التي أمطرت، وفي أي مكان سقط مطرها، والسحب التي لم تمطر، ومتى تمطر, ولا يزال في الكثير من البداة مثل هذه الفراسة. وفي كتب الأدب من الأخبار في ذلك الشيء الكثير، روى صاحب الأغاني: أن أعرابيا مكفوف البصر خرج ومعه ابنة عم له ترعى غنما لها، فقال لها: أجد ريح النسيم قد دنا، فارفعي رأسك فانظري. فقالت: كأنها بغال دهم١ تجر جلالها. فقال: ارعي واحذري. ثم مكث ساعة، وقال: إني لأجد ريح النسيم قد دنا، فانظري. قالت: هي كما قال الشاعر:
دان مسف، فويق الأرض هيدبه٢ ... يكاد يدفعه من قام بالراح
كأنما بين أعلاه وأسفله ... ريط منشرة أو ضوء مصباح٣
فقال: انجي، لا أبا لك، فما انقضى كلامه حتى هطلت السماء.
وأما الرياح فقد عرفوا صفاتها وأنواعها، ومنها: الصبا والقبول والدبور والنعامى والشمال والجنوب والنكباء والسوافي والحواصب والصرصر والعاصف والسماء والمعصرات والأعاصير وغير ذلك.
٥- الملاحة: وكانت جدة هي ميناء الحجاز، وكانت السفن تخرج منه إلى البحر للصيد والتجارة شأن عرب اليمن والبحرين، وكان عرب الحجاز القريبون من سيف البحر يشاهدون المراكب غادية ورائحة، فاحتاجوا إلى ألفاظ لها ولأجزائها، فقالوا: سفينة وشراع وقارب ومجداف وسكان وجؤجؤ وربان ... إلخ.
٦- الطب، وكان لهم منه نصيب مكتسب بالتجارب، أو منقول عن غيرهم من الأمم المجاورة، يتوارثونه عن مشايخهم وعجائزهم، وكانوا يعالجون مرضاهم بخلاصة النبات، أو بالعسل، أو بالكي، وأحيانا بالبتر وبالحجامة. وكثير منهم كان يعالج المرضى بالرقى والعزائم. وأخذ بعضهم الطب عن الروم
стр. 212
والفرس قبيل الإسلام، ومن أشهر أطبائهم: الحارث بن كلدة الثقفي المتوفى عام ٤٣هـ، وهو من ثقيف ورحل إلى فارس، وتعاطى الطب هناك, ثم عاد إلى بلاده، وأدرك عصر الرسول، وعاش حتى أدرك عهد معاوية، وكان الرسول -صلوات الله عليه- يشير على من به علة أن يستوصفه، ومن حكمه: "البطنة بيت الداء, والحمية رأس الدواء".
ويؤخذ مما حوته اللغة العربية من أسماء العلل والأمراض والعقاقير أنهم عرفوا كثيرا من الأمراض وأنواع علاجها، كما أن الناظر في كتب فقه اللغة, يتبين من ذكرهم أعضاء الجسم الإنساني كلها, ما ظهر منها وما بطن -من الرأس إلى القدم والعروق- أنهم كانوا يعرفون التشريح.
وقد عرفوا أيضا محاسن الخيل وعيوبها, وأمراضها وعلاجها مما يسمى الآن "الطب البيطري" "بيطر الدابة: عالجها, فهو مبيطر وبيطار, وصنعته البيطرة".
٧- القيافة: ومن أهم معارفهم قيافة الأثر؛ وهي تتبع آثار الأقدام والأخفاف والحوافر والاستدلال بها على ذويها، وبذلك تعرف النعم الضالة والمسروقة، ومسالك اللصوص والفارين ... وقد مهروا في ذلك حتى كانوا يميزون بين قدم الشاب والشيخ, والرجل والمرأة, والبكر والثيب, وتعتمد الحكومة المصرية إلى الآن على فريق من العرب في تعقب اللصوص والسفاكين والمهربين.
وقيافة البشر، وهي الاستدلال بهيئة الإنسان وملامحه وأعضائه على نسبه. وقد روي أن قائفا دخل فرأى أسامة بن يزيد وزيدا، وعليهما قطيفة قد غطيا بها رءوسهما وبدت أقدامهما, فنظر إليها وقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسُرّ بذلك النبي ﷺ .
٨- الفِراسة: وكان لهم نصيب كبير أيضا من الفراسة, وهي الاستدلال بهيئة الشخص وشكله ولونه وكلامه على أخلاقه وفضائله ورذائله، ومرجعها إلى العقل، فكلما كان أكمل كانت أقوى.
يحكى أن أولاد نزار: مضر، وربيعة, وإيادا، وأنمارا، ساروا إلى الأفعى الجرهمي ليحكم بينهم في ميراث, فرأوا كلأ مرعيا، فقال مضر: إن البعير الذي
стр. 213
رعاه أعور، وقال ربيعة: هو أزور، وقال إياد: هو أبتر، وقال أنمار: هو شرود، فصادفهم صاحبه, فسألهم عنه فوصفوه له, فتعلق بهم وسألهم إياه, فأقسموا ما رأوه, فقال: كيف وقد وصفتموه؟! قال مضر: رأيته يرعى جانبا دون جانب فعرفت أنه أعور، وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه أزور، وقال إياد: رأيت بعره مجتمعا فعرفت أنه أبتر، وقال أنمار: رأيته يرعى المكان الملتف ثم يجوز إلى غيره فعرفت أنه شرود. فقال لهم الجرهمي: اطلب بعيرك من غيرهم.
وعرب اليمن أوفر حظا من غيرهم في الفراسة، ويقال: إن الإمام الشافعي ﵁ أخذها عنهم، فكان له منها نصيب كبير.
ومن الفراسة الريافة، وهي معرفة مواطن الماء في الأرض ببعض الأمارات؛ كشم التراب والنبات، ويقال: إن في الحجاز ونجد من يعرف ذلك إلى الآن.
٩- الكهانة والعرافة١: قيل: هما شيء واحد وهو الإخبار عن المغيبات، ماضية أو مستقبلة أو حالية, اعتمادا على القرائن، أو على النجوم، أو على الحصى، أو الجن في زعمهم، أو بقياس المستقبل على الماضي. وقيل: إن الكهانة الإخبار عن الماضي والمستقبل، والعرافة الإخبار عن الماضي فقط. وقيل: إن الكهانة خاصة بالمستقبل، والعرافة خاصة بالماضي. وكانت الكهانة فاشية في العرب قبل الإسلام، فكانوا يفزعون إلى كهنتهم في تعرف الحوادث والفصل في الخصومات وعلاج المرضى ومعرفة المستقبل وتعبير الرؤى، كما كان الحال عند غيرها من الأمم القديمة، كمصر وبابل وغيرهما، حتى جاءت الشريعة الإسلامية فأبطلتها٢ ونهت عن الاعتماد عليها؛ لكثرة الكذب فيها، وحماية للعامة من أن يفتنوا بهم فيضلوا عن الدين الحنيف.
стр. 214
ويظن بعضهم أن الكهانة نقلت إلى العرب على يد الصابئة مع المعارف النجومية الآنفة، مستدلا بأن العرب يسمون الكاهن جازيا وهو لفظ كلداني، معناه: الناظر أو البصير، ويدل عندهم على الحكيم والنبي. فكان الكهنة ببلاد العرب من الصابئة أولا، ثم من اليهود، وبعد ذلك ظهرت في العرب، وادعاها منهم رجال ونساء كثيرون، سيأتي الكلام عليهم في السجع.
стр. 215
الباب الخامس: شخصيات حجازية في العصر الجاهلي
ورقة بن نوفل القرشي الحجازي
١- كان ورقة بن نوفل القرشي حكيما متدينا موحدا، وشاعرا بليغا مجيدا، وسيدا شريفا سريا في قومه، عاش يتلمس دين التوحيد في عصر الوثنية الجاهلية، ويبشِّر بقرب ظهور نبي العرب وخاتم الرسل، ويولي وجهه شطر السماء ينشد الهداية والنور, حتى أدرك بعثة سيد الأنبياء محمد صلوات الله عليه.
وكان العرب قبل البعثة المحمدية في حيرة وضلال، لا يجمعون على دين، ولا يتفقون على عبادة؛ عبد جمهورهم الأوثان والأصنام، وفريق منهم عبدوا الشمس أو القمر أو الكواكب، وآخرون دانوا بالنصرانية أو اليهودية. وجماعة منهم اعترفوا بوجود الله ووحدانيته، وظلوا على فطرة التوحيد الخالص، وعبدوا الله على دين إبراهيم وإسماعيل؛ يعظمون الشعائر، ويؤدون المناسك، ويقدسون البيت الحرام، ويلتزمون الحج والعمرة والطواف والوقوف بعرفة ونحر الذبائح والأضاحي، وسوى ذلك من ألوان العبادات والطاعات، ومنهم: ورقة، وأمية بن أبي الصلت، وزيد بن عمرو بن نفيل, وكعب بن لؤي، وقصي، وعبد مناف، وهاشم، وعبد المطلب.
في هذه الحيرة والضلال، ونحو عام ٥٢١ ميلادية، قبل ميلاد محمد ﷺ بنصف قرن، ولد في مكة ورقة القرشي ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، من بيت عرف بالسيادة وكرم المحتد ... وأي مجد ومحتد يبلغان ما بلغته منهما قريش، سادة العرب وسدنة البيت العتيق؟
стр. 216
وإلى قصي أيضا يرجع نسب أم ورقة هند بنت أبي عبد بن قصي. وقصي هو الأب الخامس لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب وهو الذي جمع شتات قريش، ووحّد كلمتهم، وصارت إليه الرياسة والسيادة على مكة كما سبق.
