ولما كانت قريش تسكن مكة في مكان متوسط بين اليمن والشام غير ذي زرع، وليس بهذا المكان موارد تكفيهم، فقد اتخذ القرشيون التجارة مهنة لهم، وأصبحوا ينافسون عرب اليمن، وغدت تجارة قريش -على عهد هاشم بن عبد مناف- تخرج في قوافل عظيمة تشبه الجيش, وقد بلغت أحيانا خمسمائة وألف بعير، تتقدمها الكشافة تتعرف ما في الطريق، والهداة يهدون السبيل والحراس يخفرونها.
وكانت القوافل الحجازية تنزل في أسواق عينتها الحكومة الرومانية لتحصل منهم الضرائب، ولتراقب الأجانب الوافدين على بلادها، وكانت هذه القوافل التي تقصد البلاد الرومانية تنزل أولا في أيلة "العقبة" ومنها تذهب إلى غزة ثم تتفرق القافلة حسب مقتضيات التجارة, على أن تعود فتتجمع في غزة في موعد مضروب, تعود بعده القافلة نحو البلاد العربية. وقد استفاد العرب أثناء رحلاتهم التجارية بعضا من مدنية الروم والفرس وآدابهم, واقتبسوا مما شاهدوه في هذه الأمم من أنظمة حكومية في جمع الضرائب، ومن أخلاق، ولغة وعادات لم تكن لهم، يؤيد ذلك ما أدخله العرب على لغتهم -بتأثير هذه المخالطة- من ألفاظ فارسية، ورومانية، ومصرية، وحبشية، مما أصبح على مر الأيام جزءا لا يتجزأ من اللغة العربية، إلى حد أن نطق بها القرآن الكريم١.
ويقال: إن اسم "قريش" إنما سميت به قبيلة قريش المكية لاشتغالها بالتجارة، فقد ورد في لسان العرب: وقيل: سميت بذلك لأنهم كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب ضرع وزرع، وذلك من قولهم: فلان يتقرش المال أي: يجمعه.
стр. 177
الفصل الثالث: اللغة العربية في الحجاز
١- أصل العربية:
ليس في الإمكان معرفة لغة الإنسان الأول ولا اللغات التي تفرعت عنها، فقد مضى على ذلك قرون عجز التاريخ عن الإلمام بها، وما يقال من أن لغة آدم ﵇ كانت سريانية أو عربية، وأنه رثى ابنه بشعر عربي, تَجَنٍّ على التاريخ حمل عليه تعصب كل قوم للغتهم، وليست اللغة العربية في حاجة إلى مثل هذه الخرافات لتشرف على غيرها من اللغات؛ إذ لها من المفاخر الحقيقية ما يغنيها عن هذه الترهات.
وغاية ما أمكن الباحثين، أن أرجعوا اللغات الحالية إلى لغات أبناء نوح الثلاثة: يافث، وحام، وسام، الذين أبقى الله ذريتهم دون من كان معهم في السفينة, كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ وتفرقوا في جهات الأرض، وكان لكل فريق منهم لغة نسبت إلى جدهم الأعلى، وهي: اليافثية أو الآرية, والحامية، والسامية.
أما الأولى، فقد انتشرت في الهند وامتدت منه إلى الأفغان وفارس ثم إلى أوروبا، مصاحبة لأهلها في فتوحاتهم وتجولاتهم؛ ولذا قسمت قسمين:
أ- آرية شمالية، ومنها تفرعت اللاتينية واليونانية وغيرهما، ومنهما تفرعت لغات أوروبا الحالية.
ب- آرية جنوبية, وهي السنسكريتية "الهندية القديمة", وفروعها: الهندية الحالية والفارسية والأفغانية
والأرمينية.
стр. 178
وأما الحامية، فقد انتشرت شمالي أفريقية, وتشمل: الزنجية، والبربرية لغة سكان المغرب، والمصرية القديمة التي كانت قبل الهكسوس. أما بعد إغارتهم فصارت خليطا من الحامية والسامية، لغة الفاتحين.
وأما السامية، فقد انتشرت غربي آسيا في العراق والشام وجزيرة العرب, ثم الحبشية بأفريقية على رأي.
وتشمل اللغة السامية: البابلية, نسبة إلى بابل التي بقيت أطلالها بقرب الكوفة، والسريانية بأعلى العراق وشمال سورية، والكلدانية١ جنوبيه, والآشورية شماليه, والفينيقية بين جبال لبنان والبحر الأبيض، والعبرية بفلسطين، والحبشية, والعربية. وقد ماتت هذه اللغات ما عدا العبرية، والسريانية, والعربية، ولكن المنقبين قد اهتدوا إلى الآشورية والبابلية، ووضعوا فيهما المعاجم كأنهما من اللغات الحية. وإنما عاشت هذه اللغات دون أخواتها الساميات لتقييدها بالكتابة, وزاد العربية تأييدا نزول القرآن الكريم بها, وهي أغنى أخواتها الساميات؛ لطول عمرها واتساع رقعتها، ونزول القرآن بها، ولما اقتبسته من الأمم التي اتصلت بأهلها سياسيا أو تجاريا أو مجاورة.
وقد اختلف الباحثون في هذه اللغات: أتفرعن من واحدة مجهولة لنا، أم إن إحداهن أم للباقيات؟ والذين يذهبون إلى الرأي الثاني اختلفوا في أيهن الأم، فقيل: هي البابلية؛ لما بينها وبينهن من تشابه قوي, فبعض الكلمات على صورة واحدة فيها وفي العربية، ككلمتي: أنف وعنب، وهما في العبرية والسريانية بحذف النون, والتنوين في العربية نون، وفي البابلية ميم، وهما متقاربان في العربية؛ ولذا تبدل إحداهما من الأخرى، مثل: غين في غيم، وامتقع في انتقع، وعلامة الجمع فيها الواو والنون، وفي السريانية الياء والنون، وفي العبرية الياء والميم, والسين في العربية
стр. 179
شين في العبرية، والألف في العربية واو في العبرية, والضاد في العربية صاد في العبرية, والثاء في العربية شين في العبرية؛ فيقال في سلام وأرض وثور: شلوم، وأرص، وشور بالعبرية، والذال في العربية زاي في العبرية ودال في السريانية, والحاء في العربية خاء في العبرية والسريانية, والغين في العربية عين فيهما.
ولا يعقل أن تكون العبرية أو السريانية أصلا؛ لأن البابلية أقدم، وإنما كانت أصلا للعربية؛ لأن العرب انتقلوا من بابل إلى جزيرتهم، فالبابلية أصل العربية.
وقيل: هي العربية؛ لأن الكلمات المشتملة على حرف الضاد تنقل إلى العبرية والسريانية -وهما أغنى اللغات السامية بعد العربية- بجعل الضاد صادا في العبرية وعينا في السريانية، ولو كانت العربية ناقلة عنهما، لما كان هناك داعٍ لجعل هذين الحرفين ضادا لوجودهما فيها، ولأن في العربية من أصول الكلمات ما ليس فيهما.
والتشابه بين هذه اللغات مما لا شك فيه، ولكنه لا يكفي في الحكم بأن إحداهن أم للأخريات؛ ولذلك رجح العلماء الرأي الأول، وهو أنهن أخوات لأم عفى عليها الزمن١ ... يقول جورجي زيدان في كتابه "تاريخ آدب اللغة": واللغات السامية أخوات لا يعرف لهن أم، وظن بعضهم أن البابلية والآشورية القديمة أمهن ولكن المحققين لا يؤيدون ذلك، والمعول عليه أن هذه اللغات السامية أخوات انقرضت أمهن قبل زمن التاريخ، وقال في "تاريخ العرب قبل الإسلام": وقيل: إن أمهن العبرية، وقيل: العربية، وقيل: البابلية، وكلها لا تخرج عن حد التخمين. ا. هـ. ونقول: لعل الحامل لهؤلاء على أقوالهم تعصب كل فريق للغته.
ومن هذا يتبين لك أنه ليس من السهل الوصول إلى معرفة أصل اللغة العربية.
стр. 180
٢- نشأة العربية:
إذا كنا لم نستطع أن نعين أصل العربية، فإننا نستطيع أن نقول: إن اللغة العربية تألفت من لغات شتى، تدخل كل منها في بنائها في طور من أطوار حياتها، وذلك أن أقدم العرب هم الطبقة البائدة، ويظن أنهم هم المعينيون الذين قدموا من العراق إلى اليمن، وكانت لغتهم عامية البابلية، وبإقامتهم باليمن أخذت لغتهم تتباعد عن أصلها شيئا فشيئا حتى ضعفت الصلة بينهما، ثم جاء السبئيون أو القحطانيون إلى هذه البلاد من الحبشة أو من سقي الفرات، في القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد، واقتبسوا لغة المعينيين، ولعل هذا المعنى هو قول المؤرخين: إن القحطانيين أخذوا اللغة العربية عن العرب البائدة, ثم نزل إبراهيم بابنه إسماعيل ﵉ وبأمه هاجر بمكة في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ونشأ إسماعيل بين قبيلة جرهم الثانية القحطانية التي انتقلت هي وغيرها من اليمن على أثر حادث سيل العرم, وأصهر إليهم وكان لسانه عبرانيا، فأدخل في لغة قحطان العنصر العبري، وتغلبت بعد ذلك اللغة العدنانية على الحميرية وغيرها من اللغات بواسطة الأسواق, واجتماعات الحج.
