنة هنا السنة المتواترة دون الأحادية، والسنة المتواترة قطعية الثبوت أيضا كالقرآن، فهما متكافئان من هذه الناحية, فلا مانع أن ينسخ أحدهما الآخر, أما خبر الواحد فالحق عدم جواز نسخ القرآن به، للمعنى المذكور، وهو أنه ظني والقرآن قطعي، والظني أضعف
стр. 67
من القطعي فلا يقوى على رفعه، والقائلون بجواز نسخ القرآن بالسنة الأحادية، اعتمادا على أن القرآن ظني الدلالة، حجتهم داحضة؛ لأن القرآن إن لم يكن قطعي الدلالة فهو قطعي الثبوت، والسنة الأحادية ظنية الدلالة والثبوت معا, فهي أضعف منه فكيف ترفعه؟ "١.
هذا وكل ما مضى هو في وجوه بيان السنة للقرآن فيما يتصل بالأحكام أما في بيانها له في غير الأحكام؛ يقع على ثلاثة أضرب:
الأول: ما يرد موافقا لما في القرآن فيكون مؤكدًا له, ولا يخلو مع ذلك عن شرح وبيان؛ كحديث الخضر مع موسى ﵇ في البخاري وغيره, فإنه يوافق القصة المذكورة عنهما في سورة الكهف.
الثاني: ما يرد مورد التوضيح والشرح؛ ومثاله قول النبي ﷺ : "يدعى نوح, فيقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم, فيدعى قومه, فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير, وما أتانا من أحد، يقال: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته" , قال: "فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلغ فذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ". أخرجه البخاري والترمذي.
الثالث: ما يرد على طريق الاستقلال؛ ومن أمثلته حديث جريج العابد, وحديث الأبرص والأقرع والأعمى, وحديث الصخرة؛ فهذه الأحاديث وما في
стр. 68
معناها مؤكدة للمقاصد التي جاء بها القرآن، وحكمتها تنشيط المكلفين وتنبيه الغافلين". ا. هـ١.
وبعد هذا الإسهاب في بيان وجوه السنة للكتاب, قد يقول قائل: كيف تزعمون أن السنة مبينة للكتاب؟ أو أنه محتاج إلى بيان وقد قال الله فيه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ ٢.
وقال أيضا: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٣.
أبعد هذا التبيان والتبيين يستقيم ما تقولون من أن السنة مبينة للكتاب؟ والجواب الذي لا يبقى معه ريبة لمرتاب هو: إن بيان السنة للكتاب متضمن فيه فهو الذي أمر بطاعتها, وأخذ ما فيها, والانتهاء عن نواهيها, وهو الذي نطق موكلا إليها مهمة البيان، ولسنا نقول: إن السنة قد جاءت بما ليس في القرآن، وإنما نقول: إنها فصلت ما أجمله وبينه, وهي منه محفوظة بحفظه، ونستطيع أن نقرر في يقين أن الصحابة رضوان الله عليهم أجميعن أقبلوا على السنة طائعين, مطيعين أمر رب العالمين، متجاوبين مع طبيعة الدعوة والداعية, محققين تدينهم من خلال انكبابهم عليها, منفذين أوامر الله ومطلوبه منهم من خلال بيانها وتوضيحها. فإذا قال الله في وصف حبيبه ومصطفاه
стр. 69
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وأرادت عائشة ﵂ أن تجيب سائلها عن هذا الخلق العظيم، الجواب المقنع الموضح طاب لها أن تقول: "كان خلقه القرآن". على ما رواه مسلم. معنى هذا أنه تمثل القرآن فكان قرآنا يمشي على الأرض.
وتمثل أصحابه خلقه، فهو الأسوة الحسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا, وأي الخَلْق أرجى لله واليوم الآخر من أصحاب محمد؟ وأي الناس أذكر لربهم منهم؟ إن منهم الأرجى والأذكر والأتقى والأشكر، بل هم جماع الفضائل كلها، واختارهم الله ليكونوا مادة دينه، وحملة شرعه ونقلة وحيه، وألزمهم كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها فاستعذبوا الصعاب في سبيل خدمة عقيدتهم, سألوا واستفتوا واسترشدوا واستشهدوا، وتحققوا ودققوا طلبا للفهم وطمعا في الهضم، حضروا وشهدوا, ثم بعدوا في الأرض يبلغون ما شهدوه لمن غابوا عنه.