ذلك هو نسب ورقة وحسبه. ولقد نشأ وشبّ في هذه السيادة الفاخرة، وتلك المآثر القرشية الخالدة، عاش في مكة مع قومه يعمل في التجارة كما يعملون, ويلهو كما يلهون، وشهد مواطن قريش، وشارك في مفاخرها، وأصبح بعد قليل رجل صدق وعزم إقدام ورحلة، ويصف ورقة جده ولهوه في هذه الفترة، فيقول:
ولقد ركبت على السفين ملججا ... أذر الصديق وأنتحي دار العدى
ولقد دخلت البيت يخشى أهله ... بعد الهدوء وبعدما سقط الندى
فوجدت فيه حرة قد زينت ... بالحلى تحسبه بها جمر الغضا
فنعمت بالا إذ أتيت فراشها ... وسقطت منها حين جئت على هوى
فتلك لذات الشباب قضيتها ... عني فسائل بعضهم ماذا قضى؟
وخالط ورقة في رحلاته للتجارة أهل الكتاب، واستمع إليهم، ومال إلى ما يؤمنون به من فطرة التوحيد وعبادة الله؛ فأنكر ما كانت عليه قريش من باطل وجهل، وما كانت تمعن فيه من وثنية وشرك, وأعرض عن غيها وباطلها، فاعتزل عبادة الأوثان، وامتنع عن أكل ما يذبح باسم الأصنام، وآمن أن قومه أخطئوا دين أبيهم إبراهيم وإسماعيل, فأخذ ينشد الحنيفية البيضاء، ويسأل عنها الأحبار والرهبان: يروى أنه اجتمعت يوما في عيد لهم عند صنم يعظمونه وينحرون له ويعكفون، فخلص منهم أربعة نفر نجيا، هم: ورقة بن نوفل القرشي، وابن عمه عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وزيد بن عمرو بن نفيل بن كعب بن لؤي، وعبيد الله بن جحش الأسدي وهو ابن أميمة بنت عبد المطلب، فقال بعضهم لبعض: تصادقوا وليتكتم بعضكم على بعض، قالوا: أجل، فقال قائلهم: تعلمن والله ما قومكم على شيء, لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر
стр. 217
ولا ينفع، يا قوم! التمسوا لأنفسكم، فإنكم والله ما أنتم على شيء، فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم.
فأما عبد الله بن جحش، فأقام على ما هو عليه حتى بعث الرسول, فأسلم وهاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومات فيها بعد أن اعتنق المسيحية وارتد عن الإسلام. وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر, وآمن بالمسيحية، وعاش في القسطنطينية. وأما زيد فأقام على الحنيفية، يعظم شعائرها، ويقول: أعبد رب إبراهيم، وعاب على قومه ما هم عليه، وكان يسند ظهره إلى الكعبة ويرفع صوته: يا معشر قريش، والذي نفس زيد بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: والله لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه, ثم يسجد على راحلته، ويستقبل الكعبة داخل المسجد قائلا: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، عذت بما عاذ به إبراهيم، ويصيح في الناس: يا معشر قريش، والله ما أعلم على ظهر الأرض أحدا على دين إبراهيم غيري. وكان يعيب على قريش ذبائحها, ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء ماء، وأنبت لها من الأرض نباتا، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟! وآذته قريش فخرج يطلب دين إبراهيم, ويسأل الأحبار في الشام، حتى انتهى إلى راهب من شيوخ الرهبان, فسأله عن الدين، فقال له: إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظل زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها، يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق بها؛ فإنه مبعوث الآن, هذا زمانه, فرجع إلى مكة. ولما اشتد إيذاء قريش له, كان يخرج إلى "حراء" يتعبد فيه، ولقيه عامر بن ربيعة في طريقه إلى حراء, فقال له زيد: يا عامر, إني فارقت قومي واتبعت ملة إبراهيم وما كان يعبد إسماعيل بعده، وأنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل، وما أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه ... وقتل زيد قبل البعثة بخمس سنين, وقال الرسول الأكرم: "يأتي زيد يوم القيامة أمة واحدة". ورثاه ورقة بن نوفل بقصيدة منها:
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما ... تجنبت تنورا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله ... وتركك أوثان الطواغي كما هيا
стр. 218
وإدراكك الدين الذي قد طلبته ... ولم تك عن توحيد ربك ساهيا
فأصبحت في دار كريم مقامها ... تعلل فيها بالكرامة لاهيا
تلاقي خليل الله فيها ولم تكن ... من الناس جبارا إلى النار هاويا
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه ... ولو كان تحت الأرض سبعين واديا
أقول إذا ما زرت أرضا مخوفة ... حنانيك لا تظهر على الأعاديا
حنانيك إن الجن كنت رجاءهم ... وأنت إلهي ربنا ورجائيا
أدين لرب يستجيب ولا أرى ... أدين لمن لا يسمع الدهر داعيا
أقول إذا صليت في كل سبعة ... تباركت قد أكثرت باسمك داعيا
هذا شأن هؤلاء الثلاثة الباحثين عن الحقيقة الكبرى. فأما ورقة فرحل إلى الشام يلتمس الدين الصحيح، ويتحدث إلى الأحبار والرهبان ويسمع منهم، حتى مال قلبه إلى دين المسيح، ورآه إنقاذا له من الحيرة، فاتبعه وعمل به، وقال لزيد: أنا أستمر على نصرانيتي إلى أن يأتي النبي الذي تبشرنا به الأحبار. وأخذ يحفظ من النصرانية ما يحفظ، ويعي من الرهبان ما شاء الله أن يعي، وعاد إلى مكة, فأقام فيها آمنا وادعا، عاكفا على دينه ونفسه، لا يعرض لأحد ولا يحب أن يعرض له أحد. وازداد مكانة في قريش، فكان مستشارها في الأزمات ومرجعها في الخطوب، والحكيم الذي تسترشد برأيه كلما دجت الظلمات ... وقرأ ورقة الكتب السماوية, وكان يعرف العبرية، وينقل من الإنجيل إلى العربية ما شاء، ويأخذ من أهل التوراة والإنجيل ما يأخذ.
٢- فلما شاء الله أن ينقذ الإنسانية, ويهدي البشرية إلى النور والخير والتوحيد، والسلام والأمن والعدل والرحمة، ولد رسول الله محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- واستبشر بميلاده الكون، وعَمَّ الفرح والبِشْر كل مكان. وشبَّ رسول الله ونما سيدا شريفا, ونبيلا سريا، وفتى زكيا، حتى إذا كان في الثالثة عشرة من عمره، خرج به عمه أبو طالب إلى الشام في تجارة،
стр. 219
وفي بصرى قصبة حوران والبلاد العربية الخاضعة لحكم الروم رآه بحيرى الراهب. فرأى الآية الكبرى، والمعجزات الناطقات، فأخذ يحدث محمدا ويسأله. ثم قال لعمه: اذهب بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود، فإن له لشأنا. وتحدث من كانوا مع أبي طالب بهذا في مكة، وسمعه ورقة, فآمن بقرب ظهور النبي المرتقب، والرسول الأمي الذي يخرج من بلاد العرب لهداية الدنيا, وإنقاذ العالم من الشرك والضلال.
وخرج محمد بن عبد الله، وقد تخطى العشرين عاما, إلى الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، ابنة عم ورقة، أمينا حفيظا عليها. وكانت خديجة سيدة جليلة ذات يسار وتجارة، وكان مع محمد في رحلته غلامها ميسرة، فذهبا إلى الشام وباعا وابتاعا وربحا ثم عادا إلى مكة، وأخبر "ميسرة" سيدته بما شاهد من مخايل الاصطفاء وإظلال الملائكة والغمام لمحمد، وأحاديث الأحبار عنه، فذهبت خديجة إلى ورقة تذكر ذلك له، فقال: لئن كان هذا حقا يا خديجة, فإن محمدا لنبي هذه الأمة، وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر، هذا زمانه.
وصار ورقة حكيم العرب وشيخها، وعالمها وقطبها، وحبرها الخبير بأحداث الدهر وتجارب الأيام، وازداد مكانة في قومه، وازداد قومه له إجلالا وتقديرا، فكانوا يصدرون عن رأيه، ويستهدون بمشورته، ويتفاءلون بنصائحه وفراسته وصدق إلهامه ... وكان في الخامسة والسبعين من عمره، ومحمد بن عبد الله -صلوات الله عليه- في الخامسة والعشرين.
وكان ورقة يتفاءل بمستقبل حافل عظيم لمحمد، ويتطلع إلى ما سوف تظهره عناية الله على يديه من هدى ونور ورحمة وخير للإنسانية.
واستشارته خديجة بنت خويلد، ابنة عمه، في الزواج بمحمد, فهنّأها من أعماق قلبه بهذا الجد السعيد، والزوج الكريم، محمد بن عبد الله، الأمين المؤتمن، والصادق الصدوق.
وأخذ ورقة يبشر الناس بأن محمدا سيكون نبي العرب، والرسول المرتقب،
стр. 220
الذي يختاره الله من بين الخلق لإبلاغ رسالته إلى الناس كافة، وجعل يتلهف أن يرى أيام بعثته, وأن يظهر نور الله، وينزل ناموسه إلى الأرض، وهو حي؛ ليؤمن به ويصدقه ويؤازره وينصره، وأخذ يستبطئ الأمر، ويقول: حتى أمر الله!!