ومن هذا تعرف كيف نشأت اللغة العربية, وكيف استمدت من البابلية والحبشية والعبرية، وتمثلت بعد ذلك لغة مستقلة فاقت كل هذه اللغات.
٢- مميزات العربية:
ومما تمتاز به العربية عن سواها:
١- الإعراب: وتشاركها فيه الحبشية، والألمانية، ويقول العارفون: إن الألمانية كادت تتخلص منه. ويظهر أن الإعراب أليف البداوة دون الحضارة؛ فقد كانت البابلية واللاتينية واليونانية والسنسكريتية معربة حين كان أهلها متبدين، فلما تحضروا ذهب عنها الإعراب، ولم يبق
стр. 181
في بعضها إلا بالكتابة والتقييد كما هو الحال في العربية والألمانية، على أن عامية العربية قد فقدت الإعراب.
٢- غناها وثراؤها: ففيها لكل ما دقّ وجلّ من الأزمنة الثلاثة, ولكل ما يخطر بالذهن من المعاني، وأحوالها، وأصنافها، وكيفياتها، اسم بل أسماء، مما لا مثيل له في أرقى لغات البشر، كما قال جورجي زيدان: وإذا رجعت إلى كتب فقه اللغة١, رأيت من ذلك ما يملؤك عجبا وإعجابا.
٣- انفرادها بصيغ المشاركة: يقول العارفون: إن صيغ المشاركة فيها؛ كتقاتلوا وتشاركوا لا نظير لها في اللغات الأخرى، إنما يعبر عن معناها بعدة ألفاظ.
٤- الإيجاز: وهو وإن كان في غيرها إلا أنه أظهر، وأمثلته في الكتاب والسنة والحكم والأمثال وكلام البلغاء كثيرة لا تحصى. ومثل ذلك الاشتقاق والمجاز, فقد كثرا في هذه اللغة بخلاف اللغات الأخرى, فإنهما يقلان فيها.
٥- الاشتراك والتضاد: فهما من خصائص العربية.
٤- اختلاف اللهجات العربية:
تتعدد اللغات بتعدد الأوطان واختلاف البيئات والأجواء، والمناظر تملي على أهلها الأسماء، والجو يفعل فعله بالأعصاب اللسانية، وهذا بيّن في أنواع الأبدال السابقة.
ولما كانت بلاد العرب متسعة الأرجاء، وشماليها يخالف جنوبيها في السطح والمناخ وأحوال المعيشة، اتسعت هوة الخلاف بين لغتي السكان فيهما؛ ولذا قال عمرو بن العلاء: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا،
стр. 182
ولا عربيتهم بعربيتنا". وقال ابن خلدون: "ولغة حمير لغة أخرى مغايرة للغة مضر في الكثير من أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها, كما هي لغة العرب لعهدنا مع لغة مضر، خلافا لمن يحمله القصور على أنهما لغة واحدة، ويلتمس إجراء اللغة الحميرية على مقاييس اللغة المضرية وقوانينها، كما يزعم بعضهم في اشتقاق "القيل" في اللسان الحميري أنه من القول، وكثير من أشباه هذا وليس ذلك بصحيح".
ولما كان سكان الشمال بدوا يعيشون على انتجاع الكلأ، وتكاد كل قبيلة تكون في معزل عن القبيلة الأخرى -واختلاطهم قليل- لزم أن يكون بين لهجاتهم بعض الاختلاف، وإن كانت مادة لغتهم واحدة، ولكن هذا الاختلاف أقل مما بين سكان الشمال وسكان الجنوب؛ لاتحاد البيئة والمرئيات في شماله "فلم يتعدّ الاختلاف بينها صورة النطق وكيفيته، كما هو الحال بين سكان البلاد المصرية، إذ إن اللهجات المصرية وليدة اللهجات العربية، كما ذكر حفني ناصف وغيره. وقد علمنا أن قريشا بمكة كانت تفوق قبائل الشمال" عقلا ورقيا وتهذيبا وحضارة؛ لما كانت عليه من سيادة، وما كان لها من رحلات تجارية، اتصلت فيها بأمم شتى؛ نقلت عنها شيئا من الحضارة، فكانت بذلك، وبما أودع الله في ألسنتها من مرونة وقوة أقدر على ترقية لغتها وتهذيب نطقها، بما انتقته من لغات القبائل الوافدة عليها في موسم الحج ومجامع التجارة، وما أضافته إلى لغتها من لغات البلاد التي كانت تتجر معها، ولم يسع القبائل الأخرى إلا أن تحاكيها في النطق؛ لسيادتها ونفوذها، فأخذت لغة قريش تقوى ويتسع نفوذها بينما كانت اللهجات الأخرى آخذة في الانكماش؛ وبذا تقاربت اللهجات وكادت تتحد، فلما نزل القرآن الكريم بلغة قريش, وسحر العرب ببيانه، واعتنق العرب الإسلام؛ نمت الغلبة للغة قريش وتوارت تلك اللهجات، إلا آثارا قليلة دونت١ مع لغة قريش.
стр. 183
وقد كان لكل لهجة من اللهجات هنة أو أكثر سوى لغة قريش، فإنها سلمت من تلك الهنات. ومن هذه اللهجات:
١- عجعجة١ قضاعة: وهي إبدال الياء المتطرفة بعد عين جيما، نحو: الساعج خرج معج، وفقيم تبدل الياء جيما إن وقعت في الآخر مشددة أو ساكنة، فالأول كقول الشاعر:
خالي عويف وأبو علج ... المطعمان اللحم في العشج
والثاني كقول الآخر:
يا رب إن كنت قبلت حجتج ... فلا يزال شاحج٢ يأتيك بج
ولغة فقيم أعم من لغة قضاعة.
стр. 184
وقد ورد عكس هذا الإبدال، قال الشاعر:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى ... فأبعدكن الله من شيرات١
٢- فحفحة٢ هذيل: وهي إبدال الحاء عينا، كقولهم: علت العياة لكل عي، في: حلت الحياة لكل حي.
٣- عنعنة تميم وقيس: وهي جعل الهمزة المبدوء بها عينا, نحو: عنك فاضل، وعنت كريم، في: إنك فاضل، وأنت كريم.
٤- استنطاء سعد وهذيل والأزد وقيس والأنصار: وهو جعل العين الساكنة نونا إذا جاورت الطاء، فيقولون في أعطى درهما: أنطى درهما، وقرئ شذوذا: "إنا أنطيناك الكوثر"، وفي الحديث: "فإن اليد العليا هي المنطية، واليد السفلى هي المنطاة".
٥- كشكشة ربيعة ومضر: وهم في ذلك طوائف؛ فطائفة تجعل بعد الكاف المخاطبة المؤنثة شينا في الوقف فقط، وهو الأشهر، وطائفة تثبتها في الوصل أيضا، وطائفة تجعل مكان كاف المخاطبة المؤنثة شينا مكسورة في الوصل ساكنة في الوقف. حكى بعضهم أنه سمع أعرابية تقول لجاريتها: "ارجعي وراءشي, فإن مولاشي يناديشي" أي: وراءك ... إلخ، وروي قول الشاعر:
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... البيت بإبدال الكاف شينا:
فعيناش عيناها، وجيدش جيدها ... ولكن عظم الساق منش دقيق٣
٦- كسكسة ربيعة ومضر: يجعلون بعد الكاف أو مكانها سينا في خطاب المذكر؛ ليفرقوا بين خطاب المذكر وخطاب المؤنث، يقولون: "عرفتس لما أن نظرتس" وقد نسبها الحريري لبكر لا لربيعة ومضر، وجعلها زيادة شين بعد خطاب المؤنثة، وفسرها القاموس كتفسير الحريري لكنه نسبها لتميم لا لبكر.
стр. 185
٧- وهم كلب: وهو كسر هاء الغيبة متى وليتها ميم الجمع مطلقا نحو: منهِم وعنهِم وبينهِم، والفصيح أنها لا تكسر إلا إذا كان قبلها ياء أو كسرة مثل: عليهِم وبهِم. وزاد في المزهر في الرديء المذموم من لغات العرب قلب الكاف جيما؛ يقولون: الجعبة في الكعبة, وزاد ابن فارس الحرف الذي بين القاف والكاف١ في لغة تميم. قال الشاعر:
ولا أكول لكدر الكوم قد غليت ... ولا أكول لباب الدار مكفول
وهي لغة أكثر المصريين.
والحرف الذي بين الجيم والكاف في لغة اليمن، فيقولون في "جمل": "كمل" وهي السائدة في القاهرة والجهات المجاورة لها.
قال الجاحظ في البيان والتبيين: قال معاوية يوما: من أفصح الناس؟ فقال قائل: قوم ارتفعوا عن لخلخانية الفرات وتيامنوا عن كشكشة تميم وتياسروا عن كسكسة بكر, ليس في لغتهم غمغمة قضاعة٢ ولا طمطمانية حمير، قال: من هم؟ قال: قريش.
٤- عوامل تهذيب اللغة العربية:
لم تخلق اللغة العربية كما ننطق بها الآن، بل مرت -قبل ذلك- بأطوار وتقلبت عليها عصور وأجيال، وتعاورتها عوامل شتى حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن من غنى وثراء، وحلاوة منطق وفصاحة بيان.