ويبدو أنهم كانوا موصلين جيدين لنور النبوة وإشراقها إلى كل من لقوا, فإذا بهم يؤثرون تأثير السحر فيمن بلغوه ما سمعوه، فصادفت دعوتهم صدى طيبا، ولقيت تجاوبا سريعا, وآتت أكلها أضعافا مضاعفة إيمانا تفيض به القلوب ويقينا تفعم بها الأفئدة، وتأثرا بالرسالة والرسول إلى حد أن هناك من المبلغين المدعوين من أخرجه الشوق من بلده وولده, وقصد المدينة يريد لقاء النبي ﷺ غير مكتف بما حدث به عنه، بل متطلعا إلى رتبة المشافهة والأخذ المباشر من صاحب الرسالة في العرض والقراءة على المحدث. أخرج لنا البخاري بسند عن أنس بن مالك
стр. 70
رضي لله عنه قال: "بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد, دخل رجل على جمل, فأناخه في المسجد, ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم, فقلنا: هذا الرجل الأبيض ابن عبد المطلب، فقال له النبي ﷺ : "قد أجبتك". فقال الرجل للنبي ﷺ : إني سائلك, فمشدد عليك في المسألة, فلا تجد عليّ في نفسك, فقال: "سل عما بدا لك" , فقال: أسألك بربك ورب من قبلك, آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: "اللهم نعم"، قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: "اللهم نعم" , قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: "اللهم نعم"، قال: أنشدك بالله آالله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ : "اللهم نعم" , فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول مَنْ ورائي مِنْ قومي, وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد"١.
فضمام بن ثعلبة لم يكتف هو ولا قومه بنو سعد بن بكر بن هوازن بما أعلمتهم به رسل رسول الله ﷺ ، وإنما جاء يسأل عن أركان الإسلام، وتقطع أسئلته بسبق علمه بها, فماذا طلب هو وقومه؟ طلبوا ما عبر عنه المحدثون بعد بعلو الإسناد, ومن هنا قالوا: إن علو الإسناد سنة لما أن ضماما فعله وأقره عليه صاحب الشرع, فلم ينكر عليه.
стр. 71
وعلى شاكلة ضمام قدمت الوفود من السهول والآكام، بل ومن كل مكان تطلب, وتتلقى وتعود إلى قبائلها مبشرة بالدين الجديد, وبذا ذاعت السنة وشاعت وطبقت الآفاق, واشتهرت وانتشرت في كل مكان, وكان وراء انتشارها واشتهرها عوامل نوجزها لك فيما يأتي.
стр. 72
عوامل وأسباب انتشار السنة في العهد النبوي:
لم ينتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا والسنة مشهورة منشورة في جزيرة العرب وخارجها.
أما جزيرة العرب؛ فقد دخل أكثرها في دين الله أفواجا، وأما خارج الجزيرة؛ فقد ترامت إليهم الأخبار الكثيرة عن هذا الدين الجديد, ووصلت كتبه ﷺ ورسله إلى قصور كسرى وهرقل والمقوقس وأمراء الحيرة وغسان, وغيرها من البلدان, مما يطمئن الباحث معه إلى أن يقول: إن السنة قد انتشرت, وملأت الآفاق, وصاحبها ما زال بعد يصدع بأمر ربه, ويبلغ ما أوحي إليه.
وقد كانت هناك عوامل وراء انتشار السنة أهمها:
١- نشاط النبي صلى الله عليه سلم, وجده, واجتهاده في تبليغ الدعوة، فما ترك سبيلا إلى نشرها إلا وسلكه, وما وجد بابا يمكن أن يفتح أمامها إلا وطرقه، عرض نفسه على القبائل، غير آبه بما لاقى من صنوف الأذى، ويا لهولِ ما لاقى، فما وهن لما أصابه في سبيل الله، وما ضعف, وما استكان، وإنما صبر, وثابر، وجاهد في الله حق جهاده، وأتقن, وأحسن، فأنجز له الوعد
стр. 73
المبذول ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ , فوجدت دعوته طريقها إلى قلوب الناس, وتبوأت السنة مكانتها عند المسلمين المستجيبين لما دعوا إليه.
٢- طبيعة الإسلام ونظامه الجديد، الذي جعل الناس يتساءلون عن أحكامه وعن رسوله وأهدافه، فكان بعض من يسمع بالدعوة يقبل على رسول الله ﷺ يسأله عن الإسلام, فيعلن إسلامه, وينطلق إلى قومه ليبلغهم ما رأى, ويخبرهم ما سمع.
٣- نشاط أصحاب النبي ﷺ في تلقي السنة, واندفاعهم في طلب العلم, وحرصهم على كل ما يصدر عن معلمهم حرص الضنين، وقد مر الكثير من صور تكريمهم له, وتهافتهم على وضوئه, وأتمارهم بأمره، وابتدارهم إلى طاعته.