وكانت خديجة تقص عليه ما تشاهد من كرامات زوجها محمد بن عبد الله، وورقة يزداد إيمانا بأن محمدا هو النبي المدخر لهداية الناس والدنيا، ومن قوله في ذلك:
لججت وكنت في الذكرى لجوجا ... لهم طالما بعث النشيجا١
ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري يا خديجا
فإن محمدا سيسود يوما ... ويخصم من يكون له حجيجا
ويظهر في البلاد ضياء نور ... يقيم به البرية أن تموجا
وصار ورقة يستزيد ابنة عمه خديجة من أخبار بعلها وفتاها، ويسأل عن محمد ليل نهار، ويعلن في الناس أن محمدا مدخر لأمر عظيم، ويقول:
وأخبار صدق خبرت عن محمد ... يخبرها عنه إذا غاب ناصح
فتاك الذي وجهت يا خير حرة ... بغور في التجدين حيث الصحاصح٢
إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت ... وهن مع الأحمال قعص دوالح٣
يخبرنا عن كل حبر بعلمه ... وللحق أبواب لهن مفاتح
بأن ابن عبد الله أحمد مرسل ... إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظني به أن سوف يبعث صادقا ... كما أرسل العبدان: هود وصالح
стр. 221
وكان ورقة ينشد الشعر يتشوق فيه إلى إنجاز وعد الله، وكريم رحمته، وعظيم رعايته للحياة والإنسانية, بإرسال رسول من العرب إلى الناس ليهديهم سواء السبيل، وكان يمني نفسه بأن يرى بعثته ليؤمن به ويصدقه وينصره.
وهكذا عاش ورقة كريما مبجلا، وسيدا شريفا سريا, وحكيما متدينا متطلعا إلى التوحيد، إلى أن بعث محمد بن عبد الله.
٣- ولما بعث رسول الله، وشاهد بحراء ما شاهد، ونزل عليه جبريل يبلغه رسالة ربه ... وعاد محمد إلى بيته، قالت له خديجة: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة, ورجعوا إليَّ. فحدثها بالذي رأى.
فقالت: أبشر يابن عم واثبت, فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم قامت فجمعت عليها ثيابها وانطلقت إلى ابن عمها ورقة، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله أنه رأى وسمع, فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده إن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله, فأخبرته بقول ورقة، فلما قضى رسول الله معتكفا ما قضى وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة وهو يطوف بالكعبة فقال: يابن أخي, أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله، فقال ورقة: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبَّل يافوخه، وانصرف رسول الله إلى منزله.
وفي البخاري أن رسول الله ﷺ لما رجع من حراء يرجف فؤاده، دخل على خديجة، فقال: "زملوني ... " حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا والله
стр. 222
ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم, وتحمل الكَلّ, وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني١، فيكتب من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت خديجة: يابن عم، اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل على موسى، يا ليتني فيه جذعا٢, ليتني حيا إذا يخرجك قومك، فقال له رسول الله: "أَوَمخرجي هم"؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي, وفتر الوحي.
وهكذا شهد ورقة أن محمدا نبي هذه الأمة ... ومن شعره الذي قاله في ذلك:
وإن يك حقا يا خديجة فاعلمي ... حديثك إياه فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال فاعلمي ... من الله وحي يشرح الصدر منزل
فسبحان من تهوي الرياح بأمره ... ومن هو في الأيام ما شاء يفعل
ومن عرشه فوق السموات كلها ... وأقضاؤه في خلقه لا تبدل
وله أيضا:
جاءت خديجة تدعوني لأخبرها ... وما لنا بخفي الغيب من خبر
جاءت لتسألني عنه لأخبرها ... أمرا أراه سيأتي الناس من أخر
فخبرتني بأمر قد سمعت به ... فيما مضى من قديم الدهر والعصر
بأن أحمد يأتيه فيخبره ... جبريل أنك مبعوث إلى البشر
فقلت: على الذي ترجين ينجزه ... لك الإله فرجي الخير وانتظري
وأرسليه إلينا كي نسائله ... عن أمره ما يرى في النوم والسهر
فقال حين أتانا منطقا عجبا ... يقف منه أعالي الجلد والشعر
стр. 223
إني رأيت أمين الله واجهني ... في صورة أكملت من أعظم الصور
ثم استمر فكاد الخوف يذعرني ... مما يسلم ما حولي من الشجر
فقلت: ظني وما أدري أيصدقني ... أن سوف يبعث يتلو منزل السور
وشهد ورقة دعوة الرسول، وإيمان الناس برسالته وتعذيب قريش لهم. يروى أنه مر ببلال وهو يعذب برمضاء مكة، فيقول: أحد أحد، فوقف عليه، وقال: أحد أحد يا بلال, ونهاهم عنه فلم ينتهوا، فقال: والله لئن قتلتموه لأتخذن قبره حنانا١, وقال:
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم ... أنا النذير فلا يغرركم أحد
لا تعبدن إلها غير خالقكم ... فإن دعيتم فقولوا: دونه حدد٢
سبحان ذي العرش لا شيء يعادله ... رب البرية فرد واحد صمد
سبحانه ثم سبحانه نعوذ به ... وقبلنا سبح الجودي والجمد٣
مسخر كل من تحت السماء له ... لا ينبغي أن يناوئ ملكه أحد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ دان الشعوب له ... والجن والإنس تجري بينها البرد٤
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودى المال والولد
أين الملوك التي كانت لعزتها ... من كل أوب إليها وافد يفد؟
حوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من ورده يوما كما وردوا
ولقد كانت خديجة تأتي ورقة بما يخبرها به رسول الله أنه يأتيه.
فيقول ورقة: لئن كان ما يقول حقا, إنه ليأتيه الناموس الأكبر، ناموس عيسى ابن مريم، ولئن نطق وأنا حي لأبلين لله بلاء حسنا.
стр. 224
وكبرت سن ورقة، وفقد بصره من الكبر، وتوفي بعد البعثة بقليل دون أن يترك له عقبا.
ولقد شهد له الرسول شهادة كريمة؛ يروى أنه قال: "لا تسبوا ورقة؛ فإني رأيته في ثياب بيض". وروي عن عروة أن رسول الله ﷺ قال لأخي ورقة أو لابن أخيه: "شعرت أني قد رأيت لورقة جنة أو جنتين" والشك من هشام.
وروى الترمذي: قال رسول الله: "رأيته في المنام وعليه ثياب بيض". وروي أنه سئل عن ورقة فقال: "رأيته في المنام وعليه ثياب بيض, فقد ظن لو كان من أهل النار لم أر عليه البياض, فرحمه الله ورضي عنه".
زيد بن عمرو بن نفيل القرشي:
كان من المتحنفين الموحدين في الجاهلية، وكان لا يذبح للأصنام ولا يأكل الميتة والدم، ومات قبل البعثة بخمس سنين، فكان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول: يا معشر قريش, والذي نفسي بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، وكان يقول عن نفسه: يا عامر, إني فارقت قومي واتبعت ملة إبراهيم وإسماعيل، وأنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل ثم من ولد عبد المطلب وما أراني أدركه, وأنا أوصي به وأصدقه وأشهد أنه نبي. وأسلم ابنه سعيد، وكان إسلام عمر عنده في بيته؛ لأنه كان زوج أخته فاطمة.
وكان نفر من قريش: زيد وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث وعبيد الله بن جحش خالفوا قريشا وقالوا لهم: إنكم تعبدون ما لا يضر ولا ينفع من الأصنام، ولا يأكلون ذبائحهم. واجتمع زيد بالنبي قبل البعثة وقال له: إني شاممت النصرانية واليهودية فلم أر فيهما ما أريد, فقصصت ذلك على راهب، فقال لي: إنك تريد ملة إبراهيم الحنيفية وهي لا توجد اليوم, فالحق ببلدك فإن الله تعالى باعث من قومك من يأتي بها, وهو أكرم الخلق على الله.
ويروى أنه كان إذا استقبل الكعبة داخل المسجد قال: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، عذت بما عاذ به إبراهيم١.
стр. 225
عبد الله بن جدعان ١:
كنيته أبو زهير، من تيم، جواد كريم، مدحه الشعراء فأجزل لهم العطاء، وممن مدحوه: أمية بن أبي الصلت، وأبوه.
وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية.
وتتحدث عنه الأساطير القديمة بأنه كان فقيرا مملقا، فكشف كنزا خبأه ملوك من جرهم، فأصبح غنيا كريما، يصل عشيرته، ويطعم الناس، ويفعل المعروف، ويروى أن النبي -صلوات الله وسلامه عليه- كان يحضر طعامه، وفي بيته عقد حلف الفضول بين قبائل قريش، وقد تعاهدت قريش يومئذ على ألا يظلم أحد مكة، وأن تنصف كل من وقع عليه ظلم.
وعبد الله ابن عم عائشة؛ ولذلك قالت فيه عائشة لرسول الله: يا رسول الله, إن ابن جدعان كان يطعم الطعام، ويقري الضيف، ويفعل المعروف، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال ﷺ : "لا؛ إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".
وفيه يقول أمية بن أبي الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لك الحسب المهذب والسناء
كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء
ويقول فيه كذلك:
عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... بخير، وما كل العطاء يزين
وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك، كما بعض السؤال يشين
стр. 226
ومن الحجازيين:
١- مطاعيم الريح، وهم أربعة, منهم: كنانة بن عبد ياليل الثقفي عم أبي محجن، ولبيد بن ربيعة، وكانت العرب تضرب بهما الأمثال.