والإنسان يملكه العجب حين يستعرض هذه العوامل، فيراها متضافرة على غرض واحد، وهو توحيد اللغة وكأن الله تعالى أراد أمرا جليلا فهيأ له أسبابه, حتى إذا نزل كتابه كانت الآذان قد تهيأت لفهمه والتأثر به،
стр. 186
لإنقاذ هذه الأمة مما كانت ترسف فيه من الجهل والضلال، وليسري هذا النور منها إلى غيرها فيسعد به الناس، وتنتظم به حياتهم، ويرفه به عيشهم.
وأول هذه العوامل: ما حدث بنزول يعرب بن قحطان بيلاد اليمن, فقد قيل: إنه اتصل ببقايا العرب البائدة، وتعلم منهم لسانهم، وأعقب ذلك تغير اللغة عن أوضاعها الأولى إلى أوضاعها الجديدة التي هي مزيج من لغة العرب البائدة ولغة بابل أو الحبشة "بلاد يعرب بن قحطان"، ومن هنا نفهم مراد من يقول: إن يعرب بن قحطان أول من نطق بالعربية أي: أول من نطق بها بعد أن اتجهت هذا الاتجاه الجديد.
وثانيها: ما حدث بنزول إسماعيل ﵇ وأمه بمكة، واتصاله بجرهم الثانية القحطانية، ونشأته بينهم طفلا، ومصاهرته إياهم. فقد تسرب إلى اللغة القحطانية ألفاظ عبرية من إسماعيل وأمه، وتشكلت اللغة بشكل جديد, وصارت مزيجا من اللغتين.
أما ما يقال -وقد روته بعض كتب الحديث- من أن إسماعيل أول من انفتق لسانه بالفصحى، فمعناه: أنه أول من تكلم بها بعد هذه النشأة الجديدة، وليس المراد أنه أول من تكلم بالنهج القرآني الفصيح؛ لأن بين إسماعيل وبين نزول القرآن تسعة عشر قرنا, لا يتصور أن تظل اللغة العربية فيها جامدة على ما كانت عليه، ولا تتغير ولا تتبدل١.
وليس بغريب أن يشتد الخلاف بين اللغتين اليمنية والحجازية، وإن كانت القحطانية أصلحها؛ لأن ما بين الإقليمين من بعد الشقة، واختلاف البيئة، إلى قلة طرق الاتصال، كفيل بأن يباعد بين اللغتين.
وثالثها: اختلاط القبائل واجتماعاتها, وقد أخذت عوامل الاختلاط التي من أهمها: حادث سيل العرم، والحروب، والاتجار، والحج، تحدث أثرها العظيم في تفاهم القبائل وتقارب لغاتها؛ ففي هذه الاجتماعات يضطرون إلى التحادث، ويأخذ كل فريق عن صاحبه.
стр. 187
وأهم هذه الاجتماعات كلها اجتماعات الحج، واجتماعات الأسواق:
أ- أما الحج فقد سن من عهد إبراهيم ﵇ وكان العرب يفدون إلى البيت الحرام من كل فج عميق، حتى جاءت قريش, فكانوا جيرته وسدنته، وقد كانت قريش على جانب من الثقافة، والرقي الفكري، والذوق الأدبي، فاستطاعت بذلك أن تميز بين اللهجات والألفاظ، وأن تنتقي ما خفّ على اللسان وحلا في الآذان، من ألفاظ القبائل الوافدة عليها؛ فارتقت لغتهم، وتنزهت عن مستبشع اللغات، وبذلك مرنوا على نقد الألفاظ، وصاروا أجود العرب انتقاء للأفصح والأسهل والأبين، وأخذت القبائل تحاكيها في لغتها وتأخذ عنها كما أخذت عنهم. وكان لقريش عمل آخر في هذا السبيل، وهو إدخالهم في اللغة ألفاظا كثيرة جلبوها في رحلاتهم التجارية من الشام وفارس والحبشة بعد أن عربوها، وصارت بلغتهم آلف. وبذا تتبين: أن قريشا كانت تقوم بأكثر مما تقوم به المجامع اللغوية في توحيد اللغة وتوسيعها!
ب- وأما الأسواق فقد كانت من العوامل في تقارب اللهجات وتداخلها؛ حتى يتيسر التفاهم، وتقضى الحاجات.
وقد انساق العرب إلى متابعة قريش على لغتها؛ لما رأوه فيها من بلاغة وفصاحة، ولما كان لها من سلطة دينية وعزة قومية, والضعيف مولع بتقليد القوي في كل زمان ومكان، فأخذوا يحاكونها ويتقربون من لغتها، ويلتزمونها في خطبهم وأشعارهم، حتى كادوا يجمعون عليها, لتسير أشعارهم في الآفاق ويتناقلها الرواة والحفاظ في كل الجهات، ولا أدل على ذلك من أن العرب في أنحاء الجزيرة فهموا كلهم القرآن عند نزوله, وتأثروا به.
فلما نزل القرآن الكريم بها زادها قوة ورسوخا وانتشارا، وزاد تلك اللهجات ضعفا واختفاء، فلم يبق منها إلا ما هو من فطرة اللسان وتأثير الأجواء. وسيظل القرآن الكريم قائما بحراستها إلى نهاية الأيام والعصور.
стр. 188
الباب الثالث: الحياة الدينية
الفصل الأول: معبودات الحجازيين وعاداتهم الدينية
كانت ديانات العرب الحجازيين١ متعددة: فمنهم من عبد الأوثان وصورها بشتى الأشكال، يصنعونها بأيديهم من ذهب أو حجر أو خشب ثم يقفون أمامها خاشعين، ويقدمون لها القرابين، ويستنصرون بها على الأعداء، ويستشيرونها في المهام، فإن أمرت بشيء فعلوه وإلا كفوا عنه وتركوه، حتى تأذن لهم فيه، ومما يدعو إلى الضحك والرثاء، ما حكي من أن بني حنيفة اتخذت لها صنما من حيس، عبدته مدة طويلة، ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه، فقال الشاعر يعيرهم:
أكلت حنيفة ربها ... زمن التقحم والمجاعة
لم يحذروا من ربهم ... سوء العواقب والتباعة
وكان منهم فريق عبدوا الشعرى، وردّ الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ ، وحكى القرآن عبادة فريق للجن والملائكة، فقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ الآية. وكانت الزندقة في قريش أخذوها من الحيرة، ومن صورها قول شاعر قرشي:
يحدثنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام؟
стр. 189
وفريق منهم اعتنق اليهودية, وهؤلاء كانوا بالمدينة وخيبر وفدك, كما كانوا باليمن كذلك.
أما النصرانية فقد كانت قليلة في الحجاز، وكان أغلب أتباعها في الشام وفي الحيرة ونجران، وكان من أتباعها أمية بن أبي الصلت وقس بن ساعدة وسواهما.
الحنيفية:
والذين نبذوا هذه الأديان، واعتنقوا التوحيد هم من عرب الحجاز, وقد اهتدوا إلى ذلك بفطرتهم السليمة، وكانوا يسمون "الحنفاء", ومنهم: "ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل, الذي يقول:
أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور
تركت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الرجل الخبير
وكان هؤلاء يعظمون الكعبة التي كان أول من بناها أبو الحنيفية البيضاء إبراهيم ﵇، ولم يجعل لها سقفا. ثم تجدد بناؤها في عهد العمالقة، وجرهم. ثم جددها أيضا قصي بن كلاب وسقّفها بخشب الدوم وجريد النخل١. ثم بنتها قريش والرسول ابن خمس وثلاثين سنة، ورفعوا بابها حتى لا تدخل إلا بسلم؛ وذلك لتستطيع قريش منع من تشاء من دخولها، وقد حرصت قريش على ألا يدخل في بنائها من كسبهم إلا ما كان طيبا ليس فيه شيء من ربا، أو مهر بغي، أو مظلمة لأحد، واختلفت القبائل فيمن يضع الحجر الأسود موضعه، واحتكموا إلى النبي ﷺ فقضى بينهم بالحكمة. ثم كان أن احتمى عبد الله بن الزبير في المسجد من الحصين قائد جيش يزيد بن معاوية، وقذف الحصين الكعبة بالمنجنيق، فكاد يهدمها لولا أن قضى الله بوفاة يزيد فانصرف الجيش، فهدم عبد الله بن الزبير بناءها، وبناها على قواعد إبراهيم، وكسا بابها بصفائح الذهب، وجعل مفاتيحها من الذهب أيضا، وجعل لها بابين في مستوى الأرض؛ كي يسهل على العرب المرور بداخل الكعبة.
стр. 190
ولما جاء عبد الملك بن مروان أمر أن يُعاد بناؤها إلى ما كان عليه أيام الرسول. ثم جاء أبو جعفر المنصور، فأراد أن يعيدها إلى ما كانت عليه أيام عبد الله بن الزبير, فمنعه مالك بن أنس؛ سدا لهذا الباب، ومنعا للتلاعب في هذا البناء المقدس في مستقبل الزمان.
ومما ورثه العرب من شريعة إبراهيم: الحج بما فيه من تلبية وطواف، وسعي ووقوف بعرفة، والطهارة بنوعيها، والصلاة مولين وجوههم شطر الكعبة، والزكاة، والصدقة, وصلة الأرحام، والصوم. ومجموع هذه الشريعة يسمى "التحنف", ومعتنقوها "حنفاء"١.
وقد كانت هذه النزعة الإصلاحية التي سيطرت على عقول بعض الحكماء والمفكرين العرب تنبيها للأذهان، وإرهاصا لظهور النبي الجديد، وتهيئة للعقول لتستعد لقبول التعاليم الجديدة التي سيدعو إليها النبي الكريم.