٤- دور أمهات المؤمنين:
لا شك أنهن قمن بدور بارز في نشر السنة وتبليغها, وأسهمن بنصيب موفور في تبليغ الدين إلى نساء المؤمنين, فمعلوم أن هناك مسائل كثيرة تستحيي المرأة أن تستبينها من الرجل، وقد علم أنهن شكون كثرة مجالسة الرجال له, فقلن: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما فخصهن بيوم، ثم كان تقدير الله واختياره نساء نبيه, مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات عالمات محدثات مشتهرات بالحرص على ذكر ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وشاءت حكمة العلي القدير كثرة عددهن، فاجتمعن في عصمته, وبلغن تسع نسوة، ونبغ منهن الكثيرات.
стр. 74
فعرفت الصديقة بنت الصديق بسعة العلم, ورحابة الأفق, والسؤال عن كل شيء, ومراجعة الحكم للتثبت منه، واشتهر عن السيدة الجليلة أم سلمة اللباقة وحسن التصرف، واشتهرت السيدة زينب بنت جحش بالنسك وكثرة العبادة، وما أعظم بركة جريرة بنت الحارث على ذويها.
٥- النساء الصحابيات شاركن بدور في تبليغ السنة, لا يقل على دور الصحابة, واضطلعن مع أمهات المؤمنين بتبليغ أحكام الدين, وحفظ ما يخص النساء، ولا سبيل إلى خبرة الرجال به، وما أكثر ما نقرأ في السنة من تساؤلات واستفسارات ومناقشات نسائية, وقضايا فرضت نفسها على الفقه الإسلامي, ونبأ ذلك كله مستفيض.
٦- ومن الأسباب التي أدت إلى انتشار السنة؛ الرسل الذين بعثهم رسول الله ﷺ إلى القبائل، وإلى الملوك والأمراء، وغالبا ما أرسل معهم كتبا يبين فيها جوهر دعوته، ويدعو إلى متابعته فما أن استقرت الأمور في المدينة المنورة، حتى خرج أولئك الرسل يطوفون البقاع, ويجوبون الأسقاع محملين بزاد روحي ومزودين بمنهج متكامل وبطاقة حماسية، فهم ميسرون لا معسرون, ومبشرون لا منفرون, على نحو ما أمر معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري حين أرسلا إلى اليمن, وهم عادلون لا جائرون، وبلغاء وليسوا عيياء، وقد اشتهر العام السابع من الهجرة بإرسال الكتب، فبعد صلح الحديبية, ووضع الحرب بين المسلمين, وبين أعدائهم, كانت الفرصة سانحة لتحرك سياسي محسوب, وفي يوم واحد انطلق ستة نفر إلى جهات مختلفة يتكلم كل واحد بلسان القوم الذين بعث إليهم.
стр. 75
فقد اشتهر أنه راسل رسله إلى قيصر الروم، وإلى أمير بصرى، وإلى الحارث بن أبي شمر أمير دمشق, ومن قبل هرقل, يدعوهم إلى الإسلام، كما وجه كتبه إلى النجاشي ملك الحبشة, وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، وأرسل كتبه ورسله إلى عمان واليمامة وغيرها.
وكان الرسل يجيبون عما يسألهم عنه الملوك والأمراء ورؤساء القبائل, ويبينون لهم الإسلام وغاياته على ضوء ما يزودهم به الرسول ﷺ من التوجيه والإرشاد، وكان ﷺ يولي على كل قوم قبلوا الإسلام كبيرهم، ويمدهم بمن يفقههم ويعلمهم.
٧- الفتح الأعظم:
بعد أن نقضت قريش عهدها مع النبي ﷺ , وأعانت بكرا على خزاعة, فبيت الخزاعيون بالوتير هجدا, وقتلوا ركّعا وسجّدا, وقدر الله المخرج للمضطهدين في مكة، الذين لا يجدون سبيلا للفرار بدينهم, ويبقيهم الحرص على الوفاء مكبلين في أغلال الظلم والصف القرشي, فسار النبي ﷺ في جيش عرمرم قوامه عشرة آلاف مجاهد, لم تشهد له جزيرة العرب قبل ذلك نظيرا، ودخل مكة فاتحا منتصرا فرحا مستبشرًا بنصر الله والفتح المبين، وخطب في جموع الذين آذوه وطردوه, وشملهم بعفوه وصفحه الجميل، واشتهرت خطبة الفتح بما أرسته من دعائم, وأصلته من قواعد؛ كنهيه عن أن يقتل مسلم بكافر، وعن أن يرث المسلم الكافر, وعن أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها, وكتغليظه حرمة مكة, وزجره