٢- أزواد الركب -وهم ثلاثة- من قريش: مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وسموا أزواد الركب؛ لأنهم كانوا إذا سافروا لم يتزود معهم أحد، وبهم كانت قريش تضرب المثل.
وثالثهم أبو أمية, هو الذي قال للرسول: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، ولما مات رثاه أبو طالب عم الرسول بقصيدة طويلة منها:
ألا إن زاد الركب غير مدافع ... بسرو سحيم١ غيبته المقابر
وكان إذا يأتي من الشام قافلا ... بمقدمه تسعى إلينا البشائر٢
خالد بن جعفر بن كلاب العامري:
يضرب به المثل في الشجاعة والبطولة، وهو الذي قتل زهير بن جذيمة الطاغية الذي كان يستعبد هوازن ويذلها٣.
ومن أشراف الحجازيين من قريش قبيل البعثة: هاشم، وأمية، ونوفل، وعبد الدار، وأسد، وتيم، ومخزوم، وعدي، وجمح، وسهم. فمن تيم: أبو بكر وكانت إليه في الجاهلية الأشناق وهي الديات والمغرم، ومن مخزوم: خالد بن الوليد وكانت إليه القبة والأعنة، ومن عدي: عمر بن الخطاب وكانت إليه السفارة في الجاهلية، ومن جمح: صفوان بن أمية وكانت إليه الأيسار وهي الأزلام، ومن سهم: الحارث بن قيس وكانت إليه الحكومة والأموال المحجرة التي سموها لآلهتهم، ومن أمية: أبو سفيان بن حرب وكانت عنده العقاب راية
стр. 227
قريش، ومن نوفل: الحارث بن عامر وكانت إليه الرفادة، ومن عبد الدار: عثمان بن طلحة وكان إليه اللواء والسدانة مع الحجابة والندوة كذلك, ومن بني أسد: يزيد بن زمعة بن الأسود وكانت إليه المشورة "٢٤٩ و٢٥٠/ ١ بلوغ الأرب".
ومن حكام العرب:
١- غيلان بن سلمة الثقفي: وهو شاعر شريف وأحد حكام العرب في الجاهلية وممن وفد على كسرى، وكان أحد وجوه ثقيف، وجاء الإسلام فأسلم بعد فتح الطائف وعنده عشر نسوة, فخيره الرسول فاختار أربعا "٣١٩, ٣٢٠/ ١ بلوغ الأرب" ولم يهاجر. وهو شاعر مقلّ ليس بمعروف في الفحول، وفد على كسرى فسُرَّ به وأكرمه "٢٠٠-٢٠٨/ ١٣ الأغاني, دار الكتب".
٢- العاص بن وائل القرشي: من حكام قريش، وكانت له منزلة في الإسلام ولم يسلم، وهو الذي أجار عمر حين أسلم، ومات بمكة قبل الهجرة "٣٢٨/ ١ بلوغ الأرب".
٣- العلاء بن حارثة القرشي: كان من حكام قريش وفي الذروة منها في علو منزلته ونفوذ حكمه وسعة اطلاعه بأحوال العرب وأنسابهم وأحسابهم "٣٢٩/ ١ بلوغ الأرب".
٤- صفوان بن أمية: كان من حكام كنانة، وإليه مرجعهم فيما ينوبهم من المهمات، وكان فصيح اللسان، بليغ البيان "٣٣٠/ ١ بلوغ الأرب".
٥- سلمى بن نوفل الكناني: كان من حكام كنانة وعرفائها وساداتها "٣٣٠/ ١ بلوغ الأرب".
٦- مالك بن جبير العامري: كان من حكام العرب وحكمائها المشهورين بجودة الفهم وغزارة العقل "٣٣١/ ١ بلوغ الأرب".
٧- القلمس الكناني: كان أحد حكام العرب في الجاهلية ومن نسأة الشهور, وكان يقف عند جمرة العقبة ويقول: اللهم إني ناسئ الشهور وواضعها مواضعها، أجاب ولا أعاب، اللهم إني قد أحللت؛ أحللت أحد الصفرين, وحرمت
стр. 228
صفرا المؤخر، وكذلك في الرجبين -رجب وشعبان- انفردوا على اسم الله تعالى "٣٣٥/ ١ بلوغ الأرب, ٣٩-٤١/ ٢ شفاء الغرام".
٨- ذو الأصبع العدواني١: وهو من حكام العرب وخطبائهم، وسنترجم له فيما بعد.
ومن مشهوري الحجازيين:
١- أمية بن حرثان بن الأسكر الكناني: من سادات قومه وفرسانهم وله أيام مأثورة، وابنه هو كلاب الذي كان ممن أسلم وهاجر إلى المدينة في خلافة عمر فأغزاه عمر في جيش, وكان أبوه أمية قد كبر وضعف, فلما طالت غيبة كلاب عنه قال:
لمن شيخان قد نشدا كلابا ... كتاب الله لو قبل الكتابا٢
٢- دريد بن الصمة الجشمي "١٣٤-١٣٧/ ٢ بلوغ الأرب".
٣- معاذ بن صرم الخزاعي: كان فارس خزاعة في وقته "١٥٨ و١٥٩/ ٢ بلوغ الأرب".
المتلمس بن أمية الكناني:
كان يخطب العرب بفناء الكعبة, ويقول: أطيعوني ترشدوا، قالوا: ما ذاك؟ قال: إنكم قد تفردتم بآلهة شتى وإني لأعلم ما الله راضٍ به, وأن الله تعالى رب هذه الآلهة، وأنه ليحب أن يعبد وحده، فتفرقت عنه العرب٣.
نعيم بن ثعلبة الكناني:
حكيم مشهور، وكان يخطب العرب في الموسم، وينقادون لأمره وينتهون عما ينهى عنه، وهو أول من نسأ الشهور٤:
стр. 229
الحارث بن كلدة الثقفي:
من الطائف، وسافر في البلاد، وتعلم الطب، وعرف الداء والدواء، وكان يضرب بالعود، ويجيد الغناء، وعاش بعد الإسلام، ويروى أنه وفد في الجاهلية على كسرى وحاوره.
وكان الحارث أمهر أطباء العرب وحكمائهم١، ولد بالطائف في القرن السادس الميلادي، ورحل إلى اليمن وأرض فارس، وتعلم بمدرسة جنديسابور، وصار طبيبا في حاشية الملك خسرويه، وكان يوصي بعدم الإفراط في الأكل وعدم الاستحمام بعد الطعام، ويحض على استعمال الحجامة والحقن، ولما عاد إلى الطائف نال شهرة واسعة، وكان رسول الله يأمر من كان به علة أن يأتيه فيستوصفه، وتوفي سنة ٣٣هـ في رأي أو سنة ٤٣ في رأي آخر.
النضر بن الحارث بن كلدة الثقفي:
كان ابن خالة النبي، وسافر في البلاد كأبيه وعاشر الأحبار والكهان، وحصل من العلوم القديمة كأبيه الكثير، وتعلم الطب من أبيه، وكان يجاري أبا سفيان في عداوة الرسول، وكان كثير الأذى والحسد له، وكان يقول للعرب: إن كان محمد يقص عليكم أنباء الأمم، فأنا أقص عليكم أخبار كسرى وبهرام وتاريخ فارس.
وقد أسره الرسول يوم بدر، ومات مقتولا، وفيه قالت أخته قتيلة بنت الحارث ترثيه قصيدتها:
أيا راكبا إن الأثيل مطية ... من صبح خامسة وأنت موفق٢
وهي قصيدة مشهورة وستأتي.
стр. 230
القسم الثاني: الحياة الأدبية في الحجاز في العصر الجاهلي، النثر
الباب الأول: صورة عامة للنثر الحجازي في العصر الجاهلي
تمهيد:
كانت العرب أمة صناعتها الكلام, ومفخرتها البيان، وكان أهل الحجاز من بينهم خاصة أهل لسن وفصاحة، يزدهيهم القول، وتأخذ بألبابهم البلاغة، وقد أثر لهم من جوامع الكلم، ونوابغ الحكم، وروائع الأساليب، ما يعد على وجه الزمان من مآثرهم الخالدة، ومناقبهم الباقية. ولا غرو فقد كان الحجازيون من أبلغ العرب لسانا، وأفصحهم بيانا، اجتمع لهم من الخطابة, والفصاحة، والبيان العجيب، والقول المصيب، والكلام الغريب، والمنطق الساحر، ما روته أسفار الأدب، وازدانت به لغة العرب.
والبلاغة العربية الحجازية تتبدى في مظهرين:
١- الشعر الذي يعتمد على الإيقاع والموسيقى والوزن والقافية، وعلى الخيال والعاطفة.
٢- النثر، وهو لون من الكلام لا تحده في الغالب قيود الوزن والقافية, بل هو أساليب سلسة، ينطقون بها عند المشاجرة والخصام، وعندما تقتضي الدواعي المتباينة منهم الكلام، فتفيض بها بديهة حاضرة، وقريحة مواتية، وطبيعة طيعة مستجيبة.