اليهودية:
ظهور اليهودية في يثرب: الراجح أنه حدث في زمن متقدم بعامل الاضطهاد, أو تحت تأثير المنافع المادية، فحينما كثر عدد اليهود بأورشليم، وتطلعت نفوسهم إلى الاستئثار بأمور التجارة والمنفعة، تسربت طوائفهم من أورشليم إلى العقبة، ثم ظهروا في يثرب مهاجرين واستوطنوا الجهات الأكثر صلاحية لهم ولمعايشهم، كأرض خيبر الواقعة شمال يثرب، ووادي القرى المشهور بأرضه الخصبة وحدائقه الزاهرة، وأرض تيماء أيضا، وكل هذه الجهات واقعة شمال الحجاز، ولها أهمية اقتصادية عظيمة، فبعضها يشرف على الطرق التجارية، والبعض ينعم بخيرات الجزيرة.
وقد استطاع اليهود أن يعيشوا في بلاد العرب بوسائلهم التقليدية من المكر والخداع والكيد، ونجحوا إلى حد كبير في الاستئثار بخيرات البلاد، ولكن دينهم نفسه لم يجد له طريقا إلى قلوب العرب, ولعل السبب في ذلك أن كثيرا من أحكام اليهودية لا تتناسب مع أخلاق العرب؛ فاليهودية مثلا
стр. 191
لا تبيح الانتفاع بغنائم الأعداء بل تقول بحرقها، والعربي إنما يقاتل للنهب والسلب غالبا، والعربي إلى جانب ذلك يميل إلى الحرية وعدم التقيد "بالسبت" أو بشيء آخر مما ورد في التوراة.
المسيحية:
وأما المسيحية فلم تكن مجهولة في قلب الجزيرة، ولا سيما مدن الحجاز التجارية؛ فقد كان الحجازيون على اتصال دائم بأهل الشمال. وليس من شك في أن الرهبان الذين كانت صوامعهم تنتثر من فلسطين وشبه جزيرة سيناء حتى قلب الصحراء، كان لهم أثر كبير في تعريف العرب بالنصرانية، على أن الصحراء كانت ملجأ تلوذ به بعض الفرق المضطهدة من الكنيسة الرسمية. وقد عرفت النصرانية في بني أسد بن عبد العزى من قريش، ومنهم عثمان بن الحويرث، وورقة بن نوفل على رأي، وكان ورقة قد استحكم في النصرانية حتى علم من أهل الكتاب كثيرا.
وفي يثرب كان من المناوئين للنبي ﷺ عند شخوصه إليها, شريف مطاع اسمه أبو عامر عبد عمرو بن صيفي، كان قد ترهب ولبس المسوح وسمي "الراهب", وكان بمكة نصراني اسمه موهب ضرب عليه النبي دينارا كل سنة.
وكان بأيلة نصارى، ضرب عليهم النبي ﷺ ثلاثمائة دينار كل سنة, وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثا ولا يغشّوا مسلما١.
الأصنام وأتباعها:
وكانت عبادة الأصنام أقواها نفوذا وأوسعها انتشارا، وليس ذلك بعجيب؛ فإن ضعفاء النفوس في كل زمان ومكان يأبون إلا الارتماء في أحضانها والتشبث بأهدابها ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ الآية. وكأن هذه العقول يشق عليها أن تفهم معنى الألوهية على حقيقته فتريد إلها مجسما, تناجيه عن كثب وتتقدم إليه بحاجاتها كما تتقدم إلى الحكام في شئونها الدنيوية.
стр. 192
ويرجع سبب انتشارها في جزيرة العرب إلى الأزمان السحيقة, حين كان يهاجر المكيون من مكة -لما ضاقت بهم- منتشرين في أنحاء الجزيرة، فكان كل فريق منهم يحمل معه حجرا من أحجار البيت، يطوف به حيث يقيم، كما كان يطوف بالكعبة، فلما تقادم العهد، انحرفوا عن الحجارة وزين لهم الشيطان عبادتها، فعبدوها من دون الله.
ويقال: إن الذي نشر عبادتها في الحجاز عمرو بن لحي الخزاعي، جلبها معه من الشام، وقد ذهب إليها يستشفي، فرآها عندهم، فسألهم عنها، فقالوا له: إننا نستنصر بها على الأعداء، ونستسقي بها المطر، فطلب أن يصنع له منها عدد, فصنع وحمله معه، ونصبه حول الكعبة فعبدها العرب، وتعلقوا بها، وكثر اتخاذهم لها، حتى قيل: إنه وجد منها حول الكعبة -يوم الفتح- ستون وثلاثمائة صنم، وكان بالكعبة تمثالا السيد المسيح والعذراء مريم ﵉ فأخذ الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- يطعنها في وجوهها وأعينها بسية قوسه، ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا" ولم يكتف أهل مكة بهذه الأصنام، بل اتخذ أهل كل بيت صنما لهم في بيتهم، فإذا أراد أحدهم سفرا, كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، فإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع أن يتمسح به. وكان لغير قريش طواغيت، أي: بيوت كالكعبة، يصنعون فيها الأصنام، ويطوفون بها، ويهدون إليها الهدايا، ويذبحون عندها الذبائح، ويستقسمون عندها بالقداح، ولها سدنة وحجاب.
والقول بأن الوثنية أول من جلبها إلى بلاد العرب عمرو بن لحي من غير أن يكون لها سابق وجود بشبه الجزيرة، مشهور، وقد يكون بعيدا عن الصواب؛ لأن العرب كان لهم اتصال منذ قديم الزمان بالأمم التي تجاورهم بواسطة التجارة والترحال، وكانت هذه الأمم، وعلى الأخص الفينيقيون، والكلدانيون، والآشوريون، والمصريون، يدينون بالوثنية، وطبعي أن يتأثر العرب بهذه الوثنيات شيئا فشيئا، ثم تسري عدواها إلى القبائل واحدة بعد واحدة حتى تعم القبائل برمتها، وهذا ظاهر من أن كل قبيلة كان لها صنم خاص بها تنصبه في أرضها لتعبده.
стр. 193
وتشير رواية الكلبي إلى أن عبادة الأصنام بجزيرة العرب ترجع إلى عهد أسبق من عمرو بن لحي، ذلك أن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ لما سكن مكة وولد له أولاد كثيرون, حتى ملئوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضا فتفسحوا في البلاد.
وكان الذي جَرَّهم إلى عبادة الأصنام أنه كان كما ذكرنا لا يظعن ظاعن من مكة إلا احتمل معه من حجارة الحرم؛ تعظيما للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة تيمنا منهم بها، وصبابة بالحرم، وحبا له، وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة, ويحجون ويعتمرون على دين إبراهيم وإسماعيل ﵉.
ثم جرهم ذلك إلى أن عبدو ما استحبّوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره؛ فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قوم نوح وغيره١.
وإذًا, فعمرو بن لحي ليس هو أول من جلب هذه العبادة إلى جزيرة العرب، وينبغي أن يكون مفهوما أن عبادة الأصنام التي شاعت بين العرب كانت تختلف في معناها عن الوثنيات الأخرى، فبينما كانت الأصنام في الجهات الأخرى تعبد بصفتها آلهة بذاتها، كانت تعبد في جزيرة العرب بصفتها شفعاء عند الله، فالعرب -بذلك- قد أشركوا الأصنام مع الله ! أي: إن إيمانهم كان شركا. قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ .
وأشهر أصنامهم، ما ورد بذكره القرآن، وهو: ود وسواع ويغوث ويعوق٢ ونسر واللات والعزى ومناة. وسمت العرب: عبد ود، وعبد يغوث، وتيم اللات، وكانت قريش وأهل مكة لا يعظمون شيئا من
стр. 194
الأصنام مثل ما يعظمون اللات والعزى ومناة وهبل كبير آلهتهم؛ ولذا كانت قريش تقول في طوافها: واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، وكانت هذيل تعبد سواعا, قال الشاعر:
تراهم حول قبلتهم عكوفا ... كما عكفت هذيل على سواع
وروي في التاج: حول قيلهم "بالياء بعد القاف المفتوحة".
من عادات قريش الدينية:
الحمس:
كانت العرب على دينين: حلة، وحمس. فالحمس قريش وكل من ولدت من العرب، وكنانة، وخزاعة, والأوس والخزرج, وجشم, وبنو ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأزد شنوءة، وجذم، وزبيد، وبنو ذكران من بني سليم، وعمرو اللات، وثقيف، وغطفان، والغوث، وعدوان، وعلاف، وقضاعة. وكانت قريش إذا أنكحوا عربيا امرأة منهم اشترطوا عليه أن كل من ولدت له فهو أحمسي على دينهم، وزوج الأدرم تيم بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ابنه مجدا, ابنة تيم ربيعة بن عامر بن صعصعة على أن ولده منها أحمسي على سنة قريش, وفيهم يقول لبيد بن ربيعة بن جعفر الكلابي:
سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال١
واختلف المستشرقون في معنى كلمة حمس وأصلها؛ فذهب "فلهوزن" إلى أن المقابلة بين كلمة حمس وكلمة حلة تفيد معنى المقدس، أما "نولدكه" فقد أظهر ميلا إلى الشك في حقيقة هذه المقابلة, وقال: إن الحمس كالأحامس قد تفيد معنى المتحمس من حيث صلتها بأصل الكلمة التي نحن بصددها٢.
стр. 195
"وإنما سميت الحُمس حُمسا للتشدد في دينهم؛ فالأحمسي -في لغتهم- المتشدد في دينه"١.
وكانت قريش لا تعظم شيئا من الحل كما تعظم الحرم؛ وذلك لئلا تستخف العرب بحرمهم، ولذا فقد تركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منها وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويقرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها, إلا أنهم قالوا: نحن الحمس أهل الحرم, فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرم ولا نعظم غيره. ثم جعلوا لمن ولدوا من سائر العرب سكان الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم، إياهم يحل لهم ما يحل لهم، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم، ودخلت معهم خزاعة وكنانة ومن ذكرناهم من القبائل، وابتدعوا في ذلك أمورا: فلم يكونوا يأقطون الأقط ولا يسلئون السمن وهم حرم ولا يدخلون بيتا من شعر ولا يستظلون إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما، بل غالوا في تشددهم فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل في الحرم إذا كانوا حجاجا أو عمارا, ولا يأكلون في الحرم إلا من طعام أهل الحرم إما قراء وإما شراء. وكان مما ابتدعوه أنه إذا حج الصرورة من غير الحمس, رجلا كان أو امرأة, لا يطوف بالبيت إلا عريانا, إلا أن يطوف في ثوب أحمسي, إما عارية وإما إجارة، يقف أحدهم بباب المسجد فيقول: من يعير ثوبا؟ فإن أعاره أحمسي ثوبا أو أكراه طاف به، وإن لم يعره ألقى ثيابه بباب المسجد من خارج, ثم دخل الطواف وهو عريان يبدأ بإساف فيستعلمه, ثم يستلم الركن الأسود, ويأخذ عن يمينه ويطوف ويجعل الكعبة عن يمينه, فإذا ختم طوافه سبعا استلم الركن ثم استلم نائلة فيختم بها طوافه, ثم يخرج فيجد ثيابه كما تركها لم تمس, فيأخذها فيلبسها ولا يعود إلى الطواف بعد ذلك عريانا. وقد جاءت امرأة يوما وكان لها جمال وهيئة, فطلبت ثيابا عارية فلم تجد من يعيرها, فلم تجد بدا من أن
стр. 196
تطوف عريانة, فنزعت ثيابها بباب المسجد ثم دخلت المسجد عريانة, فوضعت يديها على فرجها وجعلت تقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله١
وكان أحدهم إذا أراد شيئا من داره نقب نقبا في ظهر بيته, فمنه يدخل إلى حجرته ومنه يخرج, ولا يدخل من بابه ولا يجوز تحت أسكفة بابه ولا عارضته، فإن أرادوا بعض أطعمتهم ومتاعهم تسوّروا من ظهر بيوتهم وأدبارها حتى يظهروا على السطوح, ثم ينزلون في حجرتهم، ويحرمون أن يمروا تحت عتبة الباب٢.
وكان يحضر المواسم بعكاظ، ومجنة، وذي المجاز التجار ممن كان يريد التجارة، ومن لم يكن له تجارة ولا بيع فإنه يخرج من أهله متى أراد, ومن كان من أهل مكة ممن لا يريد التجارة خرج من مكة يوم التروية فيتروى من الماء, فتنزل الحمس أطراف الحرم من نمرة يوم عرفة وتنزل الحلة عرفة، وكان النبي ﷺ في سننه التي دعا فيها بمكة قبل الهجرة, لا يقف مع قريش والحمس في طرف الحرم, وكان يقف مع الناس بعرفة.
وإذا أفاضوا أفاضت الحمس من أنصاب الحرم وأفاضت الحلة من عرفة حتى يلتقوا بمزدلفة جميعا، وكانوا يدفعون من عرفة إذا طفلت الشمس للغروب, وكانت على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، فإذا كان هذا الوقت دفعت الحلة من عرفة ودفعت معها الحمس من الضباب الحرم حتى باتوا جميعا بمزدلفة, فيبيتون بها حتى إذا كانوا في الغلس وقفت الحلة والحمس على قزح, فلا يزالون عليه حتى إذا طلعت الشمس وصارت على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم دفعوا من مزدلفة وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير. أي: بالشمس حتى ندفع من
стр. 197
المزدلفة فأنزل الله في الحمس: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ يعني: من عرفة. فلما حج النبي ﷺ خطب الناس بعرفة فقال: "إن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من عرفة إذا صارت الشمس على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس، ونحل فطر الصائم، وندفع من مزدلفة غدا -إن شاء الله- قبل طلوع الشمس، هدينا مخالف لهدي أهل الشرك والأوثان"١.
стр. 198
الفصل الثاني: أشهر الأصنام في الحجاز
هُبل:
كان هبل أعظم أصنام العرب في جوف الكعبة وحولها، وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة المضري, وكانت تضرب عنده القداح١. وذكر الأزرقي أن عمرو بن لحي قدم به من هيت من أرض الجزيرة, ولم يرد له ذكر في القرآن الكريم.
وكان هبل رمز الشمس عند عُبَّادها من الصابئة. أما صنمه فكان عظيما منحوتا من العقيق الأحمر, محاطا بثلاثمائة وستين صنما, كلها أصغر حجما منه, وكان لكل يوم من أيام السنة صنم واحد منها. وكان هبل ممثلا بهيئة شيخ جليل طويل اللحية, حطمت يده اليمنى فأعاضه منها عباده القرشيون يدا من ذهب، وكان يحمل في تلك اليد قداحا سبعة "سهام الحظ" لكل من أيام الأسبوع قدح منها٢, وعنده ضرب المطلب القداح على ابنه عبد الله.
فهبل إذًا هو كبير الآلهة في الجاهلية, كما كان زُفُس وجوبتير عند الإغريق والرومان، وآمون عند المصريين, ومردوخ في بابل، إلى ما هنالك.
ورأى جورجي زيدان في "أنساب العرب القدماء" أن لفظ هبل لا اشتقاق له في العربية من معناه، وأنه عبراني أو فينيقي أصله هبعل, ومعنى بعل "السيد", أما الهاء فهي أداة التعريف في العبرية مثل "ال" في العربية بإضافة هذه الأداة إلى بعل يريهون
стр. 199
الإله الأكبر. أما العين الزائدة فسهل إهمالها بالتخفيف ثم ضياعها بالاستعمال وخصوصا في لفظ بعل؛ لأن الكلدانيين كانوا يلفظونه "بل" بإهمال العين، وهو اسم هذا الإله عندهم.
العُزَّى:
صنم كان لقريش من أكبر أصنام العرب, أو هي شجرة كانت تعبد، وقربها صنم منصوب١. وقيل: العزى مصرية عرفها المصريون القدماء باسم "أزي" وهي من المعبودات السماوية مثل مناة؛ لأن معنى "أوزيت" القمر المنير بعد خسوفه"٢. ويرى بروكلمان أنها كانت في صورة كوكب "الزهرة" فينوس.
وروي أن العزى كانت شيطانة بعث الرسول إليها خالد بن الوليد لما افتتح مكة, وكانت ببطن نخلة, فأتاها وإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يدها على عاتقها، تصرف بأنيابها، فضربها خالد ففلق رأسها، ثم أتى النبي فأخبره فقال: "تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب! أما أنها لن تعبد بعد اليوم" ٣. وفي رواية أخرى: أنها شجرة قطعها خالد بن الوليد بأمر الرسول ﷺ عام الفتح وهو يقول:
يا عز كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك
ووردت في النقوش البابلية كلمة ASRRI - lZZU ومعناها: ملك النار، ومعنى العزو "النار" في اللغة البابلية٤. وقد روى الجاحظ أن خالدا حين هدم بيت العزى رمته بالشرر حتى احترق عامة فخذه. ولا يخفى ما بين المعنى البابلي والرواية العربية من التشابه.
стр. 200
والآراء مختلفة في حقيقة العزى: أكانت صنما، أم كوكبا، أم شجرا، أم حجرا أبيض، أم بيتا؟ وقد ذكر ابن هشام أنها بيت تعظمه قريش وكنانة ومضر كلها.
مناة:
صنم لهذيل وخزاعة كان منصوبا على ساحل البحر بقُدَيْد "كزُبَيْر" على ثلاث مراحل من مكة بطريق المدينة, وكانت العرب جميعا تعظمه وخاصة الأوس والخرزج، وهدم عام الفتح بأمر الرسول ﷺ .
ومناة أيضا حجر كبير كانوا يذبحون عليه. وقد وجدت باسمها ورسمها في الآثار المصرية، أي: مناة، وهي إحدى الحاتحورات أي: المعبودات السماوية السبع، وعلى الظن أن النجم المسمى مناة المعروف الآن باسم الوتد سمي كذلك بالنسبة إليها, وإن صح هذا فعبادها من الصابئة١.
واتفق أكثر الرواة على أن مناة هذه كانت صنما, لا حجرا يذبح عليه، وكانت من أقدم الأصنام التي جاء بها عمرو بن لحي كما قاله الكلبي, فبدهي أن عبادتها دخلت في بادية الحجاز ولم تولد فيها, ويؤيده ما ورد في الأدب البابلي أنه كان لهم آلهة الموت والقدر باسم مامناتو MAMNATU وكذلك ورد مناواة في أقدم النقوش النبطية٢.
اللات:
اسم صنم كان في الجاهلية لثقيف بالطائف أو لقريش بنخلة, وقد هدمها المغيرة بن شعبة بعد أن سخر من أهلها حين أسلمت ثقيف سنة تسع من الهجرة، وقيل: إن اللات أو الطاغية تسمى في المسمى "اللات" ويرمز بها إلى الحصاد والنمو؛ لأن معناها لغة "الرضاعة", ولعلها رمز إلى النجم "لَلَتْ" وهو النسو الواقع, فعبادها صابئون٣.