стр. 231
النثر الحجازي الجاهلي:
١- كان للحجازيين نثر فني صِيغ في قالب أدبي يثير المشاعر ويحرك العواطف؛ لأنهم كانوا ينطقون باللغة كما صنعوها على أعينهم، نقية من الشوائب، فقد عاشوا في جزيرتهم بعيدين عن المؤثرات التي تضعف الملكات، ومن ثم فقد كان نثرهم منخولا ينزع عن قوس الإجادة ويصدر عن وحي الطبع والملكة السليمة، وليس من شك أيضا أن هذا النثر كان لا منتدح منه في جميع شئونهم، وأمور حياتهم، يتحدثون به في معاشهم وتبين به شفاههم لتصوير ما يعتلج بنفوسهم ويختلج بأفئدتهم، وكان ملحمة لقراع الألسنة ومباراة للبلغاء في مضمار البيان والأسواق الأدبية، ولم يكن للعرب عند تفاقم الفتن ولا للأبطال في معمعة الحروب ولا للأمهات عند إهداء بناتهن، مناص من كلام يستأصلون به شأفة الفتن، ويحمسون به النفوس, ويصيبون به مقاطع الرأي.
ولا نكاد نهتدي إلى صورة جلية تمثل هذا النثر الجاهلي الحجازي؛ فكل ما وصل إلينا قل من كثر، وغيض من فيض، ولقد ذكر الرواة أن ما وصلنا من أدب ليس إلا أقله، ولكن ما وصل إلينا من النثر كان أقل شأنا من الشعر، ومرد ذلك إلى:
١- أن العرب في الجاهلية كانوا أميين لا يكادون يقرءون أو يكتبون, فكانوا يعتمدون في رواية الأدب من نثر وشعر على المشافهة والاستظهار، والذاكرة أقدر على حفظ الشعر وروايته من حفظ النثر وروايته.
فإن ما للشعر من أوزان راقصة، ونغمات موسيقية، وقوافٍ متزاوجة، وجرس عذب مثير، يعين على استذكاره واستظهاره، والنثر ليس بهذه المثابة، فالنثر إذن يتطلب معرفة الكتابة وهي اختراع متأخر.
٢- لم يستطع النثر منذ أن أطل برأسه إلى الحياة أن يباري الشعر في عهد الجاهلية، وأن يقوى على معالجة الموضوعات التي عالجها الشعر، فقد كان
стр. 232
الشعر ديوان العرب؛ سجلوا فيه حروبهم وأخبارهم وعاداتهم وعقليتهم، ودَوَّن فيه الشاعر ما رأى وما شعر، ومزج فيه الحياة التي حوله بمشاعره، وكان الشاعر لا منتدح منه للقبيلة يعلن مناقبها ويذود عن حياضها وينافح عن شرفها ويحمي حماها، وكان الشعر في الحرب كموسيقى الجيش تثير في النفوس الميل للقتال وتبعث على الاستبسال، أما موضوعات النثر فلم تك بهذه المثابة، فعني الناس بحفظ الشعر ولم يعنوا بحفظ النثر.
٣- النثر وليد العقل وسعة الثقافة، والشعر وليد الخيال، والأمة في بادئ أمرها خيالها أكبر من عقلها.
ويمتاز النثر الحجازي بمساوقته للطبع وجريانه على الفطرة، فليس فيه تكلف ولا تطرف ولا غلوّ، ينزع عن قوس البادية، ويمتح من ينابيع البيئة، ومن ثم فقد جاء قوي اللفظ متين العبارات فحل الأسلوب قصير الفقرات قريب الإشارة.
٢- وإنما نعني بالنثر ههنا: النثر الفني الذي يحتفل به قائله، ويجود فيه، ويهذب من حواشيه، ويعنى بصياغته صياغة فنية مؤثرة، يعبر به عن أجمل ما في نفسه وخواطره من معانٍ وأفكار.
ولا نقصد به ما يجري على ألسنة الناس في شئون الحياة العادية، مما نسميه "لغة التخاطب" التي لا يقصد فيها إلى جمال فني، ولا النثر العلمي؛ لأنه لم يكن للحجازيين في الجاهلية نثر علمي، وإنما جَدّ ذلك المظهر في أواخر عصر بني أمية وأوائل عصر دولة بني العباس، فالنثر العلمي ليس لونا من ألوان الأدب، وإن كان الأدب يعنى به؛ لأنه من آثار العقلية التي تنشئ الأدب، إذ هو مغذي الثقافة العقلية والأدبية، ثم هو مما يصقل مواهب الأديب، ويمده بزاخر المعاني والأفكار والموضوعات، وقد يكون النثر العلمي في بعض الأحايين أدبا إذا حرص صاحبه فيه على أداء الحقائق بأسلوب بليغ، وكلام رصين مختار.
стр. 233
والنثر الفني الحجازي ألوان متعددة:
١- فمنه الكلام المرسل الذي لم تقيد فقراته بوزن أو قافية, كخطبة هاشم بن عبد مناف القرشي التي يقول منها: "يا معشر قريش: إنكم سادة العرب أحسنها وجوها وأعظمها أحلاما، وأوسطها أنسابا. يا معشر قريش: إنكم جيران بيت الله، أكرمكم الله بولايته، وخصكم بجواره، دون بني إسماعيل١ ... إلخ". ويسمى هذا النوع نثرا مرسلا.
٢- ومنه ما يجيء من الكلام المنثور متحدا في فواصله٢ في الوزن دون اتفاق في القافية؛ ويسمى هذا اللون من النثر مزدوجا، والإتيان به كذلك ازدواجا، وقد يسميه البديعيون "موازنة".
٣- ومنه الكلام المسجوع الذي تتحد فواصله في الحرف الأخير، وهو ما يسمى بالقافية، مثل وصية أبي طالب لوجوه قريش حين حضرته الوفاة: "يا معشر قريش، فيكم السيد المطاع، وفيكم المقدام الشجاع، لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب، وعلى حربكم ألب"٣ ويسمى مثل ذلك سجعا، وقد يسمى ما اتفقت الفواصل فيه في الوزن والقافية سجعا أو ازدواجا، مثل كلام أبي طلاب السابق، ومثل قول الحكم في المنافرة بين هشام بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس: "والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر, لقد سبق هاشم أمية إلى المفاخر"٤، ويغلب السجع في كلام الكهان، وبعض علماء البلاغة لا يمنعون أن يسمى ما جاء في القرآن من ذلك سجعا، ومنهم أبو هلال وابن سنان وابن الأثير، خلافا للباقلاني وأنصاره, الذين يرون تسمية الجمل القرآنية فواصل، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ وهذا منع لتبادر الفهم إلى أن القرآن يشبهه شيء من الآثار الأدبية، وإكبار له عن أن يقال له: سجع.
стр. 234
حظ الأدب الحجازي من النثر الفني في العصر الجاهلي:
١- يختلف الأدباء في النثر الفني: هل وجد في العصر الجاهلي, أم لم يوجد إلا بعده؟
أما أدباء العربية المتقدمون، والكثير من الأدباء المعاصرين أيضا، فيؤمنون بأن العصر الجاهلي عرف النثر الفني معرفة كبيرة، وكان للعرب عامة وللحجازيين خاصة في ذلك العهد، صور من النثر نستطيع أن نسميها إلى حد كبير نثرا فنيا, وكانوا يجيدون هذا الفن الأدبي إجادة بالغة.
ودليلهم على وجود النثر الفني في الجاهلية هو:
١- كان عند كثير من الأمم القديمة كالفرس والهنود وقدماء المصريين نثر فني قبل الميلاد بقرون كثيرة، فلِمَ لا يكون للعرب نثر فني بعد الميلاد بخمسة قرون؟
٢- نزول القرآن الكريم يوجب الحكم بأن العرب في جاهليتهم كان لهم نثر فني، وكانوا يجيدونه ويبلغون فيه غاية البيان والفصاحة، وإلا فكيف يتحداهم الله بفن من البيان لم يعرفوه؟
٣- بقاء بعض صور من النثر الفني للعرب الجاهليين في مصادر الأدب العربي وأمهات كتبه، من خطابة جيدة، ونصائح بليغة، وإن كان الكثير من النثر الجاهلي قد ضاع لعدم تدوينه بالكتابة، والنثر أحوج إلى التدوين بالكتابة من الشعر، الذي يسهل حفظه في الصدور، وتعين القافية والوزن على تصحيحه وروايته. أما النثر فيشق حفظه ويصعب تناقله. ولم تكن الكتابة معروفة في الجاهلية إلا للقليل من الناس، الذين كانوا يستخدمونها لأغراض سياسية
стр. 235
وتجارية لا لأغراض أدبية١. والسبب في ذلك أمية العرب وبداوتها, وأنها لم تكن أمة ذات حضارة أو ثقافة فكرية واسعة؛ ولذلك كان أكثر أدبها ارتجالا، أو ما يشبه الارتجال.
يقول الجاحظ: وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام. وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكرة, وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني أرسالا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا. وكان الكلام الجيد عندهم أظهر، وهم عليه أقدر وأقهر، وكل واحد في نفسه أنطق, ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم أوجز، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر٢.
٤- والدليل الرابع على وجود النثر الفني في العصر الجاهلي هو وجود صحائف من الكتب الدينية عند بعض طبقات العرب، من اليهود والنصارى ودعاة الحنيفية دين إبراهيم وإسماعيل.
أما المستشرقون فيرون أن النثر الفني لم يعرفه عرب الجاهلية، ولم يشهده عصر صدر الإسلام، وإنما نشأ على يد ابن المقفع المتوفى عام ١٤٣هـ في صدر العصر العباسي الأول، وممن ذهب إلى ذلك المسيو مرسيه الفرنسي٣، والمستشرق جب الإنجليزي، وغيرهما.
ويؤيد ذلك بعض الباحثين المعاصرين٤ كالدكتور طه حسين، ويدعمون ذلك بأدلة منها:
стр. 236
١- أن عيشة العرب الأولين لم تكن توجد النثر الفني؛ لأنه لغة العقل، على حين سمحت بالشعر؛ لأنه لغة العاطفة والخيال.