стр. 201
وكلمة أللاتو ALLatu وهي ملكة الهاوية أو الموت١, قديمة وردت في الأدب البابلي الذي يرجع عهده إلى ثلاثة آلاف سنة تقريبا. وهي اسم إله من آلهة البابليين، وكانت هذه الآلهة من بنات رب الأرباب, واختارها مامناتو Mamnatu وعشتار٢ lshtar.
وَدّ:
قال الكلبي: قلت لمالك بن حارثة: صف لي ودا حتى كأني أنظر إليه, قال: "كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، وقد دير عليه حلتان, متزر بحلة، ومرتد بأخرى. عليه سيف قد تقلده وقد تنكب قوسا، وبين يديه حربة فيها لواء ووَفْضة "أي: جعبة" فيها نبل"٣.
وقال ابن منظور: الود: صنم كان لقوم نوح ثم صار لكلب, وكان "بدومة الجندل" وكان لقريش صنم يدعونه ودا, ومنهم من يهمز فيقول: أدا٤.
قزح:
أما عبادة الصنم قزح، فكانت منتشرة في أنحاء شبه جزيرة العرب، وقد أورد "كوك" عنه في كتابه "ديانة فلسطين" ما يلي: "إن "كوز" إله أدومي وهو القزح العربي والرامي اللاهوتي الذي كانت نباله البرق والرعد والمطر, وكان العرب يحافظون على عبادته بقرب مكة"٥.
ذو الخلصة:
اختلف الباحثون في ضبط "ذي الخلصة"؛ فقال ياقوت والجوهري وعياض
стр. 202
بفتح أوله وثانيه، وحكاه هشام بضمتين, وروى ابن دريد فتح الأول وإسكان الثاني, وضبطه بعضهم بفتح أوله وضم ثانيه.
وفتح الخاء واللام هو الأشهر عند المحدثين، كما أنه هو المعروف المشهور عند قبائل السراة اليوم.
ويطلق "ذو الخلصة على وثنين:
١- أولهما: البيت أو الصنم الذي كان بتبالة, بين مكة واليمن، على مسيرة سبع ليالٍ من مكة" وكان سدنته بنو أمامة من باهلة بن أعصر. قال الكلبي: "كان ذو الخلصة مروة بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج"١، وكانت تعظمها دوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بأرض تبالة٢, وسمي ذا الخلصة؛ لأن عباده والطائفين به كانوا خلصة كما يروي ياقوت.
ويرى الزمخشري وغيره أن ذا الخلصة كان صنما لا بيتا، وقال الحافظ ابن حجر: "ذو الخلصة: اسم للبيت الذي فيه الصنم، وقيل: اسم البيت الخلصة، واسم الصنم ذو الخلصة"، إلا أن الأشهر عند المحدثين والمؤرخين أنه كان بيتا فيه نصب تعبد كما في صحيح البخاري وكتب الأحاديث والسيرة. وكانت تسمى أيضا "الكعبة اليمانية" كما كانوا يسمون بيت الله الحرام "الكعبة الشامية". ونقل الزبيدي وابن منظور عن الجوهري أنها كانت تسمى "كعبة اليمامة"، وهذا وهم من الجوهري أو تحريف من الناسخ، فالفرق واضح بين اليمامة واليمانية والمكان مختلف.
وكانت تسمى "بيت ذي الخلصة" أيضا، وعلى هذا سار أكثر الباحثين, وكانوا يستقسمون عندها بالأزلام. ولما خرج امرؤ القيس يطلب ثأر أبيه استقسم عنده, فخرج له ما يكره, فسب الصنم ورماه بالحجارة، وأنشد:
لو كنت يا ذا الخلص الموتورا ... مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا
стр. 203
ويفهم مما ورد في بعض المصادر, أنه لم يستقسم عنده أحد بعد امرئ القيس، ولكن جاء في حديث جرير بن عبد الله البجلي أنه لما قدم اليمن كان بذي الخلصة رجل يستقسم بالأزلام، وحديث الباب يدل على أنهم استمروا على ذلك حتى نهاهم الإسلام "فتح الباري: غزوة ذي الخلصة" وبعث رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي لهدم ذي الخلصة، فما أطال الغيبة حتى رجع، فقال رسول الله: "هدمته؟ " قال: نعم والذي بعثك بالحق، وأخذت ما عليه وأحرقته بالنار, فتركته كيما يسوء من يهوى هواه, وما صدنا عنه أحد١.
ثم لما تعاقبت العصور، وأصاب الناس موجة من الاضطراب، وساد الفقر في بعض الجهات، شعرت بعض النفوس بحاجتها إلى ملجأ تفزع إليه, فانقلبت -بدافع من الجهل- إلى التمسك بالبدع والخرافات، وعادات إلى التمسح بالأحجار والأشجار، ورجعت دوس ومن جاراها من القبائل إلى ذي الخلصة تتمسح به وتهدي له وتنحر عنده. إلا أن موجة من الإصلاح كانت قد ارتفعت تناهض هذه الضلالات والخزعبلات، فهدمت ذو الخلصة زمن عبد العزيز بن محمد بن سعود، كما يروي ابن بشر في كتابه عن تاريخ نجد٢، ويبدو أن هذا الهدم لم يكن شاملا؛ إذ ظلت بعض جدرانه شاخصة حتى سنة ١٣٤٤هـ, حيث حطمت الحملة التي بعثها عبد العزيز آل سعود بقايا ذلك الوثن، ورمت بأنقاضه إلى الوادي, فعفى بعد ذلك رسمه وانقطع أثره، كما أحرقت الحملة كذلك شجرة العبلاء التي كانت تصاقب ذا الخلصة.
وقد كان بنيان ذي الخلصة ضخما، بحيث كان لا يقوى على زحزحة الحجر الواحد منه أقل من أربعين شخصا٣.
٢- وثانيهما: الصنم الذي كان بأسفل مكة، في الرواية التي ذكرها الأزرقي ونقلها عنه المؤرخون، وكان يسمى "الخلصة", وكانوا يلبسونه القلائد،
стр. 204
ويهدون إليه الشعير والحنطة، ويصبون عليه اللبن، ويذبحون له، ويعلقون عليه بيض النعام١.
وغير بعيد أنه كان في ضاحية من ضواحي مكة صنم بهذا الاسم, فكسر يوم فتح مكة، أو أنه كان في قرية "الخلصة" التي قال ياقوت عنها: إنها في مر الظهران المعروف اليوم بوادي فاطمة ... وقد رجح الأزرقي وجود هذا الصنم في القرية المذكورة لاتحاد اسميهما، أما اليوم فلا توجد قرية تسمى الخلصة في الوادي المذكور، وإنما يوجد فيه خيف يسمى "عين الخلص"٢.
стр. 205
الباب الرابع: الحياة العقلية عند عرب الحجاز في العصر الجاهلي
١- الحياة العقلية لأية أمة من الأمم، أو شعب من الشعوب، يقصد بها مدى ما بلغته هذه الأمة في الميدان الثقافي والعلمي والفكري؛ هذا الميدان الذي يؤثر تأثيرا خطيرا في عقل الأمة وتفكيرها وازدهار النهضة فيها.
ومن العجيب أن يكون أكثر سكان الحجاز في العصر الجاهلي بدوا لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، فضلا عن أن يعرفوا علما أو ثقافة، ومع ذلك فقد كان لهؤلاء البدو لون من ألوان الثقافة الشعبية المستمدة من البيئة والتجارب والاقتباس من قريش؛ حكام مكة، وزعماء الحجاز في العصر الجاهلي.
أما مدن الحجاز وفي مقدمتها: مكة، والمدينة، والطائف، فكان لها طابع آخر، إذ كان الكثير من أهلها مثقفين ثقافة خاصة بتأثير البيئة والاختلاط والرحلات ومواسم الحج وأسواق العرب، فقد كان الحارث بن كلدة وابنه النضر بن الحارث مثقفين بثقافة فارسية واسعة، وكان بنو عبد مناف يرحلون إلى كسرى وقيصر وإلى اليمن في متاجرهم، ويتزودون بقسط من ثقافات هذه الأمم المجاورة لهم.
كما كان عمارة بن الوليد المخزومي وعمرو بن العاص -كلاهما- تاجرين،
стр. 206
خرجا إلى النجاشي، وكانت أرض الحبشة لقريش متجرا ووجها١, وكان أبو رافع يلقب تاجر أهل الحجاز٢.
وكان بمكة طبقة مثقفة تدعى طبقة الحكام، يفصلون في كل المشكلات، وتعرض عليهم شتى الخصومات فيقضون فيها. ومن الحكام بمكة من قريش من بني هاشم: عبد المطلب، والزبير، وأبو طالب، ومن بني أمية: حرب بن أمية، وأبو سفيان بن حرب, ومن بني زهرة: العلاء الثقفي حليف بني زهرة، ومن بني مخزوم: العدل، وهو الوليد بن المغيرة, ومن بني سهم: قيس بن عدي، والعاص بن وائل، ومن بني عدي: كعب بن نفيل٣.