٢- عدم انتشار الكتابة في العصر الجاهلي، وهي عماد النثر الفني.
٣- والقرآن -الذي يستدلون به على معرفة الجاهليين للنثر الفني، ووجوده عندهم- لا يصح عده من النثر كما لا يصح جعله شعرا؛ لأنه نمط أدبي مستقل ليس له شبيه في الآثار الأدبية.
يقول الدكتور طه: "والواقع أننا لا نستطيع بحال من الأحوال -مهما نحرص على أن نكون من أنصار العصر الجاهلي- أن نطمئن إلى أن هذا العصر كان له نثر فني١. فالعصر الجاهلي لم يكن له نثر بالمعنى الذي حددته، ومع ذلك فقد كان له نثر خاص لم يصل إلينا؛ لضعف الذاكرة، وخلوه من الوزن، وهذا النثر هو الخطابة٢, فأول القرن الثاني للهجرة هو الذي شهد ظهور الحياة العقلية، وهو الذي شهد مظهر الحياة العقلية وهو نشأة النثر الفني٣".
٢- والحق أنه كان للعرب قبل الإسلام، وخاصة الحجازيين منهم، نثر فني يتناسب مع صفاء أذهانهم وحدة تفكيرهم، ولكنه ضاع لأسباب منها: شيوع الأمية، وقلة التدوين، وبعد ذلك النثر عن الحياة الجديدة التي جاء بها الإسلام. والقرآن الكريم شاهد صدق على وجود النثر الفني قبل الإسلام، ويعطي فكرة عامة عن ازدهاره وقوته في هذا العصر الجاهلي، وما يقال من أنه ليس نثرا مغالطة لا تجوز على عقل.
وأغلب الظن أن هؤلاء الذين يجعلون نشأة النثر الفني على يدي ابن المقفع إنما يريدون إسناد ذلك الفضل لأثر وراثاته الفارسية، وأن أدبنا العربي مدين في ذلك للعقلية الفارسية، وهذه شعوبية حديثة نرى مظهرها واضحا في إنكار،
стр. 237
فضل العرب، ونسبة كل مكرمة أدبية أو غير أدبية لغيرهم من العناصر الأجنبية. ثم إن الكتابة إنما يحتاج إليها النثر الفني في تدوينه لا في نشأته كما يسلم بذلك العقل.
ونخلص من ذلك كله إلى إثبات رأينا الذي رأيناه, وهو أن النثر الفني قد وجد قبل الإسلام وقبل اتصال العرب الثقافي بالفرس واليونان بأمد طويل.
٣- ولنوضح أخيرا موقف الدكتور طه من النثر الجاهلي، يرى الدكتور:
١- أنه لم يعرف الجاهليون النثر الفني، وإنما عرفوا ألوانا أخرى من النثر، من: أسجاع، وأمثال، وخطابة لم تكن شيئا ذا غناء١, وسجع كهان٢, وهذه بينها وبين النثر الفني بون بعيد.
٢- ويرفض الدكتور قبول ما ينسب لعرب الجنوب من نثر، من شتى هذه الأنواع النثرية المروية؛ لأن النثر إنما جاء بلغة قريش التي لم يكن لعرب الجنوب بها علم, ولأنهم كان لهم لغة معروفة كتبوها وتركوا لنا فيها نصوصا منثورة كشفها المستشرقون وهي لا توافق لغة قريش في شيء. فكل ما يضاف إلى اليمنيين من نثر مرسل أو مسجوع أو خطابة في الجاهلية عند الدكتور منتحل. أما عرب الشمال فيرى رفض ما يضاف إلى ربيعة وغيرها من عرب العراق والبحرين والجزيرة من نثر، ويتردد فيما ينسب منه إلى مضر، ويرى أن الكثير منه منتحل٣.
ونحن لا نوافق الدكتور على ما ذهب إليه: من إنكار وجود النثر الفني في الجاهلية, ولا من التهوين من شأن الخطابة الجاهلية، وإن كنا نسلم معه بأن بعض النصوص الأدبية من النثر الجاهلي قد انتحل بعد الإسلام.
стр. 238
مأثورات من النثر الحجازي ١:
١- من حديث أم معبد, الذي حدث به حبيش بن خالد ﵁ صاحب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر، ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ﵄ ودليلهما الليثي عبد الله بن الأريقط، مروا على خيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة٢ جلدة, تختبئ بفناء قبتها ثم تسقي وتطعم, فسألوها تمرا ولحما ليشتروا منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين٣, فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد؟ " قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: "هل لها من لبن؟ " قالت: هي أجهد من ذلك. قال: "أتأذنين لي أن أحلبها؟ "، قالت: نعم بأبي أنت وأمي, إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا بها رسول الله ﷺ ومسح بيده ضرعها وسمى الله تعالى ودعا لها في شاتها، فتفاجت٤ عليه ودرّت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط٥, فحلب فيه ثجا٦ حتى علاه البهاء ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب آخرهم ثم أراضوا، ثم حلب فيه ثانيا بعد بدء حتى امتلأ الإناء ثم غادره
стр. 239
عندها وبايعها وارتحلوا عنها. فقلما لبثت١ حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا تساوك هزالا مخاخهن قليل٢, فلما رأى أبو معبد اللبن عجب، وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد, والشاء عازب حيال٣، ولا حلوب في البيت؟ قالت: لا والله, إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا. قال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة٤, أبلج الوجه, حسن الخلق, لم تعبه ثجلة٥ ولم تزر به صعلة٦, وسيما قسيما, في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي عنقه سطع، وفي صوته صحل، وفي لحيته كثاثة. أزج أقرن٧, إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، فهو أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأجملهم من قريب، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر٨, كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة, لا يأس من طول٩ ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا
стр. 240
وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به١, إن قال أنصتوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره, محفود محشود لا عابس ولا مفند٢. قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة, ولقد هممت بأن أصحبه, ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
٢- ومن خطبة هاشم بن عبد مناف, حين تنافرت قريش وخزاعة إليه:
أيها الناس:
نحن آل إبراهيم، وذرية إسماعيل، وبنو النضر بن كنانة، وبنو قصي بن كلاب، وأرباب مكة، وسكان الحرم، لنا ذروة الحسب، ومعدن المجد، ولكل في كل حلف يجب عليه نصرته، وإجابة دعوته, إلا ما دعا إلى عقوق عشيرة، وقطع رحم.
يا بني قصي:
أنتم كغصني شجرة، أيهما كسر أوحش صاحبه، والسيف لا يصان إلا بغمده، ورامي العشيرة يصيبه سهمه، ومن أمحكه٣ اللجاج أخرجه إلى البغي.
أيها الناس:
الحلم شرف، والصبر ظفر، والمعروف كنز، والجود سؤدد، والجهل سفه، والأيام دول، والدهر ذو غير، والمرء منسوب إلى فعله ومأخوذ بعمله, فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد ودعوا الفضول تجانبكم السفهاء، وأكرموا الجليس يعمر ناديكم, وحاموا الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم. وعليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنية فإنها تضيع الشرف وتهدم المجد، وإن نهنهة الجاهل أهون من جريرته، ورأس العشيرة يحمل أثقالها, ومقام الحليم عظة لمن انتفع به. فقالت قريش: رضينا بك أبا نضلة٤.
стр. 241
٣- ومن أمثلة المحاورات، ما يروى من أنه اجتمع عامر بن الظرب العدواني وحممة بن رافع الدوسي١ عند ملك من ملوك حمير، فقال: تساءلا حتى أسمع ما تقولان.
فقال عامر بن الظرب لحممة بن رافع: أين يجب أن تكون أياديك؟ قال: عند ذي الرئية العديم، وذي الخلة الكريم، والمعسر الغريم، والمستضعف الهضيم, قال: من أحق الناس بالمقت؟ قال: الفقير المختال، والضعيف الصوال، والعيي القوال، قال: فمن أحق بالمنع؟ قال: الحريص الكائد، والمستميح الحاسد، والملحف الواجد، قال: فمن أجدر الناس بالصنيعة؟ قال: من إذا أعطي شكر، وإذا منع عذر، وإذا مُوطِل صبر، وإذا قدم العهد ذكر. قال: من أكرم الناس عشرة؟ قال: من إن قرب منح، وإن بعد مدح، وإن ظلم صفح، وإن ضُويق سمح، قال: من ألأم الناس؟ قال: من إذا سأل خضع، وإذا سئل منع، وإذا ملك كنع، ظاهره جشع، وباطنه طمع، قال: فمن أحلم الناس؟ قال: من عفا إذا قدر، وأجمل إذا انتصر، ولم تطغه عزة الظفر، قال: فمن أحزم الناس؟ قال: من أخذ رقاب الأمور بيديه، وجعل العواقب نصب عينيه، ونبذ التهيب, وبرئ من ذنبه، قال: فمن أحذق الناس؟ قال: من ركب الخطار، واعتسف العثار، وأسرع في البدار قبل الاقتدار، قال: فمن أجود الناس؟ قال: من بذل المجهود، ولم يأس على المعهود، قال: فمن أبلغ الناس؟ قال: من جلّى المعنى المزيز باللفظ الوجيز، وطبق المفصل قبل التحزيز، قال: فمن أنعم الناس عيشا؟ قال: من تحلى بالعفاف، ورضي بالكفاف، وتجاوز ما يخاف، قال: فمن أشقى الناس؟ قال: من حسد على النعم وتسخط على القسم، واستشعر الندم على فوت ما لم يحتم، قال: من أغنى الناس؟ قال: من استشعر الناس، وأبدى التجمل للناس، واستكثر قليل النعم، ولم يسخط على القسم, قال: فمن أحكم الناس؟ قال:
стр. 242
من صمت فادّكر، ونظر فاعتبر، ووعظ فازدجر, قال: من أجهل الناس؟ قال: من رأى الخرق مغنما، والتجاوز مغرما.
وفي هذا الحوار رأى ابن رافع أن يجيب صاحبه عن هذه الأسئلة كلها أجوبة سداها الحكمة والقول الفصل والآيات البينات والأفكار الرائعات، تراه يقول له: إن أجدر الناس بالصنيعة ذو الخلق الكريم من إذا أعطي شكر، وإذا منع عذر، وأولى الناس بالمنع الحريص الكائد، وأكرم الناس عشرة من إذا ظلم صفح، وألأمهم من إذا سأل أراق ماء وجهه وإذا سئل بخل، وأحلم الناس وأحزمهم من عفا عند المقدرة وفكر في العواقب، وإن أخرق الناس من لم يعد للشيء عدته قبل الإقدام عليه، وأجودهم من جاد بالمجهود، وأبلغهم من عرض المعنى الغزير في اللفظ الوجيز, وأنعم الناس عيشا من تحلى بالعفاف، وأشقاهم من لم يرض بما وهب الله له وحسد الناس على آلائهم، وأحكم الناس المفكر المعتبر، وأجهلهم من ركب متن الشطط وأسرج أفراس هواه.
ويؤخذ على هذه الحكم كثرة التكرار في المعنى الواحد، وعرضه في مواطن متفرقة؛ وقد كان خليقا أن تذكر الحكمة مع الحكمة التي تتجاور معها وتتزاوج فترى فيها تساؤلا عن الأيادي وعن الصنيعة، والمراد منهما شيء واحد وعن الحزم والحكمة وعن الكرم والجود وعن الخرق والجهل، وكلها معانٍ تدور في فلك واحد, ومع ذلك لم تجئ منسقة ولم تنبؤ أن كل حكمة مقعدها إلى جانب الحكمة التي تلائمها وتتسق معها مشربا وروحا.
أما الأسلوب فيتجلى فيه ذلك الطابع العام للنثر الجاهلي من جزالة اللفظ ومتانة التركيب وقوة العبارة وإحكام النسج وقصر الفقرات والجنوح إلى الإيجاز وقلة الروابط بين الجمل، بحيث ترى الحكمة قد اطردت من غير مناسبة قوية، حتى إننا نستطيع أن نقدم ونؤخر في العبارات، ولا يتأثر المعنى ولا تضطرب الفكرة ولا يختل النظم، كما يتجلى في السجع الذي يغلب على الحكم والخطب والوصايا وتخرصات الكهان.
هذه الحكم نفسها هي أكبر مظهر للعقلية العربية، والعرب لم يمتحوا من
стр. 243
ينابيع الثقافة ولم ينهلوا من موارد العلوم، ولكن تجاربهم الجمَّة أتاحت لهم ألوانا من الأفكار الرائعة، والخلجات الناصعة, والمعاني العميقة، والتأملات الدقيقة، ما مكنهم من صوغ الحكمة وإبراز معالمها، فهم وإن لم يكن لهم علوم منظمة ينتفعون بها, فقد كان لهم من خبرتهم وقوة مداركهم وحدة ذكائهم وصدق حسهم ومخالطتهم أحيانا ببعض الأمم التي تتاخمهم ما جعلهم ينظمون الحكم عقودا براقة, من جمان الأفكار, وعقيان المعاني.
ثم نرى المعاني التي عرضت لها هذه الحكم صورة واضحة لخلجات العقل العربي وتأملاته وإدراكاته، فالكرم والبخل والعفة والقناعة والصبر والرضا والبلاغة والحكمة كلها معانٍ تحتل المكانة الأولى من العقلية العربية، وتتسم بها أفهامهم ومداركهم.
стр. 244
الباب الثاني: فنون النثر الحجازي في العصر الجاهلي
الفصل الأول: الحكم والأمثال
المثل في اللغة:
في الأسفار العبرية للعهد القديم ورد اللفظ Masal للدلالة على الحكم والسيادة, ووردت صفة الحكم منسوبة إلى الله تعالى وإلى الناس وإلى الأجرام السماوية. وفي نسبة الحكم إلى الأجرام السماوية, وردت آيتان في سفر التكوين "١/ ١٦-١٨" هذا نصهما: "فعل الله النورين العظيمين: النور الأكبر لحكم النهار، والنور الأصغر لحكم الليل والنجوم. وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض، ولتحكم على النهار والليل، ولتفصل بين النور والظلمة".
وإذا رجعنا إلى اللغة الآشورية, البابلية وجدنا لفظ Masala ومعناه: لمع أو سطع. وفي العربية: مثل القمر مثولا, إذا ظهر, والماثلة: منارة المسرجة. وربما استطاع الباحث في الأمثلة أن يفترض -على الأقل- وجود علاقة أسطورية قديمة بين نور الأجرام السماوية الذي اقترن بالقوة والسلطان وبين معاني اللمعان والظهور.
أطلق اللفظ في العبرية إذًا على الحكم والسيادة مطلقا, فقالوا: الحاكم Himsil "ولى الحاكم وعينه" واشتقوا الاسم على وزن فعل فقالوا:
стр. 245
"Musl" Mosel "الحكم والسلطة والسيادة". وفي العبرية المتأخرة ورد Masal بمعنى: لمس وقبض، وقالوا: "شعلة النار أمسكت بهم أو انقضت عليهم" وليس ببعيد أن يكون معنى اللمس والقبض جاء تبعا لمعنى السيادة والحكم.
أما العربية فلا تستعمل لمعنى الحكم ألفاظا مشتقة من "م ث ل" وقد اكتفت العربية بمادة "ح ك م" ومشتقاتها عن مادة "م ث ل" في الدلالة على الحكم والسيادة، في حين نجد لغات سامية أخرى كالعبرية قد استغنت بمادة "م ث ل" عن مادة "ح ك م" في الدلالة على الحكم والسيادة١, على أنه قد ورد في مادة "م ث ل" العربية ما يشير من بعيد إلى صلة ما بينها وبين معنى الحكم والسيادة، وذلك في قولهم: مثل الرجل يمثل مثالة, إذا فضل وحسن حاله.
والمثيل: الرجل الفاضل, والأمثل: الأفضل. وفي القرآن: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣] ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] ، ويقول العرب: امتثل القوم ما قال فلان، أي: أذعنوا وأطاعوا.
والتمثال في العربية، وكذلك amsal, messale, wesl في الحبشية كلها بمعنى "الشيء المصور" ولكن من اليسير -فيما نرى- أن نجد صلة ما بين المعنيين إذا رجعنا إلى المفهوم القديم لمعنى التمثال في اللغات السامية. فقد أورد القرآن بعض الألفاظ الدالة على الصور المعبودة, ومن بينها لفظة تماثيل إشارة إلى معبودات قوم إبراهيم [قرآن الأنبياء: ٥٢] ووردت كذلك للدلالة على أشياء مصورة ليست مخصوصة بالعبادة [قرآن سبأ: ١٣] فاللفظ أطلقه العرب القدماء على الصور التي تصنع لأغراض شتى منها العبادة.
وكان السحر من أهم أغراض هذه الصناعة عند الساميين, فالبابليون أفرغوا في صناعة التماثيل جهدا ضخما لأغراض سحرية.
والساحر البابلي كان يستهدف الغلبة والسيطرة على العوامل المشئومة التي تكتنفه من كل جانب. فكان إذا أراد أن ينتقم من عدوه وهو غائب عنه عمد إلى صورة ما يصنعها بيده ثم يحرقها بحرابه؛ أي: يشعل فيها النار اعتقادا منه أن
стр. 246
ذلك يصل إلى جسم عدوه. وجملة القول أن التمثال في اعتقاده كان وسيلة تمكنه من السيطرة على الأصل. وهناك طائفة من التماثيل الصغيرة كان يستخدمها العبرانيون في مساكنهم الخاصة ويسمونها التراقيم Teraphim وهي بمثابة حمائل وطلاسم لحماية السكان من الشر والأذى.
فالتمثال في ذهن السامي القديم كان رمز السيادة والإخضاع؛ إذ هو الوسيلة إلى الحماية والبقاء، أو هو السيد القوي الذي يرجى خيره ويخشى من شره.
وهنا نعود إلى المعنى السابق فنفترض أن السامي القديم حين سمى الصورة "مسل mesl" أو تمثالا، اشتق اللفظ من معنى الغلبة والسيطرة.
ثم نجد في المادة اللغوية معاني يبدو أنها متفرعة من معنى "الشيء المصور", من ذلك معنى القيام والانتصاب. قال العرب: "مثل الشيء" إذا انتصب, ومنه الحديث: "من سره أن يمثل له الناس قياما, فليتبوأ مقعده من النار"، ومنه حديث عائشة تتحدث عن أبيها: "فحنت له قسيها وامتثلوه غرضا" أي: نصبوه هدفا لسهام ملامهم وأقوالهم.
ومن الشيء المصور لمح الناطقون معنى المشابهة والمشاكلة, فورد اللفظ في الساميات "المثل metal, Metal, masal" بمعنى الشبيه والنظير. واشتقوا الفعل masal في العبرية, masalu في الآشورية, masala في الحبشية القديمة والأمهرية، metal في الآرمية, meetsl في السريانية، وكلها أفعال تدل على المشابهة والمشاكلة.
واشتق العرب من المادة لفظا يؤدي معنى القصاص "العقاب بالمثل" وتفردوا بإطلاق لفظ يدل على معنى القصاص من مادة "م ث ل" فقالوا: "المثال" وقالوا: أمثل الحاكم فلانا من فلان: إذا أقصه منه، وامتثل منه: اقتص، وقد يكون منشأ هذه التسمية أنهم لمحوا في القصاص معنى المشابهة والمشاكلة وذلك بأن يجعل شخص نظير شخص آخر في القتل. ومن المثال أو العقاب بالمثل ربما أخذوا معنى التنكيل فقالوا: مثل يمثل مثلا ومثلة بالرجل أي: نكل به وانتقم منه، وأصبحت المثلة دالة بذاتها على الآفة والعقوبة التي تقترن بالتشهير. وورد هذا المعنى في التوراة بضع مرات بلفظي: masa, meso
стр. 247
ففي التثنية "٢٨/ ٢٧": "وتكون دهشا ومثلا وهزأة في جميع الشعوب"، وفي القرآن: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] وورد عدد من الأحاديث النبوية في هذا المعنى, أما في الأناجيل فلم يعثر الباحثون على هذا الاستعمال١.
الحكمة والمثل, ومدلولهما الاصطلاحي:
الحكمة:
الحكمة: قول بليغ موجز صائب، يصدر عن عقل وتجربة وخبرة بالحياة, ويتضمن حكما مسلما، تقبله العقول وتأنس به الأفئدة، وتنقاد له النفوس والمشاعر٢.
وكان للعرب في الجاهلية حكماء شهروا بأصالة الرأي، وبعد الغور، ودقة التفكير، والنظر الصائب، والفهم الصحيح للحياة وأحداثها وتجاربها, وتنطلق ألسنتهم بالحكمة البليغة الرائعة، كلما حدث حادث، أو نزل خطب، أو أخذ رأيهم في مسألة.
وكان العرب يلتجئون إلى هؤلاء الحكماء في الخصومات والمفاخرات
стр. 248
والمنافرات ومشكلات الأمور، بل كان في كل قبيلة حكيم تفزع إلى رأيه في الخطوب، وتستعين بتجاربه في المشكلات، وتستضيء برأيه في جميع شئون حياتها. وقد يكثر الحكماء في القبيلة، فيكونون عونا لها في الشدائد، وتحلهم القبيلة من نفسها مكانا عليا. واشتهرت بعض النساء في العصر الجاهلي أيضا بالحكمة، ولهن آثار تروى، وحكم مخلدة في صحف التاريخ الأدبي.
والحكم من البلاغة بمكان كبير؛ لإيجازها، ووضوحها، وفصاحتها، ودقة معناها، وروعة تأثيرها، وخصب خيالها، وصدق تجاربها الإنسانية، وهي تكسب الكلام سحرا وحلاوة, وتجعله مقبولا من الذوق، قريبا للقلب، مسلما به من العقل والشعور والوجدان.
وإذا التمسنا تعريف الحكمة عند الفرنجة في بعض الموسوعات الأدبية الحديثة، نجدها تعرف على هذا النحو:
Aphorim and Maxim may alike be Briefly defined as pittlhy sentences with a general basing on pite. أي: إنها "عبارة جامعة سديدة, ذات صلة عامة بالحياة" إلا أن كلمة Maxim ذات مدلول أضيق؛ لأنها تدل على المبدأ الذي يعتنقه المؤلف "الكاتب" ويستهدي به في الحياة أو ينشد به هداية الآخرين. مثال ذلك: أن تقول: إن مبدأ لوتسي, "Tao Lse" هو:
l would meet trust with trust: l would bewise meetsuspicion Mith trust.
الفرق بين الحكمة والمثل:
وقد تشتهر الحكمة وتذيع بين الناس فتصبح مثلا. وعلى هذا سار المؤلفون في الأمثال، حيث لم يفرقوا بين ما صدر في حادثة معينة مثل "رجع بخفي حنين" أو ما فاض به لسان حكيم.
والباحثون في الآداب السامية لم يهتدوا إلى نوع الصلة التي ربطت بين هذين الاصطلاحين: حكمة ومثل, في المراحل الأولى: أكانا لفظين مترادفين, أم أن كلا منهما يختص بلون من الكلام، أم أن الحكمة كانت أعم وأشمل في مدلولها من المثل؟ ومهما يكن من شيء، فقد قرر الاصطلاح العلمي المتأخر
стр. 249
الذي اتفق عليه الباحثون، على أن أدب الحكمة Wisdom Literature أعم من أدب الأمثال؛ فكل مثل حكمة, وليس كل حكمة مثلا.
المثل وخصائصه:
عندما قام الفرنجة بترجمة أسفار التوراة والإنجيل إلى اليونانية ثم إلى سائر اللغات الأوروبية, أدركوا أن كلمة masal في العبرية والآرامية ذات مدلول واسع، فاتخذوا للتعبير عنها عدة ألفاظ، ومنها الكلمتان اليونانيتان اللتان تقابلان في الإنجليزية كلمتي "Parable" "Proverb". وكان الاصطلاح الأول منهما هو اللفظ الشائع للمثل عندهم. فإذا عرفوه قالوا: "وهو العبارة التي تتصف بالشيوع والإيجاز وحدة المعنى وصحته" فالإيجاز ركن من أركان المثل عندهم, وبذلك حدده أرسطو١. وهنا يلتقي العرب واليونان القدامى، فأبو عبيد القاسم بن سلام "٢٢٤هـ" يرى اجتماع ثلاث خلال في المثل: إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه، وإبراهيم بن سيار النظام "٢٢١هـ=٨٤٦م" يقول: "يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية, فهو نهاية البلاغة". ثم يأتي الفارابي الفيلسوف فيفرق بين النادرة والمثل بقوله: "النادرة: حكمة صحيحة تؤدي ما يؤدي عنه المثل, إلا أنها لم تشع في الجمهور، ولم تجر إلا بين الخواص, وليس بينها وبين المثل إلا الشيوع وحده". وهذا يطابق ما ذكره العالم بنتسن Bentzen في تقسيم أدب الحكمة إلى قسمين: الجملة الجامعة sentence والمثل Proverb.
وقد عرف المثل بعض نقاد الأدب العربي, ومنهم المبرد بأنه: "قول سائر يشبه مضربه بمورده، أو يشبه فيه حال المقول فيه ثانيا بحال المقول فيه أولا".
ويعرفه آخرون ومنهم المرزوقي بأنه: "جملة من القول مقتضبة من أصلها أو مرسلة بذاتها، فتتسم بالقبول وتشتهر بالتداول، فتنقل عما وردت فيه إلى كل ما يصح قصده منها من غير تغيير يلحقها في لفظها ... ". وهذا التعريف الأخير يجمع الحكمة والمثل. فالمقتضبة من أصلها هي المثل الذي له أصل وقصة أو حادثة معينة، والمرسلة بذاتها هي الحكمة التي ينطبق بها الحكيم بعد
стр. 250
طول التجربة والخبرة، وعليه يسير ابن رشيق، والميداني، وأبو هلال العسكري, وسواهم. وقد جمع أبو هلال والميداني في كتابيهما كثيرا من ذلك، وجعلاها كلها من الأمثال، سواء كانت من النوع الأول أو النوع الثاني.
بيد أن هذا التحديد لا ينطبق إلا على بعض فنون المثل، فقد أطلق العرب القدامى مع إخوانهم الساميين كلمة المثل على عبارات لا يشترط فيها الإيجاز -على الأقل- كالأمثال القياسية, والأمثال الخرافية.
أشكال مدلول المثل:
وقد أطلق الساميون لفظ "مثل" على فنون من التعبير بعضها موجز وبعضها مطول. أطلقوه على الكلمة الموجزة التي اكتسبت صفة الشيوع والشهرة في الناس، والكلمة الجامعة المركزة الدالة على مهارة الصنعة والقدرة على الإلغاز والتعمية، وأطلقوه على القطعة الأدبية التي قد تبلغ الفقرة والفقرتين من الكلام, والتي تقص نبوءة من النبوءات، أو تنزع منزع الأنشودة الشعرية، أو ترد قياسا ومقارنة لتفسير فكرة، أو توضيح عبارة، أو تحكي قصة خرافية ذات مغزى.
وفيما يلي أشكال مدلول المثل:
١- أمثال الأحلام والنبوءات:
نظر الناطق القديم إلى أحلام النائم، وتهيؤات الكاهن، وتنبؤات النبي, فعدها أمثالا، فأطلقت التوراة هذا اللفظ على نبوءات بلعام وميخا وحبقوق، ويزعم بعض الباحثين أن القدامى عدوا هذا الشكل مثلا؛ لأنه كلام فيه تشبيه، وكان الكاهن والعراف في أشد الحاجة إلى الصورة المجازية يجد فيها مجالا للمواربة والإيماء والرمز والإلغاز. ونجد عددا من الأمثال الملغزة منسوبة إلى أقوال كهان العرب، أمثال: عزى سلمة الكاهن، والشعثاء الكاهنة وهي تصف سبعة إخوة، وطريفة الكاهنة وهي تخاطب قوم عمرو بن عامر، وكاهنة ذي الخلصة وهي تتكهن بما في بطن رقية بنت جشم، والكاهنة السعدية تخاطب العجفاء وصواحباتها.