ولا شك أن هذه الطبقة كانت مظهرا لثقافة أصيلة، وهي لا ريب كانت عاملا مهما في تطور الحياة العقلية عند عرب الحجاز في العصر الجاهلي. وقد يقال: إن هذه الطبقة نشأت على الحكمة نشأة الفطرة والطبع كما ذهب إليه الشهرستاني في الملل والنحل, ولكننا ننفي ذلك، فلا يمكن أن يكون مثلا هذا النظام السياسي الذي وضعه قصي وبنوه لحكم مكة في العصر الجاهلي أثرا من آثار الفطرة والطبع، إنما هو مظهر لثقافة سياسية ربى أبناء قصي عليها رحلاتهم ومشاهداتهم في الأمم التي كانوا يذهبون بقوافل التجارة إليها.
ثم إنه قد كان يعيش في مكة والمدينة طبقة أخرى من الحكماء الذين تأثروا بالديانات السماوية القديمة التي كان لها بعض الآثار في مكة والمدينة والطائف، ومن هؤلاء مثلا: ورقة بن نوفل، وكان كما ورد في كتاب بدء الوحي في صحيح البخاري "امرأ قد تنصر في الجاهلية, وكان يكتب الكتاب العبراني, فيكتب الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب" ومنهم كذلك زيد بن عمرو بن نفيل، وأمية بن أبي الصلت, وكان قد نظر في الكتب وقرأها وهو أول من قال: باسمك اللهم، وسواهم. ولا شك أن هؤلاء كان لهم أثر على الحياة العقلية عند عرب الحجاز في هذا العصر.
стр. 207
ومهما كان, فإن تفكير العربي في العصر الجاهلي لم يكن موسوما بالتفكير العلمي المبني على ربط المسببات بالأسباب ربطا محكما نتيجة للدراسة والبحث والتمحيص، وإنما كان في أغلبه يعتمد على البديهة وحدّة الخاطر وكثرة التجارب, وعلى التقليد والكهانة والعرافة والعيافة وزجر الطير، وما إلى ذلك من مقومات التفكير في المجتمعات القديمة البعيدة عن مناهل العلم والمعرفة.
ومن مظاهر هذه العقلية، ما ورد في سيرة ابن هشام من أن حيا من ثقيف "فزعوا للرمي بالنجوم, فجاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية أحد بني علاج، وكان أدهى العرب وأمكرها رأيا، فقالوا له: يا عمرو، ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟ قال: بلى، فانظروا إن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها في البر والبحر، وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس في معايشهم هي التي يرمى بها, فهو والله طي الدنيا وهلاك هذا الخلق الذي فيها، وإن كانت نجوما غيرها وهي ثابتة على حالها, فهذا لأمر أراد الله بهذا الخلق".
فهذه الدقة العقلية لا يصح أن نجعلها أثرا لدراسة أو ثقافة، إنما هي أثر لنضج عقل العربي المتأثر بحياة البادية والصحراء، والذي تكثر تجاربه فيها.
ونحن مع ذلك لا نوافق الذين يرمون العقل العربي بالبلادة والضعف وانعدام النظرة الشاملة إلى العالم١.
ولا شك أن البيئة الطبيعية والاجتماعية كان لها أثرها في حياة عرب الحجاز في العصر الجاهلي، هذه البيئة التي استمد العرب منها ثقافتهم في العصر الجاهلي.
стр. 208
٢- ومظاهر الحياة العقلية لعرب الحجاز في هذا العصر الجاهلي تتجلى لنا في أشعارهم وأمثالهم وقصصهم التي شهروا بها في العهد البعيد، وبعبارة أوضح: تتجلى في بلاغاتهم التي هي مستمدة من منابع الوجدان والشعور والعاطفة، وهذه البلاغات تحمل طابعا واضحا من التفكير في شئون الحياة والإحساس والوجدان، وكانت هذه البلاغات هي شهرة العرب في العصر الجاهلي ولا سيما عرب الحجاز الذين صفت لغتهم، ورقّ وجدانهم، وأرهفت أذواقهم، وذاعت فصاحتهم, وسمت أساليبهم، حتى كانت لغتهم هي اللغة المختارة التي نزل بها الذكر الحكيم, الذي يعتبر إعجاز البلاغة العربية وتاجها. كما تتضح مظاهر حياتهم العقلية في معارفهم وثقافتهم العامة التي تتحدث عنها مصادر الثقافة العربية القديمة.
ولعرب الحجاز ثقافات وتجارب في الحياة، وأهم هذه المعارف هي:
١- الأخبار: ليس غريبا أن يكون العرب رواة حفاظا؛ لأنهم كانوا أميين يعتمدون على حافظتهم، وكانوا -إلى ذلك- قليلي الأعمال، يحبون السمر والحديث، فرووا أخبارا كثيرة اعتمد عليها المؤرخون في عصر التدوين، ولم يقتصروا فيما رووه على أخبار العرب, بل رووا الكثير من أخبار الأمم المجاورة لهم. فمن سكن مكة أحاط بأخبار العرب العاربة وأخبار أهل الكتاب والأمم التي كانت قريش تتجر معها. ومن سكن الحيرة، خبر بأخبار العجم؛ لمجاورته لهم، وأخبار حمير. ومن سكن الشام خبر بأخبار الروم واليونان. ومن سكن البحرين وعمان، خبر بأخبار السند وفارس. ومن سكن اليمن أخبر بأخبار أمم كثيرة. وكان النضر بن الحارث يروي أخبار الفرس والأكاسرة ويعارض بذلك ما يتلوه النبي ﷺ من القرآن١.
стр. 209
ولكن ما ورد من هذه الأخبار لم يسلم من الدسّ والتحريف والمبالغات كما حدث لغيرهم من الأمم، إلا ما تضافرت الروايات على صدقه، كقصة الفيل ونحوها.
٢- الأنساب: وكانوا من أحفظ الأمم, وأشدها عناية بحفظ أنسابهم؛ لأنها مناط فخرهم وعزّهم ومدار منافراتهم, وهم إليها محتاجون في حروبهم للتناصر والتساند, فكان أحدهم إذا سُئل عن نسبه، ذكر عددا كبيرا من آبائه. وكان في كل قبيلة نَسَّابة يعرف من أنساب العرب وقبائلهم وبطونهم وأفخاذهم ومفاخرهم ومثالبهم وأيامهم ووقائعهم ما يستوجب العجب والدهشة, ويستطيع أن يلحق الفرع بأصله وينفي عن القبيلة من ليس من أبنائها.
وكان من أشهر النسابين في العصر الجاهلي وما بعده: أبو بكر الصديق، وينسب إليه كثير من ألوان الحذق في معرفة النسب العربي ومفاخره ومغامزه, حتى إن حسان بن ثابت لما أراد هجاء قريش بعث به الرسول -صلوات الله عليه- إلى أبي بكر؛ ليعلمه نسبهم وما يمكن القدح من جهته وما لا يمكن. ولما سمع أبو سفيان قصيدة حسان في هجائه التي يقول منها:
وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد
ومن ولدت أبناء زهرة منهم ... كرام ولم يقرب عجائزك المجد
قال: هذا الشعر لم يغب عنه ابن أبي قحافة.
ولما هجا حسان قريشا، قال له رسول الله صلوات الله عليه: "كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمي "؟ فقال: والله لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، فقال له: "ايت أبا بكر؛ فإنه أعلم بأنساب القوم منك" فكان يمضي إلى أبي بكر ليقفه على أنسابهم، فكان يقول له: كف عن فلانة وفلانة واذكر فلانة وفلانة، فلما سمعت قريش شعر حسان قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة. وأبو بكر هو صاحب المثل المشهور: "إن البلاء موكل بالمنطق".
وطبقات الأنساب عندهم: الشعب، فالقبيلة، فالعمارة، فالبطن، فالفخذ, فالفصيلة.
стр. 210
فالشعب: النسب الأبعد, كعدنان وقحطان. والقبيلة: ما انقسم فيه الشعب, كربيعة ومضر. والعمارة: ما انقسمت فيه القبائل, كقريش وكنانة. والبطن: ما انقسمت فيه العمارة، كبني عبد مناف وبني مخزوم. والفخذ: ما انقسم فيه البطن, كهاشم وبني أمية. والفصيلة: ما انقسم فيه الفخذ، كبني أبي طالب وبني العباس.
فالفخذ يجمع الفصائل، والبطن يجمع الأفخاذ، والعمارة تجمع البطون، والقبيلة تجمع العمائر، والشعب يجمع القبائل.
وإذا تباعدت الأنساب، صارت القبائل شعوبا والعمائر قبائل.
٣- النجوم: وكان لهم معرفة بأسماء النجوم, وطلوعها وغروبها. دعاهم إلى ذلك اعتمادهم عليها في سيرهم برا وبحرا، وساعدهم على ذلك: صفاء جوهم، ومعرفة خلطائهم من الكلدانيين "الصابئة" الذين كانوا كثيرين ببلاد العرب، وقد عرفوا السيارات السبع.
كما عرفوا البروج المجموعة في قول الشاعر:
حمل الثور جوزة السرطان ... ورعى الليث سنبل الميزان
ورمى عقرب بقوس لجدي ... نزح الدلو بركة الحيتان١
وإن تشابه أسماء السيارات والأبراج أو اتحادها في العربية والكلدانية, لدليل على اعتماد العرب في هذه المعارف على الصابئة.
٤- المطر والرياح: وكان لهم بالأمطار والرياح عناية كبيرة؛ لاعتمادهم عليها في حياتهم، فاستطاعوا بتجاربهم أن يعرفوا السحاب الممطر والكهام والبرق الخلب والصادق٢ ودلالة الرعد على قرب المطر أو بعده، والسحب
стр. 211
التي أمطرت، وفي أي مكان سقط مطرها، والسحب التي لم تمطر، ومتى تمطر, ولا يزال في الكثير من البداة مثل هذه الفراسة. وفي كتب الأدب من الأخبار في ذلك الشيء الكثير، روى صاحب الأغاني: أن أعرابيا مكفوف البصر خرج ومعه ابنة عم له ترعى غنما لها، فقال لها: أجد ريح النسيم قد دنا، فارفعي رأسك فانظري. فقالت: كأنها بغال دهم١ تجر جلالها. فقال: ارعي واحذري. ثم مكث ساعة، وقال: إني لأجد ريح النسيم قد دنا، فانظري. قالت: هي كما قال الشاعر:
دان مسف، فويق الأرض هيدبه٢ ... يكاد يدفعه من قام بالراح
كأنما بين أعلاه وأسفله ... ريط منشرة أو ضوء مصباح٣
فقال: انجي، لا أبا لك، فما انقضى كلامه حتى هطلت السماء.
وأما الرياح فقد عرفوا صفاتها وأنواعها، ومنها: الصبا والقبول والدبور والنعامى والشمال والجنوب والنكباء والسوافي والحواصب والصرصر والعاصف والسماء والمعصرات والأعاصير وغير ذلك.
٥- الملاحة: وكانت جدة هي ميناء الحجاز، وكانت السفن تخرج منه إلى البحر للصيد والتجارة شأن عرب اليمن والبحرين، وكان عرب الحجاز القريبون من سيف البحر يشاهدون المراكب غادية ورائحة، فاحتاجوا إلى ألفاظ لها ولأجزائها، فقالوا: سفينة وشراع وقارب ومجداف وسكان وجؤجؤ وربان ... إلخ.
٦- الطب، وكان لهم منه نصيب مكتسب بالتجارب، أو منقول عن غيرهم من الأمم المجاورة، يتوارثونه عن مشايخهم وعجائزهم، وكانوا يعالجون مرضاهم بخلاصة النبات، أو بالعسل، أو بالكي، وأحيانا بالبتر وبالحجامة. وكثير منهم كان يعالج المرضى بالرقى والعزائم. وأخذ بعضهم الطب عن الروم
стр. 212
والفرس قبيل الإسلام، ومن أشهر أطبائهم: الحارث بن كلدة الثقفي المتوفى عام ٤٣هـ، وهو من ثقيف ورحل إلى فارس، وتعاطى الطب هناك, ثم عاد إلى بلاده، وأدرك عصر الرسول، وعاش حتى أدرك عهد معاوية، وكان الرسول -صلوات الله عليه- يشير على من به علة أن يستوصفه، ومن حكمه: "البطنة بيت الداء, والحمية رأس الدواء".
ويؤخذ مما حوته اللغة العربية من أسماء العلل والأمراض والعقاقير أنهم عرفوا كثيرا من الأمراض وأنواع علاجها، كما أن الناظر في كتب فقه اللغة, يتبين من ذكرهم أعضاء الجسم الإنساني كلها, ما ظهر منها وما بطن -من الرأس إلى القدم والعروق- أنهم كانوا يعرفون التشريح.
وقد عرفوا أيضا محاسن الخيل وعيوبها, وأمراضها وعلاجها مما يسمى الآن "الطب البيطري" "بيطر الدابة: عالجها, فهو مبيطر وبيطار, وصنعته البيطرة".
٧- القيافة: ومن أهم معارفهم قيافة الأثر؛ وهي تتبع آثار الأقدام والأخفاف والحوافر والاستدلال بها على ذويها، وبذلك تعرف النعم الضالة والمسروقة، ومسالك اللصوص والفارين ... وقد مهروا في ذلك حتى كانوا يميزون بين قدم الشاب والشيخ, والرجل والمرأة, والبكر والثيب, وتعتمد الحكومة المصرية إلى الآن على فريق من العرب في تعقب اللصوص والسفاكين والمهربين.
وقيافة البشر، وهي الاستدلال بهيئة الإنسان وملامحه وأعضائه على نسبه. وقد روي أن قائفا دخل فرأى أسامة بن يزيد وزيدا، وعليهما قطيفة قد غطيا بها رءوسهما وبدت أقدامهما, فنظر إليها وقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسُرّ بذلك النبي ﷺ .
٨- الفِراسة: وكان لهم نصيب كبير أيضا من الفراسة, وهي الاستدلال بهيئة الشخص وشكله ولونه وكلامه على أخلاقه وفضائله ورذائله، ومرجعها إلى العقل، فكلما كان أكمل كانت أقوى.
يحكى أن أولاد نزار: مضر، وربيعة, وإيادا، وأنمارا، ساروا إلى الأفعى الجرهمي ليحكم بينهم في ميراث, فرأوا كلأ مرعيا، فقال مضر: إن البعير الذي
стр. 213
رعاه أعور، وقال ربيعة: هو أزور، وقال إياد: هو أبتر، وقال أنمار: هو شرود، فصادفهم صاحبه, فسألهم عنه فوصفوه له, فتعلق بهم وسألهم إياه, فأقسموا ما رأوه, فقال: كيف وقد وصفتموه؟! قال مضر: رأيته يرعى جانبا دون جانب فعرفت أنه أعور، وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه أزور، وقال إياد: رأيت بعره مجتمعا فعرفت أنه أبتر، وقال أنمار: رأيته يرعى المكان الملتف ثم يجوز إلى غيره فعرفت أنه شرود. فقال لهم الجرهمي: اطلب بعيرك من غيرهم.
وعرب اليمن أوفر حظا من غيرهم في الفراسة، ويقال: إن الإمام الشافعي ﵁ أخذها عنهم، فكان له منها نصيب كبير.
ومن الفراسة الريافة، وهي معرفة مواطن الماء في الأرض ببعض الأمارات؛ كشم التراب والنبات، ويقال: إن في الحجاز ونجد من يعرف ذلك إلى الآن.
٩- الكهانة والعرافة١: قيل: هما شيء واحد وهو الإخبار عن المغيبات، ماضية أو مستقبلة أو حالية, اعتمادا على القرائن، أو على النجوم، أو على الحصى، أو الجن في زعمهم، أو بقياس المستقبل على الماضي. وقيل: إن الكهانة الإخبار عن الماضي والمستقبل، والعرافة الإخبار عن الماضي فقط. وقيل: إن الكهانة خاصة بالمستقبل، والعرافة خاصة بالماضي. وكانت الكهانة فاشية في العرب قبل الإسلام، فكانوا يفزعون إلى كهنتهم في تعرف الحوادث والفصل في الخصومات وعلاج المرضى ومعرفة المستقبل وتعبير الرؤى، كما كان الحال عند غيرها من الأمم القديمة، كمصر وبابل وغيرهما، حتى جاءت الشريعة الإسلامية فأبطلتها٢ ونهت عن الاعتماد عليها؛ لكثرة الكذب فيها، وحماية للعامة من أن يفتنوا بهم فيضلوا عن الدين الحنيف.
стр. 214
ويظن بعضهم أن الكهانة نقلت إلى العرب على يد الصابئة مع المعارف النجومية الآنفة، مستدلا بأن العرب يسمون الكاهن جازيا وهو لفظ كلداني، معناه: الناظر أو البصير، ويدل عندهم على الحكيم والنبي. فكان الكهنة ببلاد العرب من الصابئة أولا، ثم من اليهود، وبعد ذلك ظهرت في العرب، وادعاها منهم رجال ونساء كثيرون، سيأتي الكلام عليهم في السجع.
стр. 215
الباب الخامس: شخصيات حجازية في العصر الجاهلي
ورقة بن نوفل القرشي الحجازي
١- كان ورقة بن نوفل القرشي حكيما متدينا موحدا، وشاعرا بليغا مجيدا، وسيدا شريفا سريا في قومه، عاش يتلمس دين التوحيد في عصر الوثنية الجاهلية، ويبشِّر بقرب ظهور نبي العرب وخاتم الرسل، ويولي وجهه شطر السماء ينشد الهداية والنور, حتى أدرك بعثة سيد الأنبياء محمد صلوات الله عليه.
وكان العرب قبل البعثة المحمدية في حيرة وضلال، لا يجمعون على دين، ولا يتفقون على عبادة؛ عبد جمهورهم الأوثان والأصنام، وفريق منهم عبدوا الشمس أو القمر أو الكواكب، وآخرون دانوا بالنصرانية أو اليهودية. وجماعة منهم اعترفوا بوجود الله ووحدانيته، وظلوا على فطرة التوحيد الخالص، وعبدوا الله على دين إبراهيم وإسماعيل؛ يعظمون الشعائر، ويؤدون المناسك، ويقدسون البيت الحرام، ويلتزمون الحج والعمرة والطواف والوقوف بعرفة ونحر الذبائح والأضاحي، وسوى ذلك من ألوان العبادات والطاعات، ومنهم: ورقة، وأمية بن أبي الصلت، وزيد بن عمرو بن نفيل, وكعب بن لؤي، وقصي، وعبد مناف، وهاشم، وعبد المطلب.
في هذه الحيرة والضلال، ونحو عام ٥٢١ ميلادية، قبل ميلاد محمد ﷺ بنصف قرن، ولد في مكة ورقة القرشي ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، من بيت عرف بالسيادة وكرم المحتد ... وأي مجد ومحتد يبلغان ما بلغته منهما قريش، سادة العرب وسدنة البيت العتيق